← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٥ - يُقَارِنُ بينَ الآراءِ المُخْتَلِفَةِ في المَذْهَبِ، ويُرَجحُ في الغَالبِ مَا يَظْهَرُ له أَنَّهُ القَوْلُ الرَّاجِحُ، مُعْتَمِدَاً في ذَلِكَ علَى مُرَجِّحَاتٍ تَجْعَلُنَا نُقِرُّ لهُ بالتَّمَيُّزِ في هَذا المَيْدَانِ. ٦ - يُرَاعِي الإخْتِصَارِ بِقَدْرِ الإمْكَانِ مَعَ التَّلْخِيصِ والجَمْعِ للأَقْوَالِ، ولِذَا نَجِدُهُ يَبْتَعِدُ عَنْ ذِكْرِ تَفْرِيعَاتِ العُلَمَاءِ واسْتِطْرَادَاتِهِم. ٧ - يُورِدُ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مَذْهَبَ أَبي حَنِيفَةَ والشَّافِعِيِّ، وقَدْ يُورِدُ أَحْيَاناً أَقْوَالاً لِعُلَماءٍ آخَرِينَ، ثُمَّ يُعَقِّبُ عَلَيْهَا بِمُلاَحَظَاتٍ لاَ تَخْلُو مِنْ نَظَراتٍ نَقْدِيَّةٍ، مُسْتَنِداً على أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ مِنْ شُيُوخهِ ومِمَّنْ فَوْقَهُمْ، كَقَوْلهِ: (وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: اللِّعَانُ شَهَادَةٌ، ولاَ يُلاَعَنُ إلَّا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يُرَدُّ هذَا القُوْلَ قَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَدَخَلَ في هذَا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، ومَنْ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ) (١). وكقوله: (وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: إذا ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ لَمْ تُقْتَلْ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ في الجِهَادِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يَرُدُّ قَوْلَ أَبي حَنِيفَةَ هَذَا قَوْلُ النبي ﷺ : (مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)، وهَذا عَامّ فِيمَنِ ارْتَدَّ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، ولَيْسَ هُوَ فِيمَنْ غَيَّر دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ بِدِينٍ سِوَاهُ مِنْ دِينِ الكُفْرِ، لأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ ضَلاَلَةٍ إلى ضَلاَلَةٍ) (٢). وقال أيضاً: (قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ عُثْمَانَ بنِ عَفَانَ، وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وعَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ في العَبْدِ يُطَلِّقُ الحُرَّةَ تَطْلِيَقَتَيْنِ أنَّهَا لاَ تَحِل لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وهَذا يَرْدُّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: الطَلاَقُ والعِدَّةُ بالنِّسَاءِ، وَهُو قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، يَقُولُ: إذا طَلَّقَ العَبْدُ الحُرَّةَ بِتَطْلِيقَتَيْنِ أَنَّها لا تَبِينُ مِنْهُ إلَّا بِثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ) (٣). ونَلْحَظُ أَنَّ أبا المُطَرِّفِ أَغْفَلَ مَذْهَبَ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ الفِقْهِي فَلَمْ يَنْقُلْ

стр. 72

عَنْهُ شَيْئاً يَتَعَلَّقُ بالفِقْهِ، وإنْ كَانَ قد نَقَلَ عنهُ بَعْضَ رِوَايَاتهِ وأَقْوَالهِ الحَدِيثيِّةِ، وهَذا الإغْفَالُ لِمَذْهَبِ أحمدَ إنَّمَا هُوَ صَنِيعُ كَثبرٍ مِنَ المُصَنِّفِينَ في المغرِبِ والأَنْدَلُسِ، ويَرْجعُ ذلك في نَظَرِي إلى أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إمَّا لأَن الإمَامَ أحمدَ كَانَ مُحَدِّثاً أَشْهَرَ منهُ فَقِيهَاً، وإمَّا لِكَونِ مَذْهَبهِ الفِقْهِي لَمْ يَدْخُلِ الأَنْدَلُسَ، فلم يُعرفْ هناك حَيْثُ كانَ المذهَبُ المالِكِيُّ هُو السًّائِدُ. ٨ - يَتَصرَّفُ في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ في مَتْنِ المُوطَّأ بالإخْتِصَارِ تَارَةً، وبِتَغْيِيرِ الأَلْفَاظِ الوَارِدَةِ إذا لَمْ تَخِلَّ بالمَعْنَى تَارَةً أُخْرَى. ٩ - يُشِيرُ في بَعْضِ المَوَاضِع إلى العِلَلِ الحَدِيثيِّةِ الوَاقِعَةِ في المُتُونِ والأَسَانِيدِ بإشَارَاتٍ مُفِيدةٍ، لَكِنَّهَا مُخْتَصَرة، مُسْتَأْنِسَاً بِمَا يَنْقُلُه عَنْ شُيُوخِهِ أَو غَيْرِهِم. * * * المَطْلَبُ الثَّاني مسلك المؤلف في استخراج الفوائد أَظْهَرَ أبو المُطَرِّفِ في كِتَابهِ فَوَائدَ جَلِيلَةً، ومَسَائِلَ مُفِيدَة لأَرْبَابِ الحَدِيثِ والفِقْهِ، خُصُوصاً المالِكيَّةَ، تُؤكِّدُ أنَّهُ كَانَ فَقِيهَاً بَارِعَاً، ومُحَدِّثاً مُتْقِنَاً، ومُحَقِّقَاً نَاقِدَاً، وأنَّهُ كَانَ مُتَّبعَاً مَنْهَجَ السَّلَفِ وجُمْهُورِ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ في قَضَايا العَقِيدَةِ، ولِهَذا سَأُخَصِّصُ هذا المَطْلَبَ لآرَائهِ في العَقَائدِ، والتَّفْسِيرِ، والحَدِيثِ، والفِقْهِ، والأُصُولِ، واللُّغَةِ، وفَوائِدَ أُخرى غير ذلك، على النَّحْوِ التَّالِي: أولاً: مسائلُ في العَقِيدَةِ: عُنِي أَبو المُطَرِّفِ عِنَايةً جَيِّدَة بإقْرَارِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ، وفِيما يَلِي جُمْلَةً مِنَ النَّمَاذِجِ: ١ - عَرَّفَ أَبو المُطَرِّفِ الإيمانَ بِمَا قَرَّرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ مِنْ أَنَّهُ قَوْلٌ باللِّسَانِ، وتَصْدِيقٌ بالجَنَانِ، وعَمَلٌ بالأَرْكَانِ، فقالَ: (فالإيمَانُ قَوْلٌ باللِّسَانِ،

стр. 73

وإخْلاَصٌ بالقَلْبِ، وعَمَلٌ بالجَوَارِحِ، وإصَابةُ السُّنَّةِ) (١). وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: (الإيمَانُ قَوْلٌ، وعَمَلٌ، ونيَّةٌ، وإصابَةُ السّنَّةِ) (٢). ٢ - قَرَّرَ في أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِع بأَنَّهُ لا يُخَلَّدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ في النَّارِ، وأنَّ العُصَاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الذين ارتكبوا كبائر الذنوب غير الشرك في مَشِيئَةِ اللهِ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُم، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وَهُو بِهَذا يَرُدُّ عَلَى بَعْضِ الطَّوَائِفِ كالخَوَارجِ، القَائِلِينَ بأن العُصَاةَ يُعَذَّبُونَ ولاَ بُدَّ، وَهُم بِذَلِكَ أَخْرَجُوهُم مِنَ الإسْلاَمِ بالكُليَّةِ، وأَدْخَلُوُهم في دَائِرَةِ الكُفْرِ، وعَامَلُوهُم مُعَامَلَةَ الكُفَّارِ، وكالمُعْتَزِلةِ القَائِلِينَ بأَنَّ العَاصِي لاَ يُسَمَّى مُؤْمِنَاً، ولاَ كَافِراً، ولاَ مُنَافِقَاً، بلْ فَاسِقَاً، وأَنَّهُ مَنْزِلَةٌ بينَ المَنْزِلتَيْنِ، وكَالمُرْجِئَةِ الذينَ قَالُوا: إنَّ العُصَاةَ كُلَّهُم يُغْفَرُ لَهُم ولاَ بُدَّ، وأنَّه لاَ يَضُرُّ ذَنْبٌ مَعَ الإيْمَانِ (٣)، فقالَ: (غيرَ أنَّهُ لا يَخُلَّدُ في النَّارِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؛ لأنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: (إنَّ اللهَ يقُولُ يومَ القِيَامَةِ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُم في قَلْبِه مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ فأَخْرِجُوه مِنَ النَّارِ، فَيَخْرُجُونَ منها بإيمَانِهم فَيَدْخُلونَ الجَنَّةَ) (٤). - وقالَ أيضاً: (وأَهْلُ السُّنَّةِ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّ اللهَ ﵎ في وَعْدِه للطَّائِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يُخْلِفُهُ، وأنَّهُ في وَعِيدِه لأَهْلِ التَّوْحِيدِ المُعَانِدينَ الذينَ يَسْتِحلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ بالخِيَارِ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُم، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) [النساء: ٤٨].

стр. 74

- وقال في حديث ذكره: فَفِي هَذا دَلِيل على أَنَ مَنْ سَجَدَ للهِ مُؤْمِناً بِهِ مُصَدِّقَاً بِنَبيّهِ ﷺ أنَّهُ يَحْتَبجُّ بِذَلِكَ عِنْدَ اللهِ، وَلاَ يُخَلَّدُ في النَّارِ، وإنْ وَاقَعَ الكَبَائِرَ، وَيَصْدُقُ هَذَا قَوْلُهُ في حَدِيثِ الشَفَاعَةِ: (أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ في قَلْبهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيِمَانٍ" (١). - وقالَ: (تَفَضَّلَ اللهُ تعَالى لِمَن ارْتَكَبَ ذُنُوباً غَيْرَ الشِّرْكِ بالمَغْفِرَةِ إنْ شَاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الرَّجُلِ الذي طَلَبَ أَنْ يُحْرَقَ بعدَ مَوْتهِ، وأنَّ اللهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ، وغَفَرَ لَهُ بِخَشْيَتِه للهِ، وهذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ كَانَ مُوحِّدَاً مُقِرَّا باللهِ، وقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ: إنما غَفَرَ اللهُ لِهَذا الرَّجُلِ مِنْ أَجْلِ تَوْبَتِه التي تَابَهَا، وقَالَتْ فِرْقَة آخَرَوُنَ مِنْهُم إنما غَفَرَ اللهُ لَهُ بأَصْلِ تَوْحِيدِه الذي لا يَضُرُّ مَعَهُ عَمَل، وقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ اللهَ ﵎ تَفَضَّلَ على هذَا الرَّجُلِ فَغَفَر لَهُ، كمَا قالَ ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فَهَذِه الآيةُ تَأْوِيلُ مَا تأَوَّلَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ في هذَا الحَدِيثِ) (٢). - وقالَ وَهُو يُقَرِّرُ هذا المبدأ وُيزِيلُ إشْكَالاً جَاءَ في حَدِيثِ: "من اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ"، فقالَ: (وطَرِيقُ هَذا الحَدِيثِ طَرِيقُ الوَعِيدِ، ولَا تُحَرَّمُ الجَنَّةُ ويُخَلَّدُ في النَّارِ إلا أَهْلُ الكُفْرِ، وقَدْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْم مِنَ المُسْلِمينَ بَعْدَ أَنِ احْتَرَقُوا فِيهَا، فَيْدْخَلُونَ الجَنَّةَ، لا خِلاَفَ بينَ أَهْلِ السُّنَّةِ في هَذَا) (٣). ٣ - مَسَائِلُ الأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ: قَرَّر أبو المُطَرِّفِ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مَذْهَبَ السَّلَفِ في هَذِه المسألةِ الشَّائِكَةِ، وَهِيَ إثْبَاتُ ما أثْبَتَهُ اللهُ تعَاَلى في كِتَابهِ وَرَسُولهُ ﷺ مِنَ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى والصِّفَاتِ العُلاَ إثباتًا يَلِيقُ بهِ سبحانه بلاَ تَحْرِيفٍ، ولَا تَعْطِيل، ولَا تَشْبِيه، ولَا تَكْيِيفٍ، ولا تَمْثيلٍ.

стр. 75

فقالَ وَهُو يَتَحَدَّثُ عَنْ إثباتِ اليَمِينِ للهِ تَعَالَى: (هَذا حَدِيثٌ صَحِيح، وفِيهِ: أَنَّ للهِ يَمِينَاً، وكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ بِلاَ كَيْفٍ ولَا تَحْدِيدٍ) (١). - وأَثْبَتَ صِفَةَ النُّزُولِ للهِ بمَا يَلِيقُ بهِ سُبْحَانَهُ، فقالَ: (حَدِيثُ التَّنَزُّلِ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ الأئِمَّةُ الثقَاتِ مِنْ أَهلِ السُّنَّةِ، وسَلَّمُوهُ، ولَمْ يَطْعَنُوا فيهِ). ثُمَّ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ في الإسْتِوَاءِ، فقالَ: (وقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلهِ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ اسْتَوى، فأَعْظَمَ المَسْألةَ في ذَلِكَ؟ وقَالَ: الإسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ نَحْنُ: التَّنَزُّلُ مَعْلُوم والكَيْفُ مَجْهُولٌ) (٢). - وأثبتَ صِفَةَ العُلوِّ لله ، فقالَ: (وفِي هَذا الحَدِيثِ [يعني حديث الأمة السوداء، بَيَان أَنَّ اللهَ ﵎ في السَّمَاءِ، فَوْقَ عَرْشِهِ، وَهُو في كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى آخِرِ الآيةِ، يَعني: يُحِيطَ بِهِم عِلْمَاً، ويَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ومَا يُعْلِنُونَ) (٣). - وأثبتَ صِفَةَ الكَلاَمِ له تعَالى، فقالَ: (والقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ ﵎، وصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، لَيْسَ بِخَالِق ولَا مَخْلُوق، ولَكِنَّهُ كَلاَمُ اللهِ الخَالِقِ) (٤). - وأَثْبَتَ القَدَرَ لله ، وأنَّ أَفْعَالَ العِبَادِ قَدَّرَها اللهُ تعالى على العِبَادِ، فقالَ: (وأَدْخَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ آدَمَ ومُوسَى حُجَّةً بأن أَعْمَالَ العِبَادِ كُلَّهَا قَدْ قَدَّرَهَا اللهُ ، وأَنَّهُ عَلِمَهَا قَبْلَ كَوْنِهَا، بِخِلاَفِ قَوْلِ أَهْلِ البدع الذينَ يَقُولُونَ: (أَفْعَالُ العِبَادِ لَيْسَتْ مُقْدُورَةَّ للهِ)، ويَقُولُونَ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ الأًشيَاءَ كُلَّهَا غَيْرَ الأَعْمَالِ)، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّاً كَبِيرَاً، قالَ اللهُ تعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ

стр. 76

وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) [الأعراف: ٥٤]. ٤ - إثْبَاتُ عَذَابِ القَبْرِ ونَعِيمهِ، فقالَ: (: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ -في حَدِيثِ الكُسُوفِ أَنَّ عَذَابَ القَبْرِ حَقٌّ، وأنَّ العَبْدَ يُسْألُ في قَبْرِهِ، قالَ اللهُ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ثُمَّ ذَكَرَ العَذَابَ، فقالَ: (ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَة تَفْتَرِقُ أَوْصَالُهُ، وهذَا أَصْلٌ صحِيح عندَ أَهْلِ السُّنَّةِ لا يَخْتَلِفُونَ فيهِ، ومَنْ قَالَ بِخِلاَفهِ فَهُو كَاذِبٌ مُفْتَرِي) (٢). ٥ - الثَّنَاءُ على الصَّحَابةِ ﵃، وبيانُ فَضْلِهِمْ، فقالَ وَهُو يَتَحَدَّثُ عَنْ عُمَرَ ﵁: (وكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ صَحِيحَ الفِرَاسَةِ، جَلِيلَ القَدْرِ عِنْدَ اللهِ ، وَعِنْدَ المُسْلِمِينَ. قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ: "إنَ اللهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وقَلْبهِ"، "وَلَمْ يَلْقَهُ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكَاً فَجَّاً إلَّا سَلَكَ فَجَّا غَيْرَ فَجِّهِ"، وَوَافَقَ رَبَّهُ جَلَّ وَعَزَّ في ثِلَاثٍ، وَوَافَقَهُ رَبُّهُ جَلَّ وَعَزَّ في ذَلِكَ، إلى غَيْرِ مَا شَيءٍ يَطُولُ الكِتَابُ ببَعْضِ فَضَائِلِه، ﵁، وَعَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ لَهُمْ بإحْسَان) (٣). - وذَكَر حَدِيثاً ثُمَّ رَدَّهُ فقالَ: (قال لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هَذا حَدِيثٌ شِيعِيٌّ كَذِبٌ لا يَصِحُّ، وإنَّمَا أَرَادَ بهِ نَاقِلُهُ الطَّعْنَ عَلَى عَائِشَةَ بِخُروجِهَا في دَمِ عُثْمَانَ، وحَجُّهَا بَعْدَ النبيِّ ﷺ ، وَمَا كَانَتْ عَائِشَةُ لِتَسْمَعُ هَذا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ تُخَالِفُهُ) (٤). ٦ - مَوْقِفُهُ مِنْ أَهْلِ البدَع، فقد ذكر قوماً من البغاة الذين خَرَجُوا على الإمَامِ، وأنه ينبغي أن يُقَاتَلُوا، فقَال: (إِنَّ القَدَرِيَّةَ وغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ البِدَع إذا خَرَجُوا عَلَى إمَامٍ عَادِلٍ يُرِيدُونَ قِتَالَهُ، ويَدْعُونَ إلى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإنِّهَمْ يُدْعَوْنَ إلى السُّنَّةِ

стр. 77

والجَمَاعَةِ، فإن أَبَوا أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ بِدْعَتِهِمْ ومَا هُمْ عَلَيْهِ قُوتلُوا) (١). - وذكر بأن أهل البدع لاَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ، ولَا يُنْكَحُ إليهِم، ولَا يُعَادُ مَرِيضُهُمْ، ولا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ (٢). - وذكر قصة صَبِيغ الذي كان يُتَّهَمُ بِرَأْي الخَوَارِج وأَهْلِ الأَهْوَاءِ، وقد سَأَلَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ عَنِ الذَّارِيَاتِ، والمُرْسَلَاتِ، والنَّازِعَاتِ، فأَمَرَ بهِ فَضُرِبَ بِجَرَائِدِ النَّخِيلِ حتَّى أُدْمِي جَسَدُهُ، ثم قال المصنف: فَفِي هَذا مِنَ الفِقْهِ: أَنَّهُ مَنْ سَأَلَ عَالِمَاً عَنْ مَسْأَلةٍ فَجَاوَبَهُ عَنْهَا أَنْ يَقْنَعَ بِجَوَابِهِ، ولَا يَتَعَسَّفَ في سُؤَالِهِ، فَمَنْ فَعَلَ هَذا وأَكْثَرَ مِنْهُ عُوقِبَ عَلَى فِعْلِهِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَنْ اعْتَرَضَ في سُنَّةِ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وأَصْحَابُهُ، وَوَقَفَ عِنْدَهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا بِمَا لَمْ يَقُلْهُ السَّلَفُ الصَّالحُ أُدِّبَ حتَّى يَتُوبَ، كَمَا تَابَ صَبِيغٌ، ورَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ الخَوَارِجِ (٣). ٧ - حدَّدَ البِدْعةَ وبيَّنَ أَنْوَاعَهَا، فقالَ: (قول عمر: (نِعْمَتِ البدْعَةُ) فالبَدْعَةُ بِدْعَتَانِ: بِدْعَةُ هُدَى، وبِدْعَةُ ضَلاَلَةٍ، وبِدْعَةُ الضَّلاَلةِ كُلُّ مَا ابْتُدِعَ على غَيْرِ سُنَّةِ) (١) (٤). وهذا التَّقْسِيمُ قالَ بهِ الإمامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ تعالى، فقالَ: (البِدْعَةُ بِدْعَتَانِ: بِدْعَة مَحْمُودَةٌ، وبِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ، فَمَا وَافَقَ السُّنَّةَ فَهُو مَحْمُود، ومَا خَالَفَ السُّنَّةَ فَهُو مَذْمُومٌ) (٥)، وفَسَّرَ ابنُ رَجَب الحَنْبَلِيُّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ فقالَ: (ومُرَادُ الشَّافِعيِّ أنَّ أَصْلَ البدْعَةَ المذمُومَةِ مَا لَيْسَ لَها أَصْلٌ في الشَّرِيعةِ تُرْجَعُ إليهِ وَهِيَ البدْعَةُ في إطْلاَقِ الشًّرْعِ، وأَمَّا البدْعَةُ المَحْمُودَةُ فَمَا وَافَقَ السُّنَّةَ، يَعْنِي مَا كَانَ لَهَاَ أَصْل مِنَ السُّنَّةِ تُرْجَعُ إليهِ، وإنما هِيَ بِدْعَةٌ لُغَةً لا شَرْعاً لِمُوَافَقَتِهَا

стр. 78

السُّنَّةَ) (١)، قُلْتُ: ويُؤَكِّدُ هذا التَّفْسِيرَ أنَّ للشَّافِعِيِّ قَوْلٌ يُوضِّحُ قَوْلَهُ الأوَّلِ فقالَ: (المُحْدَثَاتِ ضَرْبانِ، مَا أُحْدِثَ يُخَالِفُ كِتَاباً أو سُنَّة أو أثرًا أو إجْمَاعاً فَهَذِه بِدْعَةُ الضَّلاَلِ، وما أُحْدِثَ مِنَ الخَيْرِ لاَ يُخَالِفُ شَيْئا مِنْ ذَلِكَ فَهَذِه مُحْدَثةٌ غيرُ مَذْمُومةٍ) (٢). ٨ - حكم بقتل كل من سبّ رسول الله ﷺ -أو ازدراه، وحكم أيضاً بقطع نصيب من سبّ أحداً من الصحابة، فقال وهو يتحدَّث عن سبب أمر النبي ﷺ بقتل ابن خَطَل عند فتح مكّة: (وهَذا حُكْمُ كُلِّ مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَو قَالَ: إنَّ ثَوْبَهُ أو إزَارَهُ وَسِخٌ أَنْ يُقْتَلَ، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ كُلِّه الإزْرَاءَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَحُكْمُهُ القَتلُ. وكَذَلِكَ لاَ حَظَّ فِي شَيءٍ مِنَ الفَيءِ، ولَا سَهْمَ لِمَنْ دسَبَّ وَاحِدَاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْ جَمِيعِ أَصْحَابهِ) (٣). ثانياً: تَفْسِيرُ القُرآنِ الكَرِيمِ: لقدْ عُنِي أَبو المُطَرِّفِ عِنَايةً جَيَّدة بإيرادِ الآياتِ القُرآنيةِ وتَفْسِيرِهَا وتَوْجِيهِهَا، والإحْتِجَاجِ بِهَا على الخُصُومِ والمُخَالِفِينَ. وفِيمَا يَلِي بعضَ النَّمَاذِجِ: فقال: (قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يعني: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ صَلاةً الصُّبْحِ والظُّهرِ والعَصْرِ، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المَغْرِبَ والعِشَاءَ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤) [هود: ١١٤]. (وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾، يَعْنِي: ﴿اصْبِرُوا﴾ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أَي: صَابِرُوا المُشْرِكِينَ، ﴿وَرَابِطُوا﴾، يَعْنِي: جَاهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] والفَلَاحُ:

стр. 79

البَقَاءُ في الجَنَّةِ، و (لَعَلَّ) مِنَ اللهِ حَتْمٌ وَاجِبٌ) (١). "وقال اللهُ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦] يَعْنِي: أَنَّهَا تَضُمُّ الخَلْقَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ عَلَى ظَهْرِهَا، وتَضُمُّهُمْ إذا مَاتُوا وصَارُوا فِي القُبُورِ) (٢). ثالثاً: عُلُومُ الحَدِيثِ: حَرَصَ أَبو المُطَرِّفِ في كِتَابهِ عَلَى شَرْح الأَحَادِيثِ وتَوْجِيهِها، والرَّدِّ بِهَا على الخُصُومِ، وعلَى هَذا بَنَى كِتَابَهُ، وحَرَصَ أيضاً على إظْهَارِ جَوَانِبَ أُخْرَى تتعلَّقُ بِعُلُومِ الحَدِيثِ، وسَلَكَ في هذا مَسَالِكَ مُخْتَلِفَةً على النَّحْوِ التَّالِي: ١ - نَقَلَ كَثبراً مِنَ الأَقْوَالِ في الكَلاَمِ على الأَحَادِيثِ مِنْ حَيْثُ صِحَّتُهَا أو ضَعْفُهَا، والأمثلةُ في هذا كَثيرةٌ، ولكنْ لا بأسَ بِذْكِر مِثالٍ لِذَلِكَ: - نقلَ في أَوَّلِ بابِ جَامِعِ الوُضُوءِ عَنْ أحمدَ بنِ خَالِدٍ القُرْطبِيِّ المَعْرُوفِ بابنِ الجَبَّابِ فقالَ: (قال أحمدُ بنُ خَالِدٍ: أَسْنَدَ ابنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ حَدِيثَهُ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عَنْ أَبي هُرَيْرةَ، أنَّ النبيَّ- ﷺ سُئِلَ عَنِ الاسْتِطَابةِ، فقالَ: "أَوَلا يَجِدُ أَحَدُكُم ثلاثَةَ أَحْجَارٍ"، قالَ ابنُ خَالِدٍ: وهُو مخَلَطٌ لم يَرْوِه أَحَدٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ أَبيهِ ... إلخ). - وقال: (حَدِيثُ (لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ) حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، ولَا يُسْنَدُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ) (٣). - وقال في حَدِيثِ: (إذا دُبِغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ)، قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: (هَذا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، لأَنَّ ابنَ وَعْلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ) (٤). ٢ - نَقَلَ أَقْولاً في الحُكْمِ على الرُّوَاةِ جَرْحاً وتَعْدِيلاً، وإليكَ اسْمَاءَ الرُّوَاةِ

стр. 80

الذين جَرَّحَهُم أو عَدَّلَهُم، مُرَتَبِينَ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ: - إبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ: كَانَ يَقْلِبُ الأَحَادِيثَ على وَجْهِ الغَلَطِ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحَاً (١). - سُلَيْمَانُ بنُ أَرْقَمَ ضَعِيفٌ (٢). - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ وَعْلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لاَ يُعْرَفُ (٣). - عَبْدُ الملك بنُ المُغِيرَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ (٤). - مَالِكُ بنُ أَنسَ: مَالِكٌ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، وقدْ أَجْمَعَ النَّاسُ على عَدَالَتِهِ وصِحَّةِ مَا نَقَلَ (٥). - المُسَيَّبُ بنُ وَاضِحٍ ضَعِيفٌ (٦). - هُزَيْلُ بنُ شُرَحْبِيلَ لَيْسَ بِشَيءٍ (٧). ٣ - ذَكَرَ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جَوَانِبَ مِنْ عِلَلِ الأَحَادِيثِ تتَعلَّقُ باتصَالِ الأَسَانِيدِ وانْقِطَاعِهَا، وقدْ نَقَل أَكْثَرها عَنْ شَيْخِه أَبي مُحَمَّدٍ القُرْطُبيِّ، وإليكَ أمثلةً في هذا: - قال: (وكَذَلِكَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْروِ بنِ العَاصِي غيرُ مُتَّصِلٍ، لَمْ يُدْرِك الزُّهْرِيُّ عَمْروَ بنَ العَاصِي) (٨).

стр. 81

- وقالَ: (هذَا حَدِيثٌ لَمْ يَسْمَعْهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ أَبي سَلَمَةَ) (١). - وقالَ: (لَمْ يُدْرِكْ مَطَرُ الوَرَّاقُ رَجَاءَ بنَ حَيْوَةَ) (٢). - وقالَ: (أَحَادِيثُ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّه مُرْسَلَة، لأَنَّ عَمْراً يَرْوِيها عَنْ أَبيهِ شُعَيْبٍ، عَنْ جَدِّه مُحَمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْروِ بنِ العَاصِي، ومُحَمَّدٌ جَدُّ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ لَيْستْ لَهُ صُحْبَةٌ، وقالَ يحيى بنُ مَعِينٍ: أَحَادِيثُ عَمْروِ بنِ شُعَيْب عَنْ أبيه عَنْ. جًدِّه صِحَاحٌ) (٣). - وقالَ: (في هَذا الحَدِيثِ أَنَّ أبا أُمَامَةَ الذي رَوَاهُ عَنِ النبيِّ ﷺ ليْسَ هُوَ أَبو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، وإنَّمَا هُوَ أَبَو أُمَامَةَ الحَارِثيُّ مِنْ بَنِي النَّجّارِ، ولَمْ يَصِحّ لأَبي أُمَامَةَ الحَارِثِيِّ سِمَاع مِنَ النبيِّ ﷺ ) (٤). - وقالَ عَنْ حَدِيثٍ: (وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَل، لأَنَّ شُرْحِبيلَ بنَ سَعِيدٍ لَمْ يُدْرِكْ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ) (٥). - وقالَ: (لَيْسَ يَصِحُّ للقَاسِمِ سَمَاع مِنْ أَسْمَاءَ، وحَدِيثُهُ عَنْهَا في المُوطَّأ مُرْسَلٌ) (٦). - ونقلَ عَنِ ابنِ مُزَيْنٍ: (عَبْدُ المَلِكِ بنُ قُرَيْب الذي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ هَذِه القِصَّةَ هُوَ الأَصْمَعِيُّ)، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بقولهِ: (قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ هُوَ الأَصْمَعِيُّ، لأَنَّ الأَصْمَعِيَّ لَمْ يُدْرِكْ مُحَمَّدَ بنَ سِيرِينَ، ولَا رَوَى عَنْهُ) (٧). ٤ - بيانُ الإبهامِ في المتنِ: كَقَوْلهِ نَقْلاً عَنْ أحمدَ بنِ خالدٍ: (اسْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ

стр. 82

الذي سَألَ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ عَنْ هَذِه المَسْأَلةِ أُمَيَّةُ بنُ خَالِدِ بنِ أَسِيدٍ) (١). - وقالَ في مَوْضُع آخرَ: اسْمُ البَهْزيِّ الذي أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الحِمَارَ العَقِيرَ: زَيْدُ بنُ كَعْبٍ (٢). - وقال: (كَانَ اسْمُ صَاحِبِ هَدَايَا رَسُولِ اللهِ ﷺ ذُؤيبٌ، وَهُوَ وَالِدُ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، فَذُؤَيبٌ صَاحِبٌ وابنُهُ صَاحِبٌ) (٣) ٥ - بيانُ التَّفَرُّدِ: كَقَوْلهِ في حَدِيثٍ ذَكَرهُ: "إنْفَردَ بِهَذا الحَدِيثِ يُونسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، لَمْ يَرْوهِ عنهُ غَيْرُهُ) (٤). رابعاً: علم الفقه: لقد اشتَملَ هذا الكتابُ على ثَرْوَةٍ فِقْهِيَّةٍ هَامَّةٍ فِي مَجَالِ الفِقْهِ المَالِكِيِّ عَلَى الخُصُوصِ، واعْتَمَدَ في ذَلِكَ على كِبَارِ الفُقَهَاءِ المالكيَّةِ بِدْءاً بِتَلامِذَةِ الإمَامِ مالِكٍ كابنِ القَاسِمِ، وَيحْيى، وأَشْهَبَ، وابنِ المَاجِشُونَ، وعليِّ بنِ زِيَادٍ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِم كَسُحْنُونَ، وعَبْدِ الملكِ بنِ حَبيبٍ، واصْبَغَ، وعِيسَى بنِ دِينَارٍ، كَمَا أنَّهُ أكثرَ مِنَ النَّقْلِ عَنِ المتُأخِّرينَ مِن عُلَمَاَءِ الأَنْدَلُسِ وغيرهم وأكثرهم مِنْ أعيان شُيُوخهِ، كأبي مُحَمَّدٍ، وأَبي عُمَرَ، وابنِ أَبي زَيدٍ، وأَبي بَكْرٍ الأَبهَريِّ، وآخرين ممّن ذَكَرْتهُم في مَبْحَثِ مَوَارِد المُصَنِّفِ في كِتَابهِ. والأمثلةُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدَّاً، ولا بأسَ بذكِرِ مِثَالَيْنِ: - فقد قالَ في أَوَّلِ جَامعِ الوُضُوءِ: (قولُ النبيِّ ﵇ لأهلِ القُبُورِ: "السَّلامُ عليكُم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ" وذَكَرَ الحَدِيثَ، فيه من الفِقه: إباحةُ زِيَارةِ القُبُورِ، والسَّلامُ على المَوْتَى. وقالَ بَعضُهم: في هذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّ أَرْوَاحَ المَوْتَى على أَقْبِيَةِ القُبُورِ، وأَنْكَرَ هذا القَوْلَ بعضُ شُيُوخِنا، وقالَ: ثَبَتَ عَنِ

стр. 83

النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "إنما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ مِنْ طَيْر يُعْلَقُ في شَجَرةِ الجَنَّةِ حتَّى يُرْجعَهُ اللهُ إلى جَسَدِه يومَ القِيَامةِ". وسُئِلَ يحيىَ بنُ يحيىَ عَنْ مُسْتَقَرِّ الأَروَاحِ أينَ هي؟ قالَ للسَّائِل: أينَ كانتْ قبلَ أنْ تَكْمُنَ في الأَجْسَادِ، وقالَ لَهُ: كانتْ في عِلْمِ اللهِ، قالَ له يحيىَ: وكَذَلِكَ هي بعدَ خُرُوجِها مِنَ الأَجْسَادِ في عِلْمِ اللهِ) (١). - وقال أيضاً: (وذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ لُبَابَةَ أنَّهُ كَانَ إذا ذُكرَ لَهُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا شَكَا بَعْضَهُمَا بَعْضَاً إلى الحَكَمِ أَنَّهُ يَنْبَغِي للحَكَمِ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُمَا أَمِينَاً، أو في دَارٍ أَمِين، ويُخْبِرُ الأَمِينُ الحَكَمَ بِمَا يَبْدُو لَهُ مِنْ أُمُورِهَما. فَكَانَ أَبو مُحَمَّدٍ يَقُولُ: لَسْتُ أَرَى هَذا إلَّا مَا قَالَ اللهُ ﵎: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢) [النساء: ٣٥]. خامساً: عِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ: تَنَاوَلَ أَبو المُطَرِّفِ بَعْضَ القَضَايا التي تَتَعلَّقُ بِعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وإليكَ جانباً من المسائلِ التي تتطرَّقَ لَها: ١ - نقلَ عَنْ أَبي عُمَرَ المَكْوِيِّ القُرْطُبيِّ قولَهُ: (والصَّاحِبُ إذا روَى حَدِيثاً عَنِ النبيِّ ﷺ وخَالَفَهُ بِعَمَلِه كَانَتْ عِلَّةً في الحَدِيثِ تُوجِبُ التَّوقُّفَ عنهُ) (٣). ٢ - قال: (فَنَوَاهِيه ﷺ أَلْزَمُ مِنْ أَوَامِرِه، فَلَيْسَ لنَا أَنْ نَسْتَبِيحَ شَيْئَاً مِمَّا قدْ نَهَانا عنهُ، وإنْ فَعَلَ هُوَ ذَلِكَ الشَّيءَ الذي نَهَانَا عَنْهُ) (٤). ٣ - نقل عن أبي زيد قوله: (والصَّحَابةُ إذا اخْتَلَفُوا في حُكْم مِنَ الأَحْكَامِ وَسِعَ الإخْتِلاَفُ مِنْ أَقَاوِيلِهم، والأَخْذُ بِمَّا يَقْوَى في الأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ) (٥).

стр. 84

٤ - وقال: (أَنَّ سُنَنَ النبيِّ ﷺ وأَفْعَالَهُ يُؤْتَى بِهَا كَمَا سَنَّهَا وَفَعَلَها مَا لَمْ يَنْسَخْهَا ﷺ بِغَيْرِهَا أَو يَتْرُكَهَا الخُلَفَاءُ بَعْدَهُ لِشَيءٍ عَلِمُوهُ فِي ذَلِكَ) (١). ٥ - وقال: (والقُرْآنُ المَتْلُو هُوَ: مَا نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ كَافَّةً جَمِيعَاً لاَ مِنْ طَرِيقِ الآحَادِ، ومَا قَدْ ضَمِنَ اللهُ جَمْعَهُ وقُرْأَنَهُ) (٢). ٦ - وقال: (أَنَّ اللهَ وَضَعَ نَبيَّهُ فيما منْ كِتَابِهِ مَوْضِعَ البَيَانِ عَنْهُ، فَجَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مفَسِّرَة للقُرْآنِ اَلذي نَصَّ اللهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ القَطْعَ عَلَى السَّارِقِ غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِقِيمَةِ السَّرِقَةِ، فَلَوْ تُرِكْنَا وَظَاهِرُ القُرْآنِ لَقَطَعْنَا كُلَّ سَارِقٍ يَسْرِقُ مَا قَلَّ أَو كَثُرَ كَمَا قَالَتِ الخَوَارِجُ، وَسُنَّةُ رَسُولِ الله ﷺ أحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ مِنْ قَوْلِ الخَوَارِجِ) (٣). ٧ - وقال تعليقاً على حديث ذكره: (وفي هذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أَنَّ أَعْمَالَ أَهْلِ المَدِينةِ حُجَّةٌ على مَنْ خَالَفَهُم مِنْ أَهْلِ الآفاقِ) (٤). ٨ - ذكر أن خبر الآحاد يحتج به في الأحكام وغيرها، فقال: (قَوْلُ ابنِ عُمَرَ: (بَيْنَما النَّاسُ بِقُبَاءٍ في صَلاَةِ الصُّبْحِ إذ جَاءَهُم آتٍ، فقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ قدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْاَنٌ)، إلى آخِرِ الحَدِيثِ، فيهِ مِنَ الفِقْهِ: قَبُولُ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، والدَّلِيلُ على ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]، فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ بالتَّثَبُّتِ في خَبَرِ الفَاسِقِ أَوْجَبَ قَبُولَ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ) (٥). ٩ - قال: (والسُّنَنُ الثابِتَةُ مُفَسِّرَة للقُرْآنِ) (٦).

стр. 85

سادساً: علم اللُّغَة: إنَّ مِمَّا لَا شَكَّ فيه أنَّ عُلُومَ اللُّغَةِ ضَرُورِيَّةٌ لِمَنْ يَتَصدَّى لِتَفْسِيرِ كِتَابِ اللهِ تعالى أو سُنَّةِ رَسُولهِ ﷺ ، وقد ذَكَرَ أبو المطرف جَوَانِبَ يسيرةً من هذا العِلْمِ، وإليكَ أمثلةً لذلك: - قالَ: (قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب ﵁ في كِتَابهِ: (لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ)، يَعْنِي: قَوْلَ اللهِ : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦]. وقالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: العُسْرُ المُكَررُ ذِكْرُهُ هَهُنَا وَاحِدٌ، لأَنَّهُ مُعَرَّفَةٌ بالأَلَفِ واللأَمِ، واليُسْرُ الأَوَّلُ هُوَ غَيْرُ اليُسْرِ الثَّانِي لأَنَّهُمَا نَكِرَتَانِ، والنَّكِرَةُ في كَلَامِ العَرَبِ هُوَ شَيءٌ شَائِعٌ في جنْسِهِ لَا يَخُصُّ بهِ وَاحِدٌ دُونَ آخَرَ، فَلِذَلِكَ قالَ: "لا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ" (١). - وقال: (الجَائِفَةُ: هِيَ جُرْحَةٌ تَصِلُ إلى الجَوْفِ قَلَّ ذَلِكَ أَو كَثُرَ. والمأمُومَةُ: هِيَ ما وَصَلَ إلى الدِّمَاغِ قَلَّ ذَلِكَ أَو كَثُرَ. والمَنْقَلَةُ: مَا طَارَ فِرَاشُهَا مِنَ العَظْمِ. والمُوضَحَةُ: مَا أَوْضَحَ العَظْمَ، قَلَّ ذَلِكَ أَو كَثُرَ، ولَا يَكُونَ إلَّا فِي الوَجْهِ، أَو فِي الرَّأْسِ. والبَاضِعَةُ: مَا بَضَّعَ فِي اللَّحْمِ. والدَّامِيَةُ: هِيَ التِّي تَدمَى، فإذا كَانَتِ البَاضِعَةُ والدَّامِيةُ خَطَأٌ فَلاَ دِيةَ فِيهِمَا، إلَّا أَنْ تَبْرأَ عَلَى شَيْنٍ، فَيَعْقِلُ للمَجْرُوحُ بِقَدْرِ ذَلِكَ الشَّيْنِ) (٢). - وقال: (قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ: (لَهِيَ أَسْوَدَ مِنَ القَارِ)، هَكَذا رَوَاهُ يحيى، ورَوَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ: (لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادَاً مِنَ القَارِ)، وَهُوَ الصَّوَابُ، لأَنَّ العَرَبَ لَا تَقُولُ: هَذا أَسْوَدُ مِنْ هَذا، وإنَّمَا تَقُولُ: هُوَ أَشَدُّ سَوَادَاً. قالَ: والقَارُ هُوَ الزِّفْتُ) (٣).

стр. 86

- قالَ أبو المُطَرِّفِ: يُقَالُ الخِطْبَةُ -بِكَسْرِ الخَاءِ- في النكاح، والخُطْبَةُ - بِضِمِّ الخَاءِ- في الجُمُعَةِ وشِبْهِها (١). - نقل قَوْلُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ نِكَاح الأُمِّ بَعْدَ الإبْنَةِ إذا لمْ تَكُن الإبنَةُ مُسَّتْ، فقَالَ: "لَا، الأُمُّ مُبْهَمَةٌ" [١٩٥٠] لَمْ يَقُلْ: دَخَلْتَ بالأُمِّ أَو لَمْ تَدْخُلْ. ثم قال: قالَ أَبو إسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: المُبْهَمُ في كَلاَم العَرَب هُوَ الكَلاَمُ الذي لا مَنْفَذَ لَه (٢). سابعاً: فوائد أخرى: اشتمل هذا الكتاب على نكت علمية كثيرة غير ما تقدَّم، وإليك نُبذا منها: ١ - ذكر دخولَ النبيِّ ﷺ على أُم حَرَام وأُختها أُم سُلَيم، فقال: (كَانَتْ أُمُّ حَرَايم مِنْ خَالاَتِ النبي ﷺ مِنَ الرِّضَاعَةِ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْم امْرَأةِ أَبي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ) (٣). ٢ - نقل عن صالح بن إدريس المقرئ في مسألة الحُرُوفُ التي وَقَعَتْ في بَعْضِ المَصَاحِفِ وأسْقِطَتْ مِنْ بَعْضِها، وذكر أنها نَحْو عِشْرِينَ حَرْفاً في جَمِيِعِ القُرْآنِ، ثم قال: (فإنها كَانَتْ مَعْرُوفَة عندَ الذينَ كَتَبُوا المَصَاحِفَ لِعُثْمَان، فَكَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوهَا في مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، فَفَرَّقُوهَا في المَصَاحِفِ، فَبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ العِرَاقِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ اليَمَنِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، لا يُنْكِرُهَا بَعْضُهُم على بَعْضٍ، ويَقْرَؤُونَهَا في صَلاَتِهِم وتلاَوَتهِم، قَدْ حَفِظهَا اللهُ ﵎ وأَثْبَتَهَا في المَصَاحِفِ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فَمَا حَفِظَهُ اللهُ عَلَيْنَا فَلاَ سَبِيلَ إلى الزِّيَادَةِ فيهِ ولا إلى النُّقْصَانِ منهُ) (٤).

стр. 87

٣ - قال: (إنَّمَا مَكَثَ ابنُ عُمَرَ في تَعْلِيمِه سُورَةَ البَقَرَةِ ثَمَانِي سِنِينَ يَتَعلَّمُهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَهُم كَانُوا يَتَعلَّمُونَ مَا أُنْزِلَ مِنْ حُرُوفِ القُرْآنِ، ويَتَعَلَّمُونَ حَلاَلَهُ وحَرَامَهُ ونَاسِخَهُ ومَنْسُوخَهُ ومُحْكَمَهُ، فإذَا أَحْكَمُوا عِلْمَ ما تَعَلَّمُوا مِنْ ذَلِكَ انتقَلُوا إلى شَيءٍ آخَرَ، لا كَمَنْ يَقْرَأَهُ ولَا يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ) (١). * * *

стр. 88

المبحث الثَّالث موارد المؤلف في الكتاب إنَّ مَعْرِفَةَ مَصَادِرِ المُؤلِّفِ لَهُ أَهَمِّيةٌ كَبيرَةٌ في دِرَاسةِ مَنْهَجِيَّةِ المُؤَلّفِ فِي كِتَابهِ، وبَيَانِ قِيمَةِ الكِتَابِ الذِي أَلَّفَهُ. وقدْ وَجَدْتُ أبا المُطَرِّفِ خَصَّصَ في نِهَايةِ كِتَابهِ للمصَادِرِ التي كَانَتْ أَكْثَرَ دَوَرَاناً في شَرْحهِ، وذَكَرَ بعضَ أَسَانِيدِه إليها، وقد اسْتَعْرَضْتُهَا في الفَصْلِ الرَّابعِ المُتَقَدِّمِ، كَمَا أَنَّهُ اعتمدَ أَيْضَاً عَلَى مَصَادِرَ مُتَنَوّعَةً أُخْرَى، ولكنَّهُ لمَ يُصَرِّحْ في أَكْثَرِهَا بأَسْمَاءِ مُصَنِّفِيها، وتتَلَخَّصُ هذه المصادِرُ بالأَنْوَاعِ التَّالِيةِ: النَّوْعُ الأوَّلُ: المصادر التي صرَّحَ بالنَّقْلِ منها: وهي على ثلاثة أقسام: القسم الأَوَّل: القُرْآنُ الكَرِيمُ: تَضَمَّنَ كتاب (تَفْسِيرُ الموطَّأ) قَدْراً لا بأْسَ بهِ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ. القِسْمُ الثانِي: الكُتُبُ التي حَدَّدها في قَائِمَتِهِ في نِهَايةِ الكِتَابِ، وقد ذَكَرْتُها في الفَصْلِ الرَّابعِ المُتَقدِّمِ آنِفاً. القِسْمُ الثَّالِثِ: كُتُبٌ أُخْرَى لم تُذْكَرْ في قَائِمَتهِ، ولَعَلَّ سبَبَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مَا مُنِيتْ بهِ النُّسْخَةُ التي وَصَلَتْنَا مِنْ سَقْطٍ في آخِرِها، وَهِي مَصَادِرُ قَلِيلَةٌ، وإليكَ ذِكْرَها: ١ - تَفْسِيرُ يَحْيى بنِ سَلاَمٍ، وقد ذَكَرنا إسْنَادَ المُصَنِّفِ إليهِ في المبحثِ الرَّابعِ، وكنا قدْ ذَكَرنا في مَبْحَثِ مُصَنَّفَاتهِ أنَّهُ قامَ بِتَهْذِيبِ هذا التَّفْسِيرِ.

стр. 89

٢ - الموطَّأ، روايةُ يَحْيى بنِ يَحْيى اللَّيْثِي، وَهِيَ الرِّوَايةُ التي قامَ عَلَيْهَا تَفْسِيرُه. ٣ - الموطَّأ، روايةُ يَحْيى بنِ بُكَيْر. ٤ - الموطَّأ، رِوَايةُ عبدِ اللهِ بنِ مَسْلَمةَ القَعْنَبِيِّ. ٥ - الموطأ، روايةُ عَبْدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ. ٦ - الموطأ، روايةُ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ. ٧ - الموطأ، روايةُ مَعْنِ بنِ عِيسَى. ٨ - رِسَالةُ الإيمانِ لأَبي عُبَيْدٍ القَاسِمِ بنِ سَلَّامٍ. النَّوْعُ الثَّانِي: مَصَادِرُ نَقَلَ مِنْها لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ باسمِ الكِتَابِ ، وإنَّمَا اكْتَفَى باسمِ مُؤَلِّفِهِ، وإليكَ أسْمَاءَ هَؤُلاَءِ المُؤَلِّفِينَ مَعَ تَرْجَمَتِهِم باخْتِصَارٍ، مُرَتَّبِينَ على حُرُوفِ المُعْجَمِ: ١ - إبْرَاهِيمُ بنُ مُحَمَّدٍ، أَبو إسْحَاقَ الزَّجَّاجُ البَغْدَاِديُّ، الإمَامُ العَلَّامَةُ اللُّغَويُّ، مُصَنِّفُ كِتَابِ (مَعَانِي القُرْآنِ) وغَيْرِه، لَزِمَ المُبَرَّدَ وغَيْرَهُ، وأخذَ عنهُ أَبو عَلِيٍّ الفَارِسيُّ وجَمَاعَةٌ، توفي سنة (٣١١) (١). ٢ - أحمدُ بنُ أَبي بَكْرِ بنِ الحَارِثِ القُرَشيُّ الزُّهْرِيُّ، أَحَدُ مَنْ رَوَى عَنِ الإمامِ مَالِكٍ الموطَّأ، ولَهُ كِتَابُ مُخْتَصرٌ في قَوْلِ مَالِكٍ، وكَانَ فَقِيهَاً مُحَدِّثاً ثِقَةً، رَوَى عنهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهما، توفي سنةَ (٢٤٢) (٢). ٣ - أَحْمَدُ بنُ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ، أبو عُمَرَ القُرْطُبيُّ، يُعْرَفُ بابنِ الجَبَّابِ، الإمامُ العَلَّامَةُ الفَقِيهُ الزَّاهِدُ، كَانَ إمامَ وَقْتهِ غَيْرَ مُدَافَعٍ فِي الفِقْهِ والحَدِيثِ، صَنَّفَ

стр. 90

(مُسْنَدَ حَدِيثِ مَالِكٌ)، وكِتَابَ (الإيمانِ)، وكِتَابَ (فَضْلِ الوُضُوءِ والصَّلاةِ) وغَيْرَ ذَلِكَ، توفي سنةَ (٣٢٢) (١). ٤ - أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الملكِ بنِ هَاشِمٍ الإشْبِيلِيُّ نَزِيلُ قُرْطُبةَ، الإمامُ العَلَّامةُ الفَقِيهُ، المعروفُ بابنِ المَكْوِيِّ، صَنَّفَ بالإشْتِرَاكِ مَعَ أَبي بَكْير مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الله المعيطيِّ كِتَابَ (الإسْتيعَاب لأَقْوَالِ مَالِكٌ)، وانتهتْ إليهِ رِئَاسةُ الفِقْهِ بالأَنْدَلُسِ، ونقلَ عَنْهُ أَبو المُطَرِّفِ كَثيراً مِنْ أَقْوَالهِ وآرائهِ الفِقْهيَّةِ، توفي سنةَ (٤٠١) (٢). ٥ - أَحْمَدُ بنُ عَوْنِ اللهِ بنِ حُدَير، أبو جَعْفَرٍ القُرْطُبِيُّ، يَرْوي عَنِ القَاسِم بنِ أَصْبَغٍ وغَيْرِه مِنْ أَهْلِ قُرْطُبةَ، وحَجَّ فَسَمِعَ مِنْ أَبي سَعِيدِ بنِ الأَعْرَابِيِّ وغَيْرِه، وقَدْ رَوَى عنهُ أبو المُطَرِّفِ كثيرًا مِنْ أَحَادِيثِه وبَعْضَ أَقْوَالهِ، وكَانَ شَيْخَاً صَالِحَاً، صَارِمَاً في السُّنَّةِ، توفي سنة (٣٧٨) (٣). ٦ - إسْمَاعِيلُ بنُ إسْحَاقَ بنِ إسْمَاعِيلَ الجَهْضَمِيُّ، أَبو إسْحَاقَ القَاضِي البَصْرِيُّ المالِكيُّ، نزِيلُ بَغْدَادَ، الإمامُ العَلَّامةُ شَيْخُ الإسْلاَمِ، وإمَامُ زَمَانِهِ، لَهُ تآليفٌ كَثيرَةٌ تُعَدُّ أُصُولاً في فُنُونِهَا، مِنْهَا: (أَحْكَامُ القُرْآنِ)، وكِتَابُ (المَبْسُوطِ في الفِقْهِ)، و (مُخْتَصَرهُ في الفِقْهِ) وغَيْرُها الكَثيرُ، توفي سنة (٢٨٢) (٤). ٧ - أَشْهَبُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ دَاوُدَ، أَبو عَمْرو القَيْسِيُّ المصريُّ، تَفَقَّهَ بالإمَامِ مَالِكٌ، ورَوَى عَنِ اللَّيْثِ وغَيْرِه، وكَانَ إمَاماً فَقِيهَاً، انتهتْ إليهِ رِئَاسةُ المذهَبِ بعدَ وَفَاةٍ ابنِ القَاسِمِ، صَنَّفَ كُتُباً مِنْهَا: (الإختلافُ في القَسَامةِ) و (المُدوَّنةُ في الفِقْه) وغيْرُ ذلك، توفي سنة (٢٠٤) (٥).

стр. 91

٨ - أَصْبَغُ بنُ الفَرَجِ بنِ سَعِيدٍ، أَبو عبدِ اللهِ المِصْرِيُّ، كَاتِبُ ابنِ وَهْبٍ وَوَرَّاقهِ، كَان رَحَلَ إلى المدينةِ لِيَسْمَعَ مِنْ مالِكِ، فَدَخلَها يومَ ماتَ، وصَحِبَ ابنَ القًاسمِ، وأشْهَبَ، وابنَ وَهْبٍ، ولهُ تآليفٌ، مِنْها: (تَفْسِيرُ غَرِيبِ الموطَّأ)، و (الرَّدُّ على أَهْلِ الأَهْوَاءِ) وغَيْرها، وَهُو شَيْخُ البُخَارِيِّ، والدُّهْلِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ وَضًّاع وغَيْرُهم، توفي سنةَ (٢٢٥) (١). ٩ - رَبِيعَةُ بنُ أَبي عبدِ الرَّحْمَنِ، أَبو عُثْمَانَ المدنيُّ الفَقِيهُ، كانَ قد أدْرَكَ بعضَ الصَّحَابةِ وكِبَارَ التَّابِعِينَ، وكانَ صًاحِبَ الفَتْوَى بالمدينةِ، وعنهُ أخذَ مًالِكٌ وغَيْرُهُ، تُوفِّي سنةَ (١٣٦)، وروى حَدِيثَهُ الستَّةُ (٢). ١٠ - زِيادُ بنُ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ زُهَيْرٍ، أَبو عبدِ اللهِ اللَّخْمِيُّ القُرْطُبيُّ، الملقَّبُ بِشَبْطُونَ، سَمعَ مًالِكًا وأخذَ عنهُ الموطَّأ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَهُ إلى الأَنْدَلُسِ، وصَنَّفَ كِتَابًا في الفتاوَى عَنْ مًالِكٍ، ولهُ أيضًا كِتَابُ الجًامِعِ، ورَوَى عنهُ يَحْيى بنُ يَحْيى، توفي سنة (١٩٣) وقيلَ بَعْدَها (٣). ١١ - سُلَيْمًانُ بنُ بُرْدٍ، أَبو الرَّبِيعِ المِصْرِيُّ القَاضِي، الفَقِيهُ، رَوَى عَنْ مًالِكٍ الموطَّأ وغَيْرِه، وكانَ يُقَالُ: مُوطَّأ ابنُ بُرْدٍ أصَحُّ مُوطَّأ، توفي سنةَ (٢١٠) (٤). ١٢ - صَالِحُ بنُ إدْرِيسَ بنِ شُعَيْبِ، أبو سَهْلٍ البَغْدَادِيُ المُقْرِئُ الثِّقَةُ، قَرَأ على ابنِ مُجًاهِدٍ وغَيْرِه، وبَرَعَ في القِرَاءَاتِ وعِلَلِها، توفي سنة (٣٤٥) (ب).

стр. 92

١٣ - عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ القَاسِمِ بنِ خَالِدٍ، أبو عبدِ الله العُتَقِيُّ المِصْرِيُّ، الإمامُ العَلَّامَةُ الفَقِيه المجتَهِدُ، رَوَى عَنْ مَالِكٍ وصَحِبهُ وتَفَقَّهَ بهِ، وكانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِعِلْمِ مَالِكٍ، ورَوَى أيضًا عَنِ اللَّيْثِ، وعبدِ العَزِيزِ بنِ الماجِشُونَ وغَيْرِهم، تُوفِّي سنة (١٩١) (١). ١٤ - عبدُ العَزِيزِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أَبي سَلَمةَ المَاجِشُونَ المدني الفَقِيهُ المحدِّثُ الثِّقَةُ، رَوَى حَدِيثَهُ السِّتَّة، ولهُ كُتُبٌ فِقْهِيَّةٌ مُصَنَّفَةٌ، تُوفِّي سنةَ (١٦٦) (٢). ١٦ - عبدُ اللهِ بنُ أَبي زَيْدٍ، أَبو مُحَمَّدٍ القَيْرَوانيُّ، الإمَامُ العَلَّامةُ الفَقِيهُ، تَفَقَّهَ بأَبي بَكْرِ بنِ اللَّبَادِ، وأَبي الفَضْلِ الممَّسي وغيرهما، ولهُ مُصَنَّفَات كَثِيرَةٌ تَدُلُّ على إمَامَتِهِ، وعَلَى رَأْسِهَا كِتَابُ: (النَّوادِر والزِّيادات على ما في المدوَّنة من غيرها من الأمهات)، و (مختصر المدونة)، و (الرسالة) وغيرها كثير، وإليه انتهت الرِّئاسةُ في الفِقْهِ، وكانَ يُسَمَّى بِمَالِكٍ الصَّغِيرِ، توفِّي سنة (٣٨٦) (٣). ١٧ - عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ، أَبو مُحَمَّدِ القُرْطُبِي، روى عنه أحمد بن

стр. 93

خالد بن الجباب وغيره، رَوَى عنهُ أَبو المُطَرِّفِ في تَفْسِيرِه كَثيرًا مِنْ أَقْوَالهِ وآرَائهِ الحَدِيثيِّةِ والفِقْهِيَّهِ، تُوفِّي سنة (٣٦٤) (١). ١٨ - عبدُ الله بنُ نَافِعٍ، أبو مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ مَوْلاَهم المدنيُّ، المعروفُ بالصَّائِغِ، صَحِبَ مَالِكَاً وتَفَقَّهَ بهِ، ورَوَى عَنْ غَيْرِه، كَانَ مُفْتِي أَهْلِ المدينةِ بِرَأْي مَالِكٍ، ووَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ وغَيرُه، ورَوَى له مُسْلِمٌ وأصحابُ السُّنَنِ، وتُوفي سنة (٢٠٦) (٢). ١٩ - عبدُ اللهِ بنُ وَهْبِ بنِ مُسْلِمٍ، أبو مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ الفِهْرِيُّ مَولاَهُمْ المِصْرِيُّ، الإمَامُ الحَافِظُ الفَقِيهُ، رَوَى عَنْ مَالِكٍ ولاَزَمَهُ، وتَفَقَّهَ بهِ وبِغيْرِه، وصَنَّفَ مُصَنَّفَاتٍ كَثيرَةٍ، مِنْها: (تَفْسِيرُ الموطَّأ)، و (الموطَّأ الكَبير)، و (الجَامِع) وغَيْرها، تُوفِّي سنة (١٩٧) (٣). ٢٠ - عبدُ الملِكِ بنُ حَبيبِ بنِ سُلَيْمَانَ، أبو مَرْوَانَ السُّلَمِيُّ، الإمَامُ العَلَّامةُ الفَقِيهُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الشَّهِيرةِ، ومنها: (تَفْسِيرُ الموطَّأ)، و (الوَاضِحَةُ) - وَهُو مِنْ أَشْهَرِ كُتُبهِ- ولَهُ أيضًا (الجَامِعُ) وغير ذلك، توفي سنة (٢٣٨) (٤). ٢١ - عبدُ الملِكِ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي سَلَمةَ، المعرُوفُ بابنِ المَاجِشُونَ، الإمامُ العَلَّامةُ الفَقِيهُ، تَفَقَّهَ بِمَالِكٍ، وبأبيهِ، وابنِ أَبي حَازِمٍ وغَيْره، كانَ مُفْتِي أَهْلَ المدِينةِ في زَمَانهِ، ولَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثيرَةٌ في الفِقْهِ والخِلاَفِ والسُّنَّةِ،

стр. 94

رَوَى حَدِيثَهُ النَّسَائِيُّ وابنُ مَاجَه، تُوفِّي سنة (٢١٢) وقيل بعدها (١). ٢٢ - عُثْمَانُ بنُ عِيسَى بنِ كِنَانةِ، أبو عَمْرو الأُمُويُّ مَوْلاَهُم المدَنِيُّ، صَحِبَ مَالِكَاً وكانَ مِنْ كِبَارِ اصْحَابهِ، وكانَ فَقِيهَاً غَلَبَ عليهِ الرَّأيُّ، توفِّي سنة (١٨٦) فيما يقال (٢). ٢٣ - عليُّ بنُ زِيادٍ، أَبو الحَسَنِ العَبْسِيُّ التُّويسيُّ، سَمِعَ مَالِكَاً وَرَوى عنهُ الموطَّأ، وَهُو أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ الموطَّأ إلى إفْرِيقيَّهَ، أخذَ عنهُ سُحْنُونُ، وأسدُ بنُ الفُرَاتِ، والبُهْلُولُ بنُ رَاشِدٍ وغيرُهم، ولهُ كُتُبٌ في البُيُوعِ والنِّكَاحِ والطَّلاَقِ، تُوفِّي سنة (١٨٣) (٣). ٢٤ - عِيسَى بنُ دِينَارِ بنِ وَاقِدٍ، أَبو مُحَمَّدٍ الغَافِقِيُّ الطُّلَيْطِليُّ ثُمَّ القُرْطُبيُّ، الإمَامُ العَلَّامةُ القَاضِي الفَقِيهُ المُفْتِي الزَّاهِدُ العَابِدُ، صَحِبَ عبدَ الرَّحْمَنِ بنَ القَاسِمِ وتَفَقَّه بهِ وسَمِعَ منهُ الكَثِيرَ، ولَهُ كِتَابُ (البُيُوعِ)، وله أيضا كِتَابُ (الهِدَايةِ) وغَيْرُ ذلك، تُوفِّي سنة (٢١٢) (٤). ٢٦ - القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ، أبو عُبَيْدٍ البَغْدَادِيُّ القَاضِي، الإمَامُ العَلَّامةُ الفَقِيهُ المُحَدِّثُ الأَدِيبُ، وصَاحِبُ التَّصَانِيفِ الشَهِيرَةِ، كـ (غَرِيبِ الحَدِيثِ)، و (الإيمانِ)، و (الأَمْوَالِ) وغيرِها، روى حديثه أبو داود في السنن، توفي سنة (٢٢٤) (٥).

стр. 95

٢٧ - مُحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ زِيادٍ، أبو عَبْدِ الله الإسْكِنْدَرَانِيُّ، المعروفُ بابنِ الَموَّازِ، الإمَامُ الفَقِيهُ الزَّاهِدُ، تَفَقَّهَ بابنِ عبدِ الحَكَمِ، وابنِ المَاجِشُونَ، وأَصْبَغَ بنِ الفَرَجِ وغَيْرِهم، ولهُ كِتَابٌ مَشْهُورٌ في الفِقْه يُعْرَفُ بالمَوَازيِّةِ، توفي سنة (٢٦٩) (١). ٢٨ - مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ بُكَيْرٍ، أَبو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ البَغْدَادِيُّ، القَاضِي الفَقِيه، رَوَى عَنِ القَاضِي إسْمَاعِيلَ، ورَوَى عنهُ بَكْرُ بنُ العَلاَءِ وغَيْرُه، ولهُ كِتَابٌ في أَحْكَامِ القُرْآنِ، وكِتَابٌ في مَسَائِلِ الخِلاَفِ وغَيْرُ ذَلِكَ، تُوفِّي سنة (٣٠٥) (٢). ٢٩ - مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرِ بنِ يَزِيدَ، أَبو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، الإمَامُ الفَقِيهُ المُجْتَهِدُ، وصَاحِبُ التَّصَانِيفَ الشَّهِيرَةِ كـ (التَّفْسِيرِ)، و (التَّارِيخِ) و (تَهْذِيبِ الآثَارِ) وغَيْرِها، تُوفي سنة (٣١٠) (٣). ٣٠ - مُحَمَّدُ بنُ سَحْنُونَ بنِ عبدِ السَّلَامِ، أبو عبدِ الله التَّنُوخِّي الإفْرِيِقِيُّ القَيْرَوَانِيُّ، الإمامُ العَلَّامةُ الفَقِيهُ البَارِعُ، تَفَقَّهَ بأبيهِ، وسَمِعَ أبا مُصْعَبٍ الزّهْرِيَّ، ومُوسَى بنَ مُعَاوِيةَ الصّمَادِحيَّ وغَيْرَهما، ولهُ مُؤلَّفاتٌ كَثِيرةٌ، منها: (تَفْسِيرُ الموطَّأ)، و (الجَامِعُ)، و (الجَوَاباتُ) وغير ذلك، تُوفِّي سنة (٢٥٦) (٤).

стр. 96

٣٢ - مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ لُبَابةَ، أَبو عَبْدِ اللهِ القُرْطُبيُّ، الإمَامُ الفَقِيهُ المُفْتِي، كانَ عَالِمَاً باخْتِلاَفِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وغَيْرِه، إلا أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الرِّوايةِ، قَلِيلَ الكُتُبِ، تُوفِّي سنة (٣١٤) (١). ٣٣ - مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ بنِ مُحَمَّدٍ، أَبو هِشَامٍ المَخْزُومِيُّ المدَنِيُّ، نَزِيلُ دِمَشْقَ، كانَ إمَامًا فَقِيهًا ثِقَةً نَسَّابَة، رَوَى عَنْ مَالِكٍ وتَفَقَّه به، وله كُتُبٌ في الفِقْه، تُوفِّي سنة (٢١٠) (٢). ٣٤ - مُحَمَّدُ بنُ وَضاع، أَبو عبدِ اللهِ الأُمُويُّ مَوْلاَهُم القُرْطُبيُّ، الإمامُ الحَافِظُ مُحَدِّثُ الأَنْدَلُسِ ومُقْرِئِهَا وفَقِيهِها، ألَّفَ كُتُبًا في الحَدِيثِ والفِقْهِ والسُّنَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، وكانَ عَابِدَاً زَاهِدَاً، تُوفِّي سنة (٢٨٧) (٣). ٣٥ - مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُطَرِّفِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارَ الهِلاَلِي مَوْلاَهُم، المدَنِيُّ الفَقِيهُ، رَوَى عَنْ مَالِكٍ الموطَّأ وغَيْرِه، وتَفَقَّهَ أيضًا بابنِ المَاجِشُونَ، وابنِ أبي حَازِمٍ، وابنِ كِنَانةَ وغَيْرِهم، وَرَوى عنهُ البُخَارِيُّ، والدُّهْلِيُّ وغَيْرُهما، تُوفِّي سنة (٢٢٠) (٤). ٣٦ - المغيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ القُرَشِيُّ المَخْزُومِيُّ المدَنِيُّ، الإمامُ

стр. 97

الفَقِيهُ، رَوَى عَنْ مَالِكٍ، وهِشَامِ بنِ عُرْوةَ، ومُحَمَّدِ بنِ عَجْلاَنَ وغيرهِم، كانَ فَقِيهَ أَهْلِ المَدِينَةِ بعدَ مالِكٍ، رَوَى حَدِيثَهُ مَالِكٌ وأَصْحَابُ السُّنَنِ إلا التِّرْمِذيَّ، تُوفِّي سنة (١٨٦) (١). ٣٨ - يحيى بنُ عَبْدِاللهِ بنِ يحيى بنِ يحيى بنِ يحيى بنِ كَثِيرٍ، أَبو عِيسَى المَصْمُودِيُّ اللَّيْثِيُّ مَوْلاَهُم القُرْطُبيُّ، القَاضِي الفَقِيهُ المُحَدِّثُ، المعروفُ بابنِ أَبي عِيسَى، سَمِعَ مِنْ عَمِّ أبيهِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يَحْيى، ومُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ بنِ لُبَابةَ، وأحمدَ بنِ خَالِدٍ وغَيْرِهم، وكَانَ جَلِيلَ القَدْرِ، عَالِمَاً بالحَدِيثِ والفِقْه، رَحَل إليهِ النَّاسُ مِنْ جَمِيعِ الأَنْدَلُسِ، تُوفِّي سنة (٣٦٧) (٢). ٣٩ - يحيى بنُ يحيى بنِ كَثيرٍ، أَبو مُحَمَّدٍ المَصْمُودِيَّ اللَّيْثِيُّ مَوْلاَهُم الطنْجِيُّ ثُمَّ الأَنْدَلُسِيُّ القُرْطُبِيُّ، فَقِيهُ الأَنْدَلُسِ وعَالِمَها، سَمِعَ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ، وأَخذَ عنهُ الموطَّأ، وسَمِعَ أيضَاً اللَّيْثَ، وابنَ القَاسِمِ وبهِ تَفَقَّهَ، ولهُ مَسَائِلُ عَنْ أَشْهَبَ، وابنِ القَاسِمِ وغيْرِهما مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، ولهُ وصيَّةٌ لِطَلبةِ العِلْمِ، تُوفِّي سنة (٢٣٤) (٣). * * *

стр. 98

المبحث الرابع وفيه مطلبان: المطلب الأَوَّل: قِيمَةُ الكِتَابِ العِلْمِيِّة . المطلب الثاني: مآخذ على المؤلِّفِ. * * * المَطْلَبُ الأَوَّلُ قيمة الكتاب العلمية هذا الكِتَابُ مِنْ أَرْفَعِ كُتُبِ شُرُوحِ الحَدِيثِ قَدْرَاً، وأَنْبَهِهَا ذِكْرًا، وأَعَمِّهَا نَفْعَاً، فقدْ زَخَر بِمَادَّةٍ عِلْمِيَّةٍ وَافِرَةٍ تَتَلَخَّصُ بالأُمُورِ التَّالِيةِ: ١ - حَفَلَ هذا الكِتَابُ بِنُصُوصٍ فِقْهِيَّةٍ قَيِّمَةٍ نَقَلَها عَنِ كُتُبٍ مَفْقُودَةٍ لَمْ تَصِلْ إلينا، ومِنْها مُؤَلَّفَاتٍ لِفُقَهَاءَ مِنَ الأَنْدَلُسِ ضَاعتْ كُتُبهُم، مِثْلَ مُؤَلَّفَاتِ عِيسَى بنِ دِينَارٍ، وأحمدَ بنِ خَالِدٍ ابن الجبَّابِ، ومُحَمَّدِ بنِ وَضَّاح، وأَبي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بنِ عَوْنِ اللهِ القُرْطُبيِّ، وأبي عِيسى يحيى بنِ عبدِ الله اللَّيثيِّ، وأَبِي عُمَرَ ابنِ المَكْوِيِّ وغَيْرِهم، وقد ذَكَرْنا أَسْمَاءَ الفُقَهاءِ الذينَ رَجَعَ أبو المُطَرفِ إلى مُؤَلَّفَاتِهِم في المبحَثِ السَّابِقِ. ٢ - التَّرْجِيحُ بينَ رِوَاياتِ الموطَّأ، كَقَوْلهِ في حَدِيثٍ: (خَلَطَ يحيى بنُ يحيى هَذا الحَدِيثَ في رِوَايَتِه عَنْ مَالِكٍ، وجَعَلَ قَوْلَهُ: (يُرِيدُ بِذَلِكَ والإمامُ يَخْطُبُ) مِنْ

стр. 99

نَفْسِ الحَدِيثِ، وإنَّما هُو تَفْسِيرٌ في الحَدِيثِ، كَمَا رَوَاهُ ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ) (١). ٣ - اهتمَّ كَثِيرًا بِبَيانِ مَذْهَبِ مَالِكٍ واخْتِلاَفِ أَقْوَالهِ فِي المسأَلةِ الوَاحِدَةِ، وذَلِكَ بِتَحْرِيرِ قَوْلهِ المُعْتَمَدِ، وعلى سَبِيلِ المِثَالِ فقدْ نَقَلَ عَنِ ابنِ أبي زَيْدٍ القيرواني أنه قال: (اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ تَرَكَ قِرَاءَةَ أُمّ القُرْآنِ في رَكْعَةٍ مِنْ صَلاَتهِ وَهُو يُصَلِّي، فَمَرَّةً قالَ: يُلْغِي مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ التي تَرَكَ القِرَاءَةَ فِيها على حَدِيثِ جَابِرٍ، ثُمَّ يأْتِي بِرَكْعَةٍ وَيَسْجُدَ بعدَ السَّلَامِ، ثُمَّ قالَ: أَرْجُو أنْ يُجْزِيهِ لسُجُودُ السَّهْوِ قبلَ السَّلَامِ، ومَا هُو عِنْدِي بالبَيِّنِ، واسْتَحَبَّ ابنُ القَاسِمِ أنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ويُعِيدُ الصَّلاَةَ احْتِيَاطَاً. قالَ ابنُ المَوَّازِ: إنَّما اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ في هَذِه المَسْأَلةِ لاخْتِلاَفِ مَنْ قَبْلَهُ فِيمَنْ تَرَكَ القِرَاءَةَ في بَعْضِ صَلاَتهِ، ورُوي عَنْ عُمَرَ وعَليٍّ إجازَةَ صَلاَةِ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءِة، ولم تَجُزْ صَلاَتُهُ للأَعْجَمِي الذي لا يَقْرَأً، فَلِهَذا أَمَرُهُ مَالِكٌ بالسُّجُودِ، وتُجْزِيه صَلاَتهُ، ثُمَّ نَظَر إلى حَدِيثِ جَابِرٍ فَأَمَرَهُ أنْ يأتِي بِرَكْعَةٍ، إذ لا تُجْزِيه تِلْكَ الرَّكْعَةُ التي لم يَقْرأْ فيها بأُمِّ القُرْآنِ) (٢). ٤ - التَّرْجِيحُ بينَ أَقْوَالِ عُلَمَاءِ المذْهَبِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وغَيْرِهِم، وبيانِ ما تَأَوّلُوهُ مِنَ الأَحَادِيثِ والآثارِ، كَقَوْلهِ: (وحُجَّةُ ابنِ القَاسِمِ التِّي ذَكَرَها عنهُ سُحْنُونُ في المُدَوَّنَةِ في هذِه المَسْأَلةِ أَصَحُّ مِنْ حُجَّةِ أَشْهَبَ) (٣). وكقوله: (قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا تَسَلَّفَ العَامِلُ مِنْ مَالِ المُقَارِضِ مَالًا فَابْتَاعَ بهِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا وحَمَلَتْ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ إذا كَانَ لَهُ مَالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُتْبِعَ بِقِيمَتِهَا دَيْنَا إلى مَيْسَرَةٍ، ولَسْتُ آخَذُ في هَذِه المَسْأَلةِ بِقَوْلِ مَالِكٍ: أَنَّهَا تُبَاعُ إذا لَمْ يَكُنْ للعَامِلِ مَالٌ، ويُجْبَرُ رَأْسُ المَالِ مِنْ ثَمَنِهَا. قالَ عَبْدُ الرَّحمنِ: الذي قَالَهُ مَالِكٌ في هَذه المَسْأَلةِ هُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَنْ تَعَدَّى على مَالِ

стр. 100

غَيْرِهِ فَابْتَاعَ بهِ شَيْئَاً لِنَفْسِهِ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ مُلْكَهُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَلِذَلِكَ تُبَاعُ هَذِه الجَارِيَةُ، وُيجْبَرُ المَالُ مِنْ ثَمَنِهَا. وبِهَذا قَالَ أَصْبَغُ بنُ الفَرَجِ ... إلخ) (١). ٥ - إيرَادُهُ لِفَوَائِدَ حَدِيثيَّةٍ، كَقَولهِ في جَدِيثِ (أفطرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومِ): قال لي أبو مُحَمَّدٍ: (: لَيْسَ في هذا حَدِيثٌ صَحِيح، وقدْ رَوَى أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمةَ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: (أَنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُو صَائِمٌ) (٢). وكقوله: (أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى في صَلاَةِ الضُّحَى عَن النبيِّ ﷺ حدِيثُ أُمِّ هَانِى بنتِ أَبي طَالِبٍ حِينَ دَخَلَتْ على رَسُولِ اللهِ ﷺ بمَكَّةَ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ وفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُه بثَوْبٍ، وكَانَتْ تُمْسِكُ الثَّوْبَ مِنْ وَرَاءِهَا وتُوَلِّي ظَهْرَهَا للنبيِّ ﷺ لِئَلَّا تَرَاهُ عُرْيَانًا) (٣)، "وقدْ ذَكَرنا في المبحَثِ السَّابِقِ جُمْلَةً مِنَ الفَوَائِدِ الحَدِيثيِّةِ التي زَخَرَ بِها هذا الكِتَابُ المُسْتَطَابُ. ٦ - تَفْسِيرهُ للألفاظِ الغَرِيبةِ، كَقَوْلهِ مَثَلًا: (قالَ عِيسَى: الشِّطَاطُ عُودٌ مُحَدَّدُ الطَّرَفِ، والذَّكَاةُ بهِ جَائِزَةٌ عندَ الضَّرُورَةِ. قالَ: واللِّيطَةُ فِلْقَةُ القَصَبَةِ، والظُّرَرُ فِلْقَةُ الحَجَرِ، قالَ: فَكُلُّ مَا ذُبِحَ بهِ مِنْ هَذَا فَلاَ بَأْسَ بهِ إذا قَطَعَ الأَوْدَاجَ والحُلْقُومَ) (٤). ٧ - إيرادُ الأَحْكَام الفِقْهِيَّةِ المُسْتَنبَطَةِ مِنَ النُّصُوصِ الشَّرْعيَّةِ الوَارِدةِ، وهَذا هُوَ مَقْصَدُ المؤلِّفِ مِنْ تَألِيفِ كِتَابهِ، والأمثلة في هذا ظَاهِرَةٌ، ولكنْ هذا لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ مِثَالٍ له، فقدْ ذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ: (ما خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ إلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمَاً)، فقال: (فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: رِفْقُ الإنْسَانِ بِنَفْسِهِ فِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، لأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَدِيمُ بهِ العَمَلُ، وإذا حَمَّلَ نَفْسَهُ المَشَقَّةَ رُبَّمَا انْقَطَعَ فَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئَاً، وفِيهِ: تَرْكُ الإثْمِ، وتَرْكُ الإثْمِ أَيْسَرُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ،

стр. 101

وفِيهِ: العَفْوُ عَنِ النَّاسِ فِيمَا دُونَ الحُدُودِ، وإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وارْتَفَعَتْ إلى الأئِمَّةِ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهَا، وهَذا كُلُّهُ مِنْ تَحْسِينِ الأَخْلاَقِ) (١). ٨ - إبرازُ مَذْهَبِ السَّلَفِ وجُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّهِ والجَمَاعةِ مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ ومَنْ تَبعَهُم بإحْسَانٍ في قَضَايا العَقِيدَةِ، ومَسَائلِ الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ، وقدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها فَي المبحثِ السَّابِقِ، ولَا بأس مِنْ إيرادِ مِثَالٍ لِذَلِكَ، فقدْ قالَ وَهُو يَتَحدَّثُ عَنْ حَدِيثِ نُزُولهِ إلى سَمَاءِ الدُّنيا في الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ نُزُولًا يَلِيقُ بهِ ﷻ ، فقالَ: (حَدِيثُ التَّنَزُّلِ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ الأئِمَّةُ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وسَلَّمُوهُ، ولَمْ يَطْعَنُوا فيهِ. وقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلهِ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ اسْتَوى، فأَعْظَمَ المَسْأَلةَ في ذَلِكَ؟ وقَالَ: الإسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ نَحْنُ: التَّنَزُّلُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ مَجْهُولٌ. وقدْ سُئِلَ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ هذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: يَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ، وأَمِرُّوُهَا كَمَا جَاءَتْ بلاَ كَيْفِيَّةٍ، يَعْنِي: امْضُوا الأَحَادِيثَ على مَا جَاءَتْ) (٢). * * * المَطْلَبُ الثَّاني مآخذ علي الموُلف وقعَ المُصَنِّفُ في بَعْضِ الأوهام، وَهِي لَا تُقَلِّلُ مِنْ أَهِمِّيةِ الكِتَابِ، لأن كُلَّ إنْسَانٍ مُعَرَّضٍ لِذَلِكَ، وَرَحِمَ اللهُ الإمامَ مُسْلِمًا حِينَ قالَ: (فَلَيْسَ مِنْ نَاقِلٍ خَبَرٍ، وحَامِلٍ أثَرٍ مِنَ السَّلَفِ المَاضِينَ إلى زَمَانِنا - وإنْ كَانَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ، وأَشَدَّهُم تَوقِّيا وإتْقَانًا لِمَا يَحْفَظُ ويَنْقُلُ إلا الغَلَطُ والسَّهْوُ مُمْكِنٌ في حِفْظِهِ ونَقْلِهِ) (٣).

стр. 102

وقدْ وَجَدْتُ أبا المُطَرِّفِ وَقَعَ في أَخْطَاءٍ يَسِيرَةٍ، فمنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: - (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَاْتِي مَسْجِدَ قُبَاءَ للصَّلاَةِ فيهِ لِفَضْلِ بُقْعَتِهِ، وقِيلَ: هُوَ المَسْجِدُ الذي أُسِّس على التَّقْوَى، بَنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حينَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ) (١)، وهذا سَهْوٌ مِنَ المُصَنِّفِ ﵀ تعَالى، فإنَّ مَسْجِدَ قُبَاءَ بَنَاهُ النبيُّ ﷺ عندَ مَقْدَمِه مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرَاً قَبْلَ أَنْ يَبْنِي المَسْجِدَ النَّبَويِّ، وهذا أَمْر مُسْتَفِيضٌ لا إشْكَالَ فيهِ. - وقال: (قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ سَبَبُ إخْرَاجِ عَمْروِ بنِ الجَمُوحِ وعَبْدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ الأَنْصَارِيَيْنِ مِنْ قُبُورِهِمَا بَعْدَ سِتَّةٍ وأَرْبَعِينَ سَنَةً، مِنْ يَوْمِ دُفِنَا بالبَقِيعِ يَوْمَ أُحُدٍ، القَنَاةَ التِّي جُلِبَتْ مِن جَبَلِ أُحُدٍ إلى المَدِينَةِ) (٢)، وَهُو وَهَمٌ فانَّ شُهَداءَ أُحُدٍ لَمْ يُدْفَنْ أَحَدٌ منهُم بالبَقِيعِ، وإنما دُفِنُوا في سَاحَةِ المعركَةِ بأُحُدٍ، وهَذا مِمَّا لَا خِلاَفَ فيهِ. * * *

стр. 103

المبحث الخامس وصف النسخ المعتمدة في التحقيق اعتمدتُ في التَّحْقِيقِ على نُسْخَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وإليكَ وَصْفَهُمَا: النُّسْخةُ الأُولَى: وَهِي المَحْفُوظَةُ في الخِزَانةِ العَامَّةِ بالرِّباطِ برقم (٦٤ ج)، وقد كُتِبتْ بِخَطٍّ مَغْرِبِيِّ دَقِيقٍ، وَاضِحٍ القِرَاءَةِ في أَكْثَرِهِ، ولكنْ طَرأَ في بَعْضِ الموَاضِعِ طَمْسٌ وسَقْطٌ، مَعَ ضَيَاَّعَ بَعْضِ الأَوْرَاقِ مِنْ أَوَّلِهَا ومِنْ آخِرِهَا، وفِي ثَلاَثةِ مَوَاضِعَ في أَثْنَائِهَا، وعدد أوراقها (٢٨٩) ورقة، من لوحةٍ وَاحدةٍ، في كل صفحة (٢٥) سطرا، تبدأ بباب (الطَّهُور للوَضُوءِ) وهو في الموطأ صفحة (٢٩) مِنَ الجُزْءِ الأوَّلِ، وتنتهي إلى كتابِ الجِامِعِ، في أوَّلِ بابِ (تَفْسِيرُ أَبْوَابِ اللِّبَاسِ والإنْتِعَالِ). وقد وُضِعتْ بعض الأوراق الأولى في غير مَوْضِعها، وقُدِّمتْ بعضُها على بعض. والنُّسْخَةُ جَيِّدَةٌ إلى حَدٍّ كَبيرٍ، وتَمَّ مُقَابَلَتُهَا بالنُّسْخَةِ المَنْقُولَةِ مِنْها، إذ وَجَدْتُ في مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ عِبَارةَ: (بَلَغَتْ)، وفي مَوْضِعٍ آخرَ: (بلغتِ المُقَابلَةُ)، ومَعَ مُقَابَلَتِهَا فإنَّهَا لَمْ تَسْلَمْ مِنَ الخَطَأ والسَّقْطِ. وقد اتَّبَعَ النَّاسِخُ الطرِيقَةَ المغرِبيَّةَ في الخَطِّ، مِنْ نَقْطِ القَافِ نُقْطَةً وَاحِدَةً، ونَقْطِ الفَاءِ مِنْ أَسْفَلَ، كمَا أنَّ النَّاسِخَ كَانَ يُهْمِلُ الهَمْزَةَ المَكْسُورَةَ فَيَرْسِمُهَا ياءَ، نَحْو (البائع، والحائط)، فيَكْتُبها: (البايع، والحايط)، كَما أَنَّهُ أَيضَاً رُبَّمَا أَسْقَطَ الأَلِفَ الممدودةِ مِنْ بَعْضِ الكَلِمَاتِ، فَلَفْظُ (ثلاثة) مثلًا كَتَبهَا (ثلثة)، ولَفْظَةُ:

стр. 104

(مالك) كتَبَها (ملك)، ومِمَّا رَأَيْتُهُ أَيضَاً أنه يَكْتُبُ بَعْضَ الكَلِمَةِ في نِهَايةِ السَّطْرِ الأَوَّلِ، ويَكْتُبُ بَقِيَّتَها في السَّطْرِ الثَّانِي، فَكَلِمَةُ (المناجزة) مثلًا كَتَبَ في نِهَايةِ السَّطْرِ الأَوَّلِ (المنا)، وكَتَبَ (جزة) في بِدَايةِ السَّطْرِ الثَّانِي، وكَتَبَ كَلِمَةَ (الشَّهادات) هَكَذا: (الشها) ثُمَّ (دات)، وهَكَذا. النسخة الثانية: وَهِي مُصَوَّرَةٌ مِنَ المكتبةِ العَتِيقَةِ بالقَيْرَوَانِ، والتي هي الآنَ في مَعْهدِ الحَضَارةِ والفُنُونِ الإسلاميَّةِ بِرَقَّادَةَ، وَهِي قِطْعَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الكِتَابِ، عددُ أَوْرَاقِهَا: (٤٧) ورقةً، وَهِي أَخْلاَطٌ مِنْ مَوَاضِعَ مُفَرَّقَةٍ مِنْ آخِرِ الكِتَابِ غيرُ مُرَتَّبةٍ، وأهمُّ فَائِدَةٍ لهذه النُّسْخَةِ أَنَّها أَكْمَلتِ النَّقْصَ الأخيرِ الذي وَقَعَ في نِهَايةِ النُّسْخَةِ المتُقَدِّمةِ، وَهِذه النُّسْخَةُ نُسْخَةٌ مُتْقَنَةٌ إذْ تَمَّ مُقَابَلَتُهَا عَلَى نُسْخَةٍ أُخْرَى، وقد كُتِبتْ بخَط قَيْرَوَانيِّ قَدِيمٍ، ويَبْدُو أَتها قَرِيبةٌ مِنْ عَصْرِ المُصَنِّفِ، وقَدْ أَصَابَ النُّسْخَةَ تَلَفٌ شَدِيدٌ بسببِ تَقَادُمِها وسُوءِ حِفْظِها مِمَّا أَدَّى إلى صُعُوبةِ القِرَاءَةِ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، هذا بالإضَافةِ إلى ما وقع فيها من سَّقْطٍ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وكُتِبَ عَلَيْهَا حَوَاشٍ دَقِيقَةِ الخَطِّ غَيْرِ مَقْرُوءةٍ، فِيهَا تَعْلِيقَاتٌ كَثيرَةٌ مِنْ تَفْسِيرِ الموطَّأ لإبنِ مُزَيْنٍ، وتَفْسِيرِ الموطَّأ لأَبي عَبْدِ الملكِ البُونِيِّ وغَيْرِهما، وقدْ أَهْمَلَ نَاسِخُهَا النُّقَطَ إلا في مَوَاضِعَ قَلِيلَةٍ، وهَذِه النُّسْخَةُ مِثْلَ التِّي تَقَدَّمتْ، فَقَدْ كَانَ النَّاسِخُ يَحْذِفُ مِنَ الأَعْلاَمِ الأَلِفَ الممدُودةِ، كَمَا كَانَ يُهْمِلُ الهَمْزَةَ المَكْسُورَةَ فَيَرْسمُهَا ياءَ وغير ذلك. ومنْ بَابِ الأَمَانةِ نشُيرُ إلى أَنَّ الشَّيخَ مُحَمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ التَّلِيدِيَّ ذَكَرَ في كِتَابهِ (تُرَاثِ المغَارِبةِ) نُسْخَةً ثَالِثَةً للكِتَابِ، فقالَ: (وقدْ وَقَفَ المُخْتَارُ السُّوسِي بِخِزَانةِ تِيْلَكَات على مَخْطُوطَةٍ قالَ: لَعَلَّها شَرْحُ القُنَازِعيِّ للمُوطَّأ، وَهُو شَرْح جَمَعَ بينَ رِوَايَتَيْ يحيى اللَّيْثِيِّ وابنِ بُكَيْرٍ، وتَضَمَّنَ الكَثِيرَ مِنْ أَقْوَالِ أَبي مُحَمَّدٍ الأَصِيلِيِّ حَسَبَ المخْطُوطةِ التي وَقَفَ عَلَيْهَا السُّوسِي) (١)، أقول: لقد سألتُ كَثيرًا مِنَ

стр. 105

الفُضَلاَءِ مِنْ أَهْلِ المَغْرِبِ مِمَّن لَه اعْتِناءٌ بالمخَطْوُطَاتِ فَلَمْ يَعْرِفُوا عَنْهَا شَيْئًا، ولَعَلَّ اللهَ تعَالى يُوفِّقَنا في المُسْتَقبلِ إلى الحُصُولِ عَلَيها أَو عَلَى غَيْرِها، ومَا ذَلِكَ على اللهِ بِعَزِيز. هذا وإنِّي مَدِين بالشُّكْرِ الجَزِيلِ والثَّناءِ العَطِرِ إلى الصَّدِيقِ الوفيِّ الدِّكْتُور مِيْكُلوشِ مُورَاني الأُسْتَاذِ بِجَامعةِ بُون بألمانيا سَابِقًا، وصَاحِبِ الكُتُبِ والدِّرَاسَاتِ في المذْهَبِ المالكِيِّ- الذي تَفَضَّلَ بإرْسَالِ مَا عِنْدَهُ مِنْ هَذا الكِتَابِ النَّفِيسِ، وَهُمَا مُصَوَّرَتَهُ مِنْ نُسْخَةِ الرِّبَاطِ، ونُسْخَةِ القَيْرَوانِ، فلهُ مِنِّي جَزِيلَ الشُّكْرِ، وأَسْأَلُ اللهَ تعاَلى أنْ يَهْدِيه إلى الخَيْرِ، ويُوفَقَّنا جميعًا إلى مَا يُحِبُّه اللهُ ويَرْضَاهُ. * * *

стр. 106

المبحث السادس الطريقة المتبعة في تحقيق الكتاب لَقَدْ كَلَّفَنِي إعْدَادُ الكِتَابِ وإخْرَاجهِ -على صُورَةٍ أَرْجُو أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةً مِمَّا تَركَهُ المُؤَلِّفُ- كَثيرَاً مِنَ الوَقْتِ والجُهْدِ، ولَا أُرِيدُ أَنْ أُزَكِّي عَمَلِي، ولَكِن حَسْبِي أَدى لَمْ أَدَّخِرْ وُسْعَاً في خِدْمةِ هذا الكِتَابِ المُسْتَطَابِ على نُسْخَةٍ فَرِيدَةٍ وَقَعَ فِيهَا مَحْوٌ وطَمْسٌ لِجَوانِبَ كَثِيرَةٍ مِنْ صَفَحَاتهِ، وَهُو عَمَلٌ لَيْسَ بالشَهْلِ اليَسِيرِ، وقد اتَّبَعْتُ في تَحْقِيقِ الكِتَابِ الخُطُواتِ التَّالِيةَ: ١ - نَسَخْتُ الكِتَابَ على نُسْخَتِهِ الوَحِيدَةِ المُصَوَّرَةِ مِنَ الخِزَانةِ العَامَّةِ بالرِّبَاطِ، ثُمَّ قَابَلْتُ المنْسُوخَ على هَذِه المَخْطُوطَةِ، وعَلَى الأَوْرَاقِ المُتَبَقِّيَةِ مِنْ قِطَعَةِ مَكْتَبةِ القَيْرَوانِ العَتِيقَةِ. ٢ - كَتَبْتُ الكَلَمَاتِ بِمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ عليهِ اليومَ مِنْ صُوَرَ الإمْلَاءِ، وحَرَصْتُ على تَرْبيبِ فِقْرَاتِ النَّصِّ، وضَبْطِهِ بالشَّكْلِ التَّامِّ، وعُنِيتُ بِعَلَامَاتِ الفَوَاصِلِ، وعَلاَمَاتِ الإسْتِفْهَامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ بِمَا يَزِيدُ النَّصَّ وُضُوحَاً. ٣ - نَبَّهْتُ على مَا وَقَعَ في الأَصْلِ المَخْطُوطِ مِنْ تَصْحِيفٍ وسَقْطٍ، وتَرْمِيمُ ما مُحِيَ مِنْ كَلِمَاتٍ في بَعْضِ المَوَاضِعِ، وذَلِكَ بالرُّجُوعِ إلى المَصَادِرِ المُخْتَلِفَةِ، مَعَ التَّعَوُّدِ علَى تَعْبِيرِ المُؤَلِّفِ وأُسْلُوبهِ، وَمُرَاعَاةِ مَا يَتَنالسَبُ مَعَ سِيَاقِ الكَلاَمِ، وَوَضَعْتُ مَا صَوَّبْتُهُ بينَ مَعْقُوفَتَيْنِ. ٤ - عَارَضْتُ مَا فِي الكِتَابِ مِنْ أَقْوَالٍ ونُصُوصٍ بِمَا فِي الكُتُبِ الأُخْرَى،

стр. 107

ورَجَعْتُ إلى كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الفِقْهِ والحَدِيثِ، وبالأَخَصِّ كُتُبِ المَذْهَبِ المَالِكِيِّ، لِلْتَحَقُّقِ مِنَ النَّصِّ، وتَوْثيقِ النُّصُوصِ. ٥ - أَغنيتُ النَّصَّ بالإسْتِدْرَاكَاتِ اللَازِمَةِ مِنْ عَزْوِ الآيَاتِ إلى مَوْضِعَهَا في المُصْحَفِ الكَرِيمِ، وتَخْرِيجِ الأَحَادِيِث والآثارِ والأَقْوَالِ، وتَفْسِيرِ الأَلْفَاظِ الغَرِيبةِ، وكِتَابةِ التَّعْلِيقَاتِ المُفِيدَةِ، ومَرَاعَاةُ الإيْجَازِ في ذَلِكَ كُلِّهِ. ٦ - عَرَّفْتُ بالأَعْلَامِ المُشْكِلِينَ والمُهْمَلِينَ بِمَا يَكْشِفَ عَنْهُم ويُوضِّحُهُم. ٧ - أَبْدَلْتُ حَرْفَ (ع) الذي وَضَعَهُ النَّاسِخُ في بَعْضِ المَوَاضِعِ اخْتِصَارًا لاسْمِ المُؤَلِّفِ، ووضعتُ كُنْيَتَهُ أو اسمَه صَرِيحًا لِكَي يَكُونَ الكِتَابُ عَلى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَقد حَصْرَتُهُ بينَ مَعْقُوفتَيْنِ. ٨ - أثبتُ أَرْقَام النَّصِّ في الموطَّأ مِنْ حَدِيثٍ أَو أَثَرٍ أَو قَوْلٍ عَقِبَ النَّصِّ الوَارِدِ مَحْصُورَاً بينَ مَعْقُوفَتَيْنِ، ولَمْ أَجْعَلْهُ في الهَامِشِ، وقدْ اعْتَمَدتُ في إحَالَاتِ المُوطَّأ على الطَّبْعَةِ التِّي حَقَّقَها الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ مُصْطَفَى الأَعْظَمِي (١). ٩ - وَضَعْتُ مُقَدِّمَةً تَنَاولتُ فِيهَا جَوَانِبَ تَتَعلَّقُ بالإمام أَبي المُطَرِّفِ القُنَازِعِيِّ، وكِتَابهِ: (تَفْسِيرِ المُوطَّأ). ١٠ - عَمَلتُ الفَهَارِسَ العِلْميَّهَ الضَّرُورِيَّةَ الكَاشِفَةَ. ١١ - نَسَبتُ في فِهْرسِ الأَعْلَامِ جَمِيعَ المُهْمَلِينَ في الكِتَابِ بِمَا يُوضِّحُهم ويَزِيلُ الإشْكَالَ عنهم. * * *

стр. 108

وبعد: فَهَذا هُوَ (تَفْسِيرُ المُوطَّأ) للإمامِ أَبِي المُطَرِّفِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَرْوانَ القُنَازِعيِّ أُقَدِّمُهُ بينَ يَدَي أَهْلِ العِلْمِ بعدَ أَنْ خَدَمْتُهُ بالضَّبْطِ والتَّحْقِيقِ والتَّعْلِيقِ، هَذا الكِتَابُ الذي طَالَما تَشَوَّفَ كَثيرٌ مِنَ البَاحِثينَ إلى ظُهُورِه. والحَمْدُ للهِ الذي وَفَّقَنِي إلى ذَلِكَ، وهذا مَبْلَغُ عِلْمِي، وغَايةُ جُهْدِي، فإنْ حَالَفَنِي التَّوْفِيقُ فَذَلِكَ فَضْلُ اللهِ تَعَالى يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ، ولَهُ سُبْحَانهُ الحَمْدُ والشُّكْرُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وإنْ أَخْفَقْتُ فأسْتِغْفِرُ اللهَ تعاَلى وأتوبُ إليه، وعُذْرِي أَنِّي لَمْ أَدَّخِرَ وُسْعَاً في خِدَمةِ الكِتَابِ الذي لَمْ يَصِلْ إلينا مِنْهُ سِوَى مَخْطُوطَةٍ وَحِيدَةٍ لَمْ تَسْلَمْ مِنَ النَّقْصِ والتَّحْرِيفِ والسَّقْطِ. والحمدُ لله ربِّ العَالَمِينَ، وصلَّى الله وسَلَّمَ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعلَى آلهِ وصَحْبهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ. وكتب أبو الحارث عامر حسن صبري التميمي عفا الله تعالي عنه ووالديه

стр. 109

صور من المخطوطات المعتمدة في تَحْقِيْقِ الكِتَاب

стр. 110

نموذج من النسخة الأولى
следующие страницы →