← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بابُ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ، إلى آخِرِ بَابِ بَيْعِ المُرَابَحَةِ قالَ أَبو المُطَرّفِ: حدَّثنا أَبو مُحَمَّدٍ القُلْزُمِيُّ بِمصرَ (١)، قالَ: حدَّثنا ابنُ الجَارُود (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ [هاشِم] (٣)، قالَ: حدَّثنا يَحيىَ بنُ سَعِيدٍ القَطَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عمرو، عَنْ أَبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نهى عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعةٍ" (٤). * قالَ أبو المُطَرّفِ: هذا الحَدِيثُ عندَ مَالِكٍ في المُوطَّأ بَلاَغٌ, وأَسْنَدُهُ القَطَّانُ عَنِ النبيِّ ﵇.

стр. 457

قالَ ابنُ القَاسِمِ: أصلُ مَا يُعْرَفُ بهِ فِسَادُ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ هُوَ: أَنْ يَتَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ بأَمرَيْنِ إنْ فُسِخَتْ إخدَهُمَا في الآخِرِ كَانَ حَرَامَاً، وذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: خُذْ سِلْعَتِي بِعَشَرَةٍ نَقْدَاً أَو بِخمسَةَ عَشَرٍ إلى أَجَلٍ، أَو يَكُونَ إنْ فُسِخَتْ أحدُهُمَا في الآخِرِ لَمْ يَكُنْ حَرَامَاً، وكَانَ غَرَراً لا يُنرَى مَا عَقَدَ بهِ البَائِعُ بَيع سِلْعَتِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْها بِدِينَارٍ نَقْداً أَو بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ إلى أَجَلٍ، فَهذا أَمِنَ المُخَاطَرَةَ، ويُفْسَخُ هذا البَيع إذا وَقَعَ، إلَّا أَنْ تَفُوتَ السِّلْعَةُ، فَيَكُونَ على المُبْتَاع قِيمَتها يَوْمَ قَبَضَها. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وأَمَّا إذا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا على وَجْهِ المُسَاوَمَةِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ على وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، لأَنَّ المُشْتَرِي في أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ بالخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَيَضَاً أَخَذَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: سَأَلْنَا مَالِكَاً عَنِ الذي يَسُومُ بالسِّلْعَةِ فَيَقُولُ صَاحِبها بِكَذَا وكَذَا، فَيَقُولُ السَّائِمُ: قَدْ أَخَذْتُها، فَيَقُولُ البَائِعُ: لَمْ أَرِدْ وَجْهَ بَيْعٍ ولا أَبِيعُها مِنْكَ، يَخلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهذا بَيْعَهَا، فإنْ لَمْ يَخلِفْ لَزِمَهُ البَيع. قالَ مَالِكٌ: وإذا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: بِكَم سِلْعَتُكَ؟ فَيَقُولُ: بِكَذا وكَذَا، فَيَقُولُ: قَدْ أَخَذْتُها، ولَكِئي أَذْهبُ فَأَسْتَشِيرُ فِيها، فَيَذْهبُ بِها، ثُمَّ يَأْتِيهِ بالثَمَنِ فَيَقُولُ: لا أَبِيعُها، إنَّمَا كَانَ هَذا مِنِّي على وَجْهِ المُسَاوَمَةِ، ولَم أَرِدْ وَجْهَ بَيْعٍ. قالَ مَالِكٌ: البَيْعُ لَهُ لاَزِمٌ وَهُوَ نَادِمٌ في بَيْعِهَا، ولَيْسَ هذا مِثْلُ الأَوَّلِ الذي لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ السِّلْعَةِ ولَا ذَهبَ بِها. وَجْهُ كَرَاهِيَةِ ابنِ عُمَرَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ: ابِتَع لِي هذا البَعِيرَ بِنَقْدٍ حتَّى ابضاعَهُ مِنْكَ إلى أَجَلٍ، إنَّما كَرِهَهُ ابنُ عُمَرَ لأَنَّ الذي اشْتَرَى البَعِيرَ بِعَشَرَةٍ وبَاعَهُ باثْنتَيْ عَشَرَ إلى أَجَلٍ إنَّمَا أَسْلَفَهُ عَشَرَةً لِيَأْخُذُ مِنْهُ اثْنتَي عَشَرَ، فإنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا ابْتَاعَهُ بهِ إلى أَجَلٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، لأَنَّهُ أَسْلَفَهُ الثَّمَنَ ولَم يَزد عَلَيْهِ شَيْئَاً، فإذا بَاعَهُ مِنْهُ بأَكْثَرَ فُسِخَ البَيْعُ، إلَّا أَنْ يَفُوتَ، فَتَكُونُ فِيهِ القِيمَةُ يَوْمَ قَبَضَهُ

стр. 458

المُشْتَرِي، وقِيلَ: إنَّ لَهُ الإثْنتَيْ عَشَرَ، بِسَببِ ضَمَانِهِ البَعِيرَ لَو مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ، وأَحسَنُ لَهُ أَنْ يَتَورَّعَ عَنْ أَخْذِ الزِّيَادَة. قالَ ابنُ القَاسِمِ: العِينَةُ المَكْرُوهةُ أَن يَقُولَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ: بِعنِي سِلْعَةَ كَذَا إلى أَجَلِ كَذَا، فَيقُولُ: مَا عِنْدِي ولَكَن ابْتَاعُها لَكَ بِعَشَرَة وأَبِيعُكَها باثنَتِي عَشَرَ، فَهذا لا يَجُوزُ، لأَنَّها عَشَرَ نَقْدَاً باثْنَتِي عَشَرَ إلى أَجَلٍ والسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا مُلْغَاة. قالَ: والعِينَةُ الجَائِزَةُ أَنْ يَسْتَعِدَّ الرَّجُلُ بالسِّلَعِ لِمَنْ يَشْتَرِيها مِنْهُ، فَمَنْ جَاءَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَاعِدَهُ بَاعَ مِنْهُ بِنَقْدٍ وإلى أَجَلٍ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَرسَلَ مالك في المُوطَّأ حَدِيثَ النَّهِي عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. وحدَّثنا بهِ أَبو مُحَمَّدِ بنُ عُثْمَانَ (١)، قالَ: حدَّثنا أَحمَدُ بنُ خَالِدٍ، عَنِ ابنِ وَضَّاحٍ، عَنِ ابنِ أَبي شَيْبَةَ، عَنِ ابنِ إدرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَهى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ" (٢)، وذَكَرَ الحَدِيثَ مُسْنَداً. * قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً على أَنَّهُ لا نُقْصَانَ على المُبْتَاعِ أَنَّهُ مِنْ بَيع الغَرَرِ والمُخَاطَرَةِ. قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا لَمْ يَكُنْ حُكْمُ فَسَادِ هذه الصَّفْقَةِ كَحُكْمِ البَيْعِ الفَاسِدِ الذي تَكُونُ فِيهِ القِيمَةُ إذا فَاتَتِ السِّلْعَةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَائِعِ هذِه السِّلْعَةَ بِهذا الشَّرطِ أَبْقَى حُكْمَهُ فِيها بِقَوْلهِ للذي بَاعَها مِنْهُ: بعها ولَا نُقْصَان عَلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُ بَاقٍ فِيها كَانَ لَهُ مَا زَادَ على الثَّمَنِ الذي بَاعَها بهِ وعَلَيْهِ مَا نَقُصَ، وكَانَ لَهُ أُجْرَةُ البَائِعِ في بَيْعِهِ إيَّاها واقْتَضائِهُ ثَمَنُها، وأَمَّا إذا بَاعَ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ سِلْعَة بِثَمَنٍ

стр. 459

مَعلُوم وقَبَضَها المُشْتَرِي ثُم سَألَ البَائِعُ مِنْهُ أَن يُقِيلَهُ فِيها فَأَبَى، وقالَ لَهُ: بعها ولَا نقصَان عَلَيْكَ، فهذا لا بَأْسَ بهِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُخَاطَرَةِ، وإنَّمَا هذا شَيءٌ وُضِعَ لَهُ بَعدَ البَيْعِ، ويَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْتَاطَ في بَيْعِبها بأَبْلَغَ طَاقَتِهِ، فإنْ بَاعَها به. قَلَّ مِنْ ثَمَنها بالشيءِ اليَسِيرِ لَزِمَ ذَلِكَ رَبها، لأَنَّهُ ائتمَنَهُ على ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَبيعها بِمَا يُسْتَنكَرُ [منهُ] (١) فَيَلْزَمُهُ غُرِمَ مَا قَصَّرَ بهِ عَنْ ثَمَنها، لأَنَّهُ مُتَعَدٍّ في ذَلِكَ. * فَسَّرَ مَالِكٌ في المُوَطَا حَدِيثَ المُلاَمَسَةِ والمُنَابَذَةِ. ثُمَّ قَالَ في الثَّوْبِ المُدْرَجِ في طَيِّهِ، والسَّاجِ المُدْرَجِ في جِرَابهِ أَنَّهُمَا لَا يُبَاعَا حتَّى يُنْشَرَ، أَو يُنْظَرَ إلى مَا فِي أَجْوَافِهِما، فَبهذا لَمْ يَشْتَرِ المُشْتَرِي ذَلِكَ فَقَد دَخَلَ على غَرَرٍ واشْتَرَى مَا لَا يَدرِي، وهذا خِلاَفُ مَا يُبَاعُ على البَرْنَامجِ، لأَنَّ بَيْعَ البَرْنَامجِ (٢) بَيْع على صِفَةٍ، والبَيع على الصِّفَةِ جَائِزٌ، وبَيع المُلاَمَسَةِ بَيع غيْرُ مَوْصُوفٍ ولَا مَرئي، فَصَارَ مِنْ بَيغ الغَرَرِ، فَهذا يُفْسَخُ إذا وَقَعَ مَا لَم يَفِتْ، فإنْ فَاتَ فَفَيِه القِيمَةُ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: لا يحسِبُ البَائِعُ في رَأْسِ مَالِهِ في بَيع المُرَابَحَةِ نَفَقَتَهُ على نَفْسِهِ في سَفَرة، كَان المَالُ لَهُ، أَو أَخَذَهُ قِرَاضَاً، ولا يَحسَبُ جُعْلُ السِّمسَارِ، ولَا أَجْرَ الشَّدِّ، ولَا الطَّيَّ، ولَا كِرَاءَ بَيْتٍ يَسْكُنُهُ، فأَمَّا كِرَاءُ الحُمُولَةِ والنَّفَقَةِ على الرَّقِيقِ فينَّهُ يُحسَبُ في أَصلِ المَالِ، ولَا يُحسَبُ لَهُ رِبْحٌ إلَّا أَنْ يُربِحُوهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ بعدَ العِلْمِ بهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فاَمَّا القِصَارَةُ، والصُّبْغُ، والخِيَاطَةُ فينَّهُ يُحسَبُ ذَلِكَ في أَصلِ الثَّمَنِ ويُضْرِبُ عَلَيْهِ الرّبْحَ، لأَنَّهُ زِيَادَة في الثِّيَابِ، وعَيْنٌ قَائِمَةٌ فِيها.

стр. 460

قالَ أَبو المُطَرفِ: مَنْ كَذَبَ في بَيْعِ المُرَابَحَةِ فقالَ: قَامَتْ عَلَيَّ بِمِائَة، وإنَّمَا كَانَ اشْتَرَاها بِتِسْعِينَ وبَاعَها بِمِائة وعَشَرَةٍ، ثُم صَحَّ كَذِبُهُ بعدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ عندَ المُشْتَرِي أَنَّ البَائِعَ يُخَيَّرُ، فإنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ القِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الذي بَاعَها بهِ مَعَ الكَذِبِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قد رَضِيَ أَنْ يَبِيعَها مَعَ كَذِبهِ في رَأْسِ مَالِهِ بِمِائةٍ وعَشَرَةٍ. * قالَ مَالِكٌ: وإنْ أَحَبَّ ضُرِبَ لَهُ الرّبْحُ على التِّسْعِينَ الذي هِي رَأْسُ مَالِهِ الصَّحِيحِ، وَهِيَ التِّسْعونَ مَعَ رِبْحها تِسْعَة، فإنْ كَانَتِ القِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ تِسْعَة وتسعِينَ دِينَاراً لَمْ يُنَقِّصِ والبَائِعُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ الصَّحِيحِ ورِبْحِهِ، لأَنَّ المُشْتَرِي رَضِيَ بِذَلِكَ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: ومَنْ غَلَطَ على نَفْسِهِ في بَيع المُرَابَحَةِ، فقالَ: قَامَتْ عَليَّ بِمِائَه دِينَار ثُمَّ بَاعَها بِمِائيما وعَشَرَةٍ، ثُمَّ صَحَّ غَلَطهُ وشُهِدَ لَهُ أنْ بِمِائةٍ وعَشَرَة اشْتَرَاها، وقَد فَاتَتِ السِّلْعَةُ عندَ المُشْتَرِي، أَنَّ المُشْتَرِيَّ يُخَيَّرُ، فإنْ شَاءَ أَعطَى البَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَها، وإنْ شَاءَ أَعطَاهُ الثَّمَنَ الذي ابْتَاعَها بهِ مَعَ رِبْحِها الذي وَافَقَهُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِائةٌ وإحدَى وعِشْرُونَ دِينَارَاً، إلَّا أَنْ تَكُونَ القِيمَةُ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الذي اشْتَرَاها بهِ المُشْتَرِي، وَهُوَ عَشَرَةٌ ومِائَة فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَقّصُهِ مِنْ مِائة وعَشَرَة، لأَنَّ المُشْتَرِي قد رَضِيَ بِذَلِكَ، ولأَنَّ البَائِعَ إنَّمَا جَاءَ لِيَأخُذَ مِنْهُ مَا غَلِطَ بهِ على نَفْسِهِ، فإذا كَانَتِ القِيمَةُ أَكْثَرُ مِنْ ضَربِ الرِّبْحِ على رَأْسِ مَالِ البَائِع الصَّحِيحِ مَعَ رِبْحِها لَمْ يَكُنْ للبَائِعِ على المُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبِ الرِّبْحِ على رَأسِ المَالِ الصَّحِيحِ، لأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَربَحَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدَاً، وإذا لَمْ تَفِتِ السّلْعَةُ عنْدَ المُشْتَرِي في هَاتَيْنِ المَسْأَلَتيْنِ بِشَيءٍ مِنْ وُجُوهِ الفَوْتِ أَنَّهُ يَكُونُ بالخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَها بِمَا قَالَ البَائِعُ، وإنْ شَاءَ رَدَّها. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: صِفَةُ بَيْعِ البَرْنَامِجِ هُوَ أنْ يَأتِي البَائِعُ بِثيَاب رَفِيعَةٍ مَطْوِية مَشْدُودَة في عِدل قَدْ كَتَبَ صِفَاتَها، وذرعَها، ورُقُومَها، فَيَبيعُها مِنَ التُّجْارِ على صِفَةِ مَا في كِتَابِهِ، فإذا وَجَدُوها على صِفَةِ الكِتَابِ الذي ابْتًاعُوها عليهِ لَزِمَتْهُم،

стр. 461

وأُجِيزَ هذا البَيْعُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ في نَشْرِها على البَائِعِ ضَرَراً والبَيْعِ على الصِّفَةِ جَائِزٌ، بِخِلاَفِ ما يَتَمَكَّنُ نَشْرَهُ وتَقْلِيبَهُ، ومَا كَانَ ذَلِكَ مُمكِنَاً فِيهِ ولَم يُبَعْ إلَّا بعدَ النشْرِ والتَّقْلِيبِ، فإنْ بِيعَ بِغَيْرِ نشرٍ ولَا تَقْلِيبٍ لَمْ يَجُزْ، لأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ المُلاَمَسَةِ التي نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهَا.

стр. 462

البيع على الخِيَارِ، والدَّيْنُ في الرِّبَا، وجَامِعُ الدَّيْن والحَوْلِ * قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ في حَدِيثِ "المُتَبايِعَانِ بالخِيارِ" حَدِّ لِوَقِتِ الإفْتِرَاقِ يَنْتَهِيانِ إليهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرَّقَ بينَ عَقْدِ البَيْع وسَائِرِ العُقُودِ التي تَلْزَمُ باللَّفْظِ دُونَ التَّفَرُّقِ، كَمَا قالَ : ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، وهذا افْتِرَاق بالكَلاَمِ، وشَيءٌ اخرُ أَنَّ المُتَسَاوِمَيْنَ يَقَعُ عَلَيْهِما اسْمُ المُتَبَايِعَيْنِ، كما قال ﷺ : "لا يبعْ بَعضُكُم على بَيْعِ بَعضِ"، فَسَمَّى المُسَاوَمَةَ بَيْعَاً، فَيَكُونُ مَعنَى الحَدِيثِ: المُتَسَاوِمَيْنِ بالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرَّقَا على عَقْدِ بَيْعٍ، فإذا انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا البَيْعُ لَزِمَهُمَا، وقَد اخْتُلِفَ في حَدِيثِ: "المُتبُايِعَيْنِ بالخِيَار" فَفِي بَعضِ الرِّوَاياتِ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ البَائِعِ، أَو يَتَرَادَّانِ، وفِي حَدِيثِ آخَرَ: إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ في ثَمَنِ السلْعَةِ أُحِلَفَ البَائِعُ. * قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: فَلَو كَانَ الخِيَارُ لَهُمَا لم يَكُنْ بَيْنَهُمَا يَمِينٌ، وكَانَ لِمَن شَاءَ مِنْهُمَا الرَّدُّ دُونَ الإخْتِلاَفُ في الثَّمَنِ، والصَّرفُ بَيع ولا خِيَارٌ فِيهِ، لِقَوْلهِ ﵇: "الذَّهبُ بالوَرِقِ رِبا، إلَّا هَاءَ وَهَاءَ" قالَ ابنُ القَاسِمِ: فَالْعَمَلُ عِنْدَنا في البَيْعِ أَنهُ يَنْعَقِدُ باللَّفْظِ، وقَد قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: (البَيْعُ يَنْعَقِدُ باللَّفْظِ) (١)، فهذا كُلّهُ يَدُكُ على أَنَّهُ إذا انْعَقَدَ البَيْعُ أنْ لَا خِيَارَ فِيهِ لأَحَدٍ.

стр. 463

قالَ أَبو المُطَرِّفِ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ في المُتَبَايِعَيْنِ إذا اخْتَلَفَا في ثَمَنِ السِّلْعَةِ، فأَوَّلُ قَوْلَيْ مَالِكٍ: أنَّ المُبْتَاعَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الثمَنِ مَعَ يَمِينه وإنْ لَمْ تَفِتِ السِّلْعَةُ، وبِهذا قالَ ابنُ وَهْبٍ. وقالَ أَشْهبُ: إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ ويَتَرَادَّانِ البَيْع وإنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ في يَدِ المُبْتَاعِ، يُرِيدُ: أَنَّهُ يُغْرَمُ قِيمَتُها بعدَ يَمِينِه. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: إنْ لَمْ تَفِتِ السِّلْعَةُ حَلَفَ البَائِعُ اوَّلاً على مَا يَدَّعِي، ثُمَّ يَكُونُ المُبْتَاعُ بالخِيَار إنْ شَاءَ أَخَذَ السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ البَائِعُ، وإنْ شَاءَ حَلَفَ على مَا يَدَّعِي ثُمَّ يَرُدها، إلَّا أَنْ يَزضَى قَبْلَ انْ يَفْسَخَ السُّلْطَانُ البَيْع بَيْنَهُمَا أَنْ يَأخُذَها بِمَا قَالَ البَائِعُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ، وإذا فَاتَتِ السَّلْعَةُ بِحَوَالةِ أَسْوَاقٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي يَحلِفُ أَنَّهُ أتى بِمَا يَشْبهُ ثَمَنَها، وإنْ أتى بِمَا لَا يَشْبِهُ ثَمَنَها كَانَ القَوْلُ قَوْلَ البَائِعِ، إلَّا أَنْ يَأتِي أَيْضَاً بِمَا لا يَشْبهُ، فَإنْ أتى بِمَا لَا يَشْبهُ رُدَّ إلى مِثْلِ ثَمَنِهَا (١). قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ واشْتَرَطَ البَائِعُ أَو المُبْتَاعُ مَشُورَةَ غَيْرِه في ذَلِكَ كَانَ لِمُشْتَرِطِ ذَلِكَ مِنْهُمَا أَيْضَاً البَيْعُ أو رَدُّهُ دُونَ مَشُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ المُشْتَرِطِ اسْتِشَارَتَهُ. وقالَ ابنُ نَافِعٍ: يَلْزَمَهُمَا مَا شَرطَا مِنْ ذَلِكَ ولْيَسْأَلْ ذَلِكَ الرَّجُلِ المُشْتَرِطِ اسْتِشَارَتَهُ، فإنْ أَجَازَ البَيْعَ بَيْنَهُمَا لَزِمَهُمَا، وإنْ رَدَّهُ فَهُو مَردُودٌ عَنْهُمَا. * قالَ عِيسَى: دَارُ نَخْلَةَ هِيَ دَارٌ بالمَدِينَةِ تُبَاعُ فِيهَا البُرُودُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا كَرِهَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ (ضَع وتَعَجَّلْ) لأَنَّهُ رِبَا، وذَلِكَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يَبِيعُ عَيْنَاً إلى أَجَل بأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدَاً، وأَمَّا إذا حَلَّ بهِ أَجَلُ الدَّيْنِ فَوَضَعَ عَنْهُ صَاحِبُ المَالِ مِنْهُ فَهُوَ جَائِز، لأَنَّهُ إحسَانٌ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ المَالِ وليسَ ذَلِكَ رِبَا،

стр. 464

ومَا لَا يَحِلُّ للرَّجُلِ أَكْلُهُ مِنَ المُبْتَاعِ لا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُطْعَمهُ أَهْلُهُ، ويَجُوزُ إذا تَابَ مِن ذَلِكَ أَنْ يُطْعَمهُ المُسَاكِينَ. قالىَ عِيسَى فِي الذي يَكُونُ له الدَّيْنُ على الرَّجُلِ فإذا تَقَاضَاهُ إيَّاهُ عَسَرَ لَهُ، فَيَقُولُ لَهُ: بعنِي سِلْعَةً بِثَمَن إلى أَجَلٍ أَقْضِيكَ ثَمَنَها عَنْ هذا الدَّيْنِ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي، لأَنًّ ثَمَنَ السِّلْعَةِ التي بَاعها رَبُّ الدَّيْنِ آخِراً مِنَ الذي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، رَجَعَ إليه، وفُسِخَ دَيْنُهُ الأَوَّلُ الذي قَدْ حَلَّ لَهُ على غَرِيمِهِ في دَيْنٍ إلى أَجَلٍ، فَصَارَ دَيْنَاً في دَيْني، ويُفْسَخُ البَيْعُ في هذه السِّلْعَةِ التي بَاعَها رَبُّ الدَّيْنِ آخِرَا مِنَ الذي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَا لَمْ تَفِتِ السلْعَةُ، فإنْ فَاتَتْ غُرِمَ قِيمَتُها. * قَوْلُهُ: "مَطلُ الغَنِيِّ ظُلْم"، يَغنِي: مَطْلُ مَنْ حَل عَلَيْهِ دَيْن وَهُوَ مَلِيء يَفطِلُ صَاحِبُهُ، فهُو ظَالِمٌ، ومَنْ لم يَكُنْ مَلِيئَا بِدَيْنهِ فَقَد عَذَرَهُ اللهُ بِقَوْلهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. قالَ أبو المُطَرِّفِ: الحَوَالَةُ فعل مَعرُوف نَدَبَ إليهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَوْليِ: "وإذا أُتْبِعَ أَحَدُكُم على مَلِيء فَلْيُتْبِعْ". والحَوَالَةُ رُخْصَة مِنَ الدِّينِ، مَنْ رَضِيَ بِذِّمةِ مُحَالٍ عَلَيْهِ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ المُحِيلِ مِنَ الدَّيْنِ الذي كَانَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ المُحِيلُ المُحَالَ مِنْ مُعدَمٍ أو مُفْلِسٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ حِينَئِذٍ على غَرِيمِهِ الأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَرْضى بِذِمَّةِ هذا المُعْدَمِ، وَهُوَ عَالِمٌ بعَدَمِهِ فَلَا رُجُوعُ لَهُ على الأَوَّلِ، والحَمَالةُ بِخِلاَفِ الحَوَالةِ، ولِرَبِّ المَالِ إذا حَلَّ أًجَلُهُ أَنْ يَأخُذَ بِمَالهِ إنْ شَاءَ الغَرِيمُ، وإنْ شَاءَ الحَمِيلُ. وقالَ أَيْضَاً: لَا يُغْرَمُ الحَمِيلُ إلَّا في عَدَمِ الغَرِيمِ أَو غَيْبَتِهِ. قالَ أَبو المُطَرّفِ: لَم يُلْزَم مَنْ سَلَمَ في سِلْعَةٍ إلى أَجَلٍ أنْ يَقْبضَها قَبْلَ الأَجَلِ، لأَنَّهُ إنَّمَا أَبقَاها في ذِمَّةِ البَائِع لَها مِنْهُ طَمَعَاً في نِفَاقِها، إلَّا أَنْ يَتَقَارَبَ الأَجَلُ مِثْلَ اليَوْمَيْنِ، فإنَّهُ يَلْزَمُهُ حِينَئِذ قبَضها مِنْ دَافِعَها إليه. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَاكْتَالَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ على شَرْطِ تَصدِيقِه في الكَيْلِ، أَنَّهُ إنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وإنْ بَاعَهُ بِدَيْنٍ لَمْ يَجُزْ,

стр. 465

إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ إذا بَاعَهُ بالنَّقْدِ لَمْ تَلْحَقْهُ في ذَلِكَ تُهْمَة مِنْ قِبَلِ المُشْتَرِي في أَنْ يَتْرُكَ مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الكَيْلِ لِوَجْهٍ يَنتفِعُ بهِ، لأَنَّهُ قَدْ عَجَّلَ النَّقْدَ للبَائِع، وأَمَّا إذا بَاعَهُ مِنْهُ بِدَيْنٍ فَالتُهْمَةُ تَلْحَقُهُ في أَنْ يَتْرُكَ لَهُ كَيْلَ الطَّعَامِ، بِسَببِ تَأْخِيرِ النَقْدِ والكَيْلِ لَهُ زِيَادَةً ونُقْصَانَ، فَلِهذا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بالدَّيْنِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا لَمْ يَجُزْ شِرَاءُ دَيْنٍ على غَائِبٍ لأَنَّهُ مُنتظِرٌ، وذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الذي عَلَيْهِ الدَّيْنِ مُفْلِسَاً ولَا يَدْرِي ذَلِكَ المُشْتَرِي، وكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا عَلَيْهِ وإنْ كَانَ حَاضِرَاً غَيْرَ مُقَرِّ بالدَّيْنِ وإنْ كَانَتْ عَلَيْهِ بهِ بَيِّنَةٌ، لأَنَّهُ قَدْ يَدَّعِي هِبَةَ الدَّيْنِ، فالذي يَشْتَرِي ذَلِكَ يَشْتَرِي خُصُومَةً، ويدخُلُ على غُرَرٍ، فإذا أَقَرَّ بالدَّيْنِ فَشِرَاءُ ما عَلَيْهِ جَائِز، فإنْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنَاً، بِيعَ بِعَرَضٍ نَقْداً، وإنْ كَانَ عَرَضَاً بِيعَ بالعَيْنِ والعَرَضُ المُخَالِفُ لَهُ نَقْداً، فإنْ كَانَ إلى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ، لأَنَّهُ فُسِخَ دَيْنٍ في دَيْنٍ، وإنْ كَانَ ذَهباً لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِفِضَّةٍ ولَا ذَهبٍ.

стр. 466

تفسير الموطأ تأليف أبي المطرف عبد الرحمن بن مروان القنازعي القرطبي الأندلسي ولد سنة ٣٤١ هـ وتوفي سنة ٤١٣ هـ - رحمه الله تعالى - حققه وقدم له وخرج نصوصه الأستاذ الدكتور عامر حسن صبري [المجلد الثاني]

стр. 467

بابُ في الشِّرْكَةِ، والتَّوْلِيةِ، وإفْلاس الغَرِيمِ إذا بَاعَ الرَّجُلُ ثِيَاباً مَخْتَلِفَةَ الصِّفَاتِ فَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مِنْ صِنْفٍ مِنْها عَدَداً يَخْتَارُهُ، فإنَّ ذَلِك جَائِزٌ، مِثْلَ أَنْ يَبْتَعَ عدلاً فِيهِ خَمْسُونَ ثَوْباً عَشَرَةٌ مِنْ خَزٍّ، وعَشَرَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ، وعَشَرَةٌ مِنْ حَرِيرٍ، وعَشَرَةٌ مِنْ قُطْنٍ، وعَشَرَةٌ مِنْ كَتَّانٍ، فَيَسْتَثْنِي البَائِعُ مِنْها عَدَداً عندَ الصَّفْقَةِ مُخْتَارَةً مِنْ أَحدٍ الأَصْنَافِ، فهذا جَائِزٌ ولَهُ شَرطُهُ، وإذا لم يُسَمِّ مِنْ أَيِّ الأَضنَافِ يَخْتَارُ العَدَدَ الذي اسْتَثْنَاهُ لِنَفْسِهِ، فإنَّهُ يَكُونُ شَرِيكَاً للمُشْتَرِي مِنْهُ بِقدرِ ما اسْتَئْنَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ في جُمْلَةِ مَا بَاعَ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ الثِّيَابِ. قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ على إجَازَةِ الشِّرْكِ والتَّوْليةِ والإقَالَةِ في الطَّعَامِ وغَيْرِه قَبْلِ قَبْضِهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فِعْلٌ مَعْرُوفٌ، ولَيْسَ يُوجَدُ في ذَلِكَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ عَنِ النبيِّ ﷺ ، إلَّا مَا أَرسَلَهُ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وذَكَرَهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ (١). * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَن اشْتَرَى سِلْعَةً ثُمَّ اشْتَرَكَ فِيها غَيْرُهُ أَنَّ التَّبِعَةَ فِيها على المُشَرِّكِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ المُشَرّكُ على الذي أَشْرَكَهُ بِحَضْرَةِ البَيْع في وَقْتِ الشَرْكَةِ أَنَّ بَيْعَتَكَ فِيها على البَائِعِ الأَوَّلِ، فَيْنَفَعُهُ شَرطُهُ، وتَكُونُ حِينَئِذٍ تَبعَةُ المُشَزكِ فِيمَا يَلْحَقُهُ في السِّلْعَةِ على البَائِعِ الأَوَّلِ، وإنْ بَعُدَ شَرْطُ المُشرِّكِ مِنْ عًقْدِ الصَّفْقَةِ لَمْ يُنتفَع بهِ، وكَانَتِ التَّبعَةُ في ذَلِكَ على المُشَرِّكِ، إنَّما كَانَتِ التَّبعَةُ على المُشَرِّكِ أو المُوْلي مِنْ أًجْلِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَلَّكَةُ مَا أَشْرَكَ فِيهِ أَوَّلاً بِعَقْدِ الصَّفْقَةِ، فماذا أَشْرَكَ أَوَّلاً بِحَضْرَةِ البَائِعِ الأَوَّلِ واشْتَرَطَ التَّبِعَةَ عَلَيْهِ نَفَعَهُ شَرطُهُ،

стр. 468

لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذ مَالِكَأ لِمَا أَشْرَكَ فِيهِ، أَو وَلاَّهُ مُلْكَأ تَامَاً، وأَمَّا إذا بَعُدَ شَرطُهُ مِنْ عَقْدِ الصَفْقَةِ لَمْ يَنتفِع بهِ، لأَنَّهُ قَدْ ملَكَهُ ذَلِكَ مِلْكَاً تَامَّا، فَلِذَلِكَ لَزِمَتْهُ التَّبِعَةُ، ولَم يَنْتفِعْ بِشَرطِهِ. * قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنِ ابْتَاعَ سِلْعَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ رَجُل: أَشْرِكْنِي بِنِصْفِها وأَنَا أَبِيعُها لَكَ أَنَّهُ جَائِزٌ، يَعْنِي: إذا ضَرَبَ لِبَيْعِها أَجَلاً، لأَنَّهُ بَيْعٌ وإجَارَة، والبَيع والإجَارَةُ جَائِزٌ أنْ يَجْتَمِعَانِ في صَفْقةٍ وَاحِدَة، فإنْ لَمْ يَضْرِبْ لِبَيْعِهِ إيَّاها أَجَلاً لَمْ يَجُزْ. قالَ عِيسَى: فإنْ بَاعَها فى نِصْفِ الأَجَلِ الذي ضَرَبَهُ لِبَيْعها كَانَ لَهُ نِصْفُ الأُجْرَةِ في بَيْعِهِ إيَّاها. وتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يُقَالَ مَا قِيمَةُ نِصْفِ هذِه السِّلْعَةِ على اشْتِرَاطِ قِيَامِ المُشْتَرِي في بَيْعِهِ النِّضفَ الآخَرِ شَهْراً، فإنْ قِيلَ: قِيمَتُهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، قِيلَ: فَمَا قِيمَتُها بِغَيْرِ اشْتِرَاطٍ؟ فإنْ قِيلَ: اثْنتَيْ عَشَرَ درهماً، فبينَ القِيمَتَيْنِ دِرهمَانِ، وَهُوَ السُّدُسِ مِنَ الثَّمَنِ كُلِّهِ، فإذا خَدَمَهُ في بَيْعِها نِصفُ شَهْرٍ وَجَبَ لَهُ مِنَ الأُجْرَةِ نِصْفَها، فَهذا وَجْهُ العَمَلِ في هذِه المَسْأَلةِ. * قالَ أَحمَدُ بنُ خَالِدٍ: رَوَى حَدِيثَ التَّفْلِيسِ أَصحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ مرسَلاً، إلَّا عبدَ الرَّزَاقِ فإنَّهُ أَسْنَدَهُ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزّهْرِيِّ، عَنْ أَبي بَكْرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعَاً فَأفْلَسَ الذي ابْتَاعَهُ مِنْه"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه (١). قالَ أَحمدُ بنُ خَالِدٍ: وأَصحَابُ مَالِكٍ لا يَذْكُرُونَ في سَنَدِ هذا الحَدِيثِ أبا هُرَيْرَةَ، وإنَّمَا يَروُنَهُ مرسَلاً عَنْ أَبي بَكْرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وبِهذا أَخَذَ مالك، والزُّهْرِيُّ قَبْلَهُ، كَانَا يَقُولاَنِ: صَاحِبُ المُبْتَاعِ أَحق بِمَتَاعِهِ إذا وَجَدَهُ في حَالِ الفَلَسِ، وَهُوَ في المَوْتِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ.

стр. 469

* قالَ أَحمَدُ: وذَهبَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ المَوْتَ والفَلَسَ سَوَاءٌ، وأنَّ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ أَنْ يَأْخُذَها في المَوْتِ، كَمَا يَأْخُذَها في الفَلَسِ، واحتَجَّ في ذَلِكَ بِمَا [رَوَاهُ] (١) ابنُ أَبي ذِئْبٍ، عَنْ أَبي المُعتَمِرِ، عَنْ عُمَرَ بنِ خَلْدَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ مَاتَ أَو أَفْلَسَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" (٢). قالَ أَحمَدُ: ولَيْسَ يُعَارِضُ حَدِيثُ الزّهْرِيِّ بِحَدِيثِ أَبي المُعتَمِرِ الذي لم يَروِهِ إلَّا ابنُ أَبي ذَئْبٍ، وقالَ النَّسَائِيُّ أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ: ابنُ أَبي ذِئْبٍ رَجُلٌ ضَعِيفٌ (٣). قالَ أَحمَدُ بنُ خَالِدٍ: والمُفْلِسُ في النَّظَرِ يُفَارِقُ المَيِّتَ، لأَنَّ المُفْلِسَ تَبْقَى ذِمَّتُهُ لِسَائِرِ غُرَمَائِهِ، والمَيّتُ لا تَبْقَى لَهُ ذِمَّةٌ بعدَ مَوْتهِ، فَلِهذا افْتَرَقَ حُكْمَهُمَا في الحَيَاةِ والمَمَاتِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا اشْتَرَى المُفْلِسُ بُقْعَةً بِدَيْنٍ، ثُمَّ بَنَاها، فَطَلبَ رَبُّهَا ثَمَنَهَا، أَنَّها تُقَوَّمُ البُقْعَةُ، ويَقُوَّمُ البُنْيَانُ، والخِيَارُ في هذه المَسْأَلةِ للغُرَمَاءِ، إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَدفَعُوا إلى صَاحِبِ البُقْعَةِ ثَمَنَ بُقْعَتِهِ ويأْخُذُونَها لأَنْفُسِهِم كَانَ ذَلِكَ لَهُم، وإلَّا قُوّمَ البُنْيَانُ قَائِمَاً، فَيُعْرَفُ مَا قِيمَةُ الدَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: مَا قِيمَةُ البُقْعَةِ بَرَاحَاً بِلا بِنَاءٍ؟ فَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ لِصَاحِبِ البُقْعَةِ قِيمَةُ بُقْعَتِهِ، ويَكُونُ للغُرَمَاءِ قِيمَةُ البُنْيَانِ، يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُم على قَدْرِ دِيُوبهِم، وإنَّمَا أَخَذَ صَاحِبُ البُقْعَةِ جَمِيعَ ثَمَنِهِ لأَنَّهُ وَجَدَ سِلْعَتَهُ قَائِمَةً بِعَينها، فَكَانَ أَحَقَّ بِها مِنْ سَائِرِ الغُرَمَاءِ. * * *

стр. 470

بابُ مَا يكُونُ مِنَ المُسَاوَمَةِ، إلى آخِرِ كِتَابِ البِيُوعِ * في رَدِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ خِيَارَاً مَكَانَ البَكْرِ الذي اسْتَسْلَفَهُ مِنَ الفِقْهِ: إجَازَةُ السَّلَفِ في الحَيَوانِ، ورَدُّ المُسْتَسْلِفِ أَفْضَلَ مِنَ العَيْنِ الذي اسْتَسْلَفَهُ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا على شَرطٍ، أو عَادَةٍ جَرَتْ بَيْنَ المُسْلَفِ والمُسْتَسْلِفِ، ولا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرَ عَدَداً مِنَ الذي اسْتَسْلَفَ، وكَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَد اسْتَسْلَفَ ذَلِكَ البَكْرِ لِغَيرهِ، ولِذَلِكَ رَدَّهُ إلى صَاحِبهِ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، ولَو اسْتَسْلَفَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَرُدهُ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ، لأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ لا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ. * قالَ أَبو المُطَرَّفِ: لَمْ يَجُزْ لِمَنْ أَسْلَفَ طَعَاماً في بَلَدٍ أَنْ يَشْتَرِطَ قَبْضَهُ في غَيْرِ البَلَدِ الذي أَسْلَفَهُ فِيهِ، لأَنَّهُ يربَحُ في ذَلِكَ المُسْلَفِ حِمْلاَنَهُ مِنَ البَلَدِ الذي أَسْلَفَهُ فِيهِ إلى البَلَدِ الذي اشْتَرَطَ قَبْضهُ فِيهِ، والزِّيَادَةُ في السَّلَفِ رِبَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أُسْقِطَ شَرطُهُ، وأَخَذَهُ في البَلَدِ الذي دَفَعَهُ فِيهِ، وقَد قَالَ ابنُ عُمَرَ للذي سَألهُ عَمَّن أَسْلَفَ واشْتَرطَ الريَادَةَ فأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وقالَ: (شُقَّ الصَّحِيفَةَ) يَعنِي: أَسْقِطِ الشّرطَ الذي اشْتَرَطَهُ في الزِّيَادَةِ، (فإنْ أَعطَاكَ الذي عَلَيْهِ السَّلَفُ أَفْضَلَ عَنْ طِيبِ نَفْسم مِنْهُ فَاقْبَلْهُ)، يُرِيدُ: مَا لَمْ تَكُنْ عَادَةً جَرَيا عَلَيْها فَلَا تَقْبَلْ مِنْهُ حِينَئِذٍ إلَّا مِثْلَ الذي أسْلَفَهُ إيَّاهُ، ولهذا الوَجْهِ كُرِهَتْ هدِيَّةُ المديَانِ (١)، لأَنَّها زِيَادَة في السَّلَفِ، وذَلِكَ رِبَا.

стр. 471

* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَجُزِ السَّلَفُ في الجَوَارِي، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ سَبَباً إلى عَارِيَةِ الفُرُوجِ، فإذا وَقَعَ مِثْلُ هذا نُقِضَ السَّلَفُ، مَا لَمْ يَغِبِ المُسْتَسْلِفِ على الجَارِيةِ ويَطَأَها، فإذا وَطِئَها لَزِمَتْهُ قِيمَتُها يَوْمَ قَبَضَها. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيع"، يُرِيدُ: لا تَلَقَّوُا جُلاَّبَ السِّلَعِ لِلْبَيْعِ، فَتَبْتَاعُونَها مِنْهُم قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا بِهَا الأَسْوَاقَ، ثُمَّ تَبِيعُونَها مِنْ أَهْلِ الأَسْوَاقِ غَالِيَة، فتَضُرُّوا بِهم. وقُولُه: "لا تَنَاجَشُوا"، يَعْنِي: لَا تَغطُوا في السِّلَع فَوْقَ أَثْمَانِها، ولَيْسَ الشِّرَاءُ مِنْ شَأْنِكُم، لِكَي يَغْتَرَّ بِذَلِكَ غَيْرُكُم مِمَّنْ يُرِيدُ الشًّرَاءَ، فَيَزِيدُ في ثَمَنِ السِّلْعَةِ لِزَيَادَةِ النَّاجِشِ في ثَمَنِها، فَيَضُرُّ ذَلِكَ بالمُشْتَرِي. وقَوْلُهُ: "لَا تُصَرُّوا الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ" يَعْنِي: لَا تَتْرُكُوا حِلاَبَها إذا أَرَدْتُم بَيْعَها لِكَي يَجْتَمعَ اللَّبَنُ في ضُرُوعِها فتَعْظُمُ بِذَلِكَ ضُرُوعُها، فإذا نَظَرَ إليها المُشْتَرِي رَغِبَ فِيها، وزَادَ في ثَمَنِها، وظَنَّ أنَّ لَبَنَها غَزِيرٌ، وهذا غِشّ وتَدلِيسٌ، فَمَنِ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً كَانَ بالخِيَارِ بَغدَ أَنْ يَحلِبها، إنْ شَاءَ أمسَكَها، وإنْ شَاءَ رَدَّهَا وصَاعَاً مِنْ تَمْرٍ. وهذا الحَدِيثُ أَصْلٌ في الرَّدِّ بالعُيُوبِ في الحَيَوانِ وغَيْرِه، فإذا كَانُوا بِبَلَدٍ لَا تَفرَ فِيهِ أَعطَى مَكَانَ الصَّاعِ مِنَ التَّفرِ صَاعَاً مِنْ طَعَامٍ، ولَا يَجُوزُ للذي تُرَدُّ عَلَيْهِ المَصرُورَةَ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الصَّاعَ مِنَ التَّفرِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوفِيَهُ، لأَنَّهُ اشْتَرَى ذَلِكَ الصَّاعَ بالَّلَبنِ المصرُورِ في الضَّرعِ حِينَ بَاعَها مِنَ الذي اشْتَرَاها مِنْهُ، فإذا بَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ دَخَلَهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوفَى، وصَارَ الَّلَبنُ المَخلُوبُ مِنَ المُصَرَّاةِ في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ الذي بهِ يَبِينُ صُرُّها لِمُشْتَرِيها بلاَ ثَمَنٍ، مِنْ أَجْلِ ضَمَانِهِ إيَّاها قَبْلَ أَنْ يَرُدَّها، وهذا يُقَوِّي حَدِيثَ "الخَرَاجُ بالضَّمَانِ" (١)، لأَنَّهُ في مَعنَاهُ.

стр. 472

قالَ عِيسَى: وَلَو جَاءَ بالَّلَبَنِ الذي طَلَبَ مِنها أَوَّلَ مَرَّة فَرَدَّهُ مَعَهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، ولَزِمَهُ غُرمُ الصَّاعِ. قالَ: وَلَو عَلِمَ أَنَّها مَصْرُورَةً بإقْرَارٍ مِنَ البَائِعِ فَرَدّها قَبْلَ أَنْ يَحلِبها لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمُ الصَّاعِ، لأنَّهُ لَم يَحلِب اللَّبَنِ الذي بِسَبَبهِ يَلْزَمُهُ غُرْمُ الصَّاعِ. قالَ: وَلَو حَلَبَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ حَلَبَها الثَّانِيَةَ فَنَقَصَ لَبَنُها، فَظَنَّ أَنَّهُ مِن اسْتَنْكَارِ المُرضِعِ، ثُمَّ حَلَبَها الثَّالِثَ فتَبَيَّنَ لَهُ صُرها، فأَرَادَ رَدّها فإنَّهُ يَحْلِفُ باللهِ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ رِضَاً بِها، ثُمَّ يَرُدّها ويَرُدُّ مَعَها الصَّاعَ الذي أَمَرَ بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وقِيلَ: إذا كَانَتْ كَبِيرَةً رَدَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدةٍ حَلَبَها صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ. وقَيِلَ: بلْ يَرُدُّ عَنْها كُلُّها بعدَ حِلاَبهِ إيَّاها صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: فِي الذي يَتَلَّقَى السِّلَعِ قَبْلَ أَنْ يُهْبِطَ بِها الأَسْوَاقَ أَنَّها تُؤْخَذُ مِنْهُ، وتُوقَفُ للنَّاسِ في السُّوقِ، فَيَشْتَرُونَها بِمَا اشْتَرَاها بهِ، فإنْ لَم يُوجَد مَنْ يَشْتَرِيها رُدَّتْ عَلَيْهِ، فإنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ عَنْدَهُ ولَم تُوجَد مَعَهُ وكانَ مُتَعَوِّدَاً بِذَلِكَ أَدَّبَهُ السُّلْطَانُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَوِّدَاً بِذَلِكَ نَهاهُ أَنْ يَعُودَ، وخَلَّى سَبِيلَهُ. وقَوْلُهُ: "لا يَبِعْ حَاضِر لِبَادٍ"، يَعْنِي: لا يَتَولَّى أَهْلُ الحَضَرِ بَيع سِلَعِ أَهْلِ البَوَادِي، لأَنَّ ذَلِكَ ضَرَو على أَهْلِ الحَوَاضِرِ، وقَد رَوَى سُفْيَانُ، عَن أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزِقُ اللهُ بعضَهُم مِنْ بَعضٍ" (١). قالَ ابنُ أَبي أُوَيْسٍ: وهذا نَظَر مِنَ النبيِّ ﷺ لأهْلِ الحَاضِرَةِ على أَهْلِ البَادِيَةِ لِفَضْلِهِم عَلَيْهم لإقَامَتِهِم (٢) الجَمَاعَاتِ، ولِعِلْمِهِم بالسُّنَنِ. قالَ عِيسَى: ولا بَاسَ أَنْ يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ، [وأَمَّا إذا بَاعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ] (٣) فإنَّهُ

стр. 473

يُفْسَخُ البَيْع مَا لَمْ تَفِتِ السِّلْعَةُ، ويُؤَدَّبُ البَائِعُ إنْ كَانَ عَالِمَاً بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ. قالَ: وأَمَّا مَنْ بَاعَ على النَّجَشِ فَالمُشْتَرِي رَدُّ تِلْكَ السِّلْعَةِ إنْ شَاءَ، فإنْ فَاتَتْ نُظِرَ إلى قِيمَتِهَا يَوْمَ البَيْع، فإنْ كَانَتِ القِيمَةُ أَقَل مِنَ الثَّمَنِ الذي دَفَعَهُ المُشْتَرِي فِيها رَدَّ البَائِعُ على المُشْتَرِي مَا زَادَ على قِيمَةِ تِلْكَ السِّلْعَةِ. قالَ: ومَنْ سَامَ على سَوْمِ أَخِيهِ بَعْدَ أَنْ رَكَنَ البَائِعُ إلى السَّائِمِ، فَابْتَاعَها السَّائِمُ الآخَرُ، فإنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ لَمْ تَفِتْ فَلْيَعرِضها على الذي سَامَ بِها أَوَّلاً، فإنْ أَرَادَها أَسْلَمَها إليه بالثَّمَنِ الذي اشْتَرَاها بهِ، وإنَّما أَمرَهُ أَنْ يَعرِضَها عَلَيْهِ، لأَنَّهُ اشْتَرَاها في وَقْتٍ قَدْ مُنِعَ مِنْ شِرَائِهِ إيَّاها، بِسَببِ رُكُونِ البَائِعِ إلى السَّائِمِ الأَوَّلِ فأَضَرَّ بهِ. وكَذَلِكَ لا يَنْبَغِي للمُسْلَمِ أَنْ يَسُومَ على سَوْمِ اليَهُودِيِّ أَو النَّصْرَانِيِّ عندَ رُكُونِ البَائِعِ إلى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لأن لَهُم ذِمَّةً، ولَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَرَّ بِهِم. ذَكَرَ أَبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بنِ مَالِكٌ: "أَنَّ رَجُلًا كَانَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في عُقْدَتِهِ ضَعفٌ، وكَانَ يَبْتَاعُ السِّلَعَ، فأتى أَهْلُهُ النبيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، [أُحجُرْ] (١) على فُلاَنٍ، فإنَّهُ يَبْتَاعُ وفِي عُقْدَتِهِ ضَعف، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَهاهُ عَنِ البَيْع، فقالَ: لَا أَصبرُ عَنْ ذَلِكَ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إنْ كُنْتَ غَيْرَ تَارِكٍ البَيْع فَقلْ: هاءَ، ولَا خِلَابَةَ" (٢). * قالَ أبو المُطَرِّفِ (٣): هذا الحَدِيثُ يُبيِّنُ حَدِيثَ مَالِكٍ في المُوطَّأ إذ لِكُلِ بَائِعِ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَهُ بِمَا شَاءَ إذا بَاعَها مِمَّنْ يَجُوزُ مُبَايَعَتَهُ ولَا يُنْظَرُ إلى مَا اشْتَرَى البَائِعُ في ثَمَنِ سِلْعَتِه، إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ المُشْتَرِي: بعنِي ولَا خِلاَبَةَ، فَلَا

стр. 474

يبعها مِنْهُ حِينَئِذٍ، إلَّا بِمَا تُسَاوِي، فإنْ فَعَلَ رَدَّها عَلَيْهِ وقَبَضَ مِنْهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ (١): لَمْ يَجُزْ للرَّجُلِ أنْ يَبْتَاعَ مَا يَتَمَكَّنُ لَهُ عَدَدُهُ جُزَافَاً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَنْ قَصَدَ إلى تَرْكِ العَدَدِ في مِثْلِ هذا فَقد قَصَدَ الغَرَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ نُقِضَ البَيْعُ مَا لَمْ يَفِتِ المَبِيعُ، وكَانَتْ في ذَلِكَ القِيمَةُ إنْ فَاتَ يَوْمَ قَبَضَ ذَلِكَ المُشْتَرِي (٢). قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ شَيْئاً لِغَيْرِه على وَجْهِ الجُعْلِ أَنهُ لَا بَأْسَ بهِ إذا سَمَّى الجَاعِلُ المَجْعُولَ (٣) لَهُ ثَمَناً يَبِيعُ بهِ سِلْعَتَهُ، فإنْ لَمْ يَتَهيَّأ لَهُ بَيْعُها لَم يَكُنْ لَهُ شَيءٌ مِنَ الجُعلِ الذي جُعِلَ لَهُ، وهذا طَرِيقُ الجُعْلِ عِنْدَ العُلَمَاءِ، ودَلِيلُهُم عَلَيْهِ قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، فَلَم يُؤَقِّتْ في الجُغلِ أَجَلاً، وجَعَلَ لَهُ جُعلَهُ إذا جَاءَ بالصُّوَاعِ، فَدَلَّ هذا على أَنَّهُ إنْ طَلَبَهُ ولَم يَأتِ بهِ أَنَّهُ لَا شَيءَ لَهُ مِنَ الجُعْلِ. قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: فالجُعلُ خَارِج مِنْ مَعَانِي الإجَارَةِ بِوجُوهٍ كَثيرَةٍ، مِنْ ذَلِكَ: أنَّهُ لا أَجَلَ فِيهِ، وأنَّ المَجْعُولَ لَهُ أَنْ يَدَعَ العَمَلَ مَتَى شَاءَ، وأَنَّه لَا شَيءَ لَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ سعيهِ حتَّى يتِمَّ بَيْعُ الثوْبِ أَو الشَّيءِ الذي جُعِلَ لَهُ الجُعلُ بِسَببِه. قالَ: والإجَارَةُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ، لَا تَكُونُ إلَّا في عَمَلٍ مَعلُومٍ، وأَجَلٍ مَعلُومٍ، وثَمَنٍ مَعلُومٍ، ويَكُونُ للعَامِلِ مِنَ الأُجْرَةِ بقَدرِ مَا عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ، والدَّلِيلُ على صِحَّةِ هذا قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧]، فَانْعَقَدتِ

стр. 475

الإجَارَةُ بَيْنَ مُوسَى ووَالِدِ زَوْجَتهِ (- صلَى اللهُ عَلَيْهِما -) (١) في عَمَلٍ مَعلُومٍ، وأَجَلٍ مُؤْقَّتٍ، وثَمَنٍ مَغلُومٍ، وَهُوَ صُدَاقُ الزَّوْجِ، وشَرَعَ مُوسَى ( ﷺ ) (٢) في ذَلِكَ الوَقْتِ في الرِّعَايةِ، وهَذَا حُكْمُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرَاً بِعَيْيهِ في عَمَل مَعلُومٍ أَنَّهُ يَشْرَعُ في العَمَلِ في الوَقْتِ. * * * تَمَّ كِتَابُ البُيُوعِ بِحمدِ اللهِ ونعمَتهِ، وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آَلهِ وسَلَّمَ يَتْلُوهُ كِتَابُ الأَقْضِيَةِ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى * * *

стр. 476

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا تَفْسِيرُ كِتَابِ الأَقْضِيَةِ قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وإنَّكُم تَخْتَصِمُونَ إليَّ" يَعنِي: أَنَا بَشَرٌ لا عِلْمَ لِي بِبَوَاطِنِ أُمُورِكُم التي تَخْتَصِمُونَ فِيها إليَّ، وهذا فِيمَا لَمْ يُطْلِعهُ اللهُ عَلَيْهِ، فأَمَّا مَا أَغلَمَهُ اللهُ ﵎ إياهُ فَهُوَ بَائِنٌ فِيهِ عَنْ سَائِرِ البَشَرِ. وقَوْلُهُ: "فَلَعَلَّ بَعضَكُم أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بعضٍ"، يَعنِي: يَكُونَ أَفْطَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعضٍ (١)، وأَجْدَلَ في كَلاَمِهِ مِنْ صًاحِبهِ الذي يُخَاصِمُهُ. وقالَ أَبو عُبَيْدٍ: اللَّحَنُ -بِفَتْحِ الحَاءِ- الفِطْنَةُ، واللّحنُ -بَجَزْمِ الحَاءِ- الخَطَأُ في الكَلاَمِ (٢). قالَ أَبو المُطرَّفِ (٣): في هذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ قَضَاءَ القَاضِي لَا يَحِلُّ للمُقْضَى لَهُ مَالَ المُقْضَى عَلَيْهِ إذا ادّعَى [عَلَيْه] (٤) مَا لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقالَ ﷺ : "حُرمَةُ مَالِ المُسْلِمِ

стр. 477

كَحُرمَةِ دَمِهِ" (١)، فَحَرَّمَ اللهُ [المَالَ] (٢) كَمَا حَرَّمَ الدَّمَ، فَمَنْ أَخَذَ [مِنْ] (٣) مَالِ أَخِيهِ بغَيْرِ [حَقِّه] (٤) لَمْ يَحِل لَهُ، وكَانَ عَلَيْهِ [حَرَامٌ] (٥)، فَالحُكْمُ مِنَ الحَكَمِ المُجْتَهِدِ إنَّمَا هُوَ على ظَاهِرِ الأَمرِ لَا على بَاطِنِه، وحَقِيقَةُ معرِفَةِ الأمُورِ البَاطِنَةِ إلى اللهِ ، فَلَيْسَ يُزِيلُ حُكْمُ الحَاكِمِ مَا يَعلَمُهُ اللهُ مِنَ الحَلاَلِ [و] (٦) الحَرَامِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ [الحَاكَمَ] (٧) لو عَلِمَ مَا شَهِدَ بهِ عِنْدَهُ الشَّاهِدَانِ أَنَّهُ زُورٌ مَا حَكَمَ بهِ ولا أَنْفَذَهُ، [فَكَذَلِكَ يُلْزَمُ] (٨) المَخكُومُ لَهُ أَنْ لَا يَسْتَبِيحَ أَخْذَ مَا حَكَمَ لَهُ بهِ الحَاكِمُ الذي لَوْ عَلِمَ أن ما حَكَمَ بهِ بَاطِلٌ مَا حَكَمَ بهِ. ومَنْ قَالَ: إنَّ قَضَاءَ [القَاضِي] (٩) يَحِلّ للمَحكُومٍ لَهُ مَا حَكَمَ لَهُ بهِ القَاضِي لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ في رَجُلَيْنِ شَهِدا لِرَجُلٍ أَنَّ ابْنتَهُ أَمَتُهُ، فَقضَى لَهُ بِها القَاضِي أَنْ يَبِيحَ وَطئَها لأَبِيها الذي شُهِدَ لَهُ أَنَّها أَمَتُهُ، ونَعُوذُ باللهِ مِنَ القَوْلِ بِهذا. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ (١٠): قَؤلُ ابنِ المُسَيَّبِ: (أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ اخْتَصَمَ إليهِ مُشلِمٌ ويَهُودِيّ، فَرَأَى أَنَّ الحَقَّ لليَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ بهِ)، فِي هذا مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ الحَكَمَ إذا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ أَحَدَ (١١) الخَصمَيْنِ علَى حَق أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بهِ، ولَيْسَ العَمَلُ عَلَى هذا عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ، ولَيْسَ يَقْضِي القَاضِي عِنْدَهُم على المَطْلُوبِ

стр. 478

إلَّا بالبينَةِ العَادِلَةِ بِعدلٍ يُعْذَرُ إلى المَحكُومِ عَلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِمَا شُهِدَ بهِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا ضَرَبَ عُمَرُ اليَهُودِيَ حِينَ قَالَ لَهُ: (واللهِ لَقَد قَضَيْتَ بالحَقِّ)، لأَنَّهُ مَدَحَهُ في وَجْهِهِ، وقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْثُوا التُّرَابَ في وُجُوه المداحِينَ" (١). وقالَ أَبو عُمَرَ: إنَّمَا ضَرَبَهُ لادَّعَائِهِ مَغرِفَةَ الحَقِّ الذي هُوَ عِنْدَ اللهِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَجِدُ في التَّوْرَاةِ أَنَ الحَكَمَ إذا قَصَدَ الحَقَّ والعَدْلَ في أَحكَامِهِ كَانَ مُوَفَقَاً مُسَدَّدَاً، صدَّقَهُ عُمَرُ في ذَلِكَ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: فِي كِتَاب اللهِ دَلِيل على صَحّةِ قَوْلِ ذَلِكَ اليَهُودِي، قالَ اللهُ ﵎: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: ٢٦]، فَكُلُّ مَنْ لم يَتبِعِ الهوَى في حُكْمِهِ كَانَ مُوققَا مُسَدَدَاً مُعَاناً بالمَلاَئِكَةِ، ومَنْ قَصَدَ البَاطِلَ في حُكْمِهِ لم يُوفَقْ، ولَم يُسَدَّد، ولا أَعَانتهُ المَلاَئِكَةُ. ورَوَى أَبو هُرَيْرَةَ عَنِ النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ المُسْلِمينَ حتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَهُ عدلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الجَنَةُ، ومَنْ غَلَبَهُ جَوْرَهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ" (٢). قالَ أَبو المُطَرّفِ: قَوْلُهُ "أَلاَ أُخْبِرُكمُ بخَيْرِ الشهدَاءِ" وذَكَرَ الحَدِيثَ، مَعنَى هذا الحَدِيثِ: رَجُل سَمِعَ رَجُلًا يُطلقُ امرَأتَهُ أَو يَعتِقَ عَبْدَهُ، ثُمَّ جَحَدَ الطَّلاَقَ أَو العِتْقَ، فَوَجَبَ على مَنْ سَمِعَهُ يُطَلِّقُ امرَأتَهُ أَو يَعتِقُ عَبْدَهُ أنْ يَأتِي السلْطَانَ فَيَشْةدُ عِنْدَهُ بِمَا سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ، قَبْلِ أَنْ يُسْئَلُ عَنْ تِلْكَ الشَّهَادَةِ، ولَيْسَ هذا الحَدِيثُ في كُلِّ الشَّهَادَاتِ، وأَمَا مَنْ كَانتْ عِنْدَهُ شهادة في حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ فَدُعِيَ إلى أَدَائِها فَوَاجَبٌ عَلَيْهِ أَدَاؤُها، إذ في كِتْمَانِها قَطْعُ حَقٍّ، وعَوْن على ظُلْمٍ.

стр. 479

* قولُ عُمَرَ: (واللهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُل في الإسلَامِ بغَيْرِ العدلِ)، يَعنِي: لا يُقْضَى بِشَهادَةِ غَيْرِ العَدْلِ على أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. قالَ أَبو محمد: افْتُتِحَ العِرَاقُ في أَيَّامِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وكَانَ النَّاسُ بِها أَخْلاَطاً مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، فَكَانَ مِنْهُم مَنْ يَتَرَخَّصُ في شَهادَاتِ الزُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَنَعَ مِنْ قَبُولِ شَهادَةِ غَيْرِ العَدْلِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا رِضَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. قالَ أَبو عُمَرَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّبَاً عَلَيْهِ الكَذِبُ، ولَم يُظْهِرِ الكَبَائِرَ، وكَانَ الخَيْرُ عَلَيْهِ غَالِبا جَازَتْ شَهادَتُهُ وتَعدِيلُهُ. وقالَ قَوْمٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا شَهادَةُ مَنْ فَعَلَ كُلَّ مَا أُمِرَ بهِ، وانتهى عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ. قالَ أَبو عُمَرَ: وهذه قَوْلَةٌ شَدِيدَةٌ، والأَوَّلُ أحسَنُ. قالَ أَبو المُطَرّفِ: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: (لَا تَجُوزُ شَهادَةُ خَصمٍ ولَا ظَنِينٍ)، يَعنِي (بالخَصمِ): الذي يُخَاصِمُ الرَجُلَ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَا تَجُوزُ شَهادَتُهُ عَلَيْهِ، و (الظَّنِينُ): هُوَ المُتَّهمُ الذي لَا يُؤْمَنُ بِتِلْكَ الشَّهادَةِ، كَالأَبِ لابْنِهِ، أَو الزَّوْجَيْنِ أَحَدُهُمَا للأَخِرِ، وتَجُوزُ شَهادَةُ الأَخِ العَدْلِ لأَخِيهِ، إلَّا في الوَلَاءِ، لأَنَّهُ يَجُرُّ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا تَابَ المَحدُودُ قُبلَتْ شَهادَتُهُ، لِقَوْلهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] فَوَجَبَ بِهذا النَّصّ أَنْ تُقْبَلَ شَهادَةُ المحدُودِ إذا تَابَ وأَصلَحَ، فإذا قَبِلَ اللهُ تَوْبَةَ عَبْدِه كَانَ العِبَادُ بالقَبُولِ أَحَقَّ وأَوْلَى، ولَم يَخْتِلفْ أَحَدٌ فِي أَنَ الزانِيَ إذا تَابَ قُبلَتْ شَهَدَادَتُهُ، فَرَامِيهِ بالزِّنَا أَيْسَرُ جُرْمَاً مِنْهُ إذا نزعَ عَنْ ذَلِكَ، وتَابَ، وصَلُحَتْ حًالتهُ. سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ معنَى قَوْلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ لأَبي بَكْرَةَ:

стр. 480

(تُبْ تُقْبَلُ شَهادَتُكَ) (١)، أَيْ: كَذِّبْ نَفْسَكَ فِيمَا شَهِدتَ بهِ على المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ، وكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهادَتُكَ في غَيْرِ ذَلِكَ. فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: لَسْتُ أَعرِفُ مَا مَغنَى هذا القَوْلِ، لأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَبو بَكْرَةَ فِيمَا شَهِدَ بهِ على المُغِيرَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَادِقَاً أَو كَاذِباً، فإنْ كَانَ كَاذِباً فَقَد ازتَفِعَ عَنْهُ الكَذِبُ بِتَوْبتهِ وصَلاَحِ حَالِهِ، وإنْ كَانَ فِيمَا شَهِدَ بهِ عَلَيْهِ صَادِقَاً، فَلَا مَعنى لِمَنْ شَهِدَ بِحَق فَحُدَّ بِسَبَبِ شَهادَتِهِ، ثُمَّ ازْدَادَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْراً وصَلاَحا أنْ يُقَالَ لَهُ بَعدَ ذَلِكَ: كَذبْ نَفْسَكَ الآنَ، وكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهادَتُكُ، فَيَكُونُ قَدْ صُرِفَ مِنْ حَالَةِ الصَّلاَحِ إلى حَالَةِ الفِسْقِ الذي لا تَجُوزُ شَهادَةُ صَاحِبهِ، واللهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا أَرَادَهُ عُمَرُ في هذا إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ. قالَ عِيسَى: تُقْبَلُ شَهادَةُ المحدُودِ إذا ظَهرتْ تَوْبَتُهُ، وصَلُحَتْ حَالُهُ، ولَا يُسْئَلُ أَمُقِيمٌ هُو على مَا شَهِدَ بهِ أَم نَازِعٌ عَنْهُ. وقالَ قَوْمٌ: تُقْبَلُ شَهدادَتُهُ إلَّا في مِثْلِ الشَّيءِ الذي حُدَّ فِيهِ، لأَنَّهُ يُتَّهَمُ في أَنْ يُحِب أَنْ يَجِدَ لِنَفْسِهِ شَبيها فِي مِثْلِ مَا فَعَلَهُ هُوَ أَوَّلاً، وُيذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَالَ: (وَدَّتِ الزَّانِيَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُلُّهُنَّ زَوَانِي) (٢)، والقَوْلُ الأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ ابنِ القَاسِمِ. * * *

стр. 481

باب القَضَاءِ في اليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَرسَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ (القَضَاءِ باليَمِنِ مَعَ الشَّاهِدِ)، وأَسْنَدَهُ غَيْرُهُ عَنْ جَعفَرِ بنِ مُحَمَّد، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النبيِّ ﷺ (١). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ مُرسَلٌ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، والقَضَاءُ باليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَفرٌ ثَابِتٌ بالمَدِينَةِ، الفُتْيَا عِنْدَهُمْ، والدَّلِيلُ على صَحَّتِهِ قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فَلَمَّا كَانَ القَوْلُ قَوْلَ المُرتَهِنُ فِيمَا يَدعِيهِ في الرَّهْنِ الذي يَشْهدُ لَهُ ويَحْلِفُ مَعَ ذَلِكَ ويَقْتَضِي، وَجَبَ أَن يَكُونَ القَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الدَّيْنِ مَعَ شَاهِدِه فِيمَا يَدَّعِيهِ ويَخلِفُ ويَقتضَى حَقُّهُ، وذَلِكَ في الأَموَالِ خَاصَّةً. * قالَ مالك: ولَا يُقْضَى بِذَلِكَ في طَلاَقٍ ولَا عِتْقٍ. * قالَ: وإذا ادَّعَا العَبْدُ أَنَّ سَيَّدَهُ أَعتَقَهُ وشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ حَلَفَ السَّيِّدُ أَنَّهُ مَا أَغتَقَهُ وسَقَطَتْ دَعوَى العَبْدِ، وكَذَلِكَ إذا ادَّعَتِ المَرأةُ أَنَّ زَوْجها طَلَّقَها، فَشَهِدَ لَها بِذَلِكَ شَاهِدٌ، حَلَفَ الزَّوْجُ أنَّهُ مَا طَلَّقَها، وسَقَطَتْ دَعوَى المَرأةِ، غَيْرَ أَنَّها لَا تَتَزينُ لَهُ، ولا يَطَأَها إلَّا وَهِيَ كَارِهةٌ لِذَلِكَ، فإنْ أَبَى سَيِّدُ العَبْدِ عَنِ اليَمِينِ أَنَّهُ مَا أعتَقَهُ، سَجَنَهُ السُّلْطَانُ حتَّى يَحلِفَ.

стр. 482

وقِيلَ أَيْضَاً: إنَّهُ إذا أَبَى عَنِ اليَمِينِ أَنَّهُ مَا طَلَّقَهَا سَجَنَهُ السُّلْطَانُ سَنَةً، فَإن انْقَضَتِ السَّنَةُ ولَمْ يَحْلِفْ، خَلَّى بَيْنَهُ وبَيْنَها. وقالَ ابنُ نَافِعٍ: إنْ أَبَى الزَّوْجُ مِنَ اليَمِين وأَضَرَّ ذَلِكَ بالمَرْأَةِ بِسَببِ طُولِ سَجْنِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بحُكْمِ المُولي، فَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ كَمَا يُطَلِّقُ على المُولي بَعدَ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ طَلْقَةً يُمَلكُ بِهَا أَمرَ نَفْسِهَا. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إذا شَهِدَ رَجُلٌ وامرَأتَانِ أَنَ لِفُلَانٍ على فُلاَنٍ مَالاً فَلَم يُوجَدْ للمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَال يُؤَدِّي مِنْهُ مَا شُهِدَ بهِ عَلَيْهِ، إلَّا عَبْداً أَعْتَقَهُ، فإنَّ عِتْقَهُ يُنْقَضُ، ولَم نُعمِلْ شَهادَة للمَرْأَتَيْنِ ههُنَا في المَعتِقِ، وإنَّمَا عُمِلتْ في مَالٍ، ثُمَّ وَجَبَ على الحَكَم أَنْ يَجْمَعَ على صَاحِبِ ذَلِكَ المَالِ مَالَهُ، فَلَمِ يَجِدْ مِنْ حَيْثُ يَجْمَعُهُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ نَقْضِ العِتْقِ الذي أَحدَثَهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بالمَالِ فنَقَضَهُ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: لَمْ يَثْبُتْ مالك على القَوْلَةِ التي رُويتْ عَنْهُ في المُوطأ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَاً لَهُ ثُمَّ أتَى رَجُل فَادَّعَى على المُعتِقِ مَالاً، وأثبَتَ الخُلْطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المدَعَى عَلَيْةِ في المُوطَّأ بعدَ هذا، فَيُقَالُ لِسَيِّدِ العَبْدِ: اخلِفْ مَا عَلَيْكَ مَا ادَعَى، فإنْ نَكَلَ فَقَالَ: يَخلِفُ صَاحِبُ الحَق، وتُرَدُّ بِذَلِكَ عِتَاقَةُ العَبْدِ، فَلَم يَثْبُتْ مالك على هذِه القَوْلَةِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَا تُرَدُّ عِتَاقَةُ هذا العَبْدِ بِسَببِ نُكُولِ سَيِّدِه عَنِ اليَمِينِ التي لَزِمَتْهُ في الدّعوَى التي ادُّعِيتْ عَلَيْهِ، لأَنَه يُتَّهَمُ في بَعضِ العِتْقِ، وقَد ثَبَتَ العِتْقُ، فَلَا يُرَدُّ بِنُكُولِ السَّيِّدِ عَنِ اليَمِينِ في هذِه المَسْأَلةِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ نَكَحَ أَمَة فَأَتَى سَيِّدُها بِرَجُلٍ وامرَأَتَيْنِ فَشَهِدُوا أَنَّ الذي ادَّعَى على زَوْجَتِهِ كَانَ قَد اشْتَرَاها مَعَ غَيْرِهِ مِنَ القَائِمِ فِيهَا بِكَذَا وكَذَا دِينَارَاً، فإنَ الحَقَّ يَثْبُتُ على المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وتَحرُمُ الأَمَةُ على الروْجِ، وَيكُونُ فِرَاقَا بَيْنَهُمَا. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا حُرَمَتِ الأَمَةُ في هذه المَسْأَلَةِ على زَوْجِها بِثَبَاتِ الشَّهادَةِ

стр. 483

أَنَّ للزَّوْجِ فِيهَا شَرِيكَاً، وَلَو لَمْ يَكُنْ لَهُ أيضًا فِيهَا شَرِيكَاً مَا جَازَ لَهُ وَطْئُها، لأَنَّهُ يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَمَةً، وإنَّمَا ادَّعَاهَا زَوْجَةً فَأَكْذَبَتْهُ البيِّنَةُ، ولَمْ تُعْمَلْ أيضًا شَهَادَةُ المَرْأَتَيْنِ هَهُنَا في الطَّلَاقِ، وإنَّمَا عُمِلَتْ فِي رَجُلَيْنِ [اشْتَرَيَا] (١) مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً بِثَمَنٍ إلى أَجَلٍ ثُمَّ ادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا زَوْجَة، فَلَمَّا أَكْذَبتْهُ البيِّنَةُ وَجَبَ على الحَكَمِ فُسْخُ النكِّاحِ الذي ادَّعَاهُ المُدَّعِي، وأنْ يُجْمَعَ ثَمَنُ الجَارِيَةِ على بَائِعِهَا الذي شُهِدَ لَهُ بِثَمَنِهَا رَجُلٌ وامْرَأتانِ، وشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ في الطَّلاَقِ كَمَا لا تَجُوزُ في العِتْقِ، وإنَّمَا تَجُوزُ في الأَمْوَالِ وفِيمَا يَحْضَرْنَ فِيهِ مِنَ الوَلاَدَةِ، وعِيُوبِ النِّسَاءِ التي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ. قالَ أَبو مُحَمّدٍ: وكَذَلِكَ مَسْأَلةُ المَرْأتيْنِ اللَّتيْنِ شَهِدَتَا مَعَ الرَّجُل أَنَّ الذي افْتَرَى عَلَيْهِ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، فَيَسْقُطُ بِذَلِكَ الحَدُّ عَنِ المُفْتَرِي، فإنَّمَا يَسْقُط ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ أنَّ شَهَادَةَ المَرْأتيْنِ هَهُنَا إنَّمَا هِي في مَالٍ، وذَلِكَ أَنَّ العَبْدَ مَالٌ مِنَ الأَمْوَالِ، ثُمَّ وَجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقْضِي الحَكَمُ في قُصَّةٍ أُخْرَى بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدٍ، افْتَرَى الحُرُّ على العَبْدِ فَلَمْ يُلْزَمِ الحُرُّ في ذَلِكَ حَدًّا، إذ لَا يُحَدُّ الحُرُّ في افْتِرَائِهِ، وشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ في الفِرْيَةِ، ولَا في الحُدُودِ. قالَ مَالِكٌ: ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَكُونُ اليَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ، ويُحْتَجُّ بقَوْلهِ ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قالَ: فإذَا لَمْ يَأْتِ المُدَّعِي بِمِثْلِ هَذِه البينَةِ، أَو يَأْتِي بِشَاهِدَيْنِ فَلَا شَيءَ لَهُ، ولَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ. * قالَ مَالِكٌ: فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ هَذا: أَرَأَيْتَ لَو أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى على رَجُلٍ مَالًا أليْسَ يَحْلِفُ المَطْلُوبُ وتَسْقُطُ عَنْهُ الدَّعْوَى، فإنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أليْسَ يَحْلِفُ الطَّالِبُ، ويَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَدَّعِيهِ، فَهَذا مَا لَا خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ أَقَرَّ

стр. 484

بِهَذا لَزِمَهُ أَنْ يُقِرَّ باليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الذي ثَبَتَتِ بهِ السُّنَّةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَصًّا في القُرْآنِ، كَمَا صَارَتْ هَذِه المَسْأَلةُ المُتَقَدِّمَةُ مُجْتَمِعًا عَلَيْهَا، ولَيْسَتْ مَنْصُوصَةً في القُرْآنِ [٢٦٨٢]. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: والسُّنَنُ الثَّابِتَةُ مُفَسِّرَةٌ للقُرْآنِ، وإنَّمَا احْتَجَّ مَالِكٌ لِهَذِه المَسْأَلةِ في المُوَطَّأ، لِقُوَّةِ الإخْتِلاَفِ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الأَمْصَارِ.

стр. 485

القَضَاءُ فِيمَنْ هَلَكَ وعَلَيْهِ دَيْنٌ ولَهُ دَيْنٌ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ * وَقَعَ في مُوطَّأ ابنِ بُكَيْرٍ، قالَ مَالِكٌ: فِي رَجُلٍ يَهْلَكُ ولَهُ دَيْنٌ وعَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ للنَّاسِ فَيَأْبَى وَرَثتهُ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ شَاهِدِهِم، فإنَّ الغُرَمَاءَ يَحْلِفُونَ ويَأْخُذُونَ حُقُوقَهُم (١)، فَوَقَعَتْ في هَذه الرِّوَايةِ اليَمِينُ على الغُرَمَاءِ مَعَ شَاهِدِ المَيِّتِ لَهُ بالدَّيْنِ الذي توفي، وَهُو قبْلَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ بهِ، ولَمْ تَقَعْ على الغُرَمَاءِ يَمِينٌ في دَعْوَاهَمُ أَوَّلًا على المَيِّتِ، وهَذا الفُتْيَا مُوَافِقٌ لِتَرْجَمَةِ يَحْيىَ بنِ يَحْيىَ في المَوْطَأ [٢٦٨٣]، وأَمَّا على حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ يَحْيىَ في نَفْسِ المَسْأَلةِ، فإنَّهُ يَلْزَمُ الغُرَماءُ أَوَّلًا أَنْ يَحْلِفُوا على دَيْنهِم مَعَ شَاهِدِهم، ثُمَّ يَحْلِفُونَ أيضًا مَعَ الشَّاهِدِ الذي شُهِدَ على حَق المَيِّتِ، فَجَوَابُ رِوَايةِ يحيي بنِ يحيي في هَذِه المَسْأَلةِ هُوَ جَوَابُ رِوَايةِ ابنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إذا بَقِيتْ فَضْلَةٌ بعدَ أَنْ أَخَذَ غُرَمَاءُ المَيِّتِ حُقُوقَهُم، ولَمْ يَثْبُتْ عُذْرٌ للَوَرثَةِ في [إبَائِهِم] (٢) عَنِ اليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ على دَيْن [مُوَرِّثهِم] (٣) فَرُدَّتْ فَضْلَةُ المَالِ على الذي أُخِذَ مِنْهُ المَالُ، وأَرَادَ الوَرَثَةُ أَنْ يُحَلِّفُوهُ على أَنَّهُ لمْ يَكُنْ للَمَيِّتِ عِنْدَهُ مَالٌ للوَرَثةِ، فإنْ أَبى أَنْ يَحْلِفَ على ذَلِكَ رُدَّتْ فَضْلَةُ المَالِ إلى وَرَثةِ المَيِّتِ، لأَنَّ إبَائِهِ عَنِ اليَمِينِ في ذَلِكَ كالشَّاهِدِ يَشْهَدُ لَهُم. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَجْمَعَ الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ على أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَنِ

стр. 486

أُدَّعِيَ عَلَيْهِ بِدَعْوَى إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الخِلْطَةِ بَيْنَ المُدَّعِي والمُدَّعَى عَلَيْهِ. وقالَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ: (تَحْدُثُ للنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الفُجُورِ) (١)، يُرِيدُ بِهَذا القَوْلِ: أنه مَنْ لَا يَتَق اللهَ يَأتِي إلى أَهْلِ التَّهَاوِنِ، فَيَدَّعِي قِبَلِهِم حُقُوقَاً طَمَعًا مِنْهُ أنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ اليَمِينُ، فَيَحْلِفُ ويَأْخُذُ، أَو يَفْتَدِي مِنْهُ المَطْلُوبُ، فأَحْدَثَ لَهُم أَنْ يُثْبتُوا الخِلْطَةَ، فإذا أَثْبَتُوهَا وَجَبْتِ اليَمِينُ على المُدَّعَى عَلَيْهِ، ولَهُ صَرْفُهَا على المُدَّعِي. قالَ ابنُ القَاسِمِ: الخِلْطَةُ تثبَتُ بالبَيع والشَّرَاءِ والسَّلَفِ بعدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِرَارًا، وتَسْقُطُ الخِلْطَةُ في الصُّنَّاعِ، والمُتَهَمِ، والمُقِرِّ بِدَيْني عِنْدَ المَوْتِ. * * *

стр. 487

بابٌ في شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ، واليَمِينِ على المِنْبَرِ، والرَّهَنِ، والكِرَاءِ قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: أَجَازَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ مُعَاوِيةُ بنُ أَبي سُفْيَانَ، وعَبْدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ، وعَطَاءٌ، والحَسَنُ، والنَّخَعَيُّ، وجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ. وسُئِلَ عَنْهَا ابنُ عبَّاسٍ، فقالَ: قالَ اللهُ : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقالَ ابنُ أَبي مُلَيْكَةَ: فَمَا رَأَيْتُ القُضَاةَ أَخَذُوا فِيهَا إلَّا بِقَوْلِ ابنِ الزُّبَيْرِ (١)، فإنَّمَا جَازَتْ شَهَادَتُهُم لِحَالِ الضَّرُورَةِ، كَشَهَادةِ النِّسَاءِ في الإسْتِهْلاَلِ، وفي أُمُورِ النِّسَاءِ، وقَدْ جَعَلَ النبيُّ ﷺ العِفَاص، والوِكَاءَ دَلِيلًا على اللُّقَطَةِ، فَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ أُجِيزَتْ لِحَالِ الضَّرُورَةِ، ولِعَدَمِ مَنْ يَحْضُرُهمْ مِنَ الرِّجَالِ، إذا انْفَرَدُوا بأَنْفُسِهِم لا يَحْضُرُهمْ فِيهَا الرِّجَالُ، وإنَّمَا أُجِيزَتْ شَهادَتُهُم لِحَفْظِ الدِّمَاءِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: فإذا شَهِدَ صَبِيَّانِ على صَبِيٍّ أَنَّهُ جَرَحَ صَبِيًّا، أو قَتَلَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، ولَا تُبَالِي كَانَ الشَّاهِدَانِ مَعَ الجَارِحِ والمَجْرُوحِ في جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، أو كَانُوا في جَمَاعَةٍ أُخْرَى، ولا تَجُوزُ شَهَادَتُهُم لِصَغِيرٍ على كَبِيرٍ، أَو لِكَبِيرٍ على صَغِيرٍ، وإنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَهُم، خَاصَّةً إذا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا، أو يُتَخَبَّبُوا (٢)، ويَشْهَدُ على شَهَادَتِهِم العُدُولُ.

стр. 488

* حَدِيثُ أَبي أُمَامَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بيَمِينِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ" [٢٦٩٣]، قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يُقَالُ في هَذا الحَدِيثِ أَنَّ أبا أُمَامَةَ الذي رَوَاهُ عَنِ النبيِّ ﷺ لَيْسَ هُوَ [أَبو] (١) أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، وإنَّمَا هُوَ [أَبَو] (٢) أُمَامَةَ الحَارِثيُّ مِنْ بَنِي النَّجّارِ، ولَمْ يَصِحّ لأَبي أُمَامَةَ الحَارِثيِّ سِمَاع مِنَ النبيِّ ﷺ . وطَرِيقُ هَذا الحَدِيثِ طَرِيقُ الوَعِيدِ، ولَا تُحَرَّمُ الجَنَّةُ ويُخَلَّدُ في النَّارِ إلَّا أَهْلُ الكُفْرِ، وقَدْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمينَ بَعْدَ أَنِ احْتَرَقُوا فِيهَا، فَيْدْخَلُونَ الجَنَّةَ، لا خِلاَفَ بينَ أَهْلِ السُّنَّةِ في هَذَا. ورُوِيَ عَنْ أَبي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ حَدِيثٍ ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ فِيهِ مَعْنَى الوَعِيدِ فَهُوَ كَمَا قالَ، ولَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ على التَّرْهِيبِ والتَّغْلِيظِ، لأَنَّ في ذَلِكَ إبْطَالٌ للَمَوَارِثةِ، وإشَارَةٌ إلى خُلْفِ الوَعْدِ الذي وَعَدَ اللهُ بهِ المُؤْمِنِينَ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، لأَنَّ الله هُوَ الصَّادِقُ فِي قَوْلهِ، وكَذَلِكَ رَسُولُهُ ﵇ صَادِقٌ في قَوْلهِ. وفِيهِ تَطَرَّقٌ للإرْجَاءِ في مَذْهَبِهِم: الإيمَانُ قَوْلٌ. ومَنْ دَخَلَ النَّارُ خَرَجَ مِنْهَا بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ، ولَا يُخَلَّدُ مُوَحِّدٌ في النَّارِ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبي [عُبَيْدٍ] (٣) لَا لَفْظُهُ بِنَفْسِهِ. * واليَمِينُ في المِنْبَرِ على الحُقُوقِ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ، ولِذَلِكَ قَضَى به مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ على زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ فَلَمْ يُنْكِرْهُ زَيْدٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ زَيْدٍ مَعْرُوفًا لأَنْكَرَهُ على مَرْوَانَ [٢٦٩٥]. قالَ مَالِكٌ: ولَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِ النبيِّ ﷺ إلَّا في رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا،

стр. 489

وفِي جَوَامِعِ الأَمْصَارِ يَحْلِفُ فِيهَا فِي رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا، ومَا نَقَصَ مَنْ رُبع دِينَارٍ حَلَفَ مَن وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِين في غَيْرِ الجَامعِ [٢٦٩٦]. * حَدِيثُ "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" [٢٦٩٨] حديثٌ مُرْسَلٌ، ولَا يُسْنَدُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: يُقَالُ: غَلَقَ الرَّهْنُ إذا لَمْ يُفَكَّ (١). قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ الرَّاهِنِ للمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إلى أَجَلِ كَذَا وكَذَا، وإلَّا فالرَّهْنُ لَكَ، هُوَ مِنْ أَكْلِ المَالِ بالبَاطِلِ، وذَلِكَ أَنَّ المُرْتَهِنَ لَا يَدْرِي هَلْ يَصِحُّ لهُ الرَّهْنُ أَو الثَّمَنُ الذي رَهَنَهُ بهِ صَاحِبُهُ، فَهَذا مِنَ الغَرَرِ، وأَكْلِ المَالِ بالبَاطِلِ الذي لَا يَحِلُّ، فإذا وَقَعَ مِثْلُ هَذا وقَبَضَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لِنَفْسِهِ ثم عَثَرَ على ذَلِكَ صَرَفَهُ إلى رَبِّهِ الذي رَهَنَهُ إيَّاهُ، وقَدْ دَفَعَ إليه رَبُّهُ مَا رَهَنَهُ بهِ، فإنْ فَاتَ عِنْدَ المُرْتَهِنُ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ، ولَهُ مَا رَهَنَهُ بهِ صَاحِبُهُ، يَرْجِعُ بِذَلِكَ على الرَّاهِنِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا ارْتَهَنَ رَجُلٌ أُصُولَ نَخْل وقَدْ عَلِمَ أَنَّها تُثْمِرُ في كُلِّ عَامٍ، فَمَتَى لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ رَهْنا عِنْدَهُ مِنَ الأصُولِ لَمْ تَدْخلِ الثَّمَرَةُ في الرَّهْنِ وَهِي للرَّاهِنِ، وقَدْ يَجُوزُ أيضًا أنْ تُرْهَنُ الثَّمَرَةُ وَهِيَ قَائِمَةٌ في رُؤُوسِ النَّخْلِ دُوَنَ الأُصُولِ إذا قَبَضَ المُرْتَهِنُ الأُصُولَ مَعَ الثَّمَرَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ رَهْنًا مَحُوزًا، وجَنِينُ الأَمَةِ بِخِلاَفِ ذَلِكَ، لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، لأَنَّهُ لا يُسْتَطَاعُ على قَبْضِهِ، ولَا يُدْرَى صِفَتُهُ، وكَيْفَ هُوَ، وإنَّمَا يَكُونُ رَهْنًا كُلُّ مَا يُرَى ويُحَازُ ويُقْبَضُ، قالَ اللهُ : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فَمَتَى لَمْ يَقْبِص الرَّهْنُ، ويُحَازُ على الرَّاهِنِ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ. قالَ [أَبو] (٢) المُطَرِّفِ: إنَّمَا أَمَرَ اللهُ بالرَّهْنِ عِنْدَ البَيْع والسَّلَفِ على

стр. 490

سَبيلِ التَّوَثُقِ، وحِفْظِ الأَمْوَالِ، كَمَا أَمَرَ بالإشْهَادِ عِنْدَ البَيْع والسَّلَفِ لِتحْفَظَ بِذَلِكَ أَمْوَالُ البَاعَةِ، وأَرْبَابُ السَّلَفِ، ولِيَحْفِظ الذي عَلَيْهِ المَالُ دَيْنَهُ، لأَنَّهُ إذا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ: بيِّنَةٌ بالحَقِّ، أَو لَهُ رَهْنٌ بهِ لَمْ يُجْحَدْ مَا عَلَيْهِ مِنَ المَالِ. إنَّمَا صَارَتْ مُصِيبَةُ الرَّهْنِ إذا ظَهَرَ هَلاَكُهُ مِنَ الرَّاهِنِ مِنْ أَجْلِ أَنْ المُرْتَهِنَ لَمْ يَقْبضْهُ عِوَضًا مِنَ الثمَنِ الذي رَهَنَ بِهِ، وإنَّمَا قَبَضَهُ على سَبيلِ التَّوَثّقِ مِنْ حَقِّه الذَي على الرَّاهِنِ، وأما إذا لَمْ يَظْهَرْ هَلاَكُهُ إلَّا بِقَوْلهِ فالَضَّمَانُ حِينَئِذٍ على المُرْتَهِنِ، لأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، وإذا لَمْ يَقْبِضْهُ على وَجْهِ الأَمَانَةِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانهُ. إنَّماُ بُدِّئ المُرْتَهِنُ عِنْد اخْتِلاَفِهِ مَعَ الرَّاهنُ في صِفَةِ الرَّهْنِ مِنْ (١) أَجْلِ قُرْبِ عَقْدِهِ بالرَّهْنِ، وصَارَ الرَّهْنُ إذا حَضَرَ شَاهِدًا للمُرْتَهِنِ بِمَا يُقَابِلُ الرَّهْنَ مِنَ الثمَنِ، فَلِذَلِكَ يَسْتَحِق مِنْ دَعْوَاهُ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ مَعَ يَمِينهِ، ومَا زَادَ على ذَلِكَ فَهُوَ مُدَّع فِيهِ، فَلِذَلِكَ لا يُصَدَّقُ في دَعْوَاهُ، ويَحْلِفُ الرَّاهن حِينَئِذٍ على تِلْكَ الزِّيَادَةِ التي يَدَّعِيهَا المُرْتَهِنُ على قِيمَةِ الرَّهْنِ، لأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، وكُلّ مُدَّعَى عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ اليَمِينُ فِيمَا أدُّعِي بهِ عَلَيْهِ، ولَهُ صَرْفُهَا على المُدَّعِي، فإنْ لَمْ يَحْلِفْهَا بَطُلَ مَا يَدَّعِيهِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ (٢): مَسْأَلةُ اخْتِلاَفِ الرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ في صِفَةِ الرَّهْنِ، ومَا رَهَنَ بِهِ مُفَسَّرَةٌ في المُوَطَّأ، فَلِذَلِكَ لَمْ أَذْكُرْهَا هَهُنَا [٢٧١١]. قَوْلُهُ فِي مُكْتَرِي الدَّابَّةِ يَتَعَدَّى بِهَا حِينَ يَبْلُغُ بِهَا البَلْدَ الذي تَكَارَى إليهِ أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الكِرَاءِ [٢٧١٥]، إنَّمَا يَلْزَمُة نِصْفُ الكِرَاءِ إذا كَانَ سُوْمُ السَّيْرِ والإنصِرَافِ وَاحِدًا، وأَمَّا إذا اخْتَلَفَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةُ مَا رَكِبَ، يُقْصَرُ حِينَئِذٍ جَمِيع الكِرَاءِ على السَّيْرِ والإنْصِرَافِ، فَمَا وَقَعَ للسَّيْرِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ على الرَّاكِبِ مَعَ ضَمَانِهِ لِقِيمَةِ الدَّابَّةِ، [وإن] (٣) اخْتَارَ ذَلِكَ صَاحِبُهَا، وإنَّمَا يَضْمَنُهَا مُكتَرِيهَا

стр. 491

لِصَاحِبِها لِتَعَدَّيهِ عَلَيْهِ فِيهَا، [ومَنْعِهِ] (١) إيَّاهُ مِنْ مَنَافِعِهَا، وحَبْسِهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا، فَصَارَ بِهَذا مُتَعَدِّيَا على صَاحِبِها، [فَلِذَلِكَ أُلزِمَ ضَمَانُها له إنْ أَرَادَ ذَلِكَ صَاحِبُهَا] (٢)، وإنْ أَرَادَ أَخْذَ كِرَاءَ مَا رَكِبهَا فِيهِ وَقْتَ تَعَدِّيهِ بِهَا كَانَ ذَلِكَ أيضًا لِصَاحِبِهَا. * * *

стр. 492

بابُ القَضَاءِ في المسْتَكْرَهَةِ، إلى آخِرِ بَابِ أحْكَامِ المُرْتَدِّ * إنَّمَا قَضَى عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَرْوَانَ للمُغْتَصَبةِ بِصُدَاقِهَا على مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا [٢٧١٩] لأَنَّهُ تَلَذِّذَ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا، وعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ حَدُّ الزِّنَا، وهَذا إذا ثَبَتَ الغَصْبُ، وكَانَ المُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ الظِّنَّةُ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ (١): قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَن اسْتَهْلَكَ حَيَوانًا أَو عُرُضًا أَنَّهُ يُغْرَمُ [لِصَاحِبهَا] (٢) قِيمَةُ مَا اسْتُهْلِكَتْ لَهُ وَهُو أَعْدَلُ [٢٧٢٢]، يُرِيدُ: أَنَّ القِيمَةَ في ذَلِكَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُغْرَمَ مِثْلُ مَا اسْتَهْلَكَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ على المُسْتَهْلِكِ مِثْلُ الشَّيءِ الذي اسْتَهْلَكَهُ، كَمَا ضَمِنَ النبيُّ ﷺ عَائِشَةَ الصَّحْفَةَ التي كَسَرتْهَا لأُمِّ سَلَمَةَ. وذَلِكَ مَا حَدَّثنا بهِ أَبو عَدِيِّ المُقْرِئُ بِمِصْرَ (٣)، قالَ: حدَّثنا دَاوُدُ بنُ إبْرَاهِيمَ (٤)، قالَ: حدَّثنا عبدُ الأَعْلَى بنُ حَمَّادٍ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبي المُتَوكِّلِ: "أَنَّ أُمَّ سَلَمَةٍ زَوْجَ النبيِّ ﷺ جَاءَتْ في يَوْمِ عَائِشَةَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَوَضَعْتَها بينَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأَصْحَابهِ، فَالْتَحَفَتْ عَائِشَةُ

стр. 493

بِكِسَائِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ فَضَرَبتِ القَصْعَةَ فَكَسَرَتْهَا فِلْقَتَيْنِ، فَجَمَعَ النبيُّ ﷺ الفِلْقَتَيْنِ وجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، ثُمَّ قَالَ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، فَأَكَلُوا الطَّعَامَ، ثُمَّ جَاءَتْ عَائِشَةُ بِصَحْفَتِهَا، وَوَضَعْتَها بينَ يَدَي النبيِّ ﷺ وأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَكَلُوا مَا في صَحْفَةِ عَائِشَةَ بَعَثَ بِهَا إلى أُمِّ سَلَمَةَ، وبَعَثَ بالصَّحْفَةِ المَكْسُورَةِ إلى عَائِشَةَ" (١). قالَ مَالِكٌ: والقِيمَةُ في هَذا في الحَيَوانِ أَعْدَلُ. * حَدِيثُ "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" [٢٧٢٦] مُرْسَلٌ في المُوطَّأ، وحَدَّثنا بهِ أَبو أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ بِمَكَّةَ (٢)، قالَ: حدَّثنا أَبو [الحُسَينِ] مُحَمَّدُ بنُ صَالح (٣)، قالَ: حدَّثنا أَبو [حُمَةَ] (٤)، قالَ: حدَّثنا أَبو قُرَّةَ (٥)، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أيُوبَ السَّخِتْيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه" (٦). وذَكَر الحَدِيثَ مُسْنَدًا، وهَذَا الحَدِيثُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَدَّلَ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ، لَا فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إلى نِصْرَانِيَّةٍ، ولَا مِنْ نَصْرَانِيِّةٍ إلى مَجُوسِيَّةٍ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الإسْلَامِ إلى الكُفْرِ وأَظْهَرَهُ فإنَّهُ يُسْتَتاَبُ، فإنْ تَابَ وإلَّا قُتِلَ، إلَّا

стр. 494

الزِّنْدِيقَ الذي يُظْهِرُ الإسْلاَمَ، ويُسَرُّ الكُفْرَ، وتَشْهَدُ [بِذَلِكَ عَلَيْهِ] (١) البيِّنَةُ، فإنَّهُ يُقْتَلُ ولَا يُسْتَتَابُ، وَيكُونُ مِيرَاثُهُ للمُسْلِمِينَ فَيْئَاً إذا قالَ: إنِّي تَائِبٌ مِمَّا شُهِدَ بهِ عَلَيَّ، وهَذَا قَوْلُ ابنِ نَافِعٍ. وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: بلْ يَكُونُ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ المُسْلِمينَ. وقالَ ابنُ بُكَيْرٍ البَغْدَادِي (٢): قَدْ عَارَضَ مُعَارِضٌ في الزِّنْدِيقِ الذي تَأْسُرُهُ البيِّنَةُ فَيَقُولُ: إنِّي تَائِبٌ، [فَيُقْتَلُ] (٣)، فَقَالَ المُعَارِضُ: هَلْ عِنْدَكُمْ كَافِرٌ أَمْ غَيْرِ كَافِرٍ؟، فإنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا [يَرِثْهُ] (٤) وَرَثتهُ [المُسْلِمُونَ] (٥)، وإنْ كَانَ غَيْرَ كَافِرٍ فَلَا يُقْتَلُ. قالَ ابنُ بُكَيْرٍ: فَيُقَالُ لِمَنْ قالَ هَذا: قَدْ حَكَمَ النبيُّ ﷺ في ابنِ وَلِيدَةِ زُمْعَةَ بأنْ أَلْحَقَهُ بِزُمْعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ أُخْتَهُ سَوْدَةَ بنتَ زُمْعَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ لِمَا [رَأَى] (٦) مِنْ شَبَهِه بِعُتْبَةَ، فَهُوَ لِسَوْدَةَ أَخٌ في النَّسَبِ والمُوَارَثَةِ (٧)، وحُكْمُهُ في الحِجَابِ غَيْرُ حُكْمِ الأَخ، فَكَذَلِكَ الزَّنْدِيقُ حُكْمُهُ حُكْمُ الكَافِرِ في القَتْلِ، وحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِ في المِيرَاثِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفٍ (٨): قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: "هَلْ مِنْ مُغَرِّبةِ خَبَرٍ؟ " [٢٧٢٨]، يَعْنِي: هُلْ كَانَ فِيكُم مِنْ أَمْرٍ غَرِيبٍ لا عَهْدَ لَكُمْ بِمِثْلِهِ.

стр. 495

ثم قالَ في المرْتَدِّ المَقْتُولِ: "هَلَّا استَتبتُمُوهُ (١) ثَلاَثًا، وأَطْعَمْتُمُوهُ كُل يَوْمٍ رَغِيفَاً"، فإنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ ﵁ باستِتَابَةِ المُرْتَدِّ، لأَنَّهُ أَظْهَرَ الكفْرَ وأَعْلَنَ بهِ، وَهُوَ بِخِلاَفِ الزِّنْدِيقِ الذي يَسُرُّ الكُفْرَ وُيظْهِرُ الإسْلاَمَ، فَلِذَلِكَ لَا يُسْتَتَابُ، ولَا تُقْبَلُ تَوْبتُهُ، لأَنَّهُ لا يُدْرَى هَلْ هُوَ صَادِق في تَوْبتهِ أَمْ كَاذِبٌ، وقَدْ قَالَ في أَهْلِ الكُفْرِ المُعلِنِينَ بِكُفرِهِم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، والرِّدْةُ تَحْبطُ جَمِيعَ الأَعْمَالِ، لِقَوْلِ الله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فإذا ارْتَدَّ الرَّجُلُ بَعْدَ إنْ حَجَّ ثُمَّ تَابَ مِن ردَّتِهِ استَأْنَفَ الحَجَّ، وسَقَطَت عَنهُ أَيْمَانه بالعِتْقِ والظِّهَارِ وغَيْرِهَا، غَيرَ أَنَّهُ لا تَسْقُطُ عَنهُ حُقُوقُ النَّاسِ قِبَلَهُ، هِيَ بَاقِيَة عَلَيْهِ حتَّى يُؤَدِّيهَا. وقالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنْ يُطْعَمَ (٢) المُرتَدُّ في أيَّامُ استِتَابَتِهِ كُل يَومٍ رَغِيفَاً لِكَي يَجُوعَ، فَيتمَثَّل بألَمِ الجُوُعِ أَلمُ السَّيْفِ، فَرُبمَا كَان ذَلِكَ سبَبًا لِتَوْبَتِهِ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: بلْ يُطْعَمُ كُل يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الطَّعَامِ في غَيْرِ تَفَكُّهٍ، ويُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ. وقالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ المُرتَدِّ هَلْ لَهُ حَدٌّ يُترَكُ إليهِ؟ فقالَ: إنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ. ثم قالَ مَالِكٌ: لا يَأْتِي مِنَ الإستِظهَارِ الأَخِيرِ، يُرِيدُ: أَنَّهُ يُزَادُ على الثَّلاَثَةِ أيَّامٍ في الإستِتَابَةِ. وذَكَرَ أَبو [مُحمَّدٍ] (٣) في المرُتَدِّ أَنَّهُ يُستَتَابُ نِصْفَ شَهْرٍ.
следующие страницы →