← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

" قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يَرُدُّ حُكْمَ حَدِيثِ الإسْتِسْعَاءِ حُكْمُ النبيِّ ﷺ في الأَعْبُدِ الستَّةِ الذينَ أَعْتَقَهُم الرَّجُلُ عَنْدَ مَوْتهِ، فأَسْهَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُم، فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ، ولمْ يَأْمُرْهُم بالإسْتِسْعَاءِ في فِكَاكِ مَا بَقِيَ مِنْ رِقَابِهِم [٢٨٦٢]. قالَ أَحمدُ بنُ خَالِدٍ: رَوَى مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكَاً لَهُ في عَبْدٍ، قُوِّمَ مَا بَقِيَ مِنْهُ في مَالِهِ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه (١). قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: وهذِه لَفْظَةٌ جَيِّدَةٍ، يَعْنِي: أُقِيمَ مَا بَقِيَ مِنْهُ في مَالهِ، ويَدُلُّ أَيْضَاً على أَنَّهُ إنَّمَا يُقَوِّمُ عَلَيْهِ مُعْتِقُ بَعْضِهِ، لأَنَّ المُعْتِقَ لَمْ يَجُزْ شَيْئَاً، وإنَّمَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنَ العَبْدِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى يحيى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يحيى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ أَبِي الحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، وَهُوَ خَطَأٌ، لأَنَّ الحَسَنَ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ [٢٨٦٢] (٢)، والصَّحِيحُ فِيهِ: مَالِكٌ، عَنْ يحيى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ أَبِي الحَسَنِ، وعَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، وهَكَذا رَوَاهُ ابنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ (٣). قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ أَعْتَقَ عَبيدًا لَهُ عَنْدَ مَوْتهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُم، فإنْ كَانُوا يَنْقَسِمُونَ على ثَلاَثةِ أَجْزَاءٍ قُسِمُوا كًذَلِكَ، ثُمَّ كُتِبَ أَسْمَاؤُهُم في ثَلاَثةِ بطائِقٍ، فِي كُلِّ بِطَاقَةٍ اسْمًا في الجُزْءِ، ثُمَّ تُلَفُّ كُلُّ بِطَاقَةٍ في طِينٍ أو قِيرٍ، ويَحْضُرُ ذَلِكَ عُدُولٌ مِنَ المُسْلِمينَ، ثُمَّ يُدْعَا إنْسَانٌ فَيُعْطَاهَا، فَيَجْعَلَها في حِجْرِه، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ:

стр. 387

أَخْرِجْ وَاحِدَةً، فإذا أَخْرَجَها كُسِرَتِ الطِّيَنَةُ عَنْهَا، وأُعْتِقَ الجُزْءُ [الذي] (١) في تِلْكَ البِطَاقَةِ، ويُرَقُّ الآخَرُونَ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: فإنْ كَانُوا لا يَنْقَسِمُونَ أَثْلاَثًا كُتِبَ اسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم وقِيمَتُهُ في بِطَاقَةٍ، ثُمَّ يُفْعَلُ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ أَوَّلًا عُتِقَ، ثُمَّ يُفْعَلُ بالذي يَلَيْهِ كَذَلِكَ حتَّى يَسْتَغْرِقَ الثُلُثَ كُلَّهُ، ثُمَّ يُرَقُّ مَا بَقِيَ (٢). وقالَ ابنُ نَافِعٍ: لا سَهْمَانِ في الرَّقِيقِ عندَ العِتْقِ إذا كَانَ للهَالِكِ شَيءٌ مِنَ المَالِ، إنَّما يُسْهَمُ بَيْنَهُم إذا لَمْ يَكُنْ للهَالِكِ شَيءٌ إلَّا تِلْكَ الرَّقِيقِ، كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الرَّقِيقِ الستَّةِ الذينَ أَعْتَقَهُم سَيدُهُم عندَ مَوْتهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ تَرَكَ مَالًا غَيْرَهُم، فإذا كَانَ للهَالِكِ مَالًا غيْرَهُم لَمْ يُسْهِم بَيْنَهُم، ولَكِنْ يَجْرِي العِتْقُ بَيْنَهُم بالحِصَصِ، فَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم مَا يَنُوبُهُ في الثُلُثِ في المُحَاصَّاةِ، ويُرَقُّ سَائِرُ ذَلِكَ لِوَرَثةِ المَيِّتِ (٣). أخبرنا أبو عِيسَى (٤)، قالَ: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ يحيى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا تَبِعَهُ مَالُهُ، إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيهِ سَيِّدُهُ" (٥). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يَعْنِي يَسْتَثْنِيهِ السيِّدُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ العِتْقِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ هذَا الحَدِيثِ في المُوطَّأ. * وقالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ في العَبْدِ يُعْتَقُ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ مَالُهُ إذا لَمْ يَسْتَثْنِيهِ السيِّدُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ العِتْقِ [٢٨٦٥].

стр. 388

قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِه مُثْلَةً فَاحِشَةً قَاصِدَاً لِذَلِكَ، عُتِقَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ المُثْلَةُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ إليها فَلَا يُعْتَقُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ وإنْ كَانتْ فَاحِشَة. قالَ: ولَا يُعتَقُ عَلَيْهِ بِمُثْلَةٍ يَسِيرَةٍ وإنْ قَصَدَ إليها. قالَ: ولا يَكُونُ الجَلْدُ مُثْلَةً، إلاَ أَنْ يُسْرِفَ في ذَلِكَ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: واخْتُلِفَ في السَّفِيهِ إذا مَثَّلَ بِعَبْدِه، فَقِيلَ: لا يُعتَقُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يُعتَقُ عَلَيْهِ، لأَئهُ حَذٌ لَزِمَهُ لا يُسْقِطْهُ عَنْهُ سَفَهُهُ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ للأَمَةِ السَّوْدَاءِ التِّي شَاوَرَها سَيِّدُها في عِتْقِهَا، فقالَ لَهَا: "أَيْنَ اللهُ؟ فَقَالتْ: في السَّمَاءِ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى قَوْلهِ: "أَعتِقْها فإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ". قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يحتَمِلُ هذَا الحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ في أَوَّلِ الإسْلاَمِ، وذَلِكَ أَنَّ أبا عُبَيْد, ذَكَرَ في رِسَالةِ الإيمَانِ (١): أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ أقَامَ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ يَدعُو إلى شَهادِةِ أنْ لا إله إلاَ اللهُ، وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَمَنْ أَجَابَهُ كَانَ مُؤْمِناً، ثُمَّ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ، والزَّكَاةُ والصِّيَامُ والحجُ بالمَدِينَةِ، ثُمَّ وَصَفَ اللهُ ﵎ صِفَةَ المُؤْمِنِينَ في كِتَابهِ، فقالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ١٠]، فهذه صِفَاتُ المُؤْمِنِينَ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: فالإيمَانُ قَوْل باللِّسَانِ، وإخْلاَص بالقَلْبِ، وعَمَل بالجَوَارِحِ، وإصَابَةُ السُنَّةِ، وفِي هذا الحَدِيثِ بَيَان أَنَّ الله ﵎ في السَّمَاءِ، فَوْقَ عَرْشِهِ، وَهُو في كُلّ مَكَان بِعِلْمِهِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، إلى آخِرِ الآيةِ، يَعْنِي: يُحِيطَ بِهِم عِلْمَاً، ويَعلَمُ مَا يُسِرونَ ومَا يُعلِنُونَ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ وَاجِبَةٌ فأَعْتَقَ غَيْرَ مُسْلِمَة لَمْ تُجْزهِ، لأَنَّ

стр. 389

النبيَّ ﷺ لَمْ يَأْمر بِعِتْقِ السَّوْدَاءِ إلَّا بعدَ صِحَّةِ إسْلاَمِها، فَمَنْ أَعتَقَ في الرِّقَابِ الوَاجِبَةِ غَيْرَ مُسْلِمَةٍ لَمْ تُجْزِه، وكانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعتِقَ غَيْرَها، ولا بَأْسَ أَنْ يَعتِقَ غَيْرَ المُسْلِمَةِ في التَّطَوُّعِ. * [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: أَمَرَ النبيُّ ﷺ سعدَ بنَ عُبَادَةَ أَنْ يعتِقَ عَنْ أُمِّهِ بعدَما هلَكَتْ، فَدَلَّ هذَا الحَدِيثُ على أَنَّ ثَوَابَ هذا العِتْقِ يَجْرِي على المَيِّتِ، ويُلْحِقَهُ في قَبْرِه، كَمَا قَدْ يُلْحِقُهُ دُعَاءُ وَلَدِه بَعْدَهُ، فَضْلاً مِنَ اللهِ على عِبَادِه. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: مَنْ كَفَّرَ عَنْ أَحَدٍ بأمرهِ أَو بِغَيْرِ أمرِهِ أُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ، إلَّا في قَوْلِ أَشْهبَ، فإنَّهُ قالَ: لا يَجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ إذا كَفَّرَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، لأنَّهُ لا نِيّة للحَالِفِ في تِلْكَ الكَفَّارَةِ التِّي كُفرَتْ عَنْهُ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَسْنَدَ يَحيىَ عَنْ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرِّقَابِ أَيُّها أَفْضَلُ؟ فقالَ: "أَعلاها ثَمَناً (١)، وأَنْفَسها عِنْدَ أَهْلِها". وأَرسَلَهُ أَصحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ، لَمْ يَذْكُرُوا فيهِ عَائِشَةَ. * * *

стр. 390

تَفْسِيرُ الوَلَاءِ * قالَ ابنُ مُزَين: قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: مَعْنَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ عِنْدِي واشْتِرَاءُ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ لها وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، إنَّمَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ كِتَابتها، فَلِذَلِكَ أَبَاحَ النبيُّ ﷺ لَها شِرَاءَها (١). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ يُحتَجُّ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ في إجَازَةِ بَيع المُكَاتَبِ وإنْ لَمْ يَغجَزْ عَنِ الكِتَابَةِ، وذَلِكَ أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عَنْ بَيع الوَلَاءِ، وعَنْ هِبَتِهِ، وعَقْدُ الكِتَابَةِ هُوَ عَقْدُ الوَلَاءِ، إلَّا أَنْ يَعجَزَ المُكَاتَبُ، فَلِسَيِّدِه حِينَئِذٍ بَيْعُهُ إنْ شَاءَ. قالَ: ومَعْنَى قَوْلِ النبيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ حِينَ أَبَى مَوَالِي بَرِيرَةَ أَنْ يَبيعُوها مِنْها إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُم الوَلَاءُ، فقالَ لَها: "اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاَءَ"، يَعْنِي: أَنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُكِ، لأَنَّهُ قَد كَانَ ﷺ قالَ: "الوَلَاءُ لِمَنْ أَعتَقَ". قالَ أَبو المُطَرِّفِ: فهذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ شَرط لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ ، ولَا في سُنَّةِ رَسُولهِ ﵇ اشْتَرَطَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أنَّه لا يُنتفَعُ بِشَرطِهِ، كَمَا لَمْ يَنتفِع مَوَالِي بَرِيرَةَ بِشَرطِهِم الذي اشْتَرَطُوُه على عَائِشَةَ، وذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهى عَنْ بَيع الوَلَاءِ، وعَنْ هِبَتِهِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ في مُكَاتَبٍ بَاعَهُ أَهْلُهُ مِنْ رَجُلٍ على أَنْ يُعتِقَهُ، ويَكُونُ الوَلَاءُ للبَاعَةِ، فقالَ: الوَلَاءُ لِمَنْ أَعتَقَ، والشَّرْطُ بَاطِلٌ (٢).

стр. 391

قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّما لَمْ يَجُزْ للعَبْدِ أَنْ يَبْتَاعَ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِه على أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ، مِنْ أَجْلِ أنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ وَاهِبَاً وَلاَئَهُ لِمَنْ يُرِيدُ، وقَدْ نَهى النبيُّ ﷺ عَنْ بَيع الوَلَاءِ، وعَنْ هِبَتِهِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا قَضَى عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ بالوَلَاءِ بِوَلاَءِ وَلَدِ عَبْدِه الذي أَعتَقَهُ الزبَيْرِ، وكَانَ لِذَلِكَ العَبْدُ وَلدٌ مِنِ امرَأةٍ مُعتَقَةٍ قَدْ كَانَ أَعتَقَها غَيْرُ الزُّبَيْرِ، وكَانُوا أَحرَارَاً بِحُريَّةِ أُمِّهِم، يَرِثُهُم مَوَالِي أُمّهِمِ ما دَامَ أَبُوهُم عَبْدَاً، فَلَمَّا أعتَقَ الزُّبَيْرُ أَبَاهُم لَحَقُوا بأَبِيهِم، يَرِثُهُم ويَرِثُونه، وانتقَلَ وَلاَؤُهُم إلى مَوَالِي أَبِيهِم الذي أَعتَقَهُم. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَرِثْ عَصَبةُ المُلاَعَنَةِ العَرِبيَّةِ وَلَدها لأَنَّهُم خُؤُولَةٌ (١)، والخؤولة لا يَرِثُونَ، ووَرِثَ وَلَدُ المُلاَعَنَةِ المَوْلَى مَوَالِي أُمِّهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُم مَوَالِيهِ، إذْ لَمْ يَصِحَّ نَسَبُهُ مِنْ أَبيهِ الذي نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَصَارَ بِذَلِكَ مَوْلَى لِمَوَالِي أُمَهِ. *اقالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى غَيْرُ يَحيىَ عَنْ مَالِكٍ في مَسْأَلةِ جَرِّ الجَدِّ الوَلاَءَ (٢)، فَقَالَ فِيها: وإنَّ العَبْدَ كَانَ لَهُ ابْنَانِ حُرَّانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وأَبُوهُ عَبْدٌ جَرَّ الجَدُّ أَبو الأَبِ الوَلاَءَ، وكَانَ المِيرَاثُ بَيْنَهُما نِصفَيْنِ (٣)، وهذِه الرِّوَايةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايةِ يَحيىَ الذي قالَ فِيها: جَرُّ الجَدِّ الوَلاَءَ بالوَلَاءِ والمِيرَاثِ، وإنَّما صَحَّتْ الرِّوَايةُ الأُولَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ وتَرَكَ جَدَّاً وأَخَا كَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَ الجَدِّ والأخ نِصْفَيْنِ، ويَنْفَرِدُ الجدُّ بِجَرِّ وَلاَءِ مَوَالِي ابنِ ابْنِهِ إلى نَفْسِهِ، وإلى مَوَالِيهِ الذي أَعتَقُوه.

стр. 392

تَفْسِيرُ مَسْأَلةِ مَوَالِي بَنِي العَاص بنِ هِشَامٍ حِينَ تَنَازَعُوا فِيها * هُوَ أَنَّ مَوْلَى للعَاصِ بنِ هِشَامٍ هلَكَ وتَرَكَ أَخَاً مَوْلَاهُ لأَبيهِ، وَهُو الرَّجُلُ لِعَلَّةٍ (١)، يَغنِي: أَنَّهُ أَخٌ مِنْ رَبِيبَتِهِ، وتَرَكَ ابنَ أَخِ مَوْلَاهُ لأَبيهِ وأُمّهِ، فَصَارَ مِيرَاثُ المَوْلَى الهالِكِ لأَخِي مَوْلَاهُ للأَبِ دُونَ ابنِ أَخِي مَوْلَاهُ لأَبيهِ وأُمِّهِ، وذَلِكَ أَنَّ الأَخ للأَبِ أَوْلَى بالمِيرَاثِ مِن ابنِ الأَخِ للأَبِ والأُمِّ. تَفْسِيرُ مَسْألَةِ ابنِ المَرْأةِ الجُهَنِيَّةِ وإذا مَاتَ مَوْلَى أُمّهِ فاخْتَلَفَ وَرَثَةُ الإبنِ في مِيرَاثهِ مَعَ عَصَبَةِ الأُمّ، فَقَضَى أَبَانُ للجُهنيّينِ بِوَلاَءِ المَوَالِي، وذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ ابنُ المَرأَةِ الجُهنِيَّةِ الذي كَانَ قَدْ وَرِثَ أُمه وَوَلاَءَ مَوَالِيها، مَاتَ بَعدَهُ أَحَدُ أُولَئِكَ المَوَالِي وتَرَكَ هذَا المَيِّتَ عَصَبةَ مَوْلَاتهِ الجُهنِيَّةِ، ووَرِثَهُ ابنُ مَوْلَاتهِ الذي مَاتَ قَبْلَهُ، ولَم يَكُنْ في وَرَثَةِ ابْنَةِ مَوْلَاتهِ ذَكَرٌ يَرِثُ المَوْلَى المُتَوفَّى، فَلِذَلِكَ صَارَ مِيرَاثُهُ لِعَصَبةِ مَوْلَاتهِ دُونَ وَرَثةِ ابنِ مَوْلَاتهِ، وذَلِكَ أَنَّ النساءً لا يَرِثْنَ مِنَ الوَلَاءِ إلَّا ما أُعتَقْنَ أَو أُعتَقَ مَنْ أَعتَقْنَ، وبِذَلِكَ قَضَى عُثْمَانُ للزُّبَيْرِ بِوَلاَءِ مَوَالِي أمهَ، فَلَمَّا انْقَرضَ وَلَدُ الجُهنيةِ الذُكُورِ رَجَعَ وَلَاءُ مَوَالِيها إلى عَصَبَتِها دُونَ بَنَاتِها. قالَ ابنُ القَاسِمِ: للمَرأَةِ وَلَاءٌ مَا أُعتِقَتْ، وعَقْلُهُم على قَوْمِها، وإنْ مَاتَ فَمِيرَاثُهُ لِوَلَدِها الدُّكُورِ ولَبِنَيِهِم الدُّكُورِ، لَيْسَ للبَنَاتِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "المَولَى أَخ في الدِّينِ وبعَمَةٌ (٢)، أَحَق النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ أَقْرَبُهُم مِنَ المُعتِقِ" (٣).

стр. 393

* قالَ مَالِكٌ: (أَحسَنُ مَا سَمِعْتُ في السَّائِئةِ (١) أنَّهُ لا يُوَالِي أَحَداً، وأَن مِيرَاثَهُ للمُسْلِمِينَ، وعَقْلَهُ عَلَيْهِم). وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: أَنا أَكْرَهُ عِتْقَ السَّائِبَةِ، وأَنْهى عَنْهُ، فإنْ وَقَعَ كَانَ وَلاَؤُه لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، ومِيرَاثُهُ لَهُم، وعَقْلُهُ عَلَيْهِم (٢). وقالَ ابنُ نَافِع: لا سَائِبَةَ اليومَ في الإسْلاَمِ، ومَنْ أعتَقَ سَائِبَة كَانَ وَلاُؤُه لَهُ (٣). وقالَ أَصبَغُ: لَا بَأْسَ بِعِتْقِ السَّائِبَةِ ابْتِدَاء، والدَّلِيلُ على إجَازَتهِ: العِتْقُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهُو عِتْقُ سَائِبَةٍ، ووَلاَؤُهُ لِجَمَاعةِ المُسْلِمِينَ، هُم يَرِثُوهُ، ويعقِلُونَ عَنْهُ، ومَنْ أَعتَقَ عَبْداً مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وجَعَلَ وَلاَؤُه لَهُ ضَمِنَ الزَّكَاةَ، ونَفِذَ عِتْقُ العَبْدِ ولَم يُنْقَضْ. * * * تَمَّ كِتَابُ العِتْقِ بِحَمدِ اللهِ تعاَلى يَتْلُوهُ كِتَابُ المُدَبَّرِ بِحَوْلِ اللهِ وقُوَّتهِ * * *

стр. 394

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسلَّم تَسْلِيما تَفْسِيرُ كِتَابِ المُدَبَّرِ (١) قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: لمَّا أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على انْتِقَالِ اسْمِ المُدَبَّرِ فَسَمُّوهُ مُدَبَّرَاً، وَجَبَ أَنْ يَنتقِلَ حُكْمُهُ في أَنْ لا يُبَاعَ في حَيَاةِ مُدَبِّرِه، فإن احْتَجَّ مُحتَجٌّ في أَنَّ المُدَبَّرَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ لِحَدِيثِ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ باعَ مُدَبَّرَاً"، قِيلَ لِمَن احتَجَّ بِذَلِكَ في بَيع النبيِّ ﷺ : لَهُ دَلِيل على قَوْلنَا أَنَّهُ لَا يَبعهُ سَيِّدُهُ ولا يُحَوِّلُهُ عَنْ وَجْهِ التَّدبِيرِ، وذَلِكَ أَنَّ النبيَّ ﷺ إنَّمَا بَاعَهُ في دَيْنٍ كَانَ علىَ سَيّدِه الذي دَبَّرَهُ، فَلَمَّا بَطُلَ أَنْ يَلِي النبيُّ ﵇ بَيْعَهُ لِغَيْرِ مَعنَى، لَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ حُكْمُ النبي ﷺ ، فَأَنْفَذَ مَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ، واحتُمِلَ بَيْعُهُ إيَّاهُ لِدَيْنٍ بعدَ المَوْتِ، أَو لِدَيْنٍ قَبْلَ المَوْتِ كَانَ على المُدَبَّرِ الذي دَبَّرَهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِي عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَمْ يَكُنْ لِمُدَبَّرَ مَال غَيْرُه فَمَاتَ المُدَبَّرُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : مَنْ يَشْتَرِي هذَا المُدَبَّرُ" (٢)، وقَن قَضَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ به. بطَالِ بَيع المُدَبَّرِ في مَلأِ خَيْرِ القُرُونِ، فَمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَعنَى قَوْلِ السَّيِّدِ: دَبَّزتُ عَبْدِي، أَيْ أَنْفَذْتُ عِتْقَهُ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي بَعدَ مَوتي.

стр. 395

قالَ ابنُ القَاسِمِ: اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٌ في المُدَبَّرِ يَبْتَاعُ جَارَيةً، ثُمَ يَطَأَها فتَحمِلُ مِنْهُ وتَلِدُ، ثُمَّ يعتَقُ المُدَبَّرُ بَغدَ مَوْتِ سَيِّدِه، فقالَ: تَكُونُ الجَارِيَةُ التي وَلَدَتْ مِنْهُ في حَالِ التدبِيرِ مَالاً مِنْ مَالِهِ، يُسَلَّمُ إليه إذا عُتِقَ. وقَالَ أَيضاً: إنَّها تَكُونُ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ إذا أُعْتِقَ بِسَببِ ذَلِكَ الوَلَدِ الذي وَلَدَتْ مِنْهُ في حَالِ التَّدبِيرِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في المُكَاتَبِ يَبْتَاعُ جَارِيَةً فتَلِدُ مِنْهُ في حَالِ الكِتَابَةِ ثُمَّ يعتَقُ المُكَاتَبُ، فقالَ: إنَّها تَكُونُ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، وقالَ: إنَّها لا تَكُونُ لَهُ بِذَلِكَ الوَلَدِ أُمَّ وَلَدٍ. قالَ: وحُكْمُ وَلَدِ المُدَبَّرِ ووَلَدِ المُكَاتَبِ إذا وُلِدَ لَهُمَا في حَالِ التَدبِيرِ والكِتَابَةِ مِنْ إمهِما وَلَا أَنَّ حُكْمَ الوَلَدِ كَحُكْمِهِما، يُعتَقُونَ بِعِتْقِهِما، وُيرَقونَ بِرِقَهِما إنْ لَمْ يُعتَقَا. [أبو المُطَزفِ]: اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٍ وابنِ القَاسِمِ في السيّدِ يَقُولُ لِعَبْدِه: (أَنْتَ حر وعَلَيْكَ خَمسُونَ)، فقَالَ مالك: لا يُعتَقُ إلاَ بأَدَاءِ الخَمسِينَ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: هُو حُرّ ولَا شَيءَ عَلَيْهِ مِنَ الخَمسِينَ، جَعَلَ ابنُ القَاسِمِ قَوْلَ السيدِ: (وعَلَيْكَ خَمسُونَ) نَدَماً مِنَ السيِّد، وكانَّهُ أَلْزَمَهُ إياها بعدَ العِتْقِ، وجَعَلَهُ مالك كَلاَماً وَاحِداً مُتَّصِلاً بَعضَهُ بِبعضٍ. قالَ أَبو مُحمَدٍ: الصَّحِيحُ في هذِه المَسْأَلةِ ما قَالَ مالِكٌ، والنَّاسُ عِنْدَ شُرُوطِهِم الجَائِزَةِ بَيْنَهُم، فهَذا رَجُلٌ إنَّما أعتَقَ عَبْدَهُ إذا دَفَعَ إليه الخَمسِينَ التي شَرَطَها عليهِ (١). قالَ أَبو عُمَرَ: إذا قَالَ الرَّجُلُ في مَرَضِهِ: (فُلاَن حُرٌّ، وفُلاَن حُرٌّ، وفُلاَنٌ حُرٌّ،

стр. 396

لِعَبيدِه إنْ حَدَثَ بِي حَدَثُ المَوْتِ)، أنَّ هذه وَصيةً أَوْصَى بِها، يَتَحَاصُّونَ في الثُلثِ ولَا قُرعَةَ بَيْنَهُم، وكَذَلِكَ لَو دَبَّرَهُم في مَرَضِهِ في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُبَدَّا وَاحدٌ مِنْهُم قَبْلَ صَاحِبهِ، و [إنَّما لَهُم] (١) الثُلُثُ على جَمِيعِهم، فَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم حِضَتَهُ مِنَ الثُلُثِ، فإنْ لم يَدَع مَالاً غَيْرَهُم عُتِقَ ثُلُثُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُم. * قالَ مَالِكٌ: وإذا دَبَّرَ الرَّجُلُ رَقِيقَاَ لَهُ جَمِيعَاً في صِحَّتهِ ولَيْسَ لَهُ مَال غَيْرُهُم فَدَبَرَ بَعضُهُم قَبْلَ بَغضٍ ثُمَّ مَاتَ، بُدِّأَ بِعِتْقِ الأَؤَلِ مِنْهُم تَدبِيرَاً، ثُمَّ الذِي يَلِيهِ، ثمَّ الذي يَلِيهِ، حتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ. وقالَ غَيُرُه: إذا [اسْتَغْرقَتْ] (٢) قِيمَةُ الأَوَّلِ جَمِيعَ الثُّلُثِ عُتِقَ فِيهِ، وبَطُلَ تَدبِيرُ مَنْ بعدَ. قالَ أَبو عُمَرَ: إذا دَبَّرَ الزَجُلُ عَبيدَاً لَهُ وَاحِدَاً بَعْدَ وَاحِدٍ في صَحتهِ ثُمَّ مَاتَ وطَرأَ عَلَيْهِ دَيْن فإنَّهُ يُبَاعُ في الدَّيْنِ الآخِرِ فَالآخِرِ إلى مَبْلَغِ الدَّيْنِ، ثُمَّ يعتَقُ ثُلُثُ البَاقِينَ بَعدَ مَوْتهِ. * قَوْلُ سَعِيدِ بنِ المُسَيبِ: (إذا دَبَّرَ الرَّجُلُ جَارِيتَهُ فَلَهُ أَنْ يَطَأَها) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ سَيدَها قَدْ يَمُوتُ عَنْ غَيْرِ مَالٍ فَلَا يُعتقُ مِنْها إلاَ ثُلثها، وبَقِيَ سَائِرُها رِقَّاً للوَرَثةِ، وقَدْ يَمُوتُ سَيِّدُها عَنْ دَيْنٍ [يَقْتَرِفهُ] (٣) فتبَاعُ في الدَّيْنِ ولا تُعتَقُ، فَلِهذِه الوُجُوه جَازَ للرَّجُلِ وَطءَ مُدَبَّرَتهِ. قالَ أَبو المُطرَّفِ: ومَعنَى قَوْلِ مَالِكٍ: (لا يَجُوزُ بَيْعُ خدمَةِ المُدَبَّرِ)، إنَّما كَرِهَ ذَلِكَ إذا بِيعَ إلى أَجَلٍ بَعِيدِ لأَنَّهُ غَرَر، إذْ قد يَمُوتُ سَيَّدُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فأَمَا الأَجَلُ القَرِيبُ فَذَلِكَ جَائِز، كَمَا قَدْ تُبَاعُ خدمَةُ العَبْدِ المُعَمَّرِ الأَجَلِ القَرِيبِ، بِخِلاَفِ العَبْدِ المُطْلَقِ الذي تَجُوزُ بإجَارَتهِ السنِينَ العَشَرةِ ونَحوِها، والفَرْقُ بَيْنَهُمَا

стр. 397

أَنَّ إجَارَةَ العَبْدِ المُطْلَقِ إنَّمَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ العَبْدِ، والعَبْدُ المُعَمَّرُ تَنْفَسِخُ الإجَارَةُ فِيهِ بِمَوْتِ العَبْدِ، أَو بِمَوْتِ الذي أَعمَرَهُ بالغَرَرِ في مَسْأَلتِهِ أَكْثَر، فَلَمَّا كَثُرَ غَرَرُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ خِدمتِهِ إلى أَجَلٍ بَعِيد، وكَذَلِكَ تَنْفَسِخُ إجَارَةُ خِدمَةِ المُدَبَّرِ بِمَوْتهِ، أَو بِمَوْتِ سَيِّدِه إذا عُتِقَ. قَوْلُ مَالِكٌ: (في العَبْدِ يَكُونُ بينَ الرَّجُلَيْن، فَيُدَبر أَحَدُهُما حِصَّتَهُ أنَّهُمَا يَتَقَؤَمَانِهِ، فإذا أخَذَ الذي دَبَّرَ كَانَ مُدَبَّراً كُلُّهُ). وقَالَ فِيهِ رَبِيعَةُ: إذا أَخَذَهُ الذي دَبَّرَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيءٌ مُدَبَّراً، وانتقَضَ مَا فَعَلَهُ الشَرِيكُ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: الذي قَالَهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ أَقْيَسُ وأَصَحُّ، كَمَا أَنَّهُ إذا أَعتَقَ نِضفَ عَبْدٍ لَهُ فِيهِ شَرِيك أَئهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِه ويُعتَقُ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذا أَخَذَ حِصَّةَ شَرِيكِه في العَبْدِ المُدَبَّرِ بالقِيمَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تدبِيرُهُ. وقد اخْتُلِفَ أَيْضَا قَوْلُ مَالِكٍ في هذه المَسْأَلةِ، فَرَوى عنهُ ابنُ عبدِ الحَكَمِ نَحوَ قَوْلِ رَبِيعَةَ فِيها. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ في العَبْدِ المُدَبَّرِ إذا جَرَحَ، ثُمَّ هلَكَ سَيِّدُهُ ولَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، وعلى سَيِّدِه دَيْنٌ، أَنَّهُ يُبَدَّأُ بِعَقْلِ الجَرْحٍ فَيُقْضَى مِنْ ثَمَنِ العَبْدِ، ثُمَّ يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُ سَيِّدِه، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى مَا تقِيَ مِنَ العَبْدِ فيُغتَقُ ثُلُثُ مَا بقِيَ مِنْهُ، وُيرَقُّ سَائِرُه للوَرَثةِ. إنَّما قَالَ: (يُبَدَّأُ بِعَقْلِ الجَزحِ فَيُقْضَى مِنْ ثَمَنِ العَبْدِ) مِنْ أَجْلِ أَنَّ العَبْدَ مرتهنٌ بالجِنَايَةِ، كَمَا يَكُونُ مُرتَهنَاً بِها في حَيَاةِ سَيِّدِه، إلَّا أَنْ يَفْتَكَّهُ سَيِّدُه بأرشِ الجِنَايَةِ. ثُمَّ قَالَ: (يُقْضَى الدَّيْنُ بعدَ ذَلِكَ) مِنْ أَجْلِ أَن الدَّيْنَ يُبَدَّأُ قَبْلَ الوَصِيَّةِ والتَّدبَرُ وَصِيَّةٌ، فَلِذَلِكَ بُدأَ الدَّيْنُ قَبْلَهَا، ثُمَّ يُعتَقُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ على أَنَّهُ مِنْ مَالهِ، وتَرَكَ مُدَبَّرَاً لا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ يُعتَقُ ثُلُثُه، ويُرَقُّ سَائِرُهُ للوَرَثةِ. * قَوْلُ مَالِكٍ: (في المُدَبَّرِ إذا جَرَحَ رَجُلاً فَأَسْلَمَهُ سَيّدُهُ إلى المَجْرُوحِ، ثُمَّ

стр. 398

هلَكَ سَيّدُهُ وعَلَيْهِ دَيْنٌ، ولَم يَتْرُكْ مَالاً غَيْرَهُ، فقالَ وَرَثَتُهُ: نَحْنُ [نُسَلّمُهُ] (١) إلى صَاحِبِ الجَرْحِ، وقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: أَنَا أَزِيدُ على ذَلِكَ) قالَ مَالِكٌ: (إذا زَادَ الغَرِيمُ شَيْئاً فَهُوَ أَوْلَى بهِ)، وتَفْسِيرُ هذِه المَسْأَلةِ: مُدَبَّرٌ قِيمَتُهُ مَائةِ دِينَارٍ جَنَى جِنَايَةً قِيمَتُها خَمْسُونَ دِينَارَاً، أو على سَيِّدِه خَمْسُونَ دِينَارَاً، فَصَارَ البَبْدُ مُسْتَهْلَكَاً بِقِيمَةِ الجِنَايةِ والدَّيْنِ، فَصَارَ مِلْكَا لِصَاحِبِ الجِنَايةِ والدَّينِ، ولَم يَفْضُلْ مِنْهُ فَضْلَةٌ تُقَوَّمُ للعَبْدِ مِنْها، حُجَّةٌ في عِتْقِ شَيءٍ مِنْهُ، ثُمَّ يُنْظَرُ في ذَلِكَ فإذا الجِنَايَةُ مُبَدَّأَةٌ على الدَّيْنِ، وذَلِكَ أَنَّ العَبْدَ مُرتَهنٌ بِها، فَأُعطِيَ في الجِنَايَةِ، ويُغْرَمُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ قِيمَتُهُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: عِنْدِي في العَبْدِ سِتُّونَ دِينَارَاً، فَيَكُونُ أَوْلَى بهِ، لأَنَّهُ يُغْرَمُ مِنْها للمَجْنِي عَلَيْهِ الخَمْسِينَ، ويَبْقَى العَبْدُ بَيَد الغَرِيمِ، ويَسْقُطُ مِنْ ذِمَّةِ المُتَوفَّى عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، تَفْضُلُ بَعدَ الدَّيْنِ والجِنَايَةِ يُقَوَّمُ بِها للعَبْدِ، حُجَّةٌ في عِتْقِ جُزْءٍ مِنْهُ مِمَّا خَرَجَ لَهُ في المُحَاصَّاةِ. * * * تَمَّ الكِتَابُ بِحَمْدِ اللهِ تعَالَى يَتْلُوهُ كِتَابُ المُكَاتَبِ، بِحَوْلِ اللهِ * * *

стр. 399

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى الله على مُحَمَّدٍ، وعلى آله وسلَّم تَسْلِيما تَفْسِيرُ كِتَابِ المُكَاتَبِ قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، قالَ عَبيدَةُ السلْمَاني: يعنِي إنْ عَلمتُم فِيهِم أَمَانة، لِئَلَّا يَأخُذُوا أَموَالَ النَّاسِ فَيَسْتَعِينُونَ بِهاَ في كِتَابتهِم، ويَنفَعُونَها إلى سَادَاتِهِم (١). قالَ مالك: ولَيْسَ فرض على الرَّجُلِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ إذا مَا سَأَلهُ ذَلِكَ، وإنَّمَا هُوَ أمرٌ أَذِنَ اللْهُ فِيهِ للنَّاسِ. وقَوْلُهُ : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، هذا نَدبٌ ولَيْسَ بِفرضٍ. قالَ أَبو المُطَرفِ: قالَ إبْرَاهِيمُ النَخَعِي: هذا شَيءٌ حُثَّ عَلَيْهِ المَوْلَى وغَيْرُه (٢). وجَعَلَ الشَّافِعيُّ قَوْلَهُ ﵎: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ فَرْضَا على سَادَاتِ المُكَاتَبِين، وذَلِكَ أَنْ يَضَعُوا لَهُم مِنَ الكِتَابةِ بعضَها (٣). وأَنْكَوَ إسْمَاعِيلُ القَاضِى هذا مِنْ قَؤلِ الشَّافِعيِّ، وقالَ: كلَّ مَا يَأْتِي في القُرْآنِ

стр. 400

فَرْضٌ معْطُوفٌ على نَدب، أَلا تَرَى إلى قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَالحَجُّ فَرْض، والعُمْرَةُ سُنَّة، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فالعدلُ فَرْضٌ، والإحسَانُ نَدْبٌ. قالَ إسْمَاعِيلُ القَاضِي: وهذا واللهُ أَعلَمُ مِثْلُ قَوْلهِ ﵎: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، فَهذا طَرِيقُهُ طَرِيقُ النَّدبِ، فَكَذِلَكَ قَوْلُهُ : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، إنَّما هُوَ نَدْبٌ إلى فِعلِ الخَيْرِ. وقالَ إسْمَاعِيلُ: ولا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ شَيء مَعلُومٍ وَهُوَ الكِتَابِةُ، بِشَيء مَجْهُولا لا يُعرَفُ مِقْدَارُهُ، والفُرُوضُ مَحدُودةٌ، وهذا كُلُّهُ يَدُلُّ على أَنَّ قَوْلَهُ ﵎: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ أَنَّهُ ندبٌ لا فَرضٌ، كَمَا قالَهُ مَالِكٌ وإبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُ وجَمَاعَةٌ سِوَاهُمَا. * قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ: (المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيءٌ)، وبهذا قالَ ابنُ عُمَرَ، وقَالَتْهُ عَائِشَةُ زَوْجُ النبيِّ ﷺ ، وقَالَهُ عَدَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ. ورَوَى أَهْلُ الكُوفَةِ مِنْ طَرِيقِ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: (إذا أَدَّى المُكَاتَبُ مِقْدَارَ قِيمَتِهِ مِنَ الكِتَابَةِ فَهُوَ غَرِيم مِنَ الغُرَمَاءِ) (١)، يَغنِي: أَنَّهُ إذا عَجَز بَغدَ أَنْ أَدَّى مِنَ الكِتَابَةِ مِقْدَارَ قِيمَتِهِ لَمْ يَرُدُّهُ إلى السيِّدِ في الرِّقِ، وكَانَ غِريمَاً مِنْ غرَمَاءِ سَيِّدِه، يتبِعه السيِّدُ بِما فِيها في ذِمَّتِهِ إلى أَن يُؤَدِّيها إليه. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: والعَمَلُ في هَذه المَسْألةِ عِندِ أَهلِ المَدِينَةِ على قَوْلِ عَائِشَةَ وابنِ عمَرَ، فَمَتَى مَا عَجَزَ المكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ بَاقِي كِتَابَتِهِ، وإن كانَ ذَلِكَ يَسِيرَاً كَانَ

стр. 401

سَيِّدُهُ بالخَيَارِ في تَعجِيزِه إيَّاهُ ونَقْضِ كِتَابتهِ، ويَبْقَى بِيَدِه عَبْداً كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُكَاتِبَهُ. * قَوْلُ مَالك: (إذا هلَكَ المُكَاتَبُ وتَرَكَ مَالاً أَكثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ، ولَهُ وَلدٌ وُلِدُوا في كتَابَتِهِ، أَو كاتَبَ عَلْيَهِم، وُرِثُوا مَا بقِيَ مِنَ المَالِ بَعدَ أَدَاءِ مَا بقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كتَابَتهِ). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَرثْهُ وَلَدُهُ الأَحرَارُ، لأَنَّهُ مَاتَ عَبْداً، والحُرُّ لا يَرِثُ العَبْدَ، ولَم يَكُن مَا بَقِيَ مِنْ مَالهِ بعدَ قَضَاءِ كِتَابَتِهِ لِسَيِّدِه مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَد اسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَتِهِ مَا قَدْ عَاقَدَهُ عَلَيْهِ فَصَارَ بَاقِي مَالهِ لِمَنْ يَسْتَعِينُ بهِ على كِتَابتهِ، وَهُم الوَلَدُ الذينَ وُلِدُوا لَهُ في كِتَابتهِ، أَو كَاتَبَ عَلَيْهِم. قالَ غَيْرُهُ: وكَذَلِكَ حُكْمُ وَلَدِ الوَلَدِ، والإخْوَةِ، والأَبَوَيْنِ، والجُدُودِ، في مِثْلِ هذه المَسْاَلةِ يأخُذُ السَيِّدُ بَاقِي كِتَابتهِ مِنْ مَالِ المُكَاتَبِ، ثُمَّ يَرِثُ البَاقِي مِنْ مَالِ المُكَاتَبِ هؤُلاَءِ المَذْكُورِينَ إذا كَانُوا مَعَهُ في كِتَابة وَاحِدَةٍ. * قالَ عِيسَى: إنَّما قُسِمَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ كِتَابَةِ ابنِ المُتَوكِّلِ بعدَ قَضَاءِ كِتَابتهِ بَيْنِ ابْنَتِهِ ومَوْلاَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّها كَانَتْ وُلِدَتْ لَهُ في حَالِ الكِتَابَةِ، وبهذا قَضَى عبدُ المَلِكِ بنُ مَروَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ، فَلَم يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أُجِيزَتْ كِتَابَةُ المُكَاتَبِ لِعَبْدِه إذا لَمْ يَظْهر مِنْهُ في ذَلِكَ مُحَابَاة لِعَبْدِه، وذَلِكَ أَنْ يُكَاتِبَهُ باَقَلَّ مِنْ كِتَابَتِهِ مَالَه، فإنْ فَعَلَ ذَلِكَ رُدَّتْ كِتَابَتُهُ لَهُ، وفُسِخَ ذَلِكَ، لأَنَّ في ذَلِكَ تَلَفاً لِمَالهِ، وفِيهِ ضَرَرٌ على سَيِّدِه، إذ قَدْ يَغجَزُ هُوَ عَنْ كِتَابتهِ، فَيُبَاعُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ هذا العَبْدُ الذي كَاتَبَهُ هُوَ، وأَمَّا إذا كَاتَبَهُ بِمِثْلِ كِتَابتهِ بَعْدَ ذَلِكَ ولَم تَزِدْ كِتَابَتُهُ [فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ] (١) قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ في مُكَاتَب بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَنْظَرَهُ أَحَدُهُمَا بِحَقِّه وأَبَى الآخَرُ أَنْ يُنْظِرَهُ ثم مَاتَ المُكَاتَبُ، وذَكَرَ المَسْأَلَةَ إلى آخِرها.

стр. 402

تَفْسِيرُ كَيْفَ يَتَحَاصَّانِ في تَرِكَةِ المُكَاتَبِ هُوَ أَنْ يَعلَمَ قَدرَ مَا بَقِيَ الذي لَمْ يُنْظرهُ، فَيَعلَمُ قَدرَ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الكِتَابَةِ، ثُمَّ يُقْسِمُ ذَلِكَ المَالَ الذي تَرَكَهُ المُكَاتَبُ بَيْنَهُمَا على قَدرِ مَا بَقِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الكِتَابَةِ مِمَّا قَلَّ أو كَثُرَ. قالَ عِيسَى: إذا انْعَقَدتِ الكِتَابَةُ بَيْنَ السَيِّدِ وعَبْدِه بِحَمَالَةٍ سَقَطَتْ عَنْهُ الحَمَالَةُ، ومَضَتِ الكِتَابَةُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ حَمِيلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: لَوْ تَعَجَّلَ المُكَاتَبُ العِتْقَ بالحَمَالَةِ التي تَحَمَّلَها عنهُ الحَمِيلُ لَجَازَ ذَلِكَ، وعُتِقَ العَبْدُ، وأُتْبِعَ السَيِّدُ الحَمِيلَ بالكِتَابَةِ إنْ عَجَزَ العَبْدُ عَنْ أَدَائها. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا كَاتَبَ السَيِّدُ ثَلاَثَةَ أَعبُدٍ كِتَابَة وَاحِدَةً ولَا رَحِمَ بَيْنَهُم، فَبْغضُهُم حَمِيلاً عَنْ بَعْضٍ، فإنْ مَاتَ أَحَدُهُم عَنْ مَالٍ أَدَّى عَنْهُم جَمِيعَ مَا عَلَيْهِم مِنْ مَالِ المَيِّتِ وعُتِقُوا، وأَتْبَعَهُم السَيِّدُ بِحُصَصِهِم مِنَ الكِتَابَةِ التِّي أُدِّيتْ عَنْهُم مِنْ مَالِ المَيِّتِ، يَقْضِي ذَلِكَ عَلَيْهِم على قَدرِ طَاقَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم على السَّعِي في الكِتَابَةِ، ولا يُنْظَرُ في ذَلِكَ إلى أَثْمَانِهِم، لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الذي ثَمَنُهُ عُشْرُونَ دِينَارَاً أَقْوَى على السَّعِي في الكِتَابَةِ مِنَ الذي ثَمَنُهُ مَائةُ دِينَارٍ، فَلِهذَا يَقْضِي على كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم مَا أَدَّى عَنْهُم على قَدرِ قُوَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم على السَّعِي في الكِتَابَةِ. قالَ: وإذا كَانُوا قَرَابَةً يَتَوَارَثُونَ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُم عَنْ مَالٍ فَعُتِقُوا بِمَالِهِ لَمْ يتبعهم السَّيِّدُ حِينَئِذٍ بِمَا أَدَّى عَنْهُم مِنْ مَالِ المَيِّتِ، وكَانَ فَضْلُ المَالِ الذي هلَكَ عَنْهُ المَيِّتُ بَغدَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِم للسَّيِّدِ، وإنَّمَا لَمْ يُتْبعهُمْ السَّيِّدِ في هذِه المَسْأَلَةِ بِمَا أَدَّى عَنْهُم مِنْ مَالِ المَيِّتِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ المَيِّتَ لَو أَعتَقُهُم مِنْ مَالِهِ في حَيَاتِهِ لَمْ يُتْبِعهم بِذَلِكَ، لأَنَّهُم قَرَابَة يَتَوَارَثُونَ، بِخِلاَفِ الذينِ لا يَتَوَارَثُونَ.

стр. 403

بابُ القِطَاعَةِ في الكِتَابةِ (١) وجِرَاحِ المُكَاتَبِ كَرِة بعضُ النَّاسِ مُقَاطَعَةَ السَّيِّدِ مُكَاتِبَهُ عَلَيْهِ، ويُسْقِطُ عَنْهُ بَعضَهُ، مِثْلَ أَنْ يُكَاتِبَهُ بألف إلى عَشَرَةٍ أَعوَام، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بعدَ مُدَّةٍ: عَجِّلْ مَائِةً وأَنْتَ حُرٌّ، فقالَ مَنْ أَنْكرَ هذَا: إنْ هذَا لا يَجُوزُ، لأَتهُ مِنْ قَبيلِ (ضع وَتَعَجَّلْ) (٢)، وهذا حَرَامٌ، ولَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ، وإنَّمَا هُوَ إحسَانٌ مِنْ قِبَلِ السَّيِّدِ، كَمَا أَنَّ أَصلَ الكِتَابَةِ إحسَانٌ مِنْ قِبَلِ السَّيِّدِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا قَاطَعَ أَحَدُ الشِّرِيكَيْنِ المُكَاتَبَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِه، ثُمَّ عَجَزَ المُكَاتَبُ كَانَتْ رَقَبَتُهُ للذِي تَمَسَّكَ بالرِّقِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَأخُذَ قَاطِعُ نِصفِ مَا يَعضُلُهُ بهِ، ويرجِعُ العَبْدُ بَيْنَهُمَا على حَسَبِ اشْتِرَاكِهِما فيهِ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ: وإنْ مَاتَ العَبْدُ كَانَ مِيرَاثُهُ للذِي لَمْ يُقَاطِعهُ، لأَنَّهُ حِينَ قَاطَعَهُ الذِي قَاطَعَهُ قَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وأَبْقَاهُ عَبْدا لِشَرِيكِه، وإنْ كَانَ الذِي قَاطَعَهُ قَدْ أَخَذَ

стр. 404

أَكْثَرَ مِما تَرَكَ العَبْدُ فإنَّهُ يرجِعُ عَلَيْهِ الذي لَمْ يُقَاطِعهُ، فَيَأْخُذُ منهُ نِصْفَ مَا يَفضُلُه بهِ، وهذا إذا كانَ العَبْدُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: فإنْ قَاطَعَهُ أَحَدُهُمَا بإذنِ شَرِيكِه ثُمَ مَاتَ العَبْدُ أَو عَجَزً، وكَانَ الذي لَمْ يُقَاطِعهُ قَد استَوْفَى مِثْلَ مَا أَخَذَ الذي قَاطَعَهُ أَو أَكثَرَ كَانَ العَبْدُ بَيْنَهُمَا نصفَيْنِ، وإنْ كَانَ الذي اسْتَوْفَى أَقَلَّ خُيرَ الذي قَاطَعَهُ بَيْنَ أَنْ يَدفَعَ إليه نِضفَ مَا يَفْضُلُه بهِ، ويَرْجِعُ في حِصَّتِهِ مِنَ العَبْدِ، أو يَكونَ العَبْدُ كُلُّه للذِي لَمْ يُقَاطِعهُ، قال: وإنَّمَا هذَا إذا عَجَزَ العَبْدُ، وأما إذا مَاتَ العَبْدُ فإنَّهُ يَسْتَوفِي الذي لَمْ يُقَاطِعهُ مِنْ تَرِكَةِ العَبْدِ جَمِيعَ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الكِتابَةِ، وكانَ مَا بَقِيَ مِن مَالِ المُكَاتَبِ المَيِّتِ بَيْنَهُمَا نِصفَيْنِ (١). قالَ ابنُ نَافع: إذا قَاطَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ المُكَاتَبَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِه، ثُمَ [يَعجَز] (٢) المُكَاتَبٌ أَو يَمُوتُ فإنَي أَرَى أَنْ يَفسِخَ ذَلِكَ، وَيرجِعَ الذي لَمْ يُقَاطِعهُ على نَصِيبهِ مِنَ الرَّقَبةِ إنْ عَجَزَ العَبْدُ، أَو على نصِيبهِ مِنَ المِيرَاثِ إنْ مَاتَ العَبْدُ على ما أَحَبَّ صَاحِبُهُ أَو كَرِة، أَو على مَا أَحبَّ هذا أَو كَرِهَ، ولَيْسَت حَالُهُ كَحَالِ مَن قَاطَعَ مُكَاتَبَاً بإذنِ شَرِيكِهِ (٣). قالَ عِيسَى: في مُكَاتَبَيْنِ كُوتِبا جَمِيعَاً فَجَرَحَ أَحَدُهُمَا رَجُلاً جَرْحَاً فِيهِ عَقْلٌ يعجَزُ الجَارِحُ عَنْ أَدَاءِ عَقلِ ذَلِكَ الجَرحِ، فأدَّى صَاحِبُهُ عَقْلَ ذلك الجَرح، ثمّ عُتِقَا جَمِيعَاً بأَدَائِهِما جَمِيعَ الكِتَابَةِ، فإنهُ يُتْبِعُ المُودِى الجَارِحَ بِمَا وَدَى مِن دِيَةِ الجَرحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الجَارِحُ مِنْ قَرَابَةِ المُودِي، ويكونُ مِمَّن يَعتِقُ عَلَيْهِ إذا مَلَكَهُ، فإنهُ لا يُتْبِعهُ شَيءٌ بِمَا وَدَى عَنْهُ منْ ذَلِكَ. قالَ عيسَى: وإنْ جَرَحَ أَحَدُ المُكَاتِبين صَاحِبَهُ خَطَأً ولَا رَحِمَ بَيْنهُمَا، فإنَّهُ يُقَالُ للجَارِحِ: أَعقِلْ مَا جَنَيْتَ، وتَكونَانِ على كِتَابتكُمَا، ويُحْسَبُ ذَلِكَ لَكُمَا مِنْ آخِرِ

стр. 405

الكِتَابَةِ، فإنْ أَدَّاهُ كَانَا على كِتَابتهِما، وحُسِبَ لَهُمَا عَقْلُ ذَلِكَ الجَرحِ، وذَلِكَ مِنَ الكِتَابَةِ، فإذا أُعتِقَا بأَدَاءِ الكِتَابَةِ أُتْبِعَ المَجْرُوحُ الجَارِحَ بِنصفِ عَقْلِ ذَلِكَ الجَرحِ، وذَلِكَ لِمَا قَضَى بهِ عَنِ الجَارِحِ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابتهِ، وهذا إذا كَانَا في الكِتَابةِ سَوَاءٌ، فينْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ في أَدَاءِ الكِتَابَةِ فإنَّهُ يَتْبَعُ المَجْرُوحُ الجَارِحَ بِقَدرِ مَا قَضَى عَنْهُ على حِسَابِ ما كَانَ يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ الكِتَابَةِ. قالَ: وإنْ عَجَزَ الجَارِحُ عَنْ أَدَاءِ عَقْلِ الجَرْحِ فَخَافَ المَجْرُوحُ أَنْ يعجَزَ بِعَجْزِ الجَارِحِ، فَأَدَّى عَقْلَ ذَلِكَ الجَرْحِ، ثُمَّ عُتِقَا جَمِيعَا، فَأَدَّى بِهِما الكِتَابَةَ أَتْبَعَ المَجْرُوحُ الجَارِحَ بِجَمِيعِ عَقْلِ الجَرحِ، فَإنْ كَانَ الجَارِحُ مِمَّنْ يعتِقُ على المَجْرُوحِ إذا مَلَكَهُ لَمْ يُتْبعهُ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ (١). قالَ عِيسَى: وإذا كَانَ الزَّوْجَانِ في كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ فأُعْتِقَا بِسِعَايةِ أَحَدِهِما في الكِتَابَةِ لم يتبع صَاحِبَهُ بِشَيءٍ مِمَّا وَدَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وأَيُّهُما مَاتَ عَنْ مَال فِيهِ وَفَاءٌ بالكِتَابَةِ وفَضْلٌ أَخَذَ السَيِّدُ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الكِتَابَةِ مِنْ مَالِ المَيِّتِ، ووَرِثَ فَضْلَةَ المَالِ بالرِّقِ بَغدَ مِيرَاثهِ الزَّوْجَ أو الزَّوْجَةَ، ولَم يَرجِع على الذي أَعتَقَ مِنْهُما بِشَيءٍ مِمَّا عَتَقَ بهِ مِنْ مَالِ المَيّتِ مِنْهُما، كَمَا أنَّ المَيِّتَ لَو كَانَ حَيَّا لم يَرجِع على صَاحِبهِ بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا جَازَ للسَّيِّدِ أَنْ يَبِيَعَ ما كَاتَبَ بهِ عَبْدَهُ مِنَ العُرُوضِ المَوْصُوفَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا، مِنْ أَجْلِ أَنْ بَيع العرضِ المَوْصُوفِ جَائِزٌ بالدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمَ، وبالغَرضِ المُخَالِفِ للعَرضِ المَبِيعِ إذا قَبَضَ ذَلِكَ البَائِعُ ولم يَتَأَخر قَبْضُهُ، لأَنَّهُ إنْ أَخَّرَ القَبْضَ دَخَلَهُ الدَّيْنُ بالدَيْنِ. قالَ: فإنْ أَدَّى ذلكَ المُكَاتَبُ خَرَجَ حُرَّاً، وبَقِيَ وَلاَؤُهُ للذِي عَقَدَ لَهُ الكِتَابَةَ، وذَلِكَ أَنَّ المُشْتَرِي قَدْ قَبَضَ جَمِيعَ مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ، وإنْ عَجَزَ المُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الكِتَابَةِ كَانَ عَبْداً للذي اشْتَرَى كِتَابَتَهُ، وذَلِكَ أَنَّ المُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابتهِ شَيءٌ، فَلَمَّا عَجَزَ صَارَ عَبْدَاً للذي اشْتَرَى كِتَابتهُ.

стр. 406

قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يَجُوزُ للسَّيِّدِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ بالعُرُوضِ المَوْصُوفَةِ، والدَّوَابِ المَنْعُوتَةِ، وُينْجِمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ أَنْجُمَا مُعتَدِلَةً مَعلُومَة على حَسَبِ مَا يَتَرَاضِيَانِ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وإذا وَقَعَتِ الكِتَابَةُ بعُرُوضٍ غَيْرِ مَوْصُوفَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وفُسِخَتِ الكِتَابَةُ، وإذا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِه: أُكَاتِبُكَ على عَرضِ كَذَا، وعلى رَأْسٍ مِنْ جِنْسِ كَذَا، ولَم يَذْكُز لِذَلِكَ صفَةً فإنْ لِسَيِّدِه الوَسَطَ مِنْ ذَلِكَ العَرضِ، ومِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا كَاتَبَ العَبْدُ على نَفْسِهِ وعَلَى أُمِّ وَلَدِه فَذَلِكَ انْتِزَاعٌ مِنَ السَّيِّدِ لَها مِنَ العَبْدِ، فَلِذَلِكَ لَا يَطَأها المُكَاتَبُ، فإنْ مَاتَ المُكَاتَبُ كَانَ لَها أَنْ تَسْعَى في الكِتَابَةِ، وإنْ [أَدَّتْ] (١) الكِتَابَةَ لَمْ يَكُنْ المُكَاتَبُ عَلَيْها سَبِيلٌ، إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَها بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ إنْ رَضِيَتْ به، ويكُونُ وَلاَؤُها لِسَيِّدِ المُكَاتَبِ. فالَ عِيسَى: إذا مَاتَ المُكَاتَبُ وتَرَكَ أَوْلاَداً صِغَاراً وأُمَّ وَلَدٍ، ولَم يَتْرُكْ مَالاً يُؤَدِّي مِنْهُ نُجُومَهُم إلى أَنْ يَبْلُغُوا السَّعْيَ فَيَسْعُوا في كِتَابَتِهِم، فإنَّ أُمَّ وَلَدِ أَبِيهِم تُبَاعُ فَيُؤَدَّى عَنْهُم مِنْ ثَمَنِهِا نُجُومَهُم إلى أَنْ يَبْلُغُوا السَّعْيَ، فإنْ أَدُّوا أُعتِقُوا، وإن عَجَزُوا عَنِ الأَدَاءِ رُقُّوا. وقالَ ابنُ نَافِعٍ: لا تُبَاعُ لَهُم إلَّا أَنْ يَكُونَ في ثَمَنِها مَا أَنْ بِيعَتْ بهِ عُتِقُوا فِيهِ، وإلَّا فَلَا تُبَاعُ. قالَ عِيسَى: وإذا مَاتَ المُكَاتَبُ وتَرَكَ أُمَّ وَلَدِه، ولَم يَتْرُكْ مَالاً وقَد كُوتِبَ مَعَهُ غَيْرُ وَلَدِه فأَدُّوا بعدَ مَوْتهِ كِتَابتهُم، فإنَّ أُمَّ وَلَدِه مَال مِنْ مَالِ المَيِّتِ يَأْخُذَها سَيِّدُهُ، وقَد كَانَ الذينَ كُوتِبُوا مَعَ سَيِّدِها المَيِّتِ إذا خَافُوا العَجْزَ على أَنْفُسِهِم أنْ تُبَاعَ لَهُم، وَيسْتَعِينُونَ بِثَمَنِها في كِتَابَتِهِم، فإنْ عُتِقُوا أَتْبَعَهُم السَّيِّدُ بِثَمَنِها على قَدرِ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم، كان اسْتَغْنُوا عَنْها وأَدُّوا عَنْ أَنْفُسِهِم لَمْ تُغتَقْ مَعَهُم ورَقَّتْ للسَّيِّدِ، ولَا تُعتَقُ أُمُّ وَلَدِ المُكَاتَبِ إلَّا مَعَ سَيِّدِها، أَو مَعَ وَلَدِه، كَانَ وَلَدُهُ مِنْها أَو مِنْ غَيْرِها.

стр. 407

في عِتْقِ المُكَاتَبِ إذا عجَّل مَا عَلَيْهِ، وِميرَاثِ المُكَاتَبِ إذا مَاتَ، والوَصِيَّةِ لَهُ بِما عَلَيْهِ * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قالَ أُبو مُحَمَّدٍ: إنَّما لَزِمَ السَّيِّدُ أَنْ يَقْبضَ مَا عَجَّلَهُ لَهُ مُكَاتِبُهُ مِنَ الكِتَابَةِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ أَجَلُها مِنْ أَجْلِ أنَّ مِرفَقَ التأَجُلَ في الكِتَابةِ هُوَ المُكَاتَبِ لا السيِّدُ، فإذا عَجَّلَ ذَلِكَ المُكَاتَبُ لَزِمَ السيدُ القَبْضَ، وبِهذا قَضَى عُمَرُ وعُثْمَانُ، وقَضَى به مَروَانُ بنُ الحَكَمِ على الفَرَافِصَةَ بنِ عُمَيْرٍ ويُعتَقُ حِينَئِذٍ العَبْدُ، ويَسْقُطُ عَنْهُ السَّفَرُ والخِدمَةُ التي يَشْتَرِطُهُا عليهِ السَّيِّدُ. قالَ أُبو مُحَمَّدٍ: إنَّما يَسْقُطُ مِنْ ذَلِكَ عَنِ المُكَاتِبِ إذا كَانَ المُشْتَرطُ تَافِها يَسِيرَاً في جُمْلَةِ الكِتَابَةِ، وأَمَّا إذا كَانَتِ الخِدمَةُ أَكْثَرَ الكِتَابَةِ لَمْ يُعتَقِ المُكَاتَبُ، وإنَّ عَجَّلَ ما عليهِ مِنَ الكِتَابَةِ، إلَّا بِتَمَامِ الخِدْمَةِ التي بِها انْعَقَدتِ الكِتَابَةُ بَيْنَ السيَّدِ والعَبْدِ. قالَ عِيسَى: وإذا كَانَ عَلَيْهِ مَعَ كِتَابتهِ ضَحَايا، أَدَّى قِيمَتَها نَقْدَاً، لأنَّها كَبَعضِ النُّجُومِ التِّي عَلَيْهِ، فَلَا يَتُمُّ عِتْقُهُ وإنْ عَجَّلَ مَا عَلَيْهِ، إلاَ بأَدَاءِ قِيمَةِ الضَّحَايا التي كَانَتْ عَلَيْهِ (١). * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا اجْتَمَعَ الإخْوَةُ في الكِتَابَةِ، فَوُلدَ لأَحَدِهِم وَلدٌ، ثُمَّ مَاتَ الذي وُلدُ لَهُ الوَلَدُ عَنْ مَالٍ، أُدِّي عَنْ هؤُلاَءِ الإخْوَةِ بَاقِي الكِتَابَةِ مِنْ مَالِ المَيِّتِ، فَإنْ فَضَل بعدَ ذَلِكَ مِنْ مَالهِ فَضْل كَانَ لِوَلَدِ المُتَوفَّى دُونَ إخْوَتهِ الذينَ كَانُوا مَعَهُ في كِتَابَتِهِ، ولَا يَبِيعُ الوَلَدُ أعمَامَهُ بِما وَدَى عَنْهُم مِنْ مَالِ أَبيهِ الذينَ

стр. 408

عُتِقُوا بهِ، كَمَا أنَّ المَيِّتَ كَانَ لا يتبِعُهُم بِمَا يُودِّي عَنْهُم مِنْ مَالٍ بعدَ عِتْقِهِم، وقَالهُ مَالِكٌ. قالَ ابنُ مُزَيْن: وقَالَ أَصبَغُ بنُ الفَرَجِ: إذا أَدَّى الوَلَدُ بَاقِي الكِتَابَةِ عَنْ أَعْمَامهِ مِنْ مَالِ نَفْسِه وعُتِقُوا بعدَ ذَلِكَ أَتْبَعَهُم بعدَ عِتْقِهِم بِمَا وَدَى عَنْهُم على قَدرِ سَعَايةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم في الكِتَابةِ. قالَ أصبَغُ: وإنْ أَدَّى عَنْهُم مِنْ مَالِ أَبيهِ المَيِّتِ لَمْ يَرْجِعْ على أَعمَامهِ بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أنَّ أَبَاهُ المُتَوفَّى كَانَ لَا يَرجِعُ على إخْوَتهِ بِشَيءٍ مِمَّا يُودَّي عَنْهُم مِنَ الكِتَابةِ. قالَ عِيسَى: إذا لم يَكُنْ للمُكَاتَبِ وَلَدٌ كَاتَبَ عَلَيْهِم، ولَا وُلِدُوا لَهُ في كِتَابتهِ، فإنَّ إخْوَتَهُ يُؤَدُّونَ عَنْ أَنْفُسِهِم مَا بَقِيَ عَلَيْهِم مِنْ كِتَابَتِهِم مِنْ مَالِ أَخِيهِم المُتَوفَّى ثُمَّ يَرِثُونَ بَقِيّة مَالِ أَخِيهِم المُتَوفَّى. قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: وقَالَ ابنُ نَافِع: لا يَرِثُ المُكَاتَبُ إذا مَاتَ عَنْ فَضْلَةِ مَالٍ أَحدٍ مِمَّنْ كوتبَ مَعَهُ إلَّا الوَلَدُ خَاصَّةً، وأَمَّا الآبَاءُ والإخْوَةُ وغَيْرُهُم فَلَا أَرَى أَنْ يَرِثُوهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ لِسَيِّدِه (١) وقالَ ابنُ القَا سِمِ: يَرِثُهُ وَلَدُهُ، وَوَلَدُ وَلَدِه، وأَبَوُهُ، وَجَدُّهُ، وإخْوتُهُ، ولَا يَرِثُهُ مِنْ قَرَابتِهِ مَنْ إذا مَلَكَهُم لَمْ يُعتَقُوا عَلَيْهِ (٢). * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَجَازَ مَالِكٌ للسيِّدِ أَنْ يَعتِقَ مِنَ المُكَاتِبينَ الذينَ كُوتِبُوا كِتَابَة وَاحِدَة الشَّيْخَ الذي لا رَجَاءَ فِيهِ للسَّعَايةِ، والصَّغِيرَ السِّنِّ. وقالَ ابنُ نَافِع: لَا يَجُوزُ للسَّيِّدِ أَنْ يَعتِقَ مِنَ المُكَاتِبينَ صَغِيرَاً لا يَرضَى أَصحَابُهُ الذينَ كُوتِبُوا مَعَهُ، فإنْ رَضُوا بِذَلِكَ بعدَ العِتْقِ وَسَعُوا عَنْهُم في الكِتَابَةِ، وإنْ لَمْ يَزضُوا بِذَلِكَ لَمْ يُنْفَذْ عِتْقُ السَّيَدِ، لأَنَّ الصَّغِيرَ قَدْ يَكْبَرُ وَيسْعَى في الكِتَابةِ

стр. 409

مَعَ الكِبَارِ، وهذا بِخِلاَفِ الشَّيْخِ الذي لا رَجَاءَ فِيهِ للسَّعَايةِ، وعِتْقُ مِثْلُ هذا يُنْفَذُ على أَصحَابهِ المُكَاتَبينَ مَعَهُ، وكَذَلِكَ يُنْفَذُ عَلَيْهِم عِتْقُ الصَّغِيرِ الذي لَا رَجَاءَ فِيهِ للسَّعَايةِ، ولَم يَبْقَ مِنْ أَجَلِ الكِتَابَةِ مَا قَدْ يَقْوَى بهِ ذَلِكَ الصَّغِيرُ على الأَدَاءِ مَعَ أَصحَابهِ (١). * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ: إذا وَضَعَ السَّيِّدُ عَنْ مُكَاتَبِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ أَوَّلِ كِتَابتهِ أو مِنْ آخِرِها، وذَكَرَ المَسْأَلَةَ إلى آخِرِها قالَ ابنُ القَاسِمِ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ على المُكَاتَبِ ثَلاَثُمَائةِ دِينَارٍ، فإنْ كَانَ سَيِّدُهُ وَضَعَ عَنْهُ المَائَةَ الأُولَى نُظِرَ كَم قِيمَتُها لَو كَانَتْ تُبَاعُ نَقْدَاً في قُربِ مَحَلِّها وتَأْخِيرِها، لأَنَّ آخِرَ النُّجُومِ لَيْسَ هُوَ مِثْلُ أَوَّلها في القِيمَةِ على حَالِ العَبْدِ في مَلاَئهِ، وقَدْرِ قُوَّتِهِ على الأَدَاءِ، فإنْ كَانَتْ قِيمَةُ المَائةِ الأُولَى خَمسِينَ دِينَارَاً، قِيلَ: فَمَا قِيمَةُ المَائةِ الثَّانِيَةِ؟ فتؤْخَذُ ثَلاَثِينَ دِينَارَاً، ثُمَّ يُقَالُ: مَا قِيمَةُ المَائةِ الثَّالِثَةِ؟ فتؤْخَذُ عِشْرِينَ دِينَاراً، فإذا وَضَعَ عَنْهُ النَّجْمُ الأَوَّلُ كَانَ الذي وَضَعَ عَنْهُ سَيِّدُه نِصْفُ رَقَبَتِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ: أَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَقَلَّ في القِيمَةِ، نِصْفُ رَقَبتِهِ، أَو النَّجْمُ [الأوَّلُ] (٢)؟ فَيُوضَعُ ذَلِكَ في ثُلُثِ المَيِّتِ، فإنْ خَرَجَ مِنَ الثُلُثِ عُتِقَ نِصفُهُ، وإذا وَضَعَ عَنْهُ النَّجْمُ الأَوْسَطُ أو الآخَرُ فإنَّهُ يُحسَبُ ذَلِكَ على نحوِ مَا تَقَدَّمَ، ويَدْخُلُ في ثُلُثِ المَيِّتِ الذي هُوَ أَقَلُّ، ولا يَدخُلُ في ثُلُثهِ النَّجْمُ الأَوَّلُ ولا الثَّانِي ولا الثَّالِثُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصِيبُهُ مِنْ رَقَبَتِهِ، لأَنَّ السَّيِّدَ لَو وَضعَ عَنْهُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يدخُلْ في ثُلُثِهِ إلَّا الذي هُوَ أَقَلُّ في القِيمَةِ مِنْ رَقَبَتِهِ، أَو مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الكِتَابَةِ، وذَلِكَ أَنَّ الوَصَايَا تَدخُلُ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْراً لأَهْلِ الوَصَايا أَنْ تَتِمَّ وَصَايَاهُم، ولَيْسَ على الوَرَثةِ في ذَلِكَ ضَرَرٌ، فإنْ كَانَ النَّجْمُ الأَوَّلُ نِصْفَهُ ولَم يَتْرُك المُتَوفَّى مَالاً غَيْرَهُ، خُيّرَ الوَرَثةُ بَيْنَ

стр. 410

أَنْ يُمضُوا ذَلِكَ النَّجْمَ بِعَيْنهِ الأَوَّلِ، ويَعتِقُوا الذي كَانَ يُصِيبُهُم مِنَ قِيمَةِ رَقَبَةِ النِّصْفَ، ويُسْقَطُ ذَلِكَ النَّجْمُ بِعَيْيهِ، ويَكُونُ لَهُم النَّجْمَانِ البَاقِيَانِ، فإن اسْتَوفُوا ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُم وعُتِقَ المُكَاتبُ، وإنْ عَجَزَ عَنِ الأَدَاءِ لَمْ يُرَقَّ مِنْهُ إلَّا نصفُهُ، فينْ أَبَوا أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ عُتِقَ مِنَ المُكَاتَبِ الثُلُثُ وَوُضِعَ عَنْهُ مِنْ كُلّ نَجْمٍ ثُلُثُهُ، وإنْ عَجَزَ كَانَ ثُلُثَهُ حُرَّاً، وثُلُثَاهُ رَقِيقَاً للوَرَثةِ، ويَكُونُ لَهُ مِنْ نَفْسهِ بِقَدرِ مَا فِيهِ مِنَ الحُرِّيَةِ (١). * * * تَمَّ الكِتَابُ بِحَمدِ اللهِ تَعَالَى يَتْلُوهُ كِتَابُ البِيُوعِ إنْ شَاءَ اللهُ * * *

стр. 411

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على سيِّدنا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسلَّم تَسْلِيماً تَفْسِيرُ البِيُوعِ * مالك، عَنِ الثِّقَةِ، عَنْ كِتَابِ عمروِ بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّه: "أَنَّ النبي ﷺ نَهى عَنْ بَيع العُرْبَانِ". يُقَالُ: إنَّ الثِّقَةَ الذي [لم] (١) يُسَمِّه مَالِكٌ في سَنَدِ هذا الحَدِيثِ هُوَ بُكَيْرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الأَشَجِّ، ولَم يَروُه عنهُ مَالِكٌ، ولَكِنَهُ أَخَذَ مِنْ وَلَدِه مخْرَمَةَ، فكَانَ يُكَنِّي عَنْ بُكَيْرٍ ولَا يُصَرِّحُ باسْمِهِ (٢). وقال لِي أَبو مُحَمَّدٍ: أَحَادِيثُ عَمروِ بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَده مُرسَلَةٌ، لأَنَّ عمراً يروِيها عَنْ أَبيهِ شُعَيْبٍ، عَنْ جَدِّه مُحَمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمروِ بنِ العَاصِي، ومُحَمَّدٌ جَدُّ عمروِ بنِ شُعَيْب لَيْستْ لَهُ صُحبَةٌ، وقالَ يحيى بنُ مَعِين: أَحَادِيثُ عَمروِ بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبيه عَنْ جَدِّه صِحَاحٌ. قالَ عِيسَى بنُ دِينَار: إذا انْعَقَدَ الكِرَاءُ أو البَيْعُ على حَسَبِ مَا ذَكَرهُ مالك في حَدِيثِ العُربَانِ فُسِخَ جَمِيعُ ذَلِكَ، فإنْ فَاتَ كَانَتْ فِيهِ القِيمَةُ، لأنَّهُ شَيء تَخَاطَرا فِيهِ، وَهُو مِنْ أَكْلِ المَالِ بالبَاطِلِ، لأَنَّهُ يَتْرُكُ له العُرْبَانِ إذا دَفَعَهُ إليه [إذا]، (٣) لَمْ

стр. 412

يَتِمُّ البَيْعُ بَيْنَهُما أَو الكِرَاءُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وهذَا حَرَامٌ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: العَبيدُ والإماء صِنْف وَاحِدٌ، إلَّا ذُو النَّفَاذِ والمَعْرِفَةِ والتِّجَارَةِ مِنَ الدُّكُورِ، وذَوَاتِ الصَّنْعَةِ مِنَ الإمَاءِ، فإذا اخْتَلَفُوا فَبَانَ اخْتِلاَفُهُم جَازَ أنْ يُسْلِمَ بَعضُهُم في بعض بِصِفَةٍ مَعلُومة، وأَجَلٍ مَعلُومٍ، فإنْ لم يَخْتَلِفُوا لم يَجْزِ مِنْهُم وَاحدٌ باثْنَيْنِ إلى أَجَل، وَيجُوزُ ذَلِكَ يَداً بِيَدٍ. قالَ الأَبْهرِيُّ: إنَّما جَازَ للمُسْلَمِ أَنْ يَبِيعَ ما سَلِمَ فِيهِ مِنَ العُرُوضِ بِصِفَةٍ وأَجَلٍ مِنْ غَيْرِ الذي سَلِمَ إليه فِيها قَبْلَ قَبْضِها، مِنْ أَجْلِ أَنَّ المُسْلَمَ قَدْ مَلَكَ ذَلِكَ الشَيءَ، فالمُسْلَمُ مَنْ يُعَدُّ الصَّفْقَةَ وبالضَفَةِ، فَلِذَلكَ جَازَ لَهُ بَيْعُ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِ إذا بَاعَهُ، [ومَا كَانَ] (١) بِدَيْنٍ لم يَجُزْ، لأَنَّهُ يَدخُلُه فَسْخُ دَيْن في دَيْنٍ، وقَدْ نُهِيَ عَنِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مالِكٍ: (لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى جَنِين في بَطْنِ أُمِّه إذا بِيعَتْ، لأن ذَلِكَ غَرَرٌ لا يَجُوزُ). قالَ عِيسَى: فإذا وَقَعَ هذا البَيْعُ فُسِخَ، فَإنْ مَاتَتِ الأَمَةُ بالوِلاَدةِ، أو باخْتِلاَفِ الأَسْوَاقِ، وبِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الفَوْتِ مَضَى البَيع، وكَانَتْ فِيهِ القِيمَةُ يَوْمَ قُبضَتِ الأَمَةُ على غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ بالِغَةً بِمَا بَلَغَتْ. قالَ: وإنْ وُلِدَتِ الأَمَةُ وقَبضَ مُسْتَثَني الجَنِينِ الجَنِينَ، فَعُثِرَ على ذَلِكَ بِحُدثَانِ قَبْضِه إيَّاهُ رُدَّ إلى مُبْتَاع الَأُمَّ، وغُرِمَ قِيمَتها يَوْمَ قَبْضِها، فإنْ فَاتَ الجَنِينُ عندَ مُسْتَثنِيهِ بِشَيءٍ مِنْ وُجُوهِ الفوْتِ، كَانَ للبَائِعِ على المُبْتَاعِ قِيمَةُ الأُمّ يَوْمَ بَاعها بلا اسْتِثْنَاءٍ، وكَانَ للمُبْتَاعِ على البَائِعِ قِيمَةُ الجَنِينِ يَوْمَ قَبْضِهِ، ثُمَّ يَبيعَانِ الجَنِينَ والأُمَّ مِنْ مَالِكٍ وَاحِدٍ إنْ عُثِرَ على ذَلِكَ قبلَ إثْغَار الجَنِينِ، مِنْ أَجْلِ النَّهِي الذي جَاءَ عَنِ التَّفْرِقَةِ بينَ الأُمِّ وَوَلَدِها الصَّغِيرِ حتَّى يَثْغَرَ (٢).

стр. 413

قالَ: واشْتِرَاءُ الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّه بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَائهِ عندَ البَيْعِ، العَمَلُ فِيهِ سَواءٌ على حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ العَمَلِ في اسْتِثْنَائهِ عِنْدَ البَيْعِ. * قَوْلُ مَالِكٍ: (في الرجُلِ يَبْتَاعُ العَبْدَ بمِائةِ دِينَارٍ إلى أَجَلِ ثُمَ يَنْدَمُ البَائِعُ)، وذَكَرَ المَسْأَلةَ إلى آخِرِها، إنَّما جَازَ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ في هذِه المَسْأَلةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَائِعَ العَبْدِ ابْتَاعَهُ مِنَ الذي كَانَ [بَاعَهُ] (١) مِنْهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وبمِائةِ دِينَارٍ مَحَاها عَنِ المُبْتَاعِ مِنْهُ أوَّلاً فَجَازَ ذَلِكَ، لأَنَّ هذا كُلَّهُ ثَمَنٌ مُعَجَّلٌ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ لَو كَانَتِ العَشَرَةُ الدَّنَانِيرَ التي يَزِيدُهُ إيَّاها إلى أَجَلٍ، لأَنَّهُ ابْتَاعَ العَبْدَ بِثَمَن، بَعضُهُ نَقدٌ، وَهِي المِائةُ التي مَحَاها عَنِ المُبْتَاعِ مِنْهُ أَوَّلاً، وَهُو البَائِعُ مِنْهُ آخِرَاً، وبعض الثَّمَنِ إلى أَجَل مُسَمَّى، وَهِيَ العَشَرَةُ التي يَزِيدُه إيَّاها إلى أَجَلٍ، فَسَلِمَا مِنْ ذَهبٍ نَقْدٍ بِذَهبِ إلى أَجَلٍ، وجَازَ مَا فَعَلاَهُ. * قالَ مَالِكٌ: (فإذا نَدِمَ المُبْتَاعُ في شِرَائهِ العَبْدَ فَسَأَلَ البَائِعَ أنْ يُقِيلَهُ فِيهِ، ويَزِيدهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ نَقْداً, أَو إلى أَجَل أَبْعَدَ مِنَ الأَجَلِ الذي اشْتَرَى إليه العَبْدَ لَمْ يَجُزْ). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّما لَمْ يَجُزْ هذا لأَنَّ البَائِعَ بَاعَ مِنَ المُبْتَاعِ مِنْهُ أَوَّلاً مِائةَ دِينَارٍ له عَلَيْهِ إلى سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَحِل أَجَلُها بعَبْدٍ وبِعَشَرةِ دَنَانِيرَ نَقْداً لِمَوَالِي أَجَل أَبْعَدَ مِنَ السَّنَةِ، فَدَخَلَ في ذَلِكَ الذَهبُ بالذهب إلى أَجَلٍ، وهذا رِبَا، ولَو كَانَتِ الزِّيَادةُ التي يَزِيدُه إيَّاها المُبْتَاعُ عِنْدَ الأَجَلِ الأَوَّلِ وشَرَطَ المُقَاصَّاةَ بَيْنَهُما لَجَازَ ذَلِكَ، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحُطُّ عندَ الأَجَلِ مِائةً عَنْ صَاحِبهِ، ويَنفَعُ المُبْتَاعُ الزّيَادَةَ التي زَادَهُ إيَّاها في ذَلِكَ الحِينِ، ويَسْلَمَانِ مِنْ ذَهبٍ بِذَهبٍ إلى أَجَل. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ: (فِي رَجُل بَاعَ جَارِية مِنْ رَجُلٍ بمِائه دِينَارٍ إلى أَجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاها مِنْهُ باَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الأَجَلِ الذي بَاعَها إليه أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصلُحُ)، إنَّما لَمْ يَصلح ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ البَائِعَ الأَوَّلِ يَأخُذُ

стр. 414

مِائةً عِنْدَ الأَجَلِ ثُمَّ يَنفَعُ مِائَةً وعَشَرَةَ، فهذا هُوَ الرِّبَا، ولَو أنَّهُ ابْتَاعَها مِنْهُ بتِسْعِينَ دِينَارَاً لَجَازَ ذَلِكَ، لأَنَّ دَافِعَ المِائَةِ يَنتظِرُ عِنْدَ الأَجَلِ تِسْعِينَ، فَلا تُهْمَةَ في هذا، ولَو أَنَّهُ اشْتَرَاها قَبْلَ الأَجَلِ الذي بَاعَها إليه أَوَّلاً بأَكْثرَ مِمَّا بَاعَها بهِ لَجَازَ، لأَنَّهُ يَدفَعُ مِائةً وعَشَرةَ ويَنْتَظِرُ إذا حَلَّ الأَجَلُ مِائةً، فالرِّبا فِيهِ، فإن ابْتَاعَةا قَبْلَ الأَجَلِ بأَقَلَّ مِمَّا بَاعها بهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، لأَنَّهُ يَدفَعُ تِسْعِينَ وَيشْتَرِي السِّلْعَةَ إلى نَفْسِهِ ثم يَأْخُذُ مِائةً عِنْدَ الأَجَلِ، فهذا أَعطَى تِسْعِينَ في مِائةٍ، وهَذا رِبَا.

стр. 415

بابُ مَا جَاءَ في مَالِ المَمْلُوكِ إذا بِيع، إلى آخِرِ عِيُوبِ الرَّقِيقِ قالَ أَبو المُطَرّفِ: روَى [سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ] (١) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "مَنْ بَاعَ عَبْداً ولَهُ مَالٌ فَمَالُهُ للبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (٢). * أَوْقَفَ مَالِكٌ هذَا الحَدِيثَ في المُوطَّأ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، على عُمَرَ، ولَم يَبْلُغْ بهِ النبي ﷺ . وقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذا أَحَدُ الأَحَادِيثِ الأَربَعَةِ التي أَسْنَدَها سَالِمٌ، وأَوْقَفَها نَافِعٌ على ابنِ عُمَرَ (٣). قالَ عِيسَى: لَا يَجُوزُ لِمَنْ بَاعَ عَبْداً ولَهُ مَالٌ أَنْ يَسْتَثْنِي نِصْفَ مَالهِ أَو جُزْءً مِنْهُ، لأَنَّ السُّنَّةَ إتمَا جَاءَتْ باسْتِثْنَائهِ كُلِّه أَو تَركِهِ كُلِّهِ، فإنْ وَقَعَ مِثْلُ هذا البَيْعِ

стр. 416

فُسِخَ، إلَّا أَنْ يَفُوتَ العَبْدُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُؤ الفَوْتِ، فَيَكُونُ لِمُشْتَرِيه بِقِيمَتهِ يَوْم ابْتَاعَهُ، وُيردُّ الذيُّ الذي كَانَ اسْتَثْنَى مِنْ مَالهِ. قالَ عِيسَى: وأَجَازَ أَشْهبُ أَنْ يَسْتَثْنِي المُبْتَاعُ نصفَ مَالِ العَبْدِ أَو جُزْءً مِنْهُ. وقالَ: لَمَّا جَازَ اسْتِثْنَاءُ جَمِيعِه جَازَ أَنْ يَسْتَثْنِي نِصْفَهُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا جَازَ لِمُبْتَاعِ العَبْدِ أَنْ يَسْتَثْنِي مَالَ العَبْدِ، مَعلُوماً كَانَ أَو مَجْهُولاً، لأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَثْنِيهِ للعَبْدِ، وَهُو يُلْغَى في الصَّفْقَةِ، ألاَ تَرَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ على السَّيِّدِ فِيهِ، وأَنَّ العَبْدَ يَتَسرَّرُ في مَالهِ بِغَيْرِ إذنِ سَيِّدِه، فَمَالهُ لَهُ مَا لَمْ يَنْزِعهُ مِنْهُ السَّيِّدُ، وهذا بِخِلاَفِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ شَيْئاً مَعلُوماً ومَجْهُولاً صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَهذا لا يَجُوزُ، لأَنَّهُ لا يَدرِي مَا قَدرُ المَعلُومِ مِنَ المَجْهُولِ الذي اشْتَرَى، فَيَدخُلُه الغَرَرُ، وقَن نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن بَيع الغَرَرِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: العُهْدَةُ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ معلُومَةٌ في الرَّقِيقِ (١)، ولِذَلِكَ كَانَ أَبَانُ بنُ عُثْمَانَ وهِشَامُ بنُ إسْمَاعِيلَ يَذْكُرَانِها في خُطْبَتِهِما ومعنَى تَخدِيدِ ثَلاَثَةِ أَيامٍ في العُهْدَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ [حُمَّى] (٢) الرِّبع تَظْهرُ على المَحمُومِ في مُدَّةِ الثَّلاَثةِ أيام، ومَعنَى تَحدِيدِ السَّنَةِ فِيها مِنْ أَجْلِ اخْتِلاَفِ فُصُولِ السَّنَةِ، فتَخْتَلِفُ الطَّبَائِعُ الأربَعُ، فَيَظْهرُ العَيْبُ الذي هو مُسْتكِنٌّ في العَبْدِ أَو الأَمَةِ في أَحَدِ فُصُولِ العَامِ، ورَوَى قتَادةُ عَنِ [الحَسَنِ] (٣)، عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ

стр. 417

الجُهنِيِّ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلاَثةُ أَيَّام" (١). قالَ عِيسَى: إنَّمَا تَلْزَمُ العُهْدَةُ أَهْلَ كُلِّ بَلدٍ قَدْ عَرَفُوها وجَرُوا عَلَيْها، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَها المُبْتَاعُ علَى البَائِعِ، فَتَلْزَمُهُ في أَيِّ بَلدٍ وَقَعَ البَيع بَيْنَهُمَا فِيهِ، ويُلْزَمُ البَائِعُ المُوَاضَعَةَ في التي تُوطَءُ مِنَ الإمَاءِ (٢)، حتَّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ صَحِيحَيما، لِئَلَّا يُوَطَءَ فرجٌ مَشْكُوكٌ في بَرَاءَتِهِ مِنَ الحَملِ. قالَ عِيسَى: الذي ثَبَتَ عَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ البَرَاءَةَ في الرَّقِيقِ إنَّمَا تَكُونُ في بَيْعِ السُّلْطَانِ خَاصَّةً، لَا مِنْ أَهْلِ المِيرَاثِ ولا غَيْرِهِم. * قالَ أَبو المُطَرفِ: هذا خِلاَفُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ، وفِي بَيْعِ ابنِ عُمَرَ عَبْدَهُ بالبَرَاءَةِ دَلِيلٌ على أَنَّهُ كَانَ بَيْعَاً معرُوفَاً عِنْدَهُم، وذَلِكَ أنْ يَتَبرَّأَ البَائِعُ إلى المُبْتَاعِ عندَ عُقْدةِ البَيع مِنْ عُيُوب لا يَعلَمُها في عَبْدِه أَو أَمَتِهِ، إلَّا أنَّ الضمَان يَلْحَقُهُ فِيمَا يَجِدُهُ المُشْتَرِي مِنَ العُيُوبِ في العَبْدِ أَو الأَمَةِ، فَيُلْزَمُ حِينَئِذٍ البَائِعُ اليَمِينَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِمَا يَظْهرُ مِنَ العُيُوبِ حِينَ بَاعَ، فإنْ حَلَفَ سَقَطَتْ عَنْهُ التَّبعَةُ فِيها، وبهذَا حَكَمَ عُثْمَانُ على ابنِ عُمَرَ في العَبْدِ الذي كَانَ قَدْ بَاعَهُ بالبَرَاءَةِ، فإَباءُ ابنُ عُمَرَ مِنَ اليَمِينِ وتَنَزُّهُ عَنْها إتِقَاء للشُّهْرَةِ، وخَافَ أنْ يَنْزِلَ بهِ بَلاَءٌ أنْ يَقُولَ النَّاسُ: إنَّمَا أَصَابَهُ ذَلِكَ بِسَببِ يَمِييه، وهذه مَسْأَلةٌ اختلفَ فِيها شُيُوخُنا، فَحَدَّثني بَغضُ مَنْ لَقِيتُهُ عَنِ ابنِ لُبَابَةَ (٣) أَنَّهُ قالَ: مَنْ وَجَبتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَهُو فِيها صَادِقٌ فَلَم يَخلِفْها أَنَّهُ مُرَائِي. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابنُ عُمَرَ تَرَكَ اليَمِينَ إذ عَلِمَ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ

стр. 418

عَلَيْهِ في رَدّ العَبْدِ إليه، ولَا يُظَنُّ به أَنَّهُ بَاعَهُ بالبَرَاءَةِ وَهُوَ عَالِم بالعَيْبِ، لأَنَّ هذا مِنَ الغِشِّ الذي لا يَحِلُّ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ: فِيمَنْ بَاعَ عَبْداً وبهِ عَيْبٌ فَكَتَمهُ البَائِعُ المُبْتَاعَ، ثُمَّ حَدَثَ بهِ عندَ المُبْتَاعِ عَيْبٌ مُفْسِدٌ، فإنَّ المُبْتَاعَ بالخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ العَيْبِ مِنَ البَائِعِ أَخَذَهُ، وإنْ أَحَبَّ أنْ يَرُدَّ قِيمَةَ العَبْدِ، ويَرُدُّ مَعَهُ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ مِنَ العَيْبِ المُفْسِدِ فَعَلَ ذَلِكَ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذا أَرَادَ أنْ يُمسِكَ العَبْدَ وَيرجِعَ بِقِيمَةِ العَيْبِ الأَوَّلِ فإنَّ العَبْدَ يُقَامُ صَحِيحَاً يَوْمَ وَقَعَ البَيْعُ، فَيُقَالُ: قِيمَتُهُ خَمْسُونَ دِينَاراً، ثُمَّ يُقَوَّمُ بالعَيْبِ القَدِيمِ فتوجَدُ قِيمَتُهُ أربَعِينَ دِينَاراً، فَبَيْنَ القِيمَتَيْنِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَهُوَ خُمسُ الثَّمَنِ الأَوَّلِ، فَيَرْجِعُ المُشْتَرِي على البَائِعِ بِخُمسِ الثَّمَنِ الذي كَانَ دَفَعَهُ إليه كَائِناً مَا كَانَ، وإنْ أَرَادَ المُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ العَبْدَ ويَرُدَّ قِيمَةَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنْ قِيمَةِ العَيْبِ المُفْسِدِ، فإنَّكَ تَغرِفُ قِيمَتَهُ أوَّلاً صَحِيحَا، فَقَدْ قُلْنَا أَنَّها خَمْسُونَ دِينَارَاً، أَو قِيمَتُهُ بالعَيْبِ القَدِيمِ أَربَعُونَ دِينَاراً، فَوقَعَ على العَيْبِ القَدِيمِ مِنَ القِيمَةِ خُمسُ جَمِيعِ الثَّمَنِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الآنَ بالعَيْبِ الذي حَدَثَ عِنْدَ المُشْتَرِي، فَتُوجَدُ قِيمَتُهُ ثَلاَثِينَ دِينَاراً، فَبَيْنَ القِيمَتَيْنِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَهُوَ رُبع الثَّمَنِ، فَيَرُدُّ المُشْتَرِي مَعَ العَبْدِ رُبع الثَّمَنِ بعدَ إسْقَاطِ خُمسِ الثَّمَنِ أَوَّلاً لِقِيمَةِ العَيْبِ القَدِيمِ. قالَ: وأَمَّا إذا كَانَ العَيْبُ الذي حَدَثَ عندَ المُشْتَرِي خَفِيفَاً، مِثْلَ الحُمَّى والرَّمَدِ رَدَّهُ بالعَيْبِ الأَوَّلِ، ولا يَكُونُ عَلَيْهِ لِما حَدَثَ عندَهُ مِنَ العَيْبِ الخَفِيفِ شَيءٍ. قالَ عِيسَى: ولَو قَالَ البَائِعُ للمُبْتَاعِ بعدَ أَنْ حَدَثَ عِندَهُ العَيْبُ المُفْسِدُ فَجْأَةً لِيَرُدُّه على البَائعِ بالعَيْبِ القَدِيمِ، قالَ له البَائِعُ: إن شِئْتَ رُدَّهُ عَليَّ ولا غُرْمَ عَلَيْكَ فِيمَا حَدَثَ عِنْدَكَ، وإنْ شِئْتَ احبسْهُ بالعَيْبِ القَدِيمِ الذي بِعْتَهُ أنا مِنْكَ ولَا غُزمَ لَكَ عَلَيَّ، فَزَعَمَ ابنُ القَاسِمِ أَنَّ ذَلِكً لَهُ. قالَ عِيسَى: ولَسْتُ أَرَى أَنَا ذَلك، بلْ يَكُونُ المُشْتَرِي على البَائِعِ بالخِيَارِ،

стр. 419

كَمَا قَالَ مَالِكٌ، لأَئهُ تدلِيسن بالعَيْبِ حِينَ بَاعَهُ، فَالمُشْتَرِي عَلَيْهِ في ذَلِكَ بالخِيَارِ. قالَ أَبو محمد: لَم يَخْتَلِفْ فِيمَن اشْتَرَى جَارِيَة بِكْراً فَوَطِئَها، ثُمَ وَجَدَ بِها عَيْبَاً فَرَدَّها أَنَّهُ يَرُدُّ مَعَها مَا نَقَصَها الإفْتِضَاضِ، وأَمَّا غَيْرُ البكْرِ فَلَا شَيءَ لِبَائِعها في وَطْء المُبْتَاعِ لَها، لأَنَّ الوَطْءَ لا يُنْقِصُها كَمَا يَنْقُصُ البِكْرُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى يحيى بنُ بُكَيْير عَنْ مَالِكٍ: (فِيمَنْ بَاعَ عَبْداً، أو وَلِيدَةً، أو حَيَوانا بالبَرَاءَةِ، فَقَد بَرِأَ مِنْ كُل عَيْبٍ) (١). * ورَوَى أَضحَابُ مَالِكٍ عنهُ في هذه المَسْأَلةِ: (مَنْ بَاعَ عَبْدَاً أَو وَلِيدَةً) ولَم يَذْكُروا: (أو حَيَواناً)، وذَلِكَ أَنَّ البَرَاءَةَ مِنَ العُيُوبِ الخَفِيةِ لا تَجُوزُ في الدَّوَابِ وشِبْهِها، ولا تَجُوزُ البَرَاءةُ إلَّا في الرَقِيقِ، لأَنَّ البَائِعَ قد يَتَوصَّلُ إلى مَعرِفَةِ مَا بِعَبْدِه أو أَمَتِهِ، ويَبْعُدُ ذَلِكَ في سَائِرِ الحَيَوانِ، فإذا بَاعَ عَبْداً أَو وَلِيدَة وشَرَطَ البَرَاءَةَ مِنْ تَبعَةِ العُيُوبِ فَقَن بَرِيءَ مِمَّا لا يَعلَمُهُ، إلَّا في الجَارِيةِ الرَّائِعَةِ (٢)، فإنَّةا لَا تُبَاَعُ بالبَرَاءةِ مِنَ الحَمْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حملاً ظَاهِراً، فانْ كَانَتْ مِنْ وَخْشِ الرَّقِيقِ (٣) جَازَ أَنْ تُبَاعَ بالبَرَاءَةِ مِنَ الحَمْلِ، وذَلِكَ أَنَّ الحَملَ في الوَخْشِ زِيَادَة في ثَمَنِها، والحَملُ في الرَّائِعَةِ مِنَ الرَّقِيقِ نُقْصَانٌ مِنْ ثَمَنِها. قالَ عِيسَى: عَن ابنِ القَاسِمِ: فِيمَنْ بَاعَ عَبْدَيْنِ في صَفْقَة وَاحِدَةٍ فَوَجَدَ المُشْتَرِي بأَحَدِهِما عَيْباً أَنَّهُ يَنْظُرُ، فإنْ كَانَ المَعِيبُ وَجْة الصَّفْقَةِ رَدَّهُما جَمِيعَا وأَخَذَ الثَّمَنَ الذي دَفَعَه (٤).

стр. 420

قالَ ابنُ سَحْنُونَ (١): وذَلِكَ أَنْ يَقَعَ للمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْ نِضفِ الثَّمَنِ كُلِّهِ، فإنْ كَانَ المَعِيبُ أَقَلَّ ثَمَنا أَو كَانَا مُعتَدِلَيْنِ في الثَّمَنِ فإنَّما لَهُ رَدُّ المَعِيبِ وحْدَهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، أَو يَحْبِسَهُما بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. * قالَ أَبو المُطرِّفِ: وهذا الحُكْمُ في مَسْاَلةِ الجَارِيةِ التي بِيعَتْ بالجَارِيَتَيْنِ، وتَفْسِيرُ مَالِكٍ في المُوطَّأ لَها يَدُلُّ على أَنَّهُما كَانتَا مُعتَدِلَتَيْنِ في الثَّمَنِ قال أبو المُطَرِّفِ: رَوَى هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: (الخَرَاجُ بالضَّمَانِ) (٢)، ولِهذا الحَدِيثِ قَالَ مالك: إنَّهُ مَنْ رَدَّ عَبْداً بِعَيْبٍ وَجَدَهُ فِيهِ وقَن اسْتَغَلَّهُ أَنَّ الغَلَّةَ للمُشْتَرِي بِضَمَانهِ إيَّاهُ، وبِهذا قالَ أَهْلُ المَدِينَةِ. * قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ لإبن مَسْعُودٍ حِينَ ابْتَاعَ جَارِيةً مِنْ زَوْجَتِهِ على شَرطِ أَنَّهُ يَبيعَها مِنْها، فقالَ لهُ عُمَرُ: (لا تَقْرَبْها وفِيها شَرْطٌ لأَحَدٍ)، إنَّمَا قالَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ البَائِعَةَ منهُ الجَارِيةَ وَضَعَتْ لَهُ مِنْ ثَمَنِها بَعضَهُ، لأَنْ يَبيعَها مِنْها إذا أَرَادَ بَيْعها بِثَمَني مَجْهُولٍ لا يُدرَى أَيَقِلُّ أَم يَكْثُرُ، وهذا مِنْ بِيُوعِ الحًرَامٍ التي لا تَحِلُّ، مَتى اشْتَرَاها المُشْتَرِي بهذا الشَّرطِ فَلَم يَملِكْها مِلْكَاً تَامَّاً، لأن شَرطَ البَائِعِ بَاقٍ فِيها، فَلِهذا الوَجْهِ لا يَجُوزُ للمُشْتَرِي وَطْئُها، ويُفْسَخُ البَيْعُ فِيها مَا لَمْ يَفِتْ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّما جَازَ للرَّجُلِ أَنْ يَطَأ مُدَبَّرَتهِ مِنْ أَجْلِ أنَّ التَّدبِيرَ قَدْ يَرُدُّهُ

стр. 421

الدَّيْنُ أو مَوْتُ السَّيِّدِ عَنْ غَيْرِ مَالٍ، فَلَا يُعتَقُ مِنْها إلَّا ثُلثها، فَلِهذَا جَازَ للرَّجُلِ وَطْءُ مُدَبَّرَتِهِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وَجْهُ تَركِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ وَطْءَ الجَارِيةِ التي كَانَتْ قَدْ أُهْدِيتْ لَهُ وكَانَتْ ذَاتُ زَوْجٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الزَّوْجِيَةَ كَانَتْ بَاقِيَةً بَيْنَهُا وبينَ زَوْجِها، ولَا يَفْسَخْها نَزْعُ السَّيِّدُ إيَّاها مِنْ زَوْجِها وبَيْعُهُ لَها، وهذا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ بَيْعَ الأَمَةِ ذَاتُ الزَّوْجِ هُوَ طَلاَقُهَا (١). وقالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: إنَّ بَيْعَها لَيْسَ بِطَلَاقٍ لَها. * * *

стр. 422

في بَيع النَّخْلِ، والعَرَايا، والجَوَائِحِ قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبرَتْ فَثَمَرُها لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطها المُبْتَاعُ"، إنَّما قالَ ذِلَكَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّخِيلَ إذا أُبِّرَتْ فَقَدْ صَارَتِ الثَّمَرَةُ عَيْنَاً قَائِمَة، وقَدْ عَالَجَها البَائِعُ بإبَّارِهِ إيَّاها، فَهُو إذا بَاعَ الأُصُولَ في هذِه الحَالِ لَمْ تَدخُل الثَّمَرَةُ في مِلْكِ المُشْتَرِي، إلَّا باشْتِرَاطِهِ إيَّاها لِنَفْسِهِ، فإذا بَاعَ البَائِعُ الأُصُولَ قَبْلَ الإبَّارِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيها شَيءٌ، إذ لَمْ يَتَقدَّف له فِيها عِلاِجٌ ولَا قِيَامٌ، والإبَّارُ هُو التَّذْكِيرُ، وَهُو أنْ يُؤْخَذَ مِنْ طَلْعِ الذَّكَرِ مِنَ النَّخِيلِ فَيُوضعَ على طَلْعِ النَّخِيلِ التي تُثْمِرُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَباً لِبَقَاءِ الثَّمَرِ في النَّخْلِ المَأْبُورَةِ، ويُقَالُ لَهُ أَيضاً التَّلْقِيحُ. قالَ ابنُ المَوَّازِ: اخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ في شِرَاءِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الأُصُولِ في صَفْقَةٍ أُخْرَى وقَد أُبِّرَتِ الثَّمَرةِ، فقالَ: (لَا يَجُوزُ شِرَاؤُها قَرُبَ أو بَعُدَ، وكَذَلِكَ مَالُ العَبْدِ)، وقالَ أَيضاً: إنَّه جَائِزٌ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا يَجُوزُ لِمُشْتَرِي النَّخِيلِ وفِيها ثَمَرةٌ مَأبُورَةٌ أَنْ يَسْتَثْنِي نِصْفَها، لأن السُّنَّةَ جَاءَتْ في اسْتِثْنَاءِها كُلِّها أَو تركِها، ورُخِّصَ في ذَلِكَ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وهذا عِنْدِي مِنْ بَيْعِ الثَّمَرةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُو صَلاَحُها، فإذا اسْتُثْنِيتْ كُلّها كَانَتْ مُلْغَاةً في الصَّفْقَةِ، فَجَازَ ذَلِكَ. قَوْلُ النبيِّ ﵇: "لا تُبَاعُ الثِّمَارُ حتَّى تُزْهِيَ"، إنَّما قالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ زُهْوَها هُوَ ابْتِدَاءُ صَلاَحِها، وأَمَّا قَبْلَ زُهْوها فإنَّما يدخِلُ المُشْتَرِي على غَرَرٍ، لأَنَّه لا يَدرِي هلْ تَتِمُّ الثَّمَرةُ أَم لَا تَتِمُّ؟.

стр. 423

قِيلَ لِمَالِكٍ: فَالحَائِطُ تُزْهِي فِيهِ النَّخْلَةُ أَيُبَاعُ ذَلِكَ الحَائِطُ؟ فَقَالَ: مَا أدرَكْتُ النَّاسَ إلاَ على إجَازَتهِ، يُرِيدُ: النَّخْلَةَ التي لَيْسَتْ بِبَاكُورَةٍ (١)، وطِيبُ بَعضِها قَرِيب مِنْ بَعض. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: مَغنَى بَيع زَيْدِ بنِ ثَابت ثَمَرِ حِيطَانهِ عِنْدَ طُلُوعِ الثرَيَّا، يَغنِي: أَنَّهُ كَانَ يَبيعُها إذا طَلُعَتْ [الثُّريَّا] (٢) في السَّمَاءِ آخِرَ اللَّيْلِ في وَجْهِ السَّحَرِ، وَهِيَ لا تَطْلُعُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلَّا وَقَد بَدَا صَلاَح الثِّمَارِ بالحِجَازِ (٣). وقالَ مَالِكٌ: لا تُبَاعُ إلَّا إذا أَزْهتْ، كَما قالَ النبيُّ ﷺ قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَجَازَ أَهْلُ المَدِينَةِ بَيع المَقَاثِي وشِبْهِها (٤)، كَمَا جَازَ شِرَاءُ اللَّبَنِ مِنَ المُرضِعِ مُدَّةَ عَامَي الرَّضَاعِ، فينْ دَخَلَ في ذَلِكَ جَائِحَةٌ وَجَبَ الرُّجُوعُ على البَائِعِ بالجَائِحَةِ، وذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ انْقِضَاءِ ثَمَرَةِ المَقَاثِي مَعرُوف عندَ النَّاسِ، فإذا دَخَلَتْ في ذَلِكَ جَائِحَةٌ بِنَقْصِ عُلِم قُدَّرَ مَا اجْتَنَى المُشْتَرِي، وقِيمَةُ ما أُجِيحَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يرجِعُ المُشْتَرِي بِقِيمَةِ مَا أُجِيحَ مِنْ ذَلِكَ على البَائِعِ. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: العَرَايا وَاحِدَتُها عَرِيَّة، وَهِيَ النَّخْلَةُ يُغرِيها صَاحِبُها رَجُلاً مُحتَاجَا، يَهِبُ لَه ثَمَرُها عَامَا أَو أَعوَاما (٥). قالَ الأَبْهرِيُّ: وَهُوَ فِغل مَعرُوف يَضنَعُهُ المُعَرِّي بالمُعَرَّى، وجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيها بِخَزصِها إلى الجِذَاذِ فِيمَا قَدَرُهُ خمسَةُ أَوْسُق فَدُونَها، لأَنَّ النبيَّ ﷺ

стр. 424

رَخَّصَ في ذَلِكَ، وفِي شِرَاءِ المُعَرِّي العَرِيَّةَ مِنَ المُعَرَّى مَنْفَعَة، وذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِشِرَائهِ لها دُخُولَ المُعَرَّى إلى الحَائِطِ وخُرُوجُهُ عنه، لأنَّهُ رُبَّما اسْتَضَرَّ بِذَلِكَ المُعَرِّي، وفي ذَلِكَ أيضاً رِفْق بالمُعَرَّى، لأَنَّهُ يُسْقَطُ عنهُ بِذَلِكَ قِيَامُهُ على عَرِيَّتهِ، وحِرَاسَتِها، وجِذَاذِها، وهذا كُلُّهُ فِعْل مَعرُوف، ولِذَلكَ جَازَ فيهِ مَا لَمْ يَجُزْ في البَيْعِ، وهذا يَجُوزُ للمُعَرِّي، ولِكُلِّ مَنْ لَهُ في الحَائِطِ سَبَبٌ كَسَببِ المُعَرِّي، فإذا كَانَتِ العَرِيَّةُ أَكْثَرَ مِنْ خَمسَةِ أَوْسُقٍ بِيعَتْ بالدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمَ نَقْداً وإلى أَجَلٍ. وقالَ النُّعمَانُ: إنَّما جَازَ شِرَاءُ العَرِيَّةِ بالثَّمَرةِ إلى أَجَلٍ لأَنَّها عَطِيّه لَمْ تُقْبَضْ، ولو شَاءَ المُعَرِّي أَنْ يَمنَعَ مِنْها المُعَرَّى لَمَنَعَ، فَلَمَّا أَعطَاهُ بِخَرصِها تَمراً إلى الجِذَاذِ كانَ أَيضاً ذَلِكَ بِمَنْزِلةِ الأَوَّلِ صِلَةً منهُ للمُعَرَّى، فَلِذَلِكَ جَوَّزْنَاهُ (١). قالَ الأَبْهرِيُّ: هذا القَوْلُ غَلَط، لأَنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ في بَيْعِ العَرَايا، فَكَيف يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ المُعَرَّى شَيْئاً لا يَملِكُهُ، أَو يَشْتَرِي المُعَرِّي مِلْكَاً قَدْ مَلَكَهُ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبِيعَهُ مَالِكُهُ؟ ,. ساَلتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ ابنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونسُ بنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خَارِجَةَ بنِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرخَصَ في بَيع العَرَايا بالتمرِ والرُّطَبِ" (٢)، فقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: انْفَردَ بِهذا الحَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزّهْرِيِّ، لَمْ يَروهِ عنهُ غَيْرُهُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: ورَأَيْتُ لِبعضِ شُيُوخِنَا قالَ: مَعنَى هذا الحَدِيثِ أَنْ يأْكُلَ

стр. 425

المُعَرّي رُطَبُ العَرِيَّةِ، ويُؤَدِّي خَرصَها تَمْراً في خَمسَةِ أَوْسُق. وجَعَلَ ابنُ القَاسِمِ في العَرِيَّةِ إذا أُشْتُرِيتْ بِخَزصِها تَفراَ وأَصَابتها الجَائِحَةُ أَنَّ لِمُشْتَرِيها الرُّجُوعَ على المُعَرِّي البَائِعِ لها بالجَائِحَةِ في الثُّلُثِ فَمَا زَادَ. وقالَ أَشْهبُ: لَا جَائِحَةُ، لأَنَ أَصلَها فِعلٌ مُعرُوفٌ. " قالَ أَبو المُطَرِّفِ: مَعنَى قَوْلِ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ الجَائِحَةِ: "تَأَتَى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرَاً" يَغنِي: حَلَفَ أنْ لَا يَفْعَلَ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الرُّجُوعِ عليهِ بالجَائِحَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ المُتَأَلّي، قالَ: "هُوَ لَهُ يا رَسُولَ اللهِ"، فَقِيلَ: إنَّهُ رَدَّ جَمِيعَ الثمَنِ الذي كَانَ قَبَضَهُ مِنْ مُبْتَاعِ الحَائِطِ مِنْهُ. وجدّثنا أَبو جَعفَرِ (١)، قالَ: حدَّثنا ابنُ الأَعرَابِيِّ، قالَ: حدَّثنا أَبو دَاوُدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ، عَنِ ابنِ وَهْبٍ، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذا بغتَ مِنْ أَخِيكَ تَمراً فأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأخُذَ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ شَيءٍ" (٢). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: هذَا حَدِيثٌ في الرُّجُوعِ بالجَائِحَةِ (٣). وقالَ ابنُ أَبي زَيْد: لَمَّا لَمْ يَأتِ في حَدِيثِ الجَائِحَةِ تَوْقِيتٌ لِمَا يُوضَعُ مِنْها وَجَبَ أَنْ يُوضَعَ مِنْها الثُلُثُ الذي جَعَلَهُ النبيُّ ﷺ في حَيِّزِ الكَثيرِ، بِقَوْلهِ: "الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثيرٌ" (٤)، وقَد يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوضَعَ مِنَ الجَوَائِحِ مَا لا بالَ له، إذ لا بُدَّ مِنْ سُقُوطِ شَيءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، فإذا ذَهبَ الثُّلُثُ فَمَا فَوْقَة وَجَبَ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ على البَائِعِ.
следующие страницы →