← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأَمَّا المُنَافِقُ فَلَيْسَتْ لَهُ حُجَّةٌ يَحْتَجُّ بها [إذ] (١) لمْ يُصَدِّقْ بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ في حَيَاتِهِ. قالَ أَبوالمُطَرِّفِ: وَقَعَ في حَدِيثِ أَنسَي مِنْ غَيْرِ رِوَايةِ مَالِك: "وأَمَّا الكَافِرُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لا دَريتَ ولَا تَلَيْتَ" (٢) فَمَعْنَى (لا تَلَيْتَ) المُتَابَعَة في الكَلاَمِ، أَي تَابَعْتَ، أَو لا يَدْرِي مُحَمَّدا ﷺ ، ولَا بِمَا جَاءَ بهِ. ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَة تَفْتَرِقُ أَوْصَالُهُ، وهذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ عندَ أَهْلِ السُّنَّةِ لا يَخْتَلِفُونَ فيهِ، ومَنْ قَالَ بِخِلاَفهِ فَهُو كَاذِبٌ مُفْتَرِي. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ في حَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ: (أَنَّ النبيَّ ﷺ صَلى في الإسْتِسْقَاءِ)، وإنَّمَا قالَ فيهِ: (أنَّهُ دَعَا) [٦٤٧]، ورَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزهْرِي، عَنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ: "أَنَّ رُسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِم رَكَعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِما بالقِرَاءَةِ، وحَوَّل رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ واسْتَسْقَى، واسْتَقَبلَ القَبْلَةَ" (٣)، وهذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وعليهِ العَمَلُ عندَ أَهْلِ المَدِينَةِ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى في الإسْتِسْقَاءِ. * ومَعْنَى تَحْوِيلِه رِدَاءَهُ لِكَي تتُحَوَّلَ حَالَةُ الشَدّةِ إلى حَالَةِ السَّعَةِ والخَصْبِ [٦٤٦]. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَالَ مَالِكٌ: صَلَاةُ الإسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَانِ، ويَبْدَأُ الإمَامُ بالصلاَةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، ويَجْهَرُ فِيها بالقِرَاءَةِ، ثُمَ يَخْطُبُ، ويَدْعُو اللهَ، ويَسْتَسْقِي. قالَ ابنُ وَضَّاحٍ (٤): قدْ كَانَ مَالِك يَقُولُ: الخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ سَنَةَ

стр. 212

سِتِّينَ ومَاية، وأَشَارَ علَى زُفَرِ بنِ عَاصِمٍ وَالِي المَدِينَةِ (١) أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الخُطْبَةِ، والعَمَلُ عِنْدَنا في هذَا على قَوْلهِ الأَوَّلِ أَنْ تَكُونَ الخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وحَدِيثُ أَنسَ بنِ مَالِكٍ أَصْل في الإسْتِسْقَاءِ عندَ قِلَّةِ المَطَرِ، وأَصلٌ في الإسْتِصْحَاءِ عندَ كَثْرَةِ المَطَرِ. * وقولُهُ ﵇: "اللَّهُمَّ ظُهوُرَ الجِبَالِ والآكَامِ" [٦٥٠] يعنِي: بالآكامِ الكَدَاءَ الصِّغَارِ. * وقَوْلُهُ: "فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينهِ انْجِيَابِ الثَّوْبِ" [٦٥٠]، قالَ مَالِكٌ: يَعْنِي يَدُورَ السَّحَابُ في المَدِينَةِ كَمَا يَدُورُ جَيْبُ القَمِيصِ، فَكَانَ يُمْطِرُ حَوْلَ المَدِينَةِ ولَا يُمْطِرُ بالمَدِينَةِ. * وقَولُىُ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمن بِي، وكَافِر بِي" [٦٥٣] يُرِيدُ: أنَّهُ مَنْ جَعَلَ الفِعْلَ في المَطَرِ للكَوَاكِبِ فَهُوَ كَافِر، ومَنْ جَعَلَهُ دَلِيلاً على المَطَرِ فقدْ أَخْطَأَ، لأَنَّهُ يَدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ، وكَانَ أَبو هُرَيْرَةَ يَقُولُ عند المطَرِ: (مُطِرْنَا بِنَوْءِ الفَتْحِ)، ويَتْلُو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] [٦٥٥]، فالمَطَرُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ﵎ إذا أَنْزَلَهُ في وَقْتِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدّه المُتَعَارَفِ، فإنْ زَادَ على ذَلِكَ سُئِلَ اللهُ كَشْفَهُ، كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ في حَدِيثِ أَنَسٍ. * وقَوْلُهُ ﷺ : "إذا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً، ثُمَّ تَشَامَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِيقَة" [٦٥٤] يقُولُ: إذا أَنْشَأَتِ السَّحَابَةُ مِنْ نَاحِيةِ البَحْرِ الذي هُوَ بِغَرْبِيِّ المَدِينَةِ ثُمَّ اسْتَدَارتْ فَعَلَتْ علَى المَدِينَةِ مِنْ نَاحِيةِ الشَّامِ، يعني: مِنْ جَوْفَيْ المَدِينَةِ فَذَلِكَ سَحَاب يَكُونَ مِنْهُ مَطَر غَزِير والغَرَقُ الغَزِيرُ، وليسَ في هذا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بالأَنْوَاءِ، أَو فِعْلِ النُّجُومِ وطُلُوعِهَا أَدِلَّةٌ على المَطَرِ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ هذا بالمَدِينَةِ على طَرِيقِ العَادَةِ والعُرْفِ، وذَلِكَ أَنَّ السَّحَابِ إذا أَطَلَّ على المَدِينَةِ مِنْ هَذِه النَّوَاحِي كَانَ سَحَابَ مَطَرٍ.

стр. 213

قالَ أبو مُحَمَّدٍ: وهذَا حَدِيثٌ لم يَذْكُرْهُ أَحَدٌ إلَّا مَاِلكٌ. وقَوْلُهُ:، إذا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً"، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "إنِّي لا أَنْسَى أَو أُنَسَّى" لم يَذْكُرْهُمَا أَحَدٌ إلَّا مَالِكٌ، وَهُمَا عندَهُ بَلاَغٌ، ومَالِكٌ ثقة مَأْمُونٌ، وقدْ أَجْمَعَ النَّاسُ على عَدَالَتِهِ وصِحَّةِ مَا نَقَلَ.

стр. 214

بابُ النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ للحَاجَةِ، إلى آخِر خُروج النَّاسِ إلى المَسْجِدِ * قَوْلِ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ: (مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعَ بهَذِه الكَرَاِبيِسِ) [٦٥٨] يعنِي: بالكَرَابِيِسِ المَرَاحِيضَ التِّي في الغُرَافِ خَاصَّةً، وأَمَّا الَتِّي في البُيُوتِ فإنها تُسَمَّى الكُنُفُ، ونَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ استِقْبَالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبَارِهَا، وهذَا في الصَّحَارَى ولَيْسَ ذَلِكَ في المَدَائِنِ، وقد رَأَى ابنُ عُمَرَ النبيَّ ﷺ بالمَدِينَةِ قَاعِدَاً على لَبنتَيْنِ مُسْتَقْبلاً بَيْتَ المَقْدِسِ [٦٦١]، ومَنِ اسْتَقْبَلَ بالمَدِينَةِ بَيْتَ المَقْدِسِ اسْتَدْبَرَ القَبْلَةَ، فَجَاءَ حَدِيثُ ابنَ عُمَرَ مُفَسِّراً لِحَدِيثِ أَبي أَيُّوبَ [٦٥٨] الذي رَوَاهُ في النَّهِي عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبَارِهَا عندَ الغَائِطِ والبَوْلِ، إنَّمَا ذَلِكَ في الصَّحَارَى. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: نَهْيُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبَارِهَا عندَ الغَائِطِ والبَوْلِ مِنْ أَجْلِ حُرْمَةِ القِبْلَةِ، وقدْ أَمَرَنا اللهُ أَنْ نَسْتَقْبلَهَا للصَّلاَةِ، وَهِي مِنْ أَجَلِّ الأَعْمَالِ، فَيَقْبُحُ اسْتِقْبَالُهَا عندَ الغَائِطِ والبَوْلِ. قالَ أَبوالمُطَرِّفِ: وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِّ عَنِ اسْتَقْبَالِهَا واسْتِدْبَارِهَا في الصَّحْرَاءِ مِنْ أَجْلِ المُصَلِّينَ للهِ في الصَّحَارَى مِنْ غَيْرِ الإنْسِ، فَكَرِه أَنْ يَسْتَقْبِلَهُم الإنْسَانُ بِفَرْجِه أَو مَخْرَجِه، ذَكَرَ هذَا سَحْنُونُ عَنِ الشَّعْبِيِّ (١). * قالَ أَبوالمُطَرِّفِ: إنَّمَا نَزَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ البُصَاقَ مِنْ جِدَارِ القِبْلَةِ إكْرَاماً مِنْهُ

стр. 215

للقِبْلَةِ وصِيَانة لَهُ عَنِ القَذَرِ [٦٦٤]، وقدْ رَوَى أَنسُ بنُ مَالِك أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "البُصَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفارَتُها دَفْنُهَا" (١)، وإنَّما بنيَتِ المَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللهِ والصَّلاَةِ، فَلِهذَا أَوْجَبَ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْ جَمِيعِ الأَقْذَارِ. * قَوْلُ ابنِ عُمَرَ: (بَيْنَما النَّاس بقُبَاءٍ في صَلَاةِ الصبْحِ إذ جَاءَهُم آتٍ، فقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ قدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرآَنٌ) [٦٦٦]، إلى آخِرِ الحَدِيثِ، فيهِ مِنَ الفِقْهِ: قَبُولُ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، والدَّلِيلُ على ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]، فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ بالتَّثبّتِ في خَبَرِ الفَاسِقِ أَوْجَبَ قَبُولَ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، وفيه: أنَّ اللهَ نَسَخَ مِنْ كِتَابِهِ مَا شَاءَ، وأَبْقَى الحُكْمَ فيهِ لَمَّا شَاءَ، ولَيْسَ العَمَلُ على مَنِ اسْتَدْبَرَ القِبْلَةَ أو شَرَّقَ أَو غَرَّبَ ثُمَّ تَبينَ لَهُ ذَلِكَ في بَعْضِ صَلاَتِهِ انْ يَنْصَرِفَ إلى القِبْلَةِ وُيتِمَّ صَلَاتَهُ، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ قُبَاءَ، ومَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ في صَلاَتِهِ قَطَعَهَا وابْتَدَأَ الصَّلَاةَ، لأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا اسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَهُم التِّي كَانُوا قَدْ عَهَدُوهَا وابْتَدَؤُا إليها صَلاَتَهُم، فَلَمَّا بَلَغَهُم التَّحَوُّلُ عَنْهَا وأُمِرُوا باسْتِقْبَالِ الكَعْبَةِ لَزِمَهُم [الإنْصِرَافُ] (٢) إلى مَا أُمِرُوا به، وَهُم في حِينِ الصَّلَاةِ، وارْتَفَعَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ جَمْلَةً وَاحِدَةً، فَمَنِ اسْتَدْبَرَ الآنَ القِبْلَةَ أَو شَرَّقَ أو غَرَّبَ قَطَعَ صَلَاتَهُ وابْتَدأَهَا، فإنْ تَبْيَّنَ لَهُ ذَلِكَ بعدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ أَعَادَهَا في الوَقْتِ إذا كَانَ قَد اجْتَهَد في القِبْلَةِ قَبْلَ دُخُولهِ في الصَّلَاةِ، وذَلِكَ أَنَّ الإجْتِهَادَ في القِبْلَةِ فَرْضٌ عندَ عَدَمِ القِبْلَةِ، فَمَنْ أَخْطَأَ في اجْتِهَادِهِ أَعَادَ صَلَاتَهُ في الوَقْتِ بعدَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ. * قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: (فِيمَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْربِ قِبْلَةٌ) [٦٦٨]، يعنِي: إذا تُوُجِّهَ قِبَلَ البَيْتِ، وإنَّمَا قَالَهُ عُمَرُ بالمَدينَةِ، وقدْ حدَّثنا أَبو

стр. 216

يَعْقُوبَ يُوسُفُ بنُ إبْرَاهِيمَ بمَكَّةَ (١)، قالَ: حدَّثنا مُوسَى بنُ العبَّاسِ (٢)، قالَ: حدَّثنا أَبو عبدِ اللهِ الوَرَّاقُ (٣)، قالَ: حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ المِنْهَالِ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إذا جَعَلْتَ المَغْرِبَ عَنْ يَمِييكَ وَالمَشْرِقَ عَنْ يَسَارِكَ فَمَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ" (٤)، وهذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ على السَّعَةِ في التَّوجُّهِ إلى القِبْلَةِ، وإثَّمَا هذا بالمَدِينَةِ، ومَا وَرَاءَهَا مِنَ الشَّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ، ولَيْسَ هذَا لأَهْلِ العِرَاقِ ولا لأَهْلِ اليَمَنِ، فأَمَرَ النبيُّ ﷺ أَهْلَ المَدِينَةِ ومَنْ وَرَاءَهُمْ أَنْ يَتَوجَّهُوا عندَ صَلاَتِهِم إلى سَمْتِ القِبْلَةِ الذِي يَكُونُ بينَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ نَحْوَ الكَعْبَةِ، وأَمَرَ اللهُ ﵎ أَهْلَ الآفَاقِ أَنْ يُولُّوا وُجُوَهَهَمْ عندَ صَلاَتِهِم نَحْوَ البَيْتِ الحَرَامِ، فاسْتِقْبَالُه مَعَ المُعَايَنةِ إليهِ فَرِيضَة، فإذَا عُدِمتِ المُعَايَنَةُ كَانَ الإجْتِهَادُ فَرِيضَةً، فإذا أَخْطَأ المُجْتَهِدُ فَتَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ أَعَادَ صَلَاتَهُ في الوَقْتِ، وإذا ذَهَب لَمْ يُعِدْ. * قَوْلُ النبي ﷺ : "صَلاَةٌ في مَسْجِدي هذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ" [٦٧٠] قالَ أَشْهَبُ: سَأَلْنَا مَالِكَاً عَنْ هذَا الحَدِيثِ، فقالَ: هُوَ يُفَضِّلُ المَسْجِدَ دُونَ فَضْلِه علَى غَيْرِه مِنَ المَسَاجِدِ. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: يُرِيدُ مَالِك أنَّ الصَّلَاةَ في مَسْجِدِ النبيِّ ﷺ الفَرِيضَةُ تَفْضُلُ على الصَّلَاةِ في مَسْجِدِ مَكَّةَ بِدُونَ ألفِ صَلاَةٍ، وتَفْضُلُ الصَّلَاةُ في مَسْجِدِ

стр. 217

النبيِّ ﷺ على سَائِرِ المَسَاجِدِ بأَزْيَدَ مِنْ أَلفِ صَلاَةٍ، وفي هذا دَلِيل على فَضْلِ المَدِينَةِ على مَكَّةَ. * لمْ يُسْنِدْ مَالِك حَدِيثَ: "لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" [٦٧٤] وأَسْنَدَهُ حَمَّادُ [عَنْ أَيُّوبَ] (١) عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيِّ ﷺ (٢)، وفِي هذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ يُبِيحُ إمَامَةَ النِّسَاءِ، ولَو كَانَتِ الإمَامَةُ مُبَاحَةً لَهُنَّ لَمْ يَكُنْ لِنَهْي النبي ﷺ عَنْ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ المَسَاجِدَ مَعْنَى، إذ كُنَّ يُدْرِكْنَ فَضْلَ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ في البُيُوتِ، فَلَمَّا لمْ يَكُنْ ذَلِكَ إليهِنَّ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" يُرِيدُ: لا تَمْنَعُونَهُنَّ فَضْلَ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ. * قَوْلُ عَائِشَةَ: (لَو أَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ما أَحْدَثَ النسَاءُ) [٦٧٧] يعنِي: مَا أَحْدَثْنَ مِنَ التبرجِ والزينَةِ عندَ خُرُوجَهِن إلى المَسَاجِدِ لَمَنَعَهُنَّ الخُرُوجَ إليها، وحَرَمَهُنَ فَضْلَ صَلَاةِ الجمَاعَةِ عُقُوبَةً لِفِعْلِهِنَّ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ حِينَ أَحْدَثْنَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفاً، ورَوَى أَبو سَلَمَةَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، ولْيَخْرُجْنَ تَفِلاَتٍ" (٣) يعنِي: غَيْرَ مُتَطَيِّبَات. وَلَقِيَ أَبو هُرَيْرَةَ امْرَأةً مُطَيِّبَة، فقالَ لَهَا: أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فقَالَتْ: إلى المَسْجِدِ، فقَالَ لَها: ولَهُ تَطَيَّبْتِ؟ فقالتْ: نَعَمْ، فقالَ لَهَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -يَقُولُ: "أَيُّمَا امْرَأةٍ تَطَيَّبَتْ وخَرَجَتْ إلى المَسْجِدِ لمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلاَةٌ حتَّى تَرْجِعَ فَتَغْسِلَهُ عَنْهَا" (٤)، فَحُكْمُ المَرْأةِ إذا خَرَجَتْ إلى المَسْجِدِ التَّخَفّرُ والتَّسَتُّرُ. * * *

стр. 218

بابُ الوُضُوءِ لمنْ مَسَّ القُرْآنَ، إلى آخرِ بَاب في القُرْآنِ * كَتَبَ النبيُّ ﷺ لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ حِينَ أَخْرَجَهُ وَالِياً كِتَاباً أَمَرَهُ فيهِ بأوَامِرَ، وَنَهَاهُ عَنْ نَوَاهِيَ، وكَانَ مِنْ جُمْلَتِهَا: "أنْ لَا يَمس المُصْحَفَ إلَّا طَاهِرٌ" [٦٨٠]. قالَ مَالِكٌ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ: لا يَمَسَّ المُصْحَفَ أَحَدٌ ولَا يَحْمِلْهُ بِعِلاَقَتِه إلَّا طَاهِرٌ بِطُهْرِ الوُضُوءِ إكْرَاماً للقُرْآنِ، وقِيل في تآْوِيلِ قَوْلِ اللهِ : ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، أَيْ: لَا يَمَسُّهُ عندَ اللهِ ﵎ إلَّا المُطَهَّرُونَ، وَهُمُ السَّفَرَةُ الكِرَامُ البَرَرَةُ، فَأمَّا في الدُّنيَا فَقَدْ مَسَّهُ مُنَافِق وغَيْرُهُ مِمن لَيْسَ بِمُطَهَّرٍ. * قَوْلُ عُمَرِ بنِ الخَطَّابِ الذي قالَ لَهُ: (أتقْرَأُ ولَسْتَ على وُضُوءٍ؟ فقالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَفْتَاكَ بهَذَا، أَمُسَيلَمَةُ؟) [٦٨٥] قالَ ابنُ وَهْبٍ: كَانَ عُمَرُ في جَمَاعَةٍ مِنَ النَاس يَتَعَلَّمُونَ الَقُرْآنَ، يُعَلِّمُه بَعْضُهُم بَعْضَاً، وكاَن ذَلِكَ الرَّجُلُ القَائِلُ لِعُمَرَ: (أتقْرَأ ولَسْتَ على وُضُوءً؟) مِنْ أَصْحَاب مُسَيْلَمَةَ يُكْنَى بأَبِي مَرْيمَ (١)، فَلِذَلِكَ عَرّضَ لَهُ عُمَرُ بِمُسَيْلَمَةَ، أَيْ: أَنَّ مُسَيْلَمَةَ أفْتَاكَ بِهَذا الغُلو والخَطَأُ، فَقِرَاءَةُ القُرْآنِ على غَيْرِ وُضُوءٍ مُبَاحَة إذا لمْ يَقْرَأْ القَارِئُ في المُصْحَفِ، وأَمَّا الجُنُبُ فلَا يَقْرأُ مِنَ القُرْآنِ إلَّا الآيَاتِ اليَسِيرَةِ لارْتَيَاعٍ وفَزَعٍ ونَحُو ذَلِكَ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "انْزِلَ القُرْآنُ على سبْعَةٍ أَحْرف، فَاقْرَؤا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ" [٦٨٩]

стр. 219

قالَ مَالِكٌ: وتَفْسِيرُ ذَلِكَ مِثْلُ قِرَاءَةِ عُمَرَ: ﴿فَامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ﴾، مَكَانَ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ومِثْلُ: تَفْعَلُونَ وتَعْمَلُونَ ومَا أَشْبَه ذَلِكَ، يُجْعَلُ هذَا مَكَانُ هذَا إذا كَانَ المَعْنَى وَاحِدَاً. * وقالَ صَالح بنُ إدْرِيس المُقْرِئُ (١): "أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ"، يعنِي: نَزَلَ علَى سَبْعَةِ لُغَات مُفْتَرِقَة في قُرَيْشٍ وفُصَحَاءِ العَرَبِ تَوْسِعَةً مِنَ اللهِ ﵎ ورَحْمَةً للعِبَادِ إذا كَانَ ذَلِكَ لَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ. فإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ هذَا في مَعْنَى اللُّغَاتِ، ولُغَةُ هِشَامِ بنِ حَكِيمٍ هِي لُغَةُ عُمَرَ بنِ الخطاب، وقدْ أَنْكَرَ عُمَرُ على هِشَام مَا كَانَ يَقْرَأُ به؟ [٦٨٩]، فَيُقَالُ لِقَائِلِ ذَلِكَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ في لُغَةٍ وَاحِدةٍ قِرَاءَاتٍ، كَقَوْلهِ ﵎: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، و ﴿يغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، و ﴿تغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ بالنون، والياء، والتاء (٢)، وذَلِكَ لُغَةٌ وَاحِدَةٌ، فالحُرُوفُ السَّبْعَةِ مُتَّفِقَةُ المَعَانِي وإنْ كَانَتِ الأَلْفَاظُ مُخْتَلِفَةً، ثُمَّ جَمَعَ عُثْمَانُ المُسْلِمِينَ على مُصْحَفٍ وَاحِدٍ نَظَراً مِنْهُ لَهُم حِينَ اخْتَلَفُوا في بَعْضِ القِرَاءَاتِ المُنَزُولةِ، وعَظُمَ اخْتِلاَفُهُم في ذَلِكَ، فَجَمَعَهُم على مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مِمَّا لمْ يَخْتَلِفُوا فيهِ، وَوَافَقَهُ على ذَلِكَ عليُّ بنُ أَبي طَالب مَعَ سَائِرِ الصَّحَابةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ، فَلا سَبيلِ لأَحَدٍ اليومَ أَنْ يَقْرَأَ بِخِلاَفِ مَا أَجْمَعَ عليهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قالَ صَالح بنُ إدْرِيس: وإنَّمَا جَازَ لَهُم إسْقَاطُ بَعْضِ القِرَاءَاتِ بعدَ أَنْ قُرِئَ بِها مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ تُفْرَضْ عَلَيْهِم القِرَاءَةُ بِجِمِيعِ القِرَاءَاتِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "أُنْزِلَ القُرْآنُ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"، فَلَمَّا رأَى أَصْحَابُ

стр. 220

رَسُولِ الله ﷺ الصَّلاَحَ في تَرْكِ مَا فِيهِ التَّنَازَعُ بَيْنَهُم مِنَ القِرَاءَاتِ، والإجْمَاعَ على المُتَّفَقِ عَلَيْهِ طَلَبُ الصَّلاَحِ لِدِينِهِم جَازَ ذَلِكَ لَهُم. قالَ أَبو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ (١): وبقِيَ الاخْتِلاَفُ بينَ القُرَّاءِ في حَرَكَاتِ القِرَاءَةِ مِنْ أَجْلِ المَصَاحِفِ التِّي كَتَبَها الصَّحَابَةُ كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ الشَّكْلِ والنُّقَطِ، وكَانَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنَ النوَاحِي يَقْرَؤُونَ بمَا عَلَّمَهُم أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَ عُثْمَانُ المُصْحَفَ، ولَمْ يَكُونُوا أُمِرُوا بالإنْتِقَالِ عَنْ تِلْكَ القِرَاءَاتِ إلى غَيْرِها كَما أُمِرُوا بالانْتِقَالِ عمَّا يُوجِبُ الاخْتِلاَفَ في صُورَتهِ كـ (الزقْيَةِ) و (الصَّيْحَةِ)، و (العِهْنِ المَنْفُوشِ) و (الصُّوفِ المَنْفُوشِ) وشِبْهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْمَرُوا بالانْتِقَالِ عَفَا اخْتَلَفُوا فيهِ مِنَ الحَرَكَاتِ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنِ النبيِّ ﷺ ، والدَّلِيلُ على ذَلِكَ أَنَّ المُسْلِمينَ لا يُخْطَئُ فيهِ بَعْضُهُم بَعْضَاً، كَقِرَاءَةِ نَافِعِ بنِ أَبي نعيْمٍ، وابنِ كَثِيرٍ، وأَبي عَمْروِ بنِ العَلاَءِ، وعَاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسَائِي، وابنِ عَامِر، فَهَذِه القِرَاءَاتِ مَعْرُوفَةٌ عندَ أَهْلِ الأَمْصَارِ، يَتْلُونَها آنَاءَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ في الصَّلَوَاتِ وغَيْرِها. قالَ صَالح بنُ إدْرِيس: وأَمَّا الحُرُوفُ التي وَقَعَتْ في بَعْضِ المَصَاحِفِ وأُسْقِطَتْ مِنْ بَعْضِها، مِثْلُ قِرَاءَةِ نَافع ﴿وأوصى بها إبراهيم بنيه﴾ باَلفٍ بينَ الوَاوينِ، وقِرَاءَةِ أَبي عَمْرِوٍ وغَيْرِه: ﴿وَوَصَّى﴾ [البقرة: ١٣٢] بِغَيْرِ أَلِفٍ، ومِثْلُ: ﴿قالوا اتخذ الله ولداً﴾ بغيْرِ وَاوٍ (٢)، وقَرَأَ بَعْضُهُم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، ومِثْلُ قَوْلهِ: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] بِغَيْرِ وَاوٍ، وفي قِرَاءَةِ بَعْضِهِم: ﴿*وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بزيادة واو، ومِثْلُ قَوْلهِ في بَرَاءَةَ: ﴿جنات تجري تحتها الأنهار﴾ [التوبة: ١٠٠] في قِرَاءَةِ نَافِعٍ ومَنْ

стр. 221

تَابَعَهُ، وفِي قِرَاءَةِ ابنِ كَثِيرٍ: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ بزِيَادِة (مِنْ)، وفِي الكَهْفِ: ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ (١) [الكهف: ٣٦]، وفي قِرَاءَةٍ: ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مُنْقَلَبًا﴾، وشِبْهُ هذَا مِنَ الحُرُوفِ، وَهُو نَحْو مِنْ عِشْرِينَ حَرْفاً في جَمِيعِ القُرْآنِ، فإنها كَانَتْ مَعْرُوفَةً عندَ الذينَ كَتَبُوا المَصَاحِفَ لِعُثْمَانَ، فَكَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوهَا في مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، فَفَرّقُوهَا في المَصَاحِفِ، فَبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ العِرَاقِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ اليَمَنِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، لا يُنْكِرُهَا بَعْضُهُم على بَعْضبى، ويَقْرَؤُونَهَا في صَلاَتِهِم وتلاَوَتهِم، قَدْ حَفِظَهَا اللهُ ﵎ وأَثْبَتَهَا في المَصَاحِفِ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فَمَا حَفِظَهُ اللهُ عَلَيْنَا فَلاَ سَبِيلَ إلى الزِّيَادَةِ فيهِ ولا إلى النُّقْصَانِ منهُ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالمَوَاظَبَةِ على دِرَاسَةِ القُرْآنِ كَمَا يُوَاظِبُ صَاحِبُ الإبِلِ على ضَبْطِ إبلِه بأنْ يَعْقِلَهَا، وإنْ ضَيَّعَ ذَلِكَ ذَهَبَتْ، كَذَلِكَ صَاحِبُ القُرْآنِ إنْ ضَيَعّ دَرْسَهُ ذَهَبَ عَنْهُ [٢٩٠]. والمُسْتَحَبُّ في قِرَاءَةِ القُرْآنِ تَدَبُّرَهُ عندَ قِرَاءَتِهِ، والتَّرَسلُ في ذَلِكَ، وإحْضَارُ الفَهْمِ عندَ تِلاَوَتِهِ. وقالَ زَيْدٌ للذِي سَأَلهُ عِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، فقالَ لَهُ زَيْد: (لأَنْ أَقْرَأَهُ في مَرَّةٍ عِشْرِينَ يَوْماً أَحَبُّ إليَّ لِكَيْ أتدبرهُ وأَقِفَ عَلَيْهِ) [٦٨٧]، فَقِرَاءَةُ تَدَبرٍ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةٍ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ. * قَوْلُ النبي ﷺ في الوَحْي: "أَحْيَانَاً يَأتِينِي في مِثْلِ صَلْصَةِ الجَرَسِ" [٦٩٠] يعنِي: يَنْزِلَ عليهِ المَلَكُ بالوَحْي بِصَوْتٍ كَمِثْلِ صَوْتِ الجَرَسِ إذا بَاهَتَ (٢)، وكانَ ذَلِكَ أَشَدَّ مَا يَلْقَاهُ مِنْ نزولِ الوَحْي عَلَيْهِ.

стр. 222

وقَوْلُهُ: "فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ"، كَمَا يَفْصِمُ الخِلْخَالُ، يَعْنِي: يَنْحَلُّ عَنِّي كَمَا يَفْعَلُ الخِلْخَالُ إذا فُتِحَ مِنْ قُفْلِهِ. وأَخَفُّ مَا كَانَ يَلْقَاهُ مِنَ الوَحْي إذا تَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيلُ في صُورَةِ آدَمِي ثُمَّ يُخْبِرُه بالذِي نزلَ بهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ . * وَقْولُ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ للنبيِّ ﷺ : "اسْتَدْنِينِي" [٦٩٢] يعنِي: قَرِّبْنِي مِنْ نَفْسِكَ، وكَانَ النبيُّ ﷺ مشْغُولاً بِمُخَاطَبَةِ المُشْرِكِ الذي كَانَ يَطْمَعُ بإسْلاَمهِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ شَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وقِيلَ: كَانَ أُبَيّ بنُ خَلَفٍ، وَيَقُولُ لَهُ: (يا أبا فُلاَن، هَلْ تَرَى بمَا أَقُولُ بَأسَاً) [٦٩٢] يعنِي: هَلْ تَسْمَعُ فِيمَا أُخَاطِبُكَ بهِ شَيْئَاً تَكْرَهَهُ، ويَقُولُ لَهُ: (لا والدِّمَاءِ)، يعنِي: لَا وَدِمَاءُ الهَدَايَا التِّي كَانُوا يُقَربُونَهَا لأَصْنَامِهِم، وَمَنْ رَوَاهَا: (لا والدِّمَاءُ)، يَعْنِي: الأصْنَامَ والصُّورَ، فَفِي هذَا مِنَ الفِقْهِ: تَكْنِيَةُ المُشْرِكِ إذا طُمِعَ بإسْلاَمِهِ، وَإلاَنَةُ القَوْلِ، فَلَمَّا كَانَ في عِلْمِ اللهِ أَنَّ ذَلِكَ المُشْرِكَ لا يُؤْمِنُ باللهِ أَنْزَلَ اللهُ ﵎ على رَسُولهِ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١]، إلى آخِرِ القِصَّةَ، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بعدَ ذَلِكَ يُكْرِمَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ، وأُمُّهُ أُمِّ مَكْتُومٍ. * قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: (نَزَّرْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) [٦٩٣] يعنِي: أَكْثَرْتَ عَلَيْهِ في المَسْأَلةِ وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْكَ لَا يُجيبُكَ، وهذَا الحَدِيثُ مُرْسَلٌ في المُوَطَّأَ، وحدَّثنا بهِ [أبو] عليِّ بنُ المُطَرِّزِ بِمِصْرَ (١)، قالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ زَبَّانَ (٢)، قالَ: حدَّثنا عَبْدةُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، قالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ

стр. 223

أَسْلَمَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ في بَعْضِ أَسْفَارِه، وذَكَرَ الحَدِيثِ، وأَسْنَدَه (١). * وقالَ أَنسُ بنُ مَالِكٍ: كَانَتْ هذِه القِصَّةُ حِينَ انْصَرفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَّهِ حِينَ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ هُو وأَصْحَابُهُ عَنِ البَيْتِ ومَنَعُوهُم دُخُولَ مَكَّةَ، فَانْصَرَفُوا مَحْزُونينَ، فَعَوَّضَهُم اللهُ مِنْ ذَلِكَ فَتْحَ خَيْبَرَ، وأَنْزَلَ على رَسُولهِ سُورَةَ الفَتْحِ، وغَفَرَ له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ ومَا تَأَخَّرَ، وهذَا يُبيِّنُ قَوْلَهُ ﵎ الذي حَكَاهُ رَسُولُ الله ﷺ حينَ قالَ: "ما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولَا بِكُم" (٢) ونَصَرَهُ نَصْرَاً عَزِيزَاً، وَوَعَدَهُ بإدْخَالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ وتَعْذِيبِ المُنَافِقِينَ بالنَّارِ، وهذَا خَيْر مِنَ الدُّنيا ومَا فِيها، كَمَا قَالَ النبيُّ ﷺ في سُورَةِ الفَتْحِ: "هِيَ خَيْر مِمَّا طَلَعَتْ عليهِ الشمْسُ" [٦٩٣]. * قَوْلُهُ ﷺ : "يَخْرجُ فِيكُم قَومٌ تَحْقِرونَ صَلاَتهم مَعَ صَلاَتِهِم" [٦٩٤] وذَكر الحَدِيثَ، قالَ فيهِ ابنُ وَضاح: لَمَّا قالَ ﷺ : "يَخْرُجُ فيكُم قَوْمٌ" ولَمْ يَقُلْ: يَخْرُجْ عَلَيْكُمْ، دَلَّ على أنَّهُم مِنَ المُسْلِمينَ. وقَوْلُىُ: "يَقْرَؤونَ القُرْآنِ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم" يعنِي: أَنَّهُم لا يُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ، ولَا تَكْتُبُه لَهُم المَلاَئِكَةُ لِمُخَالَفَتِهِم مَا يَعْتَقِدُه أَهْلُ السُّنَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَن لَهُم صِيَامَا وصَلاَة وأَعْمَالاً إلَّا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَقَبَّلٍ مِنْهُم، لِخُرُوجِهِم مِنَ الدِّينِ وَمُرُوقِهِم مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ. قالَ الأَخْفَشُ: الرَّمْيَةُ هِي التِّي تُرْمَى بالنَّبْلِ مِنَ الصَّيْدِ، مِثْلَ الضَّبْيِّ، وبَقَرَةِ الوَحْشِ وشِبْهِ ذَلِكَ، فَيَرْميهِ الصَّائِدُ فَيَنْفُذُهَا بِسَهْمِه فَيَأْخُذُهُ الصائِدُ، فَيَنْظُرُ في النَّصْلِ فَلَا يَرَى فيهِ شَيْئاً مِنَ الدَّمِ، والنَّصْلُ هُوَ حَدِيدَةُ السَّهْمِ، ويَنْظُرُ في القِدْحِ فَلَا يَرَى فيهِ شَيْئا مِنَ الذَمِ، والقِدْحُ هُوَ عُودُ السَّهْمِ، ويَنْظُرُ في الرِّيشِ فَلَا يَرَى فيهِ

стр. 224

شَيْئَأ مِنَ الدَّمِ، والرّيشُ هُوَ رِيشُ السَّهْمِ، وذَلِكَ لِشِدَّةِ الرَّمْيَةِ وقُوَّةِ خُرُوجِ السَّهْمِ مِنَ الرَمْيَةِ. وقَولُهُ: (وَتَتَمَارَى في الفُوقِ) [٦٩٤]، والفُوقُ: هُوَ الجُزْءُ الذي في طَرَفِ السَّهْمِ الذي يَجْعَلُهُ الرَّامِي في وَتَرِ القَوْسِ حِينَ يَرْمِي بالسَّهْمِ، والتَّمَارِي هُوَ الشَّكُّ، ومَعْنَى هذا أَنَّ الرَّامِي يَنْظُرُ في فُوْقِ السَّهْمِ هَلْ تَعَلَّقَ بهِ شَيءٌ مِنْ دَمِ الرَّمْيَةِ أَمْ لا، فَخُيِّلَ إليه أَنَّ فيهِ دَمٌ، ثُمَ شَكَّ في ذَلِكَ هَلْ هُو دَمٌ أَم لا، فَكَذَلِكَ أَهْلُ البدَعِ خَرَجُوا مِنَ الإسْلاَمِ بِبدَعِهِم التّي أَحْدَثُوهَا في الإسْلاَمِ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهم مِنَ الإسلَامِ إلَّا التَّمَارِي هَلْ هُوَ مِن أَهْلِه أَم لا؟. وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: وقَدْ يَكونُ في غَيْرِ أَهْلِ البَدَعِ مَنْ هُو أَشَرُّ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، لأَنَّ أَهْلَ البِدَعِ فَعَلُوا شَيْئاً بِتَأوِيلٍ تَأَوَلُوا أَنَّهُم على الحَقِّ، فَكَانَ حَالُهُم أَخَفَّ مِمَّن أتى الكَبَائِرَ مُجَاهَرَةً وَهُو عَالِمٌ أَنَّ اللهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَهَا ونَهَى عَنْهَا. وقالَ غَيْرُهُ: وذَلِكَ التَّمَارِي المَذْكُورِ في الحَدِيثِ هُو الذي أَبْقَى لأَهْلِ البِاَع نَصِيباً مِنَ الإسْلاَمِ في مَوَارِيثِهِم للمُسْلِمينَ ومُوَارَثَةِ المُسْلِمِينَ لَهُم، ولَا خِلاَفَ في هذَا، ولَوُ كَانُوا كُفَّارَاً جُمْلَةً وَاحِدَةً مَا وَرَثُوا مُسْلِماً ولَا وَرَثَهُم مُسْلِم، غيرَ أَنَّ أَهْلَ البدَعِ قَوْمٌ مَذْمُومُونَ مَهْجُرُونَ، لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِم، ولا يُنْكَحُ إليهِم، ولَا يُعَادُ مَرْضاهُم، ولَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُم إلَّا أَنْ يَضِيُعوا فَيُدْفَنُوا (١). [قالَ] (٢) سُحْنُونُ: أَدَباً لَهُم، لِمُخَالَفَتِهِم ما عليهِ أَهْلُ السُّنَّةِ، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ هَوَى مُضِلٍّ. ورَوَى ابنُ بُكَيْر عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بنِ أَسْلَمَ، أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارَ جَاءَ إلى عُمَرَ

стр. 225

بمُصْحَفٍ قَدْ تَشَرَّمَتْ حَوَاشِيهِ (١)، فقالَ لَهُ: يا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، في هذَا التَّوْرَاةُ أفَأَقْرَؤُهَا؟، فقَالَ عُمَرُ: (إنْ كنتَ تَعْلَمُ أَنّهَا التَّوْرَاةُ التي أنْزِلَتْ علَىِ مُوسَى يَوْمَ طُورِ سَيْنَاءَ، فَاقْرَاهَا باللَّيْلِ والنَّهَارِ) (٢)، وذَكَرَ القِصَّةَ إلى آخِرِهَا، ففِي هذَا مِنَ الفِقْهِ: أَنَ عُمَرَ كَرِهَ أَنْ يُقْرأَ مِنَ الكُتُبِ الأُوَلُ شَيءٌ إلَّا مَا صَحَّ أَنهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ﵎ لَمْ يُحَرَّفْ ولَمْ يُبَدَّلْ، وفيهِ: أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارَ قَدْ عَلِمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ قَدْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ، إذ لَمْ يُخْبرْ عُمَرَ بأن في ذَلِكَ المُصْحَفِ التَّوْرَاةَ المَنْزُولَةَ غَيْرَ المُبَدَّلَةِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا مَكَثَ ابنُ عُمَرَ في تَعْلِيمِه سُورَةَ البَقَرَةِ ثَمَانِي سِنِينَ يَتَعلَّمُهَا [٦٩٥] مِنْ أَجْلِ أَنَّهُم كَانُوا يَتَعلَّمُونَ مَا أُنْزِلَ مِنْ حُرُوفِ القُرْآنِ، ويَتَعَلَّمُونَ حَلاَلَهُ وحَرَامَهُ ونَاسِخَهُ ومَنْسُوخَهُ ومُحْكَمَهُ، فاذَا أَحْكَمُوا عِلْمَ ما تَعَلموا مِنْ ذَلِكَ انتقَلُوا إلى شَي؟ آخَرَ، لا كَمَنْ يَقْرَأَهُ ولَا يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ. * * *

стр. 226

بابُ سُجُودِ القُرْآنِ، إلى آخِرِ كِتَابِ الصلاةِ روَى [مَطَرُ] (١) الوَرَّاقُ عَنْ عِكْرَمةَ، عَن ابنِ عبَّاسٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ لمْ يَسْجُدْ في المُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ" (٢)، ولذَلِكَ ما قالَ مَالِكٌ: إنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ القُرآنِ إحْدَى عَشَرَةَ سَجْدَةٍ لَيْسَ في المُفَصَّلِ مِنْهَا شَيءٌ. ومَعْنَى العَزَائِمِ: هِي التّي عَزَمَ النَّاسُ على السُّجُودِ فِيها. * وحَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ الذي ذَكَرَ فيهِ: (أَنَّ النبيَّ ﷺ سَجَدَ في) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] [٦٩٧] يَحْتَمِلُ أَن يَكُونَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ تَحْوِيلِه مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، إذ لمْ يَحْكِ أَبو هُرَيْرةَ أَنَّهُ سَجَدهَا حِينَئِذٍ مَعَهُ، وهَذا مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ ابنُ عبَّاسٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ لمْ يَسْجُدْ في المُفَصَّلِ منذُ تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ". * والعَمَلُ في سُجُودِ القُرْآنِ على قَوْلِ عُمَرَ: (إنَّ اللهَ لَمْ يَكْتبهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ [٧٠١]، ولَيْسَ العَمَلُ على أنْ يَقْرأَهَا الإمَامُ في خُطْبَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ ثُمَّ يَسْجُدُ ويَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ، وإنَّمَا فَعَلَها عُمَرُ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أَعْلَمَهُم مَرَّةً أُخْرَى حينَ قَرَأَهَا أَنَّهُ لا سُجُودَ على الإمَامِ ولَا على المُسْتَمِعِينَ للخُطْبَةِ. ورَوَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ: (أنَّ عُمَرَ قَرَأَ

стр. 227

السَّجْدَةَ وَهُو يُصَلِّي علَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَنَزَلَ وسَجَدَ وسَجَدُوا مَعَهُ) (١). * ورَوَى يَحْيَى بنُ يَحْيىَ: (فَنَزَلَ، وسَجَدْنَا مَعَهُ) [٧٠١]، وهذِه الرِّوَايَةُ خَطَأٌ، لأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ فَسَجَدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ مَعَ عُمَرَ، لأنَّهُ لمْ يَكُنْ مَوْلُودَاً يَوْمِئذ,، وإنَّمَا وُلِدَ عُرْوَةُ في خِلاَفَةِ عُثْمَانَ، والصَّحِيحُ رِوَايةُ ابنِ بُكَيْرٍ: (وسَجَدُوا مَعَهُ). * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ عُمَرَ في سُورَةِ الحَجِّ: (أنَّها فُضِّلَتْ بسَجْدَتَيْنِ) [٦٩٨]، لمْ يَرْوِه عنهُ إلَّا رَجُل مَجْهُولٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ، ولَذِلِكَ قالَ مَالِكٌ: ليسَ في سُورَةِ الحَجِّ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَوَّلُهَا، وسَجَدَ ابنُ عُمَرَ في آخِرِهَا على سَبيلِ الإسْتِحْبَابِ [٦٩٩]، كَمَا أنَّهُ شَفَعَ وِتْرَهُ علَى سَبِيلِ الإسْتِحْبَابِ، وكَذَلِكَ حَكَى عَنْ نَفْسِهِ. * إنمَا قالَ مَالِكٌ: لا تُسْجَدُ السَّجْدَةُ بعدَ الصبْحِ ولَا بَعْدَ العَصْرِ [٧٠٤]، مِنْ أَجْلِ نَهْي النبيِّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وإنَّمَا هَذَا عندَ طُلُوع الشَّمْسِ، وبَعْدَ أَنْ تَصْفرَ بالعَشِي، وذلك أنَ ابنَ القَاسِمِ قالَ: يَسْجُدُ مَنْ قَرأَ السَّجْدَةَ بعدَ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَّرَ الشَمْسُ، وبعدَ الصَّبْحِ مَا لَمْ [تَطْلُعَ] (٢)، كَمَا قَدْ يُصَلى على الجِنَائِزِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ. وقالَ أَبو مُحَمَّد: وقَدْ يُصَلَّى الصُّبْحُ والعَصْرُ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَلِذَلِكَ يَسْجُدُ مَنْ قَرَأَهَا بعدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَشْرِقْ، ومِنَ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَّر الشَّمس. وروَى ابنُ بكَيْرٍ عَنْ مَالِلث: (أَنَّ عُمَرَ [بنَ عبدِ العَزِيزِ قالَ لِمُحَمَّدِ بنِ قَيْس القَاضِي: اخْرُجْ إلى النَّاسِ فَأْمُرهُمْ يَسْجُدوُنَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وهذَا] (٣) لَمْ

стр. 228

يَرْوهِ يَحْيىَ بنُ يَحْيىَ [عَنْ] (١) مَالِكٍ، [ويُحْمَل على الإسْتِحْبَابِ] (٢) مِنْ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ. * قالَ عِيسى: مَعْنَى قَوْلِ الرَّجُلِ الذي يَسْمَعُ رَجُلاً يَقْرأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويُرَدد قِرَاءَتَها ويَتَقَالَّهَا، يعنِي: أَنَّهُ كَانَ يَرَاهَا قَلِيلَةً قَصِيرَةً، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فقالَ ﷺ : "والَّذي نَفْسِي بِيَدِه إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ" [٧٠٨]. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: ذَكَرَ اللهُ ﵎ في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَحْدَانِيَتَهُ وصمَدَانِيَتَهُ، وأنَّهُ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ثُمَّ تَفَضلَ على قَارئها أَنْ أَعْطَاهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ مَا أَعْطَى لِمَنْ قَرأَ ثُلُثَ القُرآنِ. وقَالَ غَيْرُهُ: إنَّما هذَا مِنْ جِهَةِ فَضْلِ اللهِ على عِبَادِه، والقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ ﵎، وصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، لَيْسَ بِخَالِق ولَا مَخْلُوقٍ، ولَكِنَّهُ كَلاَمُ اللهِ الخَالِقِ. قالَ ابنُ عبَّاسٍ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] هِيَ: الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ (٣). وقالَ غَيْرُهُ: هِي لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وسُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، واللهُ أَكْبَرُ، ولَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا باللهِ (٤). * قالَ عِيسَى: لا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ في صَلَاةِ النَّافِلَةِ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ حَمْدَاً كَثيرَاً، طَيِّبَاً مُبَارَكَاً فِيه)، كَمَا ذَكَرَهُ رِفَاعَةُ بنُ رَافِعٍ [٧١٨]، ولَا يَقُولُ ذَلِكَ في الفَرِيضَةِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "وإذا قالَ سَمعَ اللهُ لِمَنْ

стр. 229

حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ" [٦٤٤]، ومَنْ قَالَ بِقَوْلِ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ لَمْ تَفْسُدْ بِذَلِكَ صَلاَتُهُ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ في دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنِ، وأَغنِنِي مِنَ الفَقْرِ، وأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي، وبَصَرِي، وقُؤَّبي في سبِيِلكَ" [٧٢١] فيهِ مِنَ الفِقْهِ: الحَضُّ علَى قَضَاءِ الدِّيُونِ، ورَدُّ الحُقُوقِ إلى أَرْبَابِهَا، والرَّغْبَةُ إلى اللهِ في المُعَافَاةِ مِنَ الفَقْرِ الذي يُوجِبُ الدَّيْنَ، ومَسْأَلة النَّاسِ، ومَنْ مَتَّعَهُ اللهُ ﵎ بِسَمْعِه، وبَصَرِه، وقُوتهِ ارْتَفَعَتْ عنهُ [مَئِنَّةُ] (١) مَنْ يُعَالِجُهُ، ومَنْ عُوفيَ فَشَكَر [كَانَ] (٢) أَقْرَبَ إلى السلاَمَةِ مِمَّن ابْتُلِيَ فَصَبَرَ. * قَوْلُهُ ﵇: "لِيَعْزِمْ أَحَدُكُمْ على المَسْأَلَةِ فإنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ" [٧٢٢] يعنِي: لِيَعْزِمُ الدَّاعِي على مَسْأَلةِ الرَّبِّ، فإنَّ اللهَ لا يُكْرِهُهُ أَحَدٌ على العَطِيّهَ، إنْ شَاءَ أَعْطَى، وإنْ شَاءَ مَنَعَ، والدُّعَاءُ منهُ مَا يُعَجَّلُ إجَابهُ، ومِنْهُ مَا يُدَّخَرُ لِصَاحِبهِ، ومِنْهُ لِيُكَفَّرُ عنهُ بهِ. * قَوْلُهُ ﷺ في دُعَائِهِ: "لَا أُحْصِي ثنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ على نَفْسِكَ" [٧٢٥] يَقُولُ: أَنا وإنْ أَجْهَدْتُ نَفْسِي في الثّناءِ عَلَيْكَ، والشُّكْرُ لَكَ على نِعَمِكَ، فلَا أُحْصِي نِعَمَكَ، ولا أُحِيطُ بِذَلِكَ، فأَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ على نَفْسِكَ. حَدِيثُ التَّنَزُّلِ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ الأئِمَّةُ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وسَلَّمُوهُ، ولَمْ يَطْعَنُوا فيهِ [٧٢٤]. وقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلهِ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ اسْتَوى، فأعْظَمَ المَسْأَلةَ في ذَلِكَ؟ وقَالَ: الإسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ نَحْنُ: التَّنَزُّلُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ مَجْهُولٌ. وقدْ سُئِلَ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ هذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: يَفْعَلُ اللهُ [مَا يَشَاءُ] وأَمِرُّوْهَا

стр. 230

كَمَا جَاءَتْ بلاَ كَيْفِيَّةٍ، يَعْنِي: أمْضُوا الأَحَادِيثَ على] (١) مَا جَاءَتْ، يَعْنِي مِثْلَ هَذَا الحَدِيثِ وشَبَهِه مِنَ الأَ [حَادِيثِ ..........] (٢) الحديث. * اسْتَحَبَّ العُلَمَاءُ قِيَامَ اَخِرِ اللَّيْلِ لِصَلاَةِ النَّافِلَةِ التِّي يُوَافِقَ في ذَلِكَ المُصَلِّي قَوْلَ اللهِ : "مَنْ يَدْعُوني فَاسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألنِي فَأعْطِيه، مَن يَسْتَغْفِرُني فأَغفِرُ لَهُ" (٣) [٧٢٤]. * قالَ الأَخْفَشُ: الإنَابَةُ الرُّجُوعُ مِنَ الشَّرِّ إلى الخَيْرِ خَاصَّةً، ولَا يَكُونُ الرُّجُوعُ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ إنَابَة، ذَلِكَ يُقَالُ فيهِ: الحَوْرَةُ، ذَلِكَ قَوْلُه: حَارَ بعدَ أَنْ كَانَ صَالِحاً [٧٢٨]. * قولُ ابنِ المُسَيَّبِ: "إنَّ الرجُلَ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِه" [٧٣٣] يعنِي: تُرْفَعَ مَنْزِلتَهُ في الآخِرَةِ بِدُعَاءِ وَلَدِه لَهُ بعدَ مَوْتهِ، وفِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ: "إنَّ الرَّجُلَ إذا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلَهُ إلَّا مِنْ ثَلاَث: وَلَدٍ صَالح يَدْعُو لَهُ، وعِلْمٍ يُنْشَرُ بَعْدَهُ، وصَدَقةٍ تَصَدَّقَ بها أَوقَعَها في سَبِيلِ اللهِ يَجْرِي عليهِ أجْرُهَا مَا دَامَتْ قَائِمَةً" (٤). قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] [٧٣٤]، قالَ عِيسى: الصَّلَاةُ هَهُنَا الدُّعَاءُ، يَقُولُ: مَنْ دَعَا اللهَ فَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ ولا يُخْفِيهِ، ولَيَكُنْ صَوْتُهُ بِدُعَائِهِ مُتَوسِّطَاً. قَوْلُ أَبي الدَّرْدَاءِ: "نَامَتِ العُيُونُ، وغارَتِ النُّجُومُ" [٧٣٩] يعني: نَامَتْ

стр. 231

وأَغْفِلَتِ العِبَادَةَ والذكْرَ، (وغَارَتِ النُّجُومُ) يعنِي: تَوَارتِ النُّجُومُ في مَغِيبِها، (وأَنْتَ الحَيُّ القَيُّومُ) يعني: القَائِمَ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبتْ. * قالَ أبو مُحَمَّدٍ: عبدُ اللهِ الصُّنَابِحِيُّ الذي حَدَّثَ مَالِكٌ بِحَدِيثهِ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ عبدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عندَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ" [٧٤١]، ليسَ هُوَ بِمَعْرُوفٍ في الصَّحَابةِ، وإنَّما المَعْرُوفُ في التَّابِعِينَ أَبو عبدِ اللهِ الصُّنَابِحِيُّ، واسْمُهُ: عبدُ الرَّحمنِ بنُ عُسَيْلَةَ، وأَمَّا عَبْدُ اللهِ الصنَابِحيُّ فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، ولَذِلَكِ لمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِحَدِيثهِ في النَّهِي عَنِ التَّنَفُّلِ عندَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، والثَّابِتُ في هذَا حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بعدَ الصُّبْحِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وعَنِ الصَّلَاةِ بعدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" [٧٤٥]. * قِيلَ لأَبي مُحَمَّدٍ: فقدْ تَنَفَّلَ النبيُّ ﷺ بعدَ العَصْرِ، فقالَ: هذَا خَاصٌّ لَهُ ﵇، وذَلِكَ أَنَّهُ نَهَانَا نَحْنُ عَنِ التَّنَفُّلِ بعدَ صَلَاةِ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وقدْ قالَ ﷺ : "إذا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيءٍ فَانتهُوا، وإذا أَمَرْتُكُم بِشَيءٍ فَاتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ" (١)، فَنَوَاهِيه ﷺ ألزَمُ مِنْ أَوَامِرِه، فَلَيْسَ لنَا أَنْ نَسْتَبِيحَ شَيْئَا مِمَّا قدْ نَهَانا عنهُ، وإنْ فَعَلَ هُوَ ذَلِكَ الشَّيءَ الذي نَهَانَا عَنْهُ، وقدْ كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ المُنْكَدِرَ على صَلَاةِ النَّافِلَةِ بعدَ العَصْرِ [٧٤٧]، وَهُو يَعْلَمُ أنَّ النبيَّ ﷺ قدْ كَانَ يَتَنَفَّلُ بعدَ العَصْرِ في بَيْتِهِ، وأنَّ هذَا لَهُ خَاصٌّ ﷺ ، فلمْ [يَمْنَعْهُ أَنْ يُنْزِلَهُ] (٢) في نَفْسِهِ ولا أَبَاحَهُ لِغَيْرِه. وقالَ بَعْضُهُم: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ والتَّنَفُّلِ [بَعْدَهَا] (٣) لِئَلَّا يُوَافِقَ المُصَلِّي عَبَدَةَ الشَّمْسِ الذينَ يُصَلُّونَ عندَ طُلُوعِهَا وعندَ غُرُوبِها، وهُمَا قَرْنَا الشَّيْطَانِ المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ.

стр. 232

قالَ أَبو المُطَرِّفِ: صُنَابِحُ فَخِذٌ مِنَ العَرَبِ يُقَال لَهُم: بَنُو صُنَابِح، وعبدُ اللهِ القَارِيُّ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قَارَّةَ، وَهُمْ فَخِذٌ مِنْ كِنَانَةَ، ونُعَيْمُ المُجْمِرُ رَجُلٌ كَانَ يُجْمِرُ مِنْبَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذا جَلَسَ عَلَيْهِ عُمَرُ للخُطْبَةِ يومَ الجُمُعَةِ، وتَمِيمُ الدَّارِيُّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الدَّارِ، وَهُمْ بَطْنٌ في لُخَمٍ، والرُّوَاةُ كُلُّهُم يَقُولُونَ: الدَّارِي، إلَّا يَحْيىَ بنَ يَحْيىَ، فإنَّهُ يَقُولُ: الدَّيرِي، نَسبَهُ إلى قَرْيَة مِنْ قُرَى الشَّامِ يُقَالُ لَهَا الدَيْرُ. قال أَبو مُحَمَّدٍ: الدَّليلُ على أَنَّ الإِمام لا يُصَلِّي بالنَّاسِ صَلاَةً ثُمَّ يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا بطَائِفَةٍ أُخْرَى مَا أَمَرَ اللهُ به مِنْ صَلَاةِ الخَوْفِ، وحَالَةُ الخَوْفِ كَانَتْ أوْلَى أنْ تُبِيحَ للإمَامِ أَنْ يُصَلي بِطَائِفَةٍ الصَّلَاةَ كُلَّهَا، ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِم تِلْكَ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا، فَلَمَّا مَنَعَ اللهُ مِنَ ذَلِكَ شدَّةَ الخَوْفِ وجَمَعَهَمُ على إمَامٍ وَاحِدٍ كَانَ المَنْعُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ ارْتفَاعِ الخَوْفِ أَشَدَّ، وهذِه حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ. * * * تَمَّ كِتَابُ الصَّلَاةِ الأَوَّلُ والثَّانِي، بحَمْدِ اللهِ وعَوْنهِ وتَأَيُّدِه ويُمْنِه، وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ وعلى آلهِ وصَحْبِه وأَزْوَاجِه وذُرَّيَتِهُ وسَلَّم تَسْلِيمَاَّ كًثيراً يتلوه في [الذي] (١) يليهِ على بَرَكَةِ اللهِ: كِتَابُ الزَّكَاةِ. * * *

стр. 233

الجُزْءُ الثَّانِي مِنْ تَفْسِيرِ المُوطَّأ، فيهِ الزَّكَاةُ، والصِّيَامُ، والاعْتِكَافُ، ولَيْلَةُ القَدْر، والجَنَائِزُ، والنُّذُورُ، والضَّحَايا، والعَقِيقَةُ، والصيْدُ، والذبَائِحُ، وكِتَابُ النكَاحَ، والطَّلاَقِ، والرَّضَاعِ، مِمَّا جَمَعَهُ أَبو المُطَرِّفِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَرْوَانَ القُنَازِعِيُّ، وبَوَّبَهُ على حَسَبِ تَبْوِيبِ يَحْيىَ بنِ يَحْيىَ للمُوطَّأ، وأَدْخَلَ فيهِ مَا أَخَذَهُ تَلَقِّيَا ومُشَاهَدَة مِنْ شُيُوخِهِ الذينَ دَرَسَ عَلَيْهِم المُوَطَّأ، وأَدْخَلَ فيهِ مَا رَوَاهُ ابنُ بُكَير في رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٌ علَى ما رَوَاهُ يحيىُ بنُ يَحْيىَ اللَّيْثِيّ.

стр. 234

بسم الله الرحمن الر حيم صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وصَحْبِه وسلَّمَ تَسْلِيمَا تَفْسِيرُ كِتَابِ الزَّكَاةِ * أَجْمَلَ اللهُ ﵎ ذِكْرَ الزكَاة في كِتَابهِ كَمَا أَجْمَلَ ذِكْرَ الصَّلَاةِ، فقالَ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، فَأتَى بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ على لِسَانِ نَبيّه ﷺ فقالَ: "لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ ذَوْد صَدَقَةٌ، ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَه أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" [٨٣٢] والذَّوْدُ: جَمَلٌ وَاحِدٌ، فَكَأَنَّهُ قالَ: ليسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ مِنَ الإبلِ صَدَقةٌ، والأُوقِيّهُ المَذْكُورَةُ هَهُنا: أَرْبَعُونَ دِرْهَما كَيْلا، فكَأَنَّهُ قالَ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ مِائتيْ دِرْهَم زَكَاةٌ، والخُمْسَةُ الأَوْسَقِ مَكِيلَةُ أَلْفِ مُدٍّ ومِائتيْ مُد بِمُدِّ النبيِّ ﷺ ، وذَلِكَ أَنَّ الوَسْقَ سِتُّونَ صَاعَاً، والصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَاد بِمُدِّه ﷺ . ولَا تَكُونُ الزَّكَاةِ إلَّا في المَاشِيَةِ، والعَيْنِ، والحَرْثِ، فالحَرْثُ: النَّخِيلُ والكُرُومُ، والحُبُوبُ: التِّي هِي أَقْوَاتٌ مُدَّخَرَةٌ. قالَ أَبو مُحَمَّد: وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أَنَّ في عِشْرِينَ مِثْقَالاً نِصفُ مِثْقَالٍ، ولَيْسَ يُوجَدُ في هذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ السَّنَدِ، كمَا يُوجَدُ في الوَرِقِ، فَصْرَفُ الدِّينَارَ في الزَّكَاةِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَيْلاً. قالَ مَالِكٌ: وتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِمَّا زَادَ على المِائتيْ دِرْهَمٍ وإنْ قَلَّتِ الزِّيَادَةُ، ويُؤْخَذُ مِمَّا زَادَ على العِشْرِينَ مِثْقَالاً وإنْ قَلَّتِ الزِّيَادَةِ. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: ولمْ يَثْبُتُ عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الخُضَرِ الزَّكَاةَ، ولَمْ

стр. 235

يَأْخُذْهَا الخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفَوَاكِهُ مَدْخَلَ الخُضَرِ أَنْ لَا زَكَاةٍ فِيها، وهذِه السُّنَّةُ. [قالَ أَبو المُطَرِّفِ] (١): تَجِبُ الزَّكَاةُ بالإسْلاَمِ، والحُرِيَّةِ، والحَوْلِ، والنِّصَابِ الذِي نَصَّ عليهِ النبيُّ ﷺ . * وقالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: كانَ أَبو بَكْرٍ يَأخُذُ مِنَ العَطَاءِ الذي يَدْفَعُهُ إلى صَاحِبهِ، قَدْرَ مَا وَجَبَ عليهِ مِنْ زَكَاةِ مَالهِ الذي قدْ حَالَ عَلَيْهِ فيهِ الحَوْلُ، ولا يَأْخُذُ مِنَ العَطَاءِ شَيْئا، لأَنَّهُ فَائِدَةٌ، ولَا زَكَاةَ في فَائِدَةِ العَيْنِ، وفَعَلَهُ أَيْضَاً عُمَرُ، وعُثْمَانُ [٨٣٧ و ٨٣٨]. * وقَوْلُ ابنِ شِهَابٍ: (أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبي سُفْيَانَ) [٨٤٠]، يعنِي: أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُزَكي الأَعْطِيَةَ بِعَيْنها على سَبِيلِ الإجْتِهَادِ، فيَأخُذُ مِنْهَا الزَّكَاةَ، وَهُو خِلاَفُ فِعْلِ أَبي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الأَعْطِيَةَ أَمْوَالاً مَوْقُوفَةً للذِينَ كَانُوا يُعْطُونَها، فإذا خَرَجَتْ لَهُم وقَبَضُوهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِم فِيها الزَّكَاةُ، كالدِّيُونِ إذا قُبِضَتْ بعدَ حَوْلٍ وَجَبَ فِيهَا الزَّكَاةُ، وقالَ بهذَا سُحْنُونُ (٢). وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَتِ العَطَايَا كالدِّيُونِ، لأنَّهَا رُبَّمَا خَرَجَتْ لأَصْحَابِها فيَأْخُذُونَها، ورُبمَا لمْ تَخْرُجْ لَهُم، والدَّينُ هُوَ خَارِجٌ أبَدَاً. ولَا زَكَاةَ في مَالٍ مُسْتَفَادٍ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ حتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ مِنْ يَوْمِ يُسْتَفَادُ. وسَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عمَّا رَوَاهُ عِكْرِمةُ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ أَنَّهُ قالَ: (فِي كُلِّ مَالٍ

стр. 236

مُسْتَفَاد الزَّكَاةُ) (١)، فقالَ: يَرُدُّ هذَا الحَدِيثَ إعْطَاءُ النبيِّ ﷺ لِعَمِّه العَبَّاسِ حِينَ سَأَلهُ أَنْ يُعْطِيهِ مِنَ المَالِ الذي أَفَاءَ اللهُ عليهِ، فأَعْطَاهُ مِنْهُ مَا قَوِيَ العبَّاسُ أَنْ يَسْتَغِلَّ به (٢)، ولمْ يَأخُذْ منهُ النبيُّ ﷺ زَكَاة، وقدْ قالَ علي، وابنُ عُمَرَ: (لَيْسَ في المَالِ المُسْتَفَادِ زَكَاةٌ حتَّى يَحُولَ عليهِ الحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اسْتُفِيدَ) (٣)، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ وعَنِ الخُلَفَاءِ بَعْدَهُ أنْ لا زَكَاةَ في مَالي مُسْتَفَادٍ إلَّا بعدَ حُلُولِ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ اسْتُفِيدَ. * قَوْلُ مَالِكٍ: (ليسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَارَاً عَيْنَاً زَكَاةٌ) [٨٤٢]، وذَكَرَ ابنُ سَلاَمٍ عَنِ الخَلِيلِ بنِ مُرَّةَ، عَنْ يَحْمىَ بنِ أَبي كَثِيرٍ، عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "الدِّينَارُ أَرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيرَاطَاً" (٤). [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: القِيرَاطُ وَزْنُ ثَلاَثِ حُبُوب مِنْ شَعِيرٍ، فَجَمِيعُهَا اثْنَانُ وسَبْعُونَ حَبَّة، ووَزْنُ جَمِيعِها دِرْهَمَانِ مِنْ وَزْنِ قُرْطُبةَ، فإذا كَانَ مِنْ هذَا الوَزْنِ عِشْرُونَ مِثْقَالاً وَجَبَتْ فيهِ الزَّكَاةُ. * قالَ مَالِكٌ: (ولَيْسَ فِيمَا دُونَ مِائتيْ دِرْهَمٍ كيْلاً زَكَاة) [٨٤٢]. قالَ عِيسَى: إذا كَانَتْ تَنْقُصُ نُقْصَاناً يَسِيرَاً في المِيزَانِ وَهِي تَجْرِي بِجَوَازِ الوَازِنَةِ عَدَداً ووَزَنا فَفِيهَا الزكَاةُ، خَمْسَةُ دَرَاهِمَ كَيْلاً، وذَلِكَ رُبع عُشْرِهَا. [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وَوَزْنُ الذَرْهَمِ الكَيْلِ: دِرْهَمٌ وخُمْسَانِ بِوَزْنِ قُرْطُبَةَ، فَجَمِيعُهَا مَائتانِ وثَمَانُونَ دِرْهَمَاً.

стр. 237

قالَ مَالِكٌ: ولَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الذَّهَبِ فِضَّة، وعَنِ الفِضةِ ذَهَباً، بِحِسَابِ الصَّرْفِ يَوْمَ يُخْرِجُ زَكَاتُهُ، قَل الصَّرْفُ أَو كَثُرَ. ومَعْنَى إخْرَاجِهِ عَنِ الذهَبِ دَرَاهِمَ لِكَي يَنَالَ مِنْ زَكَاتِه جَمَاعَةٌ مِنَ الفُقَرَاءِ، وأَما إخْرَاجُهُ عَنِ الفِضَّةِ ذَهَباً فَلَا وَجْهَ لَهُ، إلأ أَنْ يَكُونَ المَالُ كَثِيرَاً، فَيُعْطَى لِكُلِّ مِسْكِينٍ مِثْقَالٌ. * قَوْلُ مَالِكٍ في الشُرَكَاءِ في العَيْنِ مِنَ الدَّهَبِ أَو الوَرِقِ أَنهُ لَا زَكَاةَ على مَنْ لَمْ تَكُنْ في حِصتِه مِنْهُم مَا تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ المَسْأَلةِ: (وهذَا أَحَب مَا سَمِعْتُ إليَّ) [٨٤٧]، إنَّمَا قَالَهُ مَالِكٌ رَداً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: يُزَكَّى على الشُّرَكَاء وإنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ الزَّكَاةِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم مَا تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، وفي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، وهذِه قَوْلَةٌ شَاذَّة ليسَ عليهَا العَمَلُ. وإذا كَانَ لِرَجُل أَمْوال مُودَعَةٍ عندَ رِجَال فإنَّهُ يُحْصِيهَا وَيضُمها إلى مَا بِيَدِه مِنَ النَّاضِّ ويُزَكّي جَمِيعَها (١)، بِخِلاَفِ الدّيُونِ التَي لا تُزَكَّى حتَّى تُقْبَضَ. * * *

стр. 238

بابُ زَكَاةِ المَعَادِنِ، والحُلِي، وأَمْوَالِ اليَتَامَى، والدُّيُونِ، وزَكَاةِ المُدِيرِ (١) * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَقْطَعَ النبيُّ ﷺ بلاَلَ بنَ الحَارثِ المُزَنِيَّ مَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ (٢)، وَهِي بأَرْضِ مُزَيْنَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الفُرُعِ، وَهِي أَرْضٌ مُتَمَلَّكَة بَيْنَهَا وبينَ المَدِينَةِ أَرْبَعُونَ مِيلاً [٨٥١]، فَفِي هذَا تَقْوِيةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ: أنَّ أَمْرَ المَعَادِنِ إلى الإمَامٍ، وإنْ ظَهَرَتْ في أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ، يَقْطَعُهُا لِمَنْ يَرَاهُ أَهْلاً لِذَلِكَ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهَا الزَّكاةَ إذا بَلَغَ ذَلِكَ مَا فِيهِ الزَّكاة. قالَ مَالِكٌ: ولَمَّا كَانَ مَا يَخْرُجُ مِنَ المَعَادِنِ يَعْتَمِلُ ويَنْبُتُ كَنَباتِ الزَّرْعِ كَانَ مِثْلَ الزَّرْعِ، وفِي تَعْجِيلِ زَكَاتِهِ يُؤْخَذُ منهُ، وهذَا قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ. وقالَ أَهْلُ الكُوفَةِ: إنَّ في المَعَادِنِ الخُمُسَ على مَنْ أَصَابَهَا (٣). قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "المَعْدَنُ جُبَارٌ، وفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ" (٤)، فَالرِّكَازُ غَيْرُ المَعْدَنِ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُ المَعْدَنِ كَحُكْمِ الرِّكَازِ

стр. 239

لَقَالَ ﷺ : فِيهِما الخُمُسُ، وقدْ أَقْطَعَ النبيُّ ﷺ المَعَادِنَ وأَخَذَ مِنْها الزَّكَاةَ ولمْ يَأْخُذْ مِنْهَا الخُمُسَ. [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وغَيْرُ رِوَايةِ يحيى: (العَجْمَاءُ جُبَارٌ، والمَعْدَنُ جُبَارٌ، وفى الرِّكَازِ الخُمُسُ) (١). قالَ عيسى: العَجْمَاءُ جَمِيعُ البَهَائِمِ، يَقُولُ: جِنَايَتُهَا جُبَارٌ، لَا دِيَةَ لِمَنْ جَنَتْ عَلَيْهِ إذا لم يَكُنْ ذَلِكَ سَبَبَ قَائِدٍ، أَو سَائِقٍ، أو رَاكِبٍ. وقَولُه: (وَالمَعْدَنُ جُبَارٌ) يعَنِي: لا دِيَةَ لِمَنْ مَاتَ في حَفْرِ المَعْدَنِ إذا انْهَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. والرِّكَازُ هُو: دَفِينُ الجَاهِليَّةِ مِنَ الذَّهَبِ أوالفِضَّةِ، ومنهُ يُقَالُ: أَرْكَزَتُ الشَّيءَ في الأَرْضِ، إذا وَضَعْتُهُ فِيهَا. قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ وَجَدَ رِكَازَاً بأَرْضٍ العَرَبِ وَفَيَافِي الأَرْضِ فَهُو لَهُ، وعَلَيْهِ فيهِ الخُمُسُ قَلِيلاً كَانَ أَو كَثيراً، ومَا وُجِدَ منهُ بأَرْضِ الصُّلْحِ فَهُو لأَهْلِ تِلْكَ الأَرْضِ، ومَا وُجِدَ مِنْهُ بأَرْضِ العَنْوَةِ فَهُو للذِينَ افْتَتَحُوهَا. وقالَ غَيْرُهُ: مَنْ وَجَدَ رِكَازَاً بأَرْضِ العَنْوَةِ فَهُوَ لَهُ، وعَلَيْهِ فيهِ الخُمُسُ، يَدْفَعُهُ إلى الإمَامِ. قالَ عِيسى: اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٍ في الثِّيَابِ والمِسْكِ والعَنْبَرِ يُوجَدُ ذَلِكَ في قُبُورِ الأَوَّلِينَ، فَمَرَّةً قالَ: إنَّ في ذَلِكَ كُلِّه الخُمُسَ، ومَرَّةً قالَ: ليسَ فيهِ الخُمُسُ. قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: أَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الخُمُسُ، لأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ الفَيءِ والغَنِيمَةِ.

стр. 240

قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ يُحْتَجُّ في إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ بِمِثْلِ قَوْلِ عَائِشَةَ: (أَنَّهُ لا زَكَاةَ فيه) (١)، وذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ صَاحِبَةُ حُلِيٍّ، ولَمْ يُحْفَظْ عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِزَكَاتهِ، وبهذَا قالَ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ، وأنسُ بنُ مَالِكٍ، وجَابِرُ بنُ عبدِ الله وغُيْرُهم مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ولَمْ يَكُنْ في اللُّؤْلُؤِ، ولَا المِسْكِ، ولَا العَنْبَرِ زَكَاةٌ، لأَنَّ ذَلِكَ ليسَ بِعَيْنٍ، وإنَّمَا هُوَ عَرَضٌ، وقَالَ ابنُ عبَّاس: (لَيْسَ في العَنْبرِ زَكَاةٌ، لأنَّهُ شَيءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ) (٢)، يعنِي: رَمَى بهِ البَحْرُ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَوْجَبَ عُمَرُ، وعَلَيٌّ، وعَائِشَةُ وغَيْرُهُم الزَّكَاةَ في أَمْوَالِ اليَتَامَى مِنْ أَجْلِ أَنَّ الزَّكَاةَ في الأَمْوَالِ لَا علَى الأَبْدَانِ، لِقَوْلهِ تعالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] يعنِي: الزَّكَاةَ، وقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ علَى أنَ على اليَتَامَى زَكَاةَ الفِطْرِ، فَكَذَلِكَ تَجِبُ عَلَيْهِم زَكَاةُ الأَمْوَالِ، وقالَ عُمَرُ: (اتَّجِرُوا بأَمْوَالِ اليَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزكَاة) [٨٦٣]. قالىَ عِيسَى: تَفْسِيرُهُ أَنْ يَتَّجِرَ وَلِيُّ اليَتِيمِ بِمَالهِ، وتَكُونَ زَكَاتُهُ مِنْ رِبْحِه، ويَجُوزُ للوَليِّ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ اليَتِيمِ قِرَاضَاً إلى أَهْلِ الأمَانَةِ والثِّقَةِ، ولَا ضَمَانَ عليهِ إنْ تَلِفَ المَالُ، فإنْ دَفَعَهُ إلى غَيْرِ ثِقَةٍ وتَلِفَ المَالُ ضَمِنَهُ الوَليُّ لِتَعَدِّيهِ. * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ مَالِكٍ: (إذا هَلَكَ الرَّجُلُ ولمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالهِ أَنّهَا تُبَدَّاَ على الوَصَايَا، وأنَّهَا بمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ) [٨٦٩]، يُرِيدُ مَالِكٌ بهذَا القَوْلِ: أَنَّهُ لمَّا كَانَ الدَّيْنُ مُبَدَّاَ على المِيرَاثِ كَذَلِكَ تَكُونُ الزَّكَاةُ المُفَرَّطُ فِيها مُبَدَّاَةٌ في الثُّلُثِ على جَمِيعِ الوَصَايَا، وإنَّمَا هذَا إذا أَوْصَى بِها المَيِّتُ أَنْ تُخْرَجَ، وقَدْ يُبَدَّاَ عَلَيْهَا المُدَبَّرُ في الصِّحَةِ (٣)، وإنَّما بُدِّأ المُدَبَّرُ على الزَّكَاةِ مِنْ أَجْلِ أَنَ مَنْ دَبَّرَ عَبْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ

стр. 241

سَبِيلٌ في أَنْ يَرْجِعَ في تَدْبِيرِه إيَّاهُ، وقَدْ يَرْجِعُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلهِ في زَكَاةِ مَالِهِ، فَيَقُولُ: إنَّي قَدْ أَدَّيْتُهَا فتَسْقُطُ عَنْهُ، وقَدْ يُبَدَّاَ أَيْضَاً عَلَيْهَا صُدَاقُ المَرِيضِ لأَنَّهُ كالجِنَايَةِ، فَلِذَلِكَ بُدِّأَ في الثُّلُثِ على الزَّكَاةِ المُوصَى بِها. * قالَ أَبو عُمَرَ: تَرْجَمَ مَالِكٌ في المُوطَّأ (بَابَ الزَّكَاةِ في الدَّيْنِ) [٨٧٢] علَى مَعْنَى: أَنَّ الدَّيْنَ يُرَدُّ إلى صَاحِبهِ، فَيُزَكِّيهِ إذا قَبَضَهُ إنْ كَانَ قَدْ حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ مِنْ يَوْمِ دَايَنَ بهِ. * قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: أَسْقَطَ الصَّحَابَةُ الزَّكَاةَ مِنَ الدِّيُونِ إذ لَيْسَتْ في مِلْكِ مَنْ هِي لَهُ، وإذ لَيْسَتْ مِلْكًا لِمَنْ هِي عليهِ، ولِهَذا كَانَ يَخْطُبُ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ فَيَقُولُ: (هذَا شَهْرُ زَكَاتِكُم، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دينٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ) [٨٧٣]، يَعْنِي: كَي يَقْبِضَهُ صَاحِبُهُ فَيُزَكِيِّه. * قالَ الزُّهْرِيُّ: (كَانَ يَخْطُبُ بهَذا عُثْمَانُ في شَهْرِ رَمَضَانَ) (١)، فَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: لَا زَكَاةَ في دَيْنٍ قَبْلَ قَبْضِهِ. * المَالُ الضِّمَارُ: هُوَ المَالُ المُغَيَّبُ عَنْ صَاحِبهِ (٢)، وَكَتَبَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ المَالِ الذي غُيِّبَ عَنْ أَصْحَابِهِ سِنِينَ زَكَاةَ تِلْكَ السِّنِينَ إذا صُرِفَ إليهم، ثُمَّ عَقَّبَ بعدَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ آخَرَ: أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ إلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، فإنَّهُ كَانَ ضِمَارَاً [٨٧٤]، يعنِي: أَنَّهُ كَانَ مُغَيَّبًا عَنْ أَصْحَابِهِ في غَيْرِ مِلْكِهِم. فَفِي هذَا مِنَ الفِقْهِ: أنَّ يَتَعَقَّبَ المُفْتِي مَا أَفْتَى بهِ بمَا يَرَاهُ أَصْلَحَ في المَعْنَى مِمَّا فِيه أَوَّلاً، وإنَّمَا يَصِحُّ بهذَا للمُسْتَعْجِزِ في العِلْمِ المُسْتَنْبِطِ منهُ. * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ فِيمَنْ لَهُ مَالٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ [٨٧٥] إنَّما هَذا إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بهِ أَصْلٌ أو عَرَضٌ، فهَذا لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ،

стр. 242

لأَنَّ المَالَ الذي بِيَدِه الدَّيْنُ أَوْلَى به، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عليهِ زَكَاتُهُ، وأَمَّا إذا كَانَ لَهُ أَصْلٌ أو عَرَضٌ، فإنَّهُ يُجْعَلُ دَيْنُهُ فيهِ، ويُزَكَّى المَالُ الذي بِيَدِه. * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ في العُرُوضِ المُقْتَنَاةِ إذا لم تَكُنْ لِلْتِجَارَةِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَيْسَ على المُسْلِمِ في عَبْدِه، ولا فِي فَرَسهِ صَدَقَةٌ" (١)، فَإذا كَانَتِ العُرُوضُ للصَّدَقَةِ زُكِّيَ ثَمَنُهَا إذا بِيعَتْ بعدَ حَوْلٍ فَأَكْثرَ مِنْ يَوْمِ اشْتُرِيتْ. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: لَمَّا جَعَلَ اللهُ زَكَاةَ الأَمْوَالِ مِنْهَا، لَمْ تَجِبْ زَكُاةُ دَيْنٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، ولَا في عَرَضٍ قَبْلَ بَيْعِهِ، فَمَتَى قُبضَ الدَّيْنُ أَو بِيعَ العَرَضُ زُكِّي ذَلِكَ لِعَامٍ وَاحِدٍ، وإنْ مَرَّتْ لَهُ أَعْوَامٌ، وهذَا في غَيْرِ المُدِيرِ، وأَمَّا المُدِيرُ فَيُقَوِّمُ عُرُوضُهُ التّي للتِجَارَةِ ويُزَكَّى دَيْنَهُ عندَ حُلُولهِ، وبهذَا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ. * قالَ عِيسَى: قَوْلُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ في كِتَابهِ إلى زُرَيقِ بنِ حَيَّانَ (٢): (أَنْ خُذْ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمينَ، مِنْ كِلِّ أَرْبَعِينَ مِثْقَالًا مِثْقَالًا إلى أنْ تَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَخُذْ مِنْهَا نِصْفَ مِثْقَالٍ) [٨٨٠]، يعنِي: خُذْ مِمَّا أَقَرُّوا أَنْ [تَكُونَ] (٣) الزَّكَاةُ عَلَيْهِم فيهِ وَاجِبَةً، وذَلِكَ أنَّها مَوْكُولَةٌ إلى أَمَانَةَ المُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ أَحَدٌ في قَوْلهِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: لَمْ يَحِل عليَّ زَكَاةٌ بعدُ بِوَجْهٍ [يدَّعِيه] (٤)، فَيَحْلِفُ على ذَلِكَ إنْ كَانَ مُتَّهَمَا ويُتْرَكُ. قالَ: وَلَيْسَ العَمَلُ على قَوْلهِ: (فَإنْ نَقَصَتْ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارَاً ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا، ومَا نَقَصَتْ مِمَّا لا يُخْتَلفُ فيهِ المَوَازِينُ فَلَا زَكَاةَ فيه).

стр. 243

قالَ عِيسَى: وكَذَلِكَ لَيْسَ العَمَلُ على قَوْلهِ فِي أَهْلِ الذّمَّةِ: (أَنْ (١) يُؤْخَذَ مِنْهُم مَرَّةً وَاحِدَةً في العَامِ نِصْفُ العُشْرِ، [ويُكْتُبُ] (٢) في ذَلِكَ برَاءاتٌ إلى رَأسِ الحَوْلِ). قالَ: وُيرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذا الكِتَابِ، وأَمَرَ بِوَضْعِ المَكْسِ (٣)، وقَالَ: (لَيْسَ بالمَكْسِ، ولَكِنَّهُ البَخْسُ، قَالَ اللهُ: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]، ومَنْ أتاكَ بِزَكَاةِ مَالِه فَاقْبَلْهَا، ومَنْ مَنَعَهَا فَاللهُ حَسْبُهُ) (٤). قالَ عِيسَى: وَقَدْ أَخْبَرَني ابنُ القَاسِمِ وابنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أنَّهُ قالَ: يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ العُشْرُ مِرَارَاً في السَّنَةِ كُلّها إذا اتَّجَرُوا في غَيْرِ بِلاَدِهم، كَانَ المَالُ قَلِيلاً أَو كَثيرَاً، ولَا يُكْتَبُ مِنْهُم بَرَاءَةٌ إلى السَّنَةِ المُقْبلَةِ، ولا يُؤْخَذُ مِنْهُم شَيءٌ حتَّى يَبِيعُوا سِلْعَتَهُم (٥). قالَ مَالِكٌ: ولَو أَرَادُوا الإنْصِرَافَ بهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُم إذا كَسَدتْ أَسْوَاقُهَا وَهُم مُخَالِفُونَ للعَدُوِّ، يَنْزِلُونَ بِلاَدَ المُسْلِمينَ بِصلْحٍ ومَعَهُم التِجَارَةُ، فَهُؤلاَءِ بَاعُوا أَو لَمْ يَبِيعُوا يُؤْخَذُ مِنْهُم مَا صُولحُوا عَلَيْهِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذّمَّةِ العُشْرُ إذا اخْتَلَفُوا بِتِجَارَةٍ إلى غَيْرِ بِلاَدِهِم، لأَنَّهُم لَمْ يُقَرُّوا على الجِزْيَةِ لِيَتَصَرُّفوا في بِلاَدِ المُسْلِمينَ، وإذ بالإمَامِ

стр. 244

حَاجَةٌ إلى مَصْلَحَةِ الطُرِقِ، وتَأْمِينِ السُّبُلِ، ولَا يَقُومُ هذَا إلَّا بِمَنْ يَتَولَّاهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَأْخُذُونَ الرِّزْقَ مِنَ الإمَامِ، فَلِهَذَا أُخِذَ مِنْهُم في تِجَارَتهِم في غَيْرِ بِلاَدِهِم العُشْرُ. قَوْلُ مَالِلث: (مَن اشْتَرَى حِنْطَةً أَو تَمْراً للتِجَارةِ، ثُمَّ أَمْسَكَ ذَلِكَ حَوْلًا، ثُمَّ بَاعَهُ بِما تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، زَكَّى بِثَمَنِه حينَ يَقْبِضُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِثْلُ الحَصَادِ، يَحْصُدُه الرَّجُلُ مِنْ أَرْضِهِ، ولَا مِثْلُ مَا يَجِدُّهُ مِنْ نَخْلِهِ)، يُرِيدُ مَالِكٌ: أَنَّ هذَا إذا بَاعَهُ بعدَ أَنْ أَمْسَكَهُ زَمَانًا أَنَّهُ يُسْتَقْبَلُ بِثَمِنِ مَا بَاعَ مِنْهُ الحَوْلَ، إلَّا أَنْ يَكْتَرِي أَرْضاً للتِجَارَةِ، وَيزْرَعَ فِيها للتِجَارَةِ، فَهَذا يُخْرِجُ مِنْهُ زَكَاةُ الحَبِّ يومَ حَصَادِه، كَمَا يُخْرِجُها الذي يَزْرَعُ في أَرْضِهِ، ثُمَّ إذا بَاعَ ذَلِكَ التَّاجِرُ بعدَ حَوْلٍ أو أَحْوَالٍ مِنْ يَوْمِ زَكَّى أَوَّلاً زَكَاةَ ثَمَنِهُ إذا قَبَضَهُ، زَكَاةً وَاحِدةً إذا كَانَ في مِثْلِه عَدَدُ الزَّكَاةِ. قَالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵀ أَنْ يُقَوِّمَ المُدِيرُ عُرُوضَهُ وَقْتَ زَكَاتِه، وُيزَكِّي قِيمَتَهُ مَعَ مَا بِيَدِه مِنَ العَيْنِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: أَهْلُ الإدَارَةِ مِثْلُ البَزَّازِين، والقَصَّارِينَ، وأَصْحَابِ الحَوَانِيتِ، فَهُؤلاَءِ يَجْعَلُونَ لأَنْفُسِهِم شَهْراً مِنَ السَّنَةِ يُزَكُّونَ فِيهِ نَاضَّهُم، ويُقَوِّمُونَ عُرُوضَهُم، فَيوكُّوَنَ قِيمَتَها، ويَحْسَبُونَ دِيُونَهُم التِّي في مَلاَءٍ وَبقَةٍ، ويُخْرِجُونَ زَكَاتَها في كُلِّ عَامٍ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وإذا كَانَ الرَّجُلُ يَبِيعُ العَرَضَ بالعَرَضِ، ولَا يَبِيعُ بِشَيءٍ مِنَ العَيْنِ، فإنَّهُ لَا يُزَكّي أَبَداً حتَّى يُنَضَّ بِيَدِه بَعْدَ الحَوْلِ دِينَارٌ أَو دِرْهَمٌ، فإذا نَضَّ لَهُ ذَلِكَ قَوَّمَ عُرُوضَهُ، وزَكَّى عَنِ الجَمِيعِ. وقالَ أَشْهَبُ: لَا تَقْوِيمَ عَلَيْهِ وإنْ مَضَتْ لَهُ أَحْوَالٌ، حتَّى يَمْضِي لَهُ حَوْلٌ مُسْتَقْبَلٌ منذُ بَاعَ بِشَيءٍ مِنَ العَيْنِ، لأنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الوَقْتِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الإدَارَةِ، فإذا مَضَى لَهُ حَوْلٌ مِنْ وَقْتِ بَيْعِه بِشَيءٍ مِنَ العَيْنِ قَوَّمَ عُرُوضَهُ وزَكَّاهَا مَعَ مَا بِيَدِه مِنَ العَيْنِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَعْنَى قَوْلِ أَشْهَبَ هذا هُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَدْ وَرِثَ عُرُوضَاً،

стр. 245

أَو وُهِبتْ لَهُ، ثُمَّ أَدَارَ تِلْكَ العُرُوضَ في عُرُوضٍ عَامًا بعدَ عَامٍ، ثُمَّ بَاعَ مِنْهَا بِعَيْنٍ رَاعَى مَجِيءَ الحَوْلِ، فإِذا حَالَ الحَوْلُ عليهِ مِنْ يَوْمِ بَاعَ بالعَيْنِ قَوَّمَ عُرُوضَهُ، وزَكَّى قِيمَتَها مَعَ مَا بَاعَ بهِ مِنَ العَيْنِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: ومَعْنَى قَوْلِ ابنِ القَاسِمٍ هُوَ أَنَّ أَصْلَ مَالِهِ كَانَ عَيْنَاً، ثُمَّ أَدَارَهُ في عُرُوضٍ، فإذا بَاعَ مِنْهَا ولَو بِدِرْهَمٍ فَمَا فوْقَهُ بَعْدَ الحَوْلِ، وَجَبَ عليهِ التَّقْوِيمُ والزَّكَاةُ، فَقُولُ أَشْهَبَ، وابنِ القَاسِمِ فِي صَفْقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. قَوْلُ أَبي هُرَيْرَةَ: "مَنْ مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ أَقْرَعُ" [٨٨٧] يعنِي: صُوِّرَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُعْبَانًا أَقْرَعَ، قَدْ تَجَمَّعَ السُّمُّ في رَأْسِهِ، حتَّى تَسَاقَطَ شَعْرُهُ، فَصَارَ أَقْرَعَ. (لَهُ زَبيبَتَانِ) يعنِي: لَهُ رَغْوَةٌ في شِدْقَيْهِ مِنْ زَبَدِه مِنْ كِلْتَا النَّاحِيَتَيْنِ، شَبْهَهَمُا بالزَّبِيَبَتِيْنِ فَي انْتِفَاخِهِمَا، يُسَلَّطُ على الذي مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ، فَيُعَدْ بهِ في النارِ لِمَنْعِهِ إيَّاهَا, قالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ يعنِي: ولَا يُزَكُّونَها، إلى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].

стр. 246

فِي زَكَاةِ المَاشِيةِ، ومَا يُعْتَدُّ بهِ مِنَ السَّخْلِ فِي الزَّكَاةِ * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: الكِتَابُ الذي قَرَأَهُ مَالِكٌ في أَخْذِ الصَّدَقَةِ - وَهُوَ نُسْخَةُ الكِتَابِ الذي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لعُمَّالِهِ- ذَكَرَهُ أَبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ قالَ: (كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابَ الصَّدَقةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ إلى عُمَّالِهِ حتَّى قُبِضَ، فَقَرنه بِسَيْفِه (١)، فَعِمَلَ بهِ أَبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، والخُلَفَاءُ) (٢)، وهذَا حَدِيثٌ مُسْنِدٌ، ولَمْ يُسْنِدْهُ مَالِكٌ في المُوَطَّأ، وإنَّمَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا [٨٨٩]. قالَ عِيسَى: النِّصَابُ المُزَكَّى مِنَ المَاشِيَةِ في الغَنَمِ: أَرْبَعُونَ فَصَاعِدَاً، ومِنَ الإبلِ: خَمْسَا فَصَاعِدًا، ومِنَ البَقْرِ: ثَلاَثُونَ فَصَاعِدًا، فهذَا الأَصْلُ في زَكَاةِ المَاشِيَةِ، والسَّائِمَةُ: هِيَ الرَّاعِيةُ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] يعنِي: فيهِ تَرْعُونَ. قالَ ابنُ حَبيبٍ: الجِذْعُ مِنَ الضَّأْنِ: هُوَ ابنُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ابنُ عَشَرَةٍ أَشْهُرٍ، وقِيلَ: ابْنُ ثَمَاَنِيةِ أَشْهُرٍ، والثَّنِيُّ مِنَ الضَّأْنِ: مَا أَوْفَى سِتَّة ودَخَلَ في الثَّانِيَةِ، والتَّبِيعُ مِنَ البَقَرِ: هُوَ ابنُ سَنتَيْنِ قَدْ فُطِمَ عَنْ أُمِّه، والمُسِنَّةُ مِنَ البَقَرِ: بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ، وبِنْتُ مَخَاضٍ مِنَ الإبلِ: بِنْتُ سَنتَيْنِ، وذَلِكَ أَنَّ أُمَّهَا في حَدِّ المَخَاضِ، وَهُوَ الحَمْلُ، وبِنْتُ لَبُونٍ: بِنْتُ ثَلاَثِ سِنِينَ، وذَلِكَ أنَّ أُمَّهَا [صَارَ لَهَا

стр. 247

لَبَنٌ] (١) بِلَبنِ أُخْرَى قَدْ وَضَعَتْهَا بَعْدَها، فَلَذَلِكَ قِيلَ لَهَا بِنْتُ لَبُونٍ، والحِقَّةُ: بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ، تَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا الحَمْلُ، وأنْ يَطْرِقَهَا العِجْلُ، والجَذَعَةُ: بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ، والمُسِنَّةُ: بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ. * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: ذَكَرَ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بنِ قَيْسٍ، عَنْ طَاوُوسٍ: (أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ أَخَذَ مِنْ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبيعَاً، ومنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَة مُسِنَّةً) [٨٩١]، أَرْسَلَ مَالِكٌ هذَا الحَدِيثَ في المُوطَّأ، ورَوَاهُ أَبو دَاوُدَ، عَنْ عُثْمَانَ بنِ أَبي شَيْبَةَ، قالَ: حدَّثنا أَبو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: (أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إلى اليَمَنِ أَمَرُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ البَقَرِ) (٢)، وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ. قَوْلُ مَالِكٍ: (يُجْمَعُ على الرَّجُلِ زَكَاةُ غَنَمِهِ، وإنِ افْتَرَقَتْ مَوَاضِعُهَا)، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ من أَجْلِ أَنَّ المُلْكَ وَاحِدٌ، فَلِذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاتُها كُلُّها في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: أَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ على أَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَفَادَ مَاشِيَةً فَأَضَافَها إلى مَاشِيَةٍ عِنْدَهُ تَجِبُ في الأَوْلاَدِ الزَّكَاةُ، أَنَّهُ يُزَكِّي ما اسْتَفَادَ مِنَ المَاشِيَةِ عندَ حُلُولِ حَوْلِ مَاشِيَتِهِ الأُولَى، وإن لم تَسْتَفِدْ المَاشِيةُ الثَّانِيةُ إلَّا قبلَ حُلُولِ حَوْلِ الأُولَى بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، وحُجَّتُهُم في ذَلِكَ: أَنَّ النَّاسَ أَقَامُوا زَمَنَ الفِتْنَةِ خَمْسَ سِنِينَ لا سُعَاةَ لَهُم (٣)، ثُمَّ اسْتَقَامَ أَمْرُ النَّاسِ، وخَرَجَ السُّعَاةُ فَأَخَذُوا زَكَوَاتِ المَوَاشِي مِنَ النَّاسِ عَنْ تِلْكَ السَّنِينِ، ولمْ يَسْألوهُم عَنْ فَائِدَةٍ ولَا غَيْرِها، فَصَارَ ذَلِكَ سُنَةً مُتَّبَعَةً.

стр. 248

وأَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ على أَنَّ فَائِدَةَ المَوَاشِي إذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ نِصَابٍ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِجَمِيعِها الحَوْلَ مِنْ يَوْمِ الإسْتِفَادَةِ، وإنْ كَانَتِ المُسْتَفَادَةُ مَائِينَ. * قالَ مَالِكٌ: (وَإذا كَانَتْ لِرَجُلٍ إبلٌ وبَقَرٌ وغَنَمٌ يَجِبُ في كُلِّ صِنْفٍ مِنْها الزَّكاةُ، ثُمَّ أفَادَ بَعِيرَاً أو بَقَرَة أو شَاةً صَدَّقَها مَعَ مَاشيتَه حِينَ يُصَدِّقُ مَاشِيَتَهُ) [٨٩٦]. [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الرَّجُلِ أَرْبَعَة وعِشْرُونَ مِنَ الإِبلِ فَعَلَيْهِ فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فإن اسْتَفَادَ بَعِيرَاً وَاحِدَاً قَبْلَ أَنْ يُزَكِّيهَا بِيَوْمٍ وَجَبَ عليهِ فِيها بنْتُ مَخَاضٍ، وكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ تِسْعَة وثَلاَثُونَ بَقَرةً كَان عليهِ فِيها تَبِيع، فاذا أَفَادَ وَاحِدةً قَبلَ الحَوْلِ كَانَتْ عَلَيْهِ بَقَرةٌ مُسِنَّةٌ، ولَوْ كَانَ مَعَهُ عِشْرونَ ومَئةٌ شَاةٍ وَجَبَ عليهِ فِيهَا شَاتَانِ. [قالَ- أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا كُرِهَ للرَّجُل أَنْ يَشْتَرِي صَدَقَةَ مَاشِيتِه مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ رُجُوعٌ فِيهْا، وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ : "العَائِدُ في صَدَقَتِه كَالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِه" (١). قالَ أَبو حَنِيفَةَ لَا صَدَقَةَ في بَقَرِ الحَرْثِ والسَّوَانِي لأَنَّها كالآلةِ (٢). * وقالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: الصَّدَقَةُ فِيهَا، لأنَّهَا سَائِمَةٌ، وقدْ ثَبَتَ في حَدِيثِ الصَّدَقةِ: (أَنَّ في كُلِّ سَائِمَةٍ مِنَ الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ صَدَقَةٌ) [٨٨٩]. * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: أَبَاحَ النبيُّ ﷺ الخِلْطَةَ في المَوَاشِي بِقَوْلهِ: "ومَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُما يَتَرَاجَعَانِ بينهما بالسَّوِّيةِ" [٨٨٩]، وفِي الخِلْطَةِ رِفْقٌ لأَهْلِ المَوَاشِي. قالَ ابنُ القَاسِمِ: الذي يُوجِبُ الخِلْطَةَ بَيْنَ الخَلِيطَيْنِ هُوَ: أَنْ يَكُونَ الرَّاعِي، والفَحْلُ، والدَّلُو، والمَرَاحُ، والمَبيتُ وَاحِداً، فَهِذه أَوْجُهُ الخِلْطَةِ، فإن انْخَرَم بَعْضُهَا لَمْ يُخْرِجْهَا ذَلِك مِنَ الخِلْطَةِ.

стр. 249

وقالَ ابنُ حَبيبٍ: أَصْلُ الخِلْطَةِ الرَّاعِي، فإذا اجْتَمَعَتْ في الرَّاعِي فَقَد اجْتَمَعَتْ في أَكْثَرِ وُجُوهُ الخِلْطَةِ، لأنَّهُ هُوَ الذي يَسْقِيهَا، وَهُو الذي يَجْمَعُهَا في الرَّعِي. * قَوْلُ مَالِكٍ: (لَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ على الخَلِيطَيْنِ حتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنْ جَمِيعِ المَوَاشِي) [٩٠٤]، إنَّمَا قالَ ذَلِكَ لأَنَّ الحُكْمَ في الزَّكَاةِ للنصَابِ لا للخِلْطَةِ. وقالَ غَيْرُ مَالِكٍ: إذا كَانَ في جَمِيع الغَنْمِ ما تَجِبُ فيهِ الصَّدَقةُ، وكَانَتْ للخَلِيطَيْنِ فَأَخَذَ مِنْهُمَا المُصَدِّقُ مَثْنَاة، فإنَّهُمَا يَتَرَادَّانِهَا بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ. * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّما امْتَنَعَ سُفْيَانُ بنُ عبدِ اللهِ أَنْ يَأْخُذَ في زَكَاةِ الغَنَمِ مِنَ السِّخَالِ التي كَانَ يَعُدَّهَا على أَرْبَابِ الغَنَمِ مِنْ جِهَتِه، أنَّهُ لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أنْ يَتَقرَّبَ إلى اللهِ تعَالَى إلَّا بِخَيْرِ المَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي لا تَعْمَدُوا إلى رَذَالَةِ أَمْوَالِكُم فَتَتصَدَّقُون بِها، فإذا أَعْطَى الرَّجُلُ في صَدَقَتِهِ الجَذَعَةَ والثَّنِيّةَ كَانَ ذَلِكَ عَدْلاً بَيْنَ خِيَارِ المَالِ وَرَدِيئِه، وبهَذا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ المُصَدِّقينَ أَنْ يَأْخُذُوهُ مِنَ النَّاسِ في صَدَقَاتِهِم [٩٠٩]. * قَوْلُ مَالِكٍ: (مَا وَلدتِ الغَنَمُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الأمَّهَاتِ في الزَّكَاةِ، مِثْلُ رِبْحِ المَالِ سَوَاءٌ، وذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا أفُيدَ إليها بشِرَاء أَوهِبَةٍ) [٩١٠]. [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: يُرِيدُ أَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَتْ لَهُ عِشْرُونَ شَاةً حَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، ثُمَّ وَضَعَتْ عِشْرِينَ خَرُوفًا، زَكَّاهَا في الوَقْتِ، ولَو أَضَافَ إلى العِشْرِينَ الأُولَى عِشْرِينَ اسْتَقْبَلَ بِجَمِيعِهَا الحَوْلَ. * ومَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: (إذا تَظَاهَرَت على رَبِّ المَالِ صَدَقَاتٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ، فَلَيْسَ للمُصَدِّقِ أَنْ يُصَدِّقَ إلّا مَا وَجَدَ عِنْدَهُ) [٩١٣] يُرِيدُ: أنَّهُ إذا غَابَ السَّاعِي عَنْ رَبِّ المَالِ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَرْبَعِينَ، وقَدْ كَانَتْ في وَقْتِ مَغِيبِه عنهُ

стр. 250

مَائِينَ، فإنَّهُ يَأْخُذُ منهُ شَاةً وَاحِدَةً مِنَ الأرْبَعِينَ لِعَامٍ وَاحِدٍ، وَهُو العَامُ الذي جَاءَ فِيهِ، وَلَو وَجَدَهَا أَقَلَّ مِنْ الأَرْبَعِينَ لَمْ يَأْخُذْ منهُ شَيْئَاً، وهَذا خِلاَف بِمَاشِيَتِه مِنَ الصَّدَقَةِ، هذا إذَا وَجَدَهُ السَّاعِي أَخَذَ مثهُ زَكَاةَ كُلِّ عَامٍ غَابَ عنهُ فِيها، ويُضَمِّنْهُ الزَّكَاةَ إنْ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئَاً مِنْ غَنَمِهِ. قالَ: وَلَوْ أتى السَّاعِي إلى الذي تَخَلَّفَ هُوَ عنهُ فَوَجَدَ عِنْدَهُ مَائِينَ، وقد كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ، إلَّا في ذَلِكَ العَامِ الذي جَاءَهُ، فَإنَّهُ يَاْخُذُ منهُ لِتِلْكَ السِّنِينَ على عَدَدِ مَا يَجِدُهُ عندَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ أَبو دَاوُدَ: وهَذا هُوَ المَشْهُورُ في زَكَاةِ المَوَاشِي (١). وقالَ ابنُ المَاجِشُونَ: ولَا يَأْخُذُ منهُ إلَّا على حِسَابِ مَا كَانَ عِنْدَهُ في كُلِّ عَامٍ مِنَ الأَعْوَامِ التي تَخَلَّفَ عنهُ فِيهَا. * * *
следующие страницы →