Полный текст (779 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الوُسْطَى صَلاَةِ العَصْرِ، مَلأَ اللهُ قُبُورَهُم وبُيُوتَهُم نَارًا" (١) سألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ هذا الحَدِيثِ، فقالَ لي: هذا الحَدِيثُ لم يُدْخِلْهُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الصَّلَاةِ، والصَّحِيحُ عَنْ عليِّ بنِ أبي طَالِبٍ مَا في المُوطَّأ: (أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطَى صَلاَةُ الصُّبْحِ).
صِفَةُ الاشْتِمَالُ المَذْكُورِ في حَدِيثِ النبىِّ ﷺ أَنَّهُ صلَّى مُشتَمِلًا، وَهُو أنْ يَلِفَّ الرَّجُلُ بِرِدَائِه مِنْ رَأْسِهِ إلى قَدَمَيْهِ ثُمَّ يُخَالِفُ بطَرَفِي الرِّدَاءِ على مَنْكِبَيْهِ يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِه، واشْتِمَالُ الصَّمَاءِ الذي نُهِيَ عنهُ هو أَنْ يَلْتَحِفَ بِرِدَائِهِ ثُمَّ يَرُدُ طَرَفَ الثَّوْبِ الأَيْمَنِ على مَنْكبهِ الأَيْسَرِ، فَرُبَّما أنْ كُشِفَتْ عَوْرَةُ مَنِ اشْتَمَلَ هَكَذا على غَيْرِ ثَوْبٍ، وسَتْرُ العَوْرَةِ فَرْضٌ في الصَّلَاةِ وغَيْرِهَا، قالَ اللهُ : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقالَ ﵎: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فالزِّينةُ: الأَرْدِيةُ والثِّيَابُ، والمَسَاجِدُ: الصَّلَواتُ، وقد رأَى ابنُ عُمَرَ نَافِعَاً يُصَلِّي في مِئْزَرٍ، فقالَ لَهُ: (خُذْ عَلَيْكَ ردَائَكَ، فإنَّ اللهَ حَقٌّ تُجَمَّلَ لَهُ) (٢).
* قالَ أبو عُمَرَ: صَلاَةُ الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ رُخْصَةً، وذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ حينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ, فقالَ: "أَوَلِكُلِّكُم ثَوْبَانِ؟ ", وكَذَلِكَ صَلاَةُ المَرْأةِ في ثَوْبَيْنِ رُخْصَةٌ، ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَسَدَها وُيغَطِّي قَدَمَيْهَا، وخِمَارٌ تَسْتُرُ به شَعْرُهَا وصَدْرُهَا.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ المَرْأةِ لِعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ: (إنَّ المِنْطَقَ يَشُقُّ عَلَيَّ) تعني: أنَّ المِئْزَرَ يَشُقُّ عليَّ وُجُودُه (أَفَأُصَلِّي في دِرْعٍ وخِمَارٍ؟)، فَرَخصَ لهَا في ذَلِكَ. стр. 177
قالَ أبو عُمَرَ: غَيْرُ عُرْوَةَ يَقُولُ: (تُصَلِّي في أَرْبَعِ أَثْوَاب: خِمَارٍ، وقَمِيصٍ، ومِئْزَرٍ وإزَارٍ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ في ثَوْبَيْنِ لا بُدَّ لَهُما مِنْ ذَلِكَ) (١).
وقالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: يُصَلّي الرَّجُلُ في ثَوْبٍ، والمَرْأةُ في ثَوْبَيْنِ.
قالَ أبو مُحَمَّد: قَوْلُ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ في حَدِيثِ: "أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعَاً، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى المَغْرِبَ والعِشَاءَ جَمِيعَاً، قال كان رسول الله ﷺ [................................] (٢) وأصحابه، فلمَّا [نَزَلَ] (٣) صَلَّى الظُّهْرَ، آخَّرَهَا إلى آخِرِ وَقْتِهِا، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العَصْرِ [....]، (٤) إلى مَنْزِلهِ الذي كَانَ [....] (٥) ثُمَّ خَرَجَ بعدَ المَغْرِبِ فَجَمَعَ بينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِكَي يُرِي النَّاسَ اشْتِرَاكَ الأوقَاتِ، أَوْقَاتِ الصَّلَواتِ، كمَا فَعَلَ بالمَدِينَةِ حينَ جَمَعَ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ لِكي يُرِي النَّاسَ اشْتَرِاكِ الأوْقَاتِ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُهُ في هذا الحَدِيثِ: "إنَكم سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ عَيْنَ تَبُوكٍ" أَمَرَهُ اللهُ أنْ لا يَقُولَ لِشَيءٍ أنَّهُ يَفْعَلُهُ غَدَاً إلَّا أنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٢ - ٢٣]
قالَ الأَخْفَشُ: قَوْلُ مُعَاذٍ: "والعَيْنُ تَبِضُّ بشَيءٍ مِنْ مَاءً" يُرِيدُ: يَسِيلُ مَاؤُهَا سَيْلًا خَفِيفَاً. стр. 178
وَسَبَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَبَقَا إلى العَيْنِ لأَخْذِهِما المَاءَ الذي قدْ كَانَ نَهَى أنْ يَمَسَّ أَحَدٌ منهُ شَيْئًا حتَّى يَأْتِيه رَسُولُ اللهِ ﷺ لِكي يُبَارَكَ فيهِ فَيَكْثُرُ، حتَّى يَشْرَبَ منهُ جَمِيعُ الجَيْشِ، فَلَمَّا فَعَلَ الرَّجُلاَنِ خِلاَفَ مَا قدْ كَانَ أَمَرَ به رَسُولُ اللهِ ﷺ غَضِبَ وسَبَّهُمَا، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْضَبُ كمَا يَغْضَبُ البَشَرُ، غيرَ أنَّ سَبَّهُ كانَ بَرَكَةً ورَحْمَةً للمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ ما حدَّثنا به أبو محمد البَاجِي (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خَالِدٍ، عَنْ جَمَاعةٍ مِنْ شُيُوخِه، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إسْحَاقَ الفَرْويِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "اللَّهُمَّ إني أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدَاً لنْ تُخْلِفَهُ، فإنَّما أَنا بَشَرٌ، فأيُّ المُؤْمِنِينَ سَبَبْتُهُ أو لَعَنْتُهُ فاجْعَلْهُ لَهُ صَدَقَةً وقُرْبَةً تُقَرِّبُه بها يومَ القِيَامَةِ" (٢).
وهذا بِخِلاَفِ سَبِّه ولَعْنَتِه لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وسَبُّه لأُولَئِكَ ولَعْنَتْه إيَّاهُم مُسْتَجَابٌ منهُ فِيهم ولا [حُكْمٌ] (٣) لَهُم في الآخِرَةِ.
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَمْعِ مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ لِيُبَارِكَ فيهِ، فَفَعلَ وصَبَّ فِيها مَاءَ وُضُوئِه فَجَرتْ تِلْكَ العَيْنُ في وَقْتِها بمَاءٍ كَثيرٍ، فَحِينَئِذٍ قالَ النبيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ: "يُوشِكُ يا مُعَاذُ إنْ طَالَتْ بكَ حَيَاةٌ أنْ تَرَى مَاءً هَاهُنا قد مُلِئَ جِنَانَاً" يعني: إنْ عِشْتَ فَسَتَرَى هذا المَكَانَ الَخَالِي قدْ عُمِرَ وكَثُرتْ فيه الأَجِنَّةُ، بِسَببِ غَزَرُ مَاءُ هذه العَيْنِ، فَغَزُرَ مَاءُهَا مِنْ ذَلِكَ الوَقْتِ، وعَمُرَ المَكَانُ حتَّى صَارَت الأَرْحَاءُ (٤) стр. 179
تُطْحَنُ مِنْ مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ وكَثُرتْ فيهِ الأَجنَّةُ المُسْقِيةُ مِنْ تِلْكَ العَيْنِ، وهذِه مِنْ عَلاَماتِ نُبُوَّتِه ﷺ .
قالَ مَالِكٌ: لا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ المُسَافِرُ إذا جَدَّ بهِ السِّيرُ المَغْرِبَ إلى قُرْبِ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، فَيَجْمَعُ حِينَئِذٍ بينَ الصَّلَاتَيْنِ، ولا يُقَدِّمُ صَلاَةَ العِشَاءِ إلى المَغْرِبِ، ولا بَأسَ أنْ يُقَدِّمِ العَصْرِ إلى الظُّهْرِ فَيَجْمَعُهُمَا, ولا بَأْسَ أنْ يُؤخِّرَ الظُّهْرَ إلى أوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ.
وقالَ غَيْرُه: لا بَأْسَ أنْ يَجْمَعَ المُسَافِرَ بينَ الصَّلَواتِ وإنْ لم يَجِدَّ بهِ السَّفَرُ.
قالَ أبو المُطَرَّفِ: الجَمْعُ بينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ لَيْلَةَ المَطَرِ سُنَّةٌ، فَعَلَ ذَلِكَ الخُلَفَاءُ بالمَدِينَةِ بعدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يُؤَذَّنُ المَغْرِبُ في أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ تُؤَخَّرُ قَلِيلًا، ثُمَّ يُؤَذِّنُ للعَشَاءِ في دَاخِلِ المَسْجِدِ، ثُمَّ يُصَلَّى العِشَاءُ، ولا يُتَنَفَّلُ بينَ الصَّلَاتَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وعَلَيْهِم أَسْفَارٌ (١)، ولا يَكُونُ الوِتْرُ حتَّى يَغِيبُ الشَّفَقُ، وبهذا قالَ مَالِكٌ واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ.
سألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَن الرِّسَالةِ التي نَسَبَها أبو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ إلى اللَّيْثِ أنَّهُ كَتَبَ بِها إلى مَالِكِ بنِ أَنَسٍ (٢)، وأنكرَ عليهِ فِيها قَوْلَهُ بإبَاحَةِ الجَمْعِ بينَ المَغْرِبِ والعَشَاءِ لَيْلَةَ المَطَرِ، فقالَ لي أَبو مُحمدٍ: لَيْسَتْ تَصِحُّ تلكَ الرِّسَالةَ عَنِ اللَّيْثِ، والمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ اللَّيْثِ أنَّهُ أَبَاحَ الجَمْعِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ لَيْلَةَ المَطَرِ، وعندَ الطَّينِ، والظُّلْمْةِ كمَا قالَ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ.
* * * стр. 180
بابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ في السَّفَرِ
[إلى آخِر بَاب الصَّلَاةِ على الدَّابّةِ] (١)
* قَوْلُ الرَّجُل لإبنِ عُمَرَ: (إنا نَجِدُ صَلاَةَ الخَوْفِ وصَلاَةَ الحَضَرِ في القُرْآنِ، ولا نَجِدُ صَلاَةَ السَّفَرِ) , يعنِي: لا نَجدُ قَصْرَ الصَّلَاةِ في القُرْآنِ في غَيْرِ حَالةِ الخَوْفِ، فقالَ ابنُ عُمَرَ: (إنَّ الله بَعَثَ إلينَا مُحَمَّدًا ولا نَعْلَمُ شَيْئًا، فإنَّما نَفْعَلُ كمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ) يعنِي: تُقْصَرَ الصَّلاةُ في أَسْفَارِنَا فَنُصَلِّيها رَكْعَتَيْنِ [كمَا] (٢) كَانَ رَسُولُ الله ﷺ في أَسْفَارِه، إذ هُو المُبَيِّنُ عَنِ اللهِ ما أَمَرَهُ به.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: صَلاَةُ الخَوْفِ هي صَلاَةُ السَّفَرِ، ولكنْ مِنْ أَجْلِ الخَوْفِ قُسِمَتْ بينَ طَائِفتيْنِ بإمَامٍ وَاحِدٍ، فَصَلاةُ السَّفَرِ مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ كمَا أنَّ صَلاَةَ الحَضَرِ مَذكُورَةٌ فيه، وذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] يعنِي: إذا اسْتَقرَرَتُم في أَمْصَارِكُم ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) يعنِي: صَلُّوهَا أَرْبعَاً.
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: اسْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الذي سَأَلَ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ عَنْ هَذِه المَسْأَلةِ أُمَيَّةُ بنُ خَالِدِ بنِ أَسِيدٍ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: في جَوَابِ ابنِ عُمَرَ لِهَذا الرَّجُلِ مِنَ الفِقْهِ: الوُقُوفُ عندَ السُّنَنِ، وتَرْكُ الإعْتِرَاضِ على مَا ثَبَتَ مِنْهَا واسْتَفَاضَ بهِ العَمَلُ، وهذَا سَبيلُ أَهْلِ السَّلاَمَةِ، وأما مَنْ نَصَبَ دِينَهُ للجَدَلِ فإنَّهُ يُكْثِرُ التَّنَقُّلَ، ويُعْمِي قَلْبَهُ عَنِ الصَّوَابِ. стр. 181
* وحَدِيثُ عَائِشَةَ: (فُرِضَت الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ) إلى آخِرِ الحَدِيثِ، قالَ أبو عُمَرَ: هَذا الحَدِيثِ عِلَّتُهُ بَيِّنَةٌ، وَهِي مُخَالَفِةٌ لَهُ، وذَلِكَ أنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ الصَّلَاةَ في السَّفَرِ، والصَّاحِبُ إذا روَى حَدِيثًا عَنِ النبيِّ ﷺ وخَالَفَهُ بِعَمَلِه كَانتْ [عِلَّةً] (١) في الحَدِيثِ تُوجِبُ التَّوقُّفَ عنهُ، والذي ثَبَتَ مِنْ هذَا أنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ على النبيِّ ﷺ مِنْ أَوَّلِ مَا فُرِضَتْ بِتَمَامِهَا، ثُمَّ قُصِرَتْ بعدَ ذَلِكَ في السَّفَرِ، لِحَالَةِ التَّعَبِ فيهِ، كمَا رُخِّصَ للمُسَافِرِ في الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ لِحَالَةِ مَشَقَّةِ الصِّيَامِ.
وقالَ غَيْرُ أَبي مُحَمَّدٍ: يَحْتَمِلُ قَوْلُ عَائِشَةَ: (فُرِضَت الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ والحَضَرِ) أنَّهَا أَرَادَت الصَّلاَةُ التي كَانُوا يُصَلُّونَها بمكَّةَ قَبْلَ لَيْلَةِ الإسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ غُدْوَةً ورَكْعَتَيْنِ عَشيَّةً، وذَكَرَها في القُرْآنِ في قَوْلهِ ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٢) [طه: ١٣٠] فَيَحْتَمِلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ أنَّهَا أَرَادتْ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ، واللهُ أعلمُ.
وتَأَوَّلَ النَّاسُ في تَمَامِ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ للصَّلاَةِ في السَّفَرِ، وإتْمَام عَائِشَةَ تَأوِيلاَتٍ، فَقِيلَ في عُثْمَانَ أنَّهُ إنَّما أَتَمَّهَا لأنَّهُ قالَ: (أَنَا خَلِيفَةٌ، فَحَيْثُ مَا كُنْتُ فأَنا في عَمَلِي) (٣) كأنَّهُ مُقِيمٌ في أَهْلِهِ، وقِيلَ: إنَّمَا أَتَمَّهَا بِمِنَى وعَرَفةَ مِنْ أَجْلِ الأَعْرَاب الذينَ يُشَاهِدُوا مَعَهُ المَوْسِمَ، فأرَادَ أنْ يُرِيهِم أنَّ الصَّلاةَ أَربَعُ رَكَعَاتٍ، [وَقِيلَ] (٤): إنَّما أَتَمَّهَا حِينَئِذٍ لأنَّهُ كَانَ اتَّخَذَ أَهْلًا بالطَّائِفِ، فكَأَنَّهُ كَان مُقِيمَاً بِمَكَّةَ ومَا جَاوَرَهَا.
والذي تَأَوَّلَتْ في ذَلِكَ عَائِشَةُ أنَّهَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ، فَحَيْثُ مَا كَانَتْ فَهِي مُقِيمَةٌ مَعَ وَلَدِهَا. стр. 182
قالَ أبو المُطَرِّفِ: قالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ: القَصْرُ في السَّفَرِ رُخْصَةٌ، فَمِن الصَّحَابَةِ مَنْ أَخَذَ بِها، ومِنْهُم مَنْ لمْ يَأْخُذْ بِها، وصَلَّى صَلَاتَهُ في السَّفَرِ على هَيْئَتِهَا في الحَضَرِ، ولهَذا قالَ مَالِكٌ: مَنْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ في السَّفَرِ أَعَادَهَا سَفَرِيَّةً في الوَقْتِ، وَلَو كَانَ فَرْضُهُ في السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّاهَا أَرْبَعًا لوَجَبَ عليهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ أبدَاً, لأنَّهُ كَانَ يَكُونُ زَائِدَاً في فَرْضِه، ومَنْ زَادَ في فَرْضِهِ عَامِدَاً وَجَبَتْ عليهِ الإعَادَةُ أبدَاً.
* [قالَ أبو المُطَرِّفِ] (١): بينَ ذَاتِ الجَيْشِ والعَقِيقِ عَشَرَةُ أَمْيَالٍ (٢)، وأَظُنُّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ إنَّما أَخَّرَ صَلاَةَ المَغْرِبِ حينَ غَرُبَتْ لَهُ الشَّمْسُ بذِاتِ الجَيْشِ فَصَلاَّها بالعَقِيقِ مِنْ أَجْلِ أنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ المَاءَ للوُضُوءِ، فَلِذَلِكَ أَخَّرَها بهذا التَّأخِيرِ.
وقالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنَّما أَخَّرَها ابنُ عُمَرَ هذا التَّأْخِيرُ لِكَي يَقْطَعَ [في] (٣) سَفَرِه، وذَلِكَ أنَّهُ قدْ اسْتُصْرِخَ على زَوْجَتِه صَفِيَّهَ وَهُو بِمَكَّةَ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّهَا على المَوْتِ، فأَسْرَعَ السَّيْرَ إلى المَدِينَةِ، فَوَصَلَ إليها مِنْ مَكَّةَ في ثَلاَثةِ أَيَّامٍ، فلذَلِكَ أخَّرَ صَلاَةَ المَغْرِبِ إلى قُرْبِ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وهَكَذا يَفْعَلُ المُسَافِرُ إذا جَدَّ به السَّيْرُ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: رُوي عَنْ عليِّ بنِ أَبي طَالِبٍ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ البَصْرَةِ في وَقْتِ صَلاَةٍ إلى سَفَرٍ فَنَظَرَ إلى خُصٍّ مِنْ خُصُوصِ البَصْرَةِ عَنْ يَمِينِه فقالَ: (لَوْلاَ هذا الخُصُّ لَقَصَرْتُ الصَّلَاةَ) (٤)، فهذَا يَدُلُّ على أنَّ المُسَافِرَ لا يَبْتَدِئُ بالتَّقْصِيرِ حتَّى стр. 183
يُجَاوِزَ بُيُوتَ القَرْيَةِ التي خَرَجَ مِنْها، وتَصِيرُ وَرَاءَهُ.
ويُروَى عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: (لا تُقْصَرُ الصَّلاةُ إلَّا في سَفَرِ الحَجِّ والجِهَادِ) (١).
وقالَ مَالِكٌ: تُقْصَرُ الصَّلَاةُ في الأَسْفَارِ كُلِّها إذا كَانَتْ في طَاعَةٍ ولمْ يَخْرُجِ المُسَافِرُ في مَعْصِيَةٍ، فإذا خَرَجَ في مَعْصِيَةٍ لم يَجُزْ لَهُ التَّقْصِيرُ.
* وقدْ قَصَر ابنُ عُمَرَ الصَّلَاةَ في مَسِيرِه إلى رِيمَ (٢)، وإلى خَيْبرَ، وكانتْ فيه ضَيَاعَهُ التي كانَ مِنها مَعَاشُهُ.
قالَ مَالِكٌ: تُقْصَرُ الصَّلَاةُ في مَسَافَةِ أَرْبَعِينَ دُونَ ثَمَانِيَةٍ وأَرْبَعِينَ مِيلًا.
* قالَ أبو المُطَرَّفِ: قَوْلُ ابنِ المُسَيَّب: (إذا نَوَى المُسَافِرُ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بمَوْضِعٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ) وإنَّما قَالَ ذَلِكَ لَأنَّ مَا دُونَ أَرْبَعَةِ أيَّامٍ وَاقِعٌ في خِدْمَةِ اَلسَّفَرِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "لا يَبْقَ المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بعدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ فَوْقَ ثَلاَثٍ" (٣) فَجَعَلهُ النبيُّ ﷺ في الثَّلاَثِ مُسَافِرَاً، وذَلِكَ أنَّ المُهَاجِرِينَ الذين هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لا يَسْتَوْطِنُونَ مَكَّةَ, لأنَّهُم تَرَكُوهَا وهَاجَرُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ، فَحُكْمُهُم في الإقَامَةِ بِمَكَّةَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ حُكمُ المُسَافِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَا زَادَ على الثَّلاثِ مِنْ حُدُودِ الإقَامَةِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا دَخَلَ المُسَافِرُ بَلَدَهُ أَوَّلَ نَهَارِه ونَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فِيهَا أَتَمَ صَلَاتَهُ مِنْ وَقْتِ دُخُولِهِ، فإنْ دَخَلَ وقدْ مَضَى جُلُّ النَّهَارِ أَلْغَى ذَلِكَ اليومَ وبدَأَ بالإتْمَامِ مِن أَوَّلِ اليومِ الثَّانِي. стр. 184
وقالَ سُحْنُونُ (١): إذا دَخَلَ ونَوَى إقَامَةَ عِشْرِينَ صَلاَةٍ بدأَ بالتَمَامِ مِنْ وَقْتِ دُخُولهِ، [وإنْ] (٢) كَانَ قدْ دَخَلَ في بَعْضِ النَّهَارِ، وإنْ لم يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أيَّامٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ.
* قالَ مَالِكٌ: إذا اجْتَمَعَ المُسَافِرُونَ وأَهْلُ الحَضَرِ في الصَّلَاةِ فَأَوْلاَهُم بالإمَامَةِ المُسَافِرُونَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يُدْرِكُ صَلَاتَهُ على هَيْئَتِها، وإذا دَخَلَ مُسَافِرٌ خَلْفَ مُقِيمٍ أَتَمَ مَعَهُ الصِّلاَةَ، كَمَا كَانَ ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُ بِمِنَى، كانَ إذا أَتَمَ الإمَامُ الصَّلَاةَ أتَمَّهَا مَعَهُ ابنُ عُمَرَ، وإذا صَلَّاهَا لِنَفْسِهِ صَلاَّهُمَا رَكْعَتَيْنِ.
* إنَّما كَانَ ابنُ عُمَرَ لا يَتَنفَّلُ في أَسْفَارِه بالنَّهَارِ التِزَامَاً منهُ للقَصْرِ في السَّفَرِ، وكَانَ يَتَنَفَّلُ باللَّيْلِ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ فيهِ: "نِعْمَ الرَّجُلِ عبدُ اللهِ إلَّا أنَّهُ يَنَامُ باللَّيْلِ" (٣)، فَكَانَ بعدَ ذَلِكَ لا يَتْرُكُ، قِيَامَ اللَّيْلِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وكانَ يَرَى ابنَهُ سَالِمَاً يَتَنَفَّلُ بالنَّهَارِ فلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ هذَا على [أَنَّ] (٤) التَّنَفُلَ بالنَّهَارِ في السَّفَرِ مُبَاحٌ.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: انْفَرَدَ عَمْروُ بنُ يحيى بقَوْلهِ في الْحَدِيثِ: "أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى النَّافِلَةَ في السَّفَرِ علَى حِمَارٍ" وإنَّمَا المَعْرُوفُ أَنَّهُ صَلَّاهَا على رَاحِلَتِهِ في السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوجَّهَتْ بهِ.
* * * стр. 185
بابُ مَنْ صَلَّى الضُّحَى
إلى آخِرِ بَابِ القُنُوتِ في صَلاَةِ الصُّبْحِ
* أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى في صَلاَةِ الضُّحَى عَن النبيِّ ﷺ حَدِيثُ أُمِّ هَانِي بنتِ أَبي طَالِبٍ حِينَ دَخَلَتْ على رَسُولِ اللهِ ﷺ بمَكَّةَ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ وفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُه بثَوْبٍ، وكَانَتْ تُمْسِكُ الثَّوْبَ مِنْ وَرَاءِهَا وتُوَلِّي ظَهْرَهَا للنبيِّ ﷺ لِئَلَّا تَرَاهُ عُرْيَانًا.
وفي قَوْلِ النبيِّ ﷺ لأُم هَانِي في هذَا الحَدِيثِ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يا أُمَّ هَانِي" حُجَّةٌ لأَشْهَبَ، وذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ إجَارَةَ المَرْأةِ المُشْرِكَةِ لا تَجُوزُ [إلَّا أَنْ] (١) يُجِزْها الإمَامُ.
وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: تَجُوزُ إجَارَةُ المَرْأَةِ، وتُنْفَذُ على الإمَامِ وغَيْرِه، وحُجَّةُ ابنُ القَاسِمِ أنَّ أَمَانَ النبيِّ ﷺ كانَ يُقَدَّمُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ ولِغَيْرِه يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ، لِقَوْلهِ ﷺ : "مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُو آمِنٌ" (٢)، وَقَولِه ﵇: (يُجِيرُ على المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُم) (٣) فإجَارَةُ المَرْأةِ جَائِزَةٌ.
* [وقَوْلُ عَائِشَةَ] (٤) في صَلاَةِ الضُّحَى: (لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهُمَا) стр. 186
يعَني: لَوْ أُحْيِيَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُ صَلاَةَ الضُّحَى، ولا مَنَعَنِي فَرَحِي بِهِما مِنْ صَلاَتِهِمَا, ولَمْ تَحْكِ أنَّها رَأَت النبيَّ ﷺ يُصَلِّيهَا.
وصَلاَةُ الضُّحَى مُرَغَّبٌ فِيها، مَرْجُوٌّ ثَوَابُهَا، وكَانَ ابنُ عُمَرَ يُصَلِّيهَا كُلَّ يَوْمٍ في المَسْجِدِ، وصَلاَّهَا النبيُّ ﷺ بمَكَّةَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، ومِنَ النَّاسِ مَنْ كَانَ يُصَلِّيها عَشْرَ رَكَعَاتٍ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: في دَعْوَةِ مُلَيْكَةَ للنبيِّ ﷺ وإجَابَتِه إيَّاهَا مِنَ الفِقْهِ: إجَابَةُ دَعْوَةِ المَرْأةِ الصَّالِحَةِ، وأَكْلُ الطَّعَامِ عِنْدَهَا، وقِيلَ أيضًا: إنَّها كَانَتْ مِنْ خَالاَتِ النبيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وذَلِكَ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ مُسْتَرْضَعَاً في الأَنْصَارِ، فَلِذَلِكَ أَجَابَ دَعْوَتَها، وأكَلَ طَعَامَها في بَيْتِهَا.
* قالَ عِيسَى: نَضْحُ أَنَسَ بنِ مَالِكٍ الحَصِيرَ التي بَسَطَتْهُ مُلَيْكَةُ للنبيِّ ﷺ لِكَي تَطِيبُ نَفْسُ النبيِّ ﷺ على الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وهذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: لَيْسَ النَّضْحُ بِشَيءٍ، والنَّضْحُ طُهْرٌ لِمَا يُشَكُّ فيهِ مِنَ الثِّيَابِ وغيْرِهَا، هَلْ أَصَابَهُ نَجَسٌ أَمْ لَا، وفي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: إبَاحَةُ الإمَامَةِ في النَّافِلَةِ، وفيهِ أَنَّ صُفُوفَ النِّسَاءِ في الصَّلَاةِ خَلْفَ الرِّجَالِ، وأَنَّهُ إذا كَانَ رَجُلٌ وصَبِيٌّ يَعْقِلُ الصَّلَاةَ صَلَّيَا جَمِيعًا خَلْفَ الإمَامِ، ويَتَقَدَّمُهُما الإمَامُ، فإذا خُشِيَ على الصَّبِيِّ أنْ يَتْرُكَ الصَّلَاةَ لِصِغَرِه لمْ يُعْتَدَّ بهِ، وصَلَّى المَأْمُومُ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ صَفَّاً وَاحِدًا، وصَلَّت المَرْأةُ خَلْفَهُمَا.
* في تَنَفُّلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ بالهَاجِرَةِ دَلِيلٌ على ضَعْفِ مَا حَكَاهُ عبدُ اللهِ الصُّنَابِحِيُّ في حَدِيثهِ مِنَ النَّهْي عَنِ التَّنَفُّلِ بالهَاجِرَةِ، وهُو الحَدِيثُ الذي ذَكَرَهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ، في بَابِ النَّهِي عَنْ صَلاَةِ النَّافِلَةِ بعدَ العَصْرِ وبَعْدَ الصَّبْحِ والتَّنَفُلِ في الهَاجِرَةِ، وعندَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَمْرٌ مَعْمُولٌ بهِ عندَ أهلِ المَدِينَةِ.
قالَ مَالِكٌ: لمْ يَزَلِ العِبَادُ يَتَنَفَّلُونَ بالهَاجِرَةِ، ويَرْجُونَ بَرَكَةَ التَّنَفُلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أَعْرِفُ مَا ذَكَرَهُ الصُّنَابِحِيُّ في ذلك، يَعْنِي: لمْ يَعْرِفْهُ مَعْمُولًا بهِ.
قالَ عِيسى: كَانَ يَرْفَأُ مَوْلَى لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، والسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّي المَأْمُومُ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ، فإذا دَخَلَ عَلَيْهِما ثَالِثٌ تَقَدَّمَ الإمَامُ، وصَارَ لوِرَائِه صَفَّاً.
стр. 187
* قولُ النبيِّ ﷺ في المَارِّ بينَ يَدَي المُصَلِّى: "إنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّمَا هُو شَيْطَانٌ" قالَ عِيسَى: يَنْبَغِي للمُصَلِّيْ أنْ يَمْنَعَ الذي يُرِيدُ أَنْ يَمُرَّ بينَ يَدَيْهِ مَنْعَاً لا يَشْتَغِلُ بهِ عَنْ صَلَاتهِ، فإنْ غَلَبَهُ فَلْيَدَعْهُ يَبُوءُ بإثْمِه، ولَا يَضُرُّهُ مُرُورَهُ بينَ يَدَيْهِ في صَلَاتهِ، وفِعْلُهُ ذَلِكَ كَفِعْلِ الشَّيْطَانِ الذي يَخْطُرُ بينَ المَرْءِ ونَفْسِه في صَلاَتِهِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: قالَ مَالِكٌ: وإذا مَضَى المَارُّ بينَ يَدَي المُصَلِّي وجَاوَزَهُ فلَا يَرُدُّهُ، وكَذَلِكَ لا يَرُدُّهُ وهُو سَاجِدٌ.
قالَ أَشْهَبُ: وإذا مَرَّ قُدَّامَهُ فَلْيَرُدُّهُ بإشَارَةٍ ولَا يَمْشِي إليهِ, لأن مَشْيَهُ إليه أَشَدُّ مِنْ مُرُورِه بينَ يَدَيْهِ، فإن مَشَى إليه وَرَدَّهُ لَم تَفْسُدْ بِذَلِكَ صَلاَتُهُ.
* حَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ الذي قَالَ فيهِ: (أَقْبَلْتُ رَاكِبَاً على أَتَانٍ) إلى آخِرِ الحَدِيثِ، فيهِ دَلِيلٌ على أنَّ الإمَامَ سِتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، وأَنَّ الحِمَارَ لا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وقالَ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ وعبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: (لا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ مِمَّا يَمُرُّ بينَ يَدَي المُصَلِّي).
* قالَ [أبو المُطَرَّفِ] (١): إنَّما كَانَ ابنُ عُمَرَ يَسْتَتِرُ بِرَاحِلَتِهِ في الصَّحْرَاءِ إذا صَلَّى مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْلَهَا وبَعْرَهَا ليسَ بِنَجَسٍ.
وقالَ ابنُ وَهْبِ: إنَّما كُرِهَتِ الصَّلَاةُ في مَعَاطِنِ الإبِلِ مِن أَجْلِ أنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْتَتِرُونَ بِها عندَ الخَلاَءِ، فإذا لم يَسْتَتِرْ بِها عندَ الخَلاَءِ فَلاَ بَأْسَ بالصَّلَاةِ في أَعْطَانِها.
ورَوَى ابنُ عبدِ الحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أنَّهُ قالَ: لا يُصَلَّى في مَعَاطِنِ الإبلِ وإنْ كانَ عَلَيْهَا سِتْرٌ.
وقالَ: لا بَأْسَ بالصَّلَاةِ على الفِرَاشِ النَّجِسِ يُصَلَّي عليهِ المَرِيضُ إذا بُسِطَ стр. 188
عليهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ يُمَدُّ على الفِرَاشِ ثُمَّ يُصَلِّي عليهِ، وهَذا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِ مَالِلث أنَّهُ إنَّمَا كُرِهَت الصَّلَاةُ في مَعَاطِنِ الإبلِ مِنْ أَجْلِ الحَدِيثِ الذي رُوِي عَنِ النبيِّ ﷺ : "أنَّهُ نَهَى عَنِ الصلاَةِ في مَعَاطِنِ الإبل" (١).
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما كُرِهَت الصَّلَاةُ في مَعَاطِنِ الإبلِ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ النبيّ ﷺ الذي رَوَاهُ الحَسَنُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مُغَفَّل صَاحِبِ النبيّ ﷺ : "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَر بالصَّلَاةِ في مرَابِضِ الغَنَمِ، ونَهَى عَنِ الصَّلَاةِ في أَعْطَانِ الإبلِ، لأنَّها خُلِقَتْ
مِنَ الشَّيَاطِينِ" (٢).
* قَوْلُ أَبي ذَرٍّ: "مَسْحُ الحَصْبَاءِ مَسْحَةً وَاحِدَة" [٥٤٠] يعنِي: مَسَحَهَا المُصَلّي بيدِه مَسحَة وَاحِدَة إذا أَرَادَ أَنْ يَسجُدَ عَلَيهَا "وتَرْكُهَا خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، يعني: تَركَ الشغْلِ بِمَسْحِها في الصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُعْطَى تَارِكُ ذَلِكَ حُمْرَ النَّعَمِ صَدَقَة، وإنَّمَا ذَكَرَ الحُمْرَ لأنَّهَا مِنْ أَنْفَسِ الغَنَمِ وأَعْلاَهَا عندَ العَرَبِ، والمُرَادُ مِنْ هذَا الإقْبَالُ على الضَلاَةِ أوذَلِكَ أَنَّأ (٣) المُصَلّي [أَمَامَ] (٤) رَبِّه الذي يَقُومُ بينَ يَدَيْهِ في صَلَاتهِ، وفي الحَدِيثِ الثَّابِتِ: "أنَّهُ مَا التَفَتَ العَبْدُ في صَلَاتهِ إلَّا قالَ اللهُ ﵎: أَنا خَيْرٌ لكَ مِمنْ تَلْتَفِتُ إليه" (٥).
* قوُلُه: "مِنْ كَلَامِ النُّبَّوةِ: إذا لمْ تَستَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ [٥٤٥] يقولُ: مِنْ كَلَامِ الأَنْبِيَاءِ: مَنْ لم يَكُنْ لَهُ حَيَاءٌ فَلْيَصْنَعْ مَا يَشَاءُ، وفي هذا الحَدِيثِ وَعِيدٌ لِمَنْ стр. 189
تَرَكَ الحَيَاءَ، والمَعْنَى: فَلْيَصْنَعْ مَا شَاءَ فَسَيرَى عَاقِبةَ عَمَلِه، كَمَا قالَ : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] أي: فَسَتَرُونَ عَاقِبَةَ أَعْمَالِكُم.
وأَرْسَلَ مَالِكٌ الحَدِيثَ في المُوطَّأ ولم يُسْنِدْهُ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: وحدَّثنا به أبو القَاسمِ بنُ أَبي خَلِيفَةَ بِمِصْرَ (١)، قال: حدَّثنا أبو بِشْبر الدُّولاَبِيُّ (٢)، قالَ: حدَّثنا بُنْدَارُ مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قالَ: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيِّ، قالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبي مَسْعُود الأَنْصَارِيِّ، عَنِ النبي ﷺ أنهُ قالَ: " [إن] (٣) مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسَ مِنْ كَلَامِ النُّبَّوةِ إذا لم تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ" (٤) وهذا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ.
وفِي حَدِيثِ مَالِكٍ المُرْسَلِ زِيَادَةُ قَوْلِهِ: (وَوَضَعَ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصلاَةِ)، وكَرِهَ ابنُ القَاسِمِ وَضْعَ اليَدِ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، وأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وابنُ وَهْبٍ.
ووَجْهُ كَرَاهِيةِ ابنِ القَاسِمِ لِذَلِكَ أنَّهُ رَأَهُ مِنْ وَجْهِ الإعْتِمَادِ في الصَّلَاةِ على الشَيءِ الذي يُكْرَهُ المُصْلِّي إلَّا مِنْ ضَرُورَة.
ووَجْهُ إجَازَةِ أَشْهَبَ وابنِ وَهْب لِذَلِكَ أَنَّهُمَا أَنْزَلاَهُ بِمَنْزلَةِ التَّذَلُلِ والإسْتِكَانَةِ بينَ يَدَي رَبِّ العَالَمِينَ.
* ومَعْنَى قَوْلِ أَبي حَازِم في هَذا الحَدِيثِ: (لا أَعْلَمُهُ إلَّا أنَّهُ يَنْمِي ذَلِكَ) [٥٤٦] стр. 190
يعنِي: يُسْنِدَ ذَلِكَ إلى النبيِّ ﷺ ، ومِنْهُ يُقَالُ: نَمَيْتُ الحَدِيثَ إلى [قَائِلهِ] (١) أَيْ أَسْنَدُتُه إليه.
* قالَ أبو عُمَرَ: مَعْنَى تَرْكِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ للقُنُوتِ في الصَّلَاةِ [٥٤٨] كَانَ ذَلِكَ منهُ مُدَافَعَةً للخِلاَفَةِ، وذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ النَّاسَ قَالُوا: إنْ قَنَتَ ابنُ عُمَرَ في الصَّلَاةِ كَمَا كَانَ علي وأَصحَاُبهُ يَقْنِتُونَ في الصَّلَاةِ فَالخِلاَفَةُ يُرِيدُ، فَلِهذَا تَرَكَ ابنُ عُمَرَ القُنُوتَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ.
وروَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ: (أنَّهُ كَانَ لا يَقْنُتُ في شَيءٍ مِنَ الصَّلَاةِ إلَّا في صَلَاةِ الصّبْحِ، فإنّه كَانَ يَقْنِتَ بعدَ الرَّكْعَتَيْنِ) (٢).
قالَ مَالكٌ: والقُنُوتُ في صَلَاةِ الصّبْحِ قَبْلَ الرّكُوعِ، وبعدَ الرُّكُوعِ حَسَنٌ.
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: والقُنُوتُ: (اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَعِينُكَ، ونَسْتَهْدِيكَ، ونَسْتَغْفِرُكَ، ونُؤمِنُ بكَ، ونَخْنَعُ لَكَ، ونَخْلَعُ ونترُكُ لَكَ مَنْ يَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، ولَكَ نُصَلِّي ونَسْجُدُ، وإليكَ نَسْعَى ونَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ، ونَخَافُ عَذَابَكَ الجِدّ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكَافِرِينَ مُلْحِقٌ).
قالَ: ومَنْ تَرَكَ القُنُوتَ في صَلاَتِهِ نَاسِياً كَانَتْ صَلاَتُهُ تَامَّةً.
وقَالَ غَيْرُهُ: عليهِ أَنْ يَسْجُدَ قَبْلَ السَّلَامِ.
* * * стр. 191
بابُ النَّهِي عَنِ الصَّلَاةِ [والإنْسَانُ يُرِيدُ حَاجَتَهُ] (١)،
إلى آخِرِ بَابِ الصَّلَاةِ على النبيِّ ﷺ
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "إذا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ" [٥٥٠] إنَّما أَمَرَ النبي ﷺ بهذَا لِئَلا يَشْتَغِل الحَاقِنُ عَنْ صَلَاتهِ بِمَا يَجِدُهُ مِنْ ذَلِكَ، لِذَلِكَ قالَ عُمَرُ: "لا يُصَليَن أَحَدُكُمْ وَهُو ضَامٌّ بينَ وَرِكيْهِ" [٥٥١] يعنِي: لا يُصَلي أَحَدُكُمْ وقدْ حَقنَهُ بَول أَو غَائِط، فَيَظُمُ فَخِذَيْهِ خِيفَةَ أَنْ يَغْلِبَهُ الغَائطُ أَو البَوْلُ، فَمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ في صَلَاتهِ فَشَغَلَهُ عَنهَا قَطَعَها، ثُمَ قَضَى حَاجَتَهُ وتَوضَّأَ وصَلَّى، فإنْ تَمَادَى فِيها أَعَادَها، إلَّا أنْ يَكُونَ شَيْئَاً خَفِيفَاً فَلاَ إعَادَةَ عَلَيهِ.
* قَوْلُ النبي ﷺ : "المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي على أَحَدِكُم مَا دَامَ في مُصَلاَّهُ" [٥٥٣] وذَكر الحَدِيثَ، يَعْنِي: المَلاَئِكَةَ تَدْعُو لِمَنْ جَلَسَ في المسجِدِ يَنتظِرُ الصلاَةَ بالرَحْمَةِ والمَغْفِرَةِ مَا لمْ يَنتقِضىْ وُضُوءَهُ، وهذا قَوْلُ مَالِكٍ.
وقَوْلُ غَيْرِه: مَا لِمْ يَغْتَبِ الناسَ وَيأْخُذُ فِيمَا لا يَنبَغِي.
* وقُولُهُ: "لا يَزَالُ أَحَدُكُم في الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ" [٥٥٤] فيهِ مِنَ الفِقْهِ: التزغِيبُ في عِمَارَةِ المَسَاجِدِ لِمُشَاهَدةِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وإنَ لَكُلِ امرِئٍ مَا نَوَى.
* قَوْلُ أَبي بَكرِ بن عبدِ الرحمن: "مَنْ غدَا أو رَاحَ إلى المَسجِدِ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ لِيتعلَّمَ خَيْرَاً أَو لِيُعَلِّمُهُ كَانَ كَالمُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللهِ" [٥٥٥] فيهِ مِنَ الفِقْه: أنَّ العَالِمَ стр. 192
والمُتَعَلِّمَ في الأَجْرِ سَوَاءٌ، وكَذَلِكَ قالَ أَبو الدَّرْدَاءِ: إنَّ العَالِمَ والمُتَعَلمَ شرِيكَانِ في الأَجْرِ (١).
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وكَرهَ ابن المُسَيبِ لِمن كَانَ في المَسْجِدِ أنْ يَخْرُجَ مِنْهُ لِغَيْر ضَرُورَةٍ إذا سمعَ المؤَذن لِئَلا يُشبِّه بالشَيْطَانِ الذي يُدْبِرُ إذا سَمِعَ الأَذَانَ.
* قالَ أَبو المُطَرفِ في حَدِيثِ سَهْلٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ ذَهَبَ إلى بَنِي عَمْروِ بنِ عَوْفٍ" [٥٦٥] مِنَ الفِقْهِ: إصْلاَحُ الإمَامِ على رَعِيَته إذا تَقَاتَلُوا، لِئَلا تَفْتَرِقَ كَلِمَتُهُم فَيَدْخُلَهُمُ الفَسَادُ، واسْتِخلاَفِ الإمَامِ على صَلَاةِ الجَمَاعَةِ إذا غَابَ عَنِ المَسْجِدِ أَهلُ الفَضلِ والرِّضَا.
روَى هَذا الحَدِيثَ حَمادُ بن زيدٍ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، وقالَ فيهِ: إنَ النبي ﷺ قالَ لَبِلاَلٍ: "إذا حَضَرتِ الصلاَةُ فَقَدمْ أبا بَكرٍ" (٢).
وفي حَدِيثِ مَالِكٍ أَيضَاً مِنَ الفِقْه: فَضْلُ الصف الأولِ في الصَّلَاةِ، والحِرصُ على الدُخُولِ فيهِ لِتَحضِيضِ رَسولِ اللهِ ﷺ على الوُصُولِ إليه، وفيه: الحِرصُ على الدخُولِ في الصَّف الأَوَلِ، وإبَاحَةُ الإشَارَةِ في الصَّلَاةِ، وليسَ العَمَلُ على خُرُوجِ الإمَامِ مِنَ الصلاَةِ لِغَيْرِ حَدَثٍ ودُخُولِ غَيرِه إذ لَا مِثْلَ للنبيِّ ﷺ
وقَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ: "إنَّمَا التَّصْفِيقُ للنسَاءِ" قالَ مَالِكٌ: يعِني أَنَ النساءَ شَأنَهُن التصْفِيقُ عندَ الحَاجَاتِ في غَيرِ الصَّلَاةِ، ولمْ يُرِد أَنَهُنَّ يُصَفِقْنَ في الصلاَةِ عندَ شَيءٍ يَحْدُث فِيهَا.
وقالَ مَالِكٌ: ومَنْ نابَه شَيءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيُسَبحْ رَجُلٌ كَانَ أَو امرَأَةٌ.
* ورَوى ابن بُكيْرٍ عَنْ مَالِكٍ في حَدِيثِ زَيدِ بنِ ثَابِت أنهُ قَالَ: "دَخَلَ زَيْدُ بنُ стр. 193
ثَابتٍ المَسْجِدَ فَوَجَد النَّاسَ رُكُوعَاً، فَمَشَى حتَّى إذا أَمْكَنَهُ أَن يَصِلَ إلى الصَّفِّ رَكع" [٥٦٩] (١)، وذَكَرَ بَاقِي الحَدِيثِ، لم يَرْو يحيى: "حتَّى إذا أَمْكَنَهُ أَنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ"، والذي رَوَى ابنُ بُكَيْرٍ فَسَّرَهُ إسْمَاعِيلُ القَاضِي (٢) قَالَ: مَنْ دَخَلَ المَسْجِدِ فَوَجَدَ النَاسَ رُكُوعَاً أَنَّهُ لا يَرْكَعُ إلَّا إذا طَمَعَ أَنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ ولا يَرْكَعُ إذا بَعُدَ مِنَ الصَّفِّ وإنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ.
وقالَ ابنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِك فِيمَنْ دَخَلَ المَسْجدَ فَوَجَدَ الإمَامِ رَاكِعَاً فَلْيَرْكَعْ إنْ خَشِيَ أَنْ يَرْفَعَ الإمَامِ رَأْسَهُ إذا كَانَ قَرِيباً مِنَ الصَّفَّ يَطْمَعُ إذا رَكَعَ فَدَبَّ رَاكِعَاً قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ.
* قالَ أَبو مُحَمَّد: إنَّمَا سَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْ جَوَابِ بَشِيرِ بنِ [سَعْد] (٣) حَيْثُ قالَ لَهُ: "كيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ" [٥٧٣] حَيَاء مِنْهُ ﷺ أنْ يثني على نَفْسِهِ، لُمَّ عَلَّمَهُم كَيْفَ يَصَلُّوا عليهِ.
وقَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ: "والسَّلاَمُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ" يعنِي: السَّلاَمَ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبيُّ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ.
وقالَ مَالِكٌ: لا يُصَلَّى على غَيْرِ نَبِيٍّ (٤)
* وَقَعَ في مُوطَّأ ابنِ بُكَيْرٍ (أَنَّ عبدَ اللهَ بنَ عُمَرَ كَانَ يَقِفُ على قَبْرِ النبيِّ ﷺ стр. 194
فَيُصَلِّي على النبيّ ﷺ ويَدْعُو لأَبي بَكْرٍ وعُمَرَ) (١)، وهذَا أَصَحُّ مِنَ الذي روَى يَحْمىَ: (فَيُصَلّي على النبيِّ وعلى أَبي بَكْرٍ وعُمَرَ [٥٧٤]، والصَّحِيحُ: (ويَدْعُو لأَبي بَكْرٍ وعُمَرَ).
* * * стр. 195
بابُ جَامِعِ الصَّلَاةِ، إلى آخِرِ بَابِ التَّرْغِيبِ في الصَّلَاةِ
* في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: "أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكعَتينِ، وبَعْدَهَا رَكعَتَيْنِ، وبعدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ [٥٧٦]، وهَذا الحَدِيثُ يُبين أَنَ النَّافِلَةَ باللَّيْلِ والنَهَازِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وكَانَ ﷺ لا يُصَلي بعدَ الجُمُعَةِ في المَسْجِدِ حتَّى يَنْصَرِفَ إلى بَيْتِه فَيُصَلي فيهِ رَكْعَتَيْنِ، وبهذَا قالَ مَالِك وأَهْلُ المَدِينَةِ.
* وروَى حماد، عَنْ أَيوبَ، عَنْ نَافِعٍ: (أن ابنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلاً صَلى رَكْعَتَيْنِ بعدَ الجُمُعَةِ في مَقَامِهِ الذي صَلى فيهِ الجُمُعَةَ، فقالَ لَهُ: أتصَلي الجُمُعَةَ أَرْبَعَاً؟!) (١) وأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِمَا فيهِ خِلاَفُ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
قالَ أبو مُحَمدٍ: كَانَ بالمَدِينَةِ مُنَافِقُونَ يَسْتَخْفُونَ بالصَّلاَةِ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَبَّخَهُم بِفِعلهِم، وقالَ: "إني أَرَاكمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْري" [٥٧٧]، وهذا مِنْ عَلاَمَة نُبُوَّتِه.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ لمْ يَرْفَعْ رَأْسهُ مِنَ الرُّكُوعِ ولمْ يَعْتَدِلْ قَائِمَا حتَّى خَرَّ سَاجِدَاً فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ ولا يَعُودُ، فإنْ خَرَّ مِنَ الركُوعِ إلى السُّجُودِ ولَمْ يَرْفَعْ شَيْئَاً فَلاَ يَعْتَد بتلكَ الركعَةِ، وَهُو قَوْلُ مَالِكٍ، ومَنْ رَفَعَ رَأْسهُ مِنَ السُّجُودِ فَلَمْ يَعْتَدِلْ جَالِسَاً حتَى سَجَدَ أُخرَى فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ ولا يَعُدْ، ولا شَيءَ عليهِ في صَلَاتهِ. стр. 196
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وأَحَبُّ إليَّ للذِي خَرَّ مِنَ الركْعَةِ سَاجِدَاً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ أَنْ يَتَمَادَى مَعَ الإمَامِ ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ.
قالَ عِيسى: إنْ فَعَلَ ذَلِكَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى قَطَعَ صَلَاتَهُ وابْتَدَأَهَا، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ جَعَلَها نَافِلَةً وسَلَّمَ، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ في الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ أتمَّ الصّلاَةَ وجَعَلَهَا نَافِلَةً، ثُمَّ أَعَادَها بِتَمَامِ رُكُوعِها وسُجُودِها، وهذا فِيمن صَلى وَحْدَهُ، وأَمَّا مَنْ صَلَّى مَعَ الإمَامِ وفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ تَمَادَى مَعَهُ، ثُمَّ أَعَادَهَا.
* قالَ أَبو المُطَرفِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُباءَ للصَّلاَةِ فيهِ لِفَضلِ بُقْعَتِهِ، وقيلَ: هُوَ المَسْجِدُ الذي أُسس على التَّقْوَى، بَنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حينَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَه تَبُوكَ (١)، وكانَ قَوْلم مِنَ المُنَافِقِينَ قَدْ بَنَوا مَسْجدَاً ضِرَارَاً يَنْفَرِدُونَ فيهِ لأَذَيةِ المُسْلِمِينَ، وَهُم الذينَ ذَكَرَهُم اللهُ في كِتَابِه بِقَولهِ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨]، وأَمَرَهُ أَنْ يُصَلي في المَسْجِدِ الذي أُسس على التَّقْوَى، وَهو مسْجِدُ قُبَاءَ، فَكَانَ يَأْتِيهِ رَاكِباً وَمَاشياً.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: حَدِيثُ النُّعْمَانَ بنِ مُرَّةَ حَدِيث مُرْسَل في المُوطَّأ [٥٧٩]، وقَوْلُهُ ﵇ -في الحَدِيثِ: "وأسوَأُ [السَّرِقَةِ] (٢) الذي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ" يُرِيدُ: أَنَ مَن لَمْ يتمَّ رُكُوعَهُ ولا سُجُودَهُ، فقدْ خَانَ نَفْسَهُ، أَشَدَّ مِنْ خِيَانَةِ السَّارِقِ مَالَ أَخِيهِ الذي هُوَ حَرَامٌ عليهِ.
قالَ مَالِك: مَنْ لَم يتمَّ رُكُوعَهُ ولَا سُجُودَهُ في الصَّلَاةِ وَجَبَ عليهِ إعَادَتُها، стр. 197
كَمَا أَمَرَ النبي ﷺ الذي فَعَلَ ذَلِكَ بإعَادَةِ صَلَاتهِ، فقالَ لَهُ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" (١).
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَرْسَلَ مَالِك حَدِيثَ: "اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ في بيوتكُمْ" [٥٨٠] وأَسْنَدَهُ القَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ في بُيُوتكُمْ، ولَا تتخِذُوَها قُبُورَاً" (٢) يَعْنِي: تَنَفَّلُوا في البُيُوتِ، ولا تَجْعَلُوهَا كَالقُبُورِ التي لا يُصَلَّى فِيها، ولمْ يُرِدْ بهَذا الحَدِيثِ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ في المَقْبَرَةِ، وقد صَلَّى في المَقْبَرَةِ الصَّحَابةُ والتَّابِعُونَ، وإنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ في مَقْبَرَةِ المُشْرِكِينَ، لأَنَّهَا حُفْرَة مِنْ حُفَرِ النَّارِ.
* قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ لأَصْحَابهِ: (مَا صَلاَة يُجْلَسُ في كُلِّ رَكعة مِنْهَا)، ثُمَّ قالَ: (هِي المَغْرِبُ إذا فَاتَتكَ مِنها رَكعَة) قالَ مَالِك: وكَذَلِكَ سُنَةُ الصَّلَاةِ [٥٨٧]، يَعْنِي: مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ رَكْعَةً فإذا سَلمَ الإمَامِ قَامَ هَذا فَأتى بِرَكْعَةٍ ثُمَّ جَلَسَ، وذَلِكَ أَنَ المَأْمُومَ مَاضٍ في القِرَاءَةِ، لا فِي القِيَامِ والجُلُوسِ (٣).
* في حَمْلِ النبيِّ ﷺ في صَلَاتهِ أُمَامَةَ بنتِ زَيْنَبَ [٥٨٩] مِنَ الفِقْه: الرِّفْقُ بالأَطْفَالِ، والرُّخْصَةُ في الصَّلَاةِ بالثَّوْبِ النَّجِسِ عندَ الضَّرُورَةِ، إذ مَعْلُومٌ أنَّ ثِيَابَ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ لا تَخْلُوا مِنَ النَّجَاسَاتِ، وإنَّمَا حَمَلَها مِنْ أَجْلِ بُكَائِهَا، ولَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ يُلَطِّفُهَا.
قالَ مَالِكٌ: ولا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ أَحَدٌ بِوَلَدِه إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ، وفيهِ: اسْتِجَازَةُ الشُّغْلِ اليَسِيرِ في الصَّلَاةِ إذا كَانَ في طَاعَةٍ.
* أَنْكَرَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ علَى الذي مَرَّ عَلَيْهِ وَهُو يُصَلِّي فَسَلَّم عَلَيْهِ فَرَدَّ الرَّجُلُ стр. 198
كَلاَماً، فقالَ لَه ابنُ عُمَرَ: "إذا سُلِّمَ على أَحَدِكُم وَهُو يُصَلِّي فلَا يَتكلَّم، وليشِرْ بيَدِه" [٥٨٣]، وفي هَذا مِنَ الفِقْه: إبَاحَةُ السَّلَامِ على المُصَلِّي، وأنَّ الإشَارَةَ بَالسَّلاَمِ تَقُومُ مَقَامَ الرَّدِّ بالكَلاَمِ، إذ الكَلاَمُ مَمْنُوع منهُ في الصَّلَاةِ، وكَذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ على الذينَ يُسَلِّمُونَ عليهِ وَهُوَ يُصَلِّي، وفيه: بَيَانُ العَالِمِ لِمَنْ أَخْطَأَ في صَلاَتِهِ كَيْفَ يَفْعَلُ، فَلاَ يُسَلِّمُ على المُؤَذِّنُ في حَالِ أَذَانِهِ، ولا علَى المُلَبِّي في حَالِ تَلْبِيَتِهِ، إذ ليسَ في ذلك أثرٌ يُتَّبَعُ.
* وفِي رِوَايةِ بَعْضِ المَصْرِيينَ في المُؤَذِّنِ يُسَلَّمُ عليهِ وَهُو يُؤذِّنُ أَنَّهُ يَرُدُّ إشَارَةً
بأُصْبُعِه كَمَا يَفْعَلُ المُصَلِّي.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ] (١): إنَّمَا أَمَرَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ الذي ذَكَرَ صَلاَةً وَهُو مَعَ الإمَامِ أَنْ يَتَمَادَى مَعَ الإمَامِ بعدَ ذِكْرِه للصَّلاَةِ التي نَسِيهَا مِنْ أَجْلِ فَضْلِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، ثُمَّ يُصَلي التي نَسِيَ ويُعِيدُ التِّي صَلَّى مَعَ الإمَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ صَلَّاهَا في غَيْرِ وَقْتِهَا، وذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ التِّي نَسِيَ صَارَ ذَلِكَ الوَقْتِ وَقْتَاً لَها فَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاتهِ مَعَ الإمَامِ في وَقْتِ الصَّلَاةِ المَنْسِيّهِ، فَلِذَلِكَ أَعَادَهَا [٥٨٤].
وفي كِتَابِ ابنِ بُكَيْرٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ رأَى رَجُلاً قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اضْطَجَعَ، فقالَ لَهُ: (مَا حَمَلكَ على هَذا؟ فقالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْصِلَ بينَ صَلاَتِي، فقالَ لَهُ: وأَيُّ فَصْلٍ أَفْضَلُ مِنَ السَّلَامِ) (٢).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ ابنِ عُمَرَ هذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: مَنْ تنفَّلَ باللَّيْلِ أَنَّهُ يَفْصِلُ بينَ نَافِلَتِه وبينَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بضَجْعَةٍ، فقالَ ابنُ عُمَرَ: (وأَيُّ فَصْلٍ أَفْضَلُ مِنَ السَّلَامِ)، لَمْ يَرْوِ يَحْيىَ هذِه المَسْألةَ مِنْ طَرِيقِ ابنِ عُمَرَ ولَا مِنْ غَيْرِهِ.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ لِنَسَائِهِ: "مُرُوا أبا بكر يُصَلِّي بالنَّاسِ" [٥٩١] فيهِ مِنَ الفِقْهِ: اسْتِخْلاَفُ الإمَامِ على صَلَاةِ الجَمَاعَةِ مَنْ يُصَلِّيها لَهُم، فَرَاجَعَتْهُ عَائِشَةُ، وقَالتْ стр. 199
لَهُ: (مُرْ عُمَرَ)، قَالَ فيهِ بَعْضُ الفُقَهَاء: إنَّمَا رَاجَعَتهُ فى ذَلِكَ عَائِشَةُ إرَادَةً مِنْهَا أَنْ تُثْبِتَ الخِلاَفَةَ لأَبِيهَا بعدَ النبيِّ ﷺ ، لأنَّهُ إذا صَح لَهُ الإستِخْلاَفُ على الصَّلاَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةَ بعدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وليسَ هذا على مَا قالَ، وقدْ حدَّثنا ابنُ رَشِيق بِمِصْرَ (١)، قالَ: حدثنا عَباسُ بنُ مُحَمدٍ (٢)، قالَ: حدثنا خُشَيشُ بنُ أَصْرَمَ، قالَ: حدثنا عبدُ الرَّزَاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهرِي، عَنْ حَمْزَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عَنْ عَائِشةَ، أنها قَالِت: (وَاللهِ مَا كَانَتْ مُرَاجَعَتِي للنبى ﵇ إذ قَالَ: مُرُوا أبا بِكرٍ يُصَلِّي بالنَاسِ إلَّا كَرَاهِيةَ أَن يَتَشَاءمَ النَّاسُ بأَؤَلِ رَجُلٍ يَقُومُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الرَّجُلُ أبي) (٣).
* مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَائِشَةَ وحَفْصَةَ حِينَ رَاجَعَتَاهُ في ذَلِكَ: "إنَكُن لأَنْتُن صَوَاحِبُ يُوسُفَ" [٥٩١] أي: أنَّي إذ امْتُحِنْتُ أَنا بِكُما تُرِيدَانِ مِئي مَا لا يَنْبَغِي كَمَا أَرَادَ النسوةُ مِنْ يُوسفَ.
فقَالتْ حَفْصَة لِعَائِشَةَ: (مَا كنتُ لأصيبُ مِنْكِ خَيْرَاً)، تَعْنِي: مِنْ أَجْلِ غَضَبِ النبيِّ ﷺ عَلَيْهِمَا.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: في حَدِيثِ عَدِي بنِ الخِيَارِ [٥٩٢] مِنَ الفِقْه: اسْتِمَاعُ الإمَامِ إلى تَجْرِيحِ مَنْ يَلِيقُ بهِ التجْرِيحِ، فإذا لم يَكُنْ المَجْرُوحِ مِمن يَلِيقُ بهِ التَجْرِيحُ وَجَبَ الحَدُّ على المُجَرِّحِ إذا شَهِدَ عليهِ شَاهِدَانِ، لأنه قَذْف، إلَّا أَنْ يَأْتِي بالبَيِّنَةِ على قَوْلهِ، فَيَسْقُطُ عنهُ الحَدُّ. стр. 200
وقَوْلُ النييِّ ﷺ فِيمَنْ يَشهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وُيصَلي وَهُو لَا يَعْتَقدُ ذَلِكَ: "أُوَلَئِكَ الذينَ نَهَانِي اللهُ عَنْ قَتْلِهِم"، وَهُم المُنَافِقُونَ، إنمَا تَرَكَهمْ ﷺ لِئَلَّا يَتَحَدَّثُ التاسُ أَن مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ لمْ يَمتْ ﷺ حتَى أَذِنَ اللهُ لَهُ في قتلِهِم، بقولهِ لَهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١] فإذا ظَهَرَ الإمَامُ الآنَ على رجُل يشْهِدُ ولا شهَادةَ لَهُ، ويُصَلِّي ولَا صَلاَةَ لَهُ، ولا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، قتلَهُ ولَا يَسْتَتِبهُ، وجَعَلَ مَالَهُ في بَيتِ المَالِ، لأنَّهُ زنذِيقٌ، قالَهُ ابن نَافِعٍ.
وقالَ غَيرُهُ: يَرِثْهُ وَرَثتة مِنَ المُسْلِمِينَ، فإنْ قالَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ: أَنَا تَائِب مِمَّا شُهِدَ به عَليَّ لَم تُقْبَل تَوْبتهُ، لأنَّهُ لا يَعْلَم أَصَادِقٌ هوَ أم كَاذِب، وَهُوَ بِخِلاَفِ المُرْتَدِّ الذي يُظْهِرُ الكفْرَ ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ أَنه تُقْبَلُ تَوْبتهُ، لِقَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وهذَا لِكلِّ كَافِرٍ أَطهَرَ كُفْرَهُ، والزِّندِيقُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ، لأَنهُ استسَرَ بِكفْرِهِ ولمْ يُظْهِرهُ، فَلِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ تَوْبتهُ.
* قَوْلُ النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثنَاً يُعْبدُ بَعْدِي" [٥٩٣] يعنِي: لَا تَجعَلهُ صَنَمَاً يُصَلَّى إليهِ.
ثُم قَالَ: "اشتد غَضَبُ اللهِ على قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُووَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ".
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لِهَذا الحَدِيثِ سُتِرَ قَبرُ النبيِّ ﷺ بِحَائِط مِنْ حَوَالِيهِ، وجَعَلَ عُمَرُ بن عبدِ العَزِيزِ مُؤُخَّرَهُ مُحَدَّدَاً بِرُكْنَيْنِ، لِئَلَّا يَسْتَقْبِلَ النَاسُ القَبْرَ، فَيُصَلُّونَ إليه.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَجَازَ مَالِك اسْتِلْقَاءَ الرَّجُلِ على ظَهْرِهِ في المَسْجِدِ، وكَرِهَهُ بَعْضُ أَهْلِ الأَمْصَارِ، واحْتُجَّ في ذَلِكَ بِحَدِيث رَوَاهُ حَمَّاد، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إحْدَى رِجْلَيْهِ على الأُخْرَى وَهُوَ
стр. 201
مُسْتَلْقٍ علَى ظَهْرِه في المَسْجِدِ" (١)، وَهُو حَدِيثٌ لم يَرْوِه أَهْلُ المَدِينَةِ، والعَمَلُ عِنْدَهُم بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ، عَنْ عُمِّهِ: "أنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَلْقِياً في المَسْجِدِ وَاضِعَاً إحْدَى رِجْلَيْهِ على الأخرَى"، وهذَا حَدِيثٌ صحِيحٌ، وفَعَلَهُ أَبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمَانُ.
* قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ للرَّجُلِ: (إنَّكَ في زَمَانٍ كَثير فُقَهَاؤُهُ، قَلِيل قُرَّاؤُهُ) [٥٩٧]، يعنِي: أَنَّهُم يَتَحَفَّظُونَ القُرْآنَ ويتَفَقَّهُونَ فِيما يَحْفَظُوا مِنْهُ، فَمَنَعَهُم تَعَلُّمُهُم للفِقْه مِنْ كَثْرَةِ القِرَاءَةِ بِغَيْرِ تَفَقُّه، ويَشْغُلُهُم حِفْظُ حُدُودِ القُرْآنِ عَنْ حِفْظِ حُرُوفهِ.
وقَوْلُه: (قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ كَثير مَنْ يُعْطِي) يعنِي: أنَّ المُعَلِّمَ كَانَ أَحْرَصَ على تَعَلُّمِ المُتَعَلِّمِ مِنَ المُتَعَلِّم على التَّعْلِيمِ.
وقَوْلُه: (يُبَدُّونَ فيهِ أَعْمَالَهُم قبلَ أَهْوَائِهِم) يعنِي: يُبَدُّونَ فيهِ الحَقَّ بِمَا افْتُرِضَ عَلَيْهِم قَبْلَ اتِّبَاعِهِم لأَهْوَائِهِم التي تَقْصُرُ بِهم عَنِ الطَاعَاتِ واكْتِسَابِ الحَسَنَاتِ.
ثُمَّ وَصَفَ صِفَةَ مَنْ يَأْتِي آخِرَ الزَّمَانِ: أَنَّ قُرَّاءَهُم كَثِيرٌ، وفُقَهَاءَهُم قَلِيلٌ، والعَالِمَ مَفْتُونٌ مُتَّبِع لِهَوَاهُ، يُكْثِرُ خَطِيبُهُم المَوَاعِظَ في خُطْبَتِهِ، ويُطُولُهَا قَبْلَ مَنْ يَنتفِعَ بِها مِنْهُم، ويُقْصِرُونَ الصَّلَاةَ، بِخِلاَفِ فِعْلِ السَّلَفِ الصَّالح، ولَمْ يَقُلْ هذا ابنُ مَسْعُودٍ إلَّا وقد سَمِعَهُ مِنَ النبيِّ ﷺ ، واللهُ أعلمُ.
* قَوْلُهُ ﵇: "إنَّما مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ نَهر غَمْرٍ عَذْبٍ" [٦٠٠] وذَكَرَ الحَدِيثَ، يَقُولُ: كَمَا يُنَقِّي النَّهْرُ الكَثيرُ المَاءَ مِن اغْتَسلَ فيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاب كَذَلِكَ تَفْعَلُ الصلَواتُ الخَمْسُ بِمَنْ صَلَّاهَا، قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: البُطَيْحَاءُ التي بَنَاهَا عُمَرُ كَانَتْ دُكَّاناً كَبِيرَاً بِجَانِبِ مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ [٦٠٢] (٢) стр. 202
وقَوْلُهُ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْغَطَ) يعنِي: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا لا يَنْبَغِي مِنَ الكَلاَمِ، أَو يَنْشُدَ فيهِ الشِّعْرَ القَبِيحَ فَلْيَخْرُج مِنَ المَسْجِدِ إلى هذِه البُطَيْحَاءَ أَو غَيْرِها، وهذا أَصْل فِيمَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ في المَسْجِدِ بمَا لا يَنْبَغِي، أَو بَاعَ فيهِ، أو اشْتَرَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ، ولا بَأْسَ أَنْ يُنْشِدَ في المَسَاجِدِ الشِّعْرَ يَكُون حِكْمَةً، كَمَا كَانَ يَنْشُدُ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ، ويَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُلْ وَمَعَكَ رُوُحُ القُدُسِ" (١)، يعنِي: جِبْرِيلَ، وكَانَ شِعْرُهُ ذَلِكَ في مَدْحِ الإسْلاَمِ وأَهْلِهِ، وذَمِّ المُشْرِكِينَ وآلهَتِهِم.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: حَدِيثُ الأَعْرَاِبِيِّ الذي سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عنِ الفَرَائِضِ، وذَكَرَهَا لَهُ [٦٠٤] ولَمْ يَذْكُرْ فِيها فرْضَ الحَجِّ، إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ فَرْضِ الحَجِّ.
ثُمَّ قَالَ ﷺ بعدَ أَنْ نَزَلَ فَرْضُ الحَجِّ: "بُنِيَ الإسْلاَمُ على خَمْسٍ، شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وصَوْمِ رَمَضَانَ، وحَجِّ البَيْتِ" (٢)، ثُمَّ سُنَّتِ السُّنَنُ فَأُتِمَّتِ الفَرَائِضُ، فَيَنْبَغِي للمُسْلِمينَ أنْ يَأْتُوا بالسُّنَنِ الَّتي سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ" يعنِي: إنْ صَدَقَ اللهَ ﵎ في قَوْلهِ، وأَرَادَهُ بِعَمَلِه دَخَلَ الجَنَّةَ، والفَلاَحُ البَقَاءُ في الجَنَّةِ.
* قالَ أبو عُمَرَ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ على قَافِيةِ رَأْسِ أَحَدِكُم إذا هُوَ نَائِمٌ ثَلاَثَ عُقَدٍ" [٦٠٥] يعنِي: ثَلاَثَ عُقَدٍ مِنَ السِّحْرِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ بالنَّائِمِ يَمْنَعْهُ стр. 203
بِذَلِكَ مِنَ الصَّلَاةِ، فإذا اسْتَيْقَظَ وذَكَرَ اللهَ وتَوضَّأ وصَلَّى انْحَلَّتْ تِلْكَ العُقَدِ التِّي كَانَ الشَّيْطَانُ عَقَدَها، وأَصْبَحَ فَاعِلُ ذَلِكَ طَيِّبَ النَّفْسِ، ومَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَصْبَحَ كَسْلاَناً قد حُرِمَ فَضْلَ قِيَامِ اللَّيلِ.
و (قَافِيةُ الرأسِ) مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ، وقِيلَ: وَسَطُ الرَّأْسِ.
стр. 204
بابُ الغُسْلِ للعِيدَيْنِ،
إلى آخِرِ بَابِ الإسْتِسْقَاءِ، وصَلاَةِ الخَوْفِ
* قالَ أَبو عُمَرَ: قَوْلُهُ في المُوطَّأ: لمْ يَكُنْ في العِيدَيْنِ نِدَاءٌ ولَا إقَامَةٌ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى يَوْمِنا هذَا، وإنَّما كَانَ هذَا بالمَدِينَةِ [٦٠٨]، وأَمَّا سَائِرُ الأَمْصَارِ فَالأَذَانُ والإقَامَةُ عِنْدهُم مَعْرُوف في العِيدَيْنِ (١).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: الغُسْلُ للعِيدَيْنِ مَأمُورٌ به، وكَذَلِكَ الطّيبُ، والحَسَنُ مِنَ الثِّيَابِ.
قالَ مَالِكٌ: في مَسِيرِ النَّاسِ يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلَّى مِنْ طَرِيقٍ وانْصِرَافِهِم على غَيرِه لا أَرَى هذا وَاجِباً على النَّاسِ، وإني لأَسْتَحْسِنُه للرَّجُلِ في خَاصَّةِ نَفْسِه.
وقالَ غيرُ مَالِك: كَانَ النَّاسُ قدْ أُمِرُوا بِذَلِكَ في أَوَّلِ الإسْلاَمِ بالمَدِينةِ لِكَي يَنتشِرَ المُسْلِمُونَ بِها، ويَكْثِرُونَ في أَعْيُنِ المُنَافِقِينَ، وهذَا مِنْ بَابِ الإرْهَابِ على العَدُوِّ، ثُمَّ قَوِي الإسْلاَمُ، وذَهَبَ النِّفَاقُ، وبَقِيتِ السُّنَّةُ مَعْمُولٌ بِها.
* أَرْسَلَ مَالك حَدِيثَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلّي الفِطْرَ والأَضْحَى قَبْلَ الخُطْبَةِ [٦١١] وأَسنَدَهُ عبدُ الرَّزَاقِ، عَنْ ابنِ جُرِيج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ بَدأَ بالصلاَةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ" (٢). стр. 205
وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أَنهُ لا يُصَامُ يُومُ الفِطْرِ والأَضْحَى، واخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمَا.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى الأَعْمَشُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: أَخْرَجَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ المِنْبَرَ يَوْمَ العِيدِ إلى المُصلِّى فبدَأَ بالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَامَ إليه رَجُل فقالَ: يا مَرْوَانُ، خالفْتَ السُّنَّةَ، بَدأَتَ بالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فقالَ لَهُ مَرْوَانُ: قَدْ تَرَكَ مَا هُنَاكَ (١).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: كَانَ سَبَبُ تَقْدِيمِ مَرْوَانُ للخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الناسَ كَانُوا يَفْتَرِقُونَ بعدَ الصَّلَاةِ فَلاَ يَبْقَى للخُطْبَةِ إلَّا القَلِيلُ، فبدأَ بالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِئَلا يَذْهبَ أَحَد حتَّى تَتِمَّ الخُطْبةُ والصَّلاَةُ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لمْ يَأخُذْ مَالِك بإذْنِ عُثْمَانَ لأَهْلِ العَوَالِي في التَّخَلُّفِ عَنِ الجُمُعَةِ يَوْمَ العِيدِ [٦١٣] وكَانَ يَقُولُ: مَنْ لَزِمَتْهُ الجُمُعَةُ لمْ يُسْقِطْهَا عنهُ إذْنُ الإمَامِ، لأَنَّ الجُمُعَةَ فَرِيضَة، فلَا يُسْقِطْهَا عَمنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إلَّا العُذْرَ الذي لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ.
* قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ بالأَكْلِ يَوْمَ الفِطْرِ قَبْلَ غُذُوُهم إلى المُصَلِّى [٦١٦].
وحدَّثنا أبو جَعْفَرٍ (٢)، قالَ: حدَّثنا ابنُ السَّكَنِ (٣)، قالَ: حدَّثنا الفِرَبْرِيُّ، قالَ: حدثنا البخاري، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ [الرَّحيمِ] (٤)، عَنْ سَعِيدِ بنِ سُلَيْمَانَ، стр. 206
عَنْ [هُشَيمٍ] (١)، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، قالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ إلى المُصَلَّى حتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ" (٢).
وبهَذا قَالَ مَالِكٍ في الفِطْرِ، قالَ: ولَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِم في الأَضْحَى.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنَّما سَأَلَ عُمَرُ أبا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ عَمَّا كَانَ يَقْرَأُ بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الفِطْرِ والأَضْحَى على سَبيلِ الإخْتِبَارِ لِحِفْظِه لِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ عُمَرُ عَالِمَاً بِذَلِكَ، والعَالِمُ أَنْ يَسْأَلَ أَصْحَابَهُ عَمَّا يَعْلُمُه هُو، وقدْ فَعَلَهُ النبيُّ ﷺ والصحَابةُ والتَّابِعُونَ [٦١٨].
وقَرَأ فِيهِمابـ ﴿ق﴾ و ﴿اقتربت﴾، وقَرأَ بِغَيْرِهِما.
والذي مَضَى بهِ العَمَلُ التَّخْفِيفُ بالقِرَاءَةِ فِيهِما، لِقَوْلهِ ﵇: "إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ بالنَّاسِ فَلْيُخَفِفِّ" (٣).
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وكَبَّرَ أَبو هُرَيْرَةَ في صَلَاةِ العِيدَيْنِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى سَبْعَاً، وفي الثَّانِيَةِ خَمْسَاً [٦١٩]، كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ في العِيدَيْنِ سَبْعَا في الأُولَى، وخَمْسَاً في الآخِرَةِ" (٤)، وبهذا قالَ أَهْلُ المَدِينَةِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ وابنُ وَهْبٍ: مَن أَدْرَكَ الإمِامَ وَهُوَ رَاكِعٌ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلَاةِ العِيدَيْنِ أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَ الإمَامِ، فماذا تَمَّ الإمَامُ صَلَاتَهُ قَامَ هَذا فَكَبَّرَ سَبْعَاً كَمَا سَبَقَهُ بهِ الإمَامُ، ثُمَّ بَدأَ بالقِرَاءَةِ. стр. 207
وقَالَ غَيْرُهُمَا مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنه يُكبرُ ستَّاً قَبلَ القِرَاءَةِ، ثُمَّ يَبْدَأُ بالقِرَاءَةِ.
* قالَ أَبو عُمَرَ: إنَّما كَانَ ابنُ عُمَرَ لا يَتَنَفَّلُ في يَوْمِ عِيدٍ [٦٢٢] لأنَّهُ كَانَ يَقُولُ: صَلاَةُ العِيدِ نَافِلَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ، فكانَ يَجْتَزِئُ بِصَلاَةِ العِيدَيْنِ عَنْ نَوَافِلِ ذَلِكَ اليومِ كُلِّهِ.
وكانَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ وعَرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ يَتَنفَّلَانِ قبلَ الغُدُوِّ إلى المُصَلَّى [٦٢٥ و ٦٢٦]، وكُلٌّ وَاسعٌ، ولَيْسَ التَّنَفُلِ في المُصَلى قبلَ الصَّلَاةِ ولا بَعدَهَا مِنْ عَمَلِ أَهلِ المَدِينَةِ، فإنْ صَلوا في المسجِدِ صَلاَةَ العِيدِ لِعُذْرِ مَطَرٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مَنْ دَخَلَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ إذا كَانَ دُخُولُهُ بعدَ طُلُوعِ الشَمْسِ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ، كَمَا أَمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ (١).
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: فتيَا مَالِكٍ في صَلَاةِ الخَوْفِ مُوَافِق لِظَاهرِ القُرْآنِ [٦٣٦]، قالَ اللهُ : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] يعني: يَقُومونَ مَعَكَ في الصَّلَاةِ، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ يعني: يأخذُ مِنَ السلاَح الذينَ لمْ يَذخُلُوا في الصلاَةَ، ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يَعْنِي: يَكونُ وُجَاهَ العَدُو، ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، يعني: تَأتِ الطَّائِفَةُ الَّتي لَمْ تُصَلِّ ﴿فَلْيُصَلُّوا﴾ مَعَ الإمَامِ الركعَةَ التي بَقِيت عَلَيهِ، ثُمَّ يُسَلمُ لِنَفْسِهِ ويُتِمُّونَ لأَنْفُسِهِم رَكعَةً كَمَا فَاتتهُمْ.
وقولُهُ: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ يعني: يأخُذُوهَا الذينَ قدْ أتَمُّوا الصلاَةَ أَوَّلاً، ويَحْفَظُونُ هَؤُلاَءِ حتَّى يُتِمُّوا صَلاَتَهُم.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ في صَلَاةِ الخَوْفِ [٦٣٤] يُوجِبُ أنْ تَكونَ الطَّائِفَةُ الأُولَى والثَّانِيَةُ بعدَ سَلاَمِ الإمَامِ في صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَذْهَبُ الحَذَرُ الذي أُمِرُوا به، والتحَذر مِنَ العَدُو، ولَذِلَكَ لم يَأْخُذْ به مَالك في صَلَاةِ الخَوفِ. стр. 208
واخْتَلَفتِ الأَحَادِيثُ في صَلَاةِ الخَوْفِ، وأَصَحَّهُا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ.
قالَ الأَخْفَشُ: إنَّمَا قِيلَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرقَاع مِنْ أَجْلِ أنَّهُم كَانُوا يَمْشُونَ حُفَاةً، فَنُقِبَتْ أَقْدَامُهُم، يَعْنِي: قُرِحَتْ أَقْدَامُهُم، فَكانُوا يَشُدُّونَ عَلَيْهَا الخِرَقَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيتْ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما سُقَيتْ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ أَجْلِ أنَّ رَايَاتِهِم تَقَطعَتْ فَرَفَعُوهَا بالخِرَقِ (١).
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: أَسْنَدَ شُعْبَةُ حَدِيثَ صَلَاةِ الخَوْفِ عَنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ صَالِحٍ بنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ أَبي حَثْمَةَ، عَن النبيِّ ﷺ (٢).
* وأَوْقَفَهُ مَالِكٌ على سَهْلِ بنِ أَبي حَثْمَةَ [٦٣٣].
قالَ أَحْمَدُ: ولا نَعْلَمُ أحَداً أَسْنَدَهُ إلَّا شُعْبَةُ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَولُهُ في الحَدِيثِ: "ما صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حتَّى غَرَبتِ الشَّمْسُ" [٦٥٣]، إنمَا أَخرَهُمَا ﷺ يَوْمِئذ عَنْ وَقْتِهَا
مِنْ أَجْلِ اشْتِغَالِه بالحَربِ، ولمْ تَكُنْ صَلَاةُ الخَوْفِ يَوْمِئذ قد نَزَلَتْ علَيْهِ، وإنَّمَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بعدَ ذَلِكَ بعُسْفَانَ حِينَ لَقِيَهُ أَهْلُ مَكةَ بالجُنُودِ، وعلى خَيْلِهِم خَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَنَزلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بعُسْفَانَ، ونَزَلَ المُشْرِكونَ بِقُرْبِه، فَلَمَّا حَضَرتِ الصَّلَاةُ صَلَّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بأصْحَابِهِ جَمِيعَاً، فَلَمَّا نَظَرَ إليهِم المُشْرِكُونَ قدْ دَخَلُوا كلُّهم في الصَّلَاةِ قَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: لَوْ تَأَهَّبْنَا فَحَمَلْنَا عَلَيْهِم حَمْلَةً وَاحِدَةً قتَلْنَاهُم، فقالَ قَائِلٌ مِنْهُم: الآنَ تَأتِيهِم صَلاَةٌ أُخْرَى، فإذا دَخَلُوا فِيها كُونُوا على عِدَّةٍ، واحْمَلوا عَلَيهِم حَملَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ على стр. 209
رَسُولِ اللهِ ﷺ بِصَلاَةِ الخَوْفِ، فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابهِ طَائِفَتَيْنِ، فَصَلَّى بِهِم العَصْرَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ ، فَلَمَّا نَظَرَ المُشْرِكُونَ إلى ذَلِكَ تَعَجَّبُوا.
* قال عيسى: لمَّا مَاتَ إبْرَاهِيمُ بنُ النبيّ ﷺ وَافَقَ يَوْمَ مَوْتهِ كُسُوفَ الشَّمْسِ، فقالَ النَّاسُ: إنَّما كُسِفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، فَلِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيتَانِ مِنْ آياتِ اللهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَد ولَا لِحَيَاتِهِ" [٦٣٩]، ولَكِنَّهُمَا مِنَ الآيَاتِ التَّي يُخَوِّفُ اللهُ ﵎ بِهِا عِبَادَهُ.
* قَوْلُهُ في حَدِيثِ كُسُوفِ الشَّمْسِ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، ولَبَكَيْتُمْ كثِيرَاً" [٦٣٩] إنَّمَا قَالَهُ ﷺ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ رأَى النَّارَ، ومَا أعَدَّ اللهُ فِيها لأَهْلِهَا، ورَأَى الجَنَّةَ ومَا أَعَدَّ اللهُ ﵎ فِيها لأَهْلِها، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ مِثْلَ الذي عَلِمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ لَكَثُرَ بُكَاؤُهُمْ، خِيفَةً مِنْ عَذَابِ اللهِ .
* وقَوْلُهُ في النَّارِ: "رأَيْتُ أَكثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ" [٦٤٠] يعنِي: رأَى مَقَاعِدَ النِّسَاءَ في النَّارِ اللَّوَاتِي يَكْفُرْنَ إحْسَانَ العَشِيرِ إليهِنَّ، والعَشِيرُ هُوَ الزَّوْجُ، وهذَا كُفْرَانُ النِّعَمِ لا كُفْر باللهِ، واللهُ يُحِبُّ أَنْ يُشْكَرَ المُحْسِنُ على إحْسَانِهِ، والزَّوْجُ على جَمِيعِ مُعَاشَرِتِه، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُخَلَّدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ في النَّارِ.
* وقولُه ﷺ في العَنْقُودِ الذي هَمَّ أنْ يَأْخُذَهَ: "لَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُم مِنْهُ مَا بَقِيتِ الدُّنيَا" [٦٤٠] إنَّمَا قالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ثِمَارَ الجَنَّةِ لا تَفْنَى، كُلَّمَا جُنِيَ مِنْهَا شَيءٌ عَادَ غَيْرُهُ مَكَانَهُ في وَقْتِهِ، وطَعَامُ الجَنَّةِ لا يُؤْكَلُ في الدُّنيَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ كُلَّ مَا يُؤْكَلُ في الدُّنيَا يَعُودُ رَجِيعَاً، وأَهْلُ الجَنَّةِ لا يَبُولُونَ ولَا يَتَغَوَّطُونَ.
قالَ أَصْبَغُ (١): تُصَلَّى صَلَاةُ الكُسُوفِ في المَسْجِدِ، ولَا يُبْرَزُ لَهَا كَمَا يُفْعَلُ في стр. 210
العِيدَيْنِ، وكذَا الإسْتِسْقَاءُ، ولَا يُصَلَّى في كُسُوفِ القَمَرِ كَمَا يُصَلَّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ، ولكنْ يُصَلِّي النَّاسُ حِينَئِذ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلاَةِ النَّافِلَةِ، إذ لمْ يَصِحَّ عَنِ النبيِّ ﷺ ، ولَا عَنْ الخُلَفاءِ بَعْدَهُ أَنَّهُم جَمَعُوا في كُسُوفِ القَمَرِ كَمَا جَمَعُوا في كُسُوفِ الشَّمْسِ.
قالَ عبدُ العَزِيزِ بنُ أَبي سَلَمَةَ (١): ونَحْنُ إذا كُنَّا فَذَّاداً صَلَّيْنَا هذِه الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "فإذا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزعُوا إلى الصَلاَةِ" (٢).
قال: أبوالمُطَرِّفِ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ الكُسُوفِ أَنَّ عَذَابَ القَبْرِ حَقّ، وأنَّ العَبْدَ يُسئَلُ في قَبْرِهِ، قال اللهُ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هذَا في مُسَائَلَةِ المَلِكَينِ العَبْدَ عَنْ دِييه، وعَنْ نَبيِّه في قَبْرِه، وقَوْل المَلَكَيْنِ للعَبْدِ فِي قَبْرِه: مَا عِلْمُكَ بهذَا الرَّجُلِ؟ يَجُوزُ أَنْ يُشَارَ بَهذَا إلى النبيّ ﷺ ، وَيرَاهُ الرَّجُلُ في قَبْرِه، ويَجُوزُ أَنْ يُشَارَ بهذَا إلى غَائِب مَعْهُودٍ، كمَا قال اللهُ ﵎ في كِتَابهِ: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] فأشارَ بهذَا إلى غَائِب مَعْهُودٍ.
* ومَعْنَى قَوْل أَسْمَاءَ في حَدِيثِها: "فأما المُؤمنُ أَو المُوقِنُ"، "وأَمَّا المُنَافِقُ أو المُرْتَابُ" [٦٤٥]، فيهِ مِنَ الفِقهِ: تَحَرِّي لَفْظَ النبيِّ ﷺ ، فَيُؤَدَّى كَمَا سُمِعَ مِنْهُ، ولَا يُنْقَلُ علَى المَعْنَى.
* وقَوْل العَبْدِ في قَبْرِه المَلَكَيْنِ: (هُوَ مُحَمَّد جَاءَنَا بالبَيِّنَاتِ والهُدَى) [٦٤٥]، يَعْنِي: بالتَّوْحِيدِ والفَرَائِضِ فَعَمَلْنَا بِها، وصَدَّقْنَاهُ في ذَلِكَ، فَيَشْهَدُ المَلكَانِ لَهُ بِذَلِكَ. стр. 211
وأَمَّا المُنَافِقُ فَلَيْسَتْ لَهُ حُجَّةٌ يَحْتَجُّ بها [إذ] (١) لمْ يُصَدِّقْ بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ في حَيَاتِهِ.
قالَ أَبوالمُطَرِّفِ: وَقَعَ في حَدِيثِ أَنسَي مِنْ غَيْرِ رِوَايةِ مَالِك: "وأَمَّا الكَافِرُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لا دَريتَ ولَا تَلَيْتَ" (٢) فَمَعْنَى (لا تَلَيْتَ) المُتَابَعَة في الكَلاَمِ، أَي تَابَعْتَ، أَو لا يَدْرِي مُحَمَّدا ﷺ ، ولَا بِمَا جَاءَ بهِ.
ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَة تَفْتَرِقُ أَوْصَالُهُ، وهذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ عندَ أَهْلِ السُّنَّةِ لا يَخْتَلِفُونَ فيهِ، ومَنْ قَالَ بِخِلاَفهِ فَهُو كَاذِبٌ مُفْتَرِي.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ في حَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ: (أَنَّ النبيَّ ﷺ صَلى في الإسْتِسْقَاءِ)، وإنَّمَا قالَ فيهِ: (أنَّهُ دَعَا) [٦٤٧]، ورَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزهْرِي، عَنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ: "أَنَّ رُسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِم رَكَعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِما بالقِرَاءَةِ، وحَوَّل رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ واسْتَسْقَى، واسْتَقَبلَ القَبْلَةَ" (٣)، وهذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وعليهِ العَمَلُ عندَ أَهْلِ المَدِينَةِ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى في الإسْتِسْقَاءِ.
* ومَعْنَى تَحْوِيلِه رِدَاءَهُ لِكَي تتُحَوَّلَ حَالَةُ الشَدّةِ إلى حَالَةِ السَّعَةِ والخَصْبِ [٦٤٦].
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَالَ مَالِكٌ: صَلَاةُ الإسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَانِ، ويَبْدَأُ الإمَامُ بالصلاَةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، ويَجْهَرُ فِيها بالقِرَاءَةِ، ثُمَ يَخْطُبُ، ويَدْعُو اللهَ، ويَسْتَسْقِي.
قالَ ابنُ وَضَّاحٍ (٤): قدْ كَانَ مَالِك يَقُولُ: الخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ سَنَةَ стр. 212
سِتِّينَ ومَاية، وأَشَارَ علَى زُفَرِ بنِ عَاصِمٍ وَالِي المَدِينَةِ (١) أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الخُطْبَةِ، والعَمَلُ عِنْدَنا في هذَا على قَوْلهِ الأَوَّلِ أَنْ تَكُونَ الخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وحَدِيثُ أَنسَ بنِ مَالِكٍ أَصْل في الإسْتِسْقَاءِ عندَ قِلَّةِ المَطَرِ، وأَصلٌ في الإسْتِصْحَاءِ عندَ كَثْرَةِ المَطَرِ.
* وقولُهُ ﵇: "اللَّهُمَّ ظُهوُرَ الجِبَالِ والآكَامِ" [٦٥٠] يعنِي: بالآكامِ الكَدَاءَ الصِّغَارِ.
* وقَوْلُهُ: "فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينهِ انْجِيَابِ الثَّوْبِ" [٦٥٠]، قالَ مَالِكٌ: يَعْنِي يَدُورَ السَّحَابُ في المَدِينَةِ كَمَا يَدُورُ جَيْبُ القَمِيصِ، فَكَانَ يُمْطِرُ حَوْلَ المَدِينَةِ ولَا يُمْطِرُ بالمَدِينَةِ.
* وقَولُىُ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمن بِي، وكَافِر بِي" [٦٥٣] يُرِيدُ: أنَّهُ مَنْ جَعَلَ الفِعْلَ في المَطَرِ للكَوَاكِبِ فَهُوَ كَافِر، ومَنْ جَعَلَهُ دَلِيلاً على المَطَرِ فقدْ أَخْطَأَ، لأَنَّهُ يَدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ، وكَانَ أَبو هُرَيْرَةَ يَقُولُ عند المطَرِ: (مُطِرْنَا بِنَوْءِ الفَتْحِ)، ويَتْلُو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] [٦٥٥]، فالمَطَرُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ﵎ إذا أَنْزَلَهُ في وَقْتِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدّه المُتَعَارَفِ، فإنْ زَادَ على ذَلِكَ سُئِلَ اللهُ كَشْفَهُ، كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ في حَدِيثِ أَنَسٍ.
* وقَوْلُهُ ﷺ : "إذا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً، ثُمَّ تَشَامَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِيقَة" [٦٥٤] يقُولُ: إذا أَنْشَأَتِ السَّحَابَةُ مِنْ نَاحِيةِ البَحْرِ الذي هُوَ بِغَرْبِيِّ المَدِينَةِ ثُمَّ اسْتَدَارتْ فَعَلَتْ علَى المَدِينَةِ مِنْ نَاحِيةِ الشَّامِ، يعني: مِنْ جَوْفَيْ المَدِينَةِ فَذَلِكَ سَحَاب يَكُونَ مِنْهُ مَطَر غَزِير والغَرَقُ الغَزِيرُ، وليسَ في هذا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بالأَنْوَاءِ، أَو فِعْلِ النُّجُومِ وطُلُوعِهَا أَدِلَّةٌ على المَطَرِ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ هذا بالمَدِينَةِ على طَرِيقِ العَادَةِ والعُرْفِ، وذَلِكَ أَنَّ السَّحَابِ إذا أَطَلَّ على المَدِينَةِ مِنْ هَذِه النَّوَاحِي كَانَ سَحَابَ مَطَرٍ. стр. 213
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: وهذَا حَدِيثٌ لم يَذْكُرْهُ أَحَدٌ إلَّا مَاِلكٌ.
وقَوْلُهُ:، إذا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً"، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "إنِّي لا أَنْسَى أَو أُنَسَّى" لم يَذْكُرْهُمَا أَحَدٌ إلَّا مَالِكٌ، وَهُمَا عندَهُ بَلاَغٌ، ومَالِكٌ ثقة مَأْمُونٌ، وقدْ أَجْمَعَ النَّاسُ على عَدَالَتِهِ وصِحَّةِ مَا نَقَلَ.
стр. 214
بابُ النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ للحَاجَةِ،
إلى آخِر خُروج النَّاسِ إلى المَسْجِدِ
* قَوْلِ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ: (مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعَ بهَذِه الكَرَاِبيِسِ) [٦٥٨] يعنِي: بالكَرَابِيِسِ المَرَاحِيضَ التِّي في الغُرَافِ خَاصَّةً، وأَمَّا الَتِّي في البُيُوتِ فإنها تُسَمَّى الكُنُفُ، ونَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ استِقْبَالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبَارِهَا، وهذَا في الصَّحَارَى ولَيْسَ ذَلِكَ في المَدَائِنِ، وقد رَأَى ابنُ عُمَرَ النبيَّ ﷺ بالمَدِينَةِ قَاعِدَاً على لَبنتَيْنِ مُسْتَقْبلاً بَيْتَ المَقْدِسِ [٦٦١]، ومَنِ اسْتَقْبَلَ بالمَدِينَةِ بَيْتَ المَقْدِسِ اسْتَدْبَرَ القَبْلَةَ، فَجَاءَ حَدِيثُ ابنَ عُمَرَ مُفَسِّراً لِحَدِيثِ أَبي أَيُّوبَ [٦٥٨] الذي رَوَاهُ في النَّهِي عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبَارِهَا عندَ الغَائِطِ والبَوْلِ، إنَّمَا ذَلِكَ في الصَّحَارَى.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: نَهْيُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبَارِهَا عندَ الغَائِطِ والبَوْلِ مِنْ أَجْلِ حُرْمَةِ القِبْلَةِ، وقدْ أَمَرَنا اللهُ أَنْ نَسْتَقْبلَهَا للصَّلاَةِ، وَهِي مِنْ أَجَلِّ الأَعْمَالِ، فَيَقْبُحُ اسْتِقْبَالُهَا عندَ الغَائِطِ والبَوْلِ.
قالَ أَبوالمُطَرِّفِ: وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِّ عَنِ اسْتَقْبَالِهَا واسْتِدْبَارِهَا في الصَّحْرَاءِ مِنْ أَجْلِ المُصَلِّينَ للهِ في الصَّحَارَى مِنْ غَيْرِ الإنْسِ، فَكَرِه أَنْ يَسْتَقْبِلَهُم الإنْسَانُ بِفَرْجِه أَو مَخْرَجِه، ذَكَرَ هذَا سَحْنُونُ عَنِ الشَّعْبِيِّ (١).
* قالَ أَبوالمُطَرِّفِ: إنَّمَا نَزَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ البُصَاقَ مِنْ جِدَارِ القِبْلَةِ إكْرَاماً مِنْهُ стр. 215
للقِبْلَةِ وصِيَانة لَهُ عَنِ القَذَرِ [٦٦٤]، وقدْ رَوَى أَنسُ بنُ مَالِك أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "البُصَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفارَتُها دَفْنُهَا" (١)، وإنَّما بنيَتِ المَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللهِ والصَّلاَةِ، فَلِهذَا أَوْجَبَ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْ جَمِيعِ الأَقْذَارِ.
* قَوْلُ ابنِ عُمَرَ: (بَيْنَما النَّاس بقُبَاءٍ في صَلَاةِ الصبْحِ إذ جَاءَهُم آتٍ، فقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ قدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرآَنٌ) [٦٦٦]، إلى آخِرِ الحَدِيثِ، فيهِ مِنَ الفِقْهِ: قَبُولُ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، والدَّلِيلُ على ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]، فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ بالتَّثبّتِ في خَبَرِ الفَاسِقِ أَوْجَبَ قَبُولَ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، وفيه: أنَّ اللهَ نَسَخَ مِنْ كِتَابِهِ مَا شَاءَ، وأَبْقَى الحُكْمَ فيهِ لَمَّا شَاءَ، ولَيْسَ العَمَلُ على مَنِ اسْتَدْبَرَ القِبْلَةَ أو شَرَّقَ أَو غَرَّبَ ثُمَّ تَبينَ لَهُ ذَلِكَ في بَعْضِ صَلاَتِهِ انْ يَنْصَرِفَ إلى القِبْلَةِ وُيتِمَّ صَلَاتَهُ، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ قُبَاءَ، ومَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ في صَلاَتِهِ قَطَعَهَا وابْتَدَأَ الصَّلَاةَ، لأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا اسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَهُم التِّي كَانُوا قَدْ عَهَدُوهَا وابْتَدَؤُا إليها صَلاَتَهُم، فَلَمَّا بَلَغَهُم التَّحَوُّلُ عَنْهَا وأُمِرُوا باسْتِقْبَالِ الكَعْبَةِ لَزِمَهُم [الإنْصِرَافُ] (٢) إلى مَا أُمِرُوا به، وَهُم في حِينِ الصَّلَاةِ، وارْتَفَعَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ جَمْلَةً وَاحِدَةً، فَمَنِ اسْتَدْبَرَ الآنَ القِبْلَةَ أَو شَرَّقَ أو غَرَّبَ قَطَعَ صَلَاتَهُ وابْتَدأَهَا، فإنْ تَبْيَّنَ لَهُ ذَلِكَ بعدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ أَعَادَهَا في الوَقْتِ إذا كَانَ قَد اجْتَهَد في القِبْلَةِ قَبْلَ دُخُولهِ في الصَّلَاةِ، وذَلِكَ أَنَّ الإجْتِهَادَ في القِبْلَةِ فَرْضٌ عندَ عَدَمِ القِبْلَةِ، فَمَنْ أَخْطَأَ في اجْتِهَادِهِ أَعَادَ صَلَاتَهُ في الوَقْتِ بعدَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ.
* قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: (فِيمَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْربِ قِبْلَةٌ) [٦٦٨]، يعنِي: إذا تُوُجِّهَ قِبَلَ البَيْتِ، وإنَّمَا قَالَهُ عُمَرُ بالمَدينَةِ، وقدْ حدَّثنا أَبو следующие страницы →