Полный текст (779 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فِي زَكَاةِ المَاشِيةِ، ومَا يُعْتَدُّ بهِ مِنَ السَّخْلِ فِي الزَّكَاةِ
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: الكِتَابُ الذي قَرَأَهُ مَالِكٌ في أَخْذِ الصَّدَقَةِ - وَهُوَ نُسْخَةُ الكِتَابِ الذي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لعُمَّالِهِ- ذَكَرَهُ أَبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ قالَ: (كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابَ الصَّدَقةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ إلى عُمَّالِهِ حتَّى قُبِضَ، فَقَرنه بِسَيْفِه (١)، فَعِمَلَ بهِ أَبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، والخُلَفَاءُ) (٢)، وهذَا حَدِيثٌ مُسْنِدٌ، ولَمْ يُسْنِدْهُ مَالِكٌ في المُوَطَّأ، وإنَّمَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا [٨٨٩].
قالَ عِيسَى: النِّصَابُ المُزَكَّى مِنَ المَاشِيَةِ في الغَنَمِ: أَرْبَعُونَ فَصَاعِدَاً، ومِنَ الإبلِ: خَمْسَا فَصَاعِدًا، ومِنَ البَقْرِ: ثَلاَثُونَ فَصَاعِدًا، فهذَا الأَصْلُ في زَكَاةِ المَاشِيَةِ، والسَّائِمَةُ: هِيَ الرَّاعِيةُ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] يعنِي: فيهِ تَرْعُونَ.
قالَ ابنُ حَبيبٍ: الجِذْعُ مِنَ الضَّأْنِ: هُوَ ابنُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ابنُ عَشَرَةٍ أَشْهُرٍ، وقِيلَ: ابْنُ ثَمَاَنِيةِ أَشْهُرٍ، والثَّنِيُّ مِنَ الضَّأْنِ: مَا أَوْفَى سِتَّة ودَخَلَ في الثَّانِيَةِ، والتَّبِيعُ مِنَ البَقَرِ: هُوَ ابنُ سَنتَيْنِ قَدْ فُطِمَ عَنْ أُمِّه، والمُسِنَّةُ مِنَ البَقَرِ: بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ، وبِنْتُ مَخَاضٍ مِنَ الإبلِ: بِنْتُ سَنتَيْنِ، وذَلِكَ أَنَّ أُمَّهَا في حَدِّ المَخَاضِ، وَهُوَ الحَمْلُ، وبِنْتُ لَبُونٍ: بِنْتُ ثَلاَثِ سِنِينَ، وذَلِكَ أنَّ أُمَّهَا [صَارَ لَهَا стр. 247
لَبَنٌ] (١) بِلَبنِ أُخْرَى قَدْ وَضَعَتْهَا بَعْدَها، فَلَذَلِكَ قِيلَ لَهَا بِنْتُ لَبُونٍ، والحِقَّةُ: بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ، تَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا الحَمْلُ، وأنْ يَطْرِقَهَا العِجْلُ، والجَذَعَةُ: بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ، والمُسِنَّةُ: بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: ذَكَرَ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بنِ قَيْسٍ، عَنْ طَاوُوسٍ: (أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ أَخَذَ مِنْ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبيعَاً، ومنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَة مُسِنَّةً) [٨٩١]، أَرْسَلَ مَالِكٌ هذَا الحَدِيثَ في المُوطَّأ، ورَوَاهُ أَبو دَاوُدَ، عَنْ
عُثْمَانَ بنِ أَبي شَيْبَةَ، قالَ: حدَّثنا أَبو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: (أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إلى اليَمَنِ أَمَرُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ البَقَرِ) (٢)، وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ.
قَوْلُ مَالِكٍ: (يُجْمَعُ على الرَّجُلِ زَكَاةُ غَنَمِهِ، وإنِ افْتَرَقَتْ مَوَاضِعُهَا)، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ من أَجْلِ أَنَّ المُلْكَ وَاحِدٌ، فَلِذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاتُها كُلُّها في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: أَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ على أَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَفَادَ مَاشِيَةً فَأَضَافَها إلى مَاشِيَةٍ عِنْدَهُ تَجِبُ في الأَوْلاَدِ الزَّكَاةُ، أَنَّهُ يُزَكِّي ما اسْتَفَادَ مِنَ المَاشِيَةِ عندَ حُلُولِ حَوْلِ مَاشِيَتِهِ الأُولَى، وإن لم تَسْتَفِدْ المَاشِيةُ الثَّانِيةُ إلَّا قبلَ حُلُولِ حَوْلِ الأُولَى بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، وحُجَّتُهُم في ذَلِكَ: أَنَّ النَّاسَ أَقَامُوا زَمَنَ الفِتْنَةِ خَمْسَ سِنِينَ لا سُعَاةَ لَهُم (٣)، ثُمَّ اسْتَقَامَ أَمْرُ النَّاسِ، وخَرَجَ السُّعَاةُ فَأَخَذُوا زَكَوَاتِ المَوَاشِي مِنَ النَّاسِ عَنْ تِلْكَ السَّنِينِ، ولمْ يَسْألوهُم عَنْ فَائِدَةٍ ولَا غَيْرِها، فَصَارَ ذَلِكَ سُنَةً مُتَّبَعَةً. стр. 248
وأَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ على أَنَّ فَائِدَةَ المَوَاشِي إذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ نِصَابٍ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِجَمِيعِها الحَوْلَ مِنْ يَوْمِ الإسْتِفَادَةِ، وإنْ كَانَتِ المُسْتَفَادَةُ مَائِينَ.
* قالَ مَالِكٌ: (وَإذا كَانَتْ لِرَجُلٍ إبلٌ وبَقَرٌ وغَنَمٌ يَجِبُ في كُلِّ صِنْفٍ مِنْها الزَّكاةُ، ثُمَّ أفَادَ بَعِيرَاً أو بَقَرَة أو شَاةً صَدَّقَها مَعَ مَاشيتَه حِينَ يُصَدِّقُ مَاشِيَتَهُ) [٨٩٦].
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الرَّجُلِ أَرْبَعَة وعِشْرُونَ مِنَ الإِبلِ فَعَلَيْهِ فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فإن اسْتَفَادَ بَعِيرَاً وَاحِدَاً قَبْلَ أَنْ يُزَكِّيهَا بِيَوْمٍ وَجَبَ عليهِ فِيها بنْتُ مَخَاضٍ، وكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ تِسْعَة وثَلاَثُونَ بَقَرةً كَان عليهِ فِيها تَبِيع، فاذا أَفَادَ وَاحِدةً قَبلَ الحَوْلِ كَانَتْ عَلَيْهِ بَقَرةٌ مُسِنَّةٌ، ولَوْ كَانَ مَعَهُ عِشْرونَ ومَئةٌ شَاةٍ وَجَبَ عليهِ فِيهَا شَاتَانِ.
[قالَ- أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا كُرِهَ للرَّجُل أَنْ يَشْتَرِي صَدَقَةَ مَاشِيتِه مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ رُجُوعٌ فِيهْا، وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ : "العَائِدُ في صَدَقَتِه كَالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِه" (١).
قالَ أَبو حَنِيفَةَ لَا صَدَقَةَ في بَقَرِ الحَرْثِ والسَّوَانِي لأَنَّها كالآلةِ (٢).
* وقالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: الصَّدَقَةُ فِيهَا، لأنَّهَا سَائِمَةٌ، وقدْ ثَبَتَ في حَدِيثِ الصَّدَقةِ: (أَنَّ في كُلِّ سَائِمَةٍ مِنَ الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ صَدَقَةٌ) [٨٨٩].
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: أَبَاحَ النبيُّ ﷺ الخِلْطَةَ في المَوَاشِي بِقَوْلهِ: "ومَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُما يَتَرَاجَعَانِ بينهما بالسَّوِّيةِ" [٨٨٩]، وفِي الخِلْطَةِ رِفْقٌ لأَهْلِ المَوَاشِي.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: الذي يُوجِبُ الخِلْطَةَ بَيْنَ الخَلِيطَيْنِ هُوَ: أَنْ يَكُونَ الرَّاعِي، والفَحْلُ، والدَّلُو، والمَرَاحُ، والمَبيتُ وَاحِداً، فَهِذه أَوْجُهُ الخِلْطَةِ، فإن انْخَرَم بَعْضُهَا لَمْ يُخْرِجْهَا ذَلِك مِنَ الخِلْطَةِ. стр. 249
وقالَ ابنُ حَبيبٍ: أَصْلُ الخِلْطَةِ الرَّاعِي، فإذا اجْتَمَعَتْ في الرَّاعِي فَقَد اجْتَمَعَتْ في أَكْثَرِ وُجُوهُ الخِلْطَةِ، لأنَّهُ هُوَ الذي يَسْقِيهَا، وَهُو الذي يَجْمَعُهَا في الرَّعِي.
* قَوْلُ مَالِكٍ: (لَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ على الخَلِيطَيْنِ حتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنْ جَمِيعِ المَوَاشِي) [٩٠٤]، إنَّمَا قالَ ذَلِكَ لأَنَّ الحُكْمَ في الزَّكَاةِ للنصَابِ لا للخِلْطَةِ.
وقالَ غَيْرُ مَالِكٍ: إذا كَانَ في جَمِيع الغَنْمِ ما تَجِبُ فيهِ الصَّدَقةُ، وكَانَتْ للخَلِيطَيْنِ فَأَخَذَ مِنْهُمَا المُصَدِّقُ مَثْنَاة، فإنَّهُمَا يَتَرَادَّانِهَا بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّما امْتَنَعَ سُفْيَانُ بنُ عبدِ اللهِ أَنْ يَأْخُذَ في زَكَاةِ الغَنَمِ مِنَ السِّخَالِ التي كَانَ يَعُدَّهَا على أَرْبَابِ الغَنَمِ مِنْ جِهَتِه، أنَّهُ لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أنْ يَتَقرَّبَ إلى اللهِ تعَالَى إلَّا بِخَيْرِ المَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي لا تَعْمَدُوا إلى رَذَالَةِ أَمْوَالِكُم فَتَتصَدَّقُون بِها، فإذا أَعْطَى الرَّجُلُ في صَدَقَتِهِ الجَذَعَةَ والثَّنِيّةَ كَانَ ذَلِكَ عَدْلاً بَيْنَ خِيَارِ المَالِ وَرَدِيئِه، وبهَذا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ المُصَدِّقينَ أَنْ يَأْخُذُوهُ مِنَ النَّاسِ في صَدَقَاتِهِم [٩٠٩].
* قَوْلُ مَالِكٍ: (مَا وَلدتِ الغَنَمُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الأمَّهَاتِ في الزَّكَاةِ، مِثْلُ رِبْحِ المَالِ سَوَاءٌ، وذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا أفُيدَ إليها بشِرَاء أَوهِبَةٍ) [٩١٠].
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: يُرِيدُ أَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَتْ لَهُ عِشْرُونَ شَاةً حَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، ثُمَّ وَضَعَتْ عِشْرِينَ خَرُوفًا، زَكَّاهَا في الوَقْتِ، ولَو أَضَافَ إلى العِشْرِينَ الأُولَى عِشْرِينَ اسْتَقْبَلَ بِجَمِيعِهَا الحَوْلَ.
* ومَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: (إذا تَظَاهَرَت على رَبِّ المَالِ صَدَقَاتٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ، فَلَيْسَ للمُصَدِّقِ أَنْ يُصَدِّقَ إلّا مَا وَجَدَ عِنْدَهُ) [٩١٣] يُرِيدُ: أنَّهُ إذا غَابَ السَّاعِي عَنْ رَبِّ المَالِ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَرْبَعِينَ، وقَدْ كَانَتْ في وَقْتِ مَغِيبِه عنهُ
стр. 250
مَائِينَ، فإنَّهُ يَأْخُذُ منهُ شَاةً وَاحِدَةً مِنَ الأرْبَعِينَ لِعَامٍ وَاحِدٍ، وَهُو العَامُ الذي جَاءَ فِيهِ، وَلَو وَجَدَهَا أَقَلَّ مِنْ الأَرْبَعِينَ لَمْ يَأْخُذْ منهُ شَيْئَاً، وهَذا خِلاَف بِمَاشِيَتِه مِنَ الصَّدَقَةِ، هذا إذَا وَجَدَهُ السَّاعِي أَخَذَ مثهُ زَكَاةَ كُلِّ عَامٍ غَابَ عنهُ فِيها، ويُضَمِّنْهُ الزَّكَاةَ إنْ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئَاً مِنْ غَنَمِهِ.
قالَ: وَلَوْ أتى السَّاعِي إلى الذي تَخَلَّفَ هُوَ عنهُ فَوَجَدَ عِنْدَهُ مَائِينَ، وقد كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ، إلَّا في ذَلِكَ العَامِ الذي جَاءَهُ، فَإنَّهُ يَاْخُذُ منهُ لِتِلْكَ السِّنِينَ على عَدَدِ مَا يَجِدُهُ عندَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
قالَ أَبو دَاوُدَ: وهَذا هُوَ المَشْهُورُ في زَكَاةِ المَوَاشِي (١).
وقالَ ابنُ المَاجِشُونَ: ولَا يَأْخُذُ منهُ إلَّا على حِسَابِ مَا كَانَ عِنْدَهُ في كُلِّ عَامٍ مِنَ الأَعْوَامِ التي تَخَلَّفَ عنهُ فِيهَا.
* * * стр. 251
باب كِرَاهِيةِ التَّضْييقِ على النَّاسِ في الصَّدَقَةِ،
ومَن يَأخُذُهَا مِنهم
* كَرِهَ عُمَرُ بنُ الخطاب للمُصَدِّقِ أَنْ يأْخُذَ مِنَ النَّاسِ في صَدَقَاتِهِم خِيَارَ أَمْوَالِهِم، فقالَ حِينَ رَأَى الشَّاةَ الحَافِلَ التي كانَ أَخَذَهَا المُصَدِّقُ في الصَّدَقَةِ: (مَا أَعْطَى هذِه أَهْلُهَا وَهُمْ طَائِعُونَ) [٩١٥].
وفِي هذَا مِنَ الفقْه: تَعَاهُدُ الإمَامِ أُمُورَ عُمَّالِهِ، ومَنْعُهُ إيَّإهُم مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ فَيَفْتَتِنُوا، ويَمْنَعُوا زكَوَاتِهِم إذا أُخِذَ مِنْهُم في ذَلِكَ مَا يُحَزرُونَ في أَنْفُسِهِم أَنَّهَا خِيَارُ أَمْوَالِهِم (١).
وقَوْلُهُ: (نَكِّبُوا عَنِ الطَّعَام)، يعَنِي: نَكّبُوا عَنْ أَخْذِ ذَوَاتِ اللَّبَنِ التِّي يَعِيشُ أَهْلُهَا مِنْ لَبَنِهَا.
ثُمَّ لمْ يَأْمُرْ عُمَرُ بِرَدِّ تِلْكَ الشَّاةِ الحَافِلِ التِّي أُخِذَتْ منهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ المُصَدِّقَ أَخَذَهَا مِنْ رَبّهَا على وَجْهِ الإجْتِهَادِ، فَصَارَ ذَلِكَ حُكُمٌ وَقَعَ باجْتِهَادِ الحَاكِمِ فَلَمَّ تُرَدَّ.
ثُمَّ أَمَرَ عُمَرُ المُصَدِّقَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ أَنْ يَأْخُذَ الجَذَعَةَ والثَّنِيَّةَ، وهذَا هُوَ العَدْلُ في الأَخْذِ بينَ غِذَاءِ الغَنَمِ وخِيَارِهَا، والغِذَاءُ: الصَّغَارُ مِنْهَا (٢)، وتُعَدُّ على رَبّهَا في الصَّدَقةِ مِثْلَ الكِبَارِ. стр. 252
قالَ عِيسَى: لا يَأْخُذُ المُصَدِّقُ ذَاتَ عَوَارٍ، ولا يَأْخُذُ تَيْسَاً إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ أَفْضَلَ للمَسَاكِينِ، والتَّيْسُ: هُوَ الذي يُتَّخَذُ للفَحْلَةِ، وَهُو دَاخِل في ذَاتِ العَوَرِ، لأَنَّ لَحْمَهُ ليسَ بِطَيِّبٍ، فإذا كَانَ أَخَذَ مَا فَضَلَ مِنْ جَذَعَةٍ أَخَذَهُ مِنْ رَبِّهِ.
قالَ: ولَا يَنْبَغِي للمُصَدِّقِ إذا دَفَعَ إليه رَبُّ الغَنَمِ كَفَافاً مِنْ حَقِّه، إلَّا أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ ولَا يَتَعَسَّفُ.
قالَ ابنُ نَافِعٍ: إذا كَانَتِ الغَنَمُ تُيُوسَاً كُلُّها لم يَأْخُذ المُصَدِّقُ مِنْها شَيْئاً وكَانَ على صَاحِبهَا أنْ يَبْتَاعَ لَهُ السِّنَّ الذي وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الجَذَعَةِ أَو الثَّنِيَّةِ.
وقالَ عليُّ بنُ زِيَادٍ: إذا كَانَتِ الغَنَمُ كُلُّهَا جَرْبَاءَ أَو عِجَافَاً فإنَّ المُصَدِّقَ يَأْخُذُ مِنْهَا، ولَيْسَ على رَبِّهَا أَنْ يَأْتِيهِ بِغَيْرِهَا.
* [قالَ أَبو المُطَرفِ]: أَرْسَلَ مَالِكٌ في المُوطَّأ: "لا تَحِل الصَّدَقَةَ لِغَنِيٍّ" [٩١٩]، وأَسْنَدَهُ عبدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النبيِّ ﷺ (١).
قالَ عِيسَى: تَفْسِيرُ هذَا الحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ الغَازِي في غَزَاتِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَالُهُ، فهذَا يَأْخُذُ مِنَ الزَّكَاةِ، ولا تَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالُهُ مِنَ الغَزَاةِ.
قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: قالَ ابنُ القَاسِمِ: يُعْطَى مِنهَا الغَازِي وإنْ كَانَ مَعَهُ في غَزَاتِهِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ غَنِيٌّ في بَلَدِه.
قالَ عِيسَى: وأَمَّا الغَارِمُ المَذْكُورِ في هذَا الحَدِيثِ فَهُو الذي قد أَحْجَبَ الغُرْمُ بِمَالِهِ وأَفْقَرَهُ مِنْ دَيْنٍ اسْتَدَانَ بهِ في حَجٍّ أَو نِكَاح أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الصَّوَابِ، مَا لَمْ يَتَدَاينُ في فَسَادٍ، فإذَا فَعَلَ ذَلِكَ لمْ يُعْطَ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئاً.
قالَ: وأَمَّا الغَارِمُ الوَفيُّ بِدَيْنهِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيها.
قالَ عِيسى: ومَا أُعْطِيَ مِنْهَا المَسَاكِينُ فَمُبَاحٌ للأغْنِيَاءِ اشْتِرَاءهَا مِنْهُم إن لم стр. 253
يَكُنْ المُشْتَرِي هُوَ الذي تَصَدَّقَ بِها على المِسْكِينِ البَائِع لها، لأنَّهُ يَصِيرُ بِشِرَائِها منهُ رَاجِعَاً في صَدَقَتِهِ.
قالَ عِيسَى: (وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا) هُوَ الذي يَجْمَعُهَا للمَسَاكِين مِنْ عندَ المُتَصَدِّقِينَ بِها، فهذَا يُعْطَى مِنْهَا على قَدْرِ مَا يَسْعَى وَيتَكَلَّفُ، ولا يَنْظرُ إلى قَدْرِ مَا جَمَعَ مِنَ الصَّدَقَةِ والعُشُورِ، ولَيْسَ الثَّمَنُ بِفَرِيضَةٍ له، ولَكَنْ يُعْطَى على قَدْرِ اجْتِهَادِه وسَعْيهِ.
قالَ: ويَأخُذُ كُلُّ مَنْ سُمِّيَ في هذَا الحَدِيثِ مِنْ زَكَاةِ النَّاضِّ، والعُشُورِ، والمَعَادِنِ.
قالَ عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ: في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]، إلى آخِرِ الآيةِ: (هذَا عِلْمٌ أَعْلَمَنَاهُ اللهُ ، فَأَيُّ الأَصْنَافِ جُعِلَتْ في الصَّدَقةِ مِنَ الأَصْنَافِ المَذْكُورِينَ في هذِه الآيةِ أَجْزَأَ) (١).
وإنَّما تُقَسَّمُ على وَجْهِ الإجْتِهَادِ.
وقالَ ابنُ أَبي زيدٍ: لَو كَانَتِ الصَّدَقَةُ مُجَزَّأَةً على الثَّمَانِيَةِ الأَصْنَافِ المَذْكُورِينَ في القُرْآنِ كمَا قالَ مَنْ يُخَالِفُنَا، لَكَانَ للعَامِلِينَ عَلَيْهَا الثَّمَنُ، ولَمْ يَرْجِع سَهْمُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم المَذْكُورِينَ في الآيةِ على غَيْرِهِم مِنَ الأَصْنَافِ، ولَا خِلاَفٌ بينَ أَهْلِ العِلْمِ في هذا.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: قالَ مَالِكٌ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي المُؤَلَّفَةَ قُلُوبَهُم مِنَ الصَّدَقةِ يَسْتَأْلِفُهم بذلكَ على الإسْلاَمِ.
قالَ مَعْمَرٌ: وكَانَ مِنْهُم أَبو سُفْيَانُ بنُ حَرْبٍ، والحَارِثُ بنُ هِشَامٍ، وعُيَيْنَةُ بنُ بَدْر، وصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّهَ، وجَمَاعةٌ سِوَاهَا وَلاَءً، وسَهْمُهُم اليومَ مَرْدُودٌ على سَائِرِ الأَصْنَافِ المَذْكُورِينَ في الصَّدَقةِ. стр. 254
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فَهُو أَنْ يَشْتَرِي الإمَامُ مِنَ الزَّكَاةِ رِقَابَا فَيُعْتِقَهَا عَنْ جَمَاعةِ المُسْلِمينَ، وَوَلاَؤُهُم للمُسْلِمينَ، فإنْ جَعَلَ وَلاَءَهَا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ الزَّكَاةَ.
قالَ مَالِكٌ: ولا أَرَى أَنْ يُعْطَى مِنْهَا المُكَاتَبُ مَا يَتِمَّ عِتْقُهُ، لأَنَّ وَلاَؤَهُ يَبْقَى للذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ.
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: وقدْ رَخَّصَ في ذَلِكَ أَصْبَغُ بنُ الفَرَجِ إذا أُعْطِيَ مِنْهَا مَا يَتِمُّ به كِتَابَتَهُ ويَخْرُجُ بذلكَ حُرَّاً، قالَ: وحدَّثِني مُطَرِّفٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يحيى بنِ سَعِيل,، قالَ: قَدِمتُ إفْرِيقِيَّهَ، فَخَرَجْتُ بِها سَاعِيًّا، وجَمَعْتُ صَدَقَاتِهِم، ثُمَّ طَلَبْتُ مِسْكِينًا أُعْطِيهِ فَمَا وَجَدْتُهُ، فَابْتَعْتُ أَمَةً سَوْدَاءَ مِنَ الصَّدَقةِ، فأعْتَقْتُهَا وأَعْطَيْتُهَا أَرْبَعِينَ كَبْشَاً مِنَ الصَّدَقةِ.
قالَ عِيسَى: لا تُخْرَجُ صَدَقَاتُ قَوْمٍ إلى غَيْرِهِم، ولكَنْ يُفَرَّقُ جَمِيعُهَا في البَلَدِ الذيمما جُمِعَتْ فيهِ، إلَّا أَنْ تَنْزِلَ بِقَوْمٍ شِدَّةٌ، فَيُنْقَلُ السَّهْمُ مِنَ الصَّدَقَاتِ التِّي جُمِعَتْ في غَيْرِ بِلاَدِهِم بعدَ أَنْ تُسَدَّ فيه حَاجَةُ الفُقَرَاءِ الذينَ جُمِعَتْ الزَّكَاةُ في بِلاَدِهِم، وقدْ نَقَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ زَكَاةَ قَوْمٍ إلى غَيْرِهِم عندَ الشِّدَّةِ والمَجَاعَةِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وأَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ العَدُوِّ، ومَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ العَنْوَةِ، وأَرْضِ الصُلْحِ، وخُمُسِ الزَّكَاةِ، ومَا أُخِذَ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ في غَيْرِ بِلاَدِهِم مِنَ العُشْرِ، فهذَا كُلُّه في تَقسِمَةِ الإمَامِ على أَهْلِ البَلَدِ الذي افْتَتَحُوهُ، ويبَدأُ بأَهْلِ الحَاجَةِ مِنْهُم.
قالَ: ومِنَ الفَيءِ يُعْطَى غَازِي المُسْلِمِينَ، وقَاضِيهِم، وأَصْحَابُ أَعْمَالِهِم التي لا غِنَى للمُسْلِمينَ عَمَّنْ يَقُومُ لَهُم فِيها، وبِها مَصْلَحَتُهُم.
* [قالَ أَبو المُطَرّفِ]: قَوْلُ أَبي بَكْرٍ: (لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ) [٩٢٣] يعنِي: لَوْ مَنَعَنِي الذين تَجِبُ عَلَيْهِم زَكَوَاتِ مَوَاشِيهِم زَكَاتَها لَجَاهَدْتُهُم على مَنْعِهَا كَمَا أُجَاهِدُ العَدُوَّ، وقَاتَلْتُهُم على ذَلِكَ، والعِقَالُ هُوَ سِعَايَةُ عَامٍ مِنَ الغَنَمِ والبَقَرِ
стр. 255
والإبِلِ، فَلَو مَنَعُونِي زَكَاةَ عاَمٍ وَاحِدٍ لَجَاهَدْتُهُم على ذَلِكَ (١).
وقالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: إنَّمَا قالَ أَبو بَكْرٍ هذِه المَقَالَةَ في أَهْلِ الرِّدّةِ الذينَ ارْتَدُّوا في خِلاَفَتِه بعدَ مَوْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وزَعَمُوا أَنَّهُم يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ولَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، فلمْ يُجِبْهُم أَبو بَكْرٍ إلى ذَلِكَ، وقالَ: (واللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بينَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، واللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُم عليهِ) (٢)، فَقَاتَلَهُم أبو بَكْرٍ، وسَبَى ذَرَارِيهِم، وأَجْرَاهُم مَجْرَى النَّاكِثينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، الذينَ إذا نَكَثُوا مَا عَهَدَهُم عليهِ المُسْلِمُونَ وَجَبَ قِتَالُهُم، وسَبْي ذرَارِيهِم، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ رَدَّ ذُرِّيتَهُم ونِسَاءَهُم إلى عَشَائِرِهم، وأَجْرَاهُم مَجْرَى المُرْتَدِّينَ مِنَ المُسْلِمينَ.
وقالَ مَالِكٌ: ولَا يَكُونُ أَحَدٌ مِنَ المُرْتَدِينَ بارْتدَادِه هُو ولَا أَحَدٌ مِنْ ذُرَّيَتِه فَيْئَاً، لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ أَو لَمْ يَلْحَقْ بها.
قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: والصَّحَابةُ إذا اخْتَلَفُوا في حُكْمٍ مِنَ الأَحْكَامِ وَسِعَ الإخْتِلاَفُ مِنْ أَقَاوِيلِهم، والأَخْذُ بِمَّا يَقْوَى في الأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ، وقدْ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ أَوْلاَدِ المُرْتَدّينَ، فلَا يُزِيلُها رِدَّةُ آبَائِهِم، والدَّلِيلُ على ذَلِكَ قَوْلُ النبي ﷺ : (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ) (٣)، يعنِي: يُولَدَ على فِطْرَةِ الإسْلاَمِ، وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ أَنَّ لِوَلَدِ المُؤْمِنِ حُكْمُ أَبيهِ في الدِّينِ وَالمَوَارَثَةِ، وأنَّ لِوَلدِ الكَافِرِ حُكْمُ أَبيهِ في الدِّينِ والمَوَارَثَةِ والإسْتِرْقَاقِ، ولَم يَخْتَلِف العُلَمَاءُ فِيمنْ أَسْلَمَ مِنَ الكُفَّارِ أنَ لِوَلَدِه الصَّغَارِ حُكْمُ أَبِيهِم في الدّينِ والأَحْكَامِ، فَلِهَذا كُلُّه لا يُسْتَرَقُّ وَلَدُ المُرْتَدِّ، واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ. стр. 256
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ مَالِكٍ: (الأَمْرُ عِنْدَنا أَنَّ مَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ فَلَمْ يَسْتَطعِ المُسْلِمُونَ أَخْذَهَا، [كَانَ] (١) حَقَّاً عَلَيْهِم جِهَادُهُ حتَّى يَأْخُذُوهَا مِنْهُ) [٩٢٥]، إنَّما هذَا إذا مَنَعُوهَا وبَانُوا بِدَارِهِم وفَارَقُوا جَمَاعَةَ المُسْلِمينَ، فَحِينَئِذٍ يُجَاهَدُوا على مَنْعِهِا ويُقَاتَلُوا على ذَلِكَ، وأَمَّا إذا لم يَبِينُوا بِدَارِهِم فإنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْهُم قَهْرَاً مَا أَقَرُّوا بها ولمْ يَجْحَدُوهَا.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: في اسْتِقَاءِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ للذِي كَانَ شَرِبهُ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقةِ [٩٢٤]، مِنَ الفِقْه: إخْرَاجُ الرَّجُلِ عَنْ نَفْسِه المَالَ الحَرَامَ، وأنَّ الحَرَامَ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، ولاَ يُتَغَدَّى به، لأَنَّ كُلَّ لَحْمٍ انْبَتَهُ الحَرَامُ النَّارُ أَوْلَى به، وإنَّما اسْتَقَاهُ عُمَرُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الذي كَانَ سَقَاهُ إيَّاهُ كَان مِنَ الأغْنِيَاءِ الذينِ لا تَحِلُّ لَهُم الصَّدَقَةُ، ولَو كَانَ مِنَ الفُقَراءِ لم يَسْتَقِه عُمَرُ، لأنَّهُ كَانَ يَكُونُ بِمَنْزِلةِ هَدِيَّةِ الفَقِيرِ للغَنِيّ مِمَّا يُتَصدَّقُ به على الفَقِيرِ، وقَبُولُها مِنْهُم مُبَاحٌ غيرُ مَكْرُوهٍ, وقدْ قالَ ﷺ في لَحْمِ بَرِيرَةَ: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ولنَا هَدِيَّةٌ) (٢) وأكَلَ منهُ.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ بأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنَ الرَّجُلِ الذي كَانَ مَنَعَها، مِنْ أَجْلِ نَدَامَتِهِ على مِنْعِه إيَّاها وتَوْبتِه مِنْ ذَلِكَ ورُجُوعهِ عَنْ مَذْهَبه في مَنْعِه إيَّاهَا، وقدْ كَانَ أَمْرُ عُمَرَ عَامِلَهُ على الصَّدَقَةِ أنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلَ زَكَاةً مَعَ المُسْلِينَ، فَلَمَّا تَابَ سَارَعَ إلى أَدَائِهَا أَمَرَ عُمَرُ عَامِلَهُ أَنْ يَأخُذَهَا منهُ مَعَ المُسْلِمينَ [٩٢٦].
وقَوْلُ مَالِكٍ في هذِه المَسْأَلةِ: أَنَّ مَنْ مَنَعَ زَكَاةَ مَالهِ بُخْلاً بِها، فإنها تُؤْخَذُ منهُ قَهْرَاً، إلَّا أَنْ يَمْنَعَها جَحْداً لهَا، فإنه يُسْتَتَابُ فإِنْ تَابَ وإلَّا قُتِلَ.
* * * стр. 257
بابُ مَا يخْرَصُ مِنَ الثِّمَارِ، ومَا يُزْكَّى مِنْهَا
* أَرْسَلَ مَالِكٌ في المُوطَّأ حَدِيثَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ والبَعْلُ العُشْرُ" [٩٢٨] [ورَوَاهُ] (١) ابنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونسُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ" (٢) وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ.
قالَ أَبو عُبَيْدٍ: البَعْلُ مِنَ الثِّمَارِ هُوَ الذي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، ولَيْسَ تَسْقِيه السَّمَاءُ ولا العُيُونُ ولا الأَنْهَارُ، كَنَخِيلِ مِصْرَ التي تَشْرَبُ بِعُرُوقِها مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ (٣).
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّما جَعَلَ النبيُّ ﷺ فِيمَا سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفَ العُشْرِ لَكَثْرَةِ النَّفَقَةِ فيهِ [لِمَؤُنَةِ] (٤) إخْرَاجِ المَاءِ، وأَمَرَ ﷺ بخَرْصِ النَّخْلِ والأَعْنَابِ لِكَي تُحْصَى الزَّكَاةُ إذ في ذَلِكَ نَظَرٌ للمَسَاكِينِ، ورِفْقًا بأَصْحَابِ الثِّمَارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّاسَ يَنتفِعُونَ بِثِمَارِهِم، فَيَأْكُلُونَ مِنْ نَخِيلِهِم وأَعْنَابِهِم رَطَبَا ويَابِسَاً، بِخِلاَفِ سَائِرِ الحُبُوبِ التِّي لا تُؤْكَلُ إلَّا بعدَ حَصَادِهَا وتَحْصِيلِها، فإذا خُرِصَتْ عَلَيْهِم نَخِيلُهُم وأَعْنَابُهُم، وعلى قَدْرِ مَا يَصِيرُ على كُلِّ وَاحِدٍ في زَكَاةِ مَالهِ، كَانَتْ تِلْكَ الحِصَّةُ لاَزِمَةً لَهُ، إلَّا أَنْ يَذْهَبَ ثَمَرُ نَخْلِهِ كُلِّه فتَسْقُطُ عنهُ الزَّكَاةُ، إلَّا أَنْ يَبْقَى منهُ стр. 258
بعدَ [الجَامِكيّةِ] (١) مَا تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، فإنَّهُ لا يُزَكِّى عليهِ ذَلِكَ البَاقِي على سَنَّةِ الزَّكَاةِ.
قَوْلُ مَالِكٍ: إذا كَانَ ثَمَرُ الحَائِطِ كُلِّه جَيِّدا أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وكَذَلِكَ إنْ كَانَ رَدِيئًا كُلُّهُ أُخِذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وإنْ كَانَ أَصْنَافًا أُخِذَ مِنْ وَسَطِه، والثَّمَرُ مُخَالِفٌ للمَاشِيَةِ التي لا يُؤْخَذُ مِنها إلَّا الأَسْنَانُ المَعْلُومَةُ الجَذَعَةُ والثَّنِيَّةُ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا جَعَلَ مَالَكٌ القِطْنيّهَ (٢) صِنْفَا وَاحِدًا في الزَّكَاةِ مِنْ أَجْلِ تَقَارُبِ مَنَافِعِها، وأَنَّها كُلُّها إدَامٌ يُؤْتَدَمُ بها، وجَعَلَها في البِيُوعِ أَصْنَافاً مُخْتَلِفَةً، لاخْتِلاَفِ أَعْرَاضِ النَّاسِ فيها.
ولمْ يُوجِبْ مَالِكٌ الزَّكَاةَ في التِّينِ، لأَنَّهُم كَانُوا لا يَعْرِفُونَهُ بالمَدِينَةِ، ولأَنَّهُ يَأْتِي بَطْنًا بعدَ بَطْنٍ (٣).
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: ولمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ الزَّكَاةَ في الفَاكِهَةِ لأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الأَقْوَاتِ التي نَصَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عليها.
ومَنَعَ مَالِكٌ مِنْ بَيع الفَاكِهَةِ مُتَفَاضِلاً مِنْ صِنْفِ وَاحِدٍ، لأنَّها تَجْرِي مَجْرَى المَأْكُولاَتِ المُدَّخَرَاتِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ رَطْبِ الفَاكِهَةِ كالبَطِّيخِ والقِثَّاءِ والخُوخِ والرُّمّانِ وشِبهُ ذَلِكَ، فإِنَّها تُبَاعُ مُتَفَاضِلاً يَدَاً بِيدٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، لأنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الفَاكِهَةِ المُدَّخَرةِ، ولا هِي أَصْلٌ مُعَاشٍ، وبهذا قالَ أَهْلُ المَدِينةِ.
* * * стр. 259
بابُ صَدَقَةِ الرَّقِيقِ، وجِزْيةِ أهْلِ الكِتَابِ
* وَجْهُ [إباءِ] (١) عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ خَيْلِ أَهْلِ الشامِ ورَقِيقِهم الزَّكَاةَ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النبي ﷺ : "لَيْسَ على المُسْلِمِ في عَبْدِه، ولا في فَرَسِه صَدَقَةٌ" [٩٦٢]، فَلَمَّا أَكْثَرَ أَهْلُ الشَامِ على أَبي عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ أَعْلَمَ عُمَرَ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ أنْ يَأْخُذَهَا مِنْ أغْنِيَائِهِم، ويَرُدَّهَا على فُقَرَائِهِم، وذَلِكَ لِتَطَوِّعِهِم بِها [٩٦٣].
وقالَ [أبو] (٢) عَمرَ: قَوْلُ عُمَرَ لأَبي عُبَيْدَةَ: (وارْزُقْ رَقِيقَهُم) يعني: تَعَاهَدْ أَمْرَ عَبِيدِهم لَا يُضَيِّعُوهُم، فَمنْ ضَيَّع عَبْدَهُ جَعَلَتُ لَهُ في مَالِ سَيِّدِه رِزْقًا يَكْفِيهِ لِمَعَاشِه، وقدْ كَانَ عُمَرُ يَتَعَاهَدُ بالمَدِينَةِ أُمُورَ العَبِيدِ، فماذا وَجَدَ عَبْدَاً قَدْ كُلِّفَ مِنَ الخِدْمَةِ فَوْقَ طَاقَتِه خَفَّفَ عنهُ مِنْهَا، وفَرَضَ لَهُ في مَالِ سَيِّده قُوتًا يَقُومُ بهِ.
* قَوْلُ ابنِ شِهَابٍ: (بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ البَحْرَينِ، وفَعَلَ عُمَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وأَخَذَها عُثْمَانُ مِنْ كَفَرَةِ بَرْبَرٍ) [٩٦٧ و ٩٦٨]، وَهَؤُلاَءِ كُلُّهم مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الكِتَابِ، وهذَا كُلُّه يَدُلُّ على أَنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الكُفْرِ إذا رَضُوا بِها، وحَقَنُوا بِها دِمَاءَهُم.
وهذا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: لَا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الكِتَاب خَاصَّة، وأَمَّا مَنْ سِوَاهُم مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ فإئهُ لا يُقْبلُ مِنْهُم إلَّا الإسْلاَمُ، فإِنْ أَبَوا أن يُسْلِمُوا قُوتلُوا، стр. 260
لأَنَّ اللهَ إنَّمَا أَمَرَ بأَخْذِهَا في كِتَابهِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (١).
وحُجَّةُ أَهْلِ المَدِينَةِ أَخْذُ النبيِّ ﷺ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ البَحْرَيْنِ ثُمَّ الخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وهَؤُلاَءِ هُمُ العُلَمَاءُ بِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللهِ .
* ومَعْنَى قَوْلِ النبيِّ ﷺ في المَجُوسِ: "سُنُّوا بِهم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ " [٩٦٨]، يعنِي: في أَخَذِ الجِزْيةِ خَاصَّةً، لا في مُنَاكَحَةِ نِسَائِهِم، ولا في أَكْلِ ذِبَائِهِم، قالَ اللهُ : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١] وهُنَّ [المَجُوسِيَّاتِ] (٢) والوَثَنِيَّاتِ مِمَّن لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وقالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] يَعْنِي: لا تَأْكُلُوا مَا ذَبَحَهُ غيْرُ أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ المَجُوسِ وعَبَدَةِ الأَوْثَانِ، وأَبَاحَ اللهُ تَعَالَى نِكَاحَ حَرَائِرِ أَهْلِ الكِتَابِ وأَكْلِ ذَبَائِحِهم، فقالَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمَجُوسُ بِخِلاَفِ هذا كُلِّه، إلَّا في أَخْذِ الجِزْيةِ كما تُؤخَذُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، لِقَولِ النبيِّ ﷺ : "سُنُّوا بِهم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".
قالَ عبدُ المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ: أَوَّلُ مَا فَرَضَ اللهُ الجِزْيةَ على أَهْلِ الذِّمَّةِ وبَيَّنَ كَيْفَ تُؤْخَذُ مِنْهُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وذَلِكَ أَنَّهُ لمَّا وَجَّه عَمْرو بنُ العَاصِي إلى مَصْرَ فَافْتَتَحَها كَتَبَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُهُ في أَنْ يُقْسِمَ الأَرْضَ على الذينِ افْتَتَحُوهَا كمَا يُقْسِمَ عليهِم سَائِرَ الغَنِيمَةِ، فَكَتَبَ إليه عُمَرُ أن يُقْسِمَ مَا سَوَى الأَرْضِ ويُبْقِيهَا بِعُمَّالِهَا ولا يَقْسِمْهَا، وتَأوَّلَ قَوْلَ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، فأَبْقَى الأَرْضَ لِمَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِم مِنَ المُسْلِمينَ بعدَ الذينَ افْتَتَحُوهَا، ثُمَّ جَعَلَ على كُلِّ عِلْجٍ مِنْهُم أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ في العَامِ، وجَعَلَ على الأَرْضِ خَرَاجاً على حِدَة، وتَرَكَهُم عُمَّالاً لها، ولَمْ يَعْرِضْ على نِسَائِهِم، стр. 261
ولا على صِبْيَانِهِم، ولا على عَبِيدِهم شَيْئا، وجَعَلَ على أَهْلِ الوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا في العَامِ على كُلِّ بَالِغٍ فَمَا فَوْقَهُ.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّما لَمْ يَأْخُذْ مِنَ النِّسَاءِ ولا مِنَ الصِّبْيَانِ لأنَّهُم لَيْسُوا مِمَّن يُقَاتِلُ، وإنَّمَا أَمَرَ اللهُ أَخْذَ الجِزْيَةِ مِنَ المُقَاتِلَةِ، وأَمَّا العَبيدُ فَانَّهُم سِلْعَة، ولا شَيءَ عَلَيْهِم في سِلْعَتِهِم.
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: وعَلَيْهِم مَعٍ هذَا أَرْزَاقُ المُسْلِمِينَ الذين يَحُوطُونَهُم، ويَدْفَعُونَ الضَّررَ عَنْهُم، وُيضِيفُونَ مَنْ نزلَ بِهم مِنَ المُسْلِمينَ ثَلاَثةَ أيَّامٍ.
ومَن اسْتَغْنَى مِنْ أَهْلِ الجِزْيةِ لمْ يَزِدْ عليهِ على فَرِيضَةِ عُمَرَ، ومَنْ أَسْلَمَ مِنْهُم وُضِعَتْ عنهُ الجِزْيةُ، وإنْ لمْ يَبْقَ إلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ مِنَ العَامِ، ويَحْرِزُ نَفْسَهُ ومَالَهُ، وأَمَّا أَرْضُهُ فَهِي خَرَاجٌ للمُسْلِمينَ، ومَنْ مَاتَ مِنْهُم قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ فَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ وأَهْلِ دِينِه.
قالَ عِيسى: ومَنْ كَبِرَ مِنْهُم أو افْتَقَرَ، رَزَقَهُ الإمَامُ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمينَ، وقَدْ مَرَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ بِشَيْخٍ كَبِير مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَسَألَ عَنهُ فأُخْبِرَ بِضَعْفِه وفَقْرِه، فَرَقَّ لَهُ عُمَرُ، وفَرَضَ لَهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ نَفَقَتَهُ.
قالَ مَالِكٌ: تُطْرَحُ الضِّيَافَةُ عَنِ الذِّمَّةِ ضِيَافَةُ الثَّلاَثَةِ الأَيَّامِ التي كَانَ فَرَضَها عَلَيْهِم عُمَرُ، مِنْ أَجْلِ أَتنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُم الآنَ فَوْقَ فَرْضِ عُمَرَ.
* قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: وكَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ النُّوقَ مِنْ أَهْلِ الجِزْيةِ، عِوَضَاً في جِزْيَتِهِم، فَيَحْمِلُ عليهَا في سَبِيلِ اللهِ.
وإنَّما أَمَرَ بِنَحْرِ النَّاقَةِ العَمْيَاءِ التي سُئِلَ عنها، وأَطْعَمَها الأغنياءَ [٩٧٠]، لأنَّها كَانَتْ مِنْ نَعَمِ الجِزْيةِ التي يَحِلُّ أَكْلُهَا للأَغْنِياءِ، ولم تَكُنْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقةِ التي لا يَحِلُّ أَكْلُهَا للأَغْنِياءِ.
وكَانَ عُمَرُ يَعْدِلُ في القِسْمَةِ بينَ النَّاسِ في جَمِيعِ مَا يَقْسِمُه بَيْنَهُم، ولا يُفَضِّلُ أَحَداً مِنْ وَلَدِه في شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ على غَيْرِهم مِنَ النَّاسِ، ورُبَّما أَنْقَصَ وَلَدَهُ فَأْعَطُاه دُونَ ما يُعْطِي سَائِرَ النَّاسِ.
стр. 262
ويَجُوزُ للإمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَهْلِ الجِزْيةِ الثِّيَابَ عِوَضًا في جِزْيَتِهم، كَمَا يَأْخُذُ النُّوقَ، فَيَكْسُوا تِلْكَ الثِّيَابَ لِرَجَالهِ مِنَ المُسْلِمينَ الذينَ يُتقَوَّى بِهِم على جِهَادِ العَدُوِّ.
وإنَّمَا أَخَذَ عُمَرُ مِنْ نَبَطِ الشَّامِ العُشْرَ، وكَانُوا نَصَارَى مِنْ أَهْلِ الذِّمَةِ [٩٧٦]، لأَنَّهُم خَرَجُوا بِتَجَارَاتِهِم إلى بَلَدِ الحِجَازِ، وَهُوَ غَيْرُ البَلَدِ الذي صُولحُوا عليهِ، فَلِذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُم العُشْرَ، وأَخَذَ مِنَ الطَّعَامِ والزَّيْتِ نِصْفَ العُشْرِ، أَرَادَ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ حَمْلِه إلى المَدِينَةِ، [فلهذَ] (١) خَفَّفَ عَنْهُم.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّما نَهَى (٢) رَسُولُ اللهِ ﷺ عنِ الرُّجُوعِ في الصَّدَقةِ وشِرَائِهَا بعدَ أَنْ يُخْرْجَها الرَّجُلُ مِنْ يَدِه [٩٨٠]، لأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، ومَثَّلَ ذَلِكَ بالرُّجُوعِ في القَيءِ الذي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، فإنْ رَجَعْتْ إلى المُتَصَدِّقِ بِمِيرَاثٍ جَازَ له حِينِئذٍ أَخْذُهَا.
* * * стр. 263
بابُ زَكَاةِ الفِطْرِ
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: زَكَاةُ الفِطْرِ فَرِيضَة، فَرَضَها رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا قالَ ابنُ عُمَرَ [٩٨٩].
وقالَ غَيْرُهُ: هِى سُنَّةٌ دَاخِلَةٌ في قَوْلهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) [البقرة: ٤٣].
وقالَ ابنُ سَلاَمٍ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. يعنِي به: زَكَاةَ الفِطْرِ (٢).
* قَوْلُ أَبي سَعِيدٍ: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) [٩٩٠]، إلى آخرِ الحَدِيثِ، قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: الطَّعَامُ المَذْكُورُ في هذَا الحَدِيثِ هُوَ البُرُّ، ولَمَّا ذَكَرَ في هذا الحَدِيثِ أَشْيَاءَ تتَفَاضَلُ قِيمَتُها، ومَا سَاوَى بَيْنَهَا في الكَيْلِ لَم يَبْقَ أَنْ يَنْقُصَ مُخْرِجَ البُرِّ مِنْ صَاعٍ على كُلِّ نَفْسٍ، لإرْتفَاعِ قِيمَةِ البُرِّ على قِيمَةِ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ أَو أَقِط، وبهذَا قالَ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ غَيْرُ مَالِكٍ: يُخْرَجُ في زَكَاةِ الفِطْرِ عَنِ الإنْسَانِ نِصْفُ صَاع مِنْ بُرٍّ، أَو صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، أو تَمْرٍ، واحْتَجَّ قَائِلُ هذا بمَا ذُكِرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قالَ بالشَّامِ: (مَا أَرَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ إلَّا يَعْدِلَ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ) (٣). стр. 264
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يَكُونُونُ بالمَدِينَةِ يُخرِجُونَ صَاعَاً مِنْ بُرٍّ مَعَ شِدَّةِ الحَالِ، وقِلَّةِ الطَّعَامٍ، ويَأمُرُهم النبيُّ ﷺ بذلكَ، فَلَمَّا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِم، وَكَثُرَ عِنْدَهُم الطَّعَامُ، يُؤَدُّون إلى نِصْفِ صَاعٍ، هذَا مُحَالٌ، وهذَا شَيءٌ لا يَصِحُّ.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: روَى اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، عَن كَثِيرِ بنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيِّ ﷺ أنه قَالَ: "زَكَاةُ الفِطْرِ على كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ" (١).
ورَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ [٩٨٩].
ومِنْ هذا الحَدِيثِ قالَ مَالِكٌ: لا يُخْرِجُ الرَّجُلُ زَكَاةَ الفِطْرِ عَنْ عَبْدِه النَّصْرَانِيِّ، ويُخْرِجُهَا عَنْ عَبْدِه المُسْلِمِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: لا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ الفِطْرِ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَو بيَوْمِينَ إلى الذي يَلِي دَفْعَها إلى المَسَاكِينِ، وإنْ قَدَّمَها قَبْلَ الفِطْرِ بِيَومٍ أَو يَوْمَينِ أَجْزأَهُ ذَلِكَ.
وقَالَ أَشْهَبُ: لا يُجْزِيهِ تَعْرِيفُها قبلَ يومِ الفِطْرِ، وَهُوَ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قبلَ الزَّوَالِ، فَعَلَيْهِ الإعَادَةُ.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: المُسْتَحَبُّ عندَ مَالِكٍ أنْ تُفَرَّقَ يومَ الفِطْرِ قبلَ الغُدّو إلى المُصَلِّى، ويُؤَدِّي الرَّجُلُ الحِنْطَةَ إذا كَانَ يَأْكُلَ مِنْهَا، وكَذَلِكَ التَّمْرُ، والشَّعِيرُ، والذُّرَةُ، والدُّخْنُ إذا كَانَ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ، ولا يُؤَدِّي في زَكَاةِ الفِطْرِ تِينَاً، ولا جَوْزَاً، ولا لَوْزَاً، ولَا دَقِيقًا.
قُلتُ لأَبي مُحَمَّدٍ: [ما] (٢) وَجْهُ كَرَاهِيةِ مَالِكٍ لِهذا؟ فقالَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هذَا صَارَ مُشْتَرياً للزَّكَاةِ التِّي وَجَبَتْ عَلَيْهِ بهذَا الذي يُخْرَجُ عَنْها، وقد نُهِيَ أَنْ стр. 265
يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتهُ التي تَصَدَّق بِها، لأَنَّهُ لا رَجُوعَ فيها.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: لمْ يُلْزَمُ الرَّجُلُ أنْ يُخْرِجَ زَكَاةً عَنْ عَبيدِ عَبِيدِه، مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَالَ العَبْدِ لَهُ، حتَّى يَنتزِعَهُ منهُ سَيِّدُه، فَلِذَلِكَ لا يُزَكَي الَسيِّدُ عَمَّنْ لا يَمْلِكُهُ مِلْكًا تَامَّا، ولمْ يُلْزَمُ العَبْدُ أَنْ يُخْرِجَها عَنْ عَبْدِه، لأن الزَّكَاةَ إنَّمَا هِي علَى الأَحْرَارِ، وَلَزِمَ الرَّجُلُ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ عَنْ خَادِمِ زَوْجَتِه، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ النَّفَقَةَ على امْرَأتِه، وعلى خَادِمِهَا التي لا غِنَى لَها عَنْهَا.
* * *
تَمَّ تَفْسِيرُ كِتَابِ الزَّكَاةِ، والحمدُ لله رَبِّ العَالِمينَ، وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ،
وعلى آلهِ، وصَحْبهِ الأَكْرَمِينَ
يَتْلُوهُ على بَرَكةِ اللهِ كِتَابُ الصِّيامِ
стр. 266
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى الله على سيدنا محمَّدٍ, وعلى آله وسلَّم تَسْلِيما
[كتابُ الصِّيَامِ] (١)
قالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثُمَّ بَيَّنَ الوَقْتَ الذي فُرِضَ فِيهِ الصَّوْمُ، فقالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
* وقالَ ﷺ : "لا تَصُومُوا حتَّى تَرَوا الهِلاَلَ، ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْهُ" [١٠٠١]، يعنِي: لَا تَصُومُوا أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ حتَّى تَرَوُا الهِلاَلَ.
"ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْهُ"، يعنِي: ولا تَفْطِرُوا آخِرَ الشَّهْرِ حتَّى تَرَوُا هِلاَلَ شَوَّالَ.
* وقَوْلُهُ: "فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم"، يعني: فإن خَفِيَ عَلَيْكُم الهِلاَلُ بِغَيْمٍ يَكُونُ في السَّمَاءِ.
"فَعُدُّوا ثَلاَثِينَ" [١٠٠٣] مِنْ غُرَّةِ هِلاَلِ شَعْبَانَ، ثُمَّ ابْدُوا بالصّيامِ، وكَذَلِكَ في آخِرِ الشَّهْرِ، وقالَ ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ" [١٠٠٢] أَيْ: قَدْ يَكُونُ رَمَضَانُ مِنْ تِسْعٍ وعِشْرِينَ.
سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبيهِ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وذُو الحِجَّةِ" (٢) فقالَ لِي: هذَا الحَدِيثُ стр. 267
لا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وقدْ قالَ ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ"، وقدْ يَكُونُ رَمَضَانُ مِنْ تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْماً، وكَذَلِكَ ذُو الحِجَّةِ، وهذا مُدْرَكٌ بالعَيَانِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: رَأَيتُ فِيما نَقَلَهُ أبو عُبَيْدٍ أَنَّهُ قالَ: (شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وذُو الحِجَّةِ)، يعني: لا يَنْقُصَانِ مِنَ الأَجْرِ، يُؤْجَرُ الصَّائِمُ والعَامِلُ فِيهِما وهَمُا نَاقِصَانِ، كَمَا يُؤْجَرُ فِيهِما وَهُمَا كَامِلاَنِ، وهذَا تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ (١).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ مَالِكٍ في الهِلاَلِ: إذا رُؤِيَ بالعَشِيِّ أَنَّهُ لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَمَاءُ في رُؤْيَةِ الهِلاَلِ بالعَشِيِّ أَنَّهُ للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ، وإنَّمَا الإخْتِلاَفُ بَيْنَهُم إذا نَظَرُوا إليه قَبْلَ الزَّوَالِ، فقالَ مَالِكٌ: سَواءٌ رُؤِي قَبْلَ الزَّوَالِ أو بَعْدَهُ هُوَ للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
فَسَأَلتهُ عَنْ رِوَايةِ شِبَاكٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَابِ قالَ: (إذا رَأَيْتُمُوهُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُو لِلَّيْلَةِ المَاضِيةِ) (٢)، فَقَالَ أَبو مُحَمَّدٍ: شِبَاكٌ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، والمَعْرُوفُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بينَ قَبْلِ الزَّوَالِ ولَا بَعْدَهُ، وأَنَّ الهِلاَلَ لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: بهذا قالَ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عبَّاس، وقالَ: إنَّمَا مَجْرَاهُ في السَّمَاءِ، ولَعَلَّهُ أَهَلَّ ذَلِكَ الوَقْتَ.
قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ رَأَى هِلاَلَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ أنَّهُ يَصُومُ في خَاصَّةِ نَفْسِهِ، مِنْ أَجْلِ أنَّ الإنْسَانَ مُتَعَبَّدٌ بِيَقِينِهِ، ولا يُلْزَمُ النَّاسُ الصِّيَامَ بِرُؤْيتهِ، لأنَّهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، ولا يُصَامَ بشَهَادَةِ وَاحِدٍ وإنْ كَانَ عَدْلًا، ولا يُفْطَرُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وإنْ كَانَ عَدْلاً، وبهذا قالَ أَهْلُ المَدِينَةِ. стр. 268
وقالَ غَيْرُهُم مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ: يُصَامُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، واحْتَجّوا في ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ سِمَاكُ بنُ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمةَ، عَنِ ابن عبَّاسٍ قالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فقالَ: إني رَأَيْتُ الهِلاَلَ، فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَتَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ اللهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُمْ يا بِلاَلُ فَأَذِّنْ في النَّاسِ أنْ يَصُومُوا غَدَاً" (١)، هذَا حَدِيثٌ ليسَ هُو مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَهُو حَدِيثٌ يُتَوجَّهُ على وُجُوهٍ، جَائِزٌ أَنْ يَنْزِلَ الوَحِيُ على النبيِّ ﷺ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِصَحَّةِ قَوْلِ الأَعْرَابِيِّ، وجَائِز أَنْ يَكُونَ قَدْ شَهِدَ شَاهِدٌ آخَرُ عندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيِّ، فَتَمَّتِ الشَّهَادَةُ عندَهُ بِشَهَادةِ ذَلِكَ الأَعْرَابِيِّ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ النبيُّ ﷺ بالصِّيامِ.
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: وقَدْ رَوَى الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَمَرَ بِشَاهِدَيْنِ في هِلاَلِ رَمَضَانَ (٢)، وقدْ أَبَى عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ هَاشِمَ بنَ عُتْبَةَ وَحْدَهُ على هِلاَلِ رَمَضَانَ (٣).
قالَ مَالِكٌ: ويُقَالُ لِمَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ وَاحِدٍ على رُؤْيَةِ هِلاَلِ رَمَضانَ، أَرَأَيْتَ إنْ أُغْمِيَ الهِلاَلُ آخِرَ الشَهْرِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا قالَ مَالِكٌ هذا للمُخَالِفِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَقُولُ: لا يُفْطَرُ آخِرَ الشَّهْرِ مِنْ رَمَضَانَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، ويَقُولُ: يُصَامُ أَوَّلُ الشَّهْرِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، ولَا فَرْقَ بينَ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَآخِرِه، فَلِهذَا قالَ مَالِكٌ: أَرَأَيْتَ إنْ أُغْمِيَ الهِلاَلُ آخِرَ الشَّهْرِ، فَلَمْ يُرَ وقَدْ صَامُوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا بِشَهَادةِ الوَاحِدِ، فَمِنْ قَوْلِ المُخَالِفِ أَنَّهُم стр. 269
لا يَفْطُرُوا حتَّى يَرَوُا الهِلاَلَ، وهذا تَرْكٌ منهُ لِقَوْلهِ: يُصَامُ أَوَّلَ الشَّهْرِ بِشَهَادَةِ [وَاحِدٍ] (١).
سَألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ أَبي عُمَيْرِ بنِ أَنسٍ، عَنْ عُمُومَتِهِ: "أَنَّ رَكْبَاً قَدِمُوا على النبي ﷺ ، فَذَكَرُوا أَنَّهُم رَأَوُا الهِلاَلَ بالأَمْسِ، فأَمَرَ النبيُّ ﷺ النَّاسَ بالفِطْرِ، وأَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ العِيدِ مِنَ الغَدِ" (٢)، فقالَ لِي: هذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، لا يَصِحُّ طَرِيقُهُ.
ولَذَلِكَ قالَ مَالِكٌ: إنَّهُم لا يُصَلُّونَ صَلَاةَ العِيدِ مِنَ الغَدِ إنْ كَانَ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُم بعدَ الزَّوَالِ، والنَّوَافِلُ إذا ذَهَبتْ أَوْقَاتُها لم يكُنْ فيها إعَادَةٌ، لأنَّها لا تَشْبَهُ الفَرَائِضَ، فإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُم قبلَ الزَّوَالِ صَلُّوا صَلَاةَ العِيدِ على سُنَّتِهَا، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ.
* * * стр. 270
بابُ مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قبلَ الفَجْرِ،
إلى آخِرِ بَابِ الصِّيَامِ في السَّفَرِ
ذَكَرَ أَبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لا يَصُومُ إلَّا مَنْ أجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ" (١).
* وأوقف مَالِكٌ هذَا الحَدِيثَ في المُوطَّأ على عبدِ الله بنِ عُمَرَ، وعلَى عَائِشَةَ وحَفْصَةَ، ولمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فيهِ: (أَنَّ النبيَّ ﷺ ) [١٠٠٨ و ١٠٠٩].
وقالَ مَالِكٌ: لا صِيامَ إلَّا لِمَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ.
وأَجَازَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ الصِّيَامَ بِغَيْرِ تَبْيِيتٍ، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ طَلْحَةَ (٢)، عَنْ عَائِشَةَ بنتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ أَنَّها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا دَخَلَ عَلَيْنَا، قالَ: هَلْ عِنْدَكُم مِنْ طَعَامٍ؟ فإذا قُلْنَا: لا، قالَ: فإِنِّي صَائِمٌ" (٣)، قالَ: فهذَا الحَدِيثُ يُبِيحُ الصِّيَامَ بِغَيْرِ تبَيِّتٍ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وهذا الحَدِيثُ قَالَ فيهِ بَعْضُ شُيُوخِنا: ليسَ فيهِ حُجَّة لِمنْ احْتَجَّ بهِ على ظَاهِرِ قَوْلهِ، وذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ قُوتِ أَهْلِهِ، فَيَسْألهُم عَنْ ذَلِكَ، فإذا أَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لا طَعَامَ عِنْدَهُم، قالَ: "إني صَائِمٌ"، стр. 271
أَيْ قَدْ بيَّتُ الصِّيَامَ فَلَا تَسْأَلُوا عَنِّي، وقدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وحَفْصَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لا صِيَامَ إلَّا لِمَنْ بيَتَ الصِّيَامَ" (١)، وَهُوَ ظَاهِرُ القُرْآنِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا لمْ يَجُزْ للصَّائِمِ الأكْلُ بعدَ الفَجْرِ لمْ يَكُنْ للنَّاسِ بُدٌّ منْ أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُم للصَّومِ قبلَ الفَجْرِ، وهذَا هُو التَّبَيَّتُ في الصِّيَامِ.
قالَ مَالِكٌ: وُيجْزِيءُ التَّبْييتُ في أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، ولَيْسَ على النَّاسِ تَبستُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، لأَنَّ الشَّهْرَ شَيءٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ إلى آخِرِ الشَّهْرِ.
* حَدِيثُ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" [١٠١١] يعنِي: عَجَّلُوا الأَكلَ إذا صَامُوا في رَمَضَانَ بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وفِي هذَا مِنَ الفِقْه: أَنَّ مَنْ وَقَفَ عِنْدَما حَدَّ اللهُ لَهُ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ، وفِيمابَيَّنَهُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ بِخَيْرٍ مِنْ دُنْيَاهُ، واسْتَوْجَبَ الأَجْرَ على ذَلِكَ مِنْ رَبّه في آخِرَتِهِ.
قالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأَوَّلُ اللَّيْلِ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ.
وذَكَرَ أَبو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا يَزَالُ الدّينُ (٢) ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ، لأَنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى يُؤَخّرُونَ" (٣) يعنِي: يُؤَخِّرُونَ فِطْرَهُم إذا صَامُوا، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَمْتَثِلَ أُمَّتُهُ فِعْلَ اليَهُودِ والنَّصَارَى في ذَلِكَ.
[قَالَ أَبو المُطَرّفِ]: أَرْسَلَ يحيى بنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَن أَبي يُونسُ حَدِيثَ الرَّجُلِ الذي سَأَلَ النبيَّ ﷺ أَنَّهُ يُصْبِحُ جُنُبًا في стр. 272
رَمَضَانَ، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه (١)، وأَسْنَدَهُ القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَنْ أَبي يُونسُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النبيِّ ﷺ ، وذَكَرَ الحَدِيثَ (٢).
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: مَعْنَى غَضَبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ على ذَلِكَ الرَّجُلِ حينَ رَاجَعَة الكَلاَمَ بعدَ أَنْ ذَكَرَ لَهُ ﷺ أَنَّهُ يُصْبِحُ جُنُباً في رَمَضَانَ ثُمَّ يَغْتسِلُ ويَصُومُ [١٠١٥]، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ وغَيْرَهُ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَمْتَثِلُوا أفعال النبي ﷺ ، إلَّا فِيمَا خَصَّهُ اللهُ به دُونَ أمَّتِه (٣)، فَلَمَّا قالَ لَهُ: (إنَّكَ لَمسْتَ مِثْلَنا، قَدْ غَفَر اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ)، قالَ: فكَأنَّهُ لم يَتَأَسَ به فِيما أَفْتَاهُ بهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ غَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
قالَ أبو مُحَمَّدٍ ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الفُقَهَاءِ يَقُولُ: إنَّهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُباً في رَمَضَانَ أَفْطَرَ ذَلِكَ اليومَ، وذَلِكَ أَنَّ الأَكْلَ والشُّرْبَ والوَطْءَ مُبَاح للنَّاسِ كُلِّهِم في لَيَالِي رَمَضَانَ إلى طُلُوع الفَجْرِ، فإذا كَانَ ذلكَ مُبَاحَاً إلى طُلُوعِ الفَجْرِ لمْ يَقَعْ غُسْلُ الوَاطِئِ إلَّا بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ.
[قَالَ أَبو المُطَرفِ]: في دُخُولِ أَبي بَكْرِ بنِ الحَارِثِ على مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ [١٠١٧] مِنَ الفِقْه: دُخُولُ الفُقَهَاءِ على الأُمَرَاءِ، وتَذَاكُرُهم السُّنَنَ، والبَحْثُ عَنِ الصَّحِيحِ منها، وأَخْذُهَا عَمَّن نَقَلَها عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وتَرْكُ الأَخْذِ بالحَدِيثِ الذي يُخَالِفُ ظَاهِرَ القُرْآنِ، ورُجُوعُ العَالِمِ عَنْ قَوْلةٍ قَالَهَا إذا صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ الصَّوَابَ في خِلاَفِها، كَمَا فَعَلَ أَبو هُرَيْرةَ، وكانَ المُخْبِرُ الذي أَخْبَرَهُ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ اليومَ"، الفَضْلُ بنُ عبَّاسٍ، وحَكَتْ عَائِشَةُ وأُمُّ سَلَمةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَطَأُ باللَّيْلِ في رَمَضَانَ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ بعدَ الفَجْرِ، ويَصُومُ стр. 273
ذَلِكَ اليَومَ"، وعلى هذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ: أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في رَمَضَانَ أَنَّهُ لا يُفْطِرُ.
* [قَالَ أَبوالمُطَرِّفِ]: لمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِحَدِيثِ عَطَاءٍ: (أَنَّ رَجُلاً قبَّلَ امْرَأَتهُ في رَمَضَانَ) [١٠٢٠]، وإنَّما لم يأَخُذْ به لأَنَّهُ مِنْ مُرْسَلاَتِ عَطَاءٍ، وهُوَ خِلاَفُ قَوْلِ علي، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وعَائِشَةَ، وَهِيَ التي قالتْ: (وأَيُّكُم أَمْلَكَ لإرْبهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) [١٠٢٦]، تعنِي: أَيُّكُم أَمْلَكُ لِشَهْوتِه مِنْهُ لِنَفْسِهِ ﷺ ، فَذَكرتْ في مَعْنَى حَدِيثِها: أَنَّ تَقْبيلَهُ نِسَاءَهُ في رَمَضَانَ خَاصٌ له، [إذ] (١) كانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ في حَالِ صِيَامِه مَا لَا يَمْلِكُ غَيْرُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا غَلَبَتْ شَهْوَةُ القُبْلَةِ على المُقَبّلِ فتفسُدُ عليهِ صَوْمَهُ بإنْزَالهِ المَاءَ، وقَدْ كَانَ كَثيرٌ مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ يَجْتَنِبُونَ دُخُولَ مَنَازِلِهِم بالنَّهَارِ في رَمَضَانَ خَوْفًا على أَنْفُسِهِم مِنَ القُبْلَةِ وغَيْرِهَا.
* وقالَ عُرْوَةُ: (لَمْ أَرَ أن القُبْلَةَ للصَّائِمِ تَدْعُو إلى الخَيْرِ) [١٠٢٧]، يعنِي: أَنَّهَا رُبَّمَا كَانَتْ سَبَبًا إلى فَسَادِ الصَّوْمِ.
وقَدْ سُئِلَ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ عَنِ القُبْلَةِ للصَّائِمِ في رَمَضَانَ بالنَّهَارِ، فقالَ: (اللَّيْلُ قَرِيبٌ) (٢)، فَهَذِه الآثَارُ كُلُّها خَلاَفَ مَا رَوَاهُ عَطَاءُ بنُ أَبي رَبَاحٍ في ذَلِكَ (٣)، ولِذَلِكَ لم يَأْخُذْ بهِ مَالِكٌ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّما أَفْطَرَ النبيُّ ﷺ نَهَارَاً في رَمَضَانَ حِينَ عَلاَ على شَرَفِ الكَدِيدِ [١٠٣١]، لِكَي يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ فَيَنْظُرُونَ لِفِطْرِه، وقدْ كَانَ أَمَرَهُمْ بالفِطْرِ في سَفَرِهِم ذَلِكَ حِينَ خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، وقالَ لَهُم: "تَقَوَّوْا стр. 274
لِعَدُوّكُمْ" [١٠٣٢]، وصَامَ هُو، فَلَمَّا عَلِمُوا بِصِيَامهِ صَامُوا، فَشَقَّ عَلَيْهِم الصَّوْمُ وجَهَدَهُم ذَلِكَ، فَلَمَّا عَلاَ على الكَدِيدِ، والكَدِيدُ العَقَبَةُ المُطِلَّةُ على الجُحْفَةِ، ونَظَرَ النَّاسُ إليه دَعَا بِمَاءٍ، فَاأَفْطَرَ وأَفْطَرَ النَّاسُ بِفِطْرِه.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: ليسَ في هذَا الحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ في السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَة، وذَلِكَ أَنَّ النبيَّ ﷺ لم يكنْ قَصْدُهُ إلى الفِطْرِ اخْتِيَارًا منهُ لِذَلِكَ، وإنَّما أَفْطَرَ اتِّقَاءً على النَّاسِ ورِفْقًا بِهم.
وحُجَّةُ ابنِ القَاسِمِ التِّي ذَكَرَها عنهُ سُحْنُونُ في المُدَوَّنَةِ في هذِه المَسْأَلةِ أَصَحُّ مِنْ حُجَّةِ أَشْهَبَ (١).
[قَالَ أَبو المُطَرّفِ]: (كانَ ابنُ عُمَرَ لا يَصُومُ في السَّفَرِ) [١٠٣٥]، يَأْخُذُ في ذَلِكَ بِرُخْصَةِ اللهِ للمُسَافِرِ في الفِطْرِ، واسْتَحَبَّ مَالِكٌ الصَّوْمَ للمُسَافِرِ إذا لم يَشُقَّ الصَّوْمُ عليهِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وقَوْلُ أَنَسٍ: (سَافَرَنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في رَمَضَانَ، فَلَمْ يُعِبِ الصَّائِمِ على المُفْطِرِ، ولَا المُفْطِرُ علَى الصَّائِمِ) [١٠٣٣]، هكَذا رَوَاهُ مَالِكٌ.
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: غَيْرُ مَالِكٍ يَقُولُ في هذَا الحَدِيثِ عَنْ أَنسٍ: (سَافَرْنَا مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢)، قالَ أَحْمَدُ: وهذَا هُوَ المَعْرُوفُ عَنْ أَنسَ بنِ مَالِكٍ في هذَا الحَدِيثِ (٣).
وَروَى أَبو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: (كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ )، стр. 275
يعني: في رَمَضَانَ، "فَيَصُومُ الصَّائِمُ، ويُفْطِرُ المُفْطِرُ، فلَا يُعِيبُ الصَّائِمُ على المُفْطِرِ، ولَا المفْطِرُ على الصَّائِمِ" (١).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: روَى عبدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قتادةَ في قَوْلهِ : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قالَ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ: (مَنْ خَرَجَ في رَمَضَانَ إلى سَفرٍ، فإنَ الصَّومَ وَاجِبٌ عليهِ في سَفَرِه) (٢)، لأنَّهُ مِمَّنْ شَهِدَ أَوَّلَ الشَّهْرِ في الحَضَرِ.
قالَ قتادَةُ: وقالَ غَيْرُ عليٍّ: الفِطْر لِمَنْ خَرَجَ في رَمَضَانَ إلى سَفَرِه مُبَاحٌ، وقَدْ فَعَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَهُ وَبَعْدَهُ.
[قَالَ أَبو المُطَرّفِ]: روَى أَبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى حُنَيْنٍ لِثِنتيْ عَشَرَةَ لَيلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ قَوْمٌ، وأَفْطَرَ قَوْمٌ، فَلَمْ يُعِبِ الصَّائِمِ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصَّائِمِ" (٣).
* [قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: روَى ابنُ بكيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَن حَمْزَةَ بنَ [عَمْرو] (٤) قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إني رَجُلٌ أَصُومُ" (٥)، وذَكَرَ الحَدِيثَ، وأَسْنَدَهُ، وأَرْسَلَهُ يَحيى عَن مَالِكٍ في الموطَّأ، ولمْ يَذْكُرْ فيهِ عَائِشَةَ بِصَوْمٍ [١٠٣٤]، والصَّحِيحُ أنَّهُ مُسْنَدٌ كَمَا رَوَاهُ ابنُ بُكَيْرٍ.
وأَبَاحَ النبي ﷺ صَوْمَ الدَّهرِ لمَن شَاءَ، وكَانَتْ عَائِشَة تَصُومُ الدَّهْرَ، وكَانَ أَبو هُرَيْرَةَ يَصُومَهُ، وفَعَلَهُ جَمَاعَة مِنَ الصَّحَابةِ والتابِعِينَ.
ومَعْنَى الحَدِيثِ الذي ذَكَرَهُ أَبو دَاوُدَ منْ طرِيقِ أَبي قتادَةَ الأَنْصَارِيِّ: (أَنَّ رَجُلًا стр. 276
سَأَلَ النبيَّ ﷺ عَمَّنْ يَصُومُ الدَّهْرَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : لا صَامَ ولا أَفْطَرَ) (١)، فَدَعَا ﷺ على مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُعِينَهُ اللهُ على الصّيَامِ، ولَا على الإفْطَارِ، فَمَعْنَاهُ: أَنْ يَصُومَ أَبَداً، ولَا يُفْطِرُ في فِطْرٍ ولا أَضْحَى، فَيَصُومُ مَا قَدْ نَهَى النبيُّ ﷺ عَنْ صِيَامِهِ، لأَنَّهُ ثَبَتَ عنهُ ﵇ أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الفِطْرِ وَيوْمِ الأَضْحَى، وقالَ في أَيَّامِ مِنَى: (إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ) (٢)، فَمَن صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ فقدْ خَالَفَ رَسُول الله ﷺ في صِيَامِ يومِ الفِطْرِ والأَضْحَى، فَلِذَلِكَ قالَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: (لا صَامَ ولَا أَفْطَرَ)، وأَمَّا إذا صَامَ الدَّهْرَ وأَفْطَرَ في الفِطْرِ والأَضْحَى وأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَمُبَاح لمَنْ فَعَلَ هذَا، وكَانَ اللهُ مُثِيبَهُ مِنَ الأَجْرِ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ.
* * * стр. 277
في كَفَّارَةِ مَنْ أفْطَرَ في رَمَضَانَ،
وحِجَامَةِ الصَّائِمِ، وصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
* قالَ عِيسى: العَرَقُ الذي أَمَرَ بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُكَفِّرَ في رَمَضَانَ [١٠٤٣] هُوَ: مِكْتَلٌ يَسَعُ مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعَاً إلى عِشْرِينَ.
وأَمَرَ الذي أَعْطَاهُ إيَّاهُ لِيُكَفِّرَ بهِ عَنْ وَطْءِ أَهْلِهِ في نَهَارِ رَمَضَانَ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَيصُومَ يَوْمًا مَكَانَ اليومَ الذي وَطِءَ فيهِ، وهذا خَاصٌّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ، ولِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ مِنْ أُمَّتِهِ بِمَا شَاءَ، وقدْ قالَ لأَبي بُرْدَةَ بنِ نِيَارٍ حِينَ أَبَاحَ لَهُ يُضَحِّي بالصَّغِيرَةِ مِنَ المَعْزِ: (اذْبَحْهَا، ولَنْ تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) (١)، فَكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ أَكَلَ كفَّارَتَهُ الوَاجِبَةِ عليهِ أَنَّهَا بَاقِيَة عليهِ، وقَالَهُ الزهْرِيُّ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: قالَ مَالِكٌ: الذي نأْخُذُ بهِ في كَفَّارَةِ رَمَضَانَ لِمَنْ وَطِيءَ فيهِ نَهَاراً الإطْعَامَ، وَهُوَ ظَاهِرُ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢) [البقرة: ١٨٤]، وإنَّمَا ذَكَرَ اللهُ - -فيهِ الإطْعَامَ، فَمَا لَهُ [غَيْرَ] (٣) ذَلِكَ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: ذَكَرَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ، عَنِ اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ يحيى بنِ стр. 278
أَيُّوبَ، قالَ: قِيلَ لِسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: إنَّ عَطَاءَ الخُرَاسَانِيَّ يَرْوِي عَنْكَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَ الذي أَفْطَرَ في رَمَضَانَ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً، أَو يَنْحَرَ جَزُورًا"، فقالَ سَعِيدٌ: كَذَبَ عَطَاءٌ، إنَّمَا قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ" (١).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: الكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ في كَفَّارَةِ الوَاطِئِ في رَمَضَانَ بِمِثْلِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، أَنْ يَعْتِقَ أَوَّلاً رَقَبَةً، فَإنْ لم يَجِدْهُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ (٢)، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينَاً، على حَسَبِ كَفَّارَةِ الظَّهَارِ (٣).
وقالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: لَيْسَتْ مِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ خَيَّرَ فِيهَا المُكَفِّرَ، ولَيْسَ في كَفَّارَةِ [الظِّهَارِ] (٤) تَخْيِير، فَوَجَبَ بهذَا الحَدِيثِ أَنْ لَا تَكُونَ مِثْلَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، والذي يَسْتَحِبُّ مَالِكٌ الإطْعَامَ، لأن به وَاقعُ تَكْفِيرِ النبيِّ ﷺ عَنِ الوَاطِيءِ في رَمَضَانَ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: سألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ أَبي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوبَانَ، عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " [أَفْطَرَ] (٥) الحَاجِمُ والمَحْجُومُ" (٦)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ في هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وقدْ رَوَى أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمةَ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُو صَائِمٌ" (٧). стр. 279
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: سَمِعْتُ بَعْضَ الفُقَهَاءِ يَقُولُ: "مَرَّ النبيُّ ﷺ على حَاجمٍ ومَحْجُومٍ وَهُمَا يَغْتَابَانِ رَجُلاً، فقالَ ﵇: أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ" (١)، ولِهَذا قالَ سُفْيَانُ: (إنَّ الغِيبَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ) (٢).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا كُرِهَتِ الحِجَامَةُ للصَّائِمِ خِيفَةَ التَّغْرِيرِ بالصَّائِمِ، لِئَلَّا يُمْنَعَ المُحْتَجِمُ أَو يَضْعُفَ (٣)، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لإفْطَارِه، فإذا احْتَجَمَ وسَلِمَ لَمْ يَكُنْ بهِ بَأْسٌ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: روَى سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ وَجَدَ اليَهُودَ الذينَ كَانُوا بِها يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: في هَذا اليوم أَظْهَرَ اللهُ مُوسَى على فِرْعَون، فَنَحْنُ نَصُومهُ تَعْظِيماً لَهُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم، فَصَامَهُ وأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قالَ: مَنْ شَاءَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، ومَنْ شَاءَ تَرَكَهُ" (٤).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: صِيَامُ يومَ عَاشُورَاءَ مُرَغَبٌ فيهِ، ولَا يُصَامُ إلَّا بِتَبيِّتٍ كمَا لا يُصَامُ رَمَضَانُ إلَّا بِتَبيِّتٍ.
* وقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ أَنْ يَصُومَهُ هُوَ وأَهْلُهُ وأَمَرَهُ أَنْ يُبيتَ الصِّيَامَ [١٠٥٤].
قالَ أَبو عُمَرَ: مَنْ كَانَتْ لهُ نيّهٌ في صِيَامِ يومِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ ذَلِكَ اليومِ نَسِيَ أَنْ يُبيِّتَ الصِّيَامَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا لَيْلَةُ يومِ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا стр. 280
أَصْبَحَ عَلِمَ أَنَّةُ يومُ عَاشُورَاءَ ولَمْ يَكُنْ أَكَلَ شَيْئاً، فإنَّهُ يَتَمَادَى على صِيَامِهِ، ويَكُونُ إنْ شَاءَ اللهُ صَائِمًا، وأما مَنْ أَكَلَ يومَ عَاشُورَاءَ بعدَ أَنْ أَصْبَحَ فلَا صِيامَ لَهُ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أَنَّهُ لا يُصَامُ يَوْمُ الفِطْرِ ولَا يَوْمُ الأَضْحَى، وأَمَّا أَيَّامُ مِنَى فلَا يُصُمْهَا إلَّا المُتَمَتِّعُ الذي لا يَجِدُ الهَدْيَ، لِقَوْلهِ تعالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وكَذَلِكَ يَصُومُها مَنْ كَانَ في صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ فَمَنَعَهُ مِنْ تتَابِعِه مَرَضٌ فَأفْطَرَ ثُمَّ صَحَّ في أَيَّامِ مِنَى، فإِنَّهُ يُفْطِرُ يومَ الأَضْحَى وَيصُومُ أَيَّامَ مِنَى، واليومُ الرَّابعُ لَا يَصُومُهُ إلَّا مَنْ نَذَرَهُ أو مَنْ كَانَ في صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ قَبْلَ ذَلِكَ.
стр. 281
بابُ الوِصَالِ، إلى آخرِ
بَابِ قَضَاءِ رَمَضَانَ والكَفَّارَاتِ
قالَ مَالِكٌ: لا يُوَاصِلُ الصَّائِمُ مِنْ لَيْلٍ إلى لَيْلٍ، ولَا مِنْ سَحَرٍ إلى سَحَرٍ، لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الوِصَالِ.
قالَ أَبو جَعْفَرِ بنُ عَوْنِ اللهِ: قَدْ وَاصَلَ النبيُّ ﷺ بأَصْحَابهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ على أَنَّ الوِصَالَ مُبَاحٌ، وإنَّمَا نَهَى عنهُ ﷺ رَأْفَة ورَحْمَة ورِفْقَاً بأُمَّتِه، إذ ليسَ كُلُّ النَّاسِ يُطِيقُونَهُ، وقدْ قالَ بهذا قَوْمٌ مِنَ المُتَعَبِّدِينَ.
* وقَالَ غَيْرُ أَبي جَعْفَرٍ: روَى أَبو سَلَمَةَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الوِصَالِ، فَقَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ، فقالَ: إنّيَ أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي" (١)، يعنِي: يُقَوِّينِي علَى الصِّيَامِ حتَّى أَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، فَلَمَّا أَبَوا أَنْ يَنتهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِم ﷺ يَوْمًا وَيوْماً، فَلَمَّا أَمْسُوا رَأَوُا الهِلاَلَ، فقالَ: "لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُم" كالمُنَكِّلِ لَهُم حِينَ أَبَوا أَنْ يَنتهُوا عَنِ الوِصَالِ الذي كَانَ قَدْ نَهَاهُم عنهُ، فهذا الحَدِيثُ حُجَّةٌ على مَنْ يَقُولُ بِفَضْلِ الوِصَالِ في الصِّيَامِ إذ لمْ يُوَاصِلْ بِهم النبيُّ ﷺ إلّا على جِهَةِ النكَالِ لَهُم، وقدْ قالَ ﷺ : "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (٢)، وقالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقدْ قالَ ﷺ : "إيَّاكُمْ والوِصَالَ، إيَّاكُمْ والوِصَالَ" [١٠٦٠]، فلَا يَنْبَغِي أَنْ стр. 282
يُتَعَدَّى ما حَدَّهُ اللهُ، ولَا يُسْتَبَاحُ مَا نَهَى عنه رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وقدَ قالَ ﷺ : "إذا نَهَيْتكُم عَنْ شَيءٍ فَانتهُوا" (١).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ أبو مُحَمَّدٍ: أَجْمَعَ النَّاسُ كُلُّهُم عَنِ المَرْأةِ إذا حَاضَتْ في صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ المُتَتَابِعَيْنِ أَنَّهَا تَبْنِي على صِيَامِها إذا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِها.
واخْتَلَفَ النَّاسُ في المَرِيضِ يَمْرَضُ في صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ المُتَتَابِعِينِ:
فقالَ أَبو حَنِيفَةَ: إذا أَفْطَرَ فِيها المَرِيضُ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الصّيامَ إذا صَحَّ (٢).
وقالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يَبْنِي على صِيَامِهِ إذا صَحَّ، وذَلِكَ أَنَّ المَرَضَ شَيءٌ لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كالحَيْضِ الذي لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ، فأَمَّا مَنْ سَافَرَ في صِيَامٍ الشَّهْرَيْنِ المُتَتَابِعَيْنِ فَاَفَطْرَ مِنْ ضَرُورَةٍ، فإنَّهُ يَسْتَأْنِفُ صِيَامَهُ،. لأَنَّهُ قَدْ يَدْفَعُ عَنْ نفْسِهِ السَّفَرَ ولا يَدْفَع المَرَضَ، وكَذَلِكَ الحَائِضُ إذا طَهُرَتْ [وأَخَذَتْ] (٣) أَنْ تَصِلَ الصِّيَامَ بِما صَامَتْهُ أَوَّلاً أَنَّها تَسْتَأْنِفُ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ، وكَذَلِكَ حُكْمُ المَرِيضِ إذا صَحَّ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] , وذَلِكَ مِمَّا نَذَرَهُ النَّاسُ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَلِهذَا أَمَرَ بِصِيَامِ النِّذْرِ قَبْلَ التَّطُوعِ، فإذا فَرَّطَ الرَّجُلُ في نُذُورِه التي هِي في مَالِهِ، وأَوْصَى بِها عندَ مَوْتهِ، أَخْرِجَتْ مِنْ ثُلُثهِ، وُبدِّيتْ على التَّطَوِّعِ، ولَمْ تُخْرَجْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، لأَنَّ ثُلُثَي مَالهِ قَدْ صَارَ لِوَرَثَتِهِ، فَلَا يُؤَدِّي عَنْ نَفْسِه مِنْ مَالِ وَرَثَتِهِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ [مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ] (٤)، عَنْ стр. 283
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ مَاتَ وعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عنهُ وَلِيُّه" (١)، فقَالَ لي: لَيْسَ هذا الحَدِيثُ بِصَحِيح، لأنه ثَبَتَ عَنِ النبيّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "إذا مَاتَ العَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلاَثٍ، دُعَاءُ وَلَدِه لَهُ، وصَدَقَة مَوْقُوفَةٌ قدْ أَوْقَفَها في وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ البِرّ تَجْرِي عليهِ أَجْرُهَا في قَبْرِه، وعِلْم يُنْشَرُ بَعْدَهُ قَدْ عَلَّمَهُ النَاسَ" (٢)، فَهَذا مِما يَنْتَفعُ بهِ المَيّتُ في قَبْرِه، وقدْ قالَ ابنُ عُمَرَ: (لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، ولَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) [١٠٦٩].
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَمَا لا يُؤْمِنُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: ذَكَرَ أَبو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبلٍ أَنهُ قالَ في حَدِيثِ [مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ] (٣) عن (٤) ...............................
* * * стр. 284
[كتابُ الجَنَائِزِ]
[مَا يَقُولُ المُصَلِّي على الجَنَازَةِ، ومَا جَاءَ في الصَّلَاةِ على الجَنَائِزِ في المَسْجِدِ] (١)
........................................................................
.....................................................................
.....................................................................
.........................................
فلمْ يُصَلِّ وَاحِدٌ مِنْهُم على قَبْرِه، وكَفَى بهذا حُجَّةً على مَن أَبَاحَ الصَّلَاةَ على قَبْرِ مَيّتٍ قد صُلِّيَ عليهِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَرَ.
قالَ مَالِكٌ: ولَيْسَ على حَدِيثِ السَّودَاءِ العَمَلُ (٢).
قالَ عِيسَى: مَنْ دُفِنَ ولمْ يُصَلَّ، أَو قُتِلَ ولمْ يُصَلَّ عليهِ ودُفِنَ، فإني أَرَى أَنْ يُصَلَّى على قَبْرِه، وقدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ عبدِ العَزِيزِ بنِ أَبي سَلَمَةَ (٣).
سَاَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ [سَعْدِ] (٤) بنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ стр. 285
طَلْحَةَ بنِ عبدِ [الله] (١) بنِ عَوْفِ أَنَّه قالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ ابنِ عبَّاسِ على جِنَازَة، فَقَرأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) (٢)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ في المَيِّتِ: "أَخْلِصُوه بالدُّعَاءِ" (٣)، وإذا قَرَأَ المُصَلِّي على المِيِّتِ بأُمِّ القُرْآنِ كَانَتْ قِرَأتهُ بينَ اللهِ وبينَ القَارِئ، ولمْ يَكُنْ للَمَيِّتِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وقدْ أَمَرَنا ﵇ أَنْ [نُخْلِصَهُ] (٤) بالدُّعَاءِ.
قِيلَ لَهُ: قدْ قالَ ﷺ : "كُلُّ صَلاَةٍ لا يُقْرَأُ فِيها بأُمِّ القُرْآنِ فِهِي خِدَاجٌ" (٥)، قالَ: تِلْكَ صَلاَةٌ يَكُونُ فِيهَا رُكُوع وسُجُودٌ، والصَّلاَةُ على الجَنَائِزِ إنَّما هُو دُعَاءٌ للمِيِّتِ، كَمَا أَمَرَ ﷺ .
روى مَالِكٌ عَنْ أَبي النَّضْرِ: (أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ حِينَ ماتَ لِكَي تُصَلِّي عليهِ، فأَنْكَر النَّاسُ عَلَيْها ذَلِكَ) [٧٨٢]. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَسْمَعْ أَبو النَّضْرِ مِنْ عَائِشَةَ، وحَدِيثُهُ عَنْهَا مُرْسَلٌ.
فقُلتُ لَهُ: فقدْ روَى ابنُ أَبي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحّاكِ بنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبي النَّضْرِ، عَنْ أَبي سَلَمةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالتْ: (واللهِ مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ على ابْنَي بَيْضَاءَ سَهْلاً وسُهَيْلاَ إلَّا في المَسْجِدِ) (٦)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذَا حَدِيثٌ ليسَ بِثَابِتٍ، وابنُ أَبي فُدَيْكٍ ضَعِيفٌ، وقدْ أَنْكَرَ النَّاسُ على عَائِشَةَ إذْ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدٍ في المَسْجِدِ لِتَدْعُو لَهُ (٧)، وفِي خُرُوجِ النبيِّ ﷺ مِنَ المَسْجِدِ إلى المُصَلَّى لِيُصَلِّي следующие страницы →