Полный текст (779 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بابُ الوِصَالِ، إلى آخرِ
بَابِ قَضَاءِ رَمَضَانَ والكَفَّارَاتِ
قالَ مَالِكٌ: لا يُوَاصِلُ الصَّائِمُ مِنْ لَيْلٍ إلى لَيْلٍ، ولَا مِنْ سَحَرٍ إلى سَحَرٍ، لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الوِصَالِ.
قالَ أَبو جَعْفَرِ بنُ عَوْنِ اللهِ: قَدْ وَاصَلَ النبيُّ ﷺ بأَصْحَابهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ على أَنَّ الوِصَالَ مُبَاحٌ، وإنَّمَا نَهَى عنهُ ﷺ رَأْفَة ورَحْمَة ورِفْقَاً بأُمَّتِه، إذ ليسَ كُلُّ النَّاسِ يُطِيقُونَهُ، وقدْ قالَ بهذا قَوْمٌ مِنَ المُتَعَبِّدِينَ.
* وقَالَ غَيْرُ أَبي جَعْفَرٍ: روَى أَبو سَلَمَةَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الوِصَالِ، فَقَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ، فقالَ: إنّيَ أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي" (١)، يعنِي: يُقَوِّينِي علَى الصِّيَامِ حتَّى أَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، فَلَمَّا أَبَوا أَنْ يَنتهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِم ﷺ يَوْمًا وَيوْماً، فَلَمَّا أَمْسُوا رَأَوُا الهِلاَلَ، فقالَ: "لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُم" كالمُنَكِّلِ لَهُم حِينَ أَبَوا أَنْ يَنتهُوا عَنِ الوِصَالِ الذي كَانَ قَدْ نَهَاهُم عنهُ، فهذا الحَدِيثُ حُجَّةٌ على مَنْ يَقُولُ بِفَضْلِ الوِصَالِ في الصِّيَامِ إذ لمْ يُوَاصِلْ بِهم النبيُّ ﷺ إلّا على جِهَةِ النكَالِ لَهُم، وقدْ قالَ ﷺ : "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (٢)، وقالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقدْ قالَ ﷺ : "إيَّاكُمْ والوِصَالَ، إيَّاكُمْ والوِصَالَ" [١٠٦٠]، فلَا يَنْبَغِي أَنْ стр. 282
يُتَعَدَّى ما حَدَّهُ اللهُ، ولَا يُسْتَبَاحُ مَا نَهَى عنه رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وقدَ قالَ ﷺ : "إذا نَهَيْتكُم عَنْ شَيءٍ فَانتهُوا" (١).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ أبو مُحَمَّدٍ: أَجْمَعَ النَّاسُ كُلُّهُم عَنِ المَرْأةِ إذا حَاضَتْ في صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ المُتَتَابِعَيْنِ أَنَّهَا تَبْنِي على صِيَامِها إذا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِها.
واخْتَلَفَ النَّاسُ في المَرِيضِ يَمْرَضُ في صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ المُتَتَابِعِينِ:
فقالَ أَبو حَنِيفَةَ: إذا أَفْطَرَ فِيها المَرِيضُ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الصّيامَ إذا صَحَّ (٢).
وقالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يَبْنِي على صِيَامِهِ إذا صَحَّ، وذَلِكَ أَنَّ المَرَضَ شَيءٌ لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كالحَيْضِ الذي لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ، فأَمَّا مَنْ سَافَرَ في صِيَامٍ الشَّهْرَيْنِ المُتَتَابِعَيْنِ فَاَفَطْرَ مِنْ ضَرُورَةٍ، فإنَّهُ يَسْتَأْنِفُ صِيَامَهُ،. لأَنَّهُ قَدْ يَدْفَعُ عَنْ نفْسِهِ السَّفَرَ ولا يَدْفَع المَرَضَ، وكَذَلِكَ الحَائِضُ إذا طَهُرَتْ [وأَخَذَتْ] (٣) أَنْ تَصِلَ الصِّيَامَ بِما صَامَتْهُ أَوَّلاً أَنَّها تَسْتَأْنِفُ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ، وكَذَلِكَ حُكْمُ المَرِيضِ إذا صَحَّ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] , وذَلِكَ مِمَّا نَذَرَهُ النَّاسُ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَلِهذَا أَمَرَ بِصِيَامِ النِّذْرِ قَبْلَ التَّطُوعِ، فإذا فَرَّطَ الرَّجُلُ في نُذُورِه التي هِي في مَالِهِ، وأَوْصَى بِها عندَ مَوْتهِ، أَخْرِجَتْ مِنْ ثُلُثهِ، وُبدِّيتْ على التَّطَوِّعِ، ولَمْ تُخْرَجْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، لأَنَّ ثُلُثَي مَالهِ قَدْ صَارَ لِوَرَثَتِهِ، فَلَا يُؤَدِّي عَنْ نَفْسِه مِنْ مَالِ وَرَثَتِهِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ [مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ] (٤)، عَنْ стр. 283
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ مَاتَ وعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عنهُ وَلِيُّه" (١)، فقَالَ لي: لَيْسَ هذا الحَدِيثُ بِصَحِيح، لأنه ثَبَتَ عَنِ النبيّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "إذا مَاتَ العَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلاَثٍ، دُعَاءُ وَلَدِه لَهُ، وصَدَقَة مَوْقُوفَةٌ قدْ أَوْقَفَها في وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ البِرّ تَجْرِي عليهِ أَجْرُهَا في قَبْرِه، وعِلْم يُنْشَرُ بَعْدَهُ قَدْ عَلَّمَهُ النَاسَ" (٢)، فَهَذا مِما يَنْتَفعُ بهِ المَيّتُ في قَبْرِه، وقدْ قالَ ابنُ عُمَرَ: (لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، ولَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) [١٠٦٩].
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَمَا لا يُؤْمِنُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: ذَكَرَ أَبو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبلٍ أَنهُ قالَ في حَدِيثِ [مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ] (٣) عن (٤) ...............................
* * * стр. 284
[كتابُ الجَنَائِزِ]
[مَا يَقُولُ المُصَلِّي على الجَنَازَةِ، ومَا جَاءَ في الصَّلَاةِ على الجَنَائِزِ في المَسْجِدِ] (١)
........................................................................
.....................................................................
.....................................................................
.........................................
فلمْ يُصَلِّ وَاحِدٌ مِنْهُم على قَبْرِه، وكَفَى بهذا حُجَّةً على مَن أَبَاحَ الصَّلَاةَ على قَبْرِ مَيّتٍ قد صُلِّيَ عليهِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَرَ.
قالَ مَالِكٌ: ولَيْسَ على حَدِيثِ السَّودَاءِ العَمَلُ (٢).
قالَ عِيسَى: مَنْ دُفِنَ ولمْ يُصَلَّ، أَو قُتِلَ ولمْ يُصَلَّ عليهِ ودُفِنَ، فإني أَرَى أَنْ يُصَلَّى على قَبْرِه، وقدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ عبدِ العَزِيزِ بنِ أَبي سَلَمَةَ (٣).
سَاَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ [سَعْدِ] (٤) بنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ стр. 285
طَلْحَةَ بنِ عبدِ [الله] (١) بنِ عَوْفِ أَنَّه قالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ ابنِ عبَّاسِ على جِنَازَة، فَقَرأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) (٢)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ في المَيِّتِ: "أَخْلِصُوه بالدُّعَاءِ" (٣)، وإذا قَرَأَ المُصَلِّي على المِيِّتِ بأُمِّ القُرْآنِ كَانَتْ قِرَأتهُ بينَ اللهِ وبينَ القَارِئ، ولمْ يَكُنْ للَمَيِّتِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وقدْ أَمَرَنا ﵇ أَنْ [نُخْلِصَهُ] (٤) بالدُّعَاءِ.
قِيلَ لَهُ: قدْ قالَ ﷺ : "كُلُّ صَلاَةٍ لا يُقْرَأُ فِيها بأُمِّ القُرْآنِ فِهِي خِدَاجٌ" (٥)، قالَ: تِلْكَ صَلاَةٌ يَكُونُ فِيهَا رُكُوع وسُجُودٌ، والصَّلاَةُ على الجَنَائِزِ إنَّما هُو دُعَاءٌ للمِيِّتِ، كَمَا أَمَرَ ﷺ .
روى مَالِكٌ عَنْ أَبي النَّضْرِ: (أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ حِينَ ماتَ لِكَي تُصَلِّي عليهِ، فأَنْكَر النَّاسُ عَلَيْها ذَلِكَ) [٧٨٢]. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَسْمَعْ أَبو النَّضْرِ مِنْ عَائِشَةَ، وحَدِيثُهُ عَنْهَا مُرْسَلٌ.
فقُلتُ لَهُ: فقدْ روَى ابنُ أَبي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحّاكِ بنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبي النَّضْرِ، عَنْ أَبي سَلَمةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالتْ: (واللهِ مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ على ابْنَي بَيْضَاءَ سَهْلاً وسُهَيْلاَ إلَّا في المَسْجِدِ) (٦)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذَا حَدِيثٌ ليسَ بِثَابِتٍ، وابنُ أَبي فُدَيْكٍ ضَعِيفٌ، وقدْ أَنْكَرَ النَّاسُ على عَائِشَةَ إذْ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدٍ في المَسْجِدِ لِتَدْعُو لَهُ (٧)، وفِي خُرُوجِ النبيِّ ﷺ مِنَ المَسْجِدِ إلى المُصَلَّى لِيُصَلِّي стр. 286
على النَّجَاشِيِّ ولَيْسَ بالحَضْرَةِ، أَقْوَى دَلِيلٍ على أَنَّهُ لا يُصَلَّى على جِنَازَةٍ في المَسْجِدِ.
قُلْتُ لَهُ: فَقَدْ صُلِّيَ على عُمَرَ في المَسْجِدِ، فقالَ: إنَّما صُلِّيَ عَلَيْهِ في المَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ قَبْرَهُ كَانَ فيهِ، فَصُلِّي عليهِ عندَ قَبْرِه، ثُمَّ دُفِنَ فِيهِ.
ورَوَى أَبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ صَلَّى على جِنَازَةٍ في المَسْجِدِ فَلَا شَيءَ لَهُ" (١)، يعنِي: لا أَجْرَ لَهُ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وإذا صُلّيَ عَلَيْهَا في المُصَلَّى كانَ لَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الأَجْرِ، وذَلِكَ مِثْلُ وَزْنِ جَبَلِ أُحُدٍ ثَوَاباً.
قالَ مَالِكٌ: لا يُصَلَّى على جِنَازَةٍ إلَّا بِوضُوءٍ أَو تَيمُّمٍ لِمَنْ لم يَجِد المَاءَ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: (لا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ) (٢)، لأَنَّهُ دُعَاءٌ للمَيّتِ.
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وُلِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الإثْنَيْنِ لاثْنتَيْ عَشَرَةَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ عَامَ الفِيلِ، وتُوفِّي يومَ الإثْنَيْنِ لاثْنتَيْ عَشَرَةَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى لإحْدَى عَشَرَةَ سَنَةً مَضَتْ مِن الهِجْرَةِ، وَهُوَ ابنُ سِتِّينَ سَنَةٍ، وقِيلَ: ابنُ ثَلاَثٍ وسِتِّينَ سَنَةً، وصَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُم أَحَدٌ.
وقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: اللهُ أَعْلَمُ مَا الَّذِي مَنَعَهُم مِنْ أَنْ يَجْمَعُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وقَدْ كَانُوا أَجْمَعُوا قَبْلَ دَفْنِهِ على خِلاَفَةِ أَبي بَكْرٍ (٣). стр. 287
في دَفْنِ المَيّتِ، والوُقُوفِ للجَنَائِزِ،
وتَرْكِ البُكَاءِ على المَيِّتِ
لمَّا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَوْتهِ في صِفَةِ قَبْرِهِ، هَلْ يُلْحَدُ أَم يُشَقُّ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُم في صِفَةِ ذَلِكَ عِلْمٌ مِنَ النبيِّ ﷺ اصْطَلَحُوا على أَنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِم أَوَّلَ رَجُلِ مِمَّن يَحْفُر القُبُورَ عَمَل عَمِلَهُ، دَخَلَ أبو طَلَحْةَ الأَنْصَارِيُّ، وَهُو الذي كَانَ يَلْحَدُ بالمَدِينَةِ فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وكَانَ أَبو عُبَيْدةَ بنُ الجَرَّاحِ يَحْفِرُ القُبُورَ شِقًّا, وهَكَذا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ بِمَكَّةَ، تَشُق وَسَطَ القَبْرِ شِقًا، يُجْعَلُ فيهِ المَيِّتُ.
وقالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعَيُّ: (اللَّحْدُ لَنا، والشِّقُّ لأَهْلِ الكِتَابِ) (١)، وَصِفَةُ اللَّحْدِ أَنْ يُحْفَرَ في قِبْلَةِ القَبْرِ حَيْثُ يُوضَعُ المَيِّتُ على جَنْبِه الأَيْمَنِ، ووَجْهُهُ إلى القِبْلَةِ.
* قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ: (مَا صَدَّقتُ بمَوْتِ رَسُولِ الله ﷺ حتَّى سمِعْتُ بِوَقْعِ الكَرَازِينِ) [٧٩٢]، يعنِي: أنَّها لَمَّا سَمِعَت بِوَقْعِ المَحَافِرِ في الأَرْضِ حِينَ حُفِرَ قَبْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلِمَتْ أَنَّهُ قدْ مَاتَ إذ يُحْفَرُ قَبْرُهُ.
* [قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: أَمْرُ سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ وسَعِيدِ بنِ زيدٍ أَنْ يُدْفَنَا بالبَقِيعِ لِفَضْلِ المَدِينَةِ، ولِمُجَاوَرَةِ الشُّهَداءِ في قبُورِهِم [٧٩٤].
* ومَعْنَى قَوْلِ عُرْوَةَ: (مَا أُحِبُّ أَنْ أدْفَنَ بالبَقِيعِ) [٧٩٥]، إنَّما قَالَ ذَلِكَ حِينَ كَثُرَ الدَّفْنُ فيهِ، وخَافَ أَنْ تُنْبَشَ لَهُ عِظَامُ رَجُلٍ صَالِحٍ، وتُكْسَرَ عِظَامُهُ، وحُرْمَةُ стр. 288
كَسْرِ عَظْمِ المَيِّتِ كَحُرْمَةِ كَسْرِه وَهُو حَيٌّ في الإثْمِ.
* قَوْلُ عليِّ بنِ أَبي طَالِبٍ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُومُ في الجَنَائِزِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ" [٧٩٧]، يعنِي: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُومُ إذا نَظَرَ إِلَى جِنَازَةٍ مُقْبلَةٍ، ثُمَّ كَانَ آخِرَ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ فلَا يَقُومُ، وهَكَذَا حُكْمُ مَنْ مُزَ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ أَنْ يَجْلِسَ فَلَا يَقُومُ لَهَا.
* قَوْلُ مَالِكٍ: "إنَّما نُهِيَ عَنِ القُعُودِ على القُبُورِ للمَذَاهِبِ" [٧٩٩]، يعنِي: أَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهَا لِغَائِطٍ أَو بَوْلٍ، ويَنْبَغِي لِمَقَابِرِ المُسْلِمِينَ أَنْ تُصَانَ مِنَ النَّجَاسَاتِ والأَقْذَارِ، لأَنَّها دَارُ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ.
* في حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَتِيكِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عبدَ اللهِ بنَ ثَابتٍ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ [٨٠٢]، فيهِ مِنَ الفِقْهِ: فَضْلُ عِيَادَةِ المَرْضَى، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَقِدُ أُمُورَ أَصْحَابهِ، ويَعُودُ مَرْضَاهُم، وفيهِ: إبَاحَةُ الصِّيَاحِ عندَ رَأْسِ المُغْمَى عليهِ إذا كَانَ في النَّزْعِ، لِكَي يَذْكُرَ اللهَ ، وفِيه: إبَاحَةُ البُكَاءِ عَلَى مَنْ في النَّزْعٍ، وتَرْكُ البُكَاءِ بعدَ المَوْتِ، لِقَوْلهِ ﷺ : "فإذا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَة"، وكَان ﷺ أَفْصَحَ العَرَبِ، وذَلِكَ أَنَّهُم لَمْ يَعْرِفُوا (مَا الوُجُوبُ؟) حتَّى فَسَّرَهُ لَهُم بِقَوْلهِ: "إذا مَاتَ".
* وقَوْلُهُ في تَسْمِيةِ الشُّهَدَاءِ: "وَالمَرْأةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ" [٨٠٢]، قالَ مَالِكٌ: هُوَ أَنْ تَمُوتَ وَهِيَ حَامِلٌ وَوَلَدُهَا في بَطْنِهَا.
وقالَ غَيْرُهُ: هُو أنْ تَمُوتَ مِنَ النِّفَاسِ.
* قَوْلُ ابنِ عُمَرَ: (المَيِّتُ يُعَذَّبُ ببُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ) [٨٠٣]، قالَ عِيسَى: مَعْنَاهُ إذا أَمَرَهُم بالبُكَاءِ عَلَيْهِ بعدَ مَوْتهِ، لأَنَّهُ فَعَلً مَا قَدْ نَهَى عنهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
* ومَعْنَى قَوْلِ عَائِشَةِ: (يَرْحَمُ اللهُ ابنَ عُمَرَ، أَمَا إنَّهُ لمْ يَكْذِبْ ولكِنَّهُ أَخْطَأ في سَمْعِهِ، إنَّما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : المَيِّتُ يُعَذَّبُ ببُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ، في يَهُودِيَّةٍ كَانَ أَهْلُهَا يَبْكُونَ عَلَيْهَا، فقالَ: إنَّهُم لَيَبْكُونَ عَلَيْها وَإنَّها لَتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا، ولم يَقُلْهُ في أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ) [٨٠٣]، وفيهِ مِنَ الفِقْه: أنَّ العَالِمَ مَتَى سَمعَ مُحَدِّثَا يُحَدِّثُ
стр. 289
بِحَدِيثٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ومَعْنَى الحَدِيثِ خِلَافُ ظَاهِرهِ أَنَّ على العَالِمِ أَنْ يُبيَّنَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أَن الأَحَادِيثَ على مَعَانِيهَا لَا على ظَوَاهِرِهَا.
[قَالَ أَبو المُطَرّفِ]: إذا أَمَرَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ أَنْ يَبْكُوا عَلَيْهِ بعدَ مَوْتهِ فَبَكُوا، أثِمَ في ذَلِكَ ولَحِقَهُ ذَلِكَ في قَبْرِه، وأَثِمُوا في بُكَائِهِم، وإذا بَكَوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِه أَثِمُوا في ذَلِكَ، ولمْ يَأْثَمْ هُوَ.
стр. 290
بابُ الحِسْبَةِ فِي المُصِيبَةِ، إِلَى آخِرِ الجَنَائِزِ
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "لا يَمُوتُ لأَحَدِ مِنَ المُسْلِمينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ" [٨٠٥]، قالَ مَالِكٌ: يُرِيدُ هَذِه الآيةَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢]، قالَ: فَمَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَصَبَرَ عَلَيْهِم واحْتَسَبَهُم، لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، إلَّا قَدْرَ مَا يَبُرُّ اللهُ بهِ قَسَمَهُ، وَهُوَ وُرُودُه على النَّارِ، والوُرُودُ: الجَوَازُ.
وقالَ غَيْرُ مَالِكٍ: أَطْفَالُ المُسْلِمِينَ إذا مَاتُوا فَصَبرَ عَلَيْهِم آبَاؤُهُمْ واحْتَسَبُوهُم عِنْدَ اللهِ كَانُوا لَهُم [حِرْزًا] (١) مِنَ النَّارِ، يَسْتُرُهم اللهُ بِهِم مِنْهَا.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "ليُعَزِّ المُسْلِمُونَ في مَصَائِبِهم المُصِيبَةُ بِي" [٨١٠] معناهُ: مَنْ يُعَزَّى في مُصِيبَةٍ نَزَلتْ بهِ فَأَجَلَّ مِنْ مُصِيبَتِهِ مُصِيبَةُ النبيِّ ﵇، فإذا ذَكَرَها سَهُلَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ، وذَلِكَ أَنَّ المُصِيبَةَ بالنبيِّ أَعْظَمُ المَصَائِبِ في الدُّنيا، فإذا عَرَضَها المُصَابُ على مُصِيبَيهِ سَهُلَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ، وهَذِه مَنْزِلَةٌ قدْ حُرِمَها أَهْلُ النَّارِ، قالَ اللهُ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، فَلَمَّا اشْتَركُوا في العَذَابِ حُرِمُوا التَعَزِّي.
قالَ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ: (تُقْطَعُ يَدُ النَّبَّاشِ) (٢)، لأَنَّهُ دَخَلَ على المَيِّتِ في قَبْرِه الذي هُوَ بَيْتُهُ، وخَلَعَ أَكْفَانَهُ. стр. 291
وقالَ ابنُ مُزَيْنِ (١): إنَّما سُمِّي النَّبَّاشُ مُخْتَفِيًا، لأَنه يَخْتَفِي بِقَلْعِ أَكْفَانِ المَيِّتِ مِنْ عَلَيْهِ، فإذا أَخْرَجَ الكَفَنَ مِنَ القَبْرِ قُطِعَتْ يَدَهُ إذا سَاوَى رُبْعَ دِينَارٍ.
* قُوْلُ النبيِّ ﷺ في دُعَائهِ: "وَأَلْحِقْنِي بالرَّفِيقِ الأَعْلَى" [٨١٦]، سَألَ أَنْ يُلْحِقَهُ اللهُ بأعْلَى مَرَافِقِ الجَنَّةِ وأَحْسَنِها، وقدْ عَلِمَ أَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ ذُنوبَهُ، ولَكِنَّهُ دَعَا بِهَذا لِيَكُونَ دُعَاؤُهُ زِيَادَة في عِلْمِه.
* قَوْلُهُ ﵇: "إذا مَاتَ أَحَدُكم عُرِضَ عليهِ مَقْعَدُهُ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ" إلى آخِرِ الحَدِيثِ [٨١٨]، قالَ الفُقَهَاءُ: هذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِكِتَاب اللهِ ، قالَ اللهُ ﵎ في آلِ فِرْعَونَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُّوًا وعَشِيًا، فَكَذَلِكَ يُعْرَضُ على المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدُهم مِنَ الجَنَّةِ، ومَقَاعِدُ غَيْرِهِم مِنَ النَّارِ، ويَنْظُرُونَ إليها على حَسَبِ مَا سبَتقَ لَهُم في عِلْمِ اللهِ.
* قَوْلُهُ ﵇: "إنَّما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَيْرٌ يُعَلَّقُ في شَجَرِ الجَنَّةِ حتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إلى جَسَدِه يَوْمَ القِيَامَةِ" [٨١٨] قالَ عِيسىَ: مَنْ رَوَى (يُعَلَّقُ) بِفَتْحِ اللَامِ -فَمَعْنَاهُ تَأوِي إلى شَجَرةِ الجَنَّةِ، ومَنْ رَوَاهَا (يَعْلُقُ) بِرَفْعِ اللَامِ- فَمَعْنَاهُ تَرعَى في شَجَرِ الجَنَّةِ.
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: ورَوَى هُزَيْلُ بنُ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قالَ؛ (أَرْوَاحُ الشُّهَداءِ في أَجْوَافِ طَيْرِ خُضْير تَرْعَى في الجَنَّةِ حيثُ شَاءَت، وأَرْوَاحُ أَوْلَادِ المُؤْمِنينَ في أَجْوَافِ عَصَافِير تَرْعَى في الجَنةِ، وتَأوِي إلى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَيما بالعَرْشِ، وإنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو وتَرُوحُ في النَّارِ، ذَلِكَ عَرْضُهَا، قالَ اللهُ ﵎: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٢) [غافر: ٤٦]. стр. 292
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: هذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وهُزَيْلُ بنُ شُرَحْبِيلَ الذي رَوَاهُ لَيْسَ بِشَيءٍ (١)، والصَّحِيحُ في هذا قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "إنَّما نَسَمَةُ المُؤْمِنِينَ طَيْرٌ يُعَلَّقُ في شَجَرِ الجَنَّةِ حتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إلى جَسَدِه يَوْمَ القِيَامَةِ"، ولَمْ يَقُلْ: أَنَّ الأَرْوَاحَ في أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وقدْ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ على أَنَّهُ لا يَصِيرُ رُوُحُ أَحَدٍ في غَيْرِ جَسَدِه الذي خَرَجَ مِنْهُ.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "كُلُّ ابنِ آَدَمَ تَأْكُلُه الأَرْضُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، منهُ خُلِقَ، وفيهِ يُرَكَّبُ" [٨١٩]، يعنِي بِعَجْبِ الذَّنَبِ: العَظْمَ الصَّغِيرِ الذي يَكُونُ في آخِرِ فِقَارِ الصُّلْبِ، منهُ ابْتَدأَ خَلْقُ آدَمَ، وفيهِ يُرَكَّبُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةَ النُّشُورِ.
وقالَ ابنُ حَبيبٍ: حَرَّمَ اللهُ على الأَرْضِ أَنْ تَأكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبيَاءِ، وسَائِرُ الخَلْقِ تَأكُلُهُم الأرْضُ، ئُمَّ يُبْعَثُونَ في أَجْسَادِهِم التي كَانَتْ في الدُّنيَا، فهِي تَنَالُ نَعِيمَ الجَنَّةِ لِمَنْ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَهِي تُحْرَقُ بالنَّار، قالَ اللهُ : ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
* قَوْلُهُ: "إذا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وإذا كَرِهَ عَبْدِي لِقَائي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ" [٨٢١] وإِنَّما هذَا عندَ فِرَاقِ الدُّنيا والمُعَاينَةِ إلى أَوَّلِ أَسْبَابِ الآخِرَةِ، فإذا كَانَ عَمَلُ العَبْدِ صَالِحًا، ونَظَرَ عندَ مَوْتهِ إلى ثَوَابِ عَمَلِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، فَأحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وإذا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ مِنْ أَجْلِ مَا يَتَّقِيهِ مِنَ المُجَازَاتِ عَلَيْهِ، فَكَرِهَ اللهُ عندَ ذَلِكَ لِقَاءَهُ.
* حَدِيثُ الرَّجُلِ الذي لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَة قَطُّ حتَّى ماتَ [٨٢٢]، رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ стр. 293
زَيْدٍ، وقالَ فِيهِ: (لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ إلَّا التَّوْحِيدَ) (١)، ولَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ في حَدِيثهِ التَّوْحِيدَ.
* وقَوْلُهُ: "لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِبنِّي) [٨٢٢]، يُرْوَى هذا الحَرْفُ بالتَخْفِيفِ، و (قَدَّرَ) بالتَّشْدِيدِ، فَمَنْ رَوَاهُ بالتَّخْفِيفِ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ هذَا الرَّجُلَ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللهِ، وَهِيَ إحْيَاءُ المَوْتَى، وَهِيَ بِدْعَةٌ عَظِيمَةٍ، ومَنْ رَوَاهُ (قَدَّرَ) بالتَشْدِيدِ فَمَعْنَاهُ: لَئِنْ ضَيَّقَ اللهُ عليَّ ونَاقَشَنِي الحِسَابَ لَيُعَذِبَّنِي عَذَابًا شَدِيدًا، وهذِه الرِّوَايةُ تَدُلُّ على أَنَّهُ لم يَجْهَلْ إحْيَاءَ اللهِ المَوْتَى، ولكِنَّهُ ابْتَدَع بِدْعَةً عَظِيمَةً، وِهِي إحْرَاقُهُ نَفْسُهُ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ وغَفَرَ لَهُ بِخَشْيَتِه للهِ، وهذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ كَانَ مُوحِّدًا مُقِرَّا باللهِ.
وقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ: إنَّما غَفَرَ اللهُ لِهَذا الرَّجُلِ مِنْ أَجْلِ تَوْبَتِه التِّي تَابَهَا.
وقَالَتْ فِرْقَةٌ آخَرَوُنَ مِنْهُم: إنَّما غَفَرَ اللهُ لَهُ بأَصْلِ تَوْحِيدِه الذي لا يَضُرُّ مَعَهُ عَمَلٌ.
وقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ اللهَ ﵎ تَفَضَّلَ على هذَا الرَّجُلِ فَغَفَر لَهُ، كمَا قالَ ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦]، فَهَذِه الآيةُ تَأوِيلُ مَا تَأَوَّلَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ في هذَا الحَدِيثِ.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ" إلى آخِرِ الحَدِيثِ [٨٢٣]، قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُوَلَدُ على فِطْرَةِ الإسْلَامِ، وَهِي المَعْرِفَةُ باللهِ ﵎، قالَ اللهُ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَأَقَرُّوا للهِ بالرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ стр. 294
صَرَفَهُم في صُلْبِ آَدَمَ بعدَ أَنْ عَرَفُوا أَنَّهُ رَبّهُم، فَكُلّ مَوْلُودٍ إنَّما يُوَلَدُ على تِلْكَ المَعْرِفَةِ، وعلى ذَلِكَ الإقْرَارِ.
وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرَانهِ" يعنِي: يَجْعَلَانِه نَصْرَانِيَّاً أو يَهُودِيَّا إنْ كَانَا يَهُودِيَيْنِ أَو نَصْرَانِيَيْنِ.
قالَ مَالِكٌ: ولَنْ يَقْدِرُوا على ذَلِكَ إلَّا بِتَسْلِيطٍ مِنَ اللهِ أَبَاهُمَا على ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: "كَمَا تُنَافيُ الإبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ" يعْنِي: بَهِيمَةً جَمَعَتْ وَلَدَهَا في بَطْنِهَا.
وقَوْلُهُ: "هَلْ تَحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ؟ " يَعْنِي: هَلْ تَرَى فِيهِنَّ مَجْدُوعًا؟ والجَدْعُ: النُّقْصَانُ حتَّى يَجْدَعَهُ صَاحِبُهُ، فَكَذَلِكَ المَوْلُودُ يُولَدُ على فِطْرَةِ الإسْلَامِ حتَّى يَصْرِفَهُ عَنْهَا أَبَوَاهُ.
قِيلَ لِمَالِكٍ: إنَّ أَهْلَ البدَعِ يَحْتَجّونَ عَلَيْنَا بهذَا الحَدِيثِ يَقُولُونَ: إنَّ مَعَاصِي العِبَادِ لَيْسَتْ مَقْدُورَة للهِ ، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: "فأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانهِ أَو يُنَصِّرَانِهِ" قالَ مَالِكٌ: احْتَجُّوا عَلَيْهِم بآخِرِ الحَدِيثِ: "اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" يعنِي: أنَّ هذَا كُلَّهُ قدْ قَضَى اللهُ بهِ وعَلِمَهُ، ولا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألونَ (١).
* قَوْلُهُ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَمُرَّ الرَّجُلِ بقَبْرِ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي مَكَانَهُ" [٨٢٤] مَعْنَاهُ: أنَّ الحَيَّ يَتَمَنَّى المَوْتَ مِنْ شِدَّةِ الحَالِ، وتَغْيِيرِ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَيَتَمنَّى الرَّجُلُ الصَّالِحُ عندَ ذَلِكَ المَوْتَ، طَمَعًا مِنْهُ في الرَّاحَةِ مِمَّا يَرَاهُ فَلَا يَقْدِرُ على تَغيِيرِه.
* قَوْلُهُ ﵇ لِعُثْمَانَ بنِ مَظْعُونَ حِينَ مَاتَ: "ذَهَبْتَ ولَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بشَيءٍ" [٨٢٦]، يعنِي: خَرَجْتَ مِنَ الدُّنيا "ولَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بشَيءٍ"، فَغَبَطَهُ النبيُّ بَذَلِكَ، فتَرْكُ الدُّنيا والأَخْذُ مِنْهَا بالبُلْغَةِ خَيْرٌ مِنَ الإسْتِكثَارِ مِنْهَا، والرَّغْبةِ فِيهَا، стр. 295
وقَدْ قالَ ﷺ : "الزُّهْدُ في الدُّنيا يُرِيحُ القَلْبَ والبَدَنَ، والرَّغْبَةُ في الدُّنيا تُورِث الهَمَّ والحَزَنَ" (١).
* قَوْلُهُ ﷺ : "إني بُعِثْتُ لأَهْلِ البَقِيعِ لأُصَلِّي عَلَيْهِم" [٨٢٧] يعنِي: بُعِثْتُ لأَهْلِ القُبُورِ لِنَدْعُو لَهُم.
قالَ أَبو مُحَمَّدِ: كَانَ هذَا قَبْلَ وَفَاتهِ بِخَمْسِ لَيَالِي كالمُوَدِّعِ للأَحْيَاءِ، وفي هذَا دَلِيلٌ على أَنَّ الدُّعَاءَ الصَّالِحَ يَلْحَقُ المَوْتَى في قُبُورِهِم، وَهُو مِنَ العَمَلِ الذي يَنْتَفِعُ بهِ المَيّتُ بعدَ مَوْتهِ في قَبْرِه.
* قَوْلُ أَبي هُرَيْرَةَ: (أَسْرِعُوا بجَنَائِزِكُم) [٨٢٨]، يعنِي: أَسْرِعُوا بالمَوْتَى إلى القُبُورِ، فإِمَّا أَنْ تَقْدِمُونَهُم لِخَيْرِ أَعْمَالِهِم، أَو تَضَعُوا عَنْ رِقَابِكُم ثُقْلَ حِمْلَانِهِم إنْ لم تَكُنْ لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ يَقْدِمُونَ عَلَيْهَا.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ النَّعْشَ الذي يُعْمَلُ على المَيْتَةِ، ويُرْمَى عَلَيْهَا في نَعْشِها مَا يَسْتُرُها، وكَذَلِكَ عندَ إلحَادِهَا في قَبْرِهَا.
قالَ مَالِكٌ: أَوَّلَ مَنْ صُنِعَ ذَلِكَ بِهَا زينَبُ بنتُ جَحْشٍ حينَ مَاتَتْ، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ قالَ للتِي صَنَعَتْهُ: (سَتَرْتيهَا سَتَرَكِ اللهُ مِنْ ذُنُوبِكِ) (٢).
* * *
تَم كِتَابُ الجَنَائِزِ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ،
يَتْلُوهُ كِتَابُ النُّذُورِ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى
* * * стр. 296
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيما
تَفْسِيرُ كِتَابِ النُّذُورِ
حدَّثنا أبو مُحَمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ، قالَ: حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ، قالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ وَضَّأْح، قالَ: حدَّثنا أَبو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبَةَ، قالَ: حدَّثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ [عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ] (١)، قالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ النُّذُورِ، وقالَ: لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بهِ مِنَ البَخِيلِ" (٢).
سأَلتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ هذا الحَدِيثِ، فقالَ لِي: مَعْنَاهُ أَنْ يَكونَ الإنْسَانُ في أَمْرِ شِدَّةٍ فَيَقُولُ: إنِ اللهُ أَنْجَانِي مِنْ هذَا فَعَلَيَّ نَذْرُ كَذَا وكَذَا، فهذَا الذي يُسْتَخْرَجُ بهِ مِنَ البَخِيلِ، وأَمَّا نَذْرُ التَّطُوعِ فقدْ أَثْنَى اللهُ على المُوفِي بِنَذْرِهِ، فقالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].
* قالَ عِيسَى: كَانَ نَذْرُ أُمِّ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ الذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقْضِيه بعدَ مَوْتِها [١٧١٠]، فِيمَا أُرَاهُ - واللهُ أَعْلَمُ - عِتْقَأ أو إطْعَامًا، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِوَفَائهِ عَنْهَا، стр. 297
ولمْ يَكُنْ صَوْمًا ولَا صَلَاةً، إذْ لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، ولَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.
بِظَاهِرِ حَدِيثِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ أَخَذَ مَنْ أَجَازَ كَفَّارَةَ الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِه إذا كَفَّرَ عنهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ جَائِزًا قالَ: إنَّهُ لمَّا لمْ يَكُنْ للمُكَفِّرِ عنهُ نِيَّةٌ في تِلْكَ الكَفَّارَةِ لمْ تُجْزَ عَنْهُ.
* قالَ ابنُ القَاسِمِ: أَنْكَرَ مَالِكٌ الأَحَادِيثَ التي رُوِيتْ في المَشِي إلى مَسْجِدِ قُبَاءَ، ولَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ يُلْزِمُ المَشِي إلَّا إلى مَسْجِدِ مَكَّةَ خَاصَّةً [١٧١١].
أقالَ أبو المُطَرِّفِ،: إنَّمَا أَدْخَلَ مَالِكٌ هذَا في المُوطَّأ يُؤَكِّدُ بهِ المَشْيَ إلى مَكَّةَ، لأنَّهُ إذ أَوْجَبَهُ ابنُ عبَّاسٍ على مَنْ جَعَلَتْ على نَفْسِها مَشْيًا إلى مَسْجِدِ قُبَاءَ أَنْ يَمْشِي كَانَ الوَفَاءُ بالمَشِي أَوْجَبَ على مَنْ جَعَلَهُ على نَفْسِهِ إلى مَكَّةَ.
* قالَ مَالِكٌ: إنِّمَا أَوْجَبَ العُلَمَاءُ على عبدِ اللهِ بنِ أَبي حَبيبَةَ المَشِي إلى مَكَّةَ حِينَ أَعْطَى جِرْوَا، وقالَ: (عَلَى المَشِي إلى مَكَةَ) [١٧١٣]، مِنْ أَجلِ أَنَّهُ كَانَ حِينَ قَالَ ذَلِكَ بَالِغًا في سِنِّه، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ مَا لَزِمَهُ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: يُقَالُ لِكُلِّ ثَمَرَةٍ مُسْتَطِيلَةٍ كالقِثَّاءِ والقَرْعِ وشِبْهِها أَجْرَاءُ، والوَاحِدُ مِنْهَا جِرْو (١).
وقالَ عِيسَى: مَنْ حَلَفَ بالمَشِي إلى مَكَّةَ ثُمَّ حَنَثَ فإنه يَخْرُجُ مَاشِيًا مِنَ المَوْضِع الذي حَلَفَ فيهِ فَيَمْشِي، حتَى يَنتهِي إلى مَكَّةَ فَيَدْخُلَهَا بِحَجَّةٍ أَو بِعُمْرَةٍ، إلَّا أَنْ يَكونَ نَوَى أَحَدُهُما حينَ حَلَفَ، فَيُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِهِ بالذي نَوَى، ويُتِمَّهُ على سُنَّتِهِ، فإنْ عَجَزَ عَنِ المَشْي في بَعْضِ طَرِيقهِ، رَكِبَ حتَّى يأتِي مَكَّةَ، فَيُتِمَّ مَا أَحْرَمَ بهِ، إمَّا حَجَّةً وإمَّا عُمْرَةً.
* وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عَمَرَ: (وعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ مَرَّةً ثَانِيَةً إلى مَكَّةَ فَيَمْشِي) [١٧١٥]، إمَّا كَرُكُوبِهِ التِّي رَكِبَها أَوَّلًا حِينَ عَجَزَ عَنِ المَشِي، ويَرْكَبُ مَا مَشَى. стр. 298
وقالَ ابنُ عبَّاس: (إذا عَجَزَ عَنِ المَشِي فإنَّه يَرْكَبُ) (١)، فاذا أَكْمَلَ مَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ حَج أَو عُمْرَةٍ كَانَ عَلَيْهِ الهَدِي، لِعَجْزِهِ عَنِ المَشِي ورُكُوبهِ، ولا عَوْدَ عَلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً إلى مَكَّةَ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: وجَمَعَ مَالِكٌ بينَ قَوْلِ ابنِ عُمَرَ وعبدِ اللهِ بنِ عَبَّاس في هذه المَسْأَلةِ، فَأَؤجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ ثَانِيَةً بِقَوْلِ ابنِ عُمَرَ، وأَوْجَبَ عليهِ الهَدِي بِقَوْلِ ابنِ عبَّاسٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَرَّقَ مَشْيَهُ، ولَمْ يَسْتكمِلْهُ في سَفَرٍ وَاحِدٍ.
وقَدْ ذَكَرَ أبو الرَّبِيعٍ المَصْرِيُّ (٢) أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا: حينَ عَجَزَ في بَعْضِ طَرِيقِه إلى مَكَّةَ عَنِ المَشِي، فرَكِبَ حتَّى أَتَى مَكَّةَ، ثُمَّ أَهْدَى عَنْ رُكُوبهِ وتَرْكِهِ المَشِي، فقالَ لَهُ مَالِكٌ: إنَّ مَوْضِعَكَ لَبَعِيدٍ، قَدْ أَجْزَأَ عَنْكَ مَشْيُكَ، ولمْ يَرَ عليهِ عَوْدَةً.
والمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ العَوْدَةَ، وُيهْدِي هَدْيًا بِمَكَّةَ، وأَقَلُّهُ شَاةٌ.
* * * стр. 299
بابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النُّذُورِ فِي مَعْصِيةِ اللهِ ،
ولَغْوِ اليَمِينِ والكَفَّارَةِ في ذَلِكَ
قالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: (أَنَا أَنْحَرُ ابْنِي) [١٧٢٥]، فَإنْ نَوَى وَجْهَ مَا يُنحَرُ مِنَ الهَدِي، فَعَلَيهِ هَدِي بَدَنةً، فإنْ لم يَجِدْ فَتقَرةً، أو شَاةً إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وإنْ لَمْ يَنْوِ وَجْهَ مَا يُقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ فلَا شَيءَ عَلَيْهِ.
[قالَ أبو المُطَرًفِ] إنَّما قَالَ هذَا مَالِكٌ لأَنَّهُ إذا نَوَى بِقَوْلهِ: (أنا أَنْحَرُ ابْنِي) القُرْبَةَ إلى اللهِ تَعَالَى فقدْ نَوَى طَاعَة، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يَفدِي عنهُ، وإذا أَرَادَ نَحْرَ ابْنِهِ خَاصَّةً فقدْ نَوَى مَعْصِيَةً، ولا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، فَلِهذَا لم تَكُنْ عليهِ كَفَّارَةٌ.
" [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: مَعْنَى فُتيَا ابنِ عَبَّاسٍ المَرْأَةَ التَّي سَأَلتْهُ عَنْ نَذْرِهَا نَحْرَ ابْنِهَا فَأَمَرهَا بالكَفَّارَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، إلى قَوْلهِ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] [١٧٢٥] يقولُ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللهَ لَمَّا أَوْجَبَ على المُتَظَاهِرُ الكَفَّارَةَ، وَهوَ قَد قَالَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وَزُورًا، كَذَلِكَ تَجِبُ الكَفَّارَةُ على هَذِه المَرْأَةِ بِقَوْلها: (أَنا أَنْحَرُ ابْنِي)، وكَفَّارَةُ مَنْ نَذَرَ بِنَحْرِ ابْنِهِ عندَ ابنِ عَبَّاسٍ كفَّارَةُ يَمِيني باللهِ .
والذِي يَقُولُ بهِ مَالِكٌ في هذِه المَسْأَلِةِ أَنَّهَا إذا لَمْ تَنوِ وَجْهً مَا تَنْحَرُ مِنَ الهَدِي أَلَّا شَيْءَ عَلَيهَا، إلَّا أَنْ تَقُولَ: (أَنَا أَنْحَر ابْنِي عندَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ) في يَمِينٍ، ثم تَحْنَثُ، فلَا بُدَّ لَفي مِنَ الهَدِي، وهَدْيُها بَدَنَةٌ، أو بَقَرَةٌ، أَو كَبْشٌ، يُذْبَحُ بِمَكَّةَ، ويُفَرَّقُ لَحْمُهُ على المَسَاكِينِ.
سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثٍ ابنِ المُبَارَكٍ، عَنْ يُونسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبي
стр. 300
سَلَمةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ : "لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" (١)، فقالَ لِي: هذَا حَدِيِثٌ لَمْ يَسْمَعْهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ أَبي سَلَمَةَ، وإنَّمَا يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ عَن سُلَيْمَانَ بنِ أَرْقَمَ، عَنْ يَحْيىَ بنِ أَبي كَثِيرٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَن عَائِشَةَ، وسُلَيْمَانُ بنُ أَرْقَمَ ضَعِيفٌ، ولَا كَفَّارَةَ في نَذْرِ مَعْصِيَةٍ.
قالَ أَبو المُطَرِّف (٢): حدَّثنا أَبو جَعْفرِ بنِ عَوْنِ اللهِ، قالَ: حدَّثنا ابن الأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبي دَاوُدَ، قالَ: سعمِتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: (أَفْسَدُوا عَلَيْنَا هَذَا الحَدِيثَ) (٣).
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: إنَّما قَالَهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَل لأَنَّ ابنَ بُكَيرٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بنِ عبدِ المَلِكِ الأَيْلِيِّ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قالتْ: قَالَ النبيُّ ﷺ : "مَنْ نًذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِي اللهَ فَلَا يَعْصِهِ" (٤)، وهذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَيْسَ فيهِ مَا ذَكَرَ سُلَيمَانُ بنُ أَرْقَمَ مِنَ الكَفَّارَةِ في نَذْرِ المَعْصِيَةِ، ولم يَرْوِ يحيى بنُ يَحْيىَ حَدِيثَ طَلْحَةَ هذا، [أسَقَطَهُ] (٥) مِنْ كِتَابهِ.
* [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: وقَدْ أَسْقَطَ النبيُّ ﷺ الكَفَّارَةَ عَمَّنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ في نَذْرِهِ مَا "يَشُقُّ عَليه، فَأَمَرَ الذِي نَذَرَ أَنْ يَمْشِي إِلى مَكَّةَ حَافِيًا أَنْ يَنْتَعِلَ، ويَتَهَادَى في مَشْيهِ إلى مَكَّةَ، ولَمْ يَأمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ، وأَمَّا الذي نَذَرَ أَنْ يَحْمِلَ على [عَاتِقِهِ] (٦) خَشَبَةً إلى مَكَّةَ أَنْ يَطرَحَها عَنْ نَفْسِهِ، ولَمْ يَأمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ، ورَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، стр. 301
فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: "نَذَرَ أَنْ يَقُومَ ولَا يَقْعُدَ ولا يَسْتَظِل ولَا يَتكلَّمَ ويَصُومَ، فقالَ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ويَجْلِسْ ويَسْتَظِلَّ ولَيُتِمَّ صَوْمَهُ" [١٧٢٣]، فَأَمَرَهُ النبيُّ ﷺ بِطَرْحِ المَشَقَّةِ عَنْ نَفْسِهِ التِّي لَيْسَتْ بِطَاعَةٍ للهِ ، وأَنْ يَفِي بِمَا فيهِ للهِ طَاعَةٌ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفارَةْ، وهذَا كُلُّهُ مِمَّا يُضْعِفُ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بنِ أَرْقَمَ في إيجَابِ الكَفَّارَةِ في نَذْرِ المَعْصِيَةِ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ عَائِشَةَ: (لَغْوُ اليَمِينِ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ في كَلَامِهِ: لَا وَاللهِ، وبَلَا وَاللهِ) [١٧٢٩]، تَعْنِي: الذِي يَلْفِظُ بهَذا في دَرَجِ كَلَامهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ الحِلْفَ باللهِ، وهذَا مَوْقُوفٌ على عَائِشَةَ في المُوطَّأ، ورَوَاهُ أَبو دَاوُدَ، عَنْ [حُمَيْدِ] (١) بنِ مَسْعَدةَ، عَنْ حَسَّانَ بنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "اللَّغْوُ هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ في بَيْتِهِ: كَلَّا واللهِ، وبَلَا وَاللهِ" (٢).
ورَوَى هذَا الحَدِيثَ دَاوُدُ بنُ أَبي الفُرَاتِ، مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ مَوْقُوفًا على عَائِشَةَ، لَمْ يُذْكَرْ فيهِ النبيُّ ﷺ (٣)، فَاخْتَلَفَتْ رِوَايةُ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ فيهِ، مَرَّةً أَوْقَفَهُ على عَائِشَةَ وجَعَلَهُ مِنْ قَوْلهَا، ومَرَّة حَدَّثَ بهِ عَنْهَا عَنِ النبيِّ ﷺ ، والصَّحِيحُ فيهِ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ.
وقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ إبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ يَقْلِبُ الأَحَادِيثَ على وَجْهِ الغَلَطِ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحَا، ولَغْوُ اليَمِينِ هُوَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ على الشَّيءِ وَهُوَ يُوقِنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فهَذا لا كَفَّارَةَ فيهِ، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، لأنَّةُ لَمْ يَقْصِد الحِنْثَ، ولَا تَعَمُّدَ стр. 302
الكَذِبِ، وقَدْ تَجَاوَزَ اللهُ لِهَذِه الأُمَّةِ عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ، وهَذَا هُوَ مِنْ ذَلِكَ الخَطَأ الذي تَجَاوَزَ اللهُ العِبَادَ عَنْهُ.
حدَّثنا أَبو جَعْفَرٍ، قالَ: حدَّثنا ابنُ الأَعْرَابِيِّ، قالَ: حدَّثنا أَبو دَاوُدَ، قالَ: حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ حَلَفَ على يَمِينٍ فقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، فَقَدِ اسْتَثْنَى" (١).
* أَوْقَفَ مَالِكٌ هذَا الحَدِيثَ في المُوَطَّأ على ابنِ عُمَرَ، ولَمْ يَبْلُغْ بهِ النبيَّ ﷺ
* والإسْتِثْنَاءُ في اليَمِينِ لا يَكُونُ إلَّا مُتَّصِلًا باليَمِينِ في كَلَامٍ وَاحِدٍ، فإذا قَطَعَ الحَالِفُ كَلَامَهُ بينَ اليَمِينِ والإسْتِثْنَاءِ لَمْ يَنتفِعْ باسْتِثْنَائهِ، وَلَزِمَهُ الحِنْثُ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ إنْ حَنَثَ، وليسَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: (إنَّ للحَالِفِ أَنْ يَسْتَثْنِي في يَمِينِه ولَوْ بعدَ شَهْرٍ بشيءٍ)، ويَرُدُّ هذَا القَوْلَ قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفَّرْ عَنْ يَمِينِه، ولْيَفْعَلِ الذي هُوَ خَيْرٌ" [١٧٣٨]، فَلَوْ كَانَ للحَالِفِ مُبَاحٌ أَنْ يَقُولَ: إنْ شَاءَ اللهُ وَلَوْ إلى شَهْرٍ، لَسَقَطَتِ الكَفَّارَةُ المَذْكُورَةُ في هذَا الحَدِيثِ، والنبيُّ ﷺ قالَ: "فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّز عَنْ يَمِينِه، ولْيَفْعَلِ الذِي هُوَ خَيْرٌ" وَلَمْ يَقُلْ: فَليَقُلْ إنْ شَاءَ اللهُ، وَلْيَفْعَلْ.
قالَ عِيسَى: ومَعْنَى هذَا الحَدِيثِ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يُسْلِفَ أَحَدًا شَيْئًا، ولَا يُكَلِّمَ فُلَانًا، فهَذَا ومَا أَشْبَهَهُ لِمَنْ حَلَفَ على ذَلِكَ باللهِ أَنْ يَحْنَثَ في يَمِينِه، ويَفْعَلَ الذِي حَلَفَ عَلَيْهِ أَلَّا يَفْعَلَهُ، ويُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِه، لأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَاتِ للهِ، وللرَّجُلِ أنْ يُكَفِّرَ في اليَمِينِ باللهِ قَبْلَ الحِنْثِ وبَعْدَهُ، لأَنَّ هذَا الحَدِيثَ رُوِي بِلَفْظَيْنِ، قِيلَ: "فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينهِ، وَلْيَفْعَلِ الذِي هُوَ خَيْرٌ"، ورُوي: "فَلْيَفْعَلِ الذِي هُوَ خَيْرٌ، ويُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِه"، وأَمَّا غَيْرُ اليَمِينِ باللهِ فَلَا يُكَفِّرُ الحَالِفُ بهِ إلَّا بعدَ الحِنْثِ. стр. 303
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: الأَيْمَانُ باللهِ أَرْبَعَةٌ: فَيَمِينَانِ مُكَفِّرَانِ، ويَمَيِنَانِ غَيْرُ مُكَفِّرَيْنِ، فالمُكَفِّرانِ قَوْلُ الرَّجُلِ: واللهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ يَبْدَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: واللهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ لَا يَفْعَلُ، فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ.
وأَمَّا غَيْرُ المُكَفِّرَيْنِ فَلَغُو اليَمِينِ، فَهَذَا لا كَفَّارَةَ فيهِ ولَا إثْمَ.
والرَّابِعُ هُوَ القَاصِدُ بِيَمِينِه إلى الكَذِبِ، والذِي يَحْلِفُ وَهُو شَاك في الذِي يَحْلِفُ عَلَيْهِ، فَهَذا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ كَفَّارَة، لأَنَّ مَنْ فَعَلَ هذَا فَقَدْ قَصَدَ الكَذِبَ، واجْتَرأ على اللهِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: الحِنْثُ يَقَعُ في اليَمِينِ باليَمِينِ بِأَقَلِّ الوُجُوهِ، والبِرُّ في اليَمِينِ لا يَكُونُ إلَّا بأَكْمَلِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لَو أَنَّ رَجُلًا قالَ: واللهِ لا أَكَلْتُ هذَا الرَّغِيفَ، فأَكَلَ بَعْضَهُ فَهُوَ حَانِثٌ، والدَّلِيلُ على صِحَّةِ هذَا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فإذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ ثم طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولهِ بِهَا، فقَدْ حَرُمَتْ على آبَائهِ وأَبْنَائهِ بِنَفْسِ العَقْدِ، وَهُوَ أَقَلُّ وُجُوهُ النَّكَاحِ، فَكذَلِكَ يَقَعُ الحِنْثُ في اليَمِينِ بِأَقَلِّ الوُجُوهِ، ولَمَّا لَمْ يُبِحِ النبيُّ ﷺ المُطَلَّقَةَ المَبْتُوتَةَ الذي طَلَّقَهَا إلَّا بِوَطْءِ صَحِيع كَامِل مِنَ الزَّوْجِ الثَّانِي عَلِمَ أَنَّ البَرَاءَ لا يَكُونُ إلَّا بِأَكْمَلِ الوُجُوهِ.
قالَ عِيسَى: نَذْرُ المَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ جَائِزٌ عَلَيْهَا، ويَلْزَمُهَا مَا نَذَرَتْهُ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَن يَضُرَّ ذَلِكَ بِزَوْجِهَا، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ، مِثْل أَنْ تَنْذِرَ صِيَامَ شَهْرٍ أَو شَهْرَيْنِ، أو تَنْذِرَ حَجَّةَ، فَيَقُولُ زَوْجُهَا: إنَ هذَا مِمَّا يَضُرُّ بِي، ولَا صَبْرَ لِي عَنِ النِّسَاءِ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ، ويَكُونُ نَذْرُهَا بَاقِيًا عَلَيْهَا، حتَّى تَجِدِ السَّبِيلَ إلى الوَفَاءِ به، ولَوْ أَخَذَ الزَّوْجُ مِنْهَا شَيْئًا على أنْ أَبَاحَ لَهَا فِعْلَ مَا نَذَرَتْهُ، لَرَجَعَتْ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَ مِنْهَا، ويَمْضِي عَلَيْهِ إذْنُهُ لَهَا في فِعْلِ ذَلِكَ، لأَنَّهُ تَبيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُضِرًّا بِهَا في مَنْعِهِ إيَّاهَا مِنَ الوَفَاءِ بِمَا كَانَتْ نَذَرَتْهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهَا.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: مَنْ حَلَفَ باللهِ ، أَو بِشَيء مِنْ أَسْمَائهِ، أو
стр. 304
صِفَاتهِ، ثُمَّ حَنَثَ، كَانَ مُخَيَّرًا في كَفَّارَةِ يَمِينِه بينَ الكِسْوَةِ، والعِتْقِ، والإطْعَامِ، فالإطْعَامُ هُوَ أَنْ لُطْعِمَ المُكَفِّرُ عَشَرةَ مَسَاكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النبيِّ ﷺ ، وُيسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَو زَادَ على المُدِّ ثُلُثَ مُدٍّ، أو نِصْفَ مُدٍّ، وإنْ كَفَّرَ بالكِسْوَةِ كَسَى المَسَاكِينَ العَشَرَةِ، فإنْ كَانُوا رِجَالًا كَسَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم قَمِيصًا، وإنْ كُنَّ نِسَاءً كَسَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَمِيصًا ومَقْنَعَةً تَسْتُرُ بِها شَعْرَهَا، وتَكْسُوا الصِّغَارَ مِثْلَ كِسْوَةِ الكِبَارِ سَوَاءٌ، وإنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبةً مُؤْمِنَة لَيْسَ فِيهَا شَرَكٌ، ولا عِتَاقَةٌ، ولَا تَدْبِيرٌ، ولا يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ حتَّى لا يَجِدَ إلَّا قُوتَهُ، وذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ بعدَ تَمَامِ مَا يُكَفِّرُ به عَنْ يَمِينِه، وَهُوَ عَشَرَةُ أَمْدَادٍ مِنْ طَعَامٍ مَا يَقُوتُ بهِ نَفْسَهُ وعِيَالَهُ إن كَان لَهُ عِيَالٌ يَوْمًا وَاحِدًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ في بَلَدٍ يَخَافُ على نَفسِهِ الجُوعَ، ولَا يَجِدُ مَنْ يَعْطِفُ عَلَيْهِ، فَمُبَاحٌ أَنْ يَصُومَ حِينَئِذٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، فإنْ فَرَّقَ صَوْمَها أَجْزَأَهُ، وإنَّما هذَا في اليَمِينِ باللهِ وَحْدَهَا.
سَألْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَمَّنْ حَلَفَ، فقالَ في يَمِينِهِ: واللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، المَلِكِ القُدُّوسِ إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذا، ثُمَّ فَعَلَهُ، فقالَ: قالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وإذا حَلَفَ فقَالَ: وقُدْرَةُ اللهِ، وعَظَمَةُ اللهِ، وكِبْرِيَاءُ اللهِ إنْ فَعَلْتُ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ فَعَلَهُ أن عَلَيْهِ ثَلَاثَ كَفَّارَاتٍ.
فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: مَنْ قَالَ: وَاللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، المَلِكِ القُدُّوسِ، فإِنَّما حَلَفَ باللهِ وَحْدَهُ، ومَنْ قَالَ: وَقُدْرَةُ اللهِ، وعَظَمَتُهُ، وكِبْرِيَاءُ اللهِ، فَقَدْ حَلَفَ بأَشْيَاءَ ثَلَاثَةٍ، لأَنَّ القُدْرَةَ شَيٌ، والعَظَمَةُ شَيءٌ، والكِبْرِياءُ شَيءٌ، ولَكِنَّهَا أَشْيَاءُ لَيْسَتْ مُتَغَايِرَةً، ولَا مُتَبَايِنَةً، ولَا مُنْفَصِلَةً مِنْهُ ، فَلِذَلِكَ
[مَنْ] (١) حَلَفَ بِثَلَاثةِ أَشْيَاءَ ثُمَّ حَنَثَ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، ولِهَذا قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ: عَلَى عَهْدُ اللهِ ومِيثَاقُهُ وكَفَالتهُ إنْ فَعَلْتُ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ فَعَلَهُ أَنَّ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، لأَنَّ العَهْدَ شَيءٌ، [والمِيثَاقَ شَيءٌ] (٢)، والكَفَالَةُ شَيءٌ. стр. 305
* [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بأَبيهِ [١٧٤٩]، مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِشَيءٍ فإنَّمَا يَقْصُدُ إلى تَعْظِيمِه، ولَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَظَّمَ غَيْرُ اللهِ ، وفي اليَمِينِ باللهِ جُعِلَتِ الكَفَّارَةُ.
* قَوْلُ النبيِّ لأَبي لُبَابَةَ حِينَ هَمَّ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ مَالِهِ كُلِّه ويَتَصَدَّقَ بهِ، فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : "يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُلُثُ" [١٧٥١]، إنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتْرُكَ نَفْسَهُ عَدِيمًا، فَرُبَّمَا اضْطَرَّ إلى مَسْأَلةِ النَّاسِ، ومِنْ هَذَا الحَدِيثِ قالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ قَالَ: مَالِي في المَسَاكِينِ، أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ (١).
* [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: قالَ مَالِكٌ: ومَنْ قَالَ: مَالِي في رِتَاجِ الكَعْبَةِ، أَنَّ عَلَيْهِ كَفارَةُ يَمِينٍ (٢)، نَحْوَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ في المُوطَّأ [١٧٥٢].
وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ هَذه القَوْلَةِ، وقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيءٌ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: والرِّتَاجُ هُوَ البَابُ.
قالَ: وكَذَلِكَ يَقُولُ مَالِكٌ في الذي يَقُولُ: مَالِي في حَطِيمِ الكَعْبَةِ، أَنَّهُ لَا شَيءَ عليهِ (٣).
قالَ: والحَطِيمُ هُوَ مَا بَيْنَ الكَعْبَةِ والمُلْتَزَمِ، بِقُرْبِ الرُّكْنِ الذِي فيهِ الحَجَرُ.
ومَنْ قَالَ: أَنا أَضْرِبُ بِمَالِي حَطِيمَ الكَعْبَةِ، أَو رِتَاجَ الكَعْبَةِ، أَو أَسْتَارَ الكَعْبَةِ، فإنَّ عَلَيْهِ السَّيْرَ إلى مَكَّةَ في حَج أَو عُمْرَةٍ، لأَنَّهُ لَا يَجِدِ السَّبِيلَ إلى ذَلِكَ (٤).
وأَمَّا إذا قَالَ: مَالِي في رِتَاج الكَعْبَةِ لَمْ يَجِدِ السَّبيلَ إلى الوَفَاءِ بِذَلِكَ، لأَنَّ الرِّتَاجَ لَا يَنْقُصُ، فَيُجْعَلُ هذَا مَالُهُ فِيهِ وكَذَلِكَ الحَطِيَمُ لَا يُهْدَمُ فَيُجْعَلُ هذَا مَالِهِ فِيهِ. стр. 306
وأَمَّا إذا قَالَ: أنا أَضْرِبُ بِمَالِي رِتَاجَ الكَعْبَةِ، أَو حَطِيمَ الكَعْبَةِ، أَو أَسْتَارَ الكَعْبَةِ، فَقَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ السَّيْرَ إلى مَكَّةَ، وكُلُّ مَنْ أَتَى مَكَّةَ لَمْ يَدْخُلْهَا إلَّا مُحْرِمًا، إمَّا بِحَج أو بِعُمْرَةٍ، فَهَذَا فَرَّقَ بينَ المَسْأَلَتَيْنِ.
* * *
تَمَّ الكِتَابُ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ
يَتْلُوهُ كِتَابُ الضَّحَايا إنْ شاء الله تعالى
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمًا
стр. 307
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آله وسلَّم تَسْلِيمًا
تَفْسِيرُ كِتَابِ الضَّحَايَا
* قالَ أَحمدُ بنُ خَالِدٍ: في سَنَدِ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ عَمْروِ بنِ الحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ بنِ فَيْرُوزٍ - نَظَرٌ [١٧٥٧]، وذَلِكَ أَن عَلِيَّ بنَ المَدِينِيِّ قالَ: لَمْ يَسْمَعْهُ عَمْرو بنُ الحَارِثِ [عَنْ] (١) عُبْيدِ بنِ فَيْرُوز (٢).
وَرَوَاهُ ابنُ وَهْبٍ، عَنْ [عَمْروِ] (٣) بنِ الحَارِثِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ عبد الرَّحمنِ الدِّمَشقِيِّ، عَن عُبَيْدِ بنِ فَيرُوزٍ، وذَكَرَ الحَدِيثَ (٤)، كَمَا ذَكَرَهُ في المُوطَّأ مالك.
قالَ أَبو عُمَرَ: أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على العُيُوبِ الأَرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في هذَا الحَدِيثِ، لأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَحَّى بِها، واخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا، فَمِنْهُم مَن خَفَّفَهَا، ومَنْ كَرِهَهَا.
قالَ: وفِي قَوْلِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ عندَ إشَارَتهِ بِيَدِه: (يَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسولِ اللهِ ﷺ )، إعْظَامُ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وأنْ لَا [يُشْبَهَ] (٥) بِشَيءٍ مِنْ حَرَكَاتِهِ. стр. 308
قالَ الأَخْفَشُ: "العَجْفَاءُ التي لا تَنْقِي"، هِي التِّي لَا شَحْمَ فِيهَا ولَا مُخَّ لَهَا، والنَّقْيُ: الشَّحْمُ والمُخُّ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: الضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بالنَّحْرِ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ" (١).
والذِي يُجْزِئُ في الضَّحِيَّةِ: الجَذْعُ مِنَ الضَّأْنِ، والثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهَا، وأَفْضَلُهَا العُجُولُ مِنَ الضَّأنِ، وخِصْيَانهُا خَيْرٌ مِنْ إنَاثِهِا، وإنَاثُهَا خَيْرٌ مِنْ عُجُولِ المَعْزِ، وعُجُولُ المَعْزِ خَيْرٌ مِنَ الإبلِ والبَقَرِ في الضَّحَايا، وأَمَّا في الهَدَايَا فالإبلُ، ثم البَقَرُ، ثُمَّ الضَّأْنُ، ثُمَّ المَعْزُ.
ومَنْ ضَحَّى بأَقَلَّ مِنْ سِنِّ الجَذْعِ مِنَ الضَّأْنِ، أَو بأَقَل مِنَ الثَّنِيِّ مِمَّا سِوَاهُ لَمْ تَجُزْهُ ضَحِيَّتُهُ، وأَبْدَلَها في أَيَّامِ النَّحْرِ.
قالَ أَبو عُمَرَ: الأَضْحَى يَوْمَانِ بعدَ يَوْمِ النَّحْرِ، ولَيْسَ الرَّابِعُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: أَجْمَعَ على هذَا أَهْلُ المَدِينَةِ.
قالَ مَالِكٌ: ولَا يُضَحَّى فِيها بِلَيْلٍ، ومَنْ أَجَازَ أَنْ يُضَحَّى فِيهَا بِلَيْلٍ فَقَدْ جَارَ جَوْرًّا بَعِيدًا، لأَنَّ اللهَ قالَ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، ولمْ يَذْكُرِ اللَّيَالِيَ.
وقال غَيْرُ مَالِكٌ: لَمَّا ذَكَرَ اللهُ اللَّيَالِيَ في القُرْآنِ دَخَلَتِ الأَيَّامُ مَعَهَا، كَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فَدَخَلَتْ هَهُنا الأَيَّامُ مَعَ اللَّيَالِي.
وقالَ في النُّسُكِ: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فَلَمْ تَدْخُلْ هَهُنا اللَّيَالِي مَعَ الأَيَّامِ.
قالَ مَالِكٌ: والأَيَّامُ لمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيوْمَانِ بَعْدَهُ، وليسَ اليومُ الرَّابِعُ стр. 309
مِنْهَا، وإنَّما هُوَ مِنَ المَعْدُودَاتِ، أَوَّلُهَا اليومُ الثَّانِي بعدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وآخِرُهَا اليَوْمُ الرَّابِعُ.
قالَ مَالِكٌ: مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الإمَامِ يَوْمَ النَّحْرِ أَعَادَ أُضْحِيَتِهُ في أَيَّامِ النَّحْرِ.
* وقَالَ غَيْرُهُ: لأَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي لا تَذْبَحُوا قَبْلَهُ (١)، وقدْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بُرْدَةَ بنِ [نِيَارٍ] (٢) حِينَ ذبَحَ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ بِالإِعَادَةِ، فقالَ لِرَسُولِ اللهِ: يا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي عَنَاقُ جَذَعَةٍ (٣)، يَعْنِي مِنَ المَعْزِ، فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اذْبَحْهَا ولَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" [١٧٦٠]، فَأَوْجَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الإعَادَةَ لَمَّا ذَبَحَ قَبْلَهُ، ورَخَّصَ لَهُ في الجَذَع مِنَ المَعْزِ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهَا، وكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ إمَامِهِ يَوْمَ النَّحْرِ أَن يُعِيدَ ضَحِيَّتَهُ في أَيَّامِ النَّحْرِ، ولَا يَذْبَحُ إلَّا الجَذَعَ مِنَ الضَّأنِ، والثَّنِي مِمَّا سِوَاهَا.
كانَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ يَحُجُّ في كُلِّ عَامٍ ويَنْحَرُ الهَدِي بِمَكَّةَ، فَمَرِضَ عَامًا بالمَدِينَةِ فَلَمْ يَشْهَدِ المَوْسِمَ مَعَ النَّاسِ، قالَ نَافِعٌ: (فَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِي لَهُ كَبْشًا فَحِيلًا ثُمَّ أَذْبَحُهُ في المُصَلَّى، فَفَعَلْتُ) [١٧٦٣]، فدَعَا بالحَلَّاقِ فَحَلَقَ رَأْسَهُ على حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِمنِى إذا حَجَّ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عُمَرَ بنِ مُسْلِمٍ، عَنْ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَبْحٌ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهُ، فإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، ولَا يَقْلِمَنَّ ظُفْرًا حتَّى يَذْبَحَ ضَحِيَّتَهُ يَوْمَ النَّحْرِ" (٤)، قالَ عِمْرَانُ بنُ أَنسٍ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا стр. 310
الحَدِيثِ، فقالَ لِي: لَيْسَ مِنْ حَدِيثِي، فَقُلْتُ لِجُلَسَائهِ: قدْ رَوَاهُ عنهُ شُعْبَةُ، وحَدَّثَ عنهُ بهِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ حَدِيثِي، فَقَالُوا لِي: إنَّهُ إذا لَمْ يَأخُذْ بالحَدِيثِ قالَ فيهِ: لَيْسَ مِنْ حَدِيثِي (١).
قالَ مَالِكٌ: لَا بَأسَ بِحَلْقِ الرَّأْسِ، وتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وقَصِّ الشَّارِبِ في عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، ولَيْسَ العَمَلُ على مَا في حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ مِنْ ذَلِكَ.
* قَوْلُهُ: (دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى) [١٧٦٦]، يَعْنِي: أَقْبَلَ أُنَاسٌ فُقَرَاءُ مِنْ أَهْلِ البَوَادِي إلى المَدِينَةِ أَيَّامَ الأَضْحَى في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمرَ النبيُّ ﷺ أَصْحَابَ الضَّحَايَا أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ ضَحَايَاهُم لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ويَتَصَدَّقُوا بِسَائِرِ ذَلِكَ على أُوَلِئكِ الفُقَراءِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَبَاحَ بعدَ ذَلِكَ للنَّاسِ أنْ يَأْكُلُوا مِنْ ضَحَايَاهُم ويَدَّخِرُوا لُحُومَهَا، ويَتَصَدَّقُوا مِنْهَا إنْ أَحَبُّوا.
قالَ الشَّافِعيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﵇: "ادَخِرُوا مِنَ الضَّحَايا لِثَلَاثٍ، وتَصَدَّقُوا بسَائِرِ ذَلِكَ" أَنْ يَكُونَ هَذَا مَنْسُوخًا جُمْلَةً وَاحِدَةً، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ النَّهِيُ عَنِ الَادْخَارِ إذا نَزَلَتْ شِدَّة فَيَدَّخِرُوا مِنْهَا حِينَئِذٍ لِثَلَاث، ويَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ في القُبُورِ: "زُورُوَهَا ولَا تَقُولُوا هُجْرًا" [١٧٦٧]، يَعْنِي: لَا تَدْعُو عِنْدَها بالوَيْلِ والحَرْبِ، وتَبْكُوا وتَفْعَلُوا مَا لَا يَرْضَى اللهُ وَرَسُولُهُ.
وقَوْلُهُ: "ونَهَيْتكُمْ عَنِ الإنْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا" يَعْنِي: نَهَيْتُ عَنِ الإنْتِبَاذِ في الدُّبَّاءِ، والمُزَفَّتِ، والنَّقِّيرِ، والحَنْتَمِ، ثُمَّ جَاءَتِ الرُّخْصَةُ في هذَا الحَدِيثِ بإبَاحَةِ الإنْتِبَاذِ، وَحُرِّمَ المُسْكِرُ.
وقالَ مَالِكٌ: ثَبَتَ نَهْيُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عنِ الإنْتِبَاذِ في الدُّباءِ، والمُزَفَّتِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ عَنِ النبيِّ ﵇، ومِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ .
قالَ غَيْرُهُ: إنَّما نَهَى عنهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مِنْ أَجْلِ أَنَّ الفَسَادَ يُسْرِعُ إلى مَا يَنْتَبِذُ في الدُّبَّاءِ، والمُزَفَّتِ، بِخِلَافِ أَوَانِي الفَخَّارِ غَيْرِ المُزَفَّتِ. стр. 311
* قَوْلُ أَبي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ: "نَحَزنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيِّةِ، البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" [١٧٦٩].
[قالَ أَبو المُطَرِّف]: أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ مَنْ أَجَازَ الإشْتِرَاكَ في الضَّحَايَا والهَدَايَا، وقَالُوا: لا بَأسَ أَنْ يَشْتَرِكَ الرَّجُلَانِ في الضَّحِيَّةِ، وُيخْرِجَانِ الثَّمَنَ جَمِيعَا، ويَذْبَحَانِهَا ويَقْتَسِمَانِ اللَّحْمَ على قَدْرِ إخْرَاجِهِمَا للثَمَنِ، وكَذَلِكَ الهَدَايَا، ولَيسَ لَهُم في هذَا الحَدِيثِ حُجَّة، لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَاقَ تِلْكَ الهَدَايَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ على سَبيلِ التَّطُوعِ، لَا مِنْ أَجْلِ شَيءٍ أَحْدَثُوهُ في إحْرَامِهِم، وكَانَ ذَلِكَ الهَدْيُ قَد قُلِّدً وأشْعِرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَصُدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ، ومَتَى قُلِّدَ الهَدْيُ وأُشْعِرَ فَقَدْ وَجَبَ نَحْرُهُ.
قالَ الأَبْهَرِيُّ: والإشْتِرَاكُ في الضَّحَايَا والهَدَايا يُوجِبُ القِسْمَةَ بينَ الشُّرَكَاءِ، والقِسْمَةُ بَيْعٌ مِنَ البيُوعِ، ولَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ النُّسُكُ بإجْمَاع، فَلِهَذا لَا يَجُوزُ الإشْتِرَاكُ في الضَّحَايًا ولَا الهَدَايَا.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: اسْتَحَبَّ مَالِكٌ للرَّجُلِ إذا كَانَ مُوسِرًا أنْ يُضَحِّي عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بِكَبْشٍ بِكَبْشٍ على كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم، نَخوَ فِعْلِ ابنِ عُمَرَ، ومَنْ ضَحَّى عَنهُ وعَنْهُم بِكَبْشٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ عَنْهُم، وقَدْ ضَحَّى النبيُّ ﷺ عنهُ وعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بِكَبْشٍ وَاحِدٍ.
قالَ مَالِكٌ: وَيُسَتَحَبُّ للرَّجُلِ أَنْ يَأكُلَ مِنْ أُضْحِيَتِهِ، ويُطعِمَ الفُقَرَاءَ مِنْهَا، لِقَوْليِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
* * *
تَمَّ الكِتَابُ، والحَمْدُ للهِ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهَلُهُ،
يَتْلُوهُ كِتَابُ العَقِيقَةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى
стр. 312
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمًا
تَفْسِيرُ العَقِيقَةِ
قالَ مَالِكٌ: الذِي يَقَعُ في نَفْسِي مِنْ شَأنِ العَقِيقَةِ أَنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى يَصْنَعُونَ لأَوْلَادِهِم شَيْئَا يُدْخِلُونَهُم فيهِ، وَيقُولُونَ: قَدْ أَدْخَلْنَاهُمْ في الدِّينِ، وأنَّ مِنْ شَأْنِ المُسْلِمِينَ الذَّبْحُ في ضَحَايَاهُم، وقَدْ عَقَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْ حَسَنٍ وحُسَيْنٍ، فَيَقَعُ في قَلْبِي مَنْ ذَبَحَ العَقِيقَةَ عَنْهُم أنَّها مِنْ شَرِيعَةِ الإسْلَامِ.
وقَدْ سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ العُلَمَاءِ يَذْكُرُ ذَلِكَ.
* قالَ عِيسَى: لا يَجْتزِئُ بِحَلْقِ رَأْسِ الصَّبِى والتَّصَدُّقِ بِوَزْنِهِ فِضَّةً مِنَ العَقِيقَةِ، ولَكِنْ مَنْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاة، ثُمَّ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِشَعْرِ حَسَنٍ وحُسَيْنٍ حِينَ حَلَقَتْهُمَا وتَصَذقَتْ بِوَزْنِ الشَّعْرِ فِضَّةً فَلَا بَأْسَ به ١٨٣٩١ أ.
قالَ: وتُذْبَحُ العَقِيقَةُ يَوْمَ سَابِعِ المَوْلُودِ، فَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَلَا بَأسَ أَنْ يُعَقَّ عَنْهُ في يَوْمِ السَّابِعِ الثَّانِي.
وقالَ ابنُ وَهْب: إنْ فَاتَهُ ذَلِكَ في السَّابِعِ الثَّانِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَقَّ عنهُ في السَّابِعِ الثَّالِثِ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: قَوْلُهُ "وَتُسْتَحَبُّ العَقِيقَةُ وَلَوْ بعُصْفُورٍ" [١٨٤٣]، إنَّمَا هذَا على وَجْهِ التَّمْثيلِ والتَّأكِيدِ في أَمْرِ العَقِيقَةِ، ولَمْ يُرِدْ أَن يُعَقَّ بِعُصْفُورٍ، ولَا تَكُونُ العَقِيقَةُ إلَّا مِنَ الأَنْعَامِ، لأَنَّها نُسُكٌ.
فَسَأَلْتُهُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ الذِي رَوَتْ عَن النبيِّ ﵇ أَنَّهُ قالَ: "يُعَقُّ
стр. 313
عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ، وعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ" (١)، فقالَ لِي: لَيْسَ هذَا الحَدِيثُ بثَابِتٍ، والصَّحِيحُ فيهِ قَوْلُهُ ﵇: "أَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى، وأَهْرِيقُوا عنهُ دَمًا" (٢)، ولَمْ يَقُلْ: أَهْرِيقُوا عنهُ دَمَيْنِ.
قالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا في العَقِيقَةِ أَنَّهَا تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِ المَوْلُودِ، وتُطْبَخُ ويَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُهُا، ويُطْعَمُ مِنْهَا الجِيرَانُ، ولَا يُدْعَى لَهَا الرِّجَالُ كَمَا يُفْعَلُ في
الوليمَةِ.
قالَ: وكَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يُلَطّخُونَ الصبِيَّ بِشَيءٍ مِنْ دَمٍ العَقِيقَةِ، ويَجْعَلُونَ مِنْهُ في جَبْهَتِهِ نُقْطَةً.
قالَ مَالِكٌ: وهذَا عِنْدَنا مَكْرُوهٌ، ولَا بَأْسَ أَنْ يُلَطَّخَ رَأْسُ الصَّبيِّ بالخَلُوقِ.
وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِصَبِيٍّ فَلُطِّخَ رَأْسُهُ بِخَلُوقٍ، بَدَلًا مِنَ الدَّمِ الذِي كَانَ يَفْعَلُهُ الجَاهِلِيَّةِ بأَوْلَادِهِم.
قالَ مَالِكٌ: وُيسَمَّى الصبِيُّ يَوْمَ سَابِعِه إذا عَقَّ عَنْهُ، ولَا يُعَقُّ عَنْ كَبِيرٍ كَمَا قَالَ أَهْلُ العِرَاقِ، وأَنَّهُ مَنْ لَم يُعَقَّ عَنْهُ في صِغَرِه أَنَّهُ يَعِقُّ عَنْ نَفْسِهِ إذا كَبِرَ.
سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ العِرَاقِ: إنَّهُ يُعَقُّ عَنِ الكَبِيرِ، فقَالَ لِي: الصَّحِيحُ في هذَا مَا قَالَهُ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ، وقَدْ أَسْلَمَ الصَّحَابَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُم أَنَّهُ عَن عَنْ نَفْسِهِ في كِبَرِه.
* * *
تَمَّ الكِتَابُ، والحمدُ للهِ رَبِّ العَالِمِين
يَتْلُوهُ كِتَابُ الذَّبَائِحِ إن شاء الله
* * * стр. 314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمًا
تَفْسِيرُ كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وكِتَابِ الصَّيْدِ
على بَرَكةِ الله تعَالَى
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ للذِينَ سَأَلوهُ عَنْ نَاسٍ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ يَقْدِمُونَ عَلَيْنَا بِلُحْمَانٍ، وذَكَرَ الحَدِيثِ إلى آخِرِه [١٧٨١].
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا أَمَرَهُم النبيُّ ﷺ بأَكْلِ تِلْكَ اللُّحُومِ في أَوَّلِ الإسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: والتَّسْمِيةُ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا تَعْمَلُ فِيمَا قُصِدَ فِيهِ إلى تَرْكِهَا، وإنَّمَا يُذَكَّى الحَيُّ ولَا يُذَكَّى المَيِّتُ، وقَدْ أَبَاحَ اللهُ ذِبَائِحَ أَهْلِ الكِتَابِ، ومَنَعَ مِنْ أَكْلِ ذِبَائِحِ المَجُوس وعَبَدةِ الأَوْثَانِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فَهَذا مُبَاحٌ أَكْلُهُ إلَّا مَا ذَبَحُوهُ لأعْيَادِهِم وأَصْنَامِهِم فَهَذا يُترَكُ أَكْلُهُ، لأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ لغَيْرِ اللهِ، وقَالَ في طَعَامِ المَجُوسِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.
* قالَ عِيسَى: إنَّمَا تَرَكَ عبدُ اللهِ بنُ عيَّاشٍ أَكْلِ الشَّاةِ التّي كَانَ أَمَرَ غُلَامَهُ بذَبْحِهَا حِينَ قالَ: سَمِّ اللهَ واذْبَحْ ولَمْ يَسْمَعْهُ سَمَّى، فقَالَ: "واللهِ لَا آكَلهَاُ" [١٧٨٢]، فتَرَكَ أَكْلَهَا تَنَزُّهَا عَنْهَا، ولَمْ يَكُنْ يَلْزُمُه ذَلِكَ، لأَنَّ الغُلَامَ قَالَ لَهُ:
"إنَّي سَمَّيْتُ اللهَ".
وقالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا تَرَكَ أَكْلَهَا مِنْ أَجْلِ عِصْيَانهِ لَهُ.
стр. 315
وَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَتَّهِمُهُ في دِينِه، فَلَمَّا لَمْ يَسْمَعْهُ يُسَمِّي اللهَ عِنْدَ الذَّبْحِ وَقَعَ في نَفْسِهِ أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ التَّسْمِيةَ مُسْتَخِفًّا، وإذا تَرَكَ المُسْلِمُ التَّسْمِيةَ عِنْدَ الذَبْحِ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ، لأَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بأَمْرِ اللهِ ، وإذا تَرَكَهَا اليَهُودِيُّ أوالنَّصْرَانِيُّ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ بأَكْلِهَا بَأْسٌ، لأَنَّ اللهَ ﵎ قَدْ أَبَاحَ لَنا أَكْلَ ذَبَائِحِهِم وقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُم يَكْفُرُونَ باللهِ.
قالَ مَالِكٌ: الذَّكَاةُ قَطْعُ الحُلْقُومُ والأَوْدَاجُ، فإنْ قَطَعَ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ لَمْ تُؤْكَلْ.
وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: الذَّكَاةُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والوَدَجَيْنِ والمَرَيءِ، وَهُوَ العِرْقُ الأَحْمَرُ الذِي هُوَ مَلْصُوقٌ بالحُلْقُومِ (١).
ولَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ المَرِيءَ في الذَّكَاةِ.
قالَ عِيسَى: الشَّطَاطُ عُودٌ مُحَدَّدُ الطَّرَفِ، والذَّكَاةُ بهِ جَائِزَةٌ عنْدَ الضَّرُورَةِ.
قالَ: واللِّيطَةُ فِلْقَةُ القَصَبَةِ، والظُّرَرُ فِلْقَةُ الحَجَرِ، قالَ: فَكُلُّ مَا ذُبِحَ بهِ مِنْ هَذَا فَلَا بَأسَ بهِ إذا قَطَعَ الأَوْدَاجَ والحُلْقُومَ.
* قَوْلُ زيدِ بنِ ثَابِتٍ حِينَ سُئِلَ عَنِ الشَّاةِ التي ذُبِحَتْ بعدَ أَنْ كَانَ أَصَابَهَا مَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنهُ المَوْتُ فَتَحَرَّكَتْ بعدَ الذَبْحِ، فقالَ: (إنَّ المَيتَةَ لَتَتَحْرَّكُ) [١٧٩٠]، يُرِيدُ: أَنَّهُ إذا انْفَذَتْ مُقَاتِلَ الشَّاةِ بأَيِّ شَيءٍ كَانَ، ثُمَّ ذُبِحَتْ لَمْ تُؤْكَلْ، لأَنَّ المَنْفُوذَةَ المُقَاتَلِ لا تَعْمَلُ فِيهَا الذكَاةُ، فتَحَرُّكُهَا بعدَ ذَبْحِهَا لا يُبِيحُ مملَهَا، فَلَيْسَ الحُكْمُ للحَرَكَةِ، إنَّمَا الحُكْمُ للحَيَاةِ، ورَخَّص فِيهَا أَبو هُرَيْرَةَ إذا تَحَرَّكَتْ بعدَ أَنْ ذُبِحَتْ، وأَمَرَ بأَكْلِهِا، وأَمَّا الشَّاةُ المَرِيضَةُ إذا ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَتْ بعدَ ذَلِكَ فَإنَّها تُؤْكَلُ، والفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ المَرِيضَةَ لا يُدْرَى هَلْ تَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ أَمْ لَا، وأَمَّا المَنْفُوذَةُ المُقَاتَلِ فَلَا يُشَكُّ في مَوْتهَا، فَلِذَلِكَ لا تَعْمَلُ فِيهَا الذَكَاةُ لأَنَّها مَيْتَةٌ. стр. 316
قالَ مَالِكٌ: إذا تَمَّ خَلْقُ مَا في بَطْنِ الشَّاةِ ونَبَتَ شَعْرُهُ، فَذَكَاةُ أُمِّهُ ذَكَاتُهُ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: يُرِيدُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عَضْوٍ مِنْهَا مَا لَمْ يُفَارِقْهَا، فَلَمَّا عَمِلَتِ الذَّ كَاةُ في الشَّاةِ، عَمِلَتْ في الذِي في بَطْنِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَبْحُهُ إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا، لِكَي يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ، فَأَمَّا إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا حَيَّا لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ، لأَنَّ الأَمْرَ بالذِّكَاةِ قَدْ تَوَجَّه إليه، وأَمَّا إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ خَلْقُهُ فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُضْغَةٌ ودَمٌ مُنْعَقِدٌ، والدَّمُ لَا يُؤْكَلُ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَا أَصَابَهُ الرَّجُلُ مِنَ الطَّيْرِ بِحَجَرٍ أَو بِبُنْدَقَةٍ فَخَرَقَ الجِلْدَ وبَلَغَ المُقَاتَلَ، فإنَّهُ لا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ، لأَنَّهُ مَوْقُودٌ، وكَذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ الطَّيْرُ الذي يُرْمَى وَهُوَ يَطِيرُ فَيَسْقُطُ ثُمَّ يَمُوتُ ويُوجَدُ السَّهْمُ لَمْ يَنْفَذْ مُقَاتَلَهُ، إذ لَعَلَّهُ مِنَ السَّقْطَةِ مَاتَ، والصَّدْمَةُ لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ، وكَذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ مَا أُصِيبَ بعُرْضِ المِعْرَاض فَمَاتَ مِن ذَلِكَ لأَنَّهُ رَضٌّ، والرَّضُّ لَيْس بِذَكَاةٍ، وَالمِغرَاضُ: (الكسكامت) (١) التي يَحْبسَها الصَّائِدُ (٢)، ورُبَّمَا رَمَى بِهَا الصَّائِدُ، فَإنْ أَصَابَهُ بحَدِّهَا فَخَسَقَ (٣) في الجِلْدِ، وقَطَعَ الحُلْقُومِ، فإنْ ذَلِكَ الصَّيْدَ يُؤْكَلُ لأَنَّه مُذَكَيًّا.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَا نَدَّ مِنَ الأَنْعَامِ الإنْسِيَّةِ واسْتَوْحَشَ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةِ الإنْسِيَّةِ، ومَا دَجَنَ مِنَ الوَحْشِ ثُمَّ نَدَّ واسْتَوْحَشَ أُكِلَ بِمَا يُؤْكَلُ بهِ الصَّيْدُ مِنَ الرَّمِي وشِبْهِه، لأَنَّهُ حِينَ اسْتَوْحَشَ رَجَعَ إلى أَصْلِهِ فَهُوَ يُؤْكَلُ بِمَا يُؤْكَلُ بهِ الصَّيْدُ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَجُزْ أَكْلُ الصَّيْدِ إذا فَاتَ عَنِ الصَّائِدِ ثُمَّ وَجَدَهُ يَوْمًا آخَرَ قَدْ مَاتَ وسَهْمُهُ مُثَبَّتٌ فِيهِ، لأَنَّهُ صَيْدٌ مَشْكُوكٌ في ذَكَاتِهِ، لأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِن أَيِّ شَيءٍ стр. 317
مَاتَ، وقدْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَمَعَّكَ والسَّهْمُ فِيهِ لَمْ يَنْفُذْ مُقَاتَلَهُ، فَيَكُونُ تَمَعَكُهُ سَبَبًا لِدُخُولِ السَّهْمِ فِيهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِذَكَاة، فَلَمَّا شَكَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَكَلُهُ، ولِذَلِكَ يُكْرَهُ أَكْلُ مَا صِيدَ بالسَّهْمِ المَسْمُومِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَ ذَلِكَ الصَّيْدَ، إنْ كَانَ السَّهْمُ أَو السُّمُّ الذي سُمَّ بهِ ذَلِكَ السَّهْمُ، وقَتْلُ السُّمِّ لَيْسَ بِذَكَاةٍ، وَلِمَا يُخَافُ على آكِلِ ذَلِكَ الصَّيْدِ مِنَ السُّمِّ الذِي قتَلَهُ لا يَقْتُلُهُ أَيْضًا.
سَألْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيّ بنِ حَاتِم، أَنَّهُ قالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أَرْضِي أَرْضُ صَيْدٍ، فقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : إذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وسَمَّيتَ اللهَ فَكُل مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وَإِنْ قَتَلَ، وإنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فإنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ على نَفْسِهِ" (١)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذَا حَدِيثٌ اضْطَرَبَ فِيهِ الشَعْبِيُّ، وفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ "كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وإنْ أَكَلَ مِنْهُ" (٢).
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: والعَمَلُ في هذَا عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ على قَوْلِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: (كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وإنْ أَكَلَ مِنْهُ) [١٨٠٥]، و [١٨٠٦]، وكَذَلِكَ قالَ سَعْدُ بنُ أَبي وَقَّاصٍ: (كُلْ وإن لَمْ تَبْقَ إِلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ) [١٨٠٧]، وقَدْ قَالَ اللهُ في الكِلَابِ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، يَعْنِي: تُعَلِّمُونَهُنَّ الأشْلَاءَ والزَّجْرَ، فَكُلُوَا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ في الذِي يُدْرِكِ الصَّيْدَ في مَخَالِبِ البَازِي، أَو فِي فِيِّ الكَلْب لَمْ يَنْفُذْ مُقَاتَلَهُ ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بهِ حتَّى يَمُوتَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، إنِّمَا قالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَمَّا أً دْرَكَهُ في مَخَالِبِ البَازِي، أَو في فِيِّ الكَلْبِ وفِيهِ حَيَاةٌ مُجْتَمَعَةٌ، فَقَدْ تَوَجَّهَتْ إليه الذِّكَاةُ، فَلَمَّا أَفْرَطَ فِيهِ الصَّائِدُ حتَّى مَاتَ، فَقَدْ تَرَكَ стр. 318
تَذْكِيَتَهُ عَمْدًا، فَلِذَلِكَ لَا يَأْكُلُهُ، وإنَّمَا أَبَاحَ اللهُ أَكْلَ مَا لَمْ تَتَمَكَّنْ ذَكَاتُهُ مِنَ الصَّيْدِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ السَّبيلِ إلى ذَكَاتِهِ، لِقَوْلهِ ﵎: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، يَعْنِي: مَا يُرْمَى بالنَّبْلِ والرِّمَاحِ فَيَقْتُلُ ذَلِكَ المَرْمَى فَأَبَاحَ اللهُ أَكْلَهُ، وقالَ في الكِلَابِ المُعَلَّمَةِ: (فَكُلُوأ مِمَّا أَمَّسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائده: ٤].
قالَ عِيسَى: فإذَا وَجَدَ شَيْئأ مِنْ هَذا كُلِّهِ مَنْفُوذَ المُقَاتَلِ أَكَلَهُ.
قالَ أَصْبَغُ: مَا قتَلَهُ الكِلَابُ بالصَّدمِ، أَو البُزَاةِ (١) بالشَّدِّ مِنَ الصَّيْدِ مُبَاحٌ أَكْلُهُ عِنْدَ أَشْهَبَ.
وقالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا أَجْرَحَتِ الكِلَابُ أَو البُزَاةِ مِنَ الصَّيْدِ فَقتَلتْهُ، وأَمَّا مَا قَتَلَتْهُ بالصَّدْمِ أَو بالشَّدِّ لَمْ يُؤْكَلْ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: قالَ أَصْبَغُ: وبِهَذا أَقُولُ، لأَنَّ اللهَ سَمَّاهَا في كِتَابهِ جَوَارِحَ، فإذا لَمْ يُجْرَحِ الصَّيْدُ لَمْ يُؤْكَلْ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: أَخَذَ أَهْلُ المَدِينَةِ أَكْلَ مَا صَادَهُ المُسْلِمُ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ المُعَلَّمِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ في الصَّيْدِ لِلمُسِلمِ الذي يَصِيدُهُ، وُيرْسِلُ الكَلْبَ عَلَيْهِ، ويُسَمِّي اللهَ عندَ إرْسَالهِ، ولَمْ يَجُزْ أَكْلُ مَا صَادَهُ المَجُوسِيُّ بِكَلْبِ المُسْلِمِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ للصَّائِدِ لَا لِلْكَلْبِ، ومِنْ هذَا كَرِهَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ أَكْلَ مَا صَادَهُ اليَهُودِيُّ أَو النَّصْرَانِيُّ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى إنَّمَا خَاطَبَ المُسْلِمِينَ بِقَوْلهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، ولَمْ يَذْكُرِ اليَهُودَ ولَا النَصَارَى.
وقَالَ مَنْ أَجَازَ أَكْلَ صَيْدِ اليَهُودِ والنَّصَارَى لَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، اسْتَدْلَلْنَا بِهَذَا على أَنَّ مَا صَادَ أَهْلُ الكِتَابِ حِلٌّ لَنَا أَكْلُهُ. стр. 319
* روَى يحيى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي إدْرِيسَ الخَوْلَانِي، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" [١٨٢١]، ثُمَّ أَوْصَى بِهَذا الحَدِيثِ، قالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنا.
ورَوَى ابنُ بُكَيْرٍ هذَا الحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن أَبي إدْرِيْسٍ الخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) (١).
وكَذَلِكَ رَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ في مُوَطَّئِهِ، وأَوْصَلَ بهَذا الحَدِيثِ (٢).
قالَ مَالِكٌ: وهذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: وهذِه الرِّوَايةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايةِ يحيى بنِ يحيى، لأن الحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابهِ، وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِه، وَلُحُومُ السّبَاعِ مَكْرُوهَة غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، لِنَهْي رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَاب مِنْهَا، ودَخَلَ مَدْخَلُهَا لُحُومُ الخَيْلِ والبِغَالِ والحَمِيرِ، لِقَوْلِ اللهِ ﵎ ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨].
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: عَبيدَةُ بنُ سُفْيَانَ الذي روَى عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" [١٨٢٣]، ضَعِيفٌ (٣)، ولَذِلَكِ لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ بِحَدِيثِ عَبِيدَةَ بنِ سُفْيانَ، لِضَعْفِ رِوَايَتِهِ، ولمُخَالَفَةِ الأُصُولِ.
* * * стр. 320
بَابٌ في جُلُودِ المَيْتَةِ،
وفِيمَنْ يُضْطَرُّ إلى أَكْلِ المَيتَةِ
أَرْسَلَ ابنُ بُكَيْبر عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، فقالَ: هَلَّا انتفَعْتُم بِجِلْدِهَا"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه، وأَرْسَلَهُ (١).
* ورَوَاهُ يَحْيىَ بنُ يحيى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابنِ عبَّاس، عَنِ النبيِّ ﷺ وأَسْنَدَهُ [١٨٢٩].
وكَذَلِكَ أَرْسَلَهُ القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ كَمَا أَرْسَلَهُ عنهُ ابنُ بُكَيْرٍ (٢).
ورَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ مُسْنَدًا عَنْ مَالِكٍ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيىَ بنُ يَحْيىَ (٣).
واخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ، فَزَادَ ابنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ في سَنَدِ هذَا الحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وقَالَ أَيْضًا في آخِرهِ: "ألَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ وانْتَفَعُوا بهِ" (٤)، ولَمْ يَذْكُرِ (الدَّبَاغَ) في هذَا الحَدِيثِ إلَّا ابنُ عُيَيَنْةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: قِيلَ لإبنِ عُيَيْنَةَ: أَفِي غَيْرِكَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لا يَذْكُرُ следующие страницы →