← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قالَ مَالِكٌ: إذا تَمَّ خَلْقُ مَا في بَطْنِ الشَّاةِ ونَبَتَ شَعْرُهُ، فَذَكَاةُ أُمِّهُ ذَكَاتُهُ. [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: يُرِيدُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عَضْوٍ مِنْهَا مَا لَمْ يُفَارِقْهَا، فَلَمَّا عَمِلَتِ الذَّ كَاةُ في الشَّاةِ، عَمِلَتْ في الذِي في بَطْنِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَبْحُهُ إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا، لِكَي يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ، فَأَمَّا إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا حَيَّا لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ، لأَنَّ الأَمْرَ بالذِّكَاةِ قَدْ تَوَجَّه إليه، وأَمَّا إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ خَلْقُهُ فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُضْغَةٌ ودَمٌ مُنْعَقِدٌ، والدَّمُ لَا يُؤْكَلُ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَا أَصَابَهُ الرَّجُلُ مِنَ الطَّيْرِ بِحَجَرٍ أَو بِبُنْدَقَةٍ فَخَرَقَ الجِلْدَ وبَلَغَ المُقَاتَلَ، فإنَّهُ لا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ، لأَنَّهُ مَوْقُودٌ، وكَذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ الطَّيْرُ الذي يُرْمَى وَهُوَ يَطِيرُ فَيَسْقُطُ ثُمَّ يَمُوتُ ويُوجَدُ السَّهْمُ لَمْ يَنْفَذْ مُقَاتَلَهُ، إذ لَعَلَّهُ مِنَ السَّقْطَةِ مَاتَ، والصَّدْمَةُ لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ، وكَذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ مَا أُصِيبَ بعُرْضِ المِعْرَاض فَمَاتَ مِن ذَلِكَ لأَنَّهُ رَضٌّ، والرَّضُّ لَيْس بِذَكَاةٍ، وَالمِغرَاضُ: (الكسكامت) (١) التي يَحْبسَها الصَّائِدُ (٢)، ورُبَّمَا رَمَى بِهَا الصَّائِدُ، فَإنْ أَصَابَهُ بحَدِّهَا فَخَسَقَ (٣) في الجِلْدِ، وقَطَعَ الحُلْقُومِ، فإنْ ذَلِكَ الصَّيْدَ يُؤْكَلُ لأَنَّه مُذَكَيًّا. قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَا نَدَّ مِنَ الأَنْعَامِ الإنْسِيَّةِ واسْتَوْحَشَ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةِ الإنْسِيَّةِ، ومَا دَجَنَ مِنَ الوَحْشِ ثُمَّ نَدَّ واسْتَوْحَشَ أُكِلَ بِمَا يُؤْكَلُ بهِ الصَّيْدُ مِنَ الرَّمِي وشِبْهِه، لأَنَّهُ حِينَ اسْتَوْحَشَ رَجَعَ إلى أَصْلِهِ فَهُوَ يُؤْكَلُ بِمَا يُؤْكَلُ بهِ الصَّيْدُ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَجُزْ أَكْلُ الصَّيْدِ إذا فَاتَ عَنِ الصَّائِدِ ثُمَّ وَجَدَهُ يَوْمًا آخَرَ قَدْ مَاتَ وسَهْمُهُ مُثَبَّتٌ فِيهِ، لأَنَّهُ صَيْدٌ مَشْكُوكٌ في ذَكَاتِهِ، لأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِن أَيِّ شَيءٍ

стр. 317

مَاتَ، وقدْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَمَعَّكَ والسَّهْمُ فِيهِ لَمْ يَنْفُذْ مُقَاتَلَهُ، فَيَكُونُ تَمَعَكُهُ سَبَبًا لِدُخُولِ السَّهْمِ فِيهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِذَكَاة، فَلَمَّا شَكَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَكَلُهُ، ولِذَلِكَ يُكْرَهُ أَكْلُ مَا صِيدَ بالسَّهْمِ المَسْمُومِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَ ذَلِكَ الصَّيْدَ، إنْ كَانَ السَّهْمُ أَو السُّمُّ الذي سُمَّ بهِ ذَلِكَ السَّهْمُ، وقَتْلُ السُّمِّ لَيْسَ بِذَكَاةٍ، وَلِمَا يُخَافُ على آكِلِ ذَلِكَ الصَّيْدِ مِنَ السُّمِّ الذِي قتَلَهُ لا يَقْتُلُهُ أَيْضًا. سَألْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيّ بنِ حَاتِم، أَنَّهُ قالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أَرْضِي أَرْضُ صَيْدٍ، فقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : إذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وسَمَّيتَ اللهَ فَكُل مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وَإِنْ قَتَلَ، وإنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فإنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ على نَفْسِهِ" (١)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذَا حَدِيثٌ اضْطَرَبَ فِيهِ الشَعْبِيُّ، وفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ "كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وإنْ أَكَلَ مِنْهُ" (٢). * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: والعَمَلُ في هذَا عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ على قَوْلِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: (كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وإنْ أَكَلَ مِنْهُ) [١٨٠٥]، و [١٨٠٦]، وكَذَلِكَ قالَ سَعْدُ بنُ أَبي وَقَّاصٍ: (كُلْ وإن لَمْ تَبْقَ إِلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ) [١٨٠٧]، وقَدْ قَالَ اللهُ في الكِلَابِ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، يَعْنِي: تُعَلِّمُونَهُنَّ الأشْلَاءَ والزَّجْرَ، فَكُلُوَا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ. [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ في الذِي يُدْرِكِ الصَّيْدَ في مَخَالِبِ البَازِي، أَو فِي فِيِّ الكَلْب لَمْ يَنْفُذْ مُقَاتَلَهُ ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بهِ حتَّى يَمُوتَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، إنِّمَا قالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَمَّا أً دْرَكَهُ في مَخَالِبِ البَازِي، أَو في فِيِّ الكَلْبِ وفِيهِ حَيَاةٌ مُجْتَمَعَةٌ، فَقَدْ تَوَجَّهَتْ إليه الذِّكَاةُ، فَلَمَّا أَفْرَطَ فِيهِ الصَّائِدُ حتَّى مَاتَ، فَقَدْ تَرَكَ

стр. 318

تَذْكِيَتَهُ عَمْدًا، فَلِذَلِكَ لَا يَأْكُلُهُ، وإنَّمَا أَبَاحَ اللهُ أَكْلَ مَا لَمْ تَتَمَكَّنْ ذَكَاتُهُ مِنَ الصَّيْدِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ السَّبيلِ إلى ذَكَاتِهِ، لِقَوْلهِ ﵎: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، يَعْنِي: مَا يُرْمَى بالنَّبْلِ والرِّمَاحِ فَيَقْتُلُ ذَلِكَ المَرْمَى فَأَبَاحَ اللهُ أَكْلَهُ، وقالَ في الكِلَابِ المُعَلَّمَةِ: (فَكُلُوأ مِمَّا أَمَّسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائده: ٤]. قالَ عِيسَى: فإذَا وَجَدَ شَيْئأ مِنْ هَذا كُلِّهِ مَنْفُوذَ المُقَاتَلِ أَكَلَهُ. قالَ أَصْبَغُ: مَا قتَلَهُ الكِلَابُ بالصَّدمِ، أَو البُزَاةِ (١) بالشَّدِّ مِنَ الصَّيْدِ مُبَاحٌ أَكْلُهُ عِنْدَ أَشْهَبَ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا أَجْرَحَتِ الكِلَابُ أَو البُزَاةِ مِنَ الصَّيْدِ فَقتَلتْهُ، وأَمَّا مَا قَتَلَتْهُ بالصَّدْمِ أَو بالشَّدِّ لَمْ يُؤْكَلْ. [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: قالَ أَصْبَغُ: وبِهَذا أَقُولُ، لأَنَّ اللهَ سَمَّاهَا في كِتَابهِ جَوَارِحَ، فإذا لَمْ يُجْرَحِ الصَّيْدُ لَمْ يُؤْكَلْ. [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: أَخَذَ أَهْلُ المَدِينَةِ أَكْلَ مَا صَادَهُ المُسْلِمُ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ المُعَلَّمِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ في الصَّيْدِ لِلمُسِلمِ الذي يَصِيدُهُ، وُيرْسِلُ الكَلْبَ عَلَيْهِ، ويُسَمِّي اللهَ عندَ إرْسَالهِ، ولَمْ يَجُزْ أَكْلُ مَا صَادَهُ المَجُوسِيُّ بِكَلْبِ المُسْلِمِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ للصَّائِدِ لَا لِلْكَلْبِ، ومِنْ هذَا كَرِهَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ أَكْلَ مَا صَادَهُ اليَهُودِيُّ أَو النَّصْرَانِيُّ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى إنَّمَا خَاطَبَ المُسْلِمِينَ بِقَوْلهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، ولَمْ يَذْكُرِ اليَهُودَ ولَا النَصَارَى. وقَالَ مَنْ أَجَازَ أَكْلَ صَيْدِ اليَهُودِ والنَّصَارَى لَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، اسْتَدْلَلْنَا بِهَذَا على أَنَّ مَا صَادَ أَهْلُ الكِتَابِ حِلٌّ لَنَا أَكْلُهُ.

стр. 319

* روَى يحيى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي إدْرِيسَ الخَوْلَانِي، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" [١٨٢١]، ثُمَّ أَوْصَى بِهَذا الحَدِيثِ، قالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنا. ورَوَى ابنُ بُكَيْرٍ هذَا الحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن أَبي إدْرِيْسٍ الخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) (١). وكَذَلِكَ رَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ في مُوَطَّئِهِ، وأَوْصَلَ بهَذا الحَدِيثِ (٢). قالَ مَالِكٌ: وهذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا. [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: وهذِه الرِّوَايةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايةِ يحيى بنِ يحيى، لأن الحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابهِ، وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِه، وَلُحُومُ السّبَاعِ مَكْرُوهَة غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، لِنَهْي رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَاب مِنْهَا، ودَخَلَ مَدْخَلُهَا لُحُومُ الخَيْلِ والبِغَالِ والحَمِيرِ، لِقَوْلِ اللهِ ﵎ ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: عَبيدَةُ بنُ سُفْيَانَ الذي روَى عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" [١٨٢٣]، ضَعِيفٌ (٣)، ولَذِلَكِ لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ بِحَدِيثِ عَبِيدَةَ بنِ سُفْيانَ، لِضَعْفِ رِوَايَتِهِ، ولمُخَالَفَةِ الأُصُولِ. * * *

стр. 320

بَابٌ في جُلُودِ المَيْتَةِ، وفِيمَنْ يُضْطَرُّ إلى أَكْلِ المَيتَةِ أَرْسَلَ ابنُ بُكَيْبر عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، فقالَ: هَلَّا انتفَعْتُم بِجِلْدِهَا"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه، وأَرْسَلَهُ (١). * ورَوَاهُ يَحْيىَ بنُ يحيى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابنِ عبَّاس، عَنِ النبيِّ ﷺ وأَسْنَدَهُ [١٨٢٩]. وكَذَلِكَ أَرْسَلَهُ القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ كَمَا أَرْسَلَهُ عنهُ ابنُ بُكَيْرٍ (٢). ورَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ مُسْنَدًا عَنْ مَالِكٍ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيىَ بنُ يَحْيىَ (٣). واخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ، فَزَادَ ابنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ في سَنَدِ هذَا الحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وقَالَ أَيْضًا في آخِرهِ: "ألَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ وانْتَفَعُوا بهِ" (٤)، ولَمْ يَذْكُرِ (الدَّبَاغَ) في هذَا الحَدِيثِ إلَّا ابنُ عُيَيَنْةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: قِيلَ لإبنِ عُيَيْنَةَ: أَفِي غَيْرِكَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لا يَذْكُرُ

стр. 321

في هذَا الحَدِيثِ (الدِّبَاغُ؟)، فقالَ: أَنَا سَمِعْتُ (الدّبَاغَ) مِنَ الزُّهْرِيِّ سَمْعَا" (١). قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: ورَوَى هَذَا الحَدِيثَ عبدُ الرَّزاقِ، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ زَوْجُ النبيِّ ﷺ : "أَنَّ شَاةً لَهُمْ مَاتَتْ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أَلَا دَبَغْتُم إهَابَهَا" (٢)، يعَنِي: وَانتفَعْتُم بهِ. قالَ أَحْمَدُ: فِفِي هذَا الحَدِيثِ دَلِيل على أنَّ الانْتِفَاعَ بِجِلْدِ المَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ بعدَ الدّبَاغِ، وَهُوَ مُوَافِق لِمَا رَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. * قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: الذي يأخُذُ بهِ مَالِكٌ في جُلُودِ المَيْتَةِ حَدِيثَ عَائِشَةَ: "أَن النبيَّ ﷺ أمًرَ أَنْ يُسْتَمْتعً بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبغَتْ" [١٨٣١]، يُرِيدُ: يُسْتَمْتَعُ بِها في غَيْرِ اللِّبَاسِ والصَّلَاةِ بِهَا، وَهِي عِنْدَهُ على أَصْلِهًا غَيْرُ طَاهِرَةٍ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: في حَدِيثِ زيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَنِ ابنِ وَعْلَةٍ المَصْرِيِّ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إذا دُبغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" [١٨٣٠]، قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: هَذا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، لأَنَ ابنَ وَعْلَةَ رَجُل مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ (٣)، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ بهِ مَالِكٍ في جُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ، وَقَدْ رَوَى عنهُ ابنُ عبدِ الحَكَمِ أَنَّهُ قالَ: مَنْ دَبَغَ جِلدَ مَيْتَةٍ ثُمَّ قَطَعَهُ نِعَالًا لَمْ يَبِعْهُ حتَّى يُبيِّنَ أَنَّهُ جِلْدُ مَيْتَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِهِ (٤). [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: زَادَ ابنُ بُكَيْرٍ في هذَا البَابِ في مَوَطَّئِهِ حَدِيثَ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبي سُهَيل بنِ مَالِكٍ، أعن أبيه، عَنْ كَعْبٍ الأَحْبَارِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا نَزَعَ نَعْلَيْهِ، فقالَ لَهُ كَدْب: لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ، لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذَهِ الآيةَ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ

стр. 322

إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]، ثُمَّ قَالَ لَهُ كَعْب: هَلْ تَدْرِي مِمَّا كَانتَا نَعْلَا مُوسَى؟ إنَّمَا كَانتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارِ مَيِّتٍ (١). قالَ أَبو عُمَرَ: إنَّمَا أَدْخَلَ مَالِكٌ هذا الحَدِيثَ في المُوطَّأ على الرُّخْصَةَ في الإنْتِعَالِ بِجُلودِ المَيْتَةِ. [قالَ أبو المُطَرِّفِ]: كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ [أَهْلِ] (٢) الأَمْصَارِ الإنْتِفَاعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ، واحْتَجُّوا بِما رَوَاهُ ابنُ أَبي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عبدِ [الرَّحمن] (٣) بنِ أَبي لَيْلَى، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيْمٍ، قالَ: كَتَبَ إلينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بإهَابٍ ولَا عَصَبٍ" (٤). قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: أَخَذَ بِهَذا الحَدِيثِ قَوْمٌ وَحَسِبُوهُ نَاسِخًا لإبَاحَةِ الانْتِفَاعِ بِجُلُودِ المَيْتَةِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنْ قَالُوا: إنَّ المَيْتَةَ مُحَرَّمَة، فَكَذَلِكَ جِلْدُهَا مُحَرَّمٌ، فَلَا يَجُوزُ أنْ يُنتفَعَ بهِ في شَيءٍ ما. قالَ أَحْمَدُ: وهذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِه أَحَدٌ غَيْرُ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيْمٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، ومَرَّةً يَقُولُ: كَتَبَ إلينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أقَبْلَ مَوْتهِ، (٥) بِشَهْرٍ "ألَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ ولَا عَصَبٍ"، فَاضْطَرَبتْ فِيهِ رِوَايَتُهُ، وقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ الإنْتِفَاعِ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذ دُبِغَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّها مَيْتَة، فقَالَ: "إنَّما حُرِّمَ أَكْلُهَا"، ثُمَّ أَبَاحَ الإنْتِفَاعَ بِجِلْدِها، وَهُوَ المُبَيِّنُ عَنِ اللهِ مَا حَرَّمَ ومَا أَبَاحَ، وهذَا الذي عليهِ أَهْلُ المَدِينَةِ.

стр. 323

قالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنِ اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ أَنَّهُ يَأكُلُ مِنْهَا حتَّى يَشْبَعَ، ويَتَزَوَّدُ [مِنْهَا] (١)، وإذا وَجَد عَنْهَا غِنًى طَرَحَها [١٨٣٣]. وقَالَ غَيْرُ مَالِكٍ: يَأكُلُ مِنْهَا مَا يَرُدُّ جُوعَهُ ولَا يَتَزَوَّدُ مِنْهَا. واخْتَلَفُوا في قَاطِعِ الطَّرِيقِ إذا اضْطَرَّ إلى أَكْلِ المَيْتَةِ، فَقِيلَ: يَأْكُلُ مِنْهَا ولَا يَقْتُلُ نَفسَهُ، وقَالَ الكَلْبِي في تَفْسِيرِ قَوْلهِ : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَليْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (٢) فقالَ: هُوَ اللِّصقُ يَقْطَعُ الطرِيقَ ويَعْدُو علَى النَّاسِ، فَلَا يَأْكُلُ مِنَ المَيْتَةِ إذا اضْطُرَّ إليها. وقالَ الحَسَنُ: لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ولَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ، ومَعْنَى قَوْلهِ تَعَالَى عندَ الحَسَنِ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولَا عَادٍ، يَعْنِي: غَيْرَ بَاغٍ فِيهَا يَأكُلُهَا وَهُو غَنِيٌّ عَنْهَا (٣). * * * تَمَّ الكِتَابُ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين يَتْلُوهُ كِتَابُ النِّكَاحِ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى * * *

стр. 324

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على مُحّمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّم تَسْلِيمًا تَفْسِيرُ كِتَابِ النِّكَاحِ * قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ على خِطْبَةِ أَخِيهِ" [١٩٠٩]، قالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ رُكُونِ المَرْأَةِ إلى الزَّوْجِ الذي خَطَبَها ورِضَاهَا بهِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَخِطَبَ المرأة على خِطْبَةِ هذا الخَاطِبَ، ولَمْ يَعْنِ بهذَا الحَدِيثِ مَنْ لمْ تَرْكَن المَرْأَةُ إليهِ ولَا رَضِيَتْ بهِ أَنْ يَخْطِبَ أَحَدٌ على خِطْبَتِهِ، وقَدْ خَطَبَ مُعَاوِيَة وأَبو جَهْمِ فَاطِمَةَ بنتَ قَيْسٍ في وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَأَتَتِ النبيَّ ﷺ فأَعْلَمَتْهُ بِخِطْبَتِهمِا جَمِيعًا إيَّاهَا في وَقْتٍ وَاحِدٍ، وشَاوَرَتْهُ في أَيِّهِما تتَزَّوج (١)، فلمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ ، وذَلِكَ أَنَّها لمْ تَكُنْ في وَقْتِ مَشُورَتها لَهُ قد رَكَنَتْ إلى وَاحِدٍ منهما، وهذَا الحَدِيثُ هُوَ مِثْلُ حَدِيثهِ الآخِرِ: "لَا يَسُومُ أَحَدُكُمْ على سَوْمِ أَخِيهِ" (٢)، إنَّما هذا أَيْضًا عندَ المُفَارَقَةِ والفَرَاغِ، لا في أَوَّلِ التَّسَاوُمِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ بعدَ أَنْ قدْ كَانَتْ رَكَنَتْ إلى غَيْرِه ودَخَلَ بِها، فإنَّهُ يَتَحَلَّلُ الذي رَكَنَ إليه وُيعَرِّفُه بِمَا صَنَعَ، فَإِنْ حَلَّلَهُ وإلَّا فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ مِنْ ذَلِكَ، ولَا يَلْزَمُهُ طَلَاقُهَا، وقَدْ أَثِمَ. وقالَ ابنُ وَهْبٍ: فإنْ لمْ يَجْعَلْهُ الأَوَّلُ في حِل مِمَّا صَنَعَ، فَلْيُخَلِّ سَبيلَهَا ويُطَلِّقْهَا، فَإِنْ رَغِبَ فِيها الأَوَّلُ وتَزَوَّجَها فقدْ بَرِئَ هذا مِنَ الإثِمِ، وإنْ كَرِهَ

стр. 325

تَزْوِيجَهَا فَلْيُرَاجِعْهَا الذي فَارَقَها بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، ولَيْسَ يُقْضَى عليهِ بالفِرَاقِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا خَطَبَهَا رَجُلُ سُوءٍ فَرَكَنَتْ إليهِ، ثُمَّ خَطَبَها رَجُلٌ صَالِحٌ، فإنَّهُ يَنْبَغِي للوَليِّ أَنْ يَحُضَّهَا على تَزْوِيجِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الذي يُعَلِّمُهَا الخَيْرَ، ويُعِينُها عليهِ، وأَرْجُو أَنْ لا يَكُونَ نَهْيُ النبيِّ ﷺ عنْ أَنْ يَخْطِبَ أَحَدُكُمْ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، إلَّا في رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ. قالَ أبو المُطَرِّفِ: يُقَالُ الخِطْبَةُ -بِكَسْرِ الخَاءِ- في النِّكَاحِ، والخُطْبَةُ -بِضِمِّ الخَاءِ- في الجُمُعَةِ وشِبْهِها. * قالَ عِيسَى: قالَ ابنُ القَاسِمِ: العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ في إبَاحَةِ تَعْرِيضِ الرَّجُلِ بالنِّكَاحِ للمَرْأَةِ المُعْتَدَّةِ، على قَوْلِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ الذي ذَكَرَهُ عنهُ في المُوطَّأَ مَالِكٌ [١٩١٢]. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَا يُوَاعِدْهَا في العِدَّةِ، فَيَقُولُ لَهَا: لا تَتَزوّجِي غَيْرِي إذا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ، فتقُولُ هِيَ: نَعَمْ، فإنْ نَكَحَها على هذه المَوَاعَدةِ بعدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِها، فَنِكَاحُه يُفْسَخُ، دَخَلَ بِها أَولمْ يَدْخُلْ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ويُكْرَهُ للرَّجُلِ أَنْ يَغْتَفِلَ المَرْأَةَ إذا خَطَبَها لَيَنْظُرَ إليها مِنْ حَيْثُ لا تَشْعُرُ بهِ، لِئَلَّا يَطَّلِعَ على عَوْرَةٍ، ولا بأْسَ أَنْ يَدْخُلَ عليها بإذنٍ، ويُهْدِي لهَا مِنْ مِلْكِه مَا يَسْتَجِدُّ بهِ هَوَاهَا. * قولُ مَالِكٍ: لَيْسَ للبِكْرِ جَوَازٌ في مَالِهَا، حتَّى تَدْخُلَ بَيْتَهَا، ويُعْرَفَ مِنْ حَالِهَا [١٩١٧]. قالَ [أبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا هذَا في البِكْرِ اليَتِيمَةِ غَيْرِ ذَاتِ الأَبِ. قالَ مَالِكٌ: فإذا شَهِدَ العُدُولُ مِنْ أهْلِ الإخْتِيَارِ لهَا أَنَّهَا صَحِيحَةُ الفِعْلِ، حَسَنَةُ النَّظَرِ، جَازَفِعْلُهَا في مَالِها بعدَ بِنَاءِ زَوْجِهَا بِهَا لِسَنَةٍ. قالَ عِيسَى: وأَمَّا البكْرُ ذَاتُ الأَبِ فانَّهَا لا تَخْرُجُ مِنْ وِلَايةِ أَبِيهَا حتَّى تُنْكَحَ وإنْ عَنَّسَتْ، وحَدُّ التَّعْنِيسَ ثَلَاثونَ سَنَةَ إلى خَمْسِ وثَلَاثِينَ، إلى أَرْبَعِينَ سَنَةً.

стр. 326

قالَ: فإذا أَنْكَحَها أَبُوهَا وبَقِيَتْ مَعَ الزَّوْجِ سَبع سِنِينَ ولَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا في هذِه المُدَّةِ سَفَهٌ، ولَمْ يُجَدِّدْ عليهَا أَبُوهَا ثِقَافَ الوَلَايةِ (١) فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ وَلَايَتِهِ. قالَ أَبو عُمَرَ: قالَ غَيْرُهُ: إذا أَقَامَتْ مَعَ زَوْجِهَا خَمْسَةَ أَعْوَامٍ ولَمْ يُجَدِّد عَلَيْهَا أَبُوهَا ثِقَافَ الوَلَايَةِ فقدْ خَرَجَتْ مِنْ وَلَايَتِهِ بعدَ أَنْ تَكُونَ نَاظِرَة في مَالِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ. * * *

стр. 327

بابُ اسْتِئْذَانِ البِكْرِ والأَيِّمِ، وأَصْلِ مَا يكُونُ صُدَاقًا، وإرْخَاءِ السُّتُورِ * قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "الاَيِّمُ أَحَقُّ بنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، والبِكْرُ تُسْتأْذَنُ في نَفْسِهَا، وإذْنُهَا صُمَاتُها" [١٩١٤]، قالَ مَالِكٌ: هَذَا عِنْدَنا في البِكْرِ اليَتِيمَةِ أَنَّهَا لا تُزَوَّجُ إلَّا بعدَ مَشُورَتهَا، ويَكُونُ إذْنُهَا في ذَلِكَ صُمَاتُهَا (١). قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: لَا خِلَافَ في اليَتَامَى أَنَّهُنَّ لا يُزَوِّجُهَن الأَوْلِياءُ حتَّى يُسْتَأْمَرْنَ في ذَلِكَ، ولَا يَصِحُّ في ذَوَاتِ الأبَاءِ حَدِيثُ: أَنَّهُنَّ لا يُزَوّجُهَنَّ آبَاؤُهنَّ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُسْتَأمَرْنَ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَديثِ سُفْيَانِ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ [عَبْدِ] (٢) اللهِ بنِ الفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، أَن النبيَّ ﷺ قالَ: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا، والبِكْرُ يَسْتَأْمُرُهَا أَبُوهَا في نَفْسِهَا" (٣)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: اضْطَرَبَ ابنُ عُيَيْنَةَ في هذَا الحَدِيثِ، ورِوَايَةُ

стр. 328

مَالِكٍ فيهِ أَصَحُّ، وعَلَيْهَا العَمَلُ بالمَدِينَةِ أَنَّ الأَبْكَارِ يُزَوِّجُهَنَّ آبَاؤُهُنَّ بِغَيْرِ إذْنِهِنَّ، ويُنْفَذُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ (١). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وقَدْ قَالَ مَالِكٍ في رِوَايةِ ابنِ عبدِ الحَكَمِ عنهُ: حَسَنٌ للأَبِ أَنْ يُشَاوِرَ ابْنتَهُ البكْرَ إذا أَرَادَ نِكَاحَهَا، وأَمَّا البكْرُ غَيْرُ ذَاتِ الأَبِ فَلَا تُزَوَّجُ إلَّا أنْ تَأْذَنَ في ذَلِكَ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: صِفَةُ اسْتِئْذَانِ البكْرِ في إنْكَاحِهَا هُوَ أنْ يَقُولَ لَهَا السَّامِعَانِ: إنَّ فُلَانًا خَطَبَكِ على صُدَاقِ كَذَا، الَمُعَجَّلُ مِنْهُ كَذَا وكَذَا إلى أَجَلِ كَذَا وكَذَا، والتزَمَ لَكِ مِنَ الشُرُوطِ كَذَا وكَذَا، وَعَقَدَ عَلَيْكِ النِّكَاحَ وَليَّكِ فُلَانًا، فإنْ كُنْتِ رَاضِيَةً فَاصْمُتِي، وَإِنْ كُنْتِ كَارِهَةً فَتَكلَّمِي، فإنْ صَمَتَتْ فَيُعْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وأَمَّا [الثَّيِّبُ] (٢) فَلَا بُدَّ لَهَا أَنْ تتكَلَّمَ أَنَّهَا رَضِيَتْ بالنِّكَاح. * قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: انْفَرَدَ أَبو حَازِمِ بنُ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ بهَذا الحَدِيثِ: أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ للرَّجُلِ: "قَدْ أَنكحْتُها بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" [١٩٢٠]. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وهذَا الحَدِيثُ خَاصٌّ للنبيِّ ﷺ ، والدَّلِيلُ على ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ المَرْأَةَ قَد وَهَبَت نَفْسَهَا للنبيِّ ﵇، وهَذا خَاصٌّ لَهُ، يَقُولُ اللهُ ﵎: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ إلى قَوْلهِ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، قالَ: وشَيءٌ آخَرُ أَنَّهُ زَوَّجَهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ ولَمْ يَسْتَأْمِرْهَا في تَزْوِيجِه إيَّاهَا مِنْهُ، ولَمْ يَظْهَرْ لَنَا في الحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ نِكَاحَ غَيْرِه ﷺ ، ولَا ظَهَرَ لَنَا إنْ كَانَت رَضِيتْ بِمَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِنَ القُرْآنِ صُدَاقًا أَمْ لَا، فَكَانَ ظَاهِرُ هذَا الحَدِيثِ: أنِّي زَوَّجْتْكَهَا لأَنَّ مَعَكَ قُرْآنًا، إذ لَمْ يَأْمُرْهُ

стр. 329

النبيُّ ﷺ بتَعْلِيمِه إيَّاهَا، فهذَا كُلُّه يَدُكُ على الخُصُوصِ، ولَهِذا لَمْ يُجِزْ أَهْلُ المَدِينَةِ النِّكَاحَ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَعْنَى قَوْلِ النبيِّ ﷺ في هذَا الحَدِيثِ: "التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" إنَّمَا ضَرَبَهُ مَثَلًا على جِهَةِ التَّقْلِيلِ، كَمَا قَالَ في الأَمَةِ الزَّانِيَةِ: "بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ مِنْ شَعْرٍ" (١)، ولَمْ يُرِدْ أَنْ تُبَاعَ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، فَكَذَلِكَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ خَاتَمَا مِنْ حَدِيدٍ صُدَاقُ امْرَأَةٍ. قالَ مَالِكٌ: وأَقَلُّ الصَّدَاقِ رُبْعُ دِينَارٍ. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: أَقَلُّ مَا يُوجَدُ عَنِ الصَّحَابةِ في مِقْدَارِ الصَّدَاقِ تَزْوِيجُ عبدِ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ على زِنَةِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ (٢)، وذَلِكَ نَحْو رُبْعِ دَيِنَارٍ، وإنْ كَانَ قَد اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهَا. وحَدِيثُ النَّعْلَيْنِ لا يُعْلَمُ لَهُ تَوْقِيتٌ في الصَّدَاقِ، إذ قَدْ تُجَاوِزُ قِيمَةُ النَّعْلَيْنِ الرُّبع دِينَارٍ الذي حَدَّهُ مَالِكٌ في الصَّدَاقِ. وحَدِيثُ النَّعْلَيْنِ رَوَاهُ عَاصِمُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ: "أنَّ امْرأَةً تَزَوَّجَتْ بِنَعْلَيْنِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ لَها: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ ومَالِكِ بِهَذَيْنِ النَّعْلَيْنِ؟ (٣). قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: وقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ في عَاصِمِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ الذِي رَوَى هذا الحَدِيثَ، ولَو ثَبَتَ حَدِيثُهُ لَمْ يَكُنْ مَنْ تَعَلَّقَ بهِ أَسْعَدَ مِمَّن [روَى] (٤) حَدِيثَ الصَّدَاقِ رُبع دِينَارٍ، إذ لَيْسَ فِيهَا ذِكْر لِقِيمَةِ النَّعْلَيْنِ، وقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَ قِيمَتَها رُبْعَ دِينَارٍ. وأَمَّا حَدِيثُ ابنِ البَيْلِمَانِيِّ الذي قالَ فيهِ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "الصَّدَاقُ مَا

стр. 330

تَرَاضَى عَلَيْهِ الأَهْلُونَ" (١)، فَهُو حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ، رَوَاهُ الحَجَّاجُ بنُ أَرْطَأَةَ، عَنِ ابنِ المُغِيرَةِ (٢) - وَهُوَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ - عَنِ ابنِ البَيْلِمَانِيِّ، وابنُ البَيْلَمَانِيِّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النبيِّ ﷺ ، ولَوْ ثَبَتَ هذَا الحَدِيثُ لَلَزِمَ مَنْ تَعَلَّقَ بهِ أَنْ يُجِيزَ النِّكَاحَ على حَبّةٍ وتِبْنَةٍ ومَا لَا قِيمَةَ لَهُ إذا تَرَاضَيا بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عَادِمًا للطَّوْلِ في صُدَاقِ الحَرَائِرِ. وأَمَّا حَدِيثُ الحَارِثِ بنِ نبهَانَ، عَنْ أَبي هَارُونَ العَبْدِيِّ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لا يَضُرُّكُمْ إذا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ بِقَلِيلٍ أَو كَثيرٍ إذا تَرَاضَيْتُم وأَشْهَدْتُمْ" (٣)، قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وهذَا حَدِيثٌ ليسَ بِثَابِتٍ، إذ رِوَايةُ الحَارِثِ بنِ نَبْهَان وأَبي هَارُونَ العَبْدِيِّ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِما، ولَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، ولَوْ ثَبَتَ هذَا الحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ فيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ تَعَلَّقَ به، إذ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ، وإنَّمَا في هذَا الحَدِيثِ إبَاحَةٌ للتَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ، ولَكِنْ للتَّقْلِيلِ نِهَايَةٌ لا يَجُوزُ دُونَها، ولَا دَلِيلَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ غَيْرِ هذَا الحَدِيثِ. وعِلْمُ مَالِكٍ أَنَّهُ له بدَّ مِنْ تَوْقِيتٍ في الصَّدَاقِ، فأَخَذَ في ذَلِكَ بأَقَلِّ مَا بَلَغَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابةِ، وَهُوَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ، واسْتَدَلَّ على ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ كِتَاب اللهِ أَنَّهُ قَدْ يُسْتَبَاحُ عُضْوٌ مِنْهَا في رُبْعِ دِينَارٍ إنْ سَرَقَتْ ذَلِكَ، فَوَجَبَ بِهَذا أَلَّا يُسْتَبَاحَ فَرْجُهَا بأَقَلَّ مِنْ رُبعِ دِينَارٍ. وأَخبرنَا أَبو عِيسَى (٤)، قالَ: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ يَحْيىَ (٥)، عَنْ أَبيهِ، قالَ: مَنْ

стр. 331

نَكَحَ بأَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أُمِرَ قَبْلَ البنَاءِ أَنْ يُتِمَّ لَهَا رُبعَ دِينَارٍ، فإنْ أَبَى فُسِخَ نِكَاحُهُ، فإنْ دَخَلَ بِها أُجْبِرَ على تَمَامِ رِبع دِينَارٍ. قالَ: ومَنْ نَكَحَ بِقُرْآنٍ فُسِخَ قَبْلَ البَنَاءِ، وثَبَتَ بَعْدَهُ، ولَهَا صُدَاق مِثْلُهَا في مِلَائِهَا وجَمَالِهَا ومَالِهَا. قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّما تُرَدُّ المَرْأَةُ مِنَ الجُنُونِ، والبَرَصِ، والجُذَامِ، ودَاءِ الفَرْجِ، لأَنَّهَا عُيُوبٌ يَمْتَنِعُ بِها الزَّوْجُ مِنَ الوَطْءِ الذي إليهِ قُصِدَ في النكِّاحِ، فإذَا غَرَّتِ المَرْأةُ مِنْ ذَلِكَ زَوْجَهَا، أُخِذَ مِنْهَا الصَّداقُ الذي دَفَعَهُ الزَّوْجُ إليهَا، ويُتْرَكُ لهَا قَدْرَ مَا تُسْتَبَاحُ بهِ، وذَلِكَ رُبع دِينَارٍ، وقَدْ تُزَادُ ذَاتُ الحَالِ على رُبع دِينَارٍ، يُتْرَكُ لَهَا مِنَ المَائةَ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ ونَحْوَها، ويُؤْخَذُ منْها بَاقِي ذَلكَ ويُرَدُّ إلى الزَّوْجِ، فإذا كَانَ الذي غَرَّ بِها الزَّوْجَ وَلِّيُهَا لَزِمَهُ غُرْمُ الصَّدَاقِ للزَّوْجِ، إلَّا قَدْرَ مَا يَتْرُكُ لَهَا مِنْهُ، وقدْ قِيلَ إنَّهُ يُغْرَمُ للزَّوْجِ جَمِيعُ الصَّدَاقِ، ولَا يُتْرَكُ للوَليِّ مِنْهُ شَيءٍ، وإِنَّمَا هذَا في الوَليِّ يَعْلَمُ أنَّهُ عَالِم بهذِه العُيُوبِ الذي تُرَدُّ بهِ المَرْأَةُ فَيَكْتُمُهَا الزَّوْجَ، ولَمْ يُعَرِّفْهُ بِها، وأَمَّا الوَليُّ الذِي لا يَعْلَمُ بِعُيُوبِ المَرْأةِ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَاقِ، ويَكُونُ ذَلِكَ على المَرْأةِ، وللمَرْأةِ أَيْضًا أَنْ تَرُدَّ الرَّجُلَ بِمِثْلِ العُيُوبِ التِّي رَدَّها هُوَ بِها مِنْ قِبَلِهَا، فترُدُّهُ بِها. سأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بنِ أَبي عَرُوبَةَ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ [أبي حَسَّانَ وخَلَّاسِ بنِ عَمْروٍ، كِلَاهُمَا عَنْ] (١) عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ: (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا ولَمْ يَدْخُلْ بِها، ولَمْ يَفْرِضْ لَهَا، كانَ نِكَاحُهَا نِكُاحُ تَفْوِيضٍ، فقالَ: إنِّي أَقُولُ فِيهَا: أَنَّ لَهَا صُدَاقَا كَصُدَاقِ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ ولَا شَطَطَ، وأَنَّ لَهَا المِيرَاثَ، وعَلَيْهَا العِدَّةَ، وإنْ يَكُنْ صَوَابَا فَمِنَ اللهِ ، وإنْ [يِكُنْ] (٢) خَطَأَ فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطَانِ، فَقَامَ إليه نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ،

стр. 332

فَقَالُوا: نَحْنُ نشهَدُ عِنْدَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ) (١)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيُّ بنُ أَبي طَالِب ﵁ حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِه المَسْأَلَةِ، فقَالَ: (لَا صُدَاقَ لَهَا، حَسْبُهَا مِيرَاثُهَا، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ قَضَى فِيهَا النبيُّ ﷺ في بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِخِلَافِ هَذِه، فقالَ: لَا تُصَدِّقِ الأَعْرَابَ على رَسُولِ اللهِ ﷺ ). حدَّثنا بِقَوْلِ عليٍّ هذَا أَبو مُحَمَّدٍ البَاجِي (٢)، عَنْ أَحْمَدَ بنِ خَالِدٍ، قالَ: أَخْبَرَنا أَبو يَعْقُوبَ إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ قالَ: حدَّثنا عبدُ الرَّزَاقِ، قالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عليِّ بنِ أَبي طَالِب ﵁ (٣). [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وَبِمِثْلِ قَوْلِ عليٍّ قَالَ فِيهَا ابنُ عُمَرَ، أَنَّ لَهَا المِيرَاثَ وعَلَيْهَا عِدَّةُ الوُفَاةَ، ولَا صُدَاقَ لَهَا، وعلى هذَا أَهْلُ المَدِينَةِ. قالَ مَالِكٌ: الذِي بِيَدِه عُقْدَةُ النكِّاحِ هُوَ الأَبُ في ابْنَتِهِ البِكْرِ، والسيِّدُ في أَمَتِهِ. وقَالَ غَيْرُهُ: الذِي بِيَدِه عُقْدَةُ النِّكَاح هُوَ الزَّوْجُ، والذِي قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ الصحِيحُ، وذَلِكَ أَنَّهُ لَا عُقْدَةَ نِكَاحٍ بِيَدِ الزَّوْج بَعْدَ الطَّلَاقِ، والمَعْنَى عِنْدَ أَهْلِ التَّأوِيلُ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَنْ يَعْقِدَ النكَاحَ فِيمَا يَسْتَقْبلُ وَهُوَ الأَبُ والسَّيِّدُ، وعَفْوُ الأَبِ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا يِزِيدُ ابْنتَهُ الغِبْطَةَ عَندَ زَوْج آخَرَ، لَأَنَّ هذَا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. قالَ عِيسَى: ولَيْسَ لابْنَتِهِ أَنْ تَتْبْعَ أَبَاهَا بِمَا عَفَى عَنْهُ الزَّوْجُ مِنْ نِصْفِ صُدَاقِهَا إذا طَلَّقَهَا قَبْلَ البِنَاءِ، وفِعْلُهُ جَائِزٌ عَلَيْهَا.

стр. 333

قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَكُنْ للنَصْرانِيَّةِ ولَا لليَهُودِتةِ إذا أَسْلَمَتْ قَبْلَ دُخُولِ زَوْجِهَا الذّمّي بِها صُدَاقٌ، لأَنَّ الفُرْقَةَ إنَّما جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، بِسَبَبِ إسْلَامِهَا قَبْلَ دُخُولهِ بِها، وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ امْرَأة جَاءَتِ الفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا لا صُدَاقَ لَهَا. [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ عِيسَى: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ: "إذا أرْخِيتِ الشتُورِ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ" [١٩٣١]، قالَ عِيسَى: تَفْسِيرُهُ إذا عَرَّسَ الرَّجُلُ بالمَرْأَةِ، ودَخَلَ بِها، ثُمَّ طَلَّقَها فَقَالَتْ: مَسَّنِي، وقَالَ هُوَ: لَمْ أَمَسُّهَا، فالسِّتْرُ المُرْخَى عَلَيْهِا شَاهِدٌ لَهَا، تَحْلِفُ مَعَهُ، وتَأَخُذُ الصَّدَاقَ كُلَّهُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وقَالهُ أَيْضًا ابنُ المَوَّازِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: أَنَا أَدِينُهَا، ولَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وتَأْخُذُ جَمِيعَ الصَّدَاقَ إذا ادَّعَتْ أَنَّهُ مَسَّهَا، فإنْ صَدَّقتِ الزَّوْجَ في قَوْلهِ: إنَّهُ لَمْ يَطَأهَا، كَانَ لَها نِصْفُ الصَّدَاقِ، وعَلَيْها العِدَّةُ لِخِلْوَتهِ بِها، ولَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا في العِدَّة. وقالَ ابنُ وَهْبٍ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: حَيْثُ ما أَخَذَ الزَّوْجُ [في] (١) الغَلْقِ فالمقَوْلُ قَوْلُ المَرْأةِ في المَسِيسِ إذا ادَّعَتْهُ، كَانَ ذَلِكَ في بَيْتِهَا أو في بَيْتِ الزَّوْجِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ دُخُولَهُ عَلَيْهَا دُخُولَ زِيَارَةٍ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَيحْلِفُ أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا، ويُقَوَّمُ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ. * * *

стр. 334

بابُ المَقَامِ عِنْدَ البِّكْرِ والثَّيِّبِ، ومَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ مِنَ النِّسَاءِ فيَ النِّكَّاحِ * روَى يحيى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أَبي بَكْرٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ : "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: لَيْسَ بِكِ على أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وإنْ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي"، وذَكَرَ الحَدِيثَ (١)، كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ في المُوطَّأ [١٩٣٥]. وهذِه الرِّوَايةُ تُبَيِّنُ أنَّهُ إنَّمَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ ﷺ بَعْدَ أنْ بَقِيَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ومِنْ هَذا الحَدِيثِ قالَ مَالِكٌ: إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ ثَيِّبَا وعِنْدَهُ غَيْرُهَا أَقَامَ عِنْدَها ثَلَاثًا، وإذا تَزَوَّجَ بِكْرًا وعِنْدَهُ غَيْرُهَا أَقَامَ عْنَدَها سَبْعًا، ثُمَّ عَدَلَ بَيْنَ نِسَائِهِ، ولَا يَحْسِبُ على التِّي أَقَامَ عِنْدَها الأَيَّامَ التي أَقَامَهَا عِنْدَهَا. وبهذَا قالَ ابنُ القَاسِمِ، أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بالقَسَمِ مِنَ التِّي أَقَامَ عِنْدَهَا. قالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: ولَمْ يَعْنِ بهَذا الحَدِيثِ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ امْرَأةٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أنْ يُقِيمَ عِنْدَها سَبْعًا أَو ثَلَاثًا، وإنَّمَا أُرِيدَ بهِ مَنْ لَهُ زَوْجَة غَيْرُهَا. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وإنَّما أُعْطِيتِ البكْرُ سَبْعًا لِقِلَّةِ مُبَاشَرَتِهَا للرِّجَالِ، فأُزِيدَتْ في عَدَدِ الأَيَّامِ عَلَى الثَّيِّبِ التي قَدْ بَاشَرَتَ الرَّجُلَ وعَرَفَتْهُ.

стр. 335

* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: حَدِيثُ رِفَاعَةَ بنِ سِمْوَالٍ في رِوَايةِ يحيى بنِ يحيى، وابنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلٌ [١٩٤٢] (١). ورَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ وابنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَا فِيهِ: عَنِ المِسْوَرِ بنِ رِفَاعَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبيهِ، ولَمْ يَقُلْ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ في هذا الحَدِيثِ: عَنْ أَبيهِ (٢). وقالَ ابنُ بُكَيْرٍ: عَنِ الزُّبَيْرِ في الأَوَّلِ -بالرَّفْعِ-، وقالَ في الثَّانِي: الزَّبِيرِ -بالفَتْحِ- قالَ أَحْمَدُ: الصَّوَابُ فِيهِما الزَّبِيرُ -بالفَتْحِ- وكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ (٣). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يُبِحِ النبيُّ المَبْتُوتَةَ لِمَنْ أَبَتَّهَا إلَّا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَوَطْءٍ صَحِيحٍ، فقالَ: "حتَّى تَذُوقَ عُسَيلَتَهَا"، يَعْنِي: حتَّى يَذُوقَ الزَّوْجُ الذي تَزَوَّجَهَا حَلَاوَةَ وَطْئِهَا إيَّاهَا، فتَحِل حِينَئِذٍ للأَوَّلِ بَعْدَ عِدَّتِها، فإنْ وَطَئِهَا الذي تَزَوَّجَهَا وَهِيَ حَائِضٌّ، أَو مُحْرِمَةٌ، أَوفي عِدَّةٍ، لَمْ تَحِلَّ بِذَلِكَ للأَوَّلِ إذا طَلَّقَهَا الثَّانِي، وإذا أَرَادَ الذِي تَزَوَّجَهَا بِوَطْئِه إيَّاهَا التَحْلِيلَ أَثِمَ، ولَمْ تَحِلَّ بِذَلِكَ للزَّوْجِ الذي كَانَ أَبَتَّهَا، وإذا أَرَادَتْ هِيَ بالنِّكَاحِ التَّحْلِيلَ ولَمْ يُرِدْهُ الزَّوْجُ الذي تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا وَوَطْئِهِ إيَّاهَا، فإِنَّهَا تَحِلّ بِذَلِكَ للأَوَّلِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الثَّانِي لَمْ يَقْصِدْ إلى نِكَاحٍ فَاسِدِ، وكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ عَنْهَا الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ وَطْئِه إيَّاهَا، لَحَلَّتْ بِذَلِكَ للأَوَّلِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الوَفَاةِ، وهَذِه سُنَّةٌ فَسَّرَتِ القُرْآنَ، وذَلِكَ أَنَّ اللهَ إنَّمَا قَالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعنِي: الزَّوْجَ الثَّانِي﴾ فَلَا جُنَاحَ عَلَيَهمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البفرة: ٢٣٠]، يَعْنِي: أن يُرَاجِعَهَا الزَّوْجُ الأَوَّلُ الذي كَانَ أَبَتَّهَا، ولَمْ يَذْكُرْ مَوْتَ الثَّانِي.

стр. 336

قالَ عِيسَى: إذا أَرَدّتَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ امْرَأةٍ وبَينَ أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ مِن قَرَابَتِهِا، فَمَثِّلْ أَحَدَهُمَا رَجُلًا، فإنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ المَرْأَةَ هُو يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَهُمَا في النِّكَاحِ، وإنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَلَا تَجْمَعْ بَينَهُمَا، وإنَّمَا هذَا في قَرَابَةِ النَّسَب والرَّضَاعِ، فَأَمَّا الأَجْنَبيَّاتِ فَلَا بَأسَ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ امْرَأة الرَّجُلِ وابْنَتَهُ مِن امْرَأَةٍ أُخرَى، وقَدْ يَنْكِحُ أُمَّ الرَّجُلِ وامْرَأتَهُ، وهذا إذا مَثَّلْتَ أَحَدُهُما رَجُلًا، لَمْ يَحِل للرَّجُلِ مِنهَا أَنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ. * قَؤلُ زيدِ بنِ ثَابتٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ نِكَاح الأمِّ بَعْدَ الابْنَةِ إذا لمْ تَكُن الإبنَةُ مُشَت، فقَالَ: (لَا، الأُمُّ مُبْهَمَةٌ) [١٩٥٠]، لَمْ يَقُل: دَخَلْتَ بالأُمِّ أَو لَمْ تَدْخُلْ. قالَ أَبو إسْحَاقَ الزَّجَّاجُ (١): المُبْهَمُ في كَلَامِ العَرَبِ هُوَ الكَلَامُ الذي لا مَنْفَذَ لَهُ. قَوْلُ زيدٍ: "إِنَّمَا الشَّرْطُ في الرَّبَائِبِ"، يَعْنِي: قَوْلَهُ ﵎ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، تعْنِي: نِكَاحَ الرَّبِيْبَةِ غَيْرِ المَدْخُولِ بأُمِهَا حَلَالٌ إذا طَلَّقَ أُمَّهَا قَبلَ أَن يَدْخُلَ بِهَا. قالَ عِيسَى: كُلُّ مَنْ نَكَحَ امْرَأةَ فَلَذَّ مِنْها بِشَيءٍ رُؤْيَةً فَمَا فَوْقهَا أَوْ لَمْ يَتَلَذَذْ، فَقَدْ حَرُمَت عَلَيه أُمُهَا، وكَذَلِكَ على أَبيهِ وابْنهِ، وكُلُّ مَنْ نَكَحَ امْرَأةً فَلَذَّ مِنْهَا بِشَيءٍ فَبَنَاتُهَا وبَنَات بَنِيهَا حِلٌّ لَهُ. قالَ ابنُ عَبدِ الحَكَمِ: قَالَ مَالِكٌ: ومَنْ وَطِءَ خَتَنتَهُ (٢) فإنه يَجْتَنِبُ وَطءَ امْرَأتِه، ومَنْ تَلَذذَّ بامْرَأةٍ حَرَامًا فَلَا يَتَزَّوَجُ ابْنَتَهَا. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: هذَا خِلَافُ مَا في المُوطَّأ [١٩٥٤]، ووَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ

стр. 337

في المُوَطَّأ: أَنَّ الزِّنَا لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا، وذَلِكَ أَنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ فِيهِ، وأنَّ الحَدَّ يَجِبُ فِيهِ، وأَنَّهُ لا حُرْمَةَ لَهُ، فلِهذَا لا يُحَرِّمُ الزِّنَا حَلَالًا. ووَجْهُ مَا قَالَ مَالِكٌ في غَيْرِ المُوطَّأ أَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا هُوَ للوَطْءِ، فإذا وَقَعَ الوَطْءُ بأَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ، وَجَبَ أَنْ يَقَعَ التَّحْرِيمُ، فَإِذا وَطِءَ خَتَنَتَهُ فَارَقَ امْرَأتَهُ.

стр. 338

بابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ، إلى آخِرِ بَابِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُختَيْنِ مِنْ مِلْكِ اليَمِينِ الشِّغَارُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُشَاغَرَةِ، وَهُوَ: رَفْعُ الكَلْبِ سَاقَهُ عِنْدَ بَوْلِهِ، فَصَارَ عَاقِدُ النِّكَاحِ على الشِّغَارِ قَاصِدَاً إلى رَفْعِ الصَّدَاقِ، وشَغَرَتْ بَلْدَةٌ سُلْطَانَ فِيهَا، أَي ارْتَفَعَتْ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّغَارِ، لأَنَّ هَؤُلاَءِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ رَفَعُوا بَيْنَهُمَا الصَّدَاقَ، فَتَصِيرُ الزَّوْجَةُ مَوْهُوبَةً بِغَيْرِ صُدَاقٍ، فَلِذَلِكَ يُفْسْخُ النِّكَاحُ مَتَى عُقِدَ على الشِّغَارِ. وابنُ القَاسِمِ يَسْتَحِبُّ فَسْخَهُ بِطَلاَقٍ، وَيكُونُ لَهَا بعدَ الدُّخُولِ صُدَاقُ مِثْلِهَا. وغَيْرُ ابنِ القَاسِمِ يَفْسَخُهُ بِغَيْرِ طَلاَقٍ. * قالَ عِيسَى: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ في نِكَاحِ السِّرِّ: "لَا أُجِيزُهُ، ولَوْ كُنْتُ تُقُدِّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ) [١٩٦٠]، يَعْنِي: لَوْ تَقَدَّمَ لِي فِيهِ عَهْدٌ إلى النَّاسِ أَلَّا يَعْقِدُوا نِكَاحًا في سِرٍّ لَرَجَمْتُ مَنْ فَعَلَ هَذا. قالَ عِيسَى: وهذَا تَشْدِيدٌ مِنْ عُمَرَ، والحُكْمُ فيهِ إذا وَقَعَ أَنْ يُفْسَخَ النِّكاحُ، دَخَلَ أَو لَمْ يَدْخُلْ، وكُل نِكَاحٍ اسْتَكْتَمَهُ الشُّهُودُ وإن كَثَرُوا فَهُو نِكَاحُ سِرٍّ، هذَا قَوْلُ ابنِ القَاسِمِ. وقالَ يحيى بنُ يحيى: لَا يَكُونُ نِكَاحُ سِرٍّ إلَّا مِثْلُ النِّكاحِ الذي وَقَعَ بِعَهْدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وامْرَأَةٌ، فأَمَّا إذا شَهِدَ عَليْهِ شَاهِدَانِ عَدْلاَنِ فَمَا زَادَ، فَلَيْسَ بِنِكَاحِ سِرٍّ. * قالَ ابنُ القَاسِمِ: قِيلَ لِمَالِكٍ: أتَأْخُذُ بِفِعْلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ -

стр. 339

في ضَرْبِهِ طُلَيْحَةَ وزَوْجَهَا حِينَ تَزَوَّجَها في العِدَّةِ؟ [١٩٦١]، فقَالَ: لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ إلَّا بقَدْرِ عِلْمِهِما بِمَا قَدْ دَخَلا فيهِ، وأَمْرُ الجَاهِلِ أَخَفُّ مِنَ العَالِمِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِفِرَاقِ المُتَزَوِّجَةِ في العِدَّةِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، ولَيْسَ فيهِ شَيءٌ عَنِ النبيِّ ﷺ ، ولَا قَضِيَّهٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدّيقِ، وإنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا عُمَرُ مِنْ أَجْلِ أنَّهُمَا أَرَادا أَنْ يَسْتَبِيحَا الشَّيءَ قَبْلَ وَقْتِهِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، يعنِي: حتَّى تَنْقَضِي العِدَّةُ، فَمَنْ قَصَدَ إلى عَقْدِ النِّكَاحِ في العِدَّةِ فَقَدْ فَعَلَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ، فإنْ دَخَلَ بِها وَوَطِئَهَا في المُدَّةِ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ولَمْ يَتَزَوَّجْهَا أبَدًا، عُقُوبَةً لِمَا صَنَعَ، وتُحْرَمُ بِهذَا الوَطْءِ على آبَائِهِ وأَبْنَائِهِ، ويَكُونُ لَهَا المُسَمَّى مِنَ الصَّدَاقِ، ويَثْبُتُ فِيهِ الوَلَدُ، وعَلَيْهَا العِدَّةُ، لَكَيْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا زَوْجٌ غَيْرَهُ، وَيكُونُ فَرْجُهَا بَرِئٌ مِنَ الوَطْءِ الفَاسِدِ. وقالَ [أَبو] (١) عُمَرَ: تَنْظُرُ إلى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الأَوَّلِ، فَتَبْنِي عَلَيْهِ تَمَامَ عِدَّتِها مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنَ الثَّانِي عِدَّةً مُسْتَأْنَفَةً. قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: وقَالَ أَصْبَغُ: الأَمْرُ عِنْدَنا في هذَا أَنَّهُ إنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا في عِدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُما أَنَّهَا تَنْتَظِرُ أَقْصَى الأَجَلَيْنِ، تَعْتَدُّ مِنَ الهَالِكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرَا، وتَكُونَ مُحِدَّاةً في ذَلِكَ، وتَعْتَدُّ (٢) مِنَ الذي مَسَّهَا بِثَلاَثِ حُيَّضٍ، تَدْخُلُ الحُيَّضُ في الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ والعَشَرَةِ الأَيَّامِ، لأَنَّهَا اسْتِبْرَاءٌ، فإذا انْقَضَتْ عِدَّةُ الوَفَاةِ مِنْ يَوْمِ مَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ثَلاَثَ حُيَّضٍ سَقَطَ عَنْهَا الإحْدَادُ، وخَرَجَتْ مِنْ عِدَّةِ الوَفَاةِ، ولَمْ تَحِلَّ للأَزْوَاجِ حتَّى تُتِمَّ الثَّلاَثَ حُيَّضٍ، فإنْ حَاضَتْ ثَلاَثَ حُيِّضٍ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةِ الوَفَاةِ فإنها لَا تَحِلُّ للأَزْوَاجِ حتَّى تَنْقَضِي عِدَّةُ الوَفَاةِ. قالَ أَصْبَغُ: وإنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا في عِدَّة مِنْ طَلاَقِ البَتَّةِ كَانَ عَلَيْهَا ثَلاَثُ حُيِّضٍ، اسْتَبْرَاءً مِنْ مَسِيسِ الآخِرِ، ونُظِرَ إلى مَا مَضَى مِنْ حَيْضِ عِدَّتِها قَبْلَ أَنْ يَعْزِلَ عَنْها

стр. 340

الثَّانِي، فإنْ كَانَ مَضَتْ حَيْضَةٌ أَو حَيْضَتَانِ بنَتْ علَى ذَلِكَ مِنْ حُيَّضِ الإسْتَبْرَاءِ، فإذا تَمَّتْ ثَلاَثُ حُيَّضٍ مِنَ الطَّلاَقِ لَمْ يُلْزَمِ الزَّوْجُ الأَوَّلُ سُكْنَاهَا فِيمَا بَقِيَ مِن حُيِّضِ اسْتِبْرَائِهَا، وانُتَقَلَتْ حَيْثُ شَاءَتْ، حتَّى تَنْقَضِي حُيَّضُ الإسْتَبْرَاءِ. قالَ: وإنْ كَانَ طَلاَقُ الزَّوْجِ الأَوَّلِ إيَّاهَا على سُنَّةِ الطَّلاَقِ وتَزَوَّجَتْ في العِدَّةِ فُسِخَ نِكَاحُ الثَّانِي، واسْتَقْبَلَتْ بِثَلاَثِ حُيِّضٍ الإسْتِبْرَاءِ، تَبْرَئَها مِنْهُ ومِنْ بَقِيَّةِ عِدَّتِها مِنَ الأَوَّلِ، فإنْ أَرَادَ الأَوَّلُ ارْتَجَاعَهَا في بَقِيَّةِ عِدَّتِها مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وُيشْهِدُ على رَجْعَتِها، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ حتَّىْ يُتِمَّ حُيَّضِ الإسْتِبْرَاءِ مِنَ الثَّانِي. قالَ أَصْبَغُ: فإنْ كَانَتْ قَدْ حَمَلَتْ مِنَ الثَّانِي أَجْزَأَهَا الوَضْعُ مِنَ الإسْتِبْرَاءِ، ولَمْ يُجِزْهَا مِنْ عِدَّةِ الأَوَّلِ، لأَنَّ عِدَّتَهَا مِنْهُ بالحَيْضِ، فَلَا يَبْرَئَها الوَضْعُ، ولَا يَبْرَأَهَا إلَّا الحَيْضُ لأَنَّه الأَوَّلُ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّما كُرِهَ نِكَاحُ الأَمَةِ على الحُرَّةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللهَ لَمْ يُبِحْ نِكَاحَ الأَمَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ، وَهُمَا: عَدَمُ الطَّوْلِ، وخَوْفُ العَنَتِ، فإذا رَضِيتِ الحُرَّةُ بِدُخُولِ الأَمَةِ عَلَيْهَا كَانَ القَسَمُ بَيْنَهُمَا بالسَّوَاءِ، وقَدْ أَمَرَ اللهُ الأَزْوَاجَ بالعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ، وإذا كَرِهَتِ الحُرَّةُ دُخُولَ الأَمَةِ عَلَيْهَا كَانَتْ بالخَيَارِ، إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعْ زَوْجِهَا، وإنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَكُنْ لِمَنْ طَلَّقَ أَمَةً ثَلاَثَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَنْ يَطَأَهَا حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، مِنْ أَجْلِ أنَّ الله لَمْ يُبِحْ المَبْتوتَةَ لِمَنْ أَبَتَّهَا إلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْئِهِ إيَّاهَا (١) بِمِلْكِه لَهَا، وكَذَلِكَ المُسْلِمُ يَتَزوَّجُ النَّصْرَانِيَّةَ، ثُمَّ يُطَلَّقُهَا ثَلاَثًا، فَتَتَزَّوَجَ بَعْدَهُ نَصْرَانِيَّاً، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، أَنَّهَا لَا تَحِلَّ لِزَوْجِهَا المُسْلِمِ الذِي كَانَ أَبَتَّ طَلاَقهَا (٢) بِوَطْءِ النَّصْرَانِيِّ إيَّاهَا، ولا يَحِلُّهَا

стр. 341

[للأَوَّلِ] (١) إلَّا وَطْءٌ صَحِيحٌ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا اشْتَرَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ مِنْ سَيِّدِهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، لأَنَّ ذَلِكَ الجَنِينَ عُضْوٌ مِنْهَا، فَلَمَّا سَرَى إليه العِتْقُ بِمِلْكِ أَبِيهِ لهَا صَارَتْ بِذَلِكَ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ عُثْمَانَ في الأُخْتَيْنِ: (مَنْ مَلَكَ اليَمِينَ أَحَلَّتْهُمَا آيةٌ، وحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ) [١٩٧٤]، يَعْنِي بالآيَةِ المُحَلِّلَةِ قَوْلَ اللهِ ﵎: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فهذِه أَحَلَّتْ مِلْكَ اليَمِينِ كُلِّهِ، وأَمَّا الآيَةُ المُحَرَّمَةُ فَهِيَ قَوْلُهُ : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، قالَ ابنُ سَلاَمٍ: يَعْنِي مَا قَدْ مَضَى (٢) قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وأَمَّا الآنَ فَلَا تَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا (٣). * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ لابنِهِ في الجَارِيَةِ التِّي وَهَبَهُ إيَّاهَا: (لا تَقْرَبْهَا، فإني قَدْ رَأَيْتُ سَاقَهَا مُنْكَشِفَةً) [١٩٨١]، يُرِيدُ: لَا تَقْرَبْهَا للوَطْءِ، فَإنِّي قَدْ نَظَرَتُ إلى سَاقِهَا نَظْرَةَ شَهْوَةٍ، فالنَّظَرُ هُوَ أَوَّلُ أَسْبَابِ الوَطْءِ، وقَدْ حَرَّمَ اللهُ على الأَبْنَاءِ مَا وَطِئَهُ الآبَاءُ، بِقَوْلهِ : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، كَمَا حَرَّمَ على الآبَاءِ مَا وَطِئَهُ الأَبْنَاءُ، بِقَوْلهِ ﵎: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وفِي قَوْلِ مَرْوَانَ مِنَ الفِقْه: أَنَّ الشَّيءَ المُحَرَّمِ يَمْتَنِعُ منهُ بأَقَلِّ سَبَبٍ، كَمَا مَنَعَ هُوَ ابْنَهُ مِنْ وَطْءِ الأَمَةِ التِّي وَهَبَهُ إيَّاهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ نَظَرَ إلى سَاقِهَا نَظْرَةَ شَهْوَةٍ. * * *

стр. 342

بابُ النَّهْي عَنْ وَطْءِ إمَاءِ أَهْلِ الكِتَابِ، إلى آخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَحِلَّ لِمُسلِمٍ أنْ يَتَزَوَّجِ أَمَةَ كِتَابِيٍّ، لِئَلَّا يَرِقَّ وَلَدُهُ لِغَيْرِ مُسْلِمٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الوَلَدَ تَبَعٌ لأُمِّه في الرِّقِ، ومَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ أَو نَصْرَانِيَّةٍ وإنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ بِقَوْلهِ ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، ولَمَّا أَبَاحَ اللهُ للمُسْلِمِينَ نِكَاحَ حَرَائِرِ أَهْلِ الكِتَابِ جَازَ وَطْءُ الإمَاءِ مِنْهُنَّ، ولَمَّا مَنَعَ اللهُ مِنْ نِكَاحِ المُشْرِكَاتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الكِتَابِ كالمَجُوسِيَّاتِ وعَبَدةِ الأَوْثَانِ، فَقَالَ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وَجَبَ ألاَّ تُوطَأ الإمَاءُ مِنْهُنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ. * قالَ عِيسَى: قَوْلُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: (المُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ هُنَّ أولاَتِ الأَزْوَاجِ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الزِّنَا) [١٩٨٦]، يُرِيدُ: أَنَّ الإحْصَانَ لا يَكُون بِزِنَا، ولَا يَكُونُ إلَّا بِنِكَاحٍ. وقالَ غَيْرُ عِيسَى: مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الزِّنَا، يَعْنِي: أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ [وتَعَالَى] (١) لَمَّا حَرَّمَ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي لَا يَحِلُّ وَطْئُهُنَّ بالنِّكَاحِ مِنَ القَرَابَاتِ أَضَافَ إليْهِنّ النِّسَاءَ المُحْصَنَاتِ ذَوَاتِ الأَزْوَاجِ، فَجَعَلَهُنَّ مُحَرَّمَاتٍ، فَلَا يُمْكِنُ وَطْءُ ذَاتِ زَوْجٍ، إلَّا بِزِنَا، وفِي هذَا أَيْضَا رَدُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ في الأَمَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ: أَنَّ بَيْعَهَا طَلاَقُهَا، فقَالَ سَعِيدٌ: إنَّ كُلَّ ذَاتِ زَوْجٍ

стр. 343

لا تُوطَأُ إلَّا بزِنَا، ثُمَّ اسْتَثْنَى اللهُ ﵎ مِنْ ذَوَاتِ الأَزْوَاجِ السَّبَايَا، فقَالَ: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. قالَ ابنُ القَاسِمِ: هُنَّ السَّبَايَا ذَوَاتِ الأَزْوَاجِ بأَرْضهِنَّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوطَئْنَ إذا سُبَيْنَ بَعْدَ الإسْتِبْرَاءِ بِحَيْضَةٍ، أَو مَوْضِعِ حَمْلٍ إنْ كَانَتْ حَامِلًا، أَو ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ في الصَّغِيرَةِ أو اليَائِسَةِ مِنَ المَحِيضِ، لأَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ. قالَ عِيسَى: والإحْصَانُ ثَلاَثَةٌ: إحْصَانُ نِكَاحٍ، وإحْصَانُ عَفَافٍ، وإحْصَانُ إسْلاَمٍ. [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: فَإحْصَانُ النِّكَاحِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، وإحْصَانُ العَفَافِ قَوْلُهُ : ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وإحْصَانُ الإسْلاَمِ قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. * قالَ أَبو عُبَيْدِ: طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ في حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ" [١٩٩٣]، وذَكَرَ الحَدِيثَ، وقَالَ: إنَّمَا رَخصَ النبيُّ ﷺ في المُتْعَةِ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ بِمَكَّةَ، وكَانَتْ عُمْرَةُ القَضِيَّةِ بَعْدَ خَيْبَرَ بِعَامٍ. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: فَوَجْهُ الحَدِيثِ عِنْدَنَا: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ"، فَهَذَا كَلاَمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: "ونَهَى عَنِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ بِخَيْبَرَ". قالَ أبو عُبَيْدٍ: وقَدْ حدَّثنا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَسَنِ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ مَكَّةَ في عُمْرَتِهِ تَزَيَّنَ نِسَاءُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَشَكَى ذَلِكَ أَصْحَابُ النبيِّ ﷺ إليه، فَقَالَ لَهُم: تَمَتَّعُوا مِنْهُنَّ واجْعَلُوا بَيْنَكُم الأَجْلَ بَيْنَكُم وبَيْنَهَا ثَلاَثًا، فَمَا أَحْسَبُ رَجُلًا مِنْكُم يَسْتَمِكُنُ مِنْ امْرَأَةٍ ثَلاَثًا إلَّا وَلأَها الدُّبُرِ، قالَ الحَسَنُ: فَإنَّمَا كَانَتِ المُتَعَةِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ ولَا بَعْدَهُ" (١).

стр. 344

قالَ أَبو المُطَرِّفِ: حدَّثنا بهذَا أَبو مُحَمَّدِ بن عُثْمَانَ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ خَالِدٍ، عَنْ عليِّ بنِ عبدِ العَزِيزِ، عَنْ أبي عُبَيْدِ القَاسِمِ بنِ سَلَّامٍ. قالَ ابنُ عُثْمَانَ: وحدَّثنا ابنُ خُمَيْرٍ (١)، عَنِ ابنِ مُزَيْنٍ، قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: المُتْعَةُ الآنَ سِفَاحٌ لَا نِكَاحٌ. قالَ عِيسَى: وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ تَمَتَّعَ الآنَ بامْرَأةٍ عَالِمًا عَامِدًا نُكُّلَ أَشَدَّ النِّكَالَ، وكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ نِكَاحٍ حَرَّمَهُ القُرْآنِ فَعَلَى مَنْ عَقَدَهُ عَالِمًا عَامِدًا الحَدُّ، يُجْلَدُ فِيهِ البِكْرُ مَائةً، ويُرْجَمُ المُحْصَنُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: المُتَعْةُ حَرَامٌ، حَرَّمَهَا النِّكَاحُ والطَّلاَقُ والعِدَّةُ، وقَدْ صَحَّ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رُجُوعَهُ عَنْ قَوْلهِ بإبَاحَتِهَا، هذَا هُوَ المَشْهُورُ عَنِ ابنِ عبَّاسِ، وسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْهَا فَقَالَتْ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، فالمُتْعَةُ لَيْسَتْ زَوْجِيَّةً، ولَا مِلْكَ يَمِينٍ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا جَازَ للعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ، لِقَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فَدَخَلَ في هذَا الخَطَابِ الحُرُّ والعَبْدُ. وقالَ غَيْرُهُ: يَرْوِي عَنِ ابنِ وَهْبٍ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ العَبْدَ لَا يَنْكِحُ إلَّا زَوْجَتَيْنِ، وهذَا خِلاَفُ مَا نَقَلَهُ عنهُ أَصْحَابُهُ، أَنَّ العَبْدَ لَهُ أنَّ يَنْكَحَ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ، مِثْلَ الحُرِّ سَوَاءٌ. قالَ الأَبْهَرِيُّ: لَمَّا لَمْ يَجُزْ للرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ ابْتِدَاءً، ولَا للمَرأةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَبْدُهَا ابْتِدَاءً لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَبْقَيا على نِكَاحِهِمَا إذا مَلَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَمَتَى وَقَعَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبهِ وَقَعَ الفَسْخُ أَبَدًا، والفَسْخُ أَبَدًا في النِّكَاحِ هُوَ مَا يَقَعُ بِغَلَبَةٍ ولا يَقَعُ باخْتِيَارٍ، فإذا أَعْتَقتِ المَرْأةُ زَوْجَهَا بعدَ أَنْ تَشْتَرِيهِ

стр. 345

مِنْ سَيِّدِه ابْتَدَيا عَقْدَ النِّكَاحِ إذا أَرَادَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ في الفَسْخِ رَجْعَةٌ في العِدَّةِ، لأنَّ الرَّجْعَةَ إنَّما تَكُونُ في غَيْرِ الطَّلاَقِ البَائِنِ، وَهُو طَلاَقُ السُّنَّةِ، فهَذا الذي للزَّوْجِ فيهِ الرَّجْعَةُ في العِدَّةِ. قالَ عِيسَى: لا بَأْسَ بِتَكْنِيَةِ الذِّمِّي، كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ بِصَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ. وقالَ غَيْرُهُ: لا يُكْنَى اليَهُودِيُّ ولَا النَّصْرَانِيُّ، لأَنَّ اللهَ أَلْزَمَهُمْ الصَّغَارَ والذُّلَّ، والكُنْيَةُ هِيَ تَشْرِيفٌ للرَّجُلِ، وإنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَنِّي عُظَمَاءَ المُشْرِكِينَ على سَبِيلِ الإسْتِئلاَفِ لَهُمْ ولِمَنْ وَرَاءَهُم مِنْ عَشَائِرِهم. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: مَعَنى قَوْلِ النبيِّ ﷺ لِصَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ: "إنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتُهُ، وإلَّا [سَيَّرْتَنِي] (١) شَهْرَيْنِ" [٢٠٠١] يَعْنِي: إنْ رَضِيتَ الإسْلاَمَ الذي أَدْعُوكَ إليه، وإلَّا أَنْتَ آمِنْ مُدَّةً مِنْ شَهْرَيْنِ، لَا يَعْرِضُ لَكَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمينَ، وهذَا أَصْلٌ في عَقْدِ الصُّلْحِ بينَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ مُدَّة مَعْلُومَةً، علَى حَسَبِ مَا يَرَوْنَهُ مَصْلَحَةً لَهُم. قالَ مَالِكٌ: إذا أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا الفُرْقَةُ إذا عُرِضَ عَلَيْهِا الإسْلاَمُ فَأَبتْ أَنْ تُسْلِمَ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا هذَا في غَيْرِ الكِتَابِيَّاتِ، فَأَمَّا اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرَانِيَّةُ إذا أَسْلَمَ زَوْجُهَا ولَمْ تُسْلِمْ هِيَ فإنها تَبْقَى مَعَهُ زَوْجَةً كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الإسْلاَمِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَجُوزُ للمُسْلِمِ تَزْوِيجُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرَانِيَّةِ، وأَمَّا إذا أَسْلَمَتِ المَرْأَةُ وزَوْجُهَا كَافِرٌ فإنَّهُ أَحَقُّ بِها إذا أَسْلَمَ مَا دَامتْ في العِدَّةِ. قالَ الأَبْهَرِيُّ: لأَنَّ إسْلاَمَهُ في عِدَّتِها بِمَنْزِلَةِ رَجْعَةٍ لهَا إذا طَلَّقَهَا، لأَنَ إسْلاَمَهُ فِعْلَةٌ، ورَجْعَتُهُ فِعْلَةٌ، فَصَحَّ بِهِما النِّكَاحُ، وبِهذَا حَكَمَ النبيُّ ﷺ في صَفْوَانَ حِينَ أَسْلَمَ بَعْدَ زَوْجَتِهِ وَهِيَ في العِدَّةِ، وفي عِكْرِمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ وزَوْجَتِهِ. * قالَ عبدُ الرَّحمنِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ لعَبْدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ: "أَوْ لِمْ وَلَوْ

стр. 346

بِشَاةٍ" [٢٠٠٦] يَقُولُ: أَطْعِمْ في عُرْسِكَ وَلَوْ شَاةً، وفِي هذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: الَتَّأْكِيدُ في وَلِيمَةِ العُرْسِ، وأَنَّ الزَّوْجَ يُؤْمَرُ بِهَا. وقَدْ حَدَّثنا أَبو القَاسِمِ [هِشَامُ] بنُ أَبِي خَلِيفَةَ بِمِصْرَ (١)، قالَ: حدَّثنا أَبو بِشْرٍ الدُّولاَبِيُّ، قالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قالَ: حدَّثنا أَبو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ قَالَتْ: "أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ على بَعْضِ نِسَائهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ" (٢). * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "إذا دُعِيَ أَحَدُكُم إلى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا" [٢٠٠٨] إنَّمَا ذَلِكَ في العُرْسِ وَحْدَهُ، ولَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أن يُدْعَا إليه إلَّا أَجَابَ، صَائِمًا كَانَ أَو مُفْطِرَاً، فإنْ كَانَ مُفْطِرًا أَكَلَ، وإنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا لَهُم ثُمَّ انْصَرَفَ، وإنَّمَا أَمَرَ بالوَليمَةِ لِكَيْ يَشْهَدَ أَمْرَ النِّكَاحِ، وقَدْ جَاءَ في الحَدِيثِ: "أعْلِنُوا هذِه المَنَاكِحَ، واضْرِبُوا عَلَيْهَا بالدُّفِّ" (٣). قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: يَعْنِي بالدُّفَ هُوَ الذِي في صِفَةِ الغِرْبَالِ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ أَتَى إلى وَلِيمَةٍ فَوَجَدَ فِيهَا لَهْوَاً كالزَّمِيرِ والعُودِ فَلَا يَدْخُلْ ولَيَنْصَرِفْ، وأَمَّا إذا كَانَ الدُّفُ والكَبَرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ (٤). قالَ: ويُكْرَهُ لِمَنْ دُعِيَ إلى وَلِيمَةٍ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ غَيْرَهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ: أُدْعُ مَنْ لَقِيتَ، فإذا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ لِمَنْ دَعَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ ألَّا يُجِيبَ إلى تِلْكَ الوَليمَةِ، ومُبَاحٌ لَهُ أَنْ يُجِيبَ. * قالَ عِيسَى: الذِي وَقَعَ في نَفْسِي مِنْ مَسْأَلةِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ آثَرَ امْرَأَتَهُ

стр. 347

الشَّابَّة على الأُخْرَى القَسْمَ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ في المَبيتِ خَاصَّةً [٢٠١٧]، وذَلِكَ أنَّ الأَثَرَةَ للرَّجُلِ جَائِزَةٌ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤْثِرَ بهِ إحْدَى زَوْجَاتِهِ مِنْ مَالِهِ بعدَ العَدْلِ في المَبِيتِ والنَّفَقَةِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ، وقالَهُ ابنُ القَاسِمِ. وقَالَ ابنُ نَافِعٍ: لا أُحِبُّ ذَلِكَ لأَحَدٍ، إنَّ اللهَ قَالَ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، يعنِي: تَتْرُكُوا الزَّوْجَةَ كالمَحْبُوسةِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا أُرْخِصَ للمُحْرِمِ في مُرَاجَعَةِ امْرَأَتِهِ إذا كَانَتْ في عِدَّة مِنْهُ، مِنْ أَجْلِ أَن رَجْعَتَهُ كَلاَمٌ، يَقُولُ: أُشهِدُكُم أَنِّي قَدْ رَاجَعْتُ امْرَأَتِي، ولَيْسُ هُوَ اسْتِئْنَافُ نِكَاحٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ أَيْضًا مُحْرِمًا لأَجْزَأَهُ أَنْ يُرَاجِعَ بالإشْهَادِ دُونَ المَسِيسِ، بِخِلاَفِ المُولِي (١) الذِي لا يَصِحُّ ارْتِجَاعُهُ إلَّا بالمَسِيسِ لِمَنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِطَلاَقِهِا ثُمَّ رَاجَعَهَا في عِدَّتِها فَلَمْ يَطَأْهَا حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَقَدْ بَانَتْ منهُ. * * * تَمَّ الكِتَابُ، بحَمْدِ اللهِ، وحُسْنِ عَوْنهِ، وتَأييّدِه، ويُمْنِه، وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ وعلى آلهِ وسلَّم يَتْلُوهُ كِتاَبُ الطَّلاَقِ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى * * *

стр. 348

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على مُحمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّم تَسْلِيمًا تَفْسِيرُ كِتَابِ الطَّلاَقِ * قَوْلُ ابنِ عبَّاسٍ للذِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مَائَةَ تَطْلِيقَةٍ: (طَلُقَتْ مِنْكَ بِثَلاَثٍ، وسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ آيَاتِ اللهَ هُزْوًا) [٢٠٢١] يَقُولُ: تَرَكْتَ الطَّلاَقَ الذي أَمَرَ اللهُ بهِ، وتَهَاوَنْتَ بِذَلِكَ، واسْتَهْزَأْتَ بأَمْرِ اللهِ ﵎، يَلْزَمُكَ مَا أَلْزَمْتَهُ نَفْسَكَ، ومَا نَطَقَ بهِ لِسَانُكَ. قالَ مَالِكٌ: الطَلاَقُ الذِي أَمَرَ اللهُ بهِ هُوَ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فيهِ طَلْقَةً، ثُمَّ يُمْهِلُهَا حتَّى تَحِيضَ ثَلاَثَ حُيَّضٍ، ولا يُتْبِعْهَا طَلاَقًا. قِيلَ لَهُ: أَفَيُطَلِّقُهَا في كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً؟ فَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ، وقَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بهَذِه البَلْدَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ. * قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ للذِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَمَانِي تَطْلِيقَاتٍ أَنَّها قَدْ بَانَتْ مِنْكَ بِثَلاَثٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (لَا تَلْبِسُوا على أَنْفُسِكُمْ) [٢٠٢٢]، يَعْنِي: لَا تَخْلِطُوا على أَنْفُسِكُم، فَتَتَعَدُّوا مَا أُمِرْتُمْ بهِ في الطَّلاَقِ، فإنَّهُ (كَمَا تَقُولُونَ)، يَعْنِي: يُلْزِمَكُمْ وإنْ كُنْتُمْ قَدْ تَعَدَّيْتُمْ فَطَلَّقْتُمْ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ الذِي أَمَرَ اللهُ بهِ، وَهُوَ طَلاَقُ السُّنَّةِ. قالَ الأَبْهَرِيُّ: فالطَّلاَقُ يَقَعُ بِسُنَّةٍ وبِغَيْرِ سُنَّةٍ، لأَنَّهُ شَيءٌ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ مِنْ يَدَيْهِ، كَمَا قَدْ يَعْتِقْ غُلاَمَهُ على غَيْرِ سُنَةِ العِتْقِ، فَيَلْزَمُهُ عِتْقُهُ، لأنَّهُ شَيءٌ يُخْرِجُهُ السَّيِّدُ مِنْ يَدَيْهِ، فَيَلْزِمُهُ ذَلِكَ.

стр. 349

قالَ ابنُ القَاسِمِ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ ثَلاَثًا في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. قالَ غَيْرُهُ: وُيؤَدَّبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، ويُلْزِمُهُ مَا طَلَّقَ بهِ. * [أبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ الرَّجُلِ لامْرَأَتِهِ: (حَبْلُكِ على غَارِبِكِ) [٢٠٣٦]، يَعْنِي: [اذْهَبِي] (١) حَيْثُ شِئْتِ فَقَدْ سَرَّحْتُكِ، وغَارِبُ الجَمَلِ هُوَ مُقَدَّمُهُ، مَا بَيْنَ سَنَامَهِ إلى كَتِفِيهِ، فإذا رَمَى قَائِدُ الجَمَلِ خِطَامَهُ علَى غَارِبهِ فَقَدْ سَرَّحَهُ يَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لامْرَأَتِهِ: (حَبْلُكِ على غَارِبِكِ)، فَقَدْ سَرَّحَهَا. وكَانَ مَالِكٌ يَرَاهَا البَتَّةَ، ولا يَنْوِيهِ إلَّا في الشَّيءِ لَمْ يَدْخُلْ بِها، إنْ كَانَ أَرَادَ طَلْقَةً وَاحِدَةً أَو أَكْثَرَ. وكَانَ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أَبِي سَلَمَةَ يَنْوِيهِ في ذَلِكَ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، ويَحْتَجُّ في ذَلِكَ بأَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قَالَ للرَّجُلِ: (مَا أَرَدْتَ بقَوْلِكَ: حَبْلُكِ علَى غَارِبِكِ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ الفِرَاقَ، فَقالَ لهُ عُمَرُ: هُوَ الذِي أَرَدْتَ). فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: الإشْخَاصُ في النَّوَازِلِ، لأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُوَافِيهِ بِمَكَّةَ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ فِيمَا سُئِلَ عنهُ عُمَرُ ﵁ هَلْ كَانَ القَائِلُ لِذَلِكَ دَخَلَ أو لَمْ يَدْخُلْ، وإنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ القِصَّةَ كَيْفَ وَقَعَتْ، ولَا دَلِيلَ فِيهَا على نِيَّتِهِ. وقالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ البَتَّةُ، وإنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَعَسَى أَنْ تَكُونَ طَلْقَةً وَاحِدَةً إذا ادَّعَاهَا، ويَحْلِفُ على ذَلِكَ، وَلَو ثَبَتَ عِنْدِي أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ قالَ ذَلِكَ مَا خَالَفْتُهُ، ولَكِنَّهُ حَدِيثٌ جَاءَ هَكَذَا. ورَوى ابنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لأَهْلِ زَوْجَتِهِ: شَأنُكُمْ بِها، أنَّها

стр. 350

للَّتي دَخَلَ بِهَا ثَلاَثُ تَطْلِيقَاتٍ، وفِي غَيْرِ المَدْخُولِ بِها وَاحِدَةٌ، ويَحْلِفُ إذا ادَّعَى ذَلِكَ باللهِ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَيتَزَوَّجَهُا إنْ شَاءَ، وتُعَدُّ عَلَيْهِ هَذِه الطَّلْقَةُ الوَاحِدَةُ، وتَبْقَى لَهُ فِيهَا طَلْقتانِ. وقالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ: لَو قَالَ في المَدْخُولِ بِها: نَوَيْتُ طَلْقَةً وَاحِدَةً، كَانَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إذ قَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: (شَأْنُكُمْ بِها)، أَي احْفَظُوهَا وأَدِّبُوهَا، فَلِذَلِكَ يَنْوِي. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ في المَرْأَةِ المَدْخُولِ بِهَا: (أنَّها تُبَانُ مِنْ زَوْجِهَا بِثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ)، إنَّما قَالَهُ لأَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَالْطَلْقَةُ الثَّالِثةِ بعدَ التَّطْلِيقتيْنِ هِيَ التَّسْرِيحُ بإحْسَانٍ، وقَوْلُ مَالِكٍ في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا بِوَاحِدَةٍ، لأَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١) [الأحزاب: ٤٩]، يَعْنِي: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْهُنَّ رَجْعَةً في العِدَّةِ، لأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنَ الذِي طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخَلَ بِها. * * *

стр. 351

بابٌ في التَّمْلِيكِ، والإيْلَاءِ، والظِّهَارِ " قالَ أَشْهَبُ: قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتاْخُذُ بِحَدِيثِ زَيْدٍ بنِ ثَابِتٍ في التَّمْلِيكِ [٢٠٣٦]؟ قالَ: لَا آخَذُ بهِ، ولَكِنَّهُ إذا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ أَمْرَهَا فالقَضَاءُ مَا قَضَتْ، إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا في الوَقْتِ، ويَحْلِفُ أَنَّهُ مَا مَلَكَّهَا إلَّا وَاحِدَةً، ثُمَّ يُشْهِدُ علَى رَجْعَتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: التَّمْلِيكُ كَلاَمٌ يَقْتَضِي جَوَابًا في الوَقْتِ، فإذا بَعُدَ مَا بَيْنَ الجَوَابِ والتَّمْلِيكِ لَمْ تَنْتفِعْ بِذَلِكَ المُمَلَّكَةُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ في المُمَلَّكَةِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا ما لَمْ يَطَأْهَا الزَّوْجُ بَعْدَ تَمْلِيكِه إيَّاهَا. وقالَ أَيْضَاً: إنَّ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَا لَمْ يَكُنْ يُوْقِفُهَا السُّلْطَانُ، فإنْ وَقَفَها السُّلْطَانُ وتَرَكَتْ مَا جَعَلَهُ الزَّوْجُ إليهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلى مَا جَعَلَهُ الزَّوْجُ إليهَا سَبِيلٌ. * قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا حِينَ مَلَّكَهَا أَمْرَ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: (أَنْتَ الطَّلاَقُ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: أَنْتَ الطَّلاَقُ، فقَالَ: بفِيكِ الحَجَرُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: بفِيكَ الطَّلاَقُ، فقَالَ: بفِيكِ الحَجَرُ) [٢٠٣٧]، إنَّمَا أَرَادُ الزَّوْجُ بهَذا القُوْلِ مُنَاكَرَتَها فِيمَا زَادَتْهُ على الوَاحَدَةِ، فَحَلَّفَهُ مَرْوانُ على ذَلِكَ، وأَبْقَاهَا لَهُ زَوْجَةً، يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ الزَّوْجُ على رَجْعَتِهَا في الوَقْتِ. قالَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ: (وهَذا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إليَّ في ذَلِكَ). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنّمَا اسْتَحَبَّ القَاسِمُ هَذا الفُتْيَا مِنْ مَرْوَانَ لأنَّهُ يُرْوَى عَنِ

стр. 352

ابنِ عبَّاسٍ في رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ في يَدِهَا، فَطَلَّقَتْهُ ثَلاَثًا، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: (خَطّأَ اللهُ نَوْءَهَا) يَعْنِي: دَعَا عَلَيْهَا أنْ لا يُصِيبَ المَطَرُ بِلاَدَهَا، ثُمَّ قَالَ: (أَلاَ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلاَثًا) (١)، يُرِيدُ ابنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا لَمَّا طَلَّقَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاَقًا حتَّى تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، فهَذا هُوَ الإخْتِلاَفُ الذي سَمِعَهُ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ في هَذِه المَسْأَلةِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: الإيْلاَءُ هُوَ اليَمِينُ والإمْتِنَاعُ مِنْ فِعْلِ الشَّيءِ، يُقَالُ: آلى فُلاَنٌ أنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا وكَذَا، إذا حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلْهُ. قالَ مَالِكٌ: ولَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُولِيًا حتَّى يَحْلِفَ أنْ لا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فإذا زَادَ على ذَلِكَ كَانَ قَاصِدَاً إلى الضَّرَرِ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُوقِفَهُ السُّلْطَانُ على الفَيْئَةِ إلى الوَطءِ، والتَمَادِي فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فإنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ إلى الوَطْءِ طَلَّقَ عَلَيْهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً، ولَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ مَا دَامَتْ في العِدَّةِ. * وقالَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: أنْ [بانْقِضَاءِ] (٢) الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ يَقَعُ على المُولي الطَّلَاقُ [٢٠٤٧ و ٢٠٤٨]. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الصَّحِيحُ في هَذا مَا قَالَهُ عَليٌّ وابنُ عُمَرَ أَنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ، فإمَّا أَنْ يَفِيءَ، وإمَّا أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، وبهِ قَالَ مَالِكٌ [٢٠٤٥ و ٢٠٤٦]، لأَنَّ اللهَ ﵎ قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فَهَذا حِلٌّ لا يُمْنَعُ المُولِي مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ فَفَيْئَتُهُ لَا تُعْرَفُ إلَّا بأنْ يُوقَفَ هَلْ يَفِيءَ أَمْ لَا يَفِيءَ، ولَيْسَ تُعْرَفُ فَيْئَتُهُ بانْقِضَاءِ الأَشْهُرِ دُونَ تَوْقِيفٍ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا قَالَ المُولِى عِنْدَ تَوْقِيفِ الحُكْمِ لَهُ: أَنا أَفِيءُ، ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ الوَطْءِ عُذْرٌ بمنٌ كانَ ارْتجَاعُهُ إيَّاهَا ثَابِتَاً عَلَيْهَا في العِدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وبَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَلَمْ يُصِبْهَا حتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَزَوَّجَهَا، وُقِفَ أَيْضًا، فإنْ لَمْ يَفِيءَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ بالإيْلاَءِ الأَوَّلِ، ولَمْ تَكُنْ له عَلَيْهَا رَجْعَةٌ،

стр. 353

لأَنَّ رَجْعَةُ المُولي لا تَصِحُّ إلَّا بالوَطْءِ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهَا العِدَّةَ، لِخِلْوَتِهِ بِها، ولِكَي يَدْخُلَ الزَّوْجُ الذي يَتَزَوَّجُهَا على رَحِمٍ بَرِيءٍ مِنَ [الحَمْلِ] (١). * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَلْزَمْ مَنْ حَلَفَ أنْ لَا يَطَأ امْرَأَتَهُ حتَّى تَفْطِمَ وَلَدَها مِنَ الرَّضَاعٍ مَا يَلْزَمُ المُولِي، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الضَّرَرَ بِزَوْجَتِهِ، وإنَّمَا أَرَادَ مَصْلَحَةَ ابْنِهِ وتحَصُّنِ لَبَنُ الرَّضَاعِ لَهُ، وقَدْ كَانَ النبيُّ ﷺ هَمَّ أنْ يَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ [٢٢٥٢]، والغِيلَةُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأةً وَهِيَ تُرْضِعُ، وذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مَنْ وَطِءَ امْرَأتهُ مُدَّةَ رَضَاعِهَا ابْنِهَا كَانَ ذَلِكَ نُقْصَانًامِنْ قُوَّةِ الوَلَدِ، فَهَمِّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ وَطْءِ التِّي تُرْضِعُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الرُّومَ وفَارسَ يَطَئُون نِسَائَهَمُ في حَالةِ الرَّضَاعِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلاَدَهُمْ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَمْرُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ مَنْ قَالَ لامْرَأَةٍ أَجْنَبيَّةٍ مِنْهُ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، أنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا لا يَطَأهَا حتَّى يُكًفِّرَ كَفَّارَةَ المُتَظَاهِرِ [٢٠٥٧]، وإنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لأنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَرْطَاً إنْ وَقَعَ لَزِمَهُ، فَلَمَّا أَوْقَعَهُ بِتَزْوِيجِه إيَّاهَا لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، ولَوْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي) ولَمْ يَقُلْ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ)، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيءٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ فِيهَا على نَفْسِهِ شَرْطَاً إنْ وَقَعَ لَزِمَهُ. وقَاسَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ قَوْلَ الرَّجُلِ لامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مِنْهُ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ فأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، وهَذا هُوَ القِيَاسُ الصَّحِيحُ، وإنَّمَا القِيَاسُ الفَاسِدُ مَنْ قَاسَ على غَيْرِ أَصْلٍ، ومَنْ قَالَ: لَا طَلاَقَ قَبْلَ نِكَاحٍ ولَا عِتْقٍ قَبْلَ مِلْكٍ، فَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرَأةٍ أَجْنَبيَّةٍ مِنْهُ: (أَنْتِ طَالِقٌ)، أَو يَقُولَ لِغُلاَمِ غَيْرِه: (أَنْتَ حُرٌّ)، فهَذا لَا يَلْزَمُهُ طَلاَق ولًا عِتْقٌ، وأَمَّا مَنْ عَقَدَ قَوْلَهُ بِفِعْلٍ مَا، ثم أَوْقَعَ الذِي عَقَدَ بهِ قَوْلَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ مَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ، وقَدْ قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا

стр. 354

بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فَمَنْ عَقَدَ على نَفْسِهِ عَقْدًا لَزِمَهُ مَا عَقَدَهُ على نَفْسِهِ إذا فَعَلَ الذي حَلَفَ عَلَيْهِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا تَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ هُوَ لِحَلِّ عُقْدَةَ نِكَاحٍ، وإنَّمَا هُوَ للكَفَّارَةِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وهذَا بِخِلاَفِ قَوْلِ الرَّجُلِ لأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: (أَنْتُنَّ طَوَالِقُ) أَنَّهُنَّ يَطْلُقْنَ عَلَيْهِ، لأن الطَّلاَقَ هُوَ لِحَلِّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ، فَلِهَذا يَطْلُقَنَ عَلَيْهِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: نَزَلَتْ آيَةُ الظِّهَارِ في أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ، قَالَ لِزَوْجَتِهِ خَوْلَةَ: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، فَأَتَتِ النبيَّ ﷺ فَشَكَتْ ذَلِكَ إليه، وألَحَّتْ في الشَّكْوَى، فأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ [المجادلة: ١]، إلى آخر الكَفَّارَاتِ (١). * قَوْلُ مَالِكٍ: (الظِّهَارُ مِنْ ذَوَاتِ المَحَارِم مِنَ الرَّضَاعِ والنَّسَبِ) [٢٠٦٢]، قالَ أَبو المُطَرِّفِ: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عليَّ كَظهْرِ أُمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَو كَظَهْرِ أُمِّي مِنَ النَّسَبِ، فإذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ مِنَ النَّاسِ وَقَعَ هَهُنا الإخْتِلاَفُ. فَقَالَ أَصْبَغُ: لَيْسَ عَلَيْهِ ظِهَارٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ فَرْجَ الأَجْنَبِيَّةِ لَهُ حَلاَلٌ يَوْمًا مَا. وقالَ غَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ في الأَجْنَبيَّةِ الظِّهَارُ، لأَنَّ فَرْجَ الأَجْنَبيَّةِ في وَقْتِ قَوْلِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، كَبَعْضِ المُحَرَّمَاتِ مِنْ أَقَارِبِهِ، فَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ فيَ الأَجْنَبِيَّةِ الظِّهَارُ. وقالَ ابنُ المَاجِشُونَ: إذا قَالَ الرَّجُلُ لامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ. قالَ أَبو عُمَرَ: القَوْلُ في هَذه المَسْأَلةِ أنَّ الظِّهَارَ يَلْزَمُهُ، ولَا يَلْزَمُهُ طَلاَقٌ، لأَنَّ

стр. 355

الظِّهَارَ لَيْسَ هُوَ لِحَلِّ العُقْدَةِ، لأَنَّ اللهَ ﵎ جَعَلَ فِيهِ الكَفَّارَةَ. * قَوْلُ مَالِكٍ: (لَيْسَ على النِّسَاءِ ظِهَارُ) [٢٠٦٣]، قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ المَرْأَةَ إذا تَظَاهَرَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَنَّ الكَفَّارَةَ تَلْزَمُهَا، وحُجَّةُ مَالِكٍ في ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ولَمْ يَقُلْ: (واللَّوَاتِي يُظَاهِرُونَ مِنْ أَزْوَاجَهِنَّ). قالَ أبو المُطَرِّفِ: اخْتُلِفَ في مَعْنَى قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، قالَ ابنُ القَاسِمِ: إنَّ العَوْدَ هَهُنَا أَنْ يَعُودَ المُتَظَاهِرُ إلى الوَطءِ الذي كَانَ قَد امْتَنَعَ مِنْهُ بالظِّهَارِ الذي أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ. وقالَ الأَبْهَرِيُّ: وَجْهُ هذَا القَوْلِ أَنَّ الظِّهَارَ هُوَ تَحْرِيمُ الوَطْءِ، فَمَتَى عَادَ المُتَظَاهِرُ إلى الوَطْءِ الذي كَانَ قَدْ حَرَّمَهُ على نَفْسِهِ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ. * وقالَ أَشْهَبُ: إنَّ مَعْنَى العَوْدَةِ هَهُنَا أَنْ يَجْمَعَ المُتَظَاهِرُ على إمْسَاكِ الذي تَظَاهَرَ مِنْهَا وإصَابَتِهَا، فَمَتَى أَجْمَعَ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، وهَذا نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ [٢٠٦٤]. قالَ الأَبْهَرِيُّ: وَجْهُ هَذا القَوْلِ أَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فَأَوْجَبَ الكَفَّارَةَ بالعَوْدَةِ، فَدَلَّ أَنَّ الذِي أَوْجَبَ الكَفَّارَةَ بِشَيءٍ غَيْرِ الوَطْءِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ العَوْدُ الوَطءُ لَجَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَ، ثُمَّ تَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ، فَلَمَّا مَنَعَهُ اللهُ مِنَ الوَطْءِ، وأَوْجَبَ عَلَيْهِ الكَفَّارَةَ بالعَوْدِ عُلِمَ أنَ العَوْدَ غَيْرُ الوَطْءِ، فَمَتَى أجْمَعَ [المُظَاهِرُ] (١) على إمْسَاكِ التِّي تَظَاهَرَ مِنْهَا وإصَابَتِها فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفارَةُ. قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّما لَزِمَ الرَّجُلُ الظِّهَارَ في أَمَتِهِ إذا قالَ لَهَا: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) بِظَاهِرِ قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾،
следующие страницы →