← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الدَّيْنُ أو مَوْتُ السَّيِّدِ عَنْ غَيْرِ مَالٍ، فَلَا يُعتَقُ مِنْها إلَّا ثُلثها، فَلِهذَا جَازَ للرَّجُلِ وَطْءُ مُدَبَّرَتِهِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وَجْهُ تَركِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ وَطْءَ الجَارِيةِ التي كَانَتْ قَدْ أُهْدِيتْ لَهُ وكَانَتْ ذَاتُ زَوْجٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الزَّوْجِيَةَ كَانَتْ بَاقِيَةً بَيْنَهُا وبينَ زَوْجِها، ولَا يَفْسَخْها نَزْعُ السَّيِّدُ إيَّاها مِنْ زَوْجِها وبَيْعُهُ لَها، وهذا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ بَيْعَ الأَمَةِ ذَاتُ الزَّوْجِ هُوَ طَلاَقُهَا (١). وقالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: إنَّ بَيْعَها لَيْسَ بِطَلَاقٍ لَها. * * *

стр. 422

في بَيع النَّخْلِ، والعَرَايا، والجَوَائِحِ قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبرَتْ فَثَمَرُها لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطها المُبْتَاعُ"، إنَّما قالَ ذِلَكَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّخِيلَ إذا أُبِّرَتْ فَقَدْ صَارَتِ الثَّمَرَةُ عَيْنَاً قَائِمَة، وقَدْ عَالَجَها البَائِعُ بإبَّارِهِ إيَّاها، فَهُو إذا بَاعَ الأُصُولَ في هذِه الحَالِ لَمْ تَدخُل الثَّمَرَةُ في مِلْكِ المُشْتَرِي، إلَّا باشْتِرَاطِهِ إيَّاها لِنَفْسِهِ، فإذا بَاعَ البَائِعُ الأُصُولَ قَبْلَ الإبَّارِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيها شَيءٌ، إذ لَمْ يَتَقدَّف له فِيها عِلاِجٌ ولَا قِيَامٌ، والإبَّارُ هُو التَّذْكِيرُ، وَهُو أنْ يُؤْخَذَ مِنْ طَلْعِ الذَّكَرِ مِنَ النَّخِيلِ فَيُوضعَ على طَلْعِ النَّخِيلِ التي تُثْمِرُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَباً لِبَقَاءِ الثَّمَرِ في النَّخْلِ المَأْبُورَةِ، ويُقَالُ لَهُ أَيضاً التَّلْقِيحُ. قالَ ابنُ المَوَّازِ: اخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ في شِرَاءِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الأُصُولِ في صَفْقَةٍ أُخْرَى وقَد أُبِّرَتِ الثَّمَرةِ، فقالَ: (لَا يَجُوزُ شِرَاؤُها قَرُبَ أو بَعُدَ، وكَذَلِكَ مَالُ العَبْدِ)، وقالَ أَيضاً: إنَّه جَائِزٌ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا يَجُوزُ لِمُشْتَرِي النَّخِيلِ وفِيها ثَمَرةٌ مَأبُورَةٌ أَنْ يَسْتَثْنِي نِصْفَها، لأن السُّنَّةَ جَاءَتْ في اسْتِثْنَاءِها كُلِّها أَو تركِها، ورُخِّصَ في ذَلِكَ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وهذا عِنْدِي مِنْ بَيْعِ الثَّمَرةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُو صَلاَحُها، فإذا اسْتُثْنِيتْ كُلّها كَانَتْ مُلْغَاةً في الصَّفْقَةِ، فَجَازَ ذَلِكَ. قَوْلُ النبيِّ ﵇: "لا تُبَاعُ الثِّمَارُ حتَّى تُزْهِيَ"، إنَّما قالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ زُهْوَها هُوَ ابْتِدَاءُ صَلاَحِها، وأَمَّا قَبْلَ زُهْوها فإنَّما يدخِلُ المُشْتَرِي على غَرَرٍ، لأَنَّه لا يَدرِي هلْ تَتِمُّ الثَّمَرةُ أَم لَا تَتِمُّ؟.

стр. 423

قِيلَ لِمَالِكٍ: فَالحَائِطُ تُزْهِي فِيهِ النَّخْلَةُ أَيُبَاعُ ذَلِكَ الحَائِطُ؟ فَقَالَ: مَا أدرَكْتُ النَّاسَ إلاَ على إجَازَتهِ، يُرِيدُ: النَّخْلَةَ التي لَيْسَتْ بِبَاكُورَةٍ (١)، وطِيبُ بَعضِها قَرِيب مِنْ بَعض. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: مَغنَى بَيع زَيْدِ بنِ ثَابت ثَمَرِ حِيطَانهِ عِنْدَ طُلُوعِ الثرَيَّا، يَغنِي: أَنَّهُ كَانَ يَبيعُها إذا طَلُعَتْ [الثُّريَّا] (٢) في السَّمَاءِ آخِرَ اللَّيْلِ في وَجْهِ السَّحَرِ، وَهِيَ لا تَطْلُعُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلَّا وَقَد بَدَا صَلاَح الثِّمَارِ بالحِجَازِ (٣). وقالَ مَالِكٌ: لا تُبَاعُ إلَّا إذا أَزْهتْ، كَما قالَ النبيُّ ﷺ قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَجَازَ أَهْلُ المَدِينَةِ بَيع المَقَاثِي وشِبْهِها (٤)، كَمَا جَازَ شِرَاءُ اللَّبَنِ مِنَ المُرضِعِ مُدَّةَ عَامَي الرَّضَاعِ، فينْ دَخَلَ في ذَلِكَ جَائِحَةٌ وَجَبَ الرُّجُوعُ على البَائِعِ بالجَائِحَةِ، وذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ انْقِضَاءِ ثَمَرَةِ المَقَاثِي مَعرُوف عندَ النَّاسِ، فإذا دَخَلَتْ في ذَلِكَ جَائِحَةٌ بِنَقْصِ عُلِم قُدَّرَ مَا اجْتَنَى المُشْتَرِي، وقِيمَةُ ما أُجِيحَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يرجِعُ المُشْتَرِي بِقِيمَةِ مَا أُجِيحَ مِنْ ذَلِكَ على البَائِعِ. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: العَرَايا وَاحِدَتُها عَرِيَّة، وَهِيَ النَّخْلَةُ يُغرِيها صَاحِبُها رَجُلاً مُحتَاجَا، يَهِبُ لَه ثَمَرُها عَامَا أَو أَعوَاما (٥). قالَ الأَبْهرِيُّ: وَهُوَ فِغل مَعرُوف يَضنَعُهُ المُعَرِّي بالمُعَرَّى، وجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيها بِخَزصِها إلى الجِذَاذِ فِيمَا قَدَرُهُ خمسَةُ أَوْسُق فَدُونَها، لأَنَّ النبيَّ ﷺ

стр. 424

رَخَّصَ في ذَلِكَ، وفِي شِرَاءِ المُعَرِّي العَرِيَّةَ مِنَ المُعَرَّى مَنْفَعَة، وذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِشِرَائهِ لها دُخُولَ المُعَرَّى إلى الحَائِطِ وخُرُوجُهُ عنه، لأنَّهُ رُبَّما اسْتَضَرَّ بِذَلِكَ المُعَرِّي، وفي ذَلِكَ أيضاً رِفْق بالمُعَرَّى، لأَنَّهُ يُسْقَطُ عنهُ بِذَلِكَ قِيَامُهُ على عَرِيَّتهِ، وحِرَاسَتِها، وجِذَاذِها، وهذا كُلُّهُ فِعْل مَعرُوف، ولِذَلكَ جَازَ فيهِ مَا لَمْ يَجُزْ في البَيْعِ، وهذا يَجُوزُ للمُعَرِّي، ولِكُلِّ مَنْ لَهُ في الحَائِطِ سَبَبٌ كَسَببِ المُعَرِّي، فإذا كَانَتِ العَرِيَّةُ أَكْثَرَ مِنْ خَمسَةِ أَوْسُقٍ بِيعَتْ بالدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمَ نَقْداً وإلى أَجَلٍ. وقالَ النُّعمَانُ: إنَّما جَازَ شِرَاءُ العَرِيَّةِ بالثَّمَرةِ إلى أَجَلٍ لأَنَّها عَطِيّه لَمْ تُقْبَضْ، ولو شَاءَ المُعَرِّي أَنْ يَمنَعَ مِنْها المُعَرَّى لَمَنَعَ، فَلَمَّا أَعطَاهُ بِخَرصِها تَمراً إلى الجِذَاذِ كانَ أَيضاً ذَلِكَ بِمَنْزِلةِ الأَوَّلِ صِلَةً منهُ للمُعَرَّى، فَلِذَلِكَ جَوَّزْنَاهُ (١). قالَ الأَبْهرِيُّ: هذا القَوْلُ غَلَط، لأَنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ في بَيْعِ العَرَايا، فَكَيف يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ المُعَرَّى شَيْئاً لا يَملِكُهُ، أَو يَشْتَرِي المُعَرِّي مِلْكَاً قَدْ مَلَكَهُ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبِيعَهُ مَالِكُهُ؟ ,. ساَلتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ ابنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونسُ بنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خَارِجَةَ بنِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرخَصَ في بَيع العَرَايا بالتمرِ والرُّطَبِ" (٢)، فقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: انْفَردَ بِهذا الحَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزّهْرِيِّ، لَمْ يَروهِ عنهُ غَيْرُهُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: ورَأَيْتُ لِبعضِ شُيُوخِنَا قالَ: مَعنَى هذا الحَدِيثِ أَنْ يأْكُلَ

стр. 425

المُعَرّي رُطَبُ العَرِيَّةِ، ويُؤَدِّي خَرصَها تَمْراً في خَمسَةِ أَوْسُق. وجَعَلَ ابنُ القَاسِمِ في العَرِيَّةِ إذا أُشْتُرِيتْ بِخَزصِها تَفراَ وأَصَابتها الجَائِحَةُ أَنَّ لِمُشْتَرِيها الرُّجُوعَ على المُعَرِّي البَائِعِ لها بالجَائِحَةِ في الثُّلُثِ فَمَا زَادَ. وقالَ أَشْهبُ: لَا جَائِحَةُ، لأَنَ أَصلَها فِعلٌ مُعرُوفٌ. " قالَ أَبو المُطَرِّفِ: مَعنَى قَوْلِ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ الجَائِحَةِ: "تَأَتَى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرَاً" يَغنِي: حَلَفَ أنْ لَا يَفْعَلَ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الرُّجُوعِ عليهِ بالجَائِحَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ المُتَأَلّي، قالَ: "هُوَ لَهُ يا رَسُولَ اللهِ"، فَقِيلَ: إنَّهُ رَدَّ جَمِيعَ الثمَنِ الذي كَانَ قَبَضَهُ مِنْ مُبْتَاعِ الحَائِطِ مِنْهُ. وجدّثنا أَبو جَعفَرِ (١)، قالَ: حدَّثنا ابنُ الأَعرَابِيِّ، قالَ: حدَّثنا أَبو دَاوُدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ، عَنِ ابنِ وَهْبٍ، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذا بغتَ مِنْ أَخِيكَ تَمراً فأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأخُذَ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ شَيءٍ" (٢). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: هذَا حَدِيثٌ في الرُّجُوعِ بالجَائِحَةِ (٣). وقالَ ابنُ أَبي زَيْد: لَمَّا لَمْ يَأتِ في حَدِيثِ الجَائِحَةِ تَوْقِيتٌ لِمَا يُوضَعُ مِنْها وَجَبَ أَنْ يُوضَعَ مِنْها الثُلُثُ الذي جَعَلَهُ النبيُّ ﷺ في حَيِّزِ الكَثيرِ، بِقَوْلهِ: "الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثيرٌ" (٤)، وقَد يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوضَعَ مِنَ الجَوَائِحِ مَا لا بالَ له، إذ لا بُدَّ مِنْ سُقُوطِ شَيءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، فإذا ذَهبَ الثُّلُثُ فَمَا فَوْقَة وَجَبَ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ على البَائِعِ.

стр. 426

وقالَ يَحيىَ بنُ سَعِيدٍ الأَنْصَاريُّ: (لَا جَائِحَةَ في الثِّمَارِ فِيمَا دُونَ ثُلُثِ رَأْسِ مَالِ المُشْتَرِي في سُنَّةِ المُسْلِمِينَ) (١). فإذا كَانَ المُجَاحُ قَدرَ الثُّلُثِ مِنَ الجَمِيعِ فَمَا فَوْقَهُ رَجَعَ المُشْتَرِي بِمَا يُقَابِلُ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ، فالنَّارُ جَائِحَةٌ، والجَيْشُ المَارُّ على الثِّمَارِ فَيَنتهِبُونَها جَائِحَةٌ، والطَّيْرُ الغَالِبُ المُفْسِدُ للتِّينِ جَائِحَة، وسُمُومُ الحَرِّ إذا أَفْسَدَ التِّينِ وأَسْقَطَ وَرَقَهُ جَائِحَة، يُرجَعُ بِهذا كُلِّه على البَائِعِ إذا كَانَ المُجَاحُ الثُّلُثُ مِنَ الجَمِيعِ فَمَا زَادَ، وإذا كَانَتِ الجَائِحَةُ مِنْ قِبَلِ المَاءِ رَجَعَ بِها المُشْتَرِي على البَائِعِ فِيمَا قَلَّ أَو كَثُرَ، لأَنَّ المُشْتَرِي إنَّما اشْتَرَى المَاءَ المَعلُومَ، فإذا نَقَصَهُ شَيءٌ مِمَّا اشْتَرَى وَجَبَ لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ مَا نَقَصَهُ، وفي الثِّمَارِ إنَّما يَدخُلُ على أنَّهُ يُسْقِطُ بَغضَهُ، فإذا سَقَطَ مِنْهُ اليَسِيرُ لم يَرجِع بهِ، إلَّا أَنْ يَسْقُطَ مِنْهُ الكَثيرُ، وَهُو الثُّلُثُ فَمَا فَوْقَ، فَحِينَئِذٍ يَرجِعُ بهِ، والحُكْمُ في جَائِحَةِ البقْلِ كَالحُكْمِ في جَائِحَةِ المَاءِ سَوَاءٌ (٢). * * *

стр. 427

ما يَجُوزُ مِن اسْتِثْنَاءِ ثَمَرِ الحَائِطِ إذا بِيِعَ، ومَا يُكْرهُ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ (١) إنَّما جَازَ لِمَنْ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ بثَمَن مَعلُومٍ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ كَيْلاً معلُوماً فِيمَا يَكُونُ قَدرَ ثُلُثِ الجَمِيعِ فَدُونَ، مِنْ أًجْلِ أَنَّ ذَلِكَ تَبَعٌ للصَّفْقَةِ، ولَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ البَائِعُ على المُبْتَاعِ رَطْباً ويَابِسَاً، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَبيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَ حَائِطِه بِمِائةِ دِينَارٍ، ويَسْتَثْنِي مِنْهُ ثَلاَثِينَ دِينَاراً كَذَا وكَذَا قَفِيزَاً (٢)، إذا كَانَت الأَقْفِزَةُ المُسْتَثْنَاةُ قدرَ ثُلُثِ الحَائِطِ فَمَا دُونَ مِنْ جَمِيعِ ثَمَرِ الحَائِطِ، فإنْ أَصَابَ ثَمَرُ ذَلِكَ الحَائِطِ جَائِحَةٌ بالثُّلُثِ فَمَا فَوْقَهُ وُضِعَ عَنِ المُشْتَرِي مِنَ الكَيْلِ المُسْتَثْنَى بِقدرِ الجَائِحَةِ مِنَ الجَمِيعِ، فإذا كَانَ المُسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ، ودَخَلَتْهُ المُخَاطَرَةُ والمُزَابَنَةُ، لأَنَّ المُسْتَثْنَى يَكُونُ حِينَئِذٍ مَغلُومَ الكَيْلِ مِنْ مَجْهُولِ الكَيْلِ، فإذا وَقَعَ مِثْلُ هذا البَيع فُسِخَ، فإنْ جَدَّ المُبْتَاعُ الثَّمَرةَ رَدَّها، فإنْ فَاتَتْ رَدَّ مِثْلَ مَكِيلَتِها مِنْ صِنْفِها، فإن لم يَجِدْ مِثْلَها أَو لَمْ يعرِفْ لَها كَيْلاً كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُها يومَ جَذها، وأَخَذَ جَمِيعَ الثمَنِ مِنَ البَائِعِ، وأَخَذَ مِنْهُ أُجْرَةَ قِيَامِهِ على الثمَرَةِ وجِذَاذُه لها، وضَمَانُ الثمَرةِ مَا كَانَتْ قَائِمَةً في رُؤُوسِ النَّخْلِ مِنَ البَائِعِ. قالَ عِيسَى: وأَمَّا الذي يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِه وَيسْتَثْنِي لِنَفْسِهِ نِصْفَ الثَّمَرَةِ أَو ثُلثها

стр. 428

أو جُزْءً مِنْها فَهُو جَائِزٌ، لأنَّهُ شَرِيكٌ للمُبْتَاعِ بِقَدرِ الجُزْءِ الذي اسْتَثْنَى مِنَ الثَّمَرةِ لِنَفْسِهِ. * قَوْلُ مَالِكٍ في الذي يَبِيعُ تَفرَ نَخْله ويَسْتَثْنِي لِنَفْسِهِ تمرَ نَخْلَةٍ أَو نَخَلاَتٍ يَخْتَارُها مِنَ الحَائِطِ ويُسَمِّي عَدَدَها أَنَّهُ لا بَأْسَ بِذَلِكَ، لأَنَّهُ شَيءٌ حَبَسَهُ مِنْ حَائِطِه، وبَاعَ مَا سِوَى ذَلِكَ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: لَيْسَ يُعْجِني هذا القَوْلُ مِنْ مَالِكٍ، ولَم أَر عِنْدَهُ في هذِه المَسْأَلةِ حُجَّة، ولَقَد أَوْقَفَنِي فِيها نَحْواً مِنْ أَربَعِينَ لَيْلَةً يَنْظُرُ فِيها، ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَاها إلَّا مِثْلُ الغَنَمِ يَبيعُها الرَّجُلُ على أَنْ يَخْتَارَ مِنْها لِنَفْسِهِ شَاةً أو شِيَاهَاً يُسَمِّيها ويَذْكُرُ عِدَّتَها. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَيْسَت النَّخْلُ مِثْلُ الغَنَمِ، لأن الغَنَمَ يَجُوزُ بَيْعها مُتَفَاضِلَةً، والتَّمْرَ لا يَجُوزُ فِيها التَّفَاضُلِ، قالَ ابنُ القَاسِمِ: فإنْ وَقَعَ مِثْلُ هذا البَيْعِ أَجَزْتُهُ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ (١). قالَ ابنُ القَاسِمِ: وإذا اسْتَئْنَى البَائِعُ لِنَفْسِهِ عَدَدَ أُصُولٍ مِنَ الحَائِطِ الذي بَاعَهُ ولَم يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَها جَازَ البَيع وكَانَ البَائِعُ شَرِيكَاً للمُبْتَاعِ بقَدرِ عَدَدِ تِلْكَ الأُصُولِ التي اسْتَثْنَاها لِنَفْسِهِ في جَمِيعِ الحَائِطِ الذي بَاعَ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: الجَنِيبُ مِنَ التَّفرِ هُوَ أَطْيَبُ التَّمر، والجَمعُ مِنَ التمرِ هُوَ أَصنَاف مُخْتَيفَةٌ تُجْمَعُ، فَيَكُونُ مِنْبها الطَّيِّبُ والوَسَطُ والدُّونُ، وإنَّمَا نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامِلَهُ على خَيْبَرَ على ابْتِيَاعِ صَاعٍ مِن تجنِيبٍ بِصَاعَيْنٍ مِنْ جَمعٍ لأَنهُ رِبَا، إذ لا يُبَاعُ التَمرُ بالتمرِ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ، وإنَّمَا لَمْ يَنْقُضْ تِلْك الصَّفْقَةَ لأَنَّهُ كَانَ

стр. 429

ذَلِكَ قَبْلَ نزولِ آيةِ الرِّبا، قالَ اللهُ فِيها: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ثُمَّ عَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عامِلَهُ كَيْفَ يَصِلُ إلى أَخْد الطَّيِّبِ مِنَ التمرِ، فقالَ: "بعٍ الجَمعَ بالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّرَاهِمِ جَنِيباً"، يُرِيدُ: إذا لم يَكُن البَيع والإبْتَيَاعُ مِنْ رَجُلى وَاحِدٍ، لأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ التمرُ بالتّمرِ مُتَفَاضِلاً، وتَكُونُ الدَّرَاهِمُ بِيْنَهُما مُلْغَاةً. قالَ أَبو عُمَرَ: لا بَأْسَ أَنْ يَخْلِطَ التَّمْرَ وشِبْهِه بَعْضَهُ بِبَعْضٍ للأَكْلِ الطَّيِّب مَعَ الدُّونِ، وأَمَّا عِنْدَ البَيع فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْلِطَ دَنِيءٌ بجَيِّدٍ لأَنَّهُ غِشٌّ ولا يَحِلُّ الغِشَّ. * قالَ أَبو مُصعَبٍ الزُّهْرِيُّ: مَعنَى قَوْلِ [سَعِد] (١) حِينَ سُئِلَ عَنِ البَيْضَاءِ بالسُّلْتِ، فقالَ: (أيَّهُمُا أَفْضَلُ؟)، يُرِيدُ: أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ في الكَيْلِ، فَلِهذا نَهى عنهُ إلَّا مِثْلاً بِمِثْل، ومَنْ بَاعَ صَاعَاً مِنْ تَمر بِصَاعٍ مِنْ رُطَب دَخَلهُ التَّفَاضُلُ بينَ التَفرِ، لأَنَّ الصَّاعَ مِنَ الرُّطَبِ إذا يَبَسَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَاع مِنْ تَمْرٍ فَيَكُونُ التَّمْرُ بالتَّمْرِ لَيْسَ مِثْلا بِمِثْلٍ، ولا بَأسَ بالرُّطَبِ بالرطَبِ مِثْلاً بِمِثْل إذا كَانَ يَداً بِيَدٍ. قالَ أَبو عُمَرَ: مَغنَى قَوْلِ النبيِّ ﷺ في هذا الحَدِيثِ: "أينْقُصُ الرّطَبُ إذا يَبِسَ؟ قالَ: نَعم" هذا الحَدِيثُ أَصل في الرَّدِّ إلى أَهْلِ الصَّنَاعَاتِ في العُيُوبِ، وذَلِكَ أَنَّ النبي ﷺ اسْتَفهمَ أَهْلَ النَّخْلِ عَمَّا يَعرِفُونَهُ فَعَرَّفوهُ. * * *

стр. 430

تَفْسِيرُ بَيع المُزَابَتهِ، إلى آخِر بَاب بَيْعِ الفَاكِهةِ أَصلُ المُزَابَنَةِ في كَلَامِ العَرَبِ: المُدَافَعَةُ، ومِنْهُ قِيلَ: زَبَانِيَةُ النَّارِ، لأَنَّهُم يَدْفَعُونَ أَهْلَها فِيها، فَصَارَ المُتَعَامِلاَنِ بِمَا فِيه مُزَابَنَةً قَاصِدِينَ إلى دَفْعِ الحَقّ الذي كَانَ يَلْزَمُهُمَا في البَثعِ، فَمَن اشْتَرَى ثَمَراً في رُؤُوسِ النَّخْلِ بِتمرٍ كَيْلاً، أَو اشْتَرى عِنَباً بِزَبِيب كَيْلاً خَالَفَ قَوْلَ النبيّ ﷺ : "التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلاً بِمِثْلٍ وَيدَاً بِيَدٍ" (١) لِعَدَمِ المُمَاثَلَةِ والمُنَاجَزَةِ. قالَ: والمُحَاقَلَةُ المَنْهِيُّ عَنْها هِيَ كِرَاءُ الأَرْضِ بالحِنْطَةِ، وهذا لَا يَجُوزُ، لأَنَّةُ يَدخُلُه طَعَام بِطَعَامٍ إلى أَجَلٍ، ورَوَى جَابَرُ بنُ عبدِ اللهِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عَنِ المُزَابَنَةِ، والمُحَاقَلةِ، والمُخَابَرَة" (٢). قالَ ابنُ خَالِدٍ (٣): كَريُ الأَرضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنها هِيَ المُخَابَرةُ، ومِنْ هذا قِيلَ للزارِعِ الخَبِيرُ، لأَنَّهُ يُخْبِرُ الأَرضَ بِزِرَاعَتِهِ إيَّاها. قالَ مَالِكٌ: المُزَابَنَةُ بَيع مَكِيلٍ بِجُزَافٍ مِنْ صِنْفِهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ في الكَيْلِ. * قالَ عِيسَى: الخَبَطُ وَرَقٌ تعْتَلِفُهُ الجَمَالُ، يُخْبَطُ لَها بالفَضَاءِ فَتَأْكُلَهُ، والقَضْبُ عَلَف تَعتَلِفُهُ الدَّوَابُّ، والكُرْسُفُ هُوَ القُطْنُ، فإذا لَمْ يَعلَمُ صَاحِبُ الخَبَطِ، أو القَضْبِ، أو القُطْنِ وَزْنَ ذَلِكَ ولَا عَدَدَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فقالَ لَهُ: زِنْهُ

стр. 431

فِمَا نَقَصَ مِنْ كَذَا وكَذَا رَطْلاً فأنا أَغْرِمُ لَكَ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ، ومَا زَادَ فَهُو لِي بِسَببِ ضَمَانِي لَكَ مَا يَنْقُصُ، أو قالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ في ثَوْبهِ، كَانَ هذا مِنَ الغَرَرِ والقِمَارِ، وَهُو مِنْ أَكْلِ المَالِ بالبَاطِلِ الحَرَامِ الذي لا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وتَدخُلُهُ أَيْضَاً المُزَابَنَةُ، لأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ كَيْلاً مَعلُومَاً أو وَزْناً معلُومَاً يَضْمِنُهُ عَنْ وَزْنٍ أَو كَيْلٍ مَجْهُولٍ لا يُعرَفُ كَيْلَهُ ولَا وَزْنَهُ، ومِثْلُ هذِه المَسْأَلةِ الشَّبَهُ الذي ذَكَرَهُ مالك في المُوطَّأ، والشَّبَهُ: الصفْرُ الأَحمَرُ الذي يَشْبَهُ الذَّهبُ (١)، ولِذلِكَ قِيلَ لَهُ الشَّبَهُ، والآنُكُ هُوَ القِصدِيرُ، والكَتَمُ هُو شَيءُ يُصبَغُ بهِ الشّعرُ يُسَوِّدُه قَلِيلاً، والسَّلِيخَةُ هِي عِصَارَةُ حَبِّ البَانِ الزَّيْتِ (٢) الذي يَخْرُجُ مِنَ الحَبِّ قَبْلَ أَنْ يَغْلِي على النَّارِ، ويُطْرَحُ فِيهِ الكَافُورُ والطِّيبُ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ باناً طَيِّباً. قالَ الأَبْهرِيُّ: البُيُوعُ على أَربَعَةِ أَوْجُهٍ: بَيع الأَعيَانِ الحَاضِرَةِ. وبَيْعُها إذا كَانَتْ غَائِبَةً على وَضفِ السَّامِعِ، أَو وَضفِ غَيْرِه، ولَا يَجُوزُ النَّقْدُ في هذا إلَّا مَا كَانَ مَأمُوناً لا يَخْتَلِفُ كالدُّوُرِ والأَرَضِينَ. والوَجْهُ الثَّالِثُ: السَّلَمُ في شَيءٍ مَوْصُوفٍ إلى أَجَلٍ مَعلُوم، ولَا يَكُونُ في شَيءٍ بِعَيْيهِ. والوَجْهُ الرَّابعُ: السَّلَفُ، وَهُوَ مَعرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ، يَسْلِفُ الرَّجُلُ إلى بَائِعِ الفَاكِهةِ أَو الرُّطَبِ أو الخَبَّازِ أَو الجَزَّارِ في شَيءٍ مَعلُوم [وَوَقْتٍ] (٣) مَعلُومٍ، وَهُوَ مِنْ نَاحِيتَهِ الإرْتفَاقُ، و [إنَّ] (٤) بالإنْسَانِ حَاجَةً إلى أَن يَأخُذَ لِعِيالِهِ كُلَّ يَوم شَيْئاً معلُوماً، ولَو أَخَذَ ذَلِكَ المُشْتَرِي كُلَّهُ في يَوْمٍ وَاحِدٍ لَفَسَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولا

стр. 432

تَجُوزُ هذِه الصَّفْقَةُ إلَّا أَنْ يُسَمِّي قَدرَ ما يَأخُذُ مِنْ ذَلِكَ في كُلِّ يَوْمٍ، لأَنَّهُ إذا لم يَكُن مَعلُوماً دَخَلَهُ الغَرَرُ، إذ لا يَنرِي البَائِعُ كَيْفَ يَدفَعُ، ولا المُشْتَرِي كَيْفَ يَقْبِضُ، فإذا كَانَ مَا يَأْخُذُ في كُلِّ يَوْمٍ مَعلُوماً سَلَفَا مِنَ الغَرَرِ صَحَّ البَيْعُ بَيْنَهُمَا. قالَ عِيسَى: مَن اشْتَرَى رُطَباً مِنْ نَخْل مُسَمَّاة كَيْلاً أَو وَزْنا فَقَبَضَ بعضَ مَا اشْتَرَى ثُمَّ فَنِيَ الرُّطَبُ، أَو اشْتَرَى لَبَناً مِنْ غَنَمٍ مُسَمَّاةٍ كَيْلاً يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئأ معلُوماً فَفَنِيَ رُطَبُ ذَلِكَ الحَائِطِ، أو انْقَطَعَ لَبَنُ تِلْكَ الغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوفِي المُشْتَرِي مَا اشْتَرى مِنْ ذَلِكَ فإنَّهُما يَتَحَاسَبَانِ على عَدَدِ الكَيْلِ الذي قَبَضَهُ المُشْتَرِي مِنَ البَائِعِ، وَيرُدُّ عليهِ البَائِعُ بِقَدرِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَيَقْبِضُهُ منهُ ولَا يُؤَخرُهُ بهِ، فإنْ أَخَّرَهُ به دَخَلَهُ الدَّيْنُ بالدَّيْنِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَا يُسْلِمُ في رُطَبِ حَائط بِعَيْيهِ إلَّا إذا أَزْهى وصَارَ بُسْرَاً، ويُشْتَرطُ أَنْ يأْخُذَ ذَلِكَ رُطَباً، ويَضْرِبَ فى ذَلِكَ أَجَلاً لا يُتْمِرُ ذَلِكَ الرُّطَبُ إلى ذَلِكَ الأَجَلِ، وُيسَمِّ ما يأَخُذُ مِنْ ذَلِكَ في يَوْم، وَيشْرَعُ المُشْتَرِي في الأَخْذِ عندَ عَقْدِ الشَّرَاءِ، ويُقَدِّمُ رَأْسَ المَالِ أَو يُؤخِّرُهُ إن شَاءَ، لأَنَّهُ شَيءٌ بِعَيْنهِ ولَيْسَ هُوَ بِمَضْمُونٍ في الذِّمَّةِ. قالَ: ومَنِ اشْتَرَى مِنَ الرُّطَابِ وأَصحَابِ الحَوَانِيتِ فَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ للشَّيءِ المُشْتَرَى مِنْ أَيْدِي النَّاسِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَوفي المُشْتَرِي جَمِيعَ مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ، فإئهُ يَزجِعُ على البَائِعِ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ، ولَهُ أَنْ يَأخُذَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ مَا شَاءَ مِنَ الطَّعَامِ وغَيْرِه إذا لَمْ يُؤَخِّرهُ بهِ. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ في هذِه المَسْأَلةِ: إنَّهُ يَتَأَخَّرُ مَا بَقِيَ للمُشْتَرِي على البَائِع إلى السَّنَةِ المُقْبِلةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، فقالَ: يُحَاسِبُ المُشْتَرِي صَاحِبَ الرُّطَبِ، ثُمَ يَأْخُذُ مِنْهُ بَقِيَّةَ رَأسِ مَالِهِ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ طَلَبَ التَّأخِيرَ مِنْهُمَا بالبَاقِي إلى قَابِلٍ كانَ ذَلِكَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا على المُحَاسَبةِ فِيمَا قَبَضَ وفِيمَا بَقِيَ، فَيَأْخُذُ حِينَئِذٍ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ رَأْسِ

стр. 433

مَالِهِ على حِسَاب مَا قَبَضَ، أَو يَأخُذُ مِنْهُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَيَّ سِلْعَةٍ شَاءَ، حَاشَا الطَّعَامِ، لَأَنَّهُ يَصِيرُ في الطَّعَامِ اقْتَضَاءُ طَعَامٍ حَاضِرٍ مِنْ طَعَامٍ مُؤَجَّلٍ، إذْ قد كَانَ لهُ أَنْ يُؤَخِّرُهُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الرُّطَبِ أو مِنَ الفَاكِهةِ إلى قَلِيلٍ، فاَخَذَ مَكَانَهُ طَعَاماً مُعَجَّلاً، فَيَدخُلَهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ لَيْسَ يَدَاً بِيَدٍ. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وكَانَ يُخَفِّفُ ذَلِكَ أَضبَغُ بنُ الفَرَجِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَا بَقِيَ للمُسْلَمِ على البَائِعِ مِنْ ثَمَنٍ يَأْخُذُ فِيهِ طَعَاماً مُعَجَّلاً، وذَلِكَ جَائِزٌ، ولَو أَخَّرَهُ بهِ لَمْ يَجُزْ، لأَنَّهُ يَصِيرُ دَيْنَاً بِدَيْنٍ. قالَ أَبو المُطَرَفِ: روَى يَحيىَ بنُ يَحيىَ، عَنْ مَالِكٌ في الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ مَالِ الرَّجُلِ الحَائِطَ، فِيهِ أَلْوَانٌ مِنَ النَّخِيلِ: العَجْوَةُ، والكَبيسُ، والعَذْقُ، فَيَسْتَثْنِي مِنْها البَائِعُ ثَمَرَ النَّخْلَةِ أو النَّخْلاَتِ يَخْتَارُها، وذَكَرَ المًسْالَةَ إلى آخِرهَا. ورَوَى ابنُ بكَيرٍ عَنْ مَالِكٌ: فَيَشْتَرِي مِنْها ثَمَرَ النَّخْلَةِ أَو النَّخَلاَتِ (١)، وهذا هُوَ الصَّحِيحُ، لأَنَّ المُشْتَرِي هُوَ الذي يُرِيدُ أَنْ يَخْتَارَها مِنْ حَائِطِ البَائِعِ، وهذا لا يَجُوزُ، لأَنَّهُ يدخُلَهُ التفَاضُلُ بينَ التَّمرِ، وقد بيَنَ مَالِكٌ وَجْة فَسَادِ هذِه المَسْأَلةِ في المُوطَّأ بِمَا أَغْنَى عَنْ تَفْسِيرِه ههُنا. قَوْلُ مَالِكٍ فِي الفَاكِهةِ التي تَيْبَسُ وتُنخَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ بَعضُها بِبَعضٍ إذا كَانَتْ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، إلَّا يَدأ بِيَدٍ، ومِثْلاً بِمِثْل، وهذا مِنْ قَوْلهِ يَدُلُّ على أَنَّها إذا كَانَتْ رَطْبَةً قَبْلَ أَنْ تَيْبَسَ أَنَّها تُبَاعُ مِثْلاً بِمِثْلٍ، كَيْلاً بِكَيْلٍ. وقد قالَ مَالِكٌ في كِتَابِ السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنَ المُدَوَّنَةِ: أَنَّهُ لا بَأسَ بالرَّطْبِ مِثْلاً بِمِثْلٍ (٢). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا اخْتَلَفَتْ أَضنَاف الفَاكِهةِ اليَابِسَةِ المُدَّخَرةِ جَازَ أَنْ تُبَاعَ

стр. 434

مُتَفَاضِلَةً يَداً بِيَدٍ، وأَمَّا مَا لَا يُدَّخَرُ مِنْها كالقِثَّاءِ والبَطِّيخِ والتُّفَاحِ وشِبهِ ذَلِكَ، فالتَّفَاضُلُ في كُلِّ صِنْف مِنْها جَائِز يَدَاً بيد، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلى أَجَلٍ، لأَنَّها لَيْسَتْ أَقْوَاتا ولا تَشْبَهُ الفَاكِهةَ التي تُدخَرَ، لأَنَّ تِلْكَ تَجْرِي مَجْرَى الأَقْوَاتِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ التَّفَاضُلُ في صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْها، ولَا تُبَاعُ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ، ويَدَاً بِيَدٍ.

стр. 435

في بيَع الذَّهَب والوَرِقِ، والمُرَاطَلَةِ بِهِما (١) والصَّرْفِ قَوْلُ النبي ﷺ للسَّعْدَينِ حِينَ بَاعَا الإنَاءَ مِنَ الفِضَّةِ أَو مِنَ الذَهبِ باَكْثَرَ مِنْ وَزْيهِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فقالَ لَهُمَا: "أربَيْتُمَا فَرُدَّا" قالَ أَبو المُطَرفِ: هذا أَصل في رَدِّ الرِّبَا، وأَنَّهُ لا قِيمَةَ للصِّنَاعةِ في المُرَاطَلَةِ، ومَن اشْتَرَى [دمى] (٢) الوَرِقِ فقد أَربَى، وكَانَ السَّعدَانِ: سَعدُ بنُ عبَادَةَ، وسَعدُ بن مَالك. وفي هَذا الحَدِيثِ مِن الفِقْهِ: أن الغَنَائمَ تُبَاع بأَرضِ العَدُوِّ، وأَنَّ الإمَامَ يُقَدِّمُ على بَيْعِهِا أَهْلَ الأَمَانةِ والثِّقَةِ، ثُمَّ يَتَعَاهدُ ذَلِكَ بِنفْسِهِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ صَوَاباً أَمْضَاهُ، ومَا كَانَ خَطَأً رَدَّهُ، والرِّبا لَا يَحِلُّ تَمَلكُهُ، و [إنَّه] (٣) مَتَى وَقَعَ البَيْعُ به نُقِضَ. * قَول ابنِ عُمَرَ للصَّايغِ الذي سَالهُ عنْ بَيعِ الفِضة المَصُوغَةِ بالمَضْرُوبةِ مُتَفَاضِلَةً، فقالَ لَهُ: "لا تَبع ذَلِكَ إلَّا وَزْناً بوَزن" يُرِيدُ: أَن الصِّيَاغَةَ في الفِضَّةِ لا يُحتسَبُ بها في المُرَاطَلَةِ. * ولَيْسَ العَمَلُ في هذه المَسألةِ على إجَازَةِ مُعَاوِيةَ لِذَلِكَ، وقدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبو الدَّرْدَاء جينَ رَاجَعهُ في ذَلِكَ، حتَّى قَالَ: (لا أُسَاكنُكَ بأَرضٍ أَنْتَ فِيها) قالَ أَبو عُمرَ: هذِه قولَة شّدِيدَةٌ، وتَؤُولُ إلى مَعنَى الهُجرانِ الذي نَهَى عَنْهُ

стр. 436

رَسُولُ الله ﷺ حِينَ قالَ: "لا يَحِلُّ لِمُسْلم أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَث" (١) فَذَكَزتُ قَوْلَ أَبي عُمَرَ لأَبي مُحَمّدٍ، فقالَ لِي: هذِه قِصَّةٌ اضْطَرَبتْ الرِّوَايةُ فِيها، فَرَوَاها أَهْلُ البَصرَةِ أَنَّها كَانَتْ بَيْنِ عِمرَانَ بنِ الحُصَيْنِ وبينَ مُعَاوِيةَ، ورَوَاها أَهْلُ الشَّامِ أنها كَانَتْ بينَ أَبي ذَر وبينَ مُعَاوِيةَ، فَاضْطَربتْ الرِّوَايةُ فِيها، وإنَّمَا أَدخَلَها مَالِكٌ في المُوطَّأ لِقَوْلِ عُمَرَ بنِ الخطَّاب: "لا تُبَاعُ الفِضَّةُ المَصُوغَةُ بالمَضْرُوبةِ إلَّا وَزْناً بِوَزْنٍ"، وقالَ أيضا: "الدِّينَارُ بالدِّينَارِ، والدِّرْهمُ بالدِّرْهَمِ، ولَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِنَاجِزٍ" يَعنِي: لَا يُبَاعُ طَعَامٌ غَائِب بِطَعَامٍ حَاضِرٍ، كَانَ مِنْ صِنْفِهِ أَو مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ، ولَا يُبَاعُ شَيءٌ مِنَ العُرُوضِ بِشَيءٍ مِنْ صِنْفِهِ حَاضِرٌ بِغَائِب، وكَذَلِكَ جَمِيعُ الإدَامِ والأشْرِبةِ إلَّا المَاءُ وَحدَهُ، فإنَّهُ يُرَخَصُّ فِيه مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ كَثِيرٌ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: (لا رِبَا إلَّا فِي ذَهبٍ، أَو فِضَّةٍ، أَو مَا [يُكَالُ] (٢)، أَو يُوَزَنُ، مِمَّا يُوكَلُ أَو يُشْرَبُ) قالَ عِيسَى: الرِّبا يَقَعُ عندَ مَالك فِيمَا ذَكَرَهُ ابنُ المُسَيَّبِ وغَيْرُهُ مِنَ الأَشْيَاءِ، يُعرَفُ ذَلِكَ على حَالِ نزولِها إذا تَعَامَلَ الرَّجُلاَنِ بالرِّبَا. وقالَ غيرُ عِيسَى: مَغنَى قَوْلِ ابنِ المُسَيَّب: لا رِبَا إلَّا في ذَهبٍ، أَو فِضَّةٍ، أو مَا يُؤْكَلُ أَو يُشْرَبُ، مِمَّا يُكَالُ، أَو يُوزَنُ، أَنًّ المُنَاجَزَةَ إذا لَمْ تَكُنْ في الذهبِ، أَو الوَرِقِ، أَوفي الأَطْعِمَةِ، والأَشْرِبةِ إذا بِيعَ بَغضُ ذَلِكَ ببَعضٍ غَيْرَ مُنَاجَزَةٍ، ولَا يَداً بِيَدٍ فإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ رِبا، ولِذَلِكَ أَدخَلَهُ مَالِكٌ في المُوَطَّأ في بابِ المُنَاجَزَةِ، ولَم يَقْصِد ابنُ المُسَيَّبِ بِقَوْلهِ هذا إلى ذِكْرِ شَيءٍ مِنَ العُرُوضِ التي لَيْسَتْ مَأكُولَةً ولا مَشْرُوبَةً، فَيتأَوَّلُ عَلَيْهِ إجَازَةُ بَيع عَرْضٍ بِعَزضٍ مِنْ صِنْفِهِ مُتَفَاضِلاً إلى أَجَلٍ، هذا لَا يَقُولُهُ سَعِيدٌ، لأَنَّهُ رِبا، بِسَببِ التَّأخِيرِ، وَيجُوزُ ذَلِكَ يَداً بِيدٍ، لأَنَّ العُرُوضَ

стр. 437

لَيْستْ مِنَ العَيْنِ، ولَا مِنَ الأَقْوَاتِ التي مَنَعَ النبيُّ ﷺ وأصحَابُهُ بعدَهُ مِنْ بَيع بَعضِها بِبعضٍ مِنْ صِنف وَاحِدٍ، إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ، يَداً بِيَدٍ. * قَوْلُهُ: (قَطْعُ الدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمَ مِنَ الفَسَادِ في الأَرضِ)، قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا يَكُونَ هذا فِسَادَاً إذا جَرَت الدَّنَانِيرُ والدَّرَاهِمُ بينَ النَّاسِ عَدَداً لَا وَزْنا، فَيعمَدُ أَهْلُ الفَسَادِ إليها يَتَقَصُّونَها مِنْ حَوَالِيها، ثُمَّ يَتَبَايَعُونَ بِها، ويُغْرُونَ بِها النَّاسَ، فَهذا منَ الفَسَادِ في الأرضِ، وأَمَّا إذا جَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ بالوَزْنِ لم يَكْنُ قَطْعُها مِنَ الفَسَادِ في الأَرضِ، لأَنَّها تُجْمَعُ في المِيزَانِ، فَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ دَرَاهِمُ أو دَنَانِيرُ أَوْزَنَ مِنْ دَرَاهِمِ البَلَدِ الذي هُوَ فِيهِ، وكَانَتْ تَجْرِي عِنْدَهُم عَدَداً فَلَا يَتَقَصَّ دَرَاهِمَهُ الوَافِيةَ، ولْيَبِع تِلْكَ الدَّرَاهِمَ التي مَعَهُ بِذهب، ثُمَّ يَبْتَاعُ بِذَلِكَ الذهبِ دَرَاهِمَ [جواز] (١) ذَلِكَ البَلَدِ الذي هُوَ فِيهِ، ولا يَكُونُ بَيْعُهُ وشِرَاؤُهُ مِنْ رَجُل وَاحِدٍ، لِئَلَّا يَكُونَ عَيْنٌ بأَكْثَرَ منهُ، ويَكُونَ الصَّرفُ بَيْنَهُما مُلْغَى. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَجَازَ أَهْلُ المَدِينةِ بَيْعُ المُصحَفِ يَكُونُ فِيهِ مِنَ الفِضَّةِ قَدرَ ثُلُثِ ثَمَنِهِ فأَدنَى أَنْ يُبَاعَ بالفِضَّةِ نَقْداً، وكَذَلِكَ السَّيْفُ يَكُونُ فِيهِ مِنَ الفِضَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ أَنْ يُبَاعَ بالفِضَّةِ، وكَذَلِكَ أَجَازُوُهُ في الذَّهَبِ إذا كَانَ الذَّهَبُ في المُصحَفِ أَو السَّيْفِ قَدرَ الثُّلُثِ فَدُونَ أَنْ يُبَاعَ بالذهبِ نَقْدَاً، ولا يَجُوزُ إلى أَجَلٍ. وأَجَازَ أَشْهبُ إلى أَجَلٍ. وحُجَّتُهُم في إجَازَةِ ذَلِكَ: قَوْلُ النبيِّ ﵇: "مَنْ بَاعَ عَبْداً ولَهُ مَالٌ فَمَالُهُ للبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ" (٢)، وقَد يَكُونُ مَالُ العَبْدِ ذهبا أَو فِضَّةً، وَهُو يُبَاعُ بالذهبِ أو بالفِضَّةِ، فإذا كَانَ مَا فِي المُصحَفِ أو السَّيْفِ مِنَ الفِضَّةِ أَو الذّهبِ قَدرَ ثُلُثِ ذَلِكَ فَكَانَ تَبَعاً للصَّفْقَةِ، وإذا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ بِيعَ الذي فِيهِ الذَهبُ بالفِضَّةِ، والذي فِيهِ الفِضَّةُ بالذهبِ يَداً بِيَدٍ، ولَا يَجُوزُ إلى أَجَلٍ، لأَنَّهُ

стр. 438

يَصِيرُ في الآجِلِ بَيْعُ فِضَّةٍ وعَرضٍ نَقْداً بفِضةٍ إلى أَجَلٍ، أَو ذَهبا نَقْداً وعَرضَاً بِذَهبٍ إلى أَجَلٍ، ولَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لأَنَّ الذَّهَبَ بالفِضَّةِ رِبَاً، إلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وقَالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: إذا كَانَتِ الفِضَّةُ أو الذَّهَبُ في السَّيْفِ أَوفي المُصحَفِ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ بِيعَ ذَلِكَ بالعُرُوضِ، يَدَاً بِيَدٍ، وإلى أَجَلٍ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: بَيَّنَ النبيُّ ﵇ أَنَّ المُنَاجَزَةَ إذا لَمْ تَكُنْ في الصَّرفِ كَانَ ذَلِكَ رِبَاً، ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: (وإن استنَظَرَكَ إلى أَنْ يَلجَ بَيتَهُ فَلَا تُنْظِرهُ) ورَوَى غَيْرُ مَالِكٍ حَدِيثَ عُمَرَ هذا عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الذّهبُ بالوَرِقِ رِبَاً، إلَّا هاءَ وَهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِبَاً، إلَّا هاءَ وَهاءَ، والشَّعِيرُ بالشَعِيرُ رِباً، إلَّا هاءَ وَهاءَ، والمِلْحُ بالمِلْحِ رِباً، إلَّا هاءَ وَهاءَ" (١). وهكَذا أَيْضَاً رَوَاهُ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ عَنِ النبيّ ﷺ (٢). ومَعنَى قَوْلهِ: "هاءَ وَهاءَ" أَي: خُذْ وَاعطِي، يُرِيدُ يَدَاً بِيَدٍ. قَوْلُ ابنِ أَبي زَيْدٍ: لَمَّا ذَكَرَ النبيُّ ﷺ في هذا الحَدِيثِ أَعلَى الأَقْوَاتِ، وَهُوَ البُرُّ، وذَكَرَ أَقَلَّ المُؤْتَدِمَاتِ وَهُوَ المِلْحُ، أَلْحَقَ العُلَمَاءُ مَا لَمْ يُسَمَّ مِنْ قُوتٍ أَو إدَامٍ بِمَا سَمَّى مِمَّا يَشْبههُ في تَخرِيمِ التَّفَاضُلِ في الجِنْسِ الوَاحِدِ، وقَد نَهى النبيُّ ﷺ عامِلَهُ على خَيْبَرَ أَنْ يُبَادِلَ الجَمعَ بالجَنِيبِ مُتَفَاضِلاً، فَلَمَّا لم يَجُزْ ذَلِكَ في الجَنِيبِ مِنْهُ بالجَمْعِ، وَهُمَا اسْمَانِ، إلَّا أَنَّهُمَا في النَّفْع وفِي الخِلْقَةِ مُشْتَبهانِ كَانَ كَذَلِكَ كُلَّ مَا أَشْبَة التَّمرَ مِنَ الطَعَامِ. قالَ: ولَيْسَ إفْرَادُ الشَّعِيرِ بالتَّسْمِيةِ الذي يمنَعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ البُرِّ، وقَدْ جَمَعَ المُسْلِمُونَ بَيْنَ الضَّأنِ والمَعزِ في الزَّكَاةِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الشَّعِيرِ والقَمْحِ أَنْ يُجْمَعَا في الزَّكَاةِ والبَيع والمُبَادَلَةِ، لأَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحدٌ.

стр. 439

قالَ ابنُ أَبي زيدِ: فإن احتَجَّ محْتَجٌّ بِمَا يُرْوَى في حَدِيثِ عُبَادَةَ: "بِيعُوا القَمحَ بالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُم"، قِيلَ لِمَن احْتَجَّ بهِ: إنَّمَا هذا فُتْيا مِنْ نَاقِلِ الحَدِيثِ، ولَيْسَ هُوَ بِثَابِتٍ، وهذا السُّلْتُ مُفْرَدٌ باسْمِهِ، وقَد حَكَمَ لَهُ بِحُكمِ البُرِّ مَنْ يُخَالِفُنَا في الشَّعِيرِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ البُرِّ والشَّعِيرِ كَحُكْمِ البُرِّ والسُّلْتِ، وهذا مَا لَا خِلاَفُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينةِ، أَنَّ البُرَّ والشَعِيرَ صِنْفٌ وَاحِدٌ. * قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَوَجَدَ في الدَّرَاهِمِ درهماً زَائِفَاً فَرَدَّهُ على الصرَافِ أَنَّهُ يَنتقِضُ الصَّرفُ بَيْنَهُمَا، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ الصرفِ المُتَأخِّر بعضَهُ. وقالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: إذا كَانَ الصّرفُ جَمْلَةَ دَنَانِيرَ فَوَجَدَ في الدَّرَاهِمِ زِيُوفَاً، أَنَّهُ يُنتقَصُ مِنْ ذَلِكَ الصرفِ دِينَارٌ وَاحِدٌ إذا كَانَت الزيُوفُ قَدرَ مَا يَقَعُ مِنَ الصرفِ لَهُ دِينَارٌ، فإن كَانَت أَكْثَرَ مِنْ صرفِ دِينَارٍ وَاحِدٍ انتقِصَ مِنَ الصَّرْفِ دِينَارَانِ. قالَ: فإنْ كَانَ قَابِضُ الدَّرَاهِم قد أَنْفَقَ الجِيَادَ مِنْها رَدَّ مِثْلها مَعَ الزِّيُوفِ، وانتقَضَ الصَّرفُ بَيْنَهُما. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: ويُرْوَى عَنِ الزهْرِيِّ أنَّهُ أَجَازَ الصَّرفَ بَيْنَهُمَا إذا أَبْدَلَ لَهُ الزِّيُوفَ التِّي رَدَّها إلى الصَّرَّافِ. قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ رَاطَلَ ذَهباً بِذَهبٍ وكَانَ بَيْنَ الذهبينِ فَضلُ مِثْقَالٍ، فأعطَاهُ صَاحِبُهُ قِيمَتَهُ مِنَ الوَرِقِ أَو غَيْرِها أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، إنَّمَا لَمْ يُجِزْ هذا لأَنهُ يَصِيرُ فِضة وذهبا بِذَهب، وكَذَلِكَ لَو أَعطَاهُ في المِثْقَالِ الرائِدِ عَرضَا لَمْ يَجُزْ، لأَنَّهُ يَصِيرُ عَرضَاً وذَهبا بِذَهبٍ، وذَلِكَ غَيْرُ جَائز، لأَنَ النبيَّ ﷺ قالَ: " الذهبُ بالذَّهبِ مِثْلاً بمِثْلٍ"، فإذا كَانَ مَعَ أَحَد مِنَ الذَّهبَيْنِ أَو الفِضَّتَيْنِ شَيْءٌ غَيْرَهُمَا خَرَجَاَ عَنْ حَدِّ المُمَاثَلَةِ التي أَبَاحَها النييُّ ﵇ في المُرَاطَلةِ، وكَذَلِكَ إنْ رَجَحَتْ إحدَى الذَهبَيْنِ أَو الفِضَّتَيْنِ فأَرَادَ صَاحِبُ الرجحَانِ أَنْ يُحَلِّلَ صَاحِبَهُ مِنَ الرُّجحَانِ لم يَجُزْ، لأَنَّهُ يَصِيرُ ذلِكَ فِضة أَو ذَهبا بأَكْثَرَ مِنْ وَزْها فَيَصِيرُ ذَلِكَ رِبَا، وإذا تَرَاطَلَ الرَجُلانِ وكَانَ ذَهَبُ أَحَدِهِمَا أَجْوَدُ مِنَ الآجِرِ، فَجَعَلَ

стр. 440

صَاحِبُ الجَيِّدِ مَعَ ذَهبهِ ذَهباً دُونَ صَاحِبهِ لَمْ يَجُزْ، لأَنَّهُ يَخْرُجُ بِفعلهِ ذَلِكَ عَنِ المَعرُوفِ إلى حَدِّ المُكَايَسَةِ (١)، فَلَا يَصِيرُ الذَّهبُ بالذَّهبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وكَذَلِكَ يَصِيرُ إذا بَادَلَ حِنْطَةً جَيّدَة بحِنْطَة دُونَها، وجَعَلَ صَاحِبُ الجَيِّدَةِ مِنْهُما مَعَ حِنْطَتِهِ حِنْطَة دُونَها لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، لأَنَّهُ يَصِيرُ الحِنْطَةُ بالحِنْطَةِ غَيْرَ مُمَاثَلةٍ بعضَها بِبَعض، فإذا كَانَتْ الحِنْطَةُ الجَيّدةُ كُلُّها خَالِصَة وكَانَتْ الدُّونُ كُلّبها في الجِهةِ الأُخْرَى جَازَ ذَلِكَ، لأَنَّهُ يَصِيرُ إحسَانا مِنْ قِبَلِ قَابِضِ ذَلِكَ، ولَوْ فَعَلَ أَيْضا في المذهب مِثْلَ ذَلِكَ جَازَ ذَلِكَ، لأَنَّهُ دَفَعَ جَيِّدَ أَكْلِهِ وأَخَذَ دُونَ مَا دفعَ، فَصَارَ ذَلِكَ إحسَاناً مِنْهُ. * * *

стр. 441

بابُ العِينَةِ وشِبْهِها، وبَيع الطَّعَامِ إلى أَجَلٍ إنمَا تَزجَمَ مَالِكٌ هذا البَابَ بِبَابِ العِينَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بالعِينَةِ في الطعَامِ، فكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُم يُشَارِطُ الرَّجُلَ على أَنْ يَشْتَرِي لَهُ طَعَاماً بِثَمَنٍ، ثُمَّ يَبِيعَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوفِيهِ بِثَمَنٍ إلى أَجَلٍ بأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ بهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ مِنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ، فَنَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعهُ حتَى يَسْتَوْييهِ" فإذا ابْتَاعَ رَجُلٌ طَعَاماً واكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ فَقَن مَلَكَهُ وصَارَ في ذِمَّتِهِ، وأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَكْتَالَهُ فَهُوَ في ذِمَّةِ البَائِعِ حتَى يَكِيلَهُ المُشْتَرِي، والدلِيلُ على أَنَّهُ في ذِمَّةِ البَائِعِ حتَى يَدفَعَهُ إلى المُشْتَرِي قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩]، فَالكَيْلُ على البَائِعِ، فَلَمَّا كَانَ الكَيْلُ عَلَيْهِ كَانَ في ذِمتِهِ حتَّى يدفَعَهُ إلى المُشْتَرِي، وأَمَّا مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً جُزَافاً فَلَهُ بَيْعُهُ بأَكْثَرَ مِمَّا ابْتَاعَهُ به، وإن لَمْ يَنْقُلْهُ مِنْ مَكَانِهِ الذي ابْتَاعَهُ فِيهِ، لأَنَّ بِعَقْدِ الصَّفْقَةِ ودَفْعِ الثَّمَنِ دَخَلَ في ذِمَّةِ المُشْتَرِي، والجُزَافُ هُوَ مَا يَسْتَوِي فِيهِ عِلْمُ البَائِعِ والمُشْتَرِي، فإذا عَلِمَ البَائِعُ كَيْلَهُ ثُمَّ بَاعَهُ مُجَازَفَةً وكَتَمَ المُشْتَرِي كَيْلَهُ كَانَ بالخِيَارِ، إنْ شَاءَ قَبَضَهُ، وإنْ شَاءَ رَدَّهُ على البَائِعِ بِمَا كَتَمَهُ إيَّاهُ، وهذا حُكْمُ العُيُوبِ المَكْتُومَةِ في السِّلَعِ المَبِيعَةِ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ في مَسْأَلةِ الصكُوكِ التي كَرِهها زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ إنَّمَا هي صُكُوك مَكْتُوبَة تَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ لأَقْوَامٍ بأَعيَانِهِم، فِيها أَعدَادٌ مِنَ الطَّعَامِ لِكُل وَاحِدٍ على قَنرِ مَنْزِلَتِهِ، عَطَايَا لَهُم لَيْسَتْ أَجْراً، ولَا عِوَضَاً مِنْ شَيءٍ، فَيَبِيُعَونَ ذَلِكَ الطَّعَامَ المَكْتُوبَ في تِلْكَ الصُّكُوكِ مِنْ قَوْمٍ مِنَ التُّجّارِ، فَيَنْهضُ

стр. 442

المُشْتَرُونَ إلى [الهدايين] (١) فَيَقْبِضُونَ مِنْهُم تِلْكَ الأَطْعِمَةِ لأَنْفُسِهِم، فَمِنْ هؤُلاَءِ التُّجّارِ مَنْ بَاعَ ذَلِكَ الطَّعَامَ الذي في تِلْكَ الصُّكُوكِ مَكْتُوبٌ مِنْ غَيْرِه بِرِبْح قَبْلِ أَنْ يَقْبضَهُ مِنَ [الهدايين]، فَسُئِلَ زَيْدُ بنُ ثَابِت، فقالَ: (هذا رِبَا)، لاَنهُم ابْتَاعُوا طَعًاماً مَكِيلا وبَاعُوا مِنْ غَيْرِهِم قَبْلَ أَنْ يَسْتَوفُوهُ، فَرَدَّ ذَلِكَ مَروَانُ بنُ الحَكَمِ وفَسَخَ البَيْعَةَ الآخِرَةَ وأَبْقَى البَيْعَةَ الأُولَى، ولَوْ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ أَخَذَهُ أَهْلُ العَطَايا على خِدمة يَخْدِمُونَها لَمْ يَجُزْ لَهُم أَنْ يَبِيعُوهُ حتَّى يَقْبِضُوهُ، لأَنَّهُم يَبْتَاعُونَهُ حِينَئذٍ بِخِدمَتِهِم فَلَا يَبِيعُوهُ حتَّى يَقْبِضُوهُ لأَنْفُسِهِم. قَالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا كَرِة ابنُ المُسَيَّبِ لِمَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً مِنْ طَعَامِ الأَرزَاق أَنْ يُسْلِمَ إليه في طَعَامٍ، ويَنْوِي أَنْ يُوفيَ الذي أَسْلَمَ إليه في الطَّعَامِ أن يُوفِيهِ إيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ الذي ابْتَاعَهُ مِنْ طَعَامِ الأرزَاقِ، وإنَّما كَرِة ذَلِكَ لأَنَّهُ صَارَ بِنيتِهِ هذِه بَائِعَاً لِطَعَامٍ قَبْلَ قَبْضِهِ. وقد خَفَّفَ هذا أَشْهبُ، وكَرِههُ ابنُ القَاسِمِ. قالَ أَبو المُطَرّفِ: إنَّما كُرِة أَنْ يَقْتَضِيَ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ بِيعَ إلى أَجَلِ طَعَامٍ لأَنَّهُ يَصِيرُ الطعَامُ بالطَّعَامِ لَيْسَ يَداً بِيَدٍ، والثَّمَنُ بَيْنَ البَائِعِ والمُشْتَرِي مُلْغَى، وأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ على رَجُلٍ ثَمَنٌ مِنْ طَعَامٍ بَاعَهُ مِنْهُ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ رَجُل آخَرَ طَعَاماً فأَحَالَ بِثَمَنِ هذا الطَّعَامِ الذي بَإعَهُ مِنْهُ على الذي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ثَمَنُ الطَّعَامِ الأَوَّلِ لمِ يَكُنْ بِهذا بَأْسٌ، وإنَّمَا يَكُونُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إذا كَانَ البَيع والإبْتِيَاعُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فذَلِكَ لَا يَجُوزُ، لأَنَّهُ يَكُونُ طَعَاماً بِطَعَامٍ ليْسَ يَدَاً بِيَدٍ، والثَّمَنُ بَيْنَهُمَا مُلْغَى. * * *

стр. 443

باب السُّلْفَةِ في الطَّعَامِ، إلى آخِرِ بَابِ الحكْرَةِ ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ عَنِ النبي ﷺ أنَّهُ قَالَ: "مَنْ سَلَفَ في تَمرٍ فَلْيُسْلِفْ في صِنْفٍ معلُومٍ، وكَيْلٍ مَعلُومٍ، وأَجَلٍ معلُومٍ" (١). بهالَ أَبو المُطَرِّفِ: هذا الحَدِيثُ أَصلٌ في السَّلَمِ، فإذا لَمْ يَحضَرِ السَّلَمُ بالصِّفَةِ والكَيْلِ والأَجَلِ دَخَلَهُ الغَرَرُ، لأَنَّ المُشْتَرِي لَا يَدرِي حِينَئِذٍ مَا اشْتَرَى، ولَا البَائِعُ مَا بَاعَ، ولَا يَنرِي البَائِعُ مَتَى يَدفَعُ، ولا المُشْتَرِي مَتَى يَقبِضُ، وكَذَلِكَ إذا لم يُقَذمُ المُشْتَرِي رَأْسَ المَالِ دَخَلَهُ الدَّيْنُ بالدَّيْنِ، وقد رُخِّصَ في أَنْ يَتَاَخَّرَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ اليومَ واليَوْمَيْنِ بعدَ عَقْدِ الصفْقَةِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا جَازَ بَيعُ الزرعِ إذا يَبَسَ لأَنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِنَ العَاهَاتِ، وأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ وَييْبَسَ فَشِرَاؤُهُ غَرَرٌ، إذ لَا يدرِي هلْ يَتِمُّ أَمْ لا، ولَم يَجُزْ بَيْعُهُ بعدَ أَنْ يَيْبَسَ على أَنْ يَكُونَ على البَائِعِ دَرسُهُ وتَذْرِيَتُهُ، لأَنه إنَّما بَاعَ مِنْهُ الآنَ مَا يَخرُجُ مِنْهُ وَهُوَ غَيْرُ مَرئي فَيَدخُلُهُ الغَرَرُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا جَازَتْ الإقَالَةُ في الطَعَامِ المُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لأَنه فِعل مَغرُوف إذا قَبَض المَقِيلُ رَأْسَ مَالِهِ الذي دَفَعَهُ فِيهِ ولَم يُؤَخِّرْهُ بهِ، فإنْ أَخَّرَهُ دَخَلَهُ الديْنُ بالديْنِ، وكَذَلِكَ إنْ قَبَضَ غَيْرَ رأْسِ مَالِهِ الذي دَفَعَهُ أَوَّلاً صَارَ بَيع الطعَامِ قَبلَ أَنْ يَسْتَوفِي، وإذا حَلَّ أَجَلُ الطَّعَامِ المُسْلَمِ فِيهِ فَدَفَعَ الذي عَلَيهِ السَّلَمَ أَفْضَلَ مِنَ الصِّفَةِ التي عَلَيْهِ أَو دُوثَها لم يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، لأَنَّها تَكُونُ حِينَئذٍ

стр. 444

مُبْدَلَةً، إنْ أَعطَاهُ أَفْضَلَ فَهُوَ إحسَانٌ مِن قِبَلِ الدَّافعِ، وإنْ دَفَعَ أدنَى مِنَ الصِّفَةِ فَقَبلَها وَهُوَ تَجَاوُزٌ مِنَ القَابضِ وصَارَ ذَلِكَ مُبَادَلَةٌ فإنْ دَفَعَ إليه مِنْ غَيْرِ الصِّفَةِ التي سَلم إليه فِيها لَمْ يَجُزْ، لأَنَّهُ يَدخُلُهُ بَيع الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوفَى، ولَم يَكُنْ حِينَئِذٍ مُبَادَلَةً. * قالَ أَبو المُطرفِ: جَعَلَ [ابنُ مُعَيْقِيبٍ] (١) الدَّوْسِي وسَعدُ بنُ أبي وَقاصٍ القَمحَ والشعِيرَ صِنْفَاَ وَاحِدَاً في مُبَادَلةِ بَعضِهِ بِبَعضٍ، فَقالا فِيهِ مِثْلاً بِمِثْلٍ، ويَدَاً بِيَدٍ،؛ لأَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وبِهذا قالَ أَهْلُ المَدِينَةِ. قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا كَرِهَ ابنُ المُسَيَّبِ لِمَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً بِدِينَارٍ ونِصْفِ درْهَمٍ أَنْ يُعطِي مَعَ الدِّينَارِ طَعَاماً لِنِصْفِ الدّرهمِ الزَّائِدِ على الدِّينَارِ، لأَنَّهُ يَصِير ذلِكَ طَعَاماً وذهباً بِطَعَامٍ، فَيدخُلُهُ الطَّعَامُ بالطَّعَامِ لَيْسَ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وكَذَلِكَ إنْ أَعطَاهُ في النّضفِ الدِّرهمِ طَعَاما مِنَ الطَّعَامِ الذي ابْتَاعَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَالَهُ دَخَلَهُ بَيْعُ الطَّعَامٍ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوفَى، فإذا دَفَعَ إليه دِينَارَاً أَو دِرْهَماً وأَخَذَ بقِيَّةَ دِرْهَمهِ طَعَاماً جَازَ ذلِكَ، لأَنَّهُ يَصِيرُ دِينَاراً ودَرهما في طَعَامٍ، وإنَّمَا تَقَعُ مثلُ هذِه الصَّفْقَةِ في بَلَدٍ لا يَجْرِي فِيهِ إلَّا الدَّرَاهِمُ الصِّحَاحُ، وأَمَّا إذا جَرَتْ فِيهِ القِطَعُ والفُلُوسُ وَجَدَ المُشْتَرِي السَّبِيلَ إلى دَفْعِ دِينَارٍ ونصْفِ دِرْهَمٍ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وَجْهُ كَرَاهِيةِ مَالِكٍ لِمَنْ سَلَمَ في طَّعَامٍ إلى أَجَلٍ مَحَلَّ الأجَلِ أَنْ يَبِيعَ مِنَ الذي عَلَيْهِ الطَعَامُ طَعَاما بِثَمَنٍ إلى أَجَلٍ ثُمَّ يَقْبضُ ذَلِكَ الطَّعَامَ مِنَ الذي بَاعَهُ مِنْهُ عَنْ سَلَفَهِ الذي لَهُ عَلَيْهِ, لأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوفَى.

стр. 445

وتَفْسِيرُ ذَلِكَ: رَجُلٌ سَلَّمَ إلى رَجُلٍ دِينَاراً في مُدي مِنْ قَمحٍ إلى أَجَلٍ (١)، فَلَمَّا حَلَّ الأَجَلُ تَقَاضَاهُ إيَّاهُ فَلَم يَجِنهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَبُّ السَّلَمِ: أَبِيعُكَ مُدْياً مِنْ قَفحٍ عِنْدِي بِدِينَارَيْنِ إلى أَجَلٍ، ثُمَّ أَقْبِضُ مِنْكَ بِهذا المُدْيِّ عَنِ المُدْيِّ الذي سَلَّمتُ إليكَ فِيهِ، فَصَارَ أنْ بَاعَ مُدياً قَبْلَ أَنْ يَقْبضَهُ بِثَمَنٍ إلى أَجَلٍ، فَيَدخُلُهُ بَيع الطَّعَام قَبْلَ أَنْ يُسْتَوفَى، لأَنَّ المُدْيَّ الذي بَاعَهُ أَمَّنَهُ أُخْرَى بِدِينَارَيْنِ قَدْ صَرَفهُ [إليه] (٢)، وصَارَتِ الدِّينَارَانِ ثَمَناً للمُديِّ المُسْلَمِ فِيهِ، ويَدخُلُهُ أيضاً دَراهِمُ بأَكْثَرَ مِنْها إلى أَجَلٍ، وكأَنَّهُ أَسْلَفَهُ دِينَاراً نَقْداً في دِينَارينِ إلى أَجَلٍ، ويَدخُلُهُ أَيضَاً دَرَاهِمَ باَكْثَرَ مِنْها إلى أَجَلٍ، ويَدخُلُهُ أَيْضَا فَسْخُ دَيْنٍ في دَيْنٍ، وذَلِكَ أَنَّهُ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ مُديّ مِنْ طَعَامٍ فَفَسَخُهُ في دِينَارَيْنٍ إلى أَجَلٍ، وهذا حَرَامٌ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَحِل للرَّجُلِ أَنْ يَبْتَاعَ طَعَاماً بكَسْرٍ مِنْ درْهَمٍ على أَنْ يُعطِي بِذَلِكَ الكَسْرِ طَعَاما إلى أَجَلٍ، لأَنَّهُ يَصِيرُ الطَعَامُ بالطَعَامِ لَيْسَ يَداً بِيَدٍ، والكَسْرُ بَيْنَهُما مُلْغَى، وأَمَّا إذا أَخَذَ طَعَاماً بِكَسْرِ درهم إلى أَجَلٍ ثُمَّ دَفَعَ دِرهماً وأَخَذَ بِبَقِتتِهِ طَعَامَاً لَمْ يَكُنْ به بَأْس، لأَنَّهُ صَارَ طَعَاماً كُلَّهُ بِفِضَّةٍ. * قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ طَعَاماً جُزَافَا فإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِي مِنْهُ كَيْلاً قَدرَ ثُلُثِ ذَلِكَ الطَّعَامِ المَبِيعِ فَدُونَ، فإنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُلُثِ لَمْ يَجُزْ. قالَ عِيسَى: مَعنَاهُ أَنْ يَسْتَثْنِي ذَلِكَ البَائِعُ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ المُبْتَاعُ على ذَلِكَ الطعَامِ ويَكُونُ مِنَ المُسْتَثْنَى مِنَ الطَّعَامِ مُقَاصَّاتٍ مِنَ الثَّمَنِ الذي بَاعَ بهِ البَائعُ أَوَّلاً، فإذا وَقَعَ الإسْتِثْنَاءُ بعدَ أَنْ غَابَ المُبْتَاعُ [عَنِ] (٣) الطعَامِ أَو اشْتَراهُ مِنْهُ بِنَقدٍ بأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الذي بَاعَهُ بهِ أَوَّلاً لَمْ يَصلُحْ، لأَنَّهُ بَيْعٌ وسَلَفٌ، وذَلِكَ أَنْ البَائِعَ الأَوَّلَ بَاعَ طَعَاماً جُزَافاً ولم يَنْقُدِ الثَّمَنَ فَقَبَضَهُ المُشْتَرِي وغَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ابْتَاعَ

стр. 446

البَائِعُ مِنَ المُشْتَرِي مِثْلَ ثُلُثِ تِلْكَ الصُّبْرَةِ كَيْلاً (١)، فَصَارَ بَيْعَاً وسَلَفَاً، وذَلِكَ أَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ صُبْرَةً على إنْ أَسْلَفَهُ مِنْها الكَيْلَ الذي أَخَذَهُ مِنْهُ آخِراً، وَهُوَ الثُلُثُ الذي اسْتَثْنَاهُ لِنَفْسهِ مِنَ الصُّبْرَةِ المَبيعَةِ، وكَذَلِكَ إذا ابْتَاعَهُ مِنْهُ بِنَقَدٍ بأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الذي بَاعَهُ بهِ أَوَّلاً دَخَلَهُ البَيع والسَّلَفُ، لأَنَّهُ يَصِيرُ مَا يَحُطُهُ مِنْ ثَمَنِ ثُلُثِ ذَلِكَ الطَّعَامِ سَلَفاً أَسْلَفَهُ إيَّاهُ، يَقَبْضُ مِنْهُ تِلْكَ الحَطِيطَةَ إذا قَبَضَ ثَمَنَ الصُّبْرَةِ (٢)، فإذا وَقَعَ مِثْلَ هذا البَيع فُسِخَ، فإنْ فَاتَ ذَلِكَ غُرِمَ قَابِضُ الصُّبْرَةِ قِيمَتَها يَوْمَ قَبَضَها، وإذا كَانَ المُسْتَثْنَى مِنَ الصُّبْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ كَيْلِها دَخَلَتْهُ المُزَابَنَةُ، لأَنَّ الطَّعَامَ المُسْتَثْنَى مِنَ الصُّبْرَةِ المَبيعَةِ مَعلُومٌ كَيْلُهُ مِنْ مَجْهُولٍ كَيْلِهِ، فَيَنخُلُهُ بَيع مَغلُومٍ بِمَجْهُول مِنْ صِنْفٍ وَاحِدَ. قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: (لَا حُكْرَةَ في سُوقِنَا)، وَوَقَعَ في غَيْرِ المُوطَّأ مِنْ طَرِيقِ ابنِ المُسَيَّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بنِ أَبي مَعمَر، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَحتَكِرُ إلَّا خَاطِئ"ـ (٣). قالَ الفُقَةاءُ: إنَّمَا هذا إذا قَلَّ الطَّعَامُ في الأَسْوَاقِ واحتَاجَ النَّاسُ إليه، فإنَّ مَنِ اختَكَرَ حِينَئذٍ فَهُوَ مُضرٌّ بالنَّاسِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَتُبْ مِنْهُ إلى اللهِ ، وَلْيَبع ذَلِكَ الطَّعَامَ مِنْ أَهْلِ الحَاجَةِ إليه بِمِثْلِ مَا ابْتَاعَهُ بهِ. قَالُوا: وأَمَّا إذا كَثُرَ الطَّعَامُ في الأَسْوَاقِ وبَارَ فِيها فَلَا بَأْسَ بإحكَارِهِ حِينَئِذٍ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ المَأْكُولاَتِ والمَشْرُوبَاتِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ عُمَرُ ﵁: (أيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ على عُمُدِ (٤) كبِدِه في الشِّتَاءِ والصَّيْفِ فَلْيَبع كَيْفَ شَاءَ الله)، يَعنِي بهذا الذينَ يَجْلِبُونَ

стр. 447

الطَّعَامَ إلى المَدِينَةِ مِنَ النَّوَاحِي في شِدَّةِ الحَر والبَردِ، فَهُؤَلاءِ يَبيعُونَ كَيْفَ شَاءَ اللهُ ولَا يَقَوُّمُ عَلَيْهِم الطعَامُ، فإنْ كَسَدَ عَلَيْهِم ولَم يَبِيعُوهُ كَانُوا فيَ ضِيَافَةِ عُمَرُ حتَّى يَبِيعُوا، ولَا يُقَالُ لِهؤُلاءِ كَمَا قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لِحَاطِبِ بنِ أَبي بَلْتَعَةَ: (إمّا أَنْ تَزِيدَ في السِّعْرِ، وإمَّا أنْ تَرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا قالَ هذا عُمَرُ لِحَاطِبِ بنِ أَبي بَلْتَعَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي مَعَ النَّاسِ في السُّوقِ كَمَا يَشْتَرُونَ، ثُمَّ كَانَ يَحُطُّ مِنْ سِعرِ النَّاسِ، [إذ] (١) كَانَ النّاسُ يَبِيعُونَ أربَعَةَ أَمدَادٍ بِدِرهم، وَيبِيعُ هُوَ ثَلاَثَةَ أَمدَادٍ بِدرَهمٍ، فقالَ لَهُ عُمَرُ: إمَّا أَنْ تَبِيعَ كَمَا يَبِيعُ النَّاسُ، وإلَّا فَقُم مِنَ السَّوقِ. قالَ عِيسَى: وَكُلُّ مَنْ نَقَصَ مِنْ سِعرِ النَّاسِ مِنَ التُّجَّارِ خَاصَّةً الذينَ يَشْتَرُونَ في السُّوقِ فإنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَبِيعِ كَمَا يَبِيعُ النَاسُ، وإلَّا أُقِيمَ مِنَ السُّوقِ، وَهُو بِخِلاَفِ جُلَّابِ الطعَامِ الذينَ يَبِيعُون بأَسْوَامٍ مُخْتَلِفَةِ. قالَ عِيسَى: وكَانَ رَبِيعَةُ بنُ أَبي عَبْدِ الرَّحمنِ يَرَى التَّغْرِيمَ على أَهْلِ الحَوَانِيتِ، ويَقُولُ: يَجْعَلُ لَهُم السُّلْطَانُ فَضْلاَ على قدرِ شُخُوصِهِم في ذَلِكَ، ثم يُقَوُّمُ عَلَيْهِم، فَمَنْ بَاعَ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَقَامَهُ مِنَ السُّوقِ. وقالَ اللَيْثُ بنُ سَعدٍ: إنْ تَعَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهم بِقدرِ اجْتِهادِ السُّلْطَانِ ضُرِبُوا على تَعَدِّيهِم. وذَكَرَ العَلاَءُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنَ رَجُلًا جَاءَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، سَعِّرْ، فقالَ: بَلِ اللهُ ﵎ يَخْفِضُ ويَرفَعُ، وإني لأَرجُو أَن أَلْقَى الله بِلاَ مَظْلَمَة قِبَلِي لأَحَدٍ" (٢). * * *

стр. 448

بابُ في بَيع الحَيَوانِ والسَّلَفِ فِيهِ، إلى آخِرِ باب النَّهِي عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، ومَهْرِ البًغِيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ * أَجَازَ أَهْلُ المَدِينَةِ أَنْ يُسْلَمَ للحَيْوَانِ بَعضُهُ في بَعضٍ إذا اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهُ، فأَمَّا الإبِلُ [فَهُيَ] (١) أَنْ تَخْتَلِفَ بالرُّحْلَةِ والحُمُولَةِ، نَحو جَمَلِ عَلَيٍّ المَعرُوفِ بِعُصَيْفِيرِ، وإنَّمَا قِيلَ لَهُ عُصَيْفِيرُ لِعِظَمِه، فَسُمّي بِضِدِّهِ، وكَذَلِكَ رَاحِلَةُ ابنِ عُمَرَ كَانَتْ مَغرُوفَةً بالحُمُولَةِ، فإذا اخْتَلَفَت الإبلُ هذا الإخْتِلاَفُ جَازَ أَنْ يُسْلِمَ بَعضَها في بَعْضٍ إلى أَجَل، وكَذَلِكَ البقرُ إذا اخْتَلَفتْ بالحرْثِ والقُوَّةِ جَازَ أَنْ يُسْلِمَ بَعضَها في بَعضٍ إلى أَجَلٍ، وإذا اخْتَلَفَتِ الخَيْلُ بالسُّرعَةِ والنَّجَابَةِ يُسْلِمُ بَعضَها في بَعضٍ بِصِفةٍ وأَجَلٍ، فإذا تَقَارَبَ الحَيَوانُ بَعضُهُ مِنْ بَعضٍ في الصّفَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْلِمَ بَعضَها في بَعضٍ. * قالَ أَبو المُطَرّفِ: إذا بَاعَ الرَّجُلُ جَمَلاً بِجَمَلٍ وزِيَادَةِ دِراهم يَداً بِيَدٍ جَازَ ذَلِكَ، لأَنَّهُمَا سَلِمَا مِنَ الرِّبَا مَعَ المُنَاجَزَةِ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ إذا تَعَجَّلَ الجَمَلاَنِ وتَأَخَّرتِ الدَّرَاهِمُ، لأَنَّهُمَا سَلِمَا مِنَ الرّبَا مَعَ المُنَاجَزَةِ في قَبْضِ الجَمَلَيْنِ، وأَمَّا إذا تأَخَّرَ أَحَدُ الجَمَلَيْنِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، قُبضَتِ الدَّرَاهِمُ أَو لَمْ تُقْبَضْ، ويَدخُلُهُ جَمَل نَقْداً بجَمَل إلى أَجَل وَزِياَدةِ دَرَاهِمَ، فَهًذا الرِّبا بِعَيْيهِ، وَهُوَ أَنْ يَنفَعَ شَيءٌ في مِثْلِهِ إلى أجَلٍ وَزِيادَةُ دَرَاهِمَ. قالَ أَبو المُطَرّفِ: قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: (لا رِبَا في الحَيَوانِ)، يُرِيدُ: إذا بِيعَ بَعضُها بِبَعض إلى أَجَلٍ واخْتَلَفتِ بالرّحلَةِ والحُمُولَةِ والقُوَّةِ والحَرثِ

стр. 449

والسُّرعَةِ والنَّجَابةِ، فإذا اخْتَلَفَتْ هكَذا جَازَ أَنْ يُسْلِمَ بعضَها في بَعضٍ إلى أَجَلٍ إذا وُصِفَ المُسْلَمُ فِيهِ، وضرِبَ لأَخْذِهِ أَجَلٌ. قالَ سَعِيد: (وإنَّمَا نُهِيَ مِنَ الحَيَوانِ عَنِ المَضَامِينِ، والمَلاَقِيحِ، وحَبَلِ الحَبَلَةِ). (قالَ الزُّهْرِيُّ: فَالمَضَامِينُ: مَا فِي بُطُونِ إنَاثِ الإبلِ، والمَلاَقِيحُ: مَا فِي ظُهُورِ الجِمَالِ) وقالَ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ: المَلاَقِيحُ مَا فِي بُطُونِ الإنَاثِ، وَالمَضَامِينُ: مَا فِي أَصلاَبِ الفُحُولِ (١). قالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ الرَّجُلُ في الجَاهِلِيةِ يَشْتَرِي مِنَ الآخَرِ مَا فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ قَبْلَ نِتَاجِها، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، لأَنَّهُ بَيع مَجْهُول، وكَانَ أَيْضَاً بعضُهُم يَشْتَرِي مِنْ بعضٍ نِتَاجَ بِنتَاجِ النَاقَةِ، وَهُوَ حَبَلُ الحَبَلَةِ، فَهذَا كُلُّهُ مِنْ بَيْعِ الغَرَرِ، ومِنْ أَكْلَ المَالِ بالبَاطِلِ، لأَنَّ هذا المَبِيعَ لَا هُوَ مَوْصُوفٌ ولَا هُوَ مَرْئيٌّ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْ بَيع اللّحمِ بالحَيَوانِ مِنْ جِةةِ عَدَمِ المُمَاثَلَةِ في اللَّحمِ، إذ لَا يدرِي هلْ في هذِه المَذْبُوحَةِ مِثْلَ مَا فِي هذِه الحَيَّةِ أَم لا؟، ولِهذا نَهي عَنْ بَيع الجَمَلِ الشَّارِفِ الذي لا يَصلُحُ إلَّا لِلَّحمِ بِشِيَاهٍ أَحْيَاءَ، لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ، ولَوْ كَانَ الجَمَلُ الشَّارِفُ مِمَّا يَصلُحُ لِلْبَقَاءِ والحَمُولَةِ لَجَازِ بَيْعُهُ بِشِيَاهٍ أَحْيَاءَ، لأَنَّ هذا حَيَوانٌ بِحَيَوانٍ، ولَا خِلاَفَ في جَوَازِ هذا. والفُحُومُ ثَلاَثَةُ أَضنَافٍ: فَذَواتُ الأَربعِ صِنْفٌ وَاحِدٌ، والطَّيْرُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، والحِيتَانُ كُلها صِنْفٌ وَاحِدٌ لا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مِنْ صِنْفٍ مِنْ هذه الأَصنَافِ حَي بِمَذْبُوح يَدَاً بِيَدٍ، فإذا كَانا مِنْ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ جَازَ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ حَيٌّ بِمَذْبُوح

стр. 450

يَدَاً بِيَدٍ، إذ جَائِزٌ أَنْ تُبَاعَ ذَوَاتُ الأربَعِ بِلَحمِ الطَّيْرِ أَو بِلَحمِ الحُوتِ مُتَفَاضِلاً يَدَاً بِيَدٍ لَا إلى أَجَلٍ. " ورَوَى يَحيىَ عَنْ مَالِكٍ، عَن ابنِ شِهابٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، وعَن أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ. ورَوَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ، عَن ابنِ شِهابٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَنْ أبي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ (١)، وهذا هُوَ الصَّحِيحُ، لأَنَ الزُّهْرِيَّ لَيْسَ يَزوِي عَنْ أَبي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ، وإنَّمَا يروِي عَنْ أَبي بَكْرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَنْ أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: نَهْيُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ إجَارَةً على الزِّنَا، وقَد حَرَّمَ اللهُ ﵎ الزِّنَا، فأجرَتُهُ مُحرَّمَة"، وحُلْوَانُ الكَاهِنُ هُوَ ما يُعطَى الكَاهِنُ عَنِ التَكَهُّنِ، وهذا أَيْضَاً حَرَامٌ، وكَذَلِكَ مَا يَأْخُذُهُ المُنَجِّمُ على التَّنْجِيمِ، والسَّاحِرُ على عَمَلِ السحرِ. قالَ عِيسَى: والكَلْبُ الذي نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِهِ هِيَ كِلاَبُ الضَّوَارِيِّ وغَيْرِها، غَيْرَ أَنَّ مَالِكَاً قَدْ رَخَّصَ في بَيع الكَلْبِ الضَّارِي للصَّيْدِ في المِيرَاثِ إذا كَانَ ثَمَنُهُ لِيَتِيمٍ، وكَذَلِكَ يُبَاعُ في الدَّيْنِ والمَغْنَمِ، وإنَّمَا يُكْرَهُ للرَّجُلِ بَيْعُهُ ابْتِدَاءً، للحَدِيثِ الذي جَاءَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ بَيع الكِلاَبِ. وقالَ مَالِكٌ: مَنْ قتَلَ كَلْبَاً ضَارِياً لِرَجُلٍ ضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهُ، مِنْ أَجْلِ مَنْفَعِتهِ به. وأَنْكَرَ الشَّافِعِيّ هذه المَسْأَلةَ، وقَالَ لأَصحَابِ مَالِكٍ: أَنتم لَا تُجْزُونَ بَيع الكِلاَبِ ثُمَّ تُوجِبُونَ القِيمَةَ على مَنْ قَتَلَ لِرَجُلٍ كَلْبَاً، فَلَا يَخْلُو أنْ تَكُونَ القِيمَةُ ثَمَناً للكَلْبِ أَوغَيْرَ ثَمَنٍ (٢). فقالَ لَهُ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ: إنَّمَا البَيع هو مَا يَقَعُ باتِّفَاقٍ مِنَ البَائِعِ والمُشْتَرِي، وأَخْذُ

стр. 451

القِيمَةِ عَنِ الكَلْبِ المَقْتُولِ إنَّمَا هُوَ حُكْمُ حَكَمَ بهِ السُّلْطَانُ للمَجْنِيِّ عليهِ، عِوَضاً مِنْ مَنْفَعَتِهِ بِكَلْبِه، فَخَرَجَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْعَاً مُتفَقَاً عَلَيْهِ، وقَد أَجْمَعْنا نَحْنُ وأَنْتَ على المَنع مِن بَيع أُمِّ الوَلَدِ، ثُم أَوْجَبْنَا فِيها القِيمَةَ لِسَيِّدِها على مَنْ قَتَلَبها، فَكَذَلِكَ أَوْجَبْنَا على قَاتِلِ الكَلْبِ الضارِي، وكَلْبِ المَاشِيَةِ كَمَا أَوْجَبْنَاها في أُمِّ الوَلَدِ إذا قُتِلَتْ لِمَنْفَعَةِ سَيّدِها بِها، ونَحنُ لَا نَقُولُ بِبَيْعِها.

стр. 452

في البَيْعِ السَّلَفِ، وبَيْعِ العُرُوضِ قالَ أَبو مُحمَدٍ: لَيْسَ يُوجَدُ في النَّهي عَنِ البَيع والسَّلَفِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ عَنِ النبي ﷺ ، إلَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عَنْ بَيْع وسَلَفٍ". وقالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: ثَبَتَتْ السُّنَةُ في بَيع وسَلَفٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، ولَم يَذْكُر في ذَلِكَ حَدِيثاً. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وذَلِكَ أَنَّ بَيع الرَّجُلِ للسِّلْعَةِ مِنَ الرَّجُلِ على إنْ سَلَفَ البَائِعُ للمُبْتِاعِ ذَهباً، أَو وَرِقاً، أو عَرَضَا، أَو على أَنْ يُسْلِفَ المُبْتَاعُ البَائِعَ مِثْلَ ذَلِكَ، فإنْ نزَلَ ذَلِكَ فُسِخَ البَيْعُ بَيْنَهُمَا. قالَ ابنُ القَاسِمِ: فإنْ لَمْ يَعلم بِفَسَادِ ذَلِكَ حتَّى فَاتَتِ السِّلْعَةُ عندَ المُشْتَرِي بِحَوَالةِ سُوقٍ فَمَا فوْقَهُ نُظِرَ، فإنْ كَانَ السَّلَفُ مِنَ البَائِعُ فَلَهُ الأَقَلُّ مِنَ الثَّمَنِ أَو مِنَ القِيمَةِ يَوْمَ القَبْضِ ويَرُدُّ السَّلَفَ، وإنْ كَانَ مِنَ المُبْتَاعِ فَعَلَيْهِ الأكثَرُ مِنَ الثَّمَنِ أَو مِنَ القِيمَةِ، وذَلِكَ أَنَّ البَائِعَ إذا قالَ للمُبْتَاعِ: أَبِيعُكَ سِلْعَتِي هذِه بِعَشَرةِ دَرَاهِمَ على أَنْ تَسْلِفَنِي خَمسَةً فَقَن حَطَّهُ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ بِفِضةٍ، بِسَببِ السَّلَفِ الذي أَسْلَفَهُ إيَّاهُ، فَصَارَ سَلَفا جَرَّ مَنْفَعَةً، وكَذَلِكَ أَيضا إذا قالَ لَهُ: أَبِيعُكَ سِلْعَتِي بِعَشَرَةٍ على أَنْ أَسْلِفَكَ خَمسَةً، فَقَد اسْتَزَادَ عَلَيْهِ في ثَمَنِ السِّلْعَةِ مِنْ جِهةِ السَّلَفِ الذي أَسْلَفَهُ إيَّاهُ، فَصَارَ سَلَفاً جَرَّ مَنْفَعَةً، وهذا هُوَ الرِّبَا بِعَيْيهِ، وُينْقَضُ البَيع ويُرَدُّ السَّلَفُ، إلَّا أَنْ يَرضَى مُشْتَرِطُ السَّلَفِ أَنْ يُسْقِطَ شَرطَهُ ويَنْفَذُ البَيع، فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَقْبضِ السَّلَفَ وَيغِيبُ عَلَيْهِ ولَم تَفِتِ السِّلْعَةُ، فإنْ قَبَضَ السَّلَفَ وغَابَ عَلَيْهِ فُسِخَ البَيْعُ. قالَ عِيسَى: الثِّيَابُ الشَطَوِيَّةُ تَعْمَلُ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ يُقَالُ لَها شَطَا، وَهِيَ

стр. 453

ثِيَابٌ مِنْ كَتَّانٍ، والقَصَبِيّهُ ثِيَابٌ مِنْ كَتَّانٍ تُعمَلُ بِتِنِّيس، والأتْرِيْبَةُ تُعمَلُ بأَتْرِيبٍ، والقَسِيَّةُ تُعمَلُ بِقَسِيٍّ، وهذِه كُلُّهُا ثِيَابٌ مِنْ كَتَّانٍ تُعمَلُ بِهذِه القُرَى، وَهِيَ مِنْ قُرَى مِضرَ، وأَمَّا اليَمَانِيَّةُ فَهِي البُرُودُ التي تُعمَلُ باليَمَنِ، وأَمَّا الزِّيقَةُ والشَّقَائِقُ هِيَ أَيضَاً ثِيَابٌ مِنْ كَتَّانٍ، وأَمَّا الهرَويَّةُ، والمَرويَّةُ، والقُوْهِيّهُ، والفُزقُبيَّةُ فَهِيَ كُلها مِنْ قُطْنٍ تُغمَلُ بِكُورِ خُرَاسَانَ، وجَازَ أَنْ يُسْلِمَ بَعْضَ هذِه الثِّيَابَ في بَغضٍ مُتَفَاضِلَةً، مِنْ أَجْلِ اخْتِلاَفِ أغْرَاضِ النَّاسِ فِيها باخْتِلاَفِ صِفَاتها، وكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ رَقِيقَ كُلِّ صِنْفٍ مِنْها في غَلِيظِهِ، وغَلِيظُهُ في رَقِيقِهِ إلى أَجَلٍ مُسَمَّى لاخْتِلاَفِ الصِّفَتَيْنِ، فإذا بِغتَ هذِه الأَصْنَافَ كُلَّهَا يَداً بِيد جَازَ فِيها التَّفَاضُلُ، وَهِيَ بِخِلاَفِ الطَّعَامِ والإدَامِ الذي لا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيه في الجِنْسِ الوَاحِدِ. قالَ عِيسَى: السَّبَائِبُ هِيَ الأردِيةُ والعَمَائِمُ. ومَغنَى قَوْلِ ابنِ عَئاسٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِها فِيهِ قَبْلَ قَبْضِها، فقالَ: (تِلْكَ الوَرِقُ بالوَرِقِ)، وفَسَّرَ هذا مَالِكٌ: أَنَّ المُسْلَمَ في تِلْكَ السَّبَائِبِ أَرَادَ أَنْ يَبيعَها مِنْ المُسْلَمِ إليهِ بأَكْثَرَ مِمَّا ابْتَاعَها بهِ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِها فَصَارَ ذَلِكَ رِبَا، ولَو بَاَعَها مِنْ غَيْرِه بأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِها وأَحَالَهُ بِها على الذي سَلَمَ إليه هُو فِيها أَوَّلاً جَازَ، لأَنَّهُ إنَّما بَاعَ ثِيَابا مِنْ غَيْرِ الذي كَانَ هُوَ قَد ابْتَاعَها مِنْهُ وَهِيَ ثِيَابٌ قَدْ مَلَكَها بَعدَ صِفْقَةِ السَّلَمِ فِيها وبِوَضفِ البَائعِ لها، فَلِهَذا جَازَ لَهُ بَيْعُها مِنْ غَيْرِ الذي ابْتَاعَها هُوَ منه. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: فَسَّر مَالِكٌ في المُوطَّأ قَوْلَ ابنِ عبَّاسٍ في هذِه المَسْأَلَةِ بِخِلاَفِ مَا يُروَى في ذَلِكَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، وذَلِكَ أَنَ أبا دَاوُدَ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "إذا اشْتَرَى أَحَدُكُم طَعَاماً فَلَا يَبِعهُ حتَّى يَقْبِضَهُ. قالَ ابنُ عبَّاسٍ: وأَحسَبُ كُلَّ شَيءٍ مِثْلَ الطَّعَامِ لَا يُبَاعُ حتَّى يُسْتَوفَى" (١). وكانَ ابنُ عُمَرَ يُجِيزُ بَيْعَ العُرُوضِ المُسْلَمِ فِيها والتي تُشْتَرى على الصِّفَةِ مِنْ

стр. 454

قَبْلِ أَنْ تُقْبَضَ إذا بِيعَتْ مِنْ غَيْرِ الذي اشْتُرِيتْ مِنْهُ وقَبَضَ البَائِعُ الثَّمَنَ ولم يُؤَخِّرهُ، وَهِيَ بِخِلاَفِ الطَّعَامِ، وتَعَلَّقَ قَوْمٌ في هذِه المَسْأَلةِ مِنْ أَهْلِ الأَمصَارِ بِقَوْلِ ابنِ عبَّاسٍ فَلَم يُجِيزُوا بَيع شَيءٍ مِنَ العُرُوضِ قَبْلَ قَبْضِها كالطَعامِ سَوَاءً، وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وإنَّمَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ الذي نُهِيَ عَنْهُ في بَيع الطَّعَامِ المَكِيلِ خَاصَّةً قَبْلَ قَبْضِهِ لا في العُرُوضِ، وقَد أَجَازَ مَنْ يُخَالِفُ أَهْلَ المَدِينَةِ في هذِه المَسْأَلَةِ عِتْقَ مَن اشْتَرَى عَبْداً ثُمَّ أَغتَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبضَهُ، ولَيْسَ يَجُوزُ عِتْقُ مَالا يَملِكُهُ الإنْسَانُ كَمَا لا يَجُوزُ بَيع مَالا يَملِكُهُ، فأَمَّا مًا مَلَكَهُ بالصِّفَةِ فَجَائِز لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا جَازَ لِمَنْ سَلَمَ عَيْنَا في عَرضٍ مَوْصُوفٍ أَنْ يَبيعَهُ مِنَ الذي هُوَ عَلَيْهِ إذا حَلَّ أَجَلُهُ بِعَزضٍ مِنَ العُرُوضِ يَقْبضُهُ مِنْهُ في الوَقْتِ، لأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ بَيع عَزضٍ حَاضِرٍ بِعَرضٍ اَخَرَ، فَصَارَ العَرضُ بالعرضِ يَداً بِيَدٍ، فإذا لم يَحِلَّ أَجَلُ العَرْضِ المُسْلَمِ فِيهِ أَوَّلاً لَمْ يَبعهُ مِنَ الذي هُو عليه ولا مِنْ غَيْرِه إلَّا بِعَزضٍ مُخَالِفٍ للعَرضِ المُسْلَمِ فيهِ، وذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ العَرْضُ المَقْبُوضُ الآنَ عِوَضَاً مِنَ الثَّمَنِ الذي دَفَعَهُ المُسْلَمُ أَوَّلاً، ولَا يَجُوزُ أنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَلِ بِعَرضٍ مِثْلِهِ، لأَنَّهُ يَدخُلُهُ تَعجِيلُ حَق على طَرحِ الضَّمَانِ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ رِبا، إنَّما جَازَ لِمَنْ سَلَمَ في أربَعَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إلى أَجَلٍ أَنْ يَأْخُذَ عَنْدَ الأَجَلَ ثَمَانِيَةَ أَثْوَابٍ دُونَ الصِّفَةِ المُسْلَمِ فِيها مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ بَيع عَرَضٍ بِعَرَضٍ مُتَفَاضِلاً يَداً بِيَدٍ، وذَلِكَ جَائِز، ولَم يَجُزْ ذَلِكَ قَبْلَ الأَجَلِ لأَتهُ يُغطِيهِ ثَمَانِيَةً نَقْدَاً في أَربَعَةٍ مِنْ غَيْرِ صفَتِها قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ أَجَلُها على أَنْ يَقْبِضَها مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الأَجَلِ، فَيَدخُلُهُ البَيع والسَّلَفُ، ويَدخُلُهُ الزِّيَادَةُ على أَنْ طُرِحَ عَنْهُ الضَّمَانَ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيهِ قَبْلَ الأَجَلِ أَدنَى مِنْ صفَتِها، لأَنَّهُ يَدخُلَهُ (ضَعْ وتَعَجَّلْ) (١)، وَهُوَ الرِّبَا.

стр. 455

قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا جَازَ انْ تُبَاعَ العُرُوضُ المَكِيلَةُ والمَوْزُونة مُتَفَاضِلَةً مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَداً بِيَدٍ لأنها خَارِجَةٌ عَنِ الذَهبِ والفِضَّةِ والأَطْعِمَةِ والأَشْرِبَةِ التي ثَبَتَ النهْيُ عَنْ بَيْعها مُتَفَاضِلَةً مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَمَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنَ العُرُوضِ جُزَافَاً جَازَ لَهُ بَيع ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِنَقْدٍ وإلى أَجَل، لأَنَّ مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ في مِلْكِهِ بعدَ الصِّفْقَةِ، ومَا اشْتَرى مِنَ العُرُوضِ على الكَيْلِ أَو الوَزْنِ جَازَ لِمُشْتَرِيها بَيْعُها بِنَقْد قَبْلَ أَنْ يَقْبضَها مِنْ بَائِعِها، ولَا يَبعها بِدَيْنٍ لأَنَّهَا في ذِمَّةِ البَائِعِ الأَوَّلِ حتَّى يَكِيلَها أَو يَزِنَها لِمَنْ بَاعَها مِنْهُ، فإنْ بًاعَها مُشْتَرِيها بِدَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبضَها دَخَلَهُ فَسْخُ دَيْنٍ في دَيْنٍ، وإذا بَاعَها بِنَقْدٍ سَلِمَ مِنَ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، وصَارَ المُشْتَرِي لَها آخِرَاً بِمَنْزِلَةِ المُشْتَرِي الأَوَّلِ البَائِعُ لَها آخِرَاً.

стр. 456

بابُ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ، إلى آخِرِ بَابِ بَيْعِ المُرَابَحَةِ قالَ أَبو المُطَرّفِ: حدَّثنا أَبو مُحَمَّدٍ القُلْزُمِيُّ بِمصرَ (١)، قالَ: حدَّثنا ابنُ الجَارُود (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ [هاشِم] (٣)، قالَ: حدَّثنا يَحيىَ بنُ سَعِيدٍ القَطَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عمرو، عَنْ أَبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نهى عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعةٍ" (٤). * قالَ أبو المُطَرّفِ: هذا الحَدِيثُ عندَ مَالِكٍ في المُوطَّأ بَلاَغٌ, وأَسْنَدُهُ القَطَّانُ عَنِ النبيِّ ﵇.

стр. 457

قالَ ابنُ القَاسِمِ: أصلُ مَا يُعْرَفُ بهِ فِسَادُ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ هُوَ: أَنْ يَتَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ بأَمرَيْنِ إنْ فُسِخَتْ إخدَهُمَا في الآخِرِ كَانَ حَرَامَاً، وذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: خُذْ سِلْعَتِي بِعَشَرَةٍ نَقْدَاً أَو بِخمسَةَ عَشَرٍ إلى أَجَلٍ، أَو يَكُونَ إنْ فُسِخَتْ أحدُهُمَا في الآخِرِ لَمْ يَكُنْ حَرَامَاً، وكَانَ غَرَراً لا يُنرَى مَا عَقَدَ بهِ البَائِعُ بَيع سِلْعَتِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْها بِدِينَارٍ نَقْداً أَو بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ إلى أَجَلٍ، فَهذا أَمِنَ المُخَاطَرَةَ، ويُفْسَخُ هذا البَيع إذا وَقَعَ، إلَّا أَنْ تَفُوتَ السِّلْعَةُ، فَيَكُونَ على المُبْتَاع قِيمَتها يَوْمَ قَبَضَها. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وأَمَّا إذا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا على وَجْهِ المُسَاوَمَةِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ على وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، لأَنَّ المُشْتَرِي في أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ بالخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَيَضَاً أَخَذَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: سَأَلْنَا مَالِكَاً عَنِ الذي يَسُومُ بالسِّلْعَةِ فَيَقُولُ صَاحِبها بِكَذَا وكَذَا، فَيَقُولُ السَّائِمُ: قَدْ أَخَذْتُها، فَيَقُولُ البَائِعُ: لَمْ أَرِدْ وَجْهَ بَيْعٍ ولا أَبِيعُها مِنْكَ، يَخلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهذا بَيْعَهَا، فإنْ لَمْ يَخلِفْ لَزِمَهُ البَيع. قالَ مَالِكٌ: وإذا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: بِكَم سِلْعَتُكَ؟ فَيَقُولُ: بِكَذا وكَذَا، فَيَقُولُ: قَدْ أَخَذْتُها، ولَكِئي أَذْهبُ فَأَسْتَشِيرُ فِيها، فَيَذْهبُ بِها، ثُمَّ يَأْتِيهِ بالثَمَنِ فَيَقُولُ: لا أَبِيعُها، إنَّمَا كَانَ هَذا مِنِّي على وَجْهِ المُسَاوَمَةِ، ولَم أَرِدْ وَجْهَ بَيْعٍ. قالَ مَالِكٌ: البَيْعُ لَهُ لاَزِمٌ وَهُوَ نَادِمٌ في بَيْعِهَا، ولَيْسَ هذا مِثْلُ الأَوَّلِ الذي لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ السِّلْعَةِ ولَا ذَهبَ بِها. وَجْهُ كَرَاهِيَةِ ابنِ عُمَرَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ: ابِتَع لِي هذا البَعِيرَ بِنَقْدٍ حتَّى ابضاعَهُ مِنْكَ إلى أَجَلٍ، إنَّما كَرِهَهُ ابنُ عُمَرَ لأَنَّ الذي اشْتَرَى البَعِيرَ بِعَشَرَةٍ وبَاعَهُ باثْنتَيْ عَشَرَ إلى أَجَلٍ إنَّمَا أَسْلَفَهُ عَشَرَةً لِيَأْخُذُ مِنْهُ اثْنتَي عَشَرَ، فإنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا ابْتَاعَهُ بهِ إلى أَجَلٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، لأَنَّهُ أَسْلَفَهُ الثَّمَنَ ولَم يَزد عَلَيْهِ شَيْئَاً، فإذا بَاعَهُ مِنْهُ بأَكْثَرَ فُسِخَ البَيْعُ، إلَّا أَنْ يَفُوتَ، فَتَكُونُ فِيهِ القِيمَةُ يَوْمَ قَبَضَهُ

стр. 458

المُشْتَرِي، وقِيلَ: إنَّ لَهُ الإثْنتَيْ عَشَرَ، بِسَببِ ضَمَانِهِ البَعِيرَ لَو مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ، وأَحسَنُ لَهُ أَنْ يَتَورَّعَ عَنْ أَخْذِ الزِّيَادَة. قالَ ابنُ القَاسِمِ: العِينَةُ المَكْرُوهةُ أَن يَقُولَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ: بِعنِي سِلْعَةَ كَذَا إلى أَجَلِ كَذَا، فَيقُولُ: مَا عِنْدِي ولَكَن ابْتَاعُها لَكَ بِعَشَرَة وأَبِيعُكَها باثنَتِي عَشَرَ، فَهذا لا يَجُوزُ، لأَنَّها عَشَرَ نَقْدَاً باثْنَتِي عَشَرَ إلى أَجَلٍ والسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا مُلْغَاة. قالَ: والعِينَةُ الجَائِزَةُ أَنْ يَسْتَعِدَّ الرَّجُلُ بالسِّلَعِ لِمَنْ يَشْتَرِيها مِنْهُ، فَمَنْ جَاءَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَاعِدَهُ بَاعَ مِنْهُ بِنَقْدٍ وإلى أَجَلٍ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَرسَلَ مالك في المُوطَّأ حَدِيثَ النَّهِي عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. وحدَّثنا بهِ أَبو مُحَمَّدِ بنُ عُثْمَانَ (١)، قالَ: حدَّثنا أَحمَدُ بنُ خَالِدٍ، عَنِ ابنِ وَضَّاحٍ، عَنِ ابنِ أَبي شَيْبَةَ، عَنِ ابنِ إدرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَهى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ" (٢)، وذَكَرَ الحَدِيثَ مُسْنَداً. * قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً على أَنَّهُ لا نُقْصَانَ على المُبْتَاعِ أَنَّهُ مِنْ بَيع الغَرَرِ والمُخَاطَرَةِ. قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا لَمْ يَكُنْ حُكْمُ فَسَادِ هذه الصَّفْقَةِ كَحُكْمِ البَيْعِ الفَاسِدِ الذي تَكُونُ فِيهِ القِيمَةُ إذا فَاتَتِ السِّلْعَةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَائِعِ هذِه السِّلْعَةَ بِهذا الشَّرطِ أَبْقَى حُكْمَهُ فِيها بِقَوْلهِ للذي بَاعَها مِنْهُ: بعها ولَا نُقْصَان عَلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُ بَاقٍ فِيها كَانَ لَهُ مَا زَادَ على الثَّمَنِ الذي بَاعَها بهِ وعَلَيْهِ مَا نَقُصَ، وكَانَ لَهُ أُجْرَةُ البَائِعِ في بَيْعِهِ إيَّاها واقْتَضائِهُ ثَمَنُها، وأَمَّا إذا بَاعَ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ سِلْعَة بِثَمَنٍ

стр. 459

مَعلُوم وقَبَضَها المُشْتَرِي ثُم سَألَ البَائِعُ مِنْهُ أَن يُقِيلَهُ فِيها فَأَبَى، وقالَ لَهُ: بعها ولَا نقصَان عَلَيْكَ، فهذا لا بَأْسَ بهِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُخَاطَرَةِ، وإنَّمَا هذا شَيءٌ وُضِعَ لَهُ بَعدَ البَيْعِ، ويَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْتَاطَ في بَيْعِبها بأَبْلَغَ طَاقَتِهِ، فإنْ بَاعَها به. قَلَّ مِنْ ثَمَنها بالشيءِ اليَسِيرِ لَزِمَ ذَلِكَ رَبها، لأَنَّهُ ائتمَنَهُ على ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَبيعها بِمَا يُسْتَنكَرُ [منهُ] (١) فَيَلْزَمُهُ غُرِمَ مَا قَصَّرَ بهِ عَنْ ثَمَنها، لأَنَّهُ مُتَعَدٍّ في ذَلِكَ. * فَسَّرَ مَالِكٌ في المُوَطَا حَدِيثَ المُلاَمَسَةِ والمُنَابَذَةِ. ثُمَّ قَالَ في الثَّوْبِ المُدْرَجِ في طَيِّهِ، والسَّاجِ المُدْرَجِ في جِرَابهِ أَنَّهُمَا لَا يُبَاعَا حتَّى يُنْشَرَ، أَو يُنْظَرَ إلى مَا فِي أَجْوَافِهِما، فَبهذا لَمْ يَشْتَرِ المُشْتَرِي ذَلِكَ فَقَد دَخَلَ على غَرَرٍ واشْتَرَى مَا لَا يَدرِي، وهذا خِلاَفُ مَا يُبَاعُ على البَرْنَامجِ، لأَنَّ بَيْعَ البَرْنَامجِ (٢) بَيْع على صِفَةٍ، والبَيع على الصِّفَةِ جَائِزٌ، وبَيع المُلاَمَسَةِ بَيع غيْرُ مَوْصُوفٍ ولَا مَرئي، فَصَارَ مِنْ بَيغ الغَرَرِ، فَهذا يُفْسَخُ إذا وَقَعَ مَا لَم يَفِتْ، فإنْ فَاتَ فَفَيِه القِيمَةُ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: لا يحسِبُ البَائِعُ في رَأْسِ مَالِهِ في بَيع المُرَابَحَةِ نَفَقَتَهُ على نَفْسِهِ في سَفَرة، كَان المَالُ لَهُ، أَو أَخَذَهُ قِرَاضَاً، ولا يَحسَبُ جُعْلُ السِّمسَارِ، ولَا أَجْرَ الشَّدِّ، ولَا الطَّيَّ، ولَا كِرَاءَ بَيْتٍ يَسْكُنُهُ، فأَمَّا كِرَاءُ الحُمُولَةِ والنَّفَقَةِ على الرَّقِيقِ فينَّهُ يُحسَبُ في أَصلِ المَالِ، ولَا يُحسَبُ لَهُ رِبْحٌ إلَّا أَنْ يُربِحُوهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ بعدَ العِلْمِ بهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فاَمَّا القِصَارَةُ، والصُّبْغُ، والخِيَاطَةُ فينَّهُ يُحسَبُ ذَلِكَ في أَصلِ الثَّمَنِ ويُضْرِبُ عَلَيْهِ الرّبْحَ، لأَنَّهُ زِيَادَة في الثِّيَابِ، وعَيْنٌ قَائِمَةٌ فِيها.

стр. 460

قالَ أَبو المُطَرفِ: مَنْ كَذَبَ في بَيْعِ المُرَابَحَةِ فقالَ: قَامَتْ عَلَيَّ بِمِائَة، وإنَّمَا كَانَ اشْتَرَاها بِتِسْعِينَ وبَاعَها بِمِائة وعَشَرَةٍ، ثُم صَحَّ كَذِبُهُ بعدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ عندَ المُشْتَرِي أَنَّ البَائِعَ يُخَيَّرُ، فإنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ القِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الذي بَاعَها بهِ مَعَ الكَذِبِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قد رَضِيَ أَنْ يَبِيعَها مَعَ كَذِبهِ في رَأْسِ مَالِهِ بِمِائةٍ وعَشَرَةٍ. * قالَ مَالِكٌ: وإنْ أَحَبَّ ضُرِبَ لَهُ الرّبْحُ على التِّسْعِينَ الذي هِي رَأْسُ مَالِهِ الصَّحِيحِ، وَهِيَ التِّسْعونَ مَعَ رِبْحها تِسْعَة، فإنْ كَانَتِ القِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ تِسْعَة وتسعِينَ دِينَاراً لَمْ يُنَقِّصِ والبَائِعُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ الصَّحِيحِ ورِبْحِهِ، لأَنَّ المُشْتَرِي رَضِيَ بِذَلِكَ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: ومَنْ غَلَطَ على نَفْسِهِ في بَيع المُرَابَحَةِ، فقالَ: قَامَتْ عَليَّ بِمِائَه دِينَار ثُمَّ بَاعَها بِمِائيما وعَشَرَةٍ، ثُمَّ صَحَّ غَلَطهُ وشُهِدَ لَهُ أنْ بِمِائةٍ وعَشَرَة اشْتَرَاها، وقَد فَاتَتِ السِّلْعَةُ عندَ المُشْتَرِي، أَنَّ المُشْتَرِيَّ يُخَيَّرُ، فإنْ شَاءَ أَعطَى البَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَها، وإنْ شَاءَ أَعطَاهُ الثَّمَنَ الذي ابْتَاعَها بهِ مَعَ رِبْحِها الذي وَافَقَهُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِائةٌ وإحدَى وعِشْرُونَ دِينَارَاً، إلَّا أَنْ تَكُونَ القِيمَةُ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الذي اشْتَرَاها بهِ المُشْتَرِي، وَهُوَ عَشَرَةٌ ومِائَة فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَقّصُهِ مِنْ مِائة وعَشَرَة، لأَنَّ المُشْتَرِي قد رَضِيَ بِذَلِكَ، ولأَنَّ البَائِعَ إنَّمَا جَاءَ لِيَأخُذَ مِنْهُ مَا غَلِطَ بهِ على نَفْسِهِ، فإذا كَانَتِ القِيمَةُ أَكْثَرُ مِنْ ضَربِ الرِّبْحِ على رَأْسِ مَالِ البَائِع الصَّحِيحِ مَعَ رِبْحِها لَمْ يَكُنْ للبَائِعِ على المُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبِ الرِّبْحِ على رَأسِ المَالِ الصَّحِيحِ، لأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَربَحَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدَاً، وإذا لَمْ تَفِتِ السّلْعَةُ عنْدَ المُشْتَرِي في هَاتَيْنِ المَسْأَلَتيْنِ بِشَيءٍ مِنْ وُجُوهِ الفَوْتِ أَنَّهُ يَكُونُ بالخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَها بِمَا قَالَ البَائِعُ، وإنْ شَاءَ رَدَّها. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: صِفَةُ بَيْعِ البَرْنَامِجِ هُوَ أنْ يَأتِي البَائِعُ بِثيَاب رَفِيعَةٍ مَطْوِية مَشْدُودَة في عِدل قَدْ كَتَبَ صِفَاتَها، وذرعَها، ورُقُومَها، فَيَبيعُها مِنَ التُّجْارِ على صِفَةِ مَا في كِتَابِهِ، فإذا وَجَدُوها على صِفَةِ الكِتَابِ الذي ابْتًاعُوها عليهِ لَزِمَتْهُم،
следующие страницы →