Полный текст (779 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بابٌ في التَّمْلِيكِ، والإيْلَاءِ، والظِّهَارِ
" قالَ أَشْهَبُ: قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتاْخُذُ بِحَدِيثِ زَيْدٍ بنِ ثَابِتٍ في التَّمْلِيكِ [٢٠٣٦]؟ قالَ: لَا آخَذُ بهِ، ولَكِنَّهُ إذا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ أَمْرَهَا فالقَضَاءُ مَا قَضَتْ، إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا في الوَقْتِ، ويَحْلِفُ أَنَّهُ مَا مَلَكَّهَا إلَّا وَاحِدَةً، ثُمَّ يُشْهِدُ علَى رَجْعَتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: التَّمْلِيكُ كَلاَمٌ يَقْتَضِي جَوَابًا في الوَقْتِ، فإذا بَعُدَ مَا بَيْنَ الجَوَابِ والتَّمْلِيكِ لَمْ تَنْتفِعْ بِذَلِكَ المُمَلَّكَةُ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ في المُمَلَّكَةِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا ما لَمْ يَطَأْهَا الزَّوْجُ بَعْدَ تَمْلِيكِه إيَّاهَا.
وقالَ أَيْضَاً: إنَّ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَا لَمْ يَكُنْ يُوْقِفُهَا السُّلْطَانُ، فإنْ وَقَفَها السُّلْطَانُ وتَرَكَتْ مَا جَعَلَهُ الزَّوْجُ إليهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلى مَا جَعَلَهُ الزَّوْجُ إليهَا سَبِيلٌ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا حِينَ مَلَّكَهَا أَمْرَ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: (أَنْتَ الطَّلاَقُ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: أَنْتَ الطَّلاَقُ، فقَالَ: بفِيكِ الحَجَرُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: بفِيكَ الطَّلاَقُ، فقَالَ: بفِيكِ الحَجَرُ) [٢٠٣٧]، إنَّمَا أَرَادُ الزَّوْجُ بهَذا القُوْلِ مُنَاكَرَتَها فِيمَا زَادَتْهُ على الوَاحَدَةِ، فَحَلَّفَهُ مَرْوانُ على ذَلِكَ، وأَبْقَاهَا لَهُ زَوْجَةً، يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ الزَّوْجُ على رَجْعَتِهَا في الوَقْتِ.
قالَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ: (وهَذا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إليَّ في ذَلِكَ).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنّمَا اسْتَحَبَّ القَاسِمُ هَذا الفُتْيَا مِنْ مَرْوَانَ لأنَّهُ يُرْوَى عَنِ
стр. 352
ابنِ عبَّاسٍ في رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ في يَدِهَا، فَطَلَّقَتْهُ ثَلاَثًا، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: (خَطّأَ اللهُ نَوْءَهَا) يَعْنِي: دَعَا عَلَيْهَا أنْ لا يُصِيبَ المَطَرُ بِلاَدَهَا، ثُمَّ قَالَ: (أَلاَ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلاَثًا) (١)، يُرِيدُ ابنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا لَمَّا طَلَّقَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاَقًا حتَّى تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، فهَذا هُوَ الإخْتِلاَفُ الذي سَمِعَهُ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ في هَذِه المَسْأَلةِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: الإيْلاَءُ هُوَ اليَمِينُ والإمْتِنَاعُ مِنْ فِعْلِ الشَّيءِ، يُقَالُ: آلى فُلاَنٌ أنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا وكَذَا، إذا حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلْهُ.
قالَ مَالِكٌ: ولَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُولِيًا حتَّى يَحْلِفَ أنْ لا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فإذا زَادَ على ذَلِكَ كَانَ قَاصِدَاً إلى الضَّرَرِ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُوقِفَهُ السُّلْطَانُ على الفَيْئَةِ إلى الوَطءِ، والتَمَادِي فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فإنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ إلى الوَطْءِ طَلَّقَ عَلَيْهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً، ولَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ مَا دَامَتْ في العِدَّةِ.
* وقالَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: أنْ [بانْقِضَاءِ] (٢) الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ يَقَعُ على المُولي الطَّلَاقُ [٢٠٤٧ و ٢٠٤٨].
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الصَّحِيحُ في هَذا مَا قَالَهُ عَليٌّ وابنُ عُمَرَ أَنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ، فإمَّا أَنْ يَفِيءَ، وإمَّا أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، وبهِ قَالَ مَالِكٌ [٢٠٤٥ و ٢٠٤٦]، لأَنَّ اللهَ ﵎ قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فَهَذا حِلٌّ لا يُمْنَعُ المُولِي مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ فَفَيْئَتُهُ لَا تُعْرَفُ إلَّا بأنْ يُوقَفَ هَلْ يَفِيءَ أَمْ لَا يَفِيءَ، ولَيْسَ تُعْرَفُ فَيْئَتُهُ بانْقِضَاءِ الأَشْهُرِ دُونَ تَوْقِيفٍ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا قَالَ المُولِى عِنْدَ تَوْقِيفِ الحُكْمِ لَهُ: أَنا أَفِيءُ، ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ الوَطْءِ عُذْرٌ بمنٌ كانَ ارْتجَاعُهُ إيَّاهَا ثَابِتَاً عَلَيْهَا في العِدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وبَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَلَمْ يُصِبْهَا حتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَزَوَّجَهَا، وُقِفَ أَيْضًا، فإنْ لَمْ يَفِيءَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ بالإيْلاَءِ الأَوَّلِ، ولَمْ تَكُنْ له عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، стр. 353
لأَنَّ رَجْعَةُ المُولي لا تَصِحُّ إلَّا بالوَطْءِ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهَا العِدَّةَ، لِخِلْوَتِهِ بِها، ولِكَي يَدْخُلَ الزَّوْجُ الذي يَتَزَوَّجُهَا على رَحِمٍ بَرِيءٍ مِنَ [الحَمْلِ] (١).
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَلْزَمْ مَنْ حَلَفَ أنْ لَا يَطَأ امْرَأَتَهُ حتَّى تَفْطِمَ وَلَدَها مِنَ الرَّضَاعٍ مَا يَلْزَمُ المُولِي، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الضَّرَرَ بِزَوْجَتِهِ، وإنَّمَا أَرَادَ مَصْلَحَةَ ابْنِهِ وتحَصُّنِ لَبَنُ الرَّضَاعِ لَهُ، وقَدْ كَانَ النبيُّ ﷺ هَمَّ أنْ يَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ [٢٢٥٢]، والغِيلَةُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأةً وَهِيَ تُرْضِعُ، وذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مَنْ وَطِءَ امْرَأتهُ مُدَّةَ رَضَاعِهَا ابْنِهَا كَانَ ذَلِكَ نُقْصَانًامِنْ قُوَّةِ الوَلَدِ، فَهَمِّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ وَطْءِ التِّي تُرْضِعُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الرُّومَ وفَارسَ يَطَئُون نِسَائَهَمُ في حَالةِ الرَّضَاعِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلاَدَهُمْ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَمْرُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ مَنْ قَالَ لامْرَأَةٍ أَجْنَبيَّةٍ مِنْهُ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، أنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا لا يَطَأهَا حتَّى يُكًفِّرَ كَفَّارَةَ المُتَظَاهِرِ [٢٠٥٧]، وإنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لأنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَرْطَاً إنْ وَقَعَ لَزِمَهُ، فَلَمَّا أَوْقَعَهُ بِتَزْوِيجِه إيَّاهَا لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، ولَوْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي) ولَمْ يَقُلْ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ)، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيءٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ فِيهَا على نَفْسِهِ شَرْطَاً إنْ وَقَعَ لَزِمَهُ.
وقَاسَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ قَوْلَ الرَّجُلِ لامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مِنْهُ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ فأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، وهَذا هُوَ القِيَاسُ الصَّحِيحُ، وإنَّمَا القِيَاسُ الفَاسِدُ مَنْ قَاسَ على غَيْرِ أَصْلٍ، ومَنْ قَالَ: لَا طَلاَقَ قَبْلَ نِكَاحٍ ولَا عِتْقٍ قَبْلَ مِلْكٍ، فَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرَأةٍ أَجْنَبيَّةٍ مِنْهُ: (أَنْتِ طَالِقٌ)، أَو يَقُولَ لِغُلاَمِ غَيْرِه: (أَنْتَ حُرٌّ)، فهَذا لَا يَلْزَمُهُ طَلاَق ولًا عِتْقٌ، وأَمَّا مَنْ عَقَدَ قَوْلَهُ بِفِعْلٍ مَا، ثم أَوْقَعَ الذِي عَقَدَ بهِ قَوْلَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ مَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ، وقَدْ قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا стр. 354
بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فَمَنْ عَقَدَ على نَفْسِهِ عَقْدًا لَزِمَهُ مَا عَقَدَهُ على نَفْسِهِ إذا فَعَلَ الذي حَلَفَ عَلَيْهِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا تَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ هُوَ لِحَلِّ عُقْدَةَ نِكَاحٍ، وإنَّمَا هُوَ للكَفَّارَةِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وهذَا بِخِلاَفِ قَوْلِ الرَّجُلِ لأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: (أَنْتُنَّ طَوَالِقُ) أَنَّهُنَّ يَطْلُقْنَ عَلَيْهِ، لأن الطَّلاَقَ هُوَ لِحَلِّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ، فَلِهَذا يَطْلُقَنَ عَلَيْهِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: نَزَلَتْ آيَةُ الظِّهَارِ في أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ، قَالَ لِزَوْجَتِهِ خَوْلَةَ: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، فَأَتَتِ النبيَّ ﷺ فَشَكَتْ ذَلِكَ إليه، وألَحَّتْ في الشَّكْوَى، فأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ [المجادلة: ١]، إلى آخر الكَفَّارَاتِ (١).
* قَوْلُ مَالِكٍ: (الظِّهَارُ مِنْ ذَوَاتِ المَحَارِم مِنَ الرَّضَاعِ والنَّسَبِ) [٢٠٦٢]، قالَ أَبو المُطَرِّفِ: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عليَّ كَظهْرِ أُمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَو كَظَهْرِ أُمِّي مِنَ النَّسَبِ، فإذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ مِنَ النَّاسِ وَقَعَ هَهُنا الإخْتِلاَفُ.
فَقَالَ أَصْبَغُ: لَيْسَ عَلَيْهِ ظِهَارٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ فَرْجَ الأَجْنَبِيَّةِ لَهُ حَلاَلٌ يَوْمًا مَا.
وقالَ غَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ في الأَجْنَبيَّةِ الظِّهَارُ، لأَنَّ فَرْجَ الأَجْنَبيَّةِ في وَقْتِ قَوْلِهِ ذَلِكَ
عَلَيْهِ حَرَامٌ، كَبَعْضِ المُحَرَّمَاتِ مِنْ أَقَارِبِهِ، فَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ فيَ الأَجْنَبِيَّةِ الظِّهَارُ.
وقالَ ابنُ المَاجِشُونَ: إذا قَالَ الرَّجُلُ لامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ.
قالَ أَبو عُمَرَ: القَوْلُ في هَذه المَسْأَلةِ أنَّ الظِّهَارَ يَلْزَمُهُ، ولَا يَلْزَمُهُ طَلاَقٌ، لأَنَّ стр. 355
الظِّهَارَ لَيْسَ هُوَ لِحَلِّ العُقْدَةِ، لأَنَّ اللهَ ﵎ جَعَلَ فِيهِ الكَفَّارَةَ.
* قَوْلُ مَالِكٍ: (لَيْسَ على النِّسَاءِ ظِهَارُ) [٢٠٦٣]، قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ المَرْأَةَ إذا تَظَاهَرَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَنَّ الكَفَّارَةَ تَلْزَمُهَا، وحُجَّةُ مَالِكٍ في ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ولَمْ يَقُلْ: (واللَّوَاتِي يُظَاهِرُونَ مِنْ أَزْوَاجَهِنَّ).
قالَ أبو المُطَرِّفِ: اخْتُلِفَ في مَعْنَى قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، قالَ ابنُ القَاسِمِ: إنَّ العَوْدَ هَهُنَا أَنْ يَعُودَ المُتَظَاهِرُ إلى الوَطءِ الذي كَانَ قَد امْتَنَعَ مِنْهُ بالظِّهَارِ الذي أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ.
وقالَ الأَبْهَرِيُّ: وَجْهُ هذَا القَوْلِ أَنَّ الظِّهَارَ هُوَ تَحْرِيمُ الوَطْءِ، فَمَتَى عَادَ المُتَظَاهِرُ إلى الوَطْءِ الذي كَانَ قَدْ حَرَّمَهُ على نَفْسِهِ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ.
* وقالَ أَشْهَبُ: إنَّ مَعْنَى العَوْدَةِ هَهُنَا أَنْ يَجْمَعَ المُتَظَاهِرُ على إمْسَاكِ الذي تَظَاهَرَ مِنْهَا وإصَابَتِهَا، فَمَتَى أَجْمَعَ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، وهَذا نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ [٢٠٦٤].
قالَ الأَبْهَرِيُّ: وَجْهُ هَذا القَوْلِ أَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فَأَوْجَبَ الكَفَّارَةَ بالعَوْدَةِ، فَدَلَّ أَنَّ الذِي أَوْجَبَ الكَفَّارَةَ بِشَيءٍ غَيْرِ الوَطْءِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ العَوْدُ الوَطءُ لَجَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَ، ثُمَّ تَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ، فَلَمَّا مَنَعَهُ اللهُ مِنَ الوَطْءِ، وأَوْجَبَ عَلَيْهِ الكَفَّارَةَ بالعَوْدِ عُلِمَ أنَ العَوْدَ غَيْرُ الوَطْءِ، فَمَتَى أجْمَعَ [المُظَاهِرُ] (١) على إمْسَاكِ التِّي تَظَاهَرَ مِنْهَا وإصَابَتِها فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفارَةُ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّما لَزِمَ الرَّجُلُ الظِّهَارَ في أَمَتِهِ إذا قالَ لَهَا: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) بِظَاهِرِ قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، стр. 356
وقَالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فَلَمَّا لَمْ يَحِلَّ للرَّجُلِ أَنْ يَطَأ أَمَةً وَطِئَها أَبُوهُ بِهَذِه الآيةِ، دَخَلَتْ الأَمَةُ المُتَظَاهِرِ مِنْهَا في جُمْلَةِ النِّسَاءِ المُتَظَاهِرِ مِنْهُنَّ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا تَبَيَّنَ الضَّرَرُ مِنَ المُتَظَاهِرِ بامْتِنَاعِهِ مِنَ الكَفَّارَاةِ وَقَفَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَنْ تَظَاهَرَ، فَإمَّا كَفَّرَ، وإمَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ.
قالَ عِيسَى: مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: (كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ مَا عِشْتُ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، فَتَزوَّجَ عَلَيْهَا، أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْ أَوَّلِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا عَلَيْهَا، ثُمَّ لَا شَيءَ عَلَيْهِ فِيمَا تَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَالَ ابنُ نَافِعٍ: كُلُّ مَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ.
قالَ عِيسَى: وإنْ هُوَ فَارَقَها ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ فِرَاقِهِ لَها لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فِيمَا تَزَوَّجَ بَعْدَ فِرَاقِهِ لَهَا، إلَّا أَنْ تَرْجِعَ إليهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الظِّهَارُ -، فإنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا البَتَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَها عَلَيْهَا فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِثْلُ الذي يَحْلِفُ بالطَّلاَقِ إنْ تَزَوَّجَ على امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا البَتَّةَ، ثُمَّ يَنْكِحُهَا بَعْدَ زَوْجٍ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ يَمِينِهِ، لأَنَّ العِصْمَةَ التِّي حَلَفَ فِيهَا قَد انْقطَعَتْ بِيْنَهُمَا بِطَلاَقهِ إيَّاهَا البَتَّةَ.
قالَ عِيسَى: الذي يُسْتَحَبُّ للعَبْدِ أَنْ يُكَفِّرَ بهِ في الظّهَارِ الصِّيَامُ، وإنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَأَطْعَمَ إذا لَمْ يَقَوَ على الصِّيَامِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، ولَا يُجْزِيهِ العِتْقُ، لأَنَّ الوَلاَءَ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُ مَالِكٍ: في العَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِن امْرَأتِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ ايَلاَءٌ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَتَبيَّنَ ضَرَرُهُ، أو يَمْنَعَهُ سَيِّدُهُ الصَّوْمَ، فإذا كَانَ كَذَلِكَ ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ العَبْدِ في الإيْلاَءِ نِصْفُ أَجَلِ الحُرَّ، ثُمَّ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمُ المُولِي.
وقَالَ أَصْبَغُ: إذا مَنَعَهُ سَيِّدُهُ الصَّوْمَ فَلَيْسَ بِمُضَارٍ، ولَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ.
стр. 357
وقَالَ ابنُ المَاجشُونَ: لَيْسَ لِسَيْدِه أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الصِّيَامِ، لأنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ في النِّكَاحِ، وهذَا مِنْ أَسْبَابِ النِّكَاحِ.
قالَ عِيسَى: لَا يَجُوزُ لَهُ الإطْعَامُ بِمَنْعِ سَيِّدِه إيَّاهُ مِنَ الصِّيَامِ، لأَنَّهُ إنَّمَا يُطْعِمُ مِنْ مَالِ سَيِّدِه.
стр. 358
بابُ الخِيَارِ، وطَلاَقِ الأَمَةِ، واللِّعَانِ، وطَلاَقِ البَكْرِ
" فِي حَدِيثِ [بَرِيرَةَ] (١) [٢٠٧٢] مِنَ السُّنَنِ: إبَاحَةُ كِتَابَةِ العَبْدِ، وإنْ سَعَى وسَأَلَ النَّاسَ أَنْ يُعِينُوهُ في كِتَابَتِه، وفِيهِ: إبَاحَةُ بَيْعِ المُكَاتَبِ إذا عَجَزَ، وأنَّ الوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، وفِيهِ: إبَاحَةُ قَبْولِ هَدِيَّةِ الفَقِيرِ، وفِيهِ: أنَّ بَيْعَ الأَمَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ لَيْسَ بِطَلاَقٍ لَهَا، وأَنَّ الأَمَةَ إذا أُعْتِقَتْ تَحْتَ العَبْدِ أَنَّ لَهَا الخَيَارَ في البَقَاءِ مَعَهُ، أَو تُطَلِّقَ نَفْسَهَا بِوَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ أَو بِثَلاَثٍ، فإنْ أُعْتِقَتْ مَعَ زَوْجَها في كَلِمَةِ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ لهَا الخَيَارُ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ كَمَا كَانَتْ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَكُنْ [للرَّجُلِ] (٢) الذي جُنُّ قَبْلَ دُخُولهَا عَلَيْهِ فَفَارَقَتْهُ صُدَاقٌ، لأَنَّ الفِرَاقَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا، فإنْ جُنَّ بَعْدَ دُخُولهِ عَلَيْهَا عُزِلَ عَنْهَا، وضُرِبَ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ لِعِلاَجِهِ نَفْسِه، فإنْ صَحَّ فِيهَا وإلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، لِيَقْطَعَ عَنْهَا الضَّرَرَ.
قالَ مَالِكٌ: إذا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأتهُ فَاخْتَارَتْهُ لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ طَلاَقًا، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِقَوْلِ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ : (خَيَّرَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ فاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاَقًا) (٣).
قالَ مَالِكٌ: فإنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ مِنْهُ بِثَلاَثٍ، ولا يُكْرَهُ لَهُ عَلَيْهَا، بِخِلاَفِ التَّمْلِيكِ. стр. 359
قالَ أَبو مُحَمَّدِ: لَم يَكُنْ للزَّوْجِ أَنْ يُنَاكِرَ (١) زَوْجَتَهُ في التَّخْيِيرِ، كَمَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ في التَّمْلِيكِ، لأَنَّ مَعْنَى التَّخْييرِ التَّسْرِيحَ، قالَ اللهُ ﵎ في آيةِ التَّخْيِيرِ: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، فَمَعْنَى التَّسْرِيحِ البِتَاتُ، لأَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فالتَّسْرِيحُ بإحْسَانٍ هِيَ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ.
وخَالَفَ التَّخْيِيرُ التَّمْلِيكَ، لأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الرَّجُلِ لامْرَأتِهِ: قَدْ مَلَّكْتُكِ، أَيْ قَدْ مَلَّكْتُكِ فِيمَا قدْ جَعَلَ اللهُ إلى مِنْ أَنْ أُطَلِّقَكِ وَاحِدَةً أو اثْنِتَيْنِ أَو ثَلاَثَ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُمَلِّكَهَا في بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ وادَّعَى الزَّوْجُ ذَلِكَ كَانَ القَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِه، ويَحْلِفُ أَنَّهُ مَا مَلَكَّهَا إلَّا وَاحِدَةً أو اثْنَتَيْنِ أَو ثَلاَثَ، ولَمَّا جَازَ أَنْ يَمْلِكَها في بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضِ وادَّعَى الزَّوْجُ ذَلِكَ كَانَ القَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِه، ويَحْلِفُ أَنَّهُ مَا مَلَّكهَا إلَّا وَاحِدَةً أو اثنتينِ إن ادَّعَاهُمَا، ويُشْهِدُ على رَجْعَتِهِ إيَّاها، وتَبْقَى عِنْدَهُ على بَاقِي الطَّلاَقِ، فَلِهَذا خَالَفَ التَّخْيِيرُ التَّمْلِيكَ.
[أبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَمَنَعَ اللهُ الأَزْوَاجَ مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ الزَّوْجَاتِ، إلَّا إذا نَشَزَتِ المَرْأةُ على زَوْجِهَا فَكَرِهَتْهُ، وخِيفَ عَلَيْهَا ألَّا تُقِيمَ حُدُودَ اللهِ فِيمَا يَلْزَمُهَا مِنَ القِيَامِ بِحَقِّه، فإذَا كَانَ ذَلِكَ فَقَدْ أَبَاحَ اللهُ ﵎ للزَّوْجِ أَخْذَ مَالِهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا.
وقالَ بَعْضُ أَهْلِ الأَمْصَارِ: لَا يَحِلُّ للزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَوْجَتِهِ عِنْدَ مُخَالَعَتِهِ إيَّاهَا إلَّا مِثْلَ مَا أَعْطَاهَا أَو دُونَ.
فقالَ مَالِكٌ: مُبَاحٌ للزَّوْجِ أَنْ يُخَالِعَهَا بِمِثْلِ مَا أَعْطَاهَا وأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وبِجَمِيعِ مَالِهَا، لأن اللهَ قالَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. стр. 360
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ غَيْرُ مَالِكٍ لَكَانَتْ (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ)، أَو (فِيمَا افْتَدَتْ بهِ مِنْهُ)، فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ كَانَ الخُلُعُ مُطْلَقَاً في كُلِّ مَا افْتَدَتْ بهِ المَرْأَةُ مِنْ زَوْجهَا، وقَدْ أَمَرَ النبيُّ ﷺ ابنةَ السَّلُولِ أَنْ تَرُدَّ على زَوْجِهَا مَا أَعْطَاهَا وتَزِيدَهُ (١)، وقدْ أَجَازَ مِثْلَهُ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ.
قالَ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ: المُخْتَلَعَةُ هِيَ التِّي تَخْتَلِعُ مِنْ زَوْجِهَا بجَمِيعِ مَالِهَا، والمُفْتَدِيةُ هِيَ التِّي تُعْطِي بَعْضًا وتُمْسِكُ بَعْضًا، والمُبَارِيةُ هِيَ التَّي تُعْطِي قَبْلَ الدُّخُولِ جَمِيعَ الصَّدَاقِ (٢).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: رَوَى طَاوُوسٌ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: (أَنَّ الخُلْعَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلاَقٍ، ولَا عِدَّةَ فِيهِ) (٣).
وقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: انْفَرَدَ بِهَذا القَوْلِ طَاوُوسٌ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، وأَصْحَابُ ابنِ عبَّاسٍ كُلّهُم يَرْوُونَ عَنْهُ أَنَّ الخُلُعَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ وفِيهِ العِدَّةُ.
قالَ ابنُ أَبِي زَيْدٍ: يَجِبُ اللِّعَانُ بِثَلاَثةِ أَوْجُهٍ، وَجْهَانِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِما، وَهُو أَنْ يَدَّعِي الزَّوْجُ رُؤْيَةً كالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ، أَو يَنْفِي حَمْلًا يَدَّعِي قَبْلَهُ الإسْتَبْرَاءَ، والإسْتِبْرَاءُ حَيْضَةٌ.
وقَالَ ابنُ المَاجِشُونَ: الإسْتِبْرَاءُ هَهُنا ثَلاَثُ حُيَّضٍ.
قالَ ابنُ أبي زَيْدٍ: والوَجْهُ الثَّالِثُ المُخْتَلَفُ فِيهِ هُوَ أَنْ يَقْذِفَهَا الزَّوْجُ، ولَا يَدَّعِي رُؤْيَة، ولَا يَنْفِي حَمْلًا، فأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَ: إنَّهُ يُحَدُّ ولَا يُلاَعَنُ، وقَالَهُ ابنُ القَاسِمِ مَرَّة، ثُمَّ رَجَعَ وقَالَ: إنْ قَذَفَها أَو نَفَى حَمْلًا لاَعَنَ، ولَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيءٍ. стр. 361
[أبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا قِيلَ في المُلاَعَنِ يَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ بَابِ المُشَاهَدَةِ بالأَبْصَارِ أَو بالقُلُوبِ، ولَذِلَكَ ما قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قالَ لامْرَأتِهِ: يا زَانِيَةُ، ولَمْ يَقُلْ رَأَيْتُ، ولَا نَفَى حَمْلًا، أَنَّهُ يُحَدُّ ولَا يُلاَعَنُ.
وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: اللِّعَانُ شَهَادَةٌ، ولَا يُلاَعَنُ إلَّا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ (١).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يُرَدُّ هذَا القُوْلَ قَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فَدَخَلَ في هذَا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، ومَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ.
* وقالَ أَيْضَا أَبو حَنِيفَةَ: لَا يُوجِبُ اللِّعَانُ الفُرْقَةَ، حتَّى يُطَلِّقَ الزَّوْجُ بَعْدَ لِعَانِهِ، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِقِصَّةِ عُوَيْمِرٍ العَجْلاَنِيِّ [٢٠٩٢].
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ، لأَنَّ عُوَيْمِرًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِطَلاَقِهَا، وإنَّمَا كَانَ يَحْتَجُّ بِها لَوْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ.
* وفِي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ [٢٠٩٣] بَيَانٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ في هذِه المَسْأَلَةِ، أَنَّ النبيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاَعِنَيْنِ، وأَلْحَقَ الوَلَدَ بالمَرْأَةِ، والفِرَاقُ هُوَ مَا يَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجِيْنِ بِقَلْبِهِ لا باخْتِيَارٍ، والطَّلاَقُ إنَّمَا يَقَعُ باخْتِيَارٍ مِنَ الزَّوْجِ.
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: قَالَ عِيسَى: إني لَا أُحِبُّ للزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ الزَّوْجَةَ على إثْرِ اللِّعَانِ كَمَا صَنَعِ عُوَيْمِرُ العَجْلاَنِيُّ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَإنَّهُ يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ أَنَ المُلاَعِنيْنِ لا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا.
قالَ مَالِكٌ: للمُسْلِمِ أَنْ يُلاَعِنَ زَوْجَتَهُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرَانِيَّةِ في نَفْي الحَمْلِ، وفِي الرُّؤْيَةِ، لأَنَّهُ يَقُولُ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ الوَطْءِ حَمْلٌ، فَيُلْحَقُ بِي إنْ لَمْ أَنْفِهِ عَنْ نَفْسِي، فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ أَن يُلاَعِنَ في نَفِي الحَمْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وفِي الرُّؤْيَةِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: يَحْلِفُ الزَّوْجُ في الرُّؤْيَةِ: أَحْلِفُ باللهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ، لَقَدْ رَأَيْتُهَا تَزْنِي كالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ، يَحْلِفُ هَكَذَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ويَزِيدُ في الخَامِسَةِ: أَنْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكَاذِبِينَ، ثُمَّ تَحْلِفُ هِيَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ باللهِ стр. 362
عَلَى خِلاَفِ مَا حَلَفَ بهِ الزَّوْجُ، ثُمَّ تَزِيدُ في الخَامِسَةِ: أَنْ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وتَحْلِفُ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرَانِيَّةُ حَيْثُ يُعْظِمْنَّ مِنَ الكِتَابَيْنِ باللهِ كَمَا تَحْلِفُ المُسْلِمَةُ سَوَاءٌ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: رُوِي عَنِ ابنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: (إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امِرَأَتَهُ ثَلاَثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا أنَّها طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ) (١)، وَبهِ قَالَ عَطَاءٌ، ولَذَلِكَ قَالَ لَهُ عبدُ اللهِ بنُ عَمْرو بنِ العَاصِ: (إنَّما أَنْتَ قَاصٌّ) [٢١٠٩]، أَيْ لا عِلْمَ لَكَ بِهَذِه، ثُمَّ قَالَ: (الوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، والثَّلاَثةُ تُحَرِّمُهَا، حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
* وفِي المُوطَّأ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَنَّهُ لا يَنْكِحُهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، ثُمَّ قَالَ ابنُ عبَّاسٍ للذِي فَعَلَ ذَلِكَ: (إنَّكَ أَرْسَلْتَ مِنْ يَدِكَ مَا كَانَ لَكَ مِنْ فَضْلٍ) [٢١٠٨] يَقُولُ: أَبَنْتَ زَوْجَتَكَ مِنْكَ، ولَمْ تُمْسِكْهَا، وكَانَتْ في يَدَيْكَ فَضْلًا تَفَضَّلَ اللهُ بِهَا عَلَيْكَ.
* * * стр. 363
بابٌ في طَلاَقِ المَرِيضِ، والمُتْعَةِ، والمَفْقُودِ
* قالَ عِيسَى: مَعْنَى تَوْرِيثِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ زَوْجَةَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ مِنْهُ بَعْدَ طَلاَقِهِ إيَّاهَا [٢١١٣] مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ مَرَضَهِ ذَلِكَ الذِي طَلَّقَهَا فِيهِ.
وقالَ ابنُ أَبِي زَيْدٍ: لَمَّا مَنَعَ النبيُّ ﷺ المَرِيضَ مِنَ الحُكْمِ في ثُلُثَيْ مَالِهِ بِمَا يُنْقِصُ وَرَثَتَهُ مِنْهُ، كَانَ أيضًا مَمْنُوعًا مِنْ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِم وَارِثًا، وكَذَلِكَ مَنَعَ النبيُّ ﷺ الذي قَتَلَ وَلِيَّهُ مِيرَاثَهُ، بِسَبَبِ مَا أَحْدَثَ مِنَ القَتْلِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ المَرِيضُ مَانِعًا لِزَوْجَتِهِ المِيرَاثَ بِمَا أَحْدَثَهُ مِنَ الطَّلاَقِ، ولَا فَرْقَ بَيْنَ وَارِثَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَدْخُلُ في المِيرَاثِ بِوَجْهٍ، فَيُمْنَعُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الوَجْهِ، وآخرُ قَدْ أُخْرِجَ مِنَ المِيرَاثِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الوَجْهِ، فَلَمَّا طَلَّقَ المَرِيضُ امْرَأتَهُ في حَالِ مَرَضِهِ طَمَعًا مِنْهُ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ مِيرَاثِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ ووَرِثَتْهُ، كَمَا طَمَعَ قَاتِلٌ في مِيرَاثِهِ، فَمَنَعَهُ مِنْهُ ﷺ وحَرَمَهُ إيَّاهُ.
قالَ مَالِكٌ: إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ في العِدَّةِ، أَنَّ عِدَّتَها ثَلاَثَةُ قُرُوءٍ، ولَهَا المِيرَاثُ مِنْهُ مَتَى مَا مَاتَ، إلَّا أَنْ يَصِحَّ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ فَلَا تَرِثْهُ.
وقَالَ سُفْيَانُ: تَرِثُهُ مَا دَامَتْ في العِدَّةِ (١).
وقالَ ابنُ أَبِي لَيْلَى: تَرِثُهُ مَا لَمْ تَتَزوَّجْ قَبْلَ مَوْتِهِ.
والعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ على فِعْلِ عُثْمَانَ في زَوْجَةِ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ. стр. 364
قالَ مَالِكٌ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ (١)، إلَّا المُخْتَلَعَةَ، والمُبَارِيةَ، والمُلاَعَنَةَ، والتِّي تُطَلَّقُ قَبْلَ أَنْ تُمَسَّ وقَدْ فُرِضَ لَهَا، ولَيْسَ للمُتَعَةِ عِنْدَنا حَدٌّ غَيْرَ مَا قَالَ اللهُ : ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
قالَ إسْمَاعِيلُ (٢): وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا التُّقَى والإحْسَانُ، ولَكَانَتْ مُرْسَلَةً بِغَيْرِ شَرْطٍ.
وقَالَ غَيْرُهُ: أَعْلَى المُتْعَةِ خَادِمٌ، وأَدْنَاهَا خَاتَمٌ، يُرِيدُ: يُمَتِّعُ بِذَلِكَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، فَيُعْطِيهَا ذَلِكَ إذا طَلَّقَهَا.
* قالَ أَبو المُطَرَّفِ: قَوْلُ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وعَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ في العَبْدِ يُطَلِّقُ الحُرَّةَ تَطْلِيَقَتَيْنِ أنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ [٢١٢٥ - ٢١٢٩]، وهَذا يَرْدُّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: الطَّلَاقُ والعِدَّةُ بالنِّسَاءِ، وَهُو قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، يَقُولُ: إذَا طَلَّقَ العَبْدُ الحُرَّةَ بِتَطْلِيقَتَيْنِ أَنَّها لا تَبِينُ مِنْهُ إلَّا بِثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ (٣).
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: جَعَلَ اللهُ الطَّلاَقَ للرِّجَالِ فقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، فالخِطَابُ للنبيِّ ﷺ ، والمُرَادُ أُمَّتَهُ، وجَعَلَ اللهُ العِدَّةَ للنِّسَاءِ، فَلِذَوَاتِ الحُيَّضِ ثَلاَثَةُ قُرُوءٍ، وَلِذَوَاتِ الحَمْلِ الوَضَعُ، ولليَائِسَةِ مِنَ المَحِيضِ، واللاَئِي لَمْ يَحِضْنَ ثَلاَثَةُ أشْهُرٍ، وللمُتَوفَّى عَنْهُنَ أَزْوَاجَهُنَّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وعَشْرًا، فَصَارَ بهذَا النَّصِّ المَتْلُوِّ الطَّلاقُ للرِّجَالِ، والعِدَّةُ للنِّسَاءِ، وبهِ قَالَ أَهْلُ المَدِينَةِ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: حَكَمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ لامْرَأَةِ المَفْقُودِ بفِرَاقِهِ [٢١٣٤]، لِكَي يَقْطَعَ بذَلِكَ عَنْهَا الضَّرَرَ، وأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَظِرَ أَرْبَعَ سِنِينَ، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، إذا المَرْأَةُ تَبْقَى أَرْبَعَةَ أَعْوَامٍ حَامِلًا، ثُمَّ أَمَرَهَا بِعِدَّةِ المُتَوفَّى عَنْهَا стр. 365
زَوْجُهَا، لِجَوَازِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ تَحِلَّ بَعْدَ ذَلِكَ للأَزْوَاجِ، وإنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ عِدَّتِها فَلَمْ يَدْخُلْ بِها الزَّوْجُ، حتَّى قَدِمَ الغَائِبُ، فأَحَدُ قَوْلِي مَالِكٍ أَنَّ الأَوَّلَ أَحَقُّ بِها، مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا الثَّانِي، قال: ويُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ في الأَرْبَعَةِ الأَعْوَامِ، وتَنْفِقُ هِيَ على نَفْسِهَا في عِدَّةِ الوَفَاةِ، وتكُونُ فيها مُحَدَّاةٌ، ولا يُورَثُ مُالُ المَفْقُودِ حتَّى يَأْتِي عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ مَالاَ يَعِيشُهُ مِثْلُهُ.
стр. 366
تَفْسِيرُ الأقْرَاءِ، والطَّلاَقِ في الحَيْضِ،
وأَمْرِ العِدَّةِ في الحُرَّةِ والأَمَةِ
* مَعْنَى نَهْي النبيِّ ﷺ عَنِ الطَّلاَقِ في الحَيْضِ [٢١٣٩] مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ خِلاَفُ ظَاهِرِ القُرْآنِ، قالَ اللهُ ﵎ في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فأَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ النِّسَاءُ في وَقْتٍ يَبْتَدِينَ فِيهِ بالعِدَّةِ، وهذَا يَدُلُّ على أَنَّ الأقْرَاءَ هِي الأَطْهَارُ، وأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُطَلَّقَ المَرْأةُ في طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ، لِتَعْتَدَّ بهِ في أَقْرَائِهَا.
ومَنْ جَعَلَ الأقْرَاءَ الحَيْضَ واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِما رُوِي عَنِ النبيِّ ﷺ (أَنَّهُ أَمَرَ الحَائِضَ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا) (١)، فَلَيْسَ بِثَابِتٍ، والثَّابِتُ في هَذا حَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ إنْ شَاءَ.
وقَالَ الشَّافِعيُّ: فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ دَلِيلٌ على إبَاحَةِ الثَّلاَثِ في الطَّلاَقِ في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لِعُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدُ، وإنْ شَاءَ أَمْسَكَ"، ولَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا مِنَ الطَّلاَقِ (٢).
قالَ إسْمَاعِيلُ القَاضِي: يُقَالُ للشَّافِعِيِّ: النبيُّ ﷺ يُنْكِرُ على عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ الطَّلاَقَ، وإنَّمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مَوْقِعَ الطَّلاقِ، فَعَلَّمَهُ مَوْضِعَهُ، وكَيْفَ يُوقِعَهُ، ولَمْ يُرِدْ стр. 367
أَنْ يُعَرِّفَهُ عَدَدَ الطَّلَاقِ، إذ كَانَ ابنُ عُمَرَ قَدْ أَصَابَ فِيهِ، ولَا أَحْسَبُ الشَّافِعيَّ يَكُونُ أَعْلَمُ بِهَذا مِنْ عُمَرَ ومِنِ ابنِ عُمَرَ، وقَدْ قَالاَ جَمِيعًا: (مَنْ طَلَّقَ ثَلاَثًا فَقَدْ عَصَى الله) (١)، ولَوْ كَانَ مِنَ السُّنَّةِ إبَاحَةُ طَلاَقِ الثَّلاَثِ في كَلِمَةٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعيُّ لَبَطُلَتِ الفَائِدَةُ في قَوْلهِ ﵎: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: يَعْنِي بهِ الرَّجْعَةَ في العِدَّةِ، وأَيُّ رَجْعَةٍ تَكُونُ بَعْدَ الثَّلاَثِ؟ , إلَّا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (٢).
وقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى قَوْلِ النبيِّ ﵇ لِعُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" أَنَّ المُرَاجَعَةَ تَكُونُ بَعْدَ طَلاَقٍ يُعَدُّ على الزَّوَجِ، وإنْ كَانَ قَدْ أَوْقَعَ طَلاَقَهُ في غَيْرِ مَوْضِعِه، فَدَلَّ هَذا على أَنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ بِسُنَّتِهِ وبِغَيْرِ سُنَّتِهِ، وأَنَّ المُرَاجَعَةَ إنَّما هِي للوَطْءِ، وقَدْ نُهِيَ الرَّجُلُ أَنْ يُطَلِّقَ في طُهْرٍ قَدْ وَطِءِ فِيهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ المُطَلَّقَةَ حِينَئِذٍ لا تَدْرِي بِمَا تَبْتَدِئُ بهِ عِدَّتَها، إنْ كَانَ بالأقْرَاءِ، أو بِوضَعِ حَمْلٍ، ثُمَّ قَالَ أيضًا: (ثُمَّ تَحِيضُ)، فَلَمْ يُبِحْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ في الحَيْضِ الذي وَقَعَ بَعْدَ الطُهْرِ الذي رَاجَعَهَا فِيهِ ووَقَع فِيهِ الوَطْءَ، حتَّى تَطْهُرَ مِنْ ذَلِكَ الحَيِضِ، ثُم إنْ شَاءَ بَعْدُ أَمْسَكَ، وإنْ شاءَ طَلَّقَ، فَيَقَعُ طَلاَقُهُ الآنَ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ.
قالَ عِيسَى: ولَو أَنَّهُ حِينَ ارْتَجَعَهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَمْسَكَهَا حتَّى تَطْهُرَ مِن تِلْكَ الحَيْضَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ولَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَةَ، ويَمْضِي عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، ولَا يُؤْمَرُ بالإرْتِجَاعِ.
قالَ: ومَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ وَهِيَ حَائِضٌ لم يُؤْمَرْ بِرَجْعَتِهَا، وقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وقَدْ أَثِمَ إذا أَبَتَّهَا في الحَيْضِ، ولَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الحَيْضَةِ في عِدَّتِها، وإنَّمَا تَسْتَقْبِلُ العِدَّةَ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ تِلْكَ الحَيْضَةِ التِّي وَقَعَ فِيهَا الطَّلَاقُ.
* وقالتْ عَائِشَةُ -رَحِمَها اللهُ-: (الأقْرَاءُ هِيَ الأَطْهَارُ) [٢١٤٠]، قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمَّا كَانَتِ المَرْأَةُ مُؤْتَمَنَةً على الحَيْضِ والحَمْلِ لِقَوْلِ اللهِ ﵎: стр. 368
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، كَانَ القَوْلُ قَوْلُهَا فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنَ الحَيْضِ والحَمْلِ، إلَّا أَنْ تَدَّعِي مِنْ ذَلِكَ مَالاَ يُعْرَفُ، فَإذا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَادَّعَتِ الحَمْلَ صُدِّقَتْ فِيهِ، مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَانِ الذي يُوشَكُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الذِي طَلَّقَها، وقُدِّرَ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ، فَلَا يَنْفِيهِ الزَّوْجُ حِينَئِذٍ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا باللِّعَانِ، فإذا جَاوَزَ ذَلِكَ خَمْسَ سِنِينَ لَمْ يُلْزَمِ الزَّوْجُ قَوْلَ المَرْأَةِ: إنَّ هذَا الحَمْلُ.
وقالَ ابنُ وَهْبٍ: قُدِّرَ ذَلِكَ سَبْعَةُ أَعْوَامٍ.
قالَ عِيسَى: وكَذَلِكَ الذي يُطَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا لَمْ تَحِضْ مُنْذُ طَلَّقَهَا، وأَنَّهُ مَاتَ في عِدَّتِها، فالقَوْلُ في ذَلِكَ قَوْلُهَا مَا دَامَتْ تُرْضِعُ، ولَها مِيرَاثُهَا مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ مِنهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ ثَلاَثَ حُيَّضٍ، فإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ تَرِثْهُ.
قال عِيسَى: وإذا اعْتَدَّتْ المُتَوفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرا ولَمْ تَحِضْ فِيهَا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ للأَزْوَاجِ، إلَّا أَن تَكُونَ مِمَّنْ تَحِيضُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتْرَتَابُ بارْتفَاعِ حَيْضَتِها، فإنها تَنْتَظِرُ تَمَامَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَقَدْ حَلَّتْ للأَزْوَاجِ، إلَّا أَنْ تَرْتَابَ رِيبَةً مِنْ حِسِّ بَطْنٍ فَتَقْعُدَ، حتَّى تَنْقَطِعَ عَنْهَا الرِّيبَةُ، أَو يَمُرَّ بِها خَمْسُ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ مَاتَ زَوْجُهَا ثُمَّ تَنْكِحَ إنْ شَاءَتْ.
قالَ: وكَذَلِكَ تَفْعَل الأَمَةُ المُتَوفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذا اسْتَرَابَتْ نَفْسَهَا بارْتفَاعِ الحَيْضَةِ أَنَّهَا تَقْعُدُ تَسْعَةَ أَشْهِرٍ، تَعُدُّ ييهَا الشَّهْرَيْنِ والخَمْسَةَ الأَيَّامِ، ثُمَّ تَنْكِحُ إنْ شَاءَتْ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ أَبو عَمْروِ بنُ حَفْصٍ قد طَلَّقَ فَاطِمَةَ بنتَ قَيْسٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ في سَفَرِهِ تَطْلِيَقَتَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّه إليهَا بالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ يَسْكُنُ فِيهِ، فَلِذلِكَ أَبَاحَ لَهَا النبيُّ ﷺ الإنْتِقَالَ في العِدَّةِ مِنْ مَنْزِل إلى منزل [٢١٥٥].
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَخَذَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ،
стр. 369
فَرَخَّصَ لابنةِ عبدِ الرَّحمنِ في الإنْتِقَالِ مِنَ المَكَانِ الذِي طَلَّقَها فِيهِ زَوْجُهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَائِشةَ أَنْكَرَتْ فِعْلَ مَرْوَانَ في ذَلِكَ، وقَالَتْ لَهُ: (اتَّقِ اللهَ، وارْدُدِ المَرْأةَ إلى بَيْتِهَا) [٢١٥٠]، تَعْنِي: البَيْتَ الذِي طَلَّقَهَا فِيهِ زَوْجُهَا، فَاحْتَجَّ عَلَيْهَا مَرْوَانُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لا تَحْتَجَّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ، لأنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، تَعْنِي بِذَلِكَ عَائِشَةُ: أَنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما أَبَاحَ لِفَاطِمَةَ الإنْتِقَالَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُن المَسْكَنُ لِزَوْجِهَا، وإنَّمَا كَانَ لأَهْلِ زَوْجِهَا، وكَانَتْ قَدْ آذَتْهُم بِلِسَانِهَا، فَلِهذَا رَخَّصَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في الإنْتِقَالِ في العِدَّةِ، فقالَ مَرْوَانُ حِينَئِذٍ: (إنْ كَانَ بكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ)، يَعْنِي مَرْوَانُ بِقَوْلهِ هذا: أَنَّ ابنةَ عبدِ الَرَّحمنِ وَقَعَ بَيْنَهَا وبَيْنَ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ نَحْوَ مَا وَقَعَ بَيْنَ فَاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ وبَيْنَ أَهْلِ زَوْجِهَا، فَلِذَلِكَ نَقَلَها مَرْوَانُ مِنْ ذَلِكَ البَيْتِ في العِدَّةِ.
قالَ عِيسَى: لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَرْحَلَ المُعْتَدَّةُ مِنَ المَوْضِعِ الذي طُلِّقَتْ فِيهِ حتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وأَنَّهَا إنْ آذَتْ بِلِسَانِهَا أَهْلَ زَوْجِهَا وتَعَدَّتْ عَلَيْهِم، مُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ، فانْ أَبَتْ أَدَّبَهَا السُّلْطَانُ، ولَمْ يُبَحْ لَها الإنْتِقَالَ حتَّى تَتِمَّ عِدَّتُهَا.
قالَ عِيسَى: والبَدَويَّةُ التي تَنْتَوِي حَيْثُ يَنْتَوِي أَهْلُهَا (١)، فَتَنْتَقِلُ بانْتِقَالِهِم، هُمْ أَهْلُ العُمُودِ و [الشَّعَرِ] (٢) الذِين يَنْتَجِعُونَ المَاءَ والكَلأَ ولا قَرَارَ لَهُم، فالمُعْتَدَّةُ مِنْهُم تَنْتَقِلُ بانْتِقَالِهِم، وأَمَّا أَهْلُ القُرَى فَلَا تَنْتَقِلُ المُعْتَدَّةُ مِنْهُم بِرِحْلَةِ أَهْلِها إذا كَانَ أَهْلُ القَرْيَةِ صَالِحِينَ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: إلَّا أَنْ تَكُونَ بِكْرَاً في حُجُورِهِم، فإنَّهُم يَرْحَلُونَها مَعَهُم.
* قالَ ابنُ وَضَّاحِ: في حَدِيثِ فَاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ سُنَنٌ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ لا نَفَقَةَ للمَبْتُوتَةِ، ومِنْهَا: أنَّهَا اعْتَدَّتْ في غَيْرِ البَيْتِ الذِي طُلِّقَتْ فِيهِ، إذ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا، ومِنْها: أَنَّ المَرْأةَ الصَّالِحَةَ العَجُوزَ يَزُورُهَا الرِّجَالُ، ويُسَلِّمُونَ عَلَيْهَا، كَمَا كَانَ الصَّحَابةُ يَفْعَلُونَ بأُمِّ شَرِيكٍ، ولَذَلِكَ قَالَ ﷺ فِي أُمِّ شَرِيكٍ: "تِلْكَ امْرَأةٌ стр. 370
يَغْشَاهَا أَصْحَابِي" [٢١٥٥] فَرُبَّمَا نَظَرُوا إلى فَاطِمَةَ بِسَبَبِ دُخُولهِم إلى أُمِّ شَرِيكٍ، وفِي هَذا مُبَاعَدَةُ ما بَيْنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ إذا لَمْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي المَحَارِم، وفِيهِ: إبَاحَةُ التَّعْرِيضِ بالنِّكَاحِ في العِدَّةِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ: "إذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي"، وفِيه: أنْ يُذْكَرَ مِنَ الإنْسَانِ عِنْدَ المَشُورَةِ مَا يُعْرَفُ مِنْهُ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "أَمَّا أَبو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِه"، فَحَكَاهُ عَنْهُ أَنَّهُ ضَرُوبٌ للنِّسَاءِ، ومَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ حَالَةً نُسِبَ إليهَا، فَيُقَالُ لَمَنْ كَانَ كَثِيرَ الضَّرْبِ: "لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِه" لأَجْلِ كَثْرَةِ ضَرْبِهِ للنِّسَاءِ، وقَدْ يَذْهَبُ في حَوَائِجِه، ويَتَصَرَّفُ في أُمُورِهِ، وأَمَّا قَوْلُهُ في مُعَاوِيةَ: "إنَّهُ صَعْلُوكٌ" فَلَيْسَتْ هَذِه غِيبَةٌ، لأنَّهُ قَالَها حِينَ مَشُورَةِ فَاطِمَةَ إيَّاهُ في تَزْوِيجِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ الذَيْنِ خَطَبَاهَا في وَقْتٍ وَاحِدٍ، والمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ، فَعَلَيْهِ النُّصْحُ، وفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ تَزْوِيجُ المَوَالِي القُرَشِيَّاتِ، وكَانَتْ فَاطِمَةُ قُرَشِيَّهً وأُسَامَةُ مَوْلَى.
قالَ [أبو] (١) المُطَرِّفِ: قَالَ سُفْيَانُ: للمُطَلَّقَةِ المَبْتُوتَةِ النَّفَقَةُ والسُّكْنَى على زَوْجِهَا الذي طَلَّقَهَا، وشَبَّهَهَا سُفْيَانُ بالحَامِلِ.
وقالَ إسْمَاعِيلُ: لَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ، لأن اللهَ يَقُولُ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ثُمَّ قَالَ ﵎: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فإنْ كَانَتِ النَّفَقَةُ تَجِبُ كَمَا تَجِبُ السُّكْنَى لمَا كَانَ للإخْتِصَاصِ مَعْنَى، فَوَجَبَ بِهَذا النَصِّ أنَّهَا الحَامِلُ التِّي لا يَمْلِكُ زَوْجُهَا رَجْعَتَها، وأَمَّا التِّي يَمْلِكُ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا فَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ في العِدَّةِ، حَامِلًا كَانَتْ أو غَيْرَ حَامِلٍ.
" قالَ مَالِكٌ: إذا طَلَّقَ العَبْدُ الأَمَةَ ثُمَّ عُتِقَتْ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الأَمَةِ، لَا تَنتقِلُ إلى عِدَّةِ الحُرَّةِ [٢١٥٨].
وقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ: إنَّها تَنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الحُرَّةِ. стр. 371
قالَ مَالِكٌ: فإنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ في عِدَّتِهَا ولَمْ تَخْتَرْ فِرَاقَهُ بعدَ عِتْقِهَا حتَّى مَاتَ، اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرا مِنْ يَوْمِ مَاتَ.
قالَ أَبوالمُطَرِّفِ: إنَّما انْتَقَلَتْ في الوَفَاةِ إلى عِدَّةِ الحُرَّةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمَّا أُعْتِقَتْ وَهِيَ في العِدَّةِ كَانَ لَهَا أَنْ تَبِينَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَلَمَّا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فقدْ أَبْقَتْ نَفْسَهَا زَوْجَةً لَهُ، فَلَمَّا توفي وَهِيَ في عِدَّتِها لَزِمَهَا عِدَّةُ الحُرَّةِ في الوَفَاةِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا جُعِلَتْ عِدَّةُ المُسْتَحَاضَةِ سَنَةً، لِتَكُونَ مِنْهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ للحَمْلِ، ثُمَّ ثَلاَثَةً عِدَّةً، إلَّا أنْ تَسْتَرِيبَ نَفْسَهَا، فتَقْعُدُ حتَّى تَذْهَبَ عَنْهَا الرِّيَبةُ إلى أَقْصَى مَا يَجْلِسُ لَهُ النِّسَاءُ في الحَمْلِ، وقِيلَ في المُسْتَحَاضَةِ التِّي تُفَرِّقُ بينَ دَمِ الإسْتِحَاضَةِ ودَمِ الحَيْضِ، أنَّهَا تَعْتَدُ كَعِدَّةِ غَيْرِ المُسْتَحَاضَةِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا أَسْلَمَتِ المَرْأةُ وزَوْجُهَا كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ في العِدَّةِ، وإنْ تَزَوَّجَها بعدَ زَوْجٍ لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ طَلاَقًا.
[أبو المُطَرِّفِ]: قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لا يُلْزَمُ الطّلَاقُ إلَّا في النِّكَاحِ المُنْعَقِدِ على شَرِيعَةِ الإسْلاَمِ، ونِكَاحُ المُشْرِكِ لا يُقَالُ فِيهِ صَحِيحٌ ولَا فَاسِدٌ، لأنَّ الصَّحِيحَ مِنَ النِّكَاحِ مَا صَحَّ بِشَرِيعَةِ الإسْلاَمِ، والفَاسِدُ مِنْهُ مَا فَسَدَ بِشَرِيعَةِ الإسْلاَمِ، فَلِهَذا لا يُعَادُ مِنَ الطَّلَاقِ مَا وَقَعَ في حَالِ الكُفْرِ.
* قالَ أَصْبَغُ: إذا عَقَدَتْ امْرَأةٌ نِكَاحَ امْرَأةٍ فُسِخَ النِّكَاحُ، وإنْ مَاتَا قَبْلَ الفَسْخِ لَمْ يَتَوارَثَا، ولَيْسَ العَمَلُ في هذَا على تَزْوِيجِ عَائِشَةَ لِبِنْتِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ زَوَّجَتْهَا وأَبُوهَا غَائِبٌ [٢٠٤٠]، لأَنَّ اللهَ خَاطَبَ الأَوْلِيَاءَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقالَ ﵎: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فَخَاطَبَ ذُكُورَ الأَوْلِيَاءِ، ولِهَذا قالَ مَالِكٌ: إنَ المَرْأةَ لَا تَكُونُ [وَصِيَّةً لِعَقْدِ] (١) النِّكَاحِ، إلَّا стр. 372
أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً، فإنها تُقَدِّمُ رَجُلًا على عُقْدَةِ النِّكَاحِ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا فَعَلَتْ [ذَلِكَ عَائِشَةُ] (١) لأَنَّهَا كَانَتْ شَيْخَةَ أَهْلِهَا، ولِمَكَانَتِهَا مِنَ النبيِّ ﷺ .
قولُ مَالِكٍ: تُمْنَعُ المُعْتَدَّةُ مِنَ [السَّفَرِ] (٢) إلى الحَجِّ.
[أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّما هذَا مَا لَمْ تُحْرِمْ بالحَجِّ، فأَمَّا إذا أُحْرِمَتْ فإنَّهاْ تَتَمَادَى في سَفَرِهَا حتَّى تَقْضِي [حَجَّهَا، فإذا] (٣) كَانَتْ وَفَاةَ زَوْجِهَا بَعْدَما نَفَدَتْ في سَفَرِهَا، وكَانَتْ بِمَوضِع قَريبٍ مِنْ بَلَدِهَا لَيْسَ عَلَيهَا في [الرُّجُوعِ] إلى مَنْزِلها مَؤنَةً، فإنها تَرْجِعُ تَعْتَدُّ في بَيْتِهَا، فإنْ كَانَ المَكَانُ الذي توفي فِيهِ زَوْجُهَا بَعِيدٌ [لا تَرْجِعُ] (٤) لَها نَفذَتْ لِحَجِّهَا، وتَعْتَدُّ به مِنْ يَوْمِ مَاتَ زَوْجُهَا، فإذا رَجَعَتْ إلى بَيْتِهَا أَقَامَتْ فِيهِ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا [....] (٥) وقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا بقِيَّةٌ مِنَ العِدَّةِ.
" قالَ أبو مُحَمَّدٍ: كَانَ بَعْضُ أَهْلِ المَدِينَةِ يَقُولُ في أُمِّ الوَلَدِ إذا [تُوفِّي عَنْها] (٦) سَيِّدُهَا، أنَّهَا تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرَا، وبهِ قَالَ يَزِيدُ بنُ عبدِ المَلِكِ [٢١٩٩].
فَسَأَلْتُهُ عَنْ رِوَايةِ مَطَرٍ [الوَرَّاقِ] (٧) عَنْ رَجَاءِ بنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَبيصَةَ، عَنْ عَمْروِ بنِ العَاصي أَنَّهُ قالَ: (لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنا، عِدَّتُهَا [عِدَّةُ المُتَوفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعْشَرَا]) (٨)، قالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذِه قَصَّةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، ولَمْ يُدْرِكْ مَطَرُ الوَرَّاقُ رَجَاءَ بنَ حَيْوَةَ. стр. 373
* وقَدْ أَنْكَرَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ فِعْلَ يَزِيدِ بنِ عبدِ المَلِكِ في ذَلِكَ [٢١٩٩].
* وقالَ ابنُ عُمَرَ: عِدَّتُها إذا توفي عَنْهَا سَيِّدُها حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ [٢٢٠٠].
قالَ أَبو حَنِيفَةَ: عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ إذا توفي عَنْهَا سَيِّدُهَا بِثَلاَثِ حُيَّضٍ (١).
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمَّا لَمْ تَكُنْ الأمُّ وَلَدٍ مِنَ الزَّوْجَاتِ المُطَلَّقَاتِ لَمْ تُؤْمَرْ إذا توفي سَيِّدُها بِثَلاَثِ حُيَّضٍ، ولَمَّا لَمْ تَكُنْ مِنَ الزَّوْجَاتِ المُتَوفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجِهُنَّ لَمْ تُؤْمَرْ بِعِدَّةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وعَشْرَا، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً ولا مُتَوفَّى عَنْهَا زَوْجُها أُمِرَتْ أَنْ تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ كَمَا يُفْعَلُ بِها في البَيْع، فَإنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، إلَّا أَنْ تَسْتَرِيبَ نَفْسَهَا فتَقْعُدُ حتَّى تَذْهَبَ الرِّيبَةُ، إلَّا أَنْ يَأْتِي عَلَيْهَا مِنَ الزَّمَانِ مَا لَا تَكُونُ حَامِلًا في مِثْلِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بَرَاءَةٌ لَها، وتَنْكِحُ إنْ شَاءَتْ.
قالَ عِيسَى: إذا تَزَوَّجَتِ الأُمُّ وَلَدٍ بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدُها قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً، فَوَطِئَها الزَّوْجُ فإنها يُفَرَّقُ بَيْنَهَما، ولَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَهُوَ كَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأةً في عِدَّتِهَا وَوَطِئَها فِيها.
وقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَحْرُمُ بِذَلِكَ الوَطْءِ، لأَنَّهَا لَيْسَتْ بَعْدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ، وإنَّمَا هِيَ عِدَّةٌ مِنْ مِلْكِ اليَمِينِ.
قالَ عِيسَى: على الأُمَّةِ المُتَوفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عِدَّةُ الوَفَاةِ، لأَنَّهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ المُتَوفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، إلَّا أَنْ عِدَّتَها في الوَفَاةِ شَهْرَانِ وخَمْسَ لَيَالٍ، وعِدَّتُها في الطَّلَاقِ قُرَآنِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ القُرْءَ الوَاحِدَ لا نِصْفَ لَهُ ولا يَتَبَعَّضُ، فإنَّما عَلَيْهَا قُرَآنِ، وقالَ اللهُ ﵎ في الإمَاءِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فَلَمَّا كَانَ عَلَيْهَا نِصْفُ حَدِّ الحُرَّةِ كَانَتْ عِدَّتُهَا مِثْلَ نِصْفِ عِدَّةِ الحُرَّةِ.
* * * стр. 374
بابُ الحَكَمَيْنِ، إلى آخِرِ بَابِ الطَّلَاقِ .
قالَ عِيسَى: لَو أَنَّ رَجُلًا وامْرَأتهِ اشْتَكَيَا إلى السُّلْطَانِ، وكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ صَاحِبَهُ مُضِرٌّ بهِ فلَمْ يَتَبَيَّنْ للسُّلْطَانِ مَنِ النَّاشِزِ مَنْهُمَا، والنَّاشِزُ مِنْهُمَا هُوَ المُبْغِضُ المُسِيءُ الصُّحْبَةِ لِصَاحِبهِ، فإذا جُهِلَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمَا وَجَبَ على السُّلْطَانِ أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا صَالِحَاً مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَةِ، وآخَرَ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجِ، فَيُحَكِّمُهُما بَيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلِ وامْرَأَتهِ، ويُفَوِّضُ إليهِما أَمْرَهُمَا، فَمَا رَأَيا مِنْ فرْقَةٍ بَيْنَهُمَا أو اجْتِمَاعٍ أَنْفَذَاهُ بَيْنَهُمَا، وَينْبَغِي للحَكَمَيْنِ أَنْ يَسْأَلاَ أَهْلَ المَعْرِفَةِ بِهِما، ويَكْشِفَانِ عَنْ أُمُورِهِما، فإذا بَلَغَا في الكَشْفِ عَنْهُمَا أَكْثَرَ مَا يَسْتَطِيعَانِ مِنْ ذَلِكَ حَكَمَا بَيْنَهُمَا ولَزِمَهُمَا ذَلِكَ، وإنْ رَأَيَا أنْ يُفَرَّقَا بَيْنَهُمَا على أَلاَّ يَأخُذَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبهِ شَيْئًا فَعَلاَهُ، وإنْ رَأَيا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنَ المَرْأَةِ شَيْئَاً ويُطَلِّقَاهَا عَلَيْهِ فَعَلاَ، وإنْ رَأَيَا أَنْ يُقِرَّاهُمَا على نِكَاحِهِما فَعَلاَ، فإنْ رَأَيَا أَنْ يُطَلِّقَاهَا عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ فَعَلاَ، ولَا يُطَلِّقَاهَا عَلَيْهِ بأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ في قَوْلِ ابنِ القَاسِمِ.
وقالَ أَشْهَبُ: مَا طَلَّقَا بهِ مِنْ وَاحِدَةٍ أَو ثَلاَثٍ لَزِمَ الزَّوْجَ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ لُبَابَةَ (١) أنَّهُ كَانَ إذا ذُكِرَ لَهُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا شَكَا بَعْضَهُمَا بَعْضَا إلى الحَكَمِ أَنَّهُ يَنْبَغِي للحَكَمِ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُمَا أَمِينًا، أو في دَارٍ أَمِينٍ، وُيخْبِرُ الأَمِينُ الحَكَمَ بِمَا يَبْدُو لَهُ مِنْ أُمُورِهَما. стр. 375
فَكَانَ أَبو مُحَمَّدٍ يَقُولُ: لَسْتُ أَرَى هَذا إلَّا مَا قَالَ اللهُ ﵎: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمَّا كَانَ النِّكَاحُ مِنَ الطِّيِّبَاتِ التِّي أَبَاحَها اللهُ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ أَحَدٌ على نَفْسِهِ بِقَوْلهِ: كُلُّ امْرَأةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، لَمْ يُلْزَمْ قَائِلُ ذَلِكَ شَيءٌ، لأَنَّهُ حَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللهُ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، وأَمَّا إذا سَمَّى قَبِيلَة بِعَيْيها، أَو ضَرَبَ أَجَلًا يَبْلَغُهُ عُمُرَهُ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ فِيمَا عَيَّنَ، والأَجَلُ الذي ضَرَبَهُ، إلَّا أَنْ يَضْرِبَ أَجَلًا بَعِيدًا لَا يَبْلُغُهُ عُمُرَهُ.
[كان] (١) ابنُ القَاسِمِ يَقُولُ: يَتَزَوَّجُ، لأَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ أَجَلًا بَعِيدًا لا يَبْلُغُهُ عُمُرَهُ فَقَدْ قَصَدَ إلى تَحْرِيمِ مَا أَحَل اللهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللهَ، وتَزَوَّجْ، ولَا شَيءَ عَلَيْكَ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا حُكِمَ للمَرْأةِ [على] (٢) العِنِّينِ بالفِرَاقِ بعدَ أَنْ ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ يُعَاب فِيهَا نَفْسَهُ، لِكَي يَقْطَعَ عَنْهَا الضَّرَرَ بامْتِنَاعِهِ مِنَ الوَطْءِ، وفِرَاقُهُ تَطْلِيقَةٌ، تَمْتَلِكُ بها المَرْأةُ أَمْرَ نَفْسِهَا، وأَمَّا إذا حَدَثَ بالزَّوْجِ العِنَّةَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِها وَوَطْئِهِ إيَّاهَا، لَمْ يُفَرَّقْ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا، لأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ عِنْدَها لَمْ يُغِرْهَا بهْ الزَّوْجُ مِنْ نَفْسِهِ.
* قالَ الأَبْهَرِيُّ: أَمْرُ النبيِّ ﷺ مَنْ أَسْلَمَ وعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ويُفَارِقُ سَائِرُهُنَّ [٢١٧٩]، وأَمَرَ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيَّ حِينَ أَسْلَمَ وتَحْتَهُ اخْتَانِ أنْ يَخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، ويُفَارِقُ الأُخْرَى (٣)، ومَعْلُومٌ أَن الإخْتِيَارَ قَدْ يَكُونُ стр. 376
بَيْنَ الأَوَاخِرِ والأَوَائِلِ، ولَوْ كَانَ الاخْتِيَارُ على التَّرْتِيبِ الأُولَى فالأُولَى لَزَالَ مَعْنَى الإخْتيَارِ الذي أَمَرَهُ بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
* قَالَ عِيسَى: إنَّمَا قِيلَ لِثَابِتٍ الأَحْنَفُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ مِعْوَجَّ السَّاقَيْنِ، ولَمْ يَرَ عَلَيْهِ ابنُ عُمَرَ طَلاَقًا [٢١٨١]، لأنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مُكْرَهًا حِينَ خَشِيَ على نَفْسِهِ الضَّرْبَ، ولَمْ يَكُنْ له قَصْدٌ إلى الطَّلَاقِ بِنِيَّةٍ ولا إرَادَةٍ، وكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مُكْرَهٍ على الطَلاَقِ لا يَلْزَمُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الكُفْرَ مَنْ أُكْرِه عَلَيْهِ، والسَّكْرَانُ بخِلاَفِ ذَلِكَ، يُنْفَذُ عَلَيْهِ طَلاَقُهُ، ويَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وتَلْزَمُهُ جَمِيعُ الأَحْكَامِ، وذَلِكَ أَنَّهُ أَدْخَلَ السُّكْرَ على نَفْسِهِ، والقَلَمُ جَارٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِخِلاَفِ المَغْلُوبِ على عَقْلِهِ.
وقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: إلَّا مَا بَاعَهُ مِنْ عُرُوضِهِ في حَالِ سُكْرِه، فَادَّعَى حِينَ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ مَا بَاعَ، ويَتَبَيَّنُ قَدْرَ مَا ادَّعَاهُ منْ ذَلِكَ، فَبَيْعُهُ يُنْقَضُ، ويُحَدُّ ثَمَانِينَ لِشُربِ الخَمْرِ.
* ورَوَى يحيى عَنْ مَالِكٍ في قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: (يا أَيُّها النبيُّ إذا طَلَّقْتُم النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) قالَ يحيى: قالَ مَالِكٌ: يَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ في كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً [٢١٨٢] (١).
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَرْوِ عَنْ مَالِكٍ هذَا التَّفْسِيرَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَّا يحيى بنُ يحيى.
قالَ ابنُ أَبِي زيدٍ: كَانَ أَشْهَبُ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ في كُلِّ طُهْرٍ مَرَّة مَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا في خِلاَلِ ذَلِكَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُطَلَّقَهَا ثَانِيَةً، فَلَا يَسَعْهُ ذَلِكَ، لأنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُطَوِّلَ علَيْهَا العِدَّةَ، فإذا لَمْ يَرْتَجِعْهَا فلَا بَأْسَ أَنْ يُطَلِّقَهَا في كُلِّ طُهْرٍ مَرَّة.
وأَنْكَرَ هذَا غَيْرُ أَشْهَبَ وقَالَ: إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ في كُلِّ طُهْرٍ مَرَّة، وَقَعَ стр. 377
بَعْضُ طَلاَقِهِ إيَّاهَا بِغَيْرِ عِدَّة كَامِلَةٍ، وذَلِكَ أَنَّهُ تَقَعُ للطَّلْقَةِ الأُولَى عِدَّةٌ كَامِلَةٌ، وتَقَعُ للطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الأقْرَاءِ قُرآنِ، وتَقَعُ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الأقْرَاءِ قُرءٌ، فَيَقَعُ ذَلِكَ بِخِلاَفِ مَا قَالَ اللهُ : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فلِهَذا لا يَنْبَغِي أَنْ يُطَلِّقَها في كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً.
* قالَ ابنُ أَبِي زَيْدٍ: في حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأَصْحَابهِ حِينَ سَأَلُوا النبيَّ ﷺ عَنِ العَزْلِ، وقَالُوا لَهُ: أنَّا نُحِبُّ العَزْلَ، وقالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا" [٢٢٠٦]، يَعْنِي: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَعْزِلُوا [عَنْ] (١) إمَائِكُم عِنْدَ وَطْئِكُم إيَّاهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ إلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ"، فَدَلَّ هذَا على أَنَّ الوَلَدَ قَدْ يَكُونُ مَعَ العَزْلِ، ولِهذَا قَالَ الفُقَهَاءُ فِيمَنْ أَقَرَّ بِوَطءِ أَمَتِهِ، وادَّعَا أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْها مَاءَهُ، أَنَّ الوَلَدَ لا حَقَّ بهِ، إذ قَدْ يَغْلِبُهُ المَاءُ أَو بَعْضُهُ.
" وقَوْلُهُم: (إنا نُحِبُّ الأثْمَانَ فِيهِ) (٢)، دَلِيلٌ على أَنَّ الأَمَةَ إذا حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدَها أَنَّهُ لاسَبِيلَ لَهُ إلى بَيْعِها، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ في أُمِّ إبْرَاهِيمَ: "أعْتَقَهَا وَلَدُهَا" (٣)، وقَدْ قَضَى عُمَرُ ﵁ في الأَمَةِ إذا حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِها أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا [٢٨٧١]، فإذا وَضَعْتْ فِهَيَ على ذَلِكَ الأَصْلِ في مَنْعِ بَيْعِها، وعلى هذا اتَّفَقَ المُهَاجِرُونَ والأَنْصَارُ بالمَدِينَةِ، ويُذْكَرُ عَنْ عليِّ بنِ أبي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ رَخَّصَ بالكُوفَةِ في بَيْع أُمِّ الوَلَدِ، فَقَامَ إليه عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، فقَالَ لَهُ: (يا أَمِيرُ المُؤْمِنينَ، رَأْيُكَ في الجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلينا مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ) (٤)، وذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا وَافَقَ أَصْحَابَهُ بالمَدِينَةِ على المَنْعِ مِنْ بَيْعِ أُمِّ الوَلَدِ، فَلِهَذا قَالَ عَبِيدَةُ هذَا القَوْلَ. стр. 378
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ سَبْيُ بَنِي المُصْطَلِقِ الذِي سَبَاهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ اللَّوَاتِي لا يَجُوزُ وَطْئَهُنَّ الآنَ بمِلْكِ اليَمِينِ، وإنَّما أَبَاحَ النبيُّ ﷺ وَطْأَهُنَّ لأَصْحَابهِ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُوَلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢]، يَعْنِي: المُشْرِكَاتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الكِتَابِ، فَهَؤُلاَءِ لَا يُوطَئْنَ الآنَ بِمِلْكِ يَمِينٍ، ولَا نِكَاحَ حتَّى يُسْلِمْنَ، لأَنَّ هذه الآيةَ حَرَّمَتْ وَطْءَ المَجُوسِيَّاتِ والوَثَنِيَّاتِ، بِخِلاَفِ الكِتَابِيَّاتِ.
قالَ مَالِكٌ: مَنْ أَقَرَّ بِوَطءِ أَمَتِهِ ثُمَّ ظَهَرَ بِها حَمْلٌ فأَنْكَرَهُ وادَّعَى العَزْلَ، أَنَّ الوَلَدَ يَلْزَمُهُ، فإنْ أَنْكَرَ الوَطْءَ جَمْلَةً وَاحِدَةً ونَفَى عَنْ نَفْسِهِ الوَلَدَ لَمْ يَلْزَمْهُ.
قُلْتُ لأَبي مُحَمَّدٍ: هَلْ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ؟ فقالَ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وقَدْ عُرِضْتْ هذِه القِصَّةُ لِزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ فَلَمْ يَحْلِفْ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وَجْهُ كَرَاهِيَةِ ابنِ عُمَرَ للعَزْلِ هُوَ أَنَّ المَاءَ يَكُونُ مِنْهُ الوَلَدُ، فَإذا عَزَلَهُ الرَّجُلُ فَقَدْ أَعَانَ على تَلَفِ الوَلَدِ، وأَجَازَ ذَلِكَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وابنُ عبَّاسٍ، وأَبَاحَهُ النبيُّ ﷺ ، وقَالَ: "إنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مَعَ العَزْلِ" (١) [٢٢٠٩ - ٢٢١١].
قالَ عبدُ الرَّحمنِ: إنَّما لَمْ يَجُزْ للرَّجُلِ أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الحُرَّةِ إلَّا بإذْنِهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا إتما نُكِحَتْ رَغْبَةً في الوَلَدِ، ولَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الأَمَةِ إلَّا بإذنِ سَيِّدَها، لأَنَّهُ إنَّما أَنْكَحَهُ إيَّاهَا سَيِّدُها طَلَبًا للنَّسْلِ ورَغْبَةً في الوَلَدِ.
قالَ مَالِكٌ: لَيْسَ تَرْكُ الطِّيبِ على المَرْأَةِ في مَوْتِ أَبيِها وأَخِيهَا بِوَاجِبٍ، وإنْ تَرَكَتْهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
* قَوْلُ زَيْنَبَ: (كَانَتِ المَرْأَةُ في الجَاهِليَّةِ إذا توفي عَنْها زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا) [٢٢١٧]، تَعْنِي بالحِفْشِ: البَيْتَ الحَقِيرِ أَو الخُصِّ، (وتَلْبَسُ شَرَّ ثِيَابِهَا) حُزْنًا مِنْهَا على زَوْجِهَا. стр. 379
ومَعْنَى [قَوْلِهِا] (١): (فَتَفْتَضُّ بهِ)، يَعْنِي: أَنَّها كَانَتْ تُؤْتَى بَعْدَ العَامِ بِطَائِرٍ أَو شَبَهِهِ، فَتَمْسَحُ بهِ جِسْمَهَا لِيُزِيلَ التَّفَلَ الذي كَانَ يَجْتَمِعُ عَلَيهَا (٢)، والوَسَخَ في طُولِ العَامِ، فقلَّمَا كَانَتْ تَتمَسَّحُ بِشِيءٍ إلَّا مَاتَ مِنْ نَتَنِ رِيحِها، ثُمَّ تُؤتَى بِبَعْرَةٍ فَتَرمِي [بهِا] (٣) مِنْ وَرَائِها، تُرَيدُ بذَلِكَ أنَّها قَدْ رَمَتْ بالعِدَّةِ ورَاءَ ظَهْرِها كَمَا رَمَتْ بالبَعْرَةِ، فَعَوَّضَ اللهُ المُسْلِمَاتِ مِنْ هذَا كُلِّه أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرَا، فالذي تَجْتَنِبُهُ الحَادُّ على زَوْجِها المَيِّتِ الطِّيبَ كُلَّهُ، والحُلِيَّ، والزِّينَةَ، ولا تَلْبسُ عَصْبًا، وَهِي ثِيَابُ اليَمَنِ المُلَوَّنةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَصْبًا غَلِيظَاً، ولَا مَصْبُوغَاً إلَّا بالسَّوَادِ، ولا تَمْتَشِطُ بِما يَخْتَمِرُ في رَأْسِهَا.
واخْتُلِفَ في إحْدَادِ الكِتَابِيَّةِ على زَوْجِهَا المُسْلِمِ، فقالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: عَلَيْهَا الإحْدَادُ.
وقالَ أَشْهَبُ وابنُ نَافِعٍ: لا إحْدَادَ عَلَيْهَا إذا توفي زَوْجَها المُسْلِمُ، وكُلُّهم يَرْوِيِه عَنْ مَالِكٍ.
* * *
تَمَّ الكِتَابُ بِحَمْدِ اللهِ، وحُسْنِ عَوْنِه، وتَأْييدِه ويُمْنِهِ
وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا
يَتْلُوهُ كِتَابُ الرَّضَاعِ إنْ شَاءَ اللهُ
* * * стр. 380
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا
تفسير كتاب الرضاع
* قَوْلُ عَائِشَةَ -رَحِمَها اللهُ-: "جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ لِيَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فقالَ: إنَّهُ عَمُّكِ، فَأْذَنِي لَه" [٢٢٣٤]، وقَوْلُهَا: "إنَّما أَرْضَعْتَنِي المرْأةُ، ولَمْ يُرْضعْنِي الرَّجُلُ"، تُرِيدُ: إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي زَوْجَةَ أَخِي هذَا الرَّجُلِ، ولمْ يُرْضِعْنِي هُوَ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلجْ عَلَيْكِ".
قالتْ عَائِشَةُ: "وذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الحِجَابُ"
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: فِي هَذا الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ اللَّبَنَ الذِي يَجِدُهُ هُوَ مِنْ قِبَلِ الفَحْلِ، وأَنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وبِهَذا قالَ ابنُ عبَّاسٍ: (إنَّ الرَّضَاعَ للرَّجُلِ خَرَجَ مِنْ ذَكَرٍ وَاحِدٍ)، يَعْنِي: أَنَّ المَرْأةَ التِّي أَرْضَعَتْ صَبيًا أو صَبِيَّةً لِغَيْرِها إنَّمَا أَرْضعَتْهُ مِنْ لَبَنِ زَوْجهَا، فَصَارَ المُرْضِعُ ابنَا لهَا بِذَلِكَ الرَّضَاعَ، وصَارَ زَوْجُهَا وَالِدُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فاللَّبَنُ هُوَ لَبَنُ الفَحْلِ.
وكَانَ الحَسَنُ يَقُولُ: (اللَّبَنُ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ)، وكَانَ لا يَرَى لَبَنَ الفَحْلِ يَحْرُمُ، [و] (١) حَدِيثُ عَائِشَةَ -رَحِمَها اللهُ- يَرُدُّ قَوْلَهُ.
وقَوْلُها: "وذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الحِجَابُ"، تَعْنِي: بعدَ أَنْ أَمَرَ اللهُ ﵎ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْمُرَ نِسَاءَهُ أَنْ يَحْتَجِبْنَ مِنْ غَيْرِ ذَوِي المَحَارِمِ بِقَوْلهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. стр. 381
* قَوْلُ مَالِكٍ: مَا كَانَ مِنَ الرَّضَاعِ في الحَوْلَيْنِ فإنه يُحَرِّمُ، وإنْ كَانَتْ مَصَّةً وَاحِدَةً، وبِهَذا قالَ ابنُ عبَّاسٍ [٢٢٣٦].
وقالَ ابنُ أَبِي زَيْدٍ: أَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ وغَيْرُهُم أَنَّ المَصَّةَ الوَاحِدَةَ رَضَاعٌ.
وقَوْلُ النبيِّ ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" [٢٢٥١] لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيتٌ لِعَدَدِ الرَّضَاعِ، ومَنْ قَالَ بَعْدَ خَمْسِ رَضَعَاتِ يُحَرِّمْنَ، ونَسَبَهُ إلى القُرْآنِ، فالقُرْآنُ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، ولِذَلِكَ قالَ مَالِكٌ: لَيْسَ على هذا الحَدِيثِ العَمَلُ.
قالَ ابنُ أَبِي زَيْدٍ: وأَمَّا حَدِيثُ "لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولَا المَصَّتَانِ" فَحَدِيثٌ مَعْلُولٌ، يُرْوَى عَنِ [ابنِ] (١) الزُّبَيْرِ عَنِ النبيِّ ﷺ ، ولَمْ يَسْمَعْهُ ابنُ الزُّبَيْرِ مِنَ النبيِّ ﷺ (٢)، وإنَّمَا يَرْويهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ (٣)، وقَدْ رُوِي أَيْضًا عَنْ أُمِّ الفَضْلِ ابنةِ [الحَارِثِ] (٤) أَنَّهَا قَالَتْ: ([لا] تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتَانِ) (٥)، وقَدْ стр. 382
رُوِي أيضًا عَنْ ابنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: (لا تُحَرِّمُ إلَّا [سَبْعُ] (١) رَضَعَاتٍ) (٢).
قالَ ابنُ أَبِي زَيْدٍ: فهَذا كُلُّهُ يُضْعِفُ حَدِيثَ: (لَا تَحْرُمُ المَصَّةُ ولَا المَصَّتَانِ)، وقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ: (لَا تَحْرُمُ إلَّا عَشْرُ رَضَعَاتٍ)، وأَرْسَلَتْ سَالِمَ بنَ عبدِ اللهِ إلى أُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ أَبِي بَكْرٍ، فقَالَتْ: (أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ حتَّى يَدْخُلَ عليَّ إذا كَبِرَ)، لِكَي تَكُونَ خَالَتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَأَرْضَعَتْهُ أُمُّ كُلْثُومٍ ثَلاَثَ رَضَعَاتٍ، فَكَانَ سَالِمٌ لا يَدْخُلُ علَى عَائِشَةَ إلَّا وبَيْنَهُ وبَيْنَها حِجَابٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمْ تُتِمَّ لَهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ [٢٢٣٩].
" قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: (كُلُّ مَا كَانَ في الحَوْلَيْنِ مِنَ الرَّضَاعِ وإنْ كَانَتْ قَطْرَةً فَهُو يُحَرِّمُ، ومَا كَانَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ مِنَ الرَّضَاعِ فإنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُه المُرْضِعُ) [٢٢٤٢]، يُرِيدُ: أنَّهُ لَا يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ الذي يَكُونُ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ كَمَا لَا يُحَرِّمُ الطَّعَامُ.
وقالَ مَالِكٌ: مَا زَادَ على الحَوْلَيْنِ بالشَّهْرِ ونَحْوِه فإنَّهُ يُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ في الحَوْلَيْنِ، ومَا زَادَ على ذَلِكَ فلَا يُحَرِّمُ (٣).
قالَ ابنُ أَبِي زَيْدٍ: أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ مَالِكٍ هَذه القَوْلَةَ، واحْتَجُّوا بأن اللهَ ﵎ قالَ: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] في الرَّضَاعِ، وقالَ: والآيةُ مُحْتَمِلَةٌ لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وذَلِكَ أَنَّ اللهَ لَمَّا قَالَ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ دَلَّ على أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُتِمَّهَا أَنَّ стр. 383
الحَدَّ لَهُ دُونَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ، فَلَمَّا كَانَ للأَبَوَيْنِ الفِصَالُ مِنَ الحَوْلَيْنِ بالإجْتِهَادِ كَانَ لَهُمَا الزِّيَادَةُ على الحَوْلَيْنِ بالإجْتِهَادِ، ولَمْ يَصْلُحْ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةَ، فَصَيَّرَ الأَغْلَبَ مِنْ قِوَامِ بَدَنِ المُرْضِعِ الطَّعَامَ دُونَ اللَّبَنِ، وقدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" (١)، يَعْنِي: أَنَّها تَسُدُّ جُوعَ المُرْضِع، فإذا كَانَتِ الزِّيَادَةُ قَرِيبَةَ مِنَ الحَوْلَيْنِ كَانَ الحُكْمُ مَا أَرْضَعَ في تِلْكَ الزّيَادَةِ حُكمَ مَا أُرْضِعَ في الحَوْلَيْنِ.
وقالَ بَعْضُ أَهْلِ الكُوفَةِ (٢): يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ على الحَوْلَيْنِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَيَكُونَ حُكْمُ مَا أُرْضِعَ في هَذِه الزِّيَادَةِ على الحَوْلَيْنِ حُكْمَ مَا أُرْضِعَ في الحَوْلَيْنِ، والذِي قَالَهُ مَالِكٌ عليهِ أَهْلُ المَدِينَةِ.
* قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: لا رَضَاعَةَ لِكَبِيرٍ، وأَمَرَ الرَّجُلَ الذِي أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ جَارِيتَهُ طَمَعَا مِنْها أَنْ تَصِيرَ لَهَا [ابنَتَها] (٣) فَتُحَرِّمَها بِذَلِكَ على زَوْجِهَا، فأَمَرَ بِضَرْبِ زَوْجَتِهِ، لِزَعْمِهَا أَنَّها تُحَرِّمُ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ ﵎، ولَا رَسُولُهُ ﵇[٢٢٤٨].
وقَدْ ظَنَّ أَبو مُوسَى أَنَّ الرَّضَاعَةَ في الكِبَرِ تُحَرِّمُ، فَاَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ، وقَالَ: (لَا رَضَاعَةَ إلَّا مَا كَانَ فِي الحَوْلَيْنِ)، ومَا كَانَ مِنْهَا في حَالِ الكِبَرِ، فَلَا يَقَعُ بهِ التَّحْرِيمُ [٢٢٤٩].
* وقالَ أَزْوَاجُ النبيِّ ﷺ في رَضَاعِ سَهْلَةَ بنتِ سُهَيْلِ سَالِمًا حِينَ أَمَرَهَا النبيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَفَعَلَتْهُ، فَكَانَتْ تَرَاهُ ابنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فإنَّ هذَا خَاصٌّ، ورُخْصَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في رَضَاعِ سَالِمٍ وَحْدَهُ في حَالِ كِبَرِه، وعَلَى هذَا ثَبَتَ [عَنْ] (٤) أَزْوَاجِ النبيِّ ﷺ أَنَّ الرَّضَاعَةِ التِّي تُحَرِّمُ إنَّما تَكُونُ في حَالِ الصّغَرِ [٢٢٤٧].
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: كَانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: مَنْ وَطِءَ امْرَأتَهُ وَهِي تُرْضِعُ في стр. 384
عَامَيّ الرَّضَاع كَانَ نُقْصَانًا في الوَلَدِ، فَهَمَّ النبيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ [٢٢٥٢]، يَعْنِي: أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الرُّومَ وفَارسَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلاَدَهُم فَلَمْ يَنْهِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَوْجَبَ للرُّومِ وفَارِسَ [لَهُمْ] (١) حُكْمًا [مَعَ] (٢) أَنَّهُم كُفَّارٌ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وكَانَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النبيِّ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ أَخَوَاتُهَا وبَنَاتُ أَخِيهَا، ولَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا [٢٢٤١]، وهَذا خِلاَفٌ لِمَا في حَدِيثِ عُمَرَ عَنْهَا، ولَمَا في حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْهَا أَنَّ الرَّضَاعَةَ مِنْ قِبَلِ الفَحْلِ، وقَدْ قَالَتْ للنبيِّ ﷺ : "إنَّما أَرْضَعَتْنِي امْرَأةٌ، ولَمْ يُرْضِعْنِي رَجُلٌ"، فقالَ لَهَا: "إنَّهُ عُمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ"، فَجَعَلَ اللَّبَنَ مِنْ قِبَلِ الفَحْلِ، وبهذَا قَالَ أَهْلُ المَدِينَةِ، وأَنَّ التَّحْرِيمَ يَقَعُ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِه إذا كَانَ في الحَولَيْنِ ومَا قَارَبَهُمَا.
* * *
تَمَّ كِتَابُ الرَّضَاعِ بِحَمْدِ اللهِ وحُسْنِ عَوْنهِ وتَأْيِيدِه ويُمْنِه
وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا
وبِتَمَامهِ تَمَّ السِّفْرُ الأَوَّلِ، ويَتْلُوهُ في التَّالِي: كِتَابُ العِتْقِ، والمُدَبَّرِ، والمُكَاتَبِ، والبُيُوعِ، والأَقْضِيَةِ، والشُّفْعَةِ، والقِرَاضِ، والمُسَاقَاةِ، وكِرَاءِ الأَرْضِ، والفَرَائِضِ، والجِهَادِ، والحَجِّ، والعُقُولِ، والقَسَامَةِ، والرَّجْمِ، والحُدُودِ، وكِتَابُ الجَامِعِ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٣)
* * * стр. 385
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على سيِّدنا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسلَّم تَسْلِيمًا
تَفْسِيرُ كِتَابِ العِتْقِ
قالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِه إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، واسْتُتِمَّ عِتْقُ جَمِيعِ العَبْدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عُتِقَ مِنَ العَبْدِ مَا عُتِقَ، وسَوَاءٌ كَانَ عِتْقُ الشَّرِيكِ بإذنِ شَرِيكِهِ، أو بِغَيْرِ إذْنِهِ أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَهْلُ العِرَاقِ يَقُولُونَ (١): إذا لَمْ يَبْلُغْ مَالُ المُعْتِقِ ثَمَنَ العَبْدِ، فإنَ العَبْدَ يَسْتَسْعِي النَّاسَ في فِكَاكِ رَقَبَتِهِ، واحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بمَا رَوَاهُ قتَادةُ، [عَنِ النَّضْرِ بنِ أَنسٍ] (٢)، عَنْ بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ ﵇ قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْصِهِ كُلَّه في مَالهِ إذا كَانَ لَهُ مَالٌ، وإلا لَسْتَسْعَى العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ" (٣).
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: حَدِيثُ الإسْتِسْعَاءِ الإضْطِرَابُ فِيهِ كَثِيرٌ، وبَعْضُ الرُّوَاةِ لا يَذْكُرْ فيهِ الإسْتِسْعَاءَ. стр. 386
" قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يَرُدُّ حُكْمَ حَدِيثِ الإسْتِسْعَاءِ حُكْمُ النبيِّ ﷺ في الأَعْبُدِ الستَّةِ الذينَ أَعْتَقَهُم الرَّجُلُ عَنْدَ مَوْتهِ، فأَسْهَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُم، فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ، ولمْ يَأْمُرْهُم بالإسْتِسْعَاءِ في فِكَاكِ مَا بَقِيَ مِنْ رِقَابِهِم [٢٨٦٢].
قالَ أَحمدُ بنُ خَالِدٍ: رَوَى مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكَاً لَهُ في عَبْدٍ، قُوِّمَ مَا بَقِيَ مِنْهُ في مَالِهِ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه (١).
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: وهذِه لَفْظَةٌ جَيِّدَةٍ، يَعْنِي: أُقِيمَ مَا بَقِيَ مِنْهُ في مَالهِ، ويَدُلُّ أَيْضَاً على أَنَّهُ إنَّمَا يُقَوِّمُ عَلَيْهِ مُعْتِقُ بَعْضِهِ، لأَنَّ المُعْتِقَ لَمْ يَجُزْ شَيْئَاً، وإنَّمَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنَ العَبْدِ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى يحيى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يحيى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ أَبِي الحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، وَهُوَ خَطَأٌ، لأَنَّ الحَسَنَ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ [٢٨٦٢] (٢)، والصَّحِيحُ فِيهِ: مَالِكٌ، عَنْ يحيى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ أَبِي الحَسَنِ، وعَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، وهَكَذا رَوَاهُ ابنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ (٣).
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ أَعْتَقَ عَبيدًا لَهُ عَنْدَ مَوْتهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُم، فإنْ كَانُوا يَنْقَسِمُونَ على ثَلاَثةِ أَجْزَاءٍ قُسِمُوا كًذَلِكَ، ثُمَّ كُتِبَ أَسْمَاؤُهُم في ثَلاَثةِ بطائِقٍ، فِي كُلِّ بِطَاقَةٍ اسْمًا في الجُزْءِ، ثُمَّ تُلَفُّ كُلُّ بِطَاقَةٍ في طِينٍ أو قِيرٍ، ويَحْضُرُ ذَلِكَ عُدُولٌ مِنَ المُسْلِمينَ، ثُمَّ يُدْعَا إنْسَانٌ فَيُعْطَاهَا، فَيَجْعَلَها في حِجْرِه، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: стр. 387
أَخْرِجْ وَاحِدَةً، فإذا أَخْرَجَها كُسِرَتِ الطِّيَنَةُ عَنْهَا، وأُعْتِقَ الجُزْءُ [الذي] (١) في تِلْكَ البِطَاقَةِ، ويُرَقُّ الآخَرُونَ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: فإنْ كَانُوا لا يَنْقَسِمُونَ أَثْلاَثًا كُتِبَ اسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم وقِيمَتُهُ في بِطَاقَةٍ، ثُمَّ يُفْعَلُ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ أَوَّلًا عُتِقَ، ثُمَّ يُفْعَلُ بالذي يَلَيْهِ كَذَلِكَ حتَّى يَسْتَغْرِقَ الثُلُثَ كُلَّهُ، ثُمَّ يُرَقُّ مَا بَقِيَ (٢).
وقالَ ابنُ نَافِعٍ: لا سَهْمَانِ في الرَّقِيقِ عندَ العِتْقِ إذا كَانَ للهَالِكِ شَيءٌ مِنَ المَالِ، إنَّما يُسْهَمُ بَيْنَهُم إذا لَمْ يَكُنْ للهَالِكِ شَيءٌ إلَّا تِلْكَ الرَّقِيقِ، كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الرَّقِيقِ الستَّةِ الذينَ أَعْتَقَهُم سَيدُهُم عندَ مَوْتهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ تَرَكَ مَالًا غَيْرَهُم، فإذا كَانَ للهَالِكِ مَالًا غيْرَهُم لَمْ يُسْهِم بَيْنَهُم، ولَكِنْ يَجْرِي العِتْقُ بَيْنَهُم بالحِصَصِ، فَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم مَا يَنُوبُهُ في الثُلُثِ في المُحَاصَّاةِ، ويُرَقُّ سَائِرُ ذَلِكَ لِوَرَثةِ المَيِّتِ (٣).
أخبرنا أبو عِيسَى (٤)، قالَ: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ يحيى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا تَبِعَهُ مَالُهُ، إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيهِ سَيِّدُهُ" (٥).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يَعْنِي يَسْتَثْنِيهِ السيِّدُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ العِتْقِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ هذَا الحَدِيثِ في المُوطَّأ.
* وقالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ في العَبْدِ يُعْتَقُ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ مَالُهُ إذا لَمْ يَسْتَثْنِيهِ السيِّدُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ العِتْقِ [٢٨٦٥]. стр. 388
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِه مُثْلَةً فَاحِشَةً قَاصِدَاً لِذَلِكَ، عُتِقَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ المُثْلَةُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ إليها فَلَا يُعْتَقُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ وإنْ كَانتْ فَاحِشَة.
قالَ: ولَا يُعتَقُ عَلَيْهِ بِمُثْلَةٍ يَسِيرَةٍ وإنْ قَصَدَ إليها.
قالَ: ولا يَكُونُ الجَلْدُ مُثْلَةً، إلاَ أَنْ يُسْرِفَ في ذَلِكَ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ.
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: واخْتُلِفَ في السَّفِيهِ إذا مَثَّلَ بِعَبْدِه، فَقِيلَ: لا يُعتَقُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يُعتَقُ عَلَيْهِ، لأَئهُ حَذٌ لَزِمَهُ لا يُسْقِطْهُ عَنْهُ سَفَهُهُ.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ للأَمَةِ السَّوْدَاءِ التِّي شَاوَرَها سَيِّدُها في عِتْقِهَا، فقالَ لَهَا: "أَيْنَ اللهُ؟ فَقَالتْ: في السَّمَاءِ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى قَوْلهِ: "أَعتِقْها فإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ". قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يحتَمِلُ هذَا الحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ في أَوَّلِ الإسْلاَمِ، وذَلِكَ أَنَّ أبا عُبَيْد, ذَكَرَ في رِسَالةِ الإيمَانِ (١): أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ أقَامَ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ يَدعُو إلى شَهادِةِ أنْ لا إله إلاَ اللهُ، وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَمَنْ أَجَابَهُ كَانَ مُؤْمِناً، ثُمَّ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ، والزَّكَاةُ والصِّيَامُ والحجُ بالمَدِينَةِ، ثُمَّ وَصَفَ اللهُ ﵎ صِفَةَ المُؤْمِنِينَ في كِتَابهِ، فقالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ١٠]، فهذه صِفَاتُ المُؤْمِنِينَ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: فالإيمَانُ قَوْل باللِّسَانِ، وإخْلاَص بالقَلْبِ، وعَمَل بالجَوَارِحِ، وإصَابَةُ السُنَّةِ، وفِي هذا الحَدِيثِ بَيَان أَنَّ الله ﵎ في السَّمَاءِ، فَوْقَ عَرْشِهِ، وَهُو في كُلّ مَكَان بِعِلْمِهِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، إلى آخِرِ الآيةِ، يَعْنِي: يُحِيطَ بِهِم عِلْمَاً، ويَعلَمُ مَا يُسِرونَ ومَا يُعلِنُونَ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ وَاجِبَةٌ فأَعْتَقَ غَيْرَ مُسْلِمَة لَمْ تُجْزهِ، لأَنَّ стр. 389
النبيَّ ﷺ لَمْ يَأْمر بِعِتْقِ السَّوْدَاءِ إلَّا بعدَ صِحَّةِ إسْلاَمِها، فَمَنْ أَعتَقَ في الرِّقَابِ الوَاجِبَةِ غَيْرَ مُسْلِمَةٍ لَمْ تُجْزِه، وكانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعتِقَ غَيْرَها، ولا بَأْسَ أَنْ يَعتِقَ غَيْرَ المُسْلِمَةِ في التَّطَوُّعِ.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: أَمَرَ النبيُّ ﷺ سعدَ بنَ عُبَادَةَ أَنْ يعتِقَ عَنْ أُمِّهِ بعدَما هلَكَتْ، فَدَلَّ هذَا الحَدِيثُ على أَنَّ ثَوَابَ هذا العِتْقِ يَجْرِي على المَيِّتِ، ويُلْحِقَهُ في قَبْرِه، كَمَا قَدْ يُلْحِقُهُ دُعَاءُ وَلَدِه بَعْدَهُ، فَضْلاً مِنَ اللهِ على عِبَادِه.
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: مَنْ كَفَّرَ عَنْ أَحَدٍ بأمرهِ أَو بِغَيْرِ أمرِهِ أُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ، إلَّا في قَوْلِ أَشْهبَ، فإنَّهُ قالَ: لا يَجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ إذا كَفَّرَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، لأنَّهُ لا نِيّة للحَالِفِ في تِلْكَ الكَفَّارَةِ التِّي كُفرَتْ عَنْهُ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَسْنَدَ يَحيىَ عَنْ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرِّقَابِ أَيُّها أَفْضَلُ؟ فقالَ: "أَعلاها ثَمَناً (١)، وأَنْفَسها عِنْدَ أَهْلِها". وأَرسَلَهُ أَصحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ، لَمْ يَذْكُرُوا فيهِ عَائِشَةَ.
* * * стр. 390
تَفْسِيرُ الوَلَاءِ
* قالَ ابنُ مُزَين: قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: مَعْنَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ عِنْدِي واشْتِرَاءُ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ لها وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، إنَّمَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ كِتَابتها، فَلِذَلِكَ أَبَاحَ النبيُّ ﷺ لَها شِرَاءَها (١).
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ يُحتَجُّ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ في إجَازَةِ بَيع المُكَاتَبِ وإنْ لَمْ يَغجَزْ عَنِ الكِتَابَةِ، وذَلِكَ أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عَنْ بَيع الوَلَاءِ، وعَنْ هِبَتِهِ، وعَقْدُ الكِتَابَةِ هُوَ عَقْدُ الوَلَاءِ، إلَّا أَنْ يَعجَزَ المُكَاتَبُ، فَلِسَيِّدِه حِينَئِذٍ بَيْعُهُ إنْ شَاءَ.
قالَ: ومَعْنَى قَوْلِ النبيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ حِينَ أَبَى مَوَالِي بَرِيرَةَ أَنْ يَبيعُوها مِنْها إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُم الوَلَاءُ، فقالَ لَها: "اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاَءَ"، يَعْنِي: أَنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُكِ، لأَنَّهُ قَد كَانَ ﷺ قالَ: "الوَلَاءُ لِمَنْ أَعتَقَ".
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: فهذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ شَرط لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ ، ولَا في سُنَّةِ رَسُولهِ ﵇ اشْتَرَطَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أنَّه لا يُنتفَعُ بِشَرطِهِ، كَمَا لَمْ يَنتفِع مَوَالِي بَرِيرَةَ بِشَرطِهِم الذي اشْتَرَطُوُه على عَائِشَةَ، وذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهى عَنْ بَيع الوَلَاءِ، وعَنْ هِبَتِهِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ في مُكَاتَبٍ بَاعَهُ أَهْلُهُ مِنْ رَجُلٍ على أَنْ يُعتِقَهُ، ويَكُونُ الوَلَاءُ للبَاعَةِ، فقالَ: الوَلَاءُ لِمَنْ أَعتَقَ، والشَّرْطُ بَاطِلٌ (٢). следующие страницы →