← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لِصَاحِبِها لِتَعَدَّيهِ عَلَيْهِ فِيهَا، [ومَنْعِهِ] (١) إيَّاهُ مِنْ مَنَافِعِهَا، وحَبْسِهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا، فَصَارَ بِهَذا مُتَعَدِّيَا على صَاحِبِها، [فَلِذَلِكَ أُلزِمَ ضَمَانُها له إنْ أَرَادَ ذَلِكَ صَاحِبُهَا] (٢)، وإنْ أَرَادَ أَخْذَ كِرَاءَ مَا رَكِبهَا فِيهِ وَقْتَ تَعَدِّيهِ بِهَا كَانَ ذَلِكَ أيضًا لِصَاحِبِهَا. * * *

стр. 492

بابُ القَضَاءِ في المسْتَكْرَهَةِ، إلى آخِرِ بَابِ أحْكَامِ المُرْتَدِّ * إنَّمَا قَضَى عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَرْوَانَ للمُغْتَصَبةِ بِصُدَاقِهَا على مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا [٢٧١٩] لأَنَّهُ تَلَذِّذَ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا، وعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ حَدُّ الزِّنَا، وهَذا إذا ثَبَتَ الغَصْبُ، وكَانَ المُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ الظِّنَّةُ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ (١): قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَن اسْتَهْلَكَ حَيَوانًا أَو عُرُضًا أَنَّهُ يُغْرَمُ [لِصَاحِبهَا] (٢) قِيمَةُ مَا اسْتُهْلِكَتْ لَهُ وَهُو أَعْدَلُ [٢٧٢٢]، يُرِيدُ: أَنَّ القِيمَةَ في ذَلِكَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُغْرَمَ مِثْلُ مَا اسْتَهْلَكَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ على المُسْتَهْلِكِ مِثْلُ الشَّيءِ الذي اسْتَهْلَكَهُ، كَمَا ضَمِنَ النبيُّ ﷺ عَائِشَةَ الصَّحْفَةَ التي كَسَرتْهَا لأُمِّ سَلَمَةَ. وذَلِكَ مَا حَدَّثنا بهِ أَبو عَدِيِّ المُقْرِئُ بِمِصْرَ (٣)، قالَ: حدَّثنا دَاوُدُ بنُ إبْرَاهِيمَ (٤)، قالَ: حدَّثنا عبدُ الأَعْلَى بنُ حَمَّادٍ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبي المُتَوكِّلِ: "أَنَّ أُمَّ سَلَمَةٍ زَوْجَ النبيِّ ﷺ جَاءَتْ في يَوْمِ عَائِشَةَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَوَضَعْتَها بينَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأَصْحَابهِ، فَالْتَحَفَتْ عَائِشَةُ

стр. 493

بِكِسَائِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ فَضَرَبتِ القَصْعَةَ فَكَسَرَتْهَا فِلْقَتَيْنِ، فَجَمَعَ النبيُّ ﷺ الفِلْقَتَيْنِ وجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، ثُمَّ قَالَ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، فَأَكَلُوا الطَّعَامَ، ثُمَّ جَاءَتْ عَائِشَةُ بِصَحْفَتِهَا، وَوَضَعْتَها بينَ يَدَي النبيِّ ﷺ وأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَكَلُوا مَا في صَحْفَةِ عَائِشَةَ بَعَثَ بِهَا إلى أُمِّ سَلَمَةَ، وبَعَثَ بالصَّحْفَةِ المَكْسُورَةِ إلى عَائِشَةَ" (١). قالَ مَالِكٌ: والقِيمَةُ في هَذا في الحَيَوانِ أَعْدَلُ. * حَدِيثُ "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" [٢٧٢٦] مُرْسَلٌ في المُوطَّأ، وحَدَّثنا بهِ أَبو أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ بِمَكَّةَ (٢)، قالَ: حدَّثنا أَبو [الحُسَينِ] مُحَمَّدُ بنُ صَالح (٣)، قالَ: حدَّثنا أَبو [حُمَةَ] (٤)، قالَ: حدَّثنا أَبو قُرَّةَ (٥)، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أيُوبَ السَّخِتْيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه" (٦). وذَكَر الحَدِيثَ مُسْنَدًا، وهَذَا الحَدِيثُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَدَّلَ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ، لَا فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إلى نِصْرَانِيَّةٍ، ولَا مِنْ نَصْرَانِيِّةٍ إلى مَجُوسِيَّةٍ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الإسْلَامِ إلى الكُفْرِ وأَظْهَرَهُ فإنَّهُ يُسْتَتاَبُ، فإنْ تَابَ وإلَّا قُتِلَ، إلَّا

стр. 494

الزِّنْدِيقَ الذي يُظْهِرُ الإسْلاَمَ، ويُسَرُّ الكُفْرَ، وتَشْهَدُ [بِذَلِكَ عَلَيْهِ] (١) البيِّنَةُ، فإنَّهُ يُقْتَلُ ولَا يُسْتَتَابُ، وَيكُونُ مِيرَاثُهُ للمُسْلِمِينَ فَيْئَاً إذا قالَ: إنِّي تَائِبٌ مِمَّا شُهِدَ بهِ عَلَيَّ، وهَذَا قَوْلُ ابنِ نَافِعٍ. وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: بلْ يَكُونُ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ المُسْلِمينَ. وقالَ ابنُ بُكَيْرٍ البَغْدَادِي (٢): قَدْ عَارَضَ مُعَارِضٌ في الزِّنْدِيقِ الذي تَأْسُرُهُ البيِّنَةُ فَيَقُولُ: إنِّي تَائِبٌ، [فَيُقْتَلُ] (٣)، فَقَالَ المُعَارِضُ: هَلْ عِنْدَكُمْ كَافِرٌ أَمْ غَيْرِ كَافِرٍ؟، فإنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا [يَرِثْهُ] (٤) وَرَثتهُ [المُسْلِمُونَ] (٥)، وإنْ كَانَ غَيْرَ كَافِرٍ فَلَا يُقْتَلُ. قالَ ابنُ بُكَيْرٍ: فَيُقَالُ لِمَنْ قالَ هَذا: قَدْ حَكَمَ النبيُّ ﷺ في ابنِ وَلِيدَةِ زُمْعَةَ بأنْ أَلْحَقَهُ بِزُمْعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ أُخْتَهُ سَوْدَةَ بنتَ زُمْعَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ لِمَا [رَأَى] (٦) مِنْ شَبَهِه بِعُتْبَةَ، فَهُوَ لِسَوْدَةَ أَخٌ في النَّسَبِ والمُوَارَثَةِ (٧)، وحُكْمُهُ في الحِجَابِ غَيْرُ حُكْمِ الأَخ، فَكَذَلِكَ الزَّنْدِيقُ حُكْمُهُ حُكْمُ الكَافِرِ في القَتْلِ، وحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِ في المِيرَاثِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفٍ (٨): قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: "هَلْ مِنْ مُغَرِّبةِ خَبَرٍ؟ " [٢٧٢٨]، يَعْنِي: هُلْ كَانَ فِيكُم مِنْ أَمْرٍ غَرِيبٍ لا عَهْدَ لَكُمْ بِمِثْلِهِ.

стр. 495

ثم قالَ في المرْتَدِّ المَقْتُولِ: "هَلَّا استَتبتُمُوهُ (١) ثَلاَثًا، وأَطْعَمْتُمُوهُ كُل يَوْمٍ رَغِيفَاً"، فإنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ ﵁ باستِتَابَةِ المُرْتَدِّ، لأَنَّهُ أَظْهَرَ الكفْرَ وأَعْلَنَ بهِ، وَهُوَ بِخِلاَفِ الزِّنْدِيقِ الذي يَسُرُّ الكُفْرَ وُيظْهِرُ الإسْلاَمَ، فَلِذَلِكَ لَا يُسْتَتَابُ، ولَا تُقْبَلُ تَوْبتُهُ، لأَنَّهُ لا يُدْرَى هَلْ هُوَ صَادِق في تَوْبتهِ أَمْ كَاذِبٌ، وقَدْ قَالَ في أَهْلِ الكُفْرِ المُعلِنِينَ بِكُفرِهِم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، والرِّدْةُ تَحْبطُ جَمِيعَ الأَعْمَالِ، لِقَوْلِ الله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فإذا ارْتَدَّ الرَّجُلُ بَعْدَ إنْ حَجَّ ثُمَّ تَابَ مِن ردَّتِهِ استَأْنَفَ الحَجَّ، وسَقَطَت عَنهُ أَيْمَانه بالعِتْقِ والظِّهَارِ وغَيْرِهَا، غَيرَ أَنَّهُ لا تَسْقُطُ عَنهُ حُقُوقُ النَّاسِ قِبَلَهُ، هِيَ بَاقِيَة عَلَيْهِ حتَّى يُؤَدِّيهَا. وقالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنْ يُطْعَمَ (٢) المُرتَدُّ في أيَّامُ استِتَابَتِهِ كُل يَومٍ رَغِيفَاً لِكَي يَجُوعَ، فَيتمَثَّل بألَمِ الجُوُعِ أَلمُ السَّيْفِ، فَرُبمَا كَان ذَلِكَ سبَبًا لِتَوْبَتِهِ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: بلْ يُطْعَمُ كُل يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الطَّعَامِ في غَيْرِ تَفَكُّهٍ، ويُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ. وقالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ المُرتَدِّ هَلْ لَهُ حَدٌّ يُترَكُ إليهِ؟ فقالَ: إنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ. ثم قالَ مَالِكٌ: لا يَأْتِي مِنَ الإستِظهَارِ الأَخِيرِ، يُرِيدُ: أَنَّهُ يُزَادُ على الثَّلاَثَةِ أيَّامٍ في الإستِتَابَةِ. وذَكَرَ أَبو [مُحمَّدٍ] (٣) في المرُتَدِّ أَنَّهُ يُستَتَابُ نِصْفَ شَهْرٍ.

стр. 496

وأَفْتَى أَبو عُمَرَ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ شَهْرًا. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وذَهَبَ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أَبي سَلَمَةَ في المُرْتَدّ أَنَّهُ يُقْتَلُ وإنْ تَابَ ورَاجَعَ الإسْلاَمَ، وجَعَلَهُ كَحَدٍّ لَزِمَهُ لا يَزَالَهُ عَنْهُ رُجُوعُهُ إلى الإسْلَامِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". وقالَ سَحْنونُ: لَمْ يَخْتَلفِ الصَّحَابةُ أيَّامَ الرِّدَّةِ في قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ تَابَ مِنْ رِدَّتِهِ، ولَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا تَابَ مِنْهُم ورَاجَعَ الإسْلاَمَ، وكَفَى بِهَذا حُجَّةً على مَنْ قَالَ إنَّهُ يُقْتَلُ المُرْتَدُّ وإنْ تَابَ، واللهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: إذا ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ لَمْ تُقْتَلْ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ في الجِهَادِ (١). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يَرُدُّ قَوْلَ أَبي حَنِيفَةَ هَذَا قَوْلُ النبيِّ ﷺ : (مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)، وهَذا عَامٌّ فِيمَنِ ارْتَدَّ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، ولَيْسَ هُوَ فِيمَنْ غَيَّر دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ بِدِينٍ سِوَاهُ مِنْ دِينِ الكُفْرِ، لأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ ضَلاَلَةٍ إلى ضَلاَلَةٍ.

стр. 497

القَضَاءُ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأةٍ رَجلًا فَقَتَلَها، وحُكْمُ المَنْبُوذِ قالَ أَبو عُبَيْدٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] قال سَعْدٌ (١): "يا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إن رَأَى رَجُل مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَقتَلَهُ فتَقْتُلُونَهُ، وإنْ أَخْبَرَ بِمَا رَأَى جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، أَفَلا يَضْرِبُهُ بالسَّيْفِ؟ فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَفَى بالسَّيْفِ شَا"، أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: كَفَى بالسَّيْفِ شَاهِدًا، ثُمَّ أَمْسَكَ، وقالَ: "لَوْلاَ أَنْ يَتَتَابَعَ فِيهِ الغَيْرَانُ والسَّكْرَانُ"، فأَمْسَكَ عَنِ الجَوَابِ خِيفَةَ أَنْ تُسْتَبَاحَ الدِّمَاءُ بالدَّعَاوَى. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: والتّتابعُ التَّهَافُتُ، وفِعْلُ الشَّيءِ (٢) بَغْيرِ تَثَبُّتٍ (٣). ومَعْنَى هَذا الحَدِيثِ: أَنْ يَأتِي الرَّجُلُ الغَيُورُ فَيَجِدُ في دَارِهِ بَعْضَ مَنْ لَا يَجِبُّ قَتْلَهُ إنْ دَخَلَها، فَيَظُنُّ بهِ ظَنَّ سُوءٍ فَيَقْتُلَهُ، أَو يَأتِي وَهُوَ سَكْرَانُ فَيَقْتُلُ مَنْ لَا يَجِبُّ أَنْ يَقْتُلَهُ، ثُمَّ يَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأتِهِ، فَلَوْلاَ هَذَانِ السَّبَبانِ مَا كَانَ على مَنْ وَجَدَ مَعَ امْرْأتِهِ مَنْ يُزَانِيهَا قَوَدًا إذا قَتَلَهُ، فإذا وَجَدَ مَعَهَا مَنْ يُزَانِيهَا فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أتى بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُم رَأَوا ذَلِكَ مِنْهُ ومِنْهَا كالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ القَوَدُ.

стр. 498

وقالَ ابنُ القَاسِمِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ دِيَةُ البكْرِ في مِثْلِ هَذا القَتْلِ على القَاتِلِ في مَالِهِ لَا على عَاقِلَتِهِ، وذَلِكَ أَنَّ القَاتِلَ قُتِلَ من حَدَّهُ الجَلْدُ لَا القَتْلُ، فَلِذَلِكَ يُؤَدِّي دِيتَهُ إلى أَوْلِيائِهِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ عَلِي بنِ أَبي طَالبٍ: (أَنا أَبو حَسَنٍ إن لَمْ يَأتِ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطِ برُمَّته) [٢٧٣١]، يَعْنِي: إنْ لَمْ يَأتِ القَاتِلُ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُم رَأَوا ذَلِكَ مِنْهَمَا كَالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ وإلَّا قُتِلَ القَاتِلُ، لأَنَّهُ مُتَّهَمٌ في هَذا القَتْلِ، فإذا شَهِدَتْ لَهُ البيِّنَةُ بِرُؤيَةِ الزِّنَا ارْتَفَعَ عَنْهُ القَتْلُ، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ. وقَوْلُهُ لَهُ: (أَنا أَبو حَسَنٍ)، إنَّما قَالَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْجَبَتْهُ فِرَاسَتُهُ في هَذِه المَسْأَلةِ، إذ سُئِلَ عَنْهَا فقالَ: (إنَّ هَذا لشَيءٍ مَا هُوَ بَأَرْضِي)، يُرِيدُ: أَنَّ هَذِه القِصَّةَ لَوْ نَزَلَتْ بأَرْضِي وفِي نَظَرِي لَرُفِعَتْ إليَّ، فَلَمَّا أُخْبِرَ أَنَّها نَزَلَتْ بأَرْضِ الشَّامِ، قالَ: (أَنا أَبو حَسَنِ)، ثُمَّ أَفْتَاهُ فِيهَا بالوَاجِبِ، وهَذَا مِنْ فِرَاسَةِ المُؤْمِنِ. * قالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ للَّذي وَجَدَ المَنْبُوذَ فأتَاهُ بهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: (مَا حَمَلَكَ على أَخْذِ هَذِه النَّسَمَةِ؟ فقالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً) [٢٧٣٣]، قَالَ مَالِكٌ: اتَّهَمَهُ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ أتاهُ لِكَي يَفْرِضَ لَهُ في بَيْتِ المَالِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ عَرِيفُ ذَلِكَ الرَّجُلِ: (يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّهُ رَجُلٌ صَالحٌ)، يَعْنِي: لَا يُخَاطِبُكَ إلَّا بالحَقِّ، صَدَّقَهُ حِينَئِذٍ عُمَرُ في قَوْلهِ، وقَالَ لَهُ: (اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ)، يَعْنِي: هَذا المَنْبُوذُ حُرٌّ لَيْسَ لأَحَدٍ عَلَيْهِ مِلْكٌ. وقَوْلُهُ: (ولَكَ وَلاَؤهُ)، يَعْنِي: أَنْتَ الذي تتَولَّى تَرْبِيَتَهُ، والقِيَامَ بأُمُورِهِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وهَذِه وِلاَيَةُ الإسْلاَمُ لا وِلاَيَةُ العِتْقِ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١). وقَوْلُهُ: (وعَلَينَا نَفَقَتُهُ)، يَعْنِي: يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ. قالَ عِيسَى: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ قَدْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وقَسَّمَ

стр. 499

النَّاسَ أَقْسَامًا، وجَعَلَ على أَهْلِ كُلِّ دِيوَانٍ عَرِيفًا يَنْظُرُ عَلَيْهِم، فَكَانَ الرَّجُلُ الذي وَجَدَ المَنْبُوذَ مِن دِيوَانِ الذي زَكَّاهُ عِنْدَ عُمَرَ لَهُ. وفِي غَيْرِ المُوطَّأ قالَ: (فَزَكَّانِي عَرِيفِي) (١) فالتَّزْكِيَةُ إذا كَانَتْ على غَيْرِ وَجْهِ التَّعْدِيلِ يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الوَاحِدِ، لأَنَّهُ نَقلُ خَبَرٍ، وخَبَرُ الوَاحِدِ مَقبُولٌ، وإذا كَانَت على سَبيلِ التَّعْدِيلِ لَمْ يُقْبَل فِيهَا إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، لأَنَّهَا شَهَادَةٌ، ولَا يُقْطَعُ في شَيءٍ بأقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، وهَذا حُكْمُ التَّجْرِيحِ في نَقْلِ الخَبَرِ، وفي الشَّهَادَةِ بالجُرْحَةِ. * * *

стр. 500

بابٌ في إلحْاقِ الوَلَدِ بأَبِيهِ، وحُكْمِ مِيرَاثِهِ * قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: قالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ الزِّنَا في الجَاهِليةِ ظَاهِرًا، وكُنَّ الزَّوَانِي لَهُنَّ رَايَاتٍ يَنْصِبْنَهَا في دُورِهِنَّ، فَمَنْ أَرَادَ الزَّانِيَةَ أتاهَا فَزَنَى بِهَا، فَيَأْتِيهَا هَذا، وَيأْتِيهَا هَذا، فإذا وَلَدَتِ الزَّانِيَةُ وَلَدًا ألصَقَتْهُ بِمَنْ شَاءَتْ مِنْ أُولَئِكَ الذينَ زَنَوا بِهَا، فَنَسَبتْ إليهِ وَيكُونُ ابْنَهُ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلاَمُ قالَ النبيُّ ﷺ : "مَنْ عَاهَرَ بامْرَأةٍ لَا يَمْلِكَها، أَو بِحُرَّة لَا يَمْلِكَهَا فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنَا، لَا يَرِثُ ولَا يُورَثُ" (١)، وصَارَ الوَلَدُ لِصَاحِبِ الفِرَاشِ إذا ادَّعَاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : "الوَلَدُ للفِرَاشِ وللَعَاهِرِ الحَجَرُ" [٢٧٣٦]، أَي: لَا شَيءَ للزَّانِي في الوَلَدِ إذا ادَّعَاهُ صَاحِبُ الفِرَاشِ، وَهُوَ السَّيِّدُ، أَو الزَّوْجُ. قالَ: وهَذِه كَلِمَةٌ تَقُولُهَا العَرَبُ لِمَنْ طَلَبَ شَيْئَاً لَيْسَ هُوَ لَهُ، تَقُولُ: بِفِيكَ الحَجَرُ. وقالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ: إنَّمَا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بالوَلَدِ للفِرَاشِ مِنْ أَجْلِ ابنِ نُوح ﵇، وذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ اخْتَلَفُوا في قَوْلهِ ﵎: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، فَرُويَ عَنِ الحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ ابنُ نُوحٍ مِنْ صُلْبِ نُوحٍ (٢).

стр. 501

وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ ابنُهُ لِصُلْبهِ، ومَا كَانَ اللهُ لِيَبْتَلِي نَبِيًّا مُكَرَّمًا في أَهْلِهِ بِمِثْلِ هَذا (١). وصَدَّقَ النبيُّ ﷺ هذا القَوْلَ، وقالَ: "الوَلَدُ للفِرَاشِ"، يَعْنِي: هُوَ للَّذي يَمْلِكُ المَرْأَةَ مِلْكًا تَامًّا، ويَفْتَرِشُها عِنْدَ الوَطْءِ. ومَعْنَى قَوْلِ الله ﵎ في ابنِ نُوحٍ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، يَعْنِي: أنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الذينَ وَعَدْتُكَ أَنْ أُلجِئَهُم مَعَكَ في السَّفِينَةِ، بَلْ هُوَ مِنَ المُغْرَقِينَ بِكُفرِهِ باللهِ . قالَ أَبو المُطَرِّفِ: فِي حَدِيثِ سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ مِنَ الفِقْهِ: إنْفَاذُ عَهْدِ المُوصِي بَعْدَ مَوْتهِ، وإلحْاقُ الوَلَدِ بِصَاحِبِ الفِرَاشِ، والقَضَاءُ بالشَّبَهِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لِسَوْدَةَ بنتِ زُمْعَةَ: "احْتِجِبي مِنْهُ" أَي: احْتَجِبي مِن ابنِ وَلِيدَةِ زُمْعَةَ، وَهُوَ أَخُوهَا لأَبِيهَا، وإنَّمَا أَمَرَهَا بذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ رَأَى الوَلَدَ المُدَّعَا يَشْبَهُ عُتْبَةَ بنِ أَبي وَقَّاصٍ مُدَّعِيهِ، فَجَعَلَ الشَّبَهَ عَلَّةً قَضَى بِهَا، وهَذا أَصْلٌ في القَضَاءِ بالشُّبُهَاتِ. * قَوْلُ المَرأَةِ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ حِينَ سَألها عَنِ المَرْأَةِ التي تَزَوَّجتْ وَهِيَ حَامِلٌ، فَقَالَتْ: (إنَّ هَذِه المَرْأَةَ لَمَّا مَاتَ زَوْجُهَا كَانَتْ مِنْهُ حَامِلًا، فَلَمَّا حَاضَتْ وَهِيَ في عِدَّةِ المُتَوفَّى حُشَّ وَلَدُهَا في بَطْنِهَا) [٢٧٣٧]، تَعْنِي: ضَعُفَ وَرَقَّ، فَلَمَّا وَطِئَهَا الزَّوْجُ الذي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وأَصَابَ الوَلَدُ مَاءَ الرَّجُلِ الذي تَزَوَّجَهَا تَحَرَّكَ الوَلَدُ في بَطْنِهَا، وقَوِيَ فَوَلَدَتْهُ تَامًّا، فَصَدَّقَهَا عُمَرُ في ذَلِكَ، فَهَذا دَلِيل صَحِيحٌ على أَنَّ الحَامِلَ تَحِيضُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ قَوْلَ تِلْكَ المَرْأةِ التي أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الحَامِلَ تَحِيضُ، ولَا أَحَدٌ مِنْ جُلَسَائِهِ، وهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الحَامِلَ لَا تَحِيضُ (٢)، لأَنَّ الحَمْلَ ضِدُّ الحَيْضِ، كَمَا تَحْمِلُ

стр. 502

المَرْأةُ وَهِيَ حَائِضٌ إذا وُطِئَت، فَكَذَلِكَ تَحِيضُ وَهِيَ حَامِلٌ. وفِي هَذِه القِصَّةِ أيضًا مِنَ الفِقْهِ: طَرْحُ العُقُوبةِ عَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأةً في عِدَّتِهَا إذا لَمْ يَقْصِدْ بِتَزوِيجِهِ إيَّاهَا في العِدَّةِ مُخَالَفَةَ مَا نَهَى الله عَنْهُ بِقَوْلهِ ﵎: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، يَعْنِي: حتَّى تنقَضِي عِدَّةُ المُعْتَدةِ، وذَلِكَ أَن هَذِه المَرْأةَ تَزَوَّجَتْ في عِدَّتِهَا، فَحَكَمَ عُمَرُ ﵁ بِفَسْخِ نِكَاحِهَا، وهَذا أَصْل في أَنَ النكَاحَ الفَاسدَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ، وُيفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدَ الدُّخُولِ، وهَذا إذا كَان الفَسَادُ في العَقْدِ، وأَمَّا إذا كَانَ الفَسَادُ مِنْ جِهَةِ الصَّدَاقِ فإنه يُفْسَخُ قَبْلَ البِنَاءِ، وَيثْبُتُ بعدَ البنَاءِ، ويَكُونُ للزَّوْجَةِ فِيهِ صُدَاقُ مِثلِهَا على زَوْجِهَا، وفِي مِثْلِ هَذِه القِصَّةِ لا يُلحَقُ الوُلَدُ بِمَن وُلدَ في عَصَبَتِهِ أقلَّ مِنْ سِتةِ أَشْهُرٍ، وفِيهَا أيضًا أَنَ أُمُورَ النسَاءِ يُرْجَعُ فِيهَا إلى قَوْلِ النِّسَاءِ العَارِفَاتِ بأُمُورِهِن فِيمَا لَا يَطلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ، وهَذَا أَصْلٌ في الرَّدِّ عِندَ الحُكمِ إلى أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ: (أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلاَدَ الجَاهِليَّهَ بِمَن ادَّعَاهُمْ في الإسْلَامِ) [٢٧٣٨]. قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ يُلْصِقُ أَوْلاَدَ الجَاهِلِيهَ بِمَن ادَّعَاهُم في الإسْلَامِ إذا كَانُوا لِزَنيَّةَ. قالَ: وكَذَلِكَ الحُكمُ اليومَ فِيمَن أَسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادَّعَا وَلَدًا لِزَنيَّةٍ كَانَ قَد زَنَى بامْرَأَةٍ مُشرِكَةٍ فَأتَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ في الإسْلَامِ، فإنه يُلْصَقُ بهِ وَيكُونُ ابنَهُ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيهِ مَعَهُ سيِّدُ أَمَةٍ، أو زَوْجُ حُرَّةٍ، فَيَكُونُ أَوْلَى بهِ. قالَ سُلَيْمَانُ بنُ يَسَارٍ: (فأتَى رَجُلاَنِ كلاَهُمَا يَدَّعِي وَلدَ امْرَأةٍ، فَدَعَا عُمَرُ ﵁ قَائِفَاً فَنَظَرَ إليهِمَا)، وذَكَرَ القِصَّةَ إلى آخِرِهَا، ومَعْنَاهَا: أَن رَجُلَيْنِ ادَّعَيا وَلَدًا وُلِدَ في الجَاهِليَّةِ، وَوَطِءَ الآخَرُ في إثْرِ الأَوَّلِ، فَالحُكْمُ في مِثلِ هَذا أَنْ

стр. 503

يُدْعَا للوَلَدِ القَافَةُ (١)، فَيَنْظُرُ إليهِ وإليهِمَا، فَمَنْ أَلْصَقَتْهُ بهِ القَافَةُ مِنهُمَا لَصَقَ بهِ، ولا يُجْزِئُ مِنَ القَافَةِ إلَّا اثْنَانِ عَدْلاَنِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: فإذا قَالَتِ القَافَةُ لَقَد اشتَركَا فِيهِ، كَانَ الحُكمُ في ذَلِكَ أَنْ يُقَالُ للغُلاَم إذا بَلَغَ الحُلُمَ: وَالِي أَيُّهُمَا شِئتَ، فإذا وَالَى أَحَدَهُمَا كَانَ ابْنَهُ، فإذا ادَّعيَاهُ مِنْ أَمَةٍ كَانَا قَدْ مَلَكَاها جَمِيعًا عُتِقَتِ الجَارِيَةُ مِنهُمَا، وذَلِكَ أَن كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِيهَا أُمَّ وَلَدٍ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ويَتفِقَانِ جَميِعًا على الصَّبِيِّ حتَّى يَبلُغَ مَبْلَغَ المُوَالاَةِ، فإذا بَلَغَها وَوَالَى أَحَدَهُمَا لَمْ يَغرَمْ لَهُ الآخَرُ نِصْفَ النَّفَقَةِ، لأَنَّهُ إنَّما اتَّفَقَ على وَلَدٍ يَدَّعِيهِ مِن أَمَةٍ قَدْ مَلَكَها بِشِرَاءٍ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَو مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ يَبْلغ مَبْلَغَ المُوَلاَةِ عَن مَالٍ، وَرِثَاهُ جَمِيعًا. قالَ: وَلَو مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ المُوَلاَةِ وُقِفَ مِيرَاثُهُ مِنهُ، فإنْ وَالَى المَيِّتَ أُخِذَ مِيرَاثُهُ مِنْهُ، وإنْ وَالَى الحَيَّ أُخِذَ ذَلِكَ السَّهْمَ الذي كَانَ وَقَفَ لَهُ وَرَثَةُ ذَلِكَ الهَالِكِ، أَو بَيْتُ مَالِ المُسْلِمِينَ إنْ لَم يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ. وقالَ ابنُ نَافِعٍ: العَمَلُ في هَذِه المَسْأَلةِ أَنْ يُقَالُ للقَافَةِ: أَلْحِقُوهُ بأَقرَبِهِم بهِ شَبَهًا، ولا يُتْرَكُ وَمُوْلاَهُ أَحَدِهِمَا. إنَّمَا قُضِيَ في الأَمَةِ التي غَرَّت رَجُلًا بِنَفسِهَا، وذَكَرَت لَهُ أَنَهَا حُرَّةٌ، وتَزَوَّجَهَا وأتتْ بِوَلَدٍ، ثم استَحَقَّهَا سَيَّدُها أَمَة، فأَخَذَهَا وقَضَى لَهُ بقِيمَةِ وَلَدِهَا على الذي كَانَ تَزَوَّجَهَا، مِنْ أَجْلِ أَن الوَلَدَ نَمَا في الأَمَةِ وزِيَادَة، وإنَّما زَادَ في مِلْكِ سَيِّدِه إذ لم تَخرُج مِن يَدِهِ بِبيعٍ ولَا هِبَةٍ، ولَمْ يَأْخُذِ الوَلَدَ مِنْ أَجْلِ شُبْهَةِ الزَّوْجِيَّةِ، ولَمْ يَكُنْ

стр. 504

حُكْمُ الزَّوْج حُكْمُ الغَاصِبِ الذي يَكُونُ وَلَدُهُ رَقِيقًا لِسَيِّدِ الأَمَةِ، وعَلَيْهِ الحَدُّ بهِ في وَطْئِهِ إيَّاهَا (١). * قَوْلُ مَالِكٍ في الرَّجُلِ يَهْلَكُ ولَهُ بَنُونَ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: قَدْ أَقَرَّ أَبِي أَنَّ فُلاَنًا ابْنَهُ، أَنَّ ذَلِكَ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ [٢٧٤٢]، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، والذي يَشْهَدُ أَنَّ هَذا أَخُوهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ ولَا يَتَوَارَثُ مَعَهُ، وإنَّمَا هُوَ رَجُلٌ أَقَرَّ أَنَّ بِيَدِه لِهَذا مَالًا، فَيُقَالُ لَهُ: ادْفَعْهُ إليه، ولَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ [أَقَرَّا] (٢) بأَخٍ ثَالِثٍ، لَقِيلَ لَهُمَا: ادْفَعَا إليهِ مِيرَاثَهُ، ولَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ نَسَبَهُ، ولَوْ كَانَ عَدْلَيْنِ لَثَبَتَ النَّسَبُ بِشَهَادَتِهِمَا. * * *

стр. 505

بابُ القَضَاءِ في أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ، وعِمَارَةِ المَوَاتِ، وحُكْمِ المِيَاهِ * قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: (مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَؤونَ وَلاَئِدَهُمْ) [٢٧٤٦]، وَذَكَر القِصَّةَ، إلى قَوْلهِ: (لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بهَا إلَّا أَلْحَقْتُ بهِ وَلدَهَا)، فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: إنْكَارُ الأَئِمَةِ على سَادَاتِ الإمَاءِ وَطْئُهُنَّ، وإبَاحَةُ الخُرُوجِ لَهُنَّ خِيفَةَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّكُّ في حَملِهِنَّ، وفِيهِ: أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، فَادَّعَا أَنَّهُ عَزَلَ مَاءَهُ عَنْهَا في وَقْتِ وَطْئِهِ إيَّاهَا، أنَّ الوَلَدَ لاَحِق بِهِ، لأَنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مَعَ العَزْلِ، وقَدْ قَالَ النبيُّ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ العَزْلِ: "مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ إلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ" (١)، فإنْ أَنْكَرَ السَّيِّدُ الوَطْءَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، أَو أَقَرَّ بهِ وادَّعَى أنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا اسْتِبْرَاءً صَحِيحًا، ثُمَّ لَمْ يَطَأْهَا حتَّى ظَهَرَ هَذا الحَمْلُ، ونَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، لم يُلْحَقْ بهِ، ولَمْ يَلْزَمْهُ في ذَلِكَ يَمِينٌ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ جِنَايَةً كَانَ على سَيِّدِهَا الأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا، أو مِنْ قِيمَةِ أَرْشِ الجِنَايةِ، يُخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا عَنْهَا، وذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجِدُ السَّبِيلُ إلى إسْلاَمِهَا في الجِنَايَةِ مِنْ أَجْلِ الحُرِّيَةِ التي فِيهَا، وذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرُجُ حُرَّةً مِنْ رَأْسِ مَالِ سَيِّدِهَا بِمَوْتهِ، فإذا جَنَتْ مَا قِيمَتُهُ خَمْسُونَ دِينَارًا، أَو كَانتْ قِيمَتُهَا مِائَة، لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الجِنَايَةِ إلَّا قِيمَةُ جِنَايَتِهِ، ولَو كَانَتْ قِيمَتُهَا أَرْبَعِينَ لَمْ يُلْزَمُ السَّيِّدُ إلَّا إخْرَاجُ أَرْبَعِينَ، ولَا ظُلْمُ هَهُنَا على صَاحِبِ الجِنَايةِ، لأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ تُسْلَمُ إليهِ في الجِنَايَةِ لَوْلاَ مَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فإذا دَفَعَ إليه قِيمَتَهَا لَمْ يَظْلِمْهُ، وإنَّمَا تُقَوَّمُ أَمَةٌ بِغَيْرِ مَالِهَا.

стр. 506

وقالَ المُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ (١)، وعبدُ المَلِكِ بنُ المَاجِشُونَ: إنَّهَا تُقَوَّمُ في الجِنَايَةِ بِمَالِهَا، فإنْ كَانَتْ جِنَايَتُهَا أَكثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا لَمْ يُلْزَمُ السَّيِّدُ غُرْمَ مَا زَادَ على قِيمَتِهَا، ولَمْ تتبْعْ هِيَ بِشَيءٍ مِمَّا زَادَ الأَرْشُ على قِيمَتِهَا مِنَ الجِنَايَةِ وإن عُتِقَتْ. قالَ مَالِكٌ: ولَيْسَ على عَاقِلَةِ سَيِّدِهَا شَيءٌ مِنْ جِنَايَتِهَا، لأَنَ العَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ جِنَايَةَ العَبِيدِ. * قَوْلُ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ حِينَ ذَكَرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَخَذَ ابْنَهُ عَاصِمًا بَعْدَ أَنْ كَانَ طَلَّقَ أُمُّهُ، إذْ وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَنَازَعَتْهُ فِيهِ جَدَّةُ الصَّبِيِّ، فتَحَاكَمَا في ذَلِكَ إلى أَبي بَكْرٍ الصدِّيقِ ﵁، فَقَضَى للجَدَّةِ بِحَضَانَةِ ابنِ ابنَتِهَا [٢٨٣٨]. ومِنْ هَذا الحَدِيثِ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الجدَّةَ أَحَقُّ بالحَضَانَةِ، والأُمُّ أَحَق بِحَضَانَةِ ابْنِهَا مِنَ الأَبِ، لِقَول اللهِ ﵎: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يَعْنِي: لا يُنْزَعُ مِنْهَا في حَالِ الصِّغَرِ. * قالَ مَالِكٌ: إلَّا أَن تتزوَّجَ، فإنَّ للأَبِ حِينَئِذٍ أَخْذُ وَلَدِهِ إذا دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَها أُمُّ أو أُخْتٌ، فَيَكُونَانِ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ الوَلَدِ مِنَ الأَبِ، فإنْ انتقَلَ الأَبُ إلى بَلَدٍ آخَرَ كَانَ لَهُ أَخذُ وَلَدِهِ. * حَدِيثُ "سيلِ مَهْزُوزٍ ومُذَيْنيبٍ"، مُرْسَلٌ فِي رِوَايةِ مَالِكٍ [٢٧٥٤] ومِثْلُهُ حَدِيثُ: "مَنْ أَحْيَا أَرضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ، ولَيْسَ لِعِرقٍ ظَالِمٍ حَقٌ" [٢٧٥٠]. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا هَذا في فَيَافِيَ الأَرْضِ التي لَا تَكُونُ مِنْ حَوْزٍ وَاحِدٍ، وحَيثُ لَا يتَشَاحُّ النَّاسُ فِيهَا، والعِرْقُ الظَّاِلمُ: هُوَ كُلُّ مَا أُنْبتَ لَهُ فِيهَا، وأَمَّا المَوَاتُ القَرِيبُ مِنَ العِمَارَةِ فَلَيسَ لأَحَدٍ أَنْ يَعْمُرَ تِلكَ إلَّا بقَطِيعَةٍ مِنَ الإمَامِ، وأَمَّا مَا بَعُدَ عَنْهُ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا، وإحْيَاءُ الأَرْضِ: حَفْرُ الآبَارِ، وإجْرَاءُ العُيُونِ،

стр. 507

وغَرْسُ الثِّمَارِ، والبُنْيَانُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ لَهُ الأَرْضُ التي أَحْيَاهَا، ولِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِه مَالًا لَهُمْ، وتُورَثُ عَنْهُم، لأَنهمْ مَلَكُوهَا بإحْيَائِهِمْ لَهَا. قالَ ابنُ وَهْبٍ: مَهْزُوزٌ ومُذَينيبٌ هُمَا وَادِيَانِ مِنْ أَوْدِيةِ المَدِينَةِ، يُسْقَيَانِ بالسَّيْلِ عِنْدَ نزولِ الأَمْطَارِ، وكَثْرَةِ المِيَاهِ، فإذا حَصَلَتْ بالسَّيْلِ سَقَى مِنْ ذَلِكَ المَاءِ أَهْلُ الحَوَائِطِ حَوَائِطَهُم، فَيَسْقِي الأَوَّل حَائِطَهُ حتَّى يَرْوِيهِ، وَيكُونُ المَاءُ فِيهِ كُلُّهُ إلى كَعْبيهِ، ثُمَّ يُرْسِلُ فَضْلَةَ المَاءِ إلى صَاحِبهِ الذي يَلَيهِ، فَيَفَعَلُ في حَائِطِه نَحْوَ مَا فَعَلَ الأَوَّلُ، يُعَمُّ بِذَلِكَ المَاءُ جَمِيعَ حَائِطِهِ، وَيكُونُ فِيهِ المَاءُ إلى كَعْبَيْهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ إلى الذي يَلِيهِ حتَّى يَعُمَّ بِذَلِكَ المَاءَ جَمِيعَ الحِيطَانِ أَو مَا عَمَّ مِنْهَا، هَذا تَفْسِيرُ ابنِ وَهْبٍ. وقالَ زِيَادُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (١) عَنْ مَالِكٍ: تَفْسِيرُ قِسْمَةِ ذَلِكَ هُوَ أَنْ يُجْرِي الأَوَّل مِنْ ذَلِكَ المَاءِ في سَاقِيَةِ إلى حَائِطِهِ حتَى يَرْوِيهِ، ثُمَّ يَفْعَلُ الذي يَلِيهِ كَذَلِكَ، ثم الذي يَلِيهِ كَذَلِكَ أيضًا مَا بَقِيَ مِنَ المَاءِ شَيءٌ. قالَ: وهَذِه السُّنَّةُ فِيهِما وفِيمَا يَشْبَهَهُمَا مِمَّا لَيْسَ لأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ مُعَيَّنٌ، فَالأَوَّلُ أَحَقُّ بالتَّبْدِيةِ، ثُمَّ الذي يَلِيهِ، ثُمَّ الذي يَلِيهِ، إلى آخِرِهِم رَجُلًا. * قَوْلُ النبي ﷺ : "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بهِ الكَلأُ" [٢٧٥٥]، يُرِيدُ: لَا يُمْنَعُ مُاءُ آبَارِ المَاشِيَةِ التي في الصَّحَارِي، ومَنْ سُبقَ إليها بِمَاشِيتِهِ كَانَ أَولَى بالتَّبْدِيةِ، يَسْقِي مِنْهُ مَاشِيتَهُ، ثم لَا يَمْنَعُ فَضْلَ ذَلِكَ لِغَيْرهِ، لأَنَّهُ إذا مَنَعَ فَضْلَةً مِنْ غَيْرهِ امْتَنَعَ أَهْلُ المَوَاشِي أَنْ يَرْعَوا الكَلأَ الذي حَوْلَ المَاءِ، وذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لا يَرْعَى مَاشِيَتَهُ في مَكَانٍ لا يَجِدُ فِيهَا مَاءً، والكَلأُ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ. * وقَوْلُهُ: "لا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ" [٢٧٥٦]، يَقُولُ: مَنْ كَانَتْ لَهُ بِئْرٌ فِيهَا فَضْلُ مَاءٍ عَنْ سَقِي حَائِطِه، أَو زَرْعِهِ، ولَهُ جَارٌ قَد انْقَطَعَ مَاءُ بِئْرِه وقَدْ زَرَعَ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْنَعُ جَارَهُ

стр. 508

أَنْ يَسْقِي بِفَضْلِ مَاءِهِ، ولَيْسَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، ولَكِنْ يُؤْمَرُ بهِ، وُيحَضُّ عَلَيْهِ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: إنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ، ويُجْبَرُ عَلَيْهِ، ويُؤَدِّي إليهِ في ذَلِكَ الثَّمَنَ. * وقَالَ غَيْرُهُ: يُقْضَى عَلَتهِ بِذَلِكَ لِجَارِهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ يَكُونُ عَلَيْهِ. * قَوْلُهُ: "لَا [ضَررَ] (١) ولَا ضِرَارَ" [٢٧٥٨] مَعْنَاهُ: أَنْ لَا يَضُرَّ الإنْسَانُ بِجَارِهِ ولَا بِغَيْرِهِ، والضِّرَارُ: هُوَ أَنْ يَفْعَلَ الإنْسَانُ شَيْئًا يَضُرُّ مِنْهُ بِنَفْسِهِ وبِغَيْرِهِ، فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ مَا يَسْتَضِرُّ بهِ جَارُهُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. * قَوْلُهُ: "لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبةً يَغْرِزُهَا في جِدَارِهِ" [٢٧٥٩] إنَّمَا هَذا مِنَ النبيِّ ﷺ على طَرِيقِ الرِّفْقِ بالجَارِ لَا على الإلْزَامِ، ولِذَلِكَ كَانَ الصَّحَابةُ يَعْرِضُونَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ إذْ كَانَ يُحَدِّثُهُم بِهَذا الحَدِيثِ، ولَوْ كَانَ عِنْدَهُم على الإلْزَامِ مَا أَعْرَضُوا عَنْهُ، فَالأحَادِيثُ الوَارِدَةُ عَنِ النبيِّ ﷺ هيَ علَى حَسَبِ مَا تَلَقَّاهَا أَصْحَابُهُ عَنْهُ لا على ظَوَاهِرِهَا. قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: لَيْسَ العَمَلُ على إجْرَاءِ مَمَرِّ الخَلِيجِ في أَرْضِ مُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ بِغَيْرِ رِضَاهُ، ولَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَالِ أَخِيهِ مِنْهُ إلَّا بِرِضَاهُ. * ومَعْنَى قَوْلهِ: (نَشْرَبُ بهِ أَوَلًا وَآخِرًا) [٢٧٦٠] يَعْنِي: تَسْقِي بهِ أَرْضَكَ مَتَى شِئْتَ، لأَنَّهُ سَائِرٌ في أَرْضِكَ. * قالَ عِيسَى: وأَمَّا حُكْمُهُ في تَحْوِيلِ الرَّبِيع الذي كَانَ في حَائِطِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ إلى نَاحِيةٍ أُخْرَى مِنَ الحَائِطِ، فإنَّهُ لَمْ يَكُنْ على عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ في ذَلِكَ ضَرَرٌ [٢٧٦١]. والرَّبِيعُ: السَّاقِيَةُ التي يَجْرِي فِيهَا المَاءُ. قالَ عِيسَى: وأَمَّا مَالِكٌ فَلَا يَرَى تَحْوِيلَهُ عَنْ مَوْضِعِه إلى غَيْرِه وإنْ لَمْ يَضُرَّ

стр. 509

ذَلِكَ بِصَاحِبهِ، إلَّا أنْ يَرْضَى بِذَلِكَ صَاحِبُ الحَائِطِ، ولَا يُؤْخَذُ مِلْكُ أَحَدٍ إلَّا بإذْنِهِ، وقَدْ قالَ النبيُّ ﷺ : "لا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بإذْنِهِ" (١)، فَمَنَعَ مِنْ حَلْبِ اللَّبَنِ بغَيْرِ إذْنِ صَاحِبهِ، وَهُوَ يَحْلِبُ غُدْوَةً، ويَرْجِعُ عَشِيَّةً، فكيف يَأْخُذُ مَا لَا يَرْجِعُ إذا أَخَذَ؟!. * * *

стр. 510

القَضَاءُ في قَسْمِ الأَمْوَالِ، والحُكْمُ في الضَّوَارِي مِنَ البَهَائِمِ * قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "أَيُّمَا دَارٍ أَو أَرْضٍ قُسِمَتْ في الجَاهِلِيَّهَ فَهِيَ على قَسْمِ الجَاهِلِيَّة، وأيُّمَا دَارٍ أَو أَرْضٍ أَدرَكَها الإسْلاَمُ [ولَمْ تُقْسَمْ] (١) فَهِيَ على قَسْمِ الإسْلاَم" [٢٧٦٣] قالَ ابنُ القَاسِمِ: إنَّمَا هَذا في مُشرِكِي العَرَبِ والمَجُوسِ، فَمَنْ مَاتَ مِنهُمْ ولَمْ يَقْسِمْ وَرَثتهُ مِيرَاثَهُمْ مِنْهُ حتَى أَسْلَمُوا، فإنَّ ذَلِكَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِقَسْمِ الإسْلَامِ، وأما مَنْ مَاتَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى فَلَمْ يَقْسِمْ وَرثتهُ مِيرَاثَهُمْ مِنْهُ حتَّى أَسْلَمُوا فَهُو على قِسمَتِهِم الذي هُوَ حُكْمُ أَهْلِ دِينهِمْ، ولَا يَزِيدُ إسْلاَمُهُمْ في مَوَارِيثِهِم شَيْئًا (٢). * وقالَ ابنُ نَافِعٍ: الحَدِيثُ عَامٌ في أَهلِ الكُفْرِ كُلّهِم، فَمَنْ وَرِثَ مِنْهُمْ دَارًا أَو أَرْضًا فَلَمْ يَقْسِمُوا ذَلِكَ حتَّى أَسْلَمُوا، فإنَّ مَوَارِيِثِمْ تَرْجِعُ في ذَلِكَ إلى قَسْمِ الإسْلَامِ. قالَ: فإنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ ولَمْ يُسْلِمِ البَعْضُ قُسِمَ ذَلِكَ بينَهُمِ على قَسْمِ دِينِهِمْ، إلَّا أَنْ يَرْضَى مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ بِقَسْمِ الإسْلَامِ، فإنَّهُ يُقْسَمُ بينهُمْ ذَلِكَ على قَسمِ الإسْلَامِ (٣).

стр. 511

* قَوْل مَالِكٍ: (لا يُقْسَمُ البَعْلُ مَعَ النَّضْحِ) [٢٧٦٤] إنَّمَا قالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ: أنَّ القِسْمَةَ بالقُرعَةِ لا تَكُونُ إلَّا في صِفةٍ وَاحِدَةٍ، والبَعْلُ والنَّضْحُ صِنْفَانِ مُختلِفَانِ، فَلِذَلِكَ يُقْسَمُ كُل صِنفٍ مِنْهُمَا على حِدَةٍ، فإن قُسِمَا مَعًا دَخَلَهُ الغَرَرُ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وقِسمَةُ المُرَاضَاةِ تَجُوزُ في أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ، لأَنَّهَا بَيْعٌ مِنَ البِيُوعِ، ولَا تَكُونُ قِسْمَةُ المُرَاضَاةِ إلَّا بَيْنَ المَالِكِينَ لأَنْفُسِهِم بَيْنَ الأَيْتَامِ إلَّا بالقُرْعَةِ. * قَوْلُهُ: (الضَّوَارِي والحَرِيسَة) [٢٧٦٥] يَعْنِي بالضَّوَاوِي: المَاشِيَةَ التي قَدْ ضَرِيت تأكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ (١)، وكَذَلِكَ مَا [يُحْتَرَسُ] (٢) مِنْ جَمِيعِ البَهَائِمِ يُقَالُ لَهَا حَرِيسَةٌ. قالَ ابنُ القَاسمِ: مَا أَفْسَدَتِ المَوَاشي باللَّيْلِ فَهُوَ ضَامِنٌ على أَهْلِهِ، مُحْصَرًا كَانَ الحَائِطُ أو الزرْعُ الذي أَفْسَدَت فِيهِ اْلمَاشِيَةُ أَو غَيْرَ مُحْصَرٍ، قَلِيلًا كانَ ذَلِكَ الفَسَادُ أو كَثيرِاً، ولَيْسَ لأربَابِ المَاشِيَةِ أَن يَسْلِمُوهَا في تِلْكَ الجِنَايةِ التي جَنَتهَا، وذَلِكَ أَنَ الجِنَايَةَ مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِ المَوَاشِي بِسَببِ تَضْيِيعِهِم لِحِفظِهَا، ومَا أَفْسَدَتِ المَوَاشِي مِنْ ذَلِكَ بالنَّهَارِ فَلَا ضَمَانَ على أَهْلِهَا في شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، لأَن على أَهْلِ الأَمْوَالِ حِفْظَهَا بالنَّهَارِ، وعلى أَهْلِ المَوَاشي حِفْظُهُا باللَّيْلِ. وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: لَا شَيءَ على أَربَابِ المَوَاشِي فِيمَا أَفْسَدَتْهُ، لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارًا، لأَنَّهَا مِنَ العَجْمَاءِ التَي قالَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ جَرْحَهَا جُبَارٌ" (٣) لَا دِيةَ فِيهَا (٤). والصَّحِيحُ في هَذا مَا قَالَ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الجِنَايَةَ إنَّمَا هِيَ

стр. 512

مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِ المَوَاشِي الذينَ سَرَّحُوهَا باللَّيْلِ، لِتَضْيِيعِهِمْ لِحِفْظِهَا حِينَ أَفْسَدَتْ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ. قالَ أَصْبَغُ: ولَيْسَ لأَهْلِ المَوَاشِي أَنْ يُخْرِجُوهَا في قُرَى الزَّرْعِ بِغَيْرِ ذَوَّادٍ يَذُودُونَهَا، حتَّى يُخْرِجُوهَا عَنِ الأَجِنَّةِ والزُّرُوعِ، فإذا بَلَغُوا المَرَاعِي سَرَّحُوهَا، فَمَا شَذَّ مِنْهَا إلى الزَّرْعِ والأَجِنَّةِ كَانَ على أَصْحَابِ الزُّرُوعِ حِفْظَهَا ودَفْعَهَا عَنْ زُرُوعِهِمْ. * قالَ عِيسَى: الذي يَقَعُ في نَفْسِي أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ إنَّمَا قَطَعَ أَيْدِي رَقِيقَ حَاطِبٍ [٢٧٦٧] لأَنَّهُم سَرَقُوا نَاقَةَ المُزَنيِّ مِنْ حِرْزِهَا ولَمْ يَسْرِقُوهَا مِنَ المَرْعَى، ولَيْسَ يُلْزَمُ السَّيِّدُ غُرْمَ مَا سَرَقَ عَبْدُهُ إذا قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ، وإنَّمَا على العَبْدِ أَنْ يُغْرَمَ قِيمَةُ السَّرَقَةِ بَعْدَ قَطْعِ يَدِه إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وإلَّا فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وإنَّمَا يَكُونُ في رَقَبَةِ العَبْدِ مَا كَانَ مِنْ سَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا، ويُخَيَّرُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ بينَ افْتِكَاكِهِ بِقِيمَةِ السَّرِقَةِ، وبينَ أَنْ يُسْلِمَهُ إلى الذي سَرَقَهَا مِنْهُ، وإذا قَتَلَ الرَّجُلُ جَمَلًا صَالَ عَلَيْهِ وثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ بِبيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ صَالَ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمَ الجَمَلِ المَقْتُولِ، وهَذا قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وبهِ قَالَ مَالِكٌ (١). وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ غُرْمُ قِيمَةُ الجَمَلِ لِصَاحِبهِ وإنْ قَامَتْ لَهُ بيِّنَةٌ بِصَوْلَتِهِ عَلَيْهِ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "جَرْحُ العُجْمَاءِ جُبَارٍ" (٢). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الصَّحِيحُ في هَذا مَا قَالَ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أُبِيحَ للرَّجُلِ قَتْلُ الرَّجُلِ إذا أَرَادَ قَتْلَهُ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَقتَلهُ، ولَا يَكُونُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ قَوَدٌ، ولَا دِيَةٌ، فَلِهَذا سَقَطَ عَنْ قَاتِل الجَمَلِ ضَمَانهُ إذا صَالَ عَلَيْهِ، ولَيْسَتْ حُرْمَةُ المَالِ أَجَلُّ مِنْ حُرْمَةِ الدَّمِ الذي يَسْقُط فِيهِ عَنِ القَاتِلِ القَوَدُ، وسَقَطَتْ عَنْهُ فِيهِ الدِّيَةُ. * * *

стр. 513

القَضَاءُ فِيمَا يُعْطَى الصُّنَّاعُ، إلى آخِرِ بَابِ الإعْتِصَارِ قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: قَضَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ (١)، وقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبي طَالبٍ ﵁: (لا يَصْلُحُ للنَّاسِ إلَّا ذَلِكَ) (٢)، لا غِنَى بالنَّاسِ عَنْهُم، وإذ لَمْ يُعْطُوا مَا اسْتَعْمَلُوا عَلَيْهِ على وَجْهِ الأمَانَةِ فَكَانَ تَضْمِينُهُم أَصْلَحَ للعَامَّةِ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: يَضْمَنُ الصُّنَّاعُ مَا عَمِلُوهُ، بأَجْرٍ عَمِلُوهُ أو بِغَيْرِ أَجْرٍ، إلَّا مَا قَامَتْ لَهُمْ بهِ البيِّنَةُ العَادِلَةُ عِنْدَ هَلاَكِهِ مِنْ نَارٍ، أو صَاعِقَةٍ، أَو حُرِقَتْ بَيْتُ الصَّانِعِ، فَيَكُونُ القَوْلُ في ذَلِكَ قَوْلَهُ، ويَحْلِفُ ويَبْرَأُ مِنَ التَّبِعَةِ في ذَلِكَ، لأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَكُنْ على لاَبِسِ الثَّوْبِ الذي أَعْطَاهُ إيَّاهُ الصُّنَّاعُ حِينَ أْخَطَأَ بهِ فَلَبِسَهُ وَهُو يَظُنُّ أَنَّهُ ثَوْبَهُ فَلَم يَكُنْ عَلَيْهِ في لِبَاسِهِ غُرْمٌ، لأَنَّهُ لَبسَهُ غيْرَ مُتَعَدٍّ في لِبَاسِهِ، ولَو لَبسَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غيْرُ ثَوْبِهِ لَضَمِنَهُ إذا أَخْلَقَهُ، فإنْ لمْ يَخْلَقْهُ رَدَّهُ وغَرِمَ قِيمَةَ لِبَاسِهِ إيَّاهُ، وانْتِفَاعِهِ بهِ. * حَدِيثُ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ الذي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في آخِرِه: "ارْتَجِعْهُ" [٢٧٨٢]، قالَ أَشْهَبُ: قَالَ مَالِكٌ: الذي أَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِبَشِيرٍ مَالٌ غَيْرَ ذَلِكَ العَبْدِ الذي نَحَلَهُ ابْنَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : "ارْتَجِعْهُ".

стр. 514

قِيلَ لِمَالِكٍ: فإذا لَمْ يَكُنْ للنَّاحِلِ مَالٌ غَيْرُهُ أيرْتَجِعْهُ بَعْدَ النَّحْلَةِ؟ فقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِيُقَالُ، وقَدْ قُضِيَ بهِ عِنْدَنَا بالمَدِينَةِ (١). وقالَ غَيْرُ مَالِكٍ: إنَّهُ لَمَّا قَالَ النبيُّ ﷺ في غَيْرِ هَذا الحَدِيثِ: "سَاوُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ" (٢)، يَعْنِي في العَطَايَا، وكَانَ بَشِير قَدْ نَحَلَ ابْنَهُ غُلاَمًا دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ، وأَعْلَمَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَرِهَ لَهُ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﵇ ولَمْ يُحَرِّمْهُ، ولَوْ كَانَ حَرَامًا مَا نَحَلَ أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ابْنتَهُ عَائِشَةَ دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ، وإنَّما يُكْرَهُ للأَبِ ذَلِكَ لِئَلَّا يُورِثُ بَيْنَ وَلَدِهِ العَدَاوةَ، ويُبْغِضُونَهُ على فِعْلِهِ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ إذا وَقَعَ مِثْلُ هَذا نُفِذَ ولَمْ يُرَدُّ. وقالَ أَبو مُحَمَّدٍ: هَذا الحَدِيثُ أَصْل في إبَاحَةِ اعْتِصَارِ الرَّجُلِ مَا وَهَبَهُ ابْنَهُ، أَو نَحَلَهُ إيَّاه (٣). * قالَ عِيسَى: قَوْلُ أَبي بَكْرٍ لِعَائِشَةَ: (إني كنتُ نَحَلْتُك جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقَاً) [٢٧٨٣]، يُرِيدُ: كُنْتُ نَحَلْتُكِ جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ ثَمَنِ نَخْلِي إذا جَدَدْتُهُ، فَمَرِضَ أَبو بَكْرٍ قَبْلَ أَن يَجِدَّ النَّخْلِ فَلَمْ يَكُنْ لِعَائِشَةَ مِنْ تِلْكَ النَّحْلَةِ شَيءٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَازَتْهَا في صَحَّةِ أَبِيهَا، وهَذا أَصْلٌ في الحِيَازَةِ أَن النَّحْلَةَ، أَو الهِبَةَ، أَو الصَّدْقَةَ إذا لَمْ تَحُزْ مِنْ دَافِعِهَا ولَمْ يَقْبضْ ذَلِكَ مِنْهُ حتَّى يَمْرَضَ النَّاحِلُ، أَو الوَاهِبُ، أَو المُتَصَدَّقُ، أَو يَمُوتُ أَنَّ ذَلِك لا يَنْفُذُ إذا كَانَ لِوَارِثٍ، فإنْ كَانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ وَارِثٍ أُخْرِجَ لَهُ مِنَ الثُّلُثِ إذا أَوْصَى بِذَلِكَ. قالَ عِيسَى: وكَانَ لأَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ زَوْجَةً يُقَالُ لَهَا بِنْتُ خَارِجَةَ، فقالَ لِعَائِشَةَ: (إنَّ حَمْلَ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارَيةً)، فَكَانَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ أَبو بَكْرٍ

стр. 515

رَضيَ اللهُ عَنْهُ، وَلَدتْ لَهُ ابْنَةُ خَارِجَةَ جَارِيَة يُقَالُ لَها أُمُّ كُلْثُومٍ، فَنَرَى واللهُ أَعْلَمُ أَن أبا بَكْرٍ رأى ذَلِكَ رُؤْيَا فتَأَوَّلَهَا، وكَانَ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ للرُّؤْيَا. * قوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: (مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أبْنَاءَهُمْ نَحْلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا) [٢٧٨٤]، وذَكَرَ القِصَّةَ إلى آخِرِهَا، يُرِيدُ عُمَرُ: أَنَّهُ مَنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ كَبيرًا نَحْلًا فَلَمْ يُحِزْهَا الكَبِيرُ المَالِكُ لأَمْرِ نَفْسِهِ حتَّى مَاتَ الأَبُ فَهِيَ بَاطِلٌ، وأَمَّا الولَدُ الصَّغِيرُ فَحِيازَةُ الأَبِ لَهُ حِيَازَةٌ حتَّى يَبْلُغَ مَبلَغَ القَبْضِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ بيَّنَ ذَلِكَ عُثْمَانُ بنُ عَفانَ، ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ عَنْهُ في آخِرِ كِتَابِ الأَقْضِيَةِ مِنَ المُوطَّأ [٢٨٥٠]. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَجُزْ لِمَنْ وَهَبَ هِبَةً على وَجْهِ الصَّدَقَةِ، أَو لِصَلَةِ رَحِم أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَا وُهِبَ لِوَجْهِ اللهِ ﵎ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "الرَّاجِعُ في هِبَتِهِ كَالكَلْب يَعُودُ في قَيْئِهِ" [٩٨٠] (١)، فأَكْلُ القَيءِ حَرَامٌ، فَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ فِيمَا وُهِبَ لِوَجْهِ الله حَرَامٌ، وأما هِبةُ الثَّوَابِ فَمَتَى لَمْ يَرْضَ مِنْهَا صاحِبُهَا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، لأنهَا بَيعٌ مِنَ البيوعِ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ على جَوَازِ الإعْتِصَارِ في الهِبَةِ والنَّحْلَةِ لِمَنْ نَحَلَ وَلَدَهُ أو وَهَبَهُ، وذَلِكَ أَنَ الرَّجُلَ قَدْ يَطْلُبَ مُرَاضَاةَ ابْنِهِ بِمَا يَهِبَهُ إيَّاهُ لِيَسْتَزِيدَ مِنْ بِرِّهِ لَهُ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَنْفَذَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَمَّا أَضْمَرَ هَذا في نَفْسِهِ عِنْدَ النَّحْلَةِ أو الهِبَةِ جَازَ لَهُ اعْتِصَارُهَا، وأما الصَّدَقَةُ والحَبْسُ فَلَا اعْتِصَارَ في شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، لأَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ بهِ وَجْهَ اللهِ ، وإنَّمَا يَعْتَصِرُ الأَبُ الهِبَةَ أَو النَّحْلَةَ مِنْ وَلَدِهِ مَا لَمْ يَتَزوَجِ الوَلَدُ عَلَيْهَا أَو الابْنَةُ، أَو يُدَايِنُ الابْنُ النَاسَ على مَا بِيَدِه مِنْ ذَلِكَ، فماذا وَقَعَ مِثْلُ هَذا لم يَجُزْ للأَبِ أنْ يَعْتَصِرَ حِينَئِذٍ مَا وَهَبَ ابْنَهُ ونَحْلَهُ إيَّاهُ، لأَن النَاسَ إنَّمَا دَايَنُوهُ على مِلْكِهِ لِذَلِكَ، وكَذَلِكَ الزوْجُ إنَّمَا رَفَعَ في صُدَاقِ زَوْجَتِهِ، مِنْ أَجْلِ مَا نَحَلَها بهِ أَبُوهَا، وللأُمِّ أيضًا أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبْتَهُ ابْنَهَا مَا لَمْ يَكُنِ الإبنُ يَتيمًا، وذَلِكَ أَنَّ اليتِيمَ لا يُوهِبُ شَيْئًا إلَّا للهِ . * * *

стр. 516

بابُ القَضَاءِ في العُمْرَى واللُّقَطَةِ واسْتِهْلاَكِهَا * رَوَى يَحْيىَ في حَدِيثِ العُمْرَى بأَنَّهَا للَّذي يُعْطَاهَا: (لَا تَرْجِعُ إلى الذي أَعْطَاهَا أَبَدًا) [٢٧٩٧]، ولَمْ يَرْوِ أَحَدٌ في هَذا الحَدِيثِ أَبَدًا إلَّا يَحْيىَ بنُ يحيى. قالَ أَشْهَبُ: قَالَ مَالِكٌ: ولَيْسَ على حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ في العُمْرَى العَمَلُ، ولَوَدِدتُ أَنَّهُ مُحِيَ مِنَ المُوطَّأ. * قالَ أَبو المُطَرّفِ: سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا الحَدِيثِ، فَقَالَ لِي: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، ومَعْنَاهُ قَائِمٌ، وذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرًا لَهُ ولِعَقِبهِ، فَامْتَدَّ العَقِبُ فإنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلى المُعْمِرِ ولَا إلى وَرَثَتِهِ مَادَامَ أَحَدٌ مِنْ عَقِبِ المُعْمَرِ حَيًّا، فَإذا انْقَرَضَ عَقِبُهُ رَجَعَتِ العُمْرَى [إلى] (١) المُعْمِرِ الذي كَانَ أَعْمَرَهَا إنْ كَانَ حَيًّا، أو إلى وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيّتًّا، وإنَّمَا تَجْرِي هَذه الأَشْيَاءُ على شُرُوطِ أَصْحَابِهَا كَمَا قالَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ لِمَكْحُولٍ حِينَ سَأَلهُ عَنِ العُمْرَى ومَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا، فقالَ لَهُ: (مَا أَدْرَكتُ النَّاسَ إلَّا على شُرُوطِهِم فِيمَا أُعْطُوهُ) [٢٧٩٨]. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: ومَنْ رَوَى: "أَنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بالعُمْرَى للوَارِثِ" (٢)، بِغَيْرِ تَفْسِيرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ في تَاْوِيلِهِ، إذْ يَجْعَلُ العُمْرَى لَا تَرْجِعُ إلى مُعْمِرِهَا، وإلى وَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا قَالَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ: أَعْمَرْتُكَ وعَقِبِكَ، فإنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلى

стр. 517

الذي أَعْمَرَهَا مَا دَامَ المُعْمَرُ حَيًّا، أو أَحَدٌ مِنْ عَقِبهِ، فإذا انْقَرَضُوا رَجَعَتِ العُمْرَى إلى مُعْمِرِهَا إنْ كَانَ حيًّا، أَو إلى وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا، وأَمَّا الذي لَا يَرْجِعُ مِيرَاثَاً فَهُوَ الحَبْسُ، ولَكِنَّهُ يَرْجِعُ حَبْسًا إلى أَقْرَبِ النَّاقِلِ بالمُحْبِسِ لا إلى المُحْبِسِ نَفْسِهِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وأَمَّا الرُّقْبَى فَهِيَ الدَّارُ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبهِ: إنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَنَصِيبِي حَبْسٌ عَلَيْكَ، وإنْ مِتَّ قَبْلِي فَنَصِيُبَكَ حَبْسٌ عَلَيَّ، فَهَذا لَا يَحِلُّ ويُفْسَخُ إنْ وَقَعَ، وتَبْقَى حِصَّةُ كُلّ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا لِصَاحِبهِ كَمَا كَانَتْ أَوَلَ مَرَةٍ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ في اللُّقَطَةِ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكاءَهَا" [٢٨٠٢]، يَعْنِي بالعِفَاصِ: الخِرْقَةَ التِّي تَكُونُ فِيهَا اللُّقَطَةُ، وَالوِكَاءُ: الخَيْطُ الذي تُرْبَطُ بهِ. ثُمَّ قالَ: "عَرِّفَهَا سَنة، فإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إليه، وإلَّا فَشَأنُكَ بهَا"، يَعْنِي: إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا بِعَلاَمَتِهَا وذَكَرَ مَا فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ دُفِعَتْ إَليه، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ يَمِينٌ، فإنْ لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَعَلَ فِيهَا مُلْتَقِطُهَا مَا يُفْعَلُ بالوَدِيعَةِ إذا كَانَتْ عِنْدَهُ وطَالَ بَقَاءُهَا وأَيِسَ مِنْ صَاحِبهَا، إنْ شَاءَ تَسَلَّفَهَا، وإنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا وضَمِنَهَا لِصَاحِبِهَا إنْ جَاءَ، ولَمْ تَجُزِ الصَّدَقَةُ بِهَا. ولَمْ يَرِدِ النبيُّ ﷺ بِقَوْلهِ: "شَأنُكَ بهَا" أَنْ يجعلها مَالًا لِمُلْتَقَطِهَا إذا عَرَّفها سَنَةً، إذْ لا يَرْتَفِعُ مِلْكُ الإنْسَانُ عَنْ مَالِهِ إلَّا بِهِبةٍ أو بِعِوَضٍ. وفَرَّقَ ﵇ بَيْنَ اللُّقَطَةِ والشَّاةِ، فَقَالَ فِيهَا: "هِيَ لَكَ، أَو لأَخِيكَ، أَو للذِّئْبِ"، ولَمْ يَقُلْهُ في لُقَطَةِ العَيْنِ، فَلِذَلِكَ افْتَرَقَ حُكْمُ العَيْنِ الذي لا يُتَقَّى عَلَيْهِ الفَسَادُ بِطُولِ بَقَائِهِ، وبَيْنَ الطَّعَامِ الذي يُتَقَّى عَلَيْهِ الفَسَادُ. وقَوْلُهُ فِي الإبِلِ: "مَا لَكَ ولَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤهَا وحِذَاؤهَا"، يَعْنِي: أَنَّهَا تَصْبِرُ على المَاءِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ أَو أَكْثَرَ حتَّى تَجِدَ السَّبِيلَ إليه، ولَا يَضُرُّهَا العَطَشُ كَمَا يَضُرُّ سَائِرُ الحَيَوانِ. (ومَعَهَا حِذَاؤهَا)، يَعْنِي: أَخْفَافَهَا.

стр. 518

وقَوْلُهُ في الشَّاةِ: "هِيَ لَكَ، أَو لأَخِيكَ، أَو للذئبِ"، يعْنِي: إذا وَجَدَها الرَّجُلُ في الفَيَافِي وفِي البُعْدِ مِنَ القُرَى فَهِيَ لَهُ إنْ أَرَادَهَا، فإنْ تَرَكَهَا في ذَلِكَ المَكانِ أَخَذَهَا غَيْرُهُ، أَو أكَلَتهَا السِّبَاعُ، وذَلِكَ أَئهَا لا تَستَطِيعُ الامْتِنَاعَ مِنَ السِّبَاعِ كَمَا تَمْتَنِعُ مِنْهَا الإبِلُ، فتَدْفَعُهَا عَنْ أَذِيَتهَا بأَخْفَافِهَا، ووِكْضِهَا إيَّاهَا، فأَمَّا إذا وَجَدَ الرَّجُلُ شَاةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ لَمْ يَحِل لَهُ أَخْذُهَا، ولَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ المُقِيمِينَ حتَى يَأْتِيَ اللهُ بِصَاحِبِهَا، ومَن وَجَدَ طَعَامًا بِقُرْبِ قَرْيَةٍ عَرَّفَهُ، فإنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهُ وخَشِيَ عَلَيْهِ الفَسَادَ تَصَدَّقَ بهِ، فإنْ كَانَ مُحْتَاجًا إليهِ أكَلَهُ، ولَمْ يَضمَنْهُ لِصَاحِبهِ إنْ جَاءَ يَطلُبُهُ، وقَدْ وَجَدَ النبيُّ ﷺ تَمْرَةً بالمَدِينَةِ في الطَرِيقِ، فقالَ: "لَوْلاَ أَنَّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقةِ لأكلْتُهَا" (١)، فَإنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ أكلِهَا إذ خَشِيَ أَنْ تَكونَ مِنَ الصَّدَقَةِ التي لَا تَحِلُّ لَهُ، ولَو كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الصدقة لأكلَهَا، فَلِهَذا أُسْقِطَ الغُرْمُ عَنْ أكْلِ الطعَامِ المُلْتَقَطِ إذا أَكَلَهُ مِنْ حَاجَةٍ. قالَ أَبو مَحَمَّدِ: إنَّمَا صَارَتِ اللُّقَطَةُ في رَقَبَةِ العَبْدِ إذا اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "عَرِّفْهَا سَنهً، ثم شَأْنُكَ بِهَا"، فلَم يَجْعَلْ فيهَا تصَرُّفَا لملتقطها إلَّا بَعْدَ السَّنَةِ، فَإذا أَتْلَفَهَا العَبْدُ المُلْتَقِطُ لَها بَعْدَ السنة كَانَتْ في ذِمَّتِهِ لاخْتِلاَفِ النَّاسِ فِيهَا، إذْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُبِيحُهَا لِمُلْتَقَطِهَا بَعْدَ السَّنَةِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ ثَابتَ بنَ الضحَّاكِ بإرْسَالِ البَعِيرِ الذي وَجَدَهُ بالحرَّةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ [٢٨٠٨] لأَنهُ أَخْطَأَ في أَخْذِهِ إيَّاهُ، وقَدْ مَنَعَ النبي ﷺ مِنْ أَخْذِ ضَالَّةِ الإبِلِ فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا"، وهَذا بخِلاَفِ العُرُوضِ، ومَنْ وَجَدَ عُرُضًا فَأَخَذَهُ وعَرَّفَهُ فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلى المَوْضِعِ الذي وَجَدَهُ فِيهِ، فإنْ فَعَلَ وتَلَفَ ضَمِنَهُ لِصَاحِبهِ إذا جَاءَ بِعَلاَمَتِهِ.

стр. 519

* ومعنَى قَوْلِ عُمَرَ ﵁: (من أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ) [٢٨٠٩]، يَعْنِي: من أَخَذَ بَعِيرًا ضَاَلًا فَهُوَ مُخطِئٌ، ويقَوْلِ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ مَالِكٌ في ضَوَالِّ الإبِلِ أَنَّهَا تُوْسَلُ حَيْثُ وُجِدَتْ, ولَم يَأْخُذْ بِعَمَلِ عُثْمَانَ في بَيْعِهِ إيَّاهَا، ودَفعِ ثَمَنِهَا لأصحَابِهَا [٢٨١٠]، وفَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ ﵁ على وَجْهِ الإجْتِهَادِ، وحِفْظِ مَالِ المُسْلِمِينَ.

стр. 520

بابُ صَدَقَةِ الحَيِّ عَنِ المَيِّتِ، والأَمْرِ بالوَصِيَّةِ * رَوَى يحيى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ عَمْرو بنِ شُرَحْبيلَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ [٢٨١٢]، وهَذا خَطَأٌ، وَرَوَاهُ ابنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ عَمْروِ بنِ شُرَحْبِيلَ بنِ سَعِيدِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ (١)، وهذا هُوَ الصَّحِيحُ في سَنَدِ هَذا الحَدِيثِ. وقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هُوَ حَدِيثٌ مُرْسَل، لأَنَّ شُرْحِبيلَ بنَ سَعِيدٍ لَمْ يُدْرِكْ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ. * قَوْلُ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ: "إن أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا" [٢٨١٣]، يَعْنِي: أَنَّهَا مَاتَتْ بَغْتَةً ولَمْ تتُصَدَّقْ عَنْ نَفْسِهَا بِشَيءٍ، فَأَمَرَهُ النبيُّ ﷺ أنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهَا، فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ على أَنَّ الصَّدَقَةَ تَنْفَعُ المَيِّتَ في قَبْرهِ، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إذا مَاتَ العَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلاَثٍ"، فَذَكَرَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، والعِلْمَ الذي يُنْشَرُ بَعْدَهُ مِمَّا كَانَ قَدْ عَلَّمَهُ هُوَ النَّاسَ، ودَعْوَةَ الوَلَدِ الصَّالِحِ (٢). * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَبَاحَ النبيُّ ﷺ مَنْ تَصَدَّقَ على أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ مَاتَا أَنْ يَرِثَ ذَلِكَ عَنْهُمَا، ولَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِغَيْرٍ إلَّا بِرَضَا المُتَصَدِّقِينَ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "الرَّاجع في هِبتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئهِ"، وقَالَ لِمَنْ تَصَدَّقَ على أَبوَيْهِ ثم مَاتَا: "قَدْ أُجِرْتَ في صَدَقَتِكَ، وخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ" [٢٨١٤].

стр. 521

قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا حَضَّ النبيُّ ﷺ على الوَصِيَّةِ لِكَيْ يَتَبَرَّأَ الإنْسَانُ مِنْ تَبِاعَاتٍ عَلَيْهِ، ولِكَي يُقَدِّمُ مِنْ مَالِهِ مَا يَرْجُو نَفْعَهُ وبَرَكَتَهُ في آخِرَتهِ. وقَالَ الزُّهْرِيُّ: (جَعَلَ اللهُ الوَصِيَّةَ حَقًّا مِمَّا قَلَّ مِنَ المَالِ أَو كَثُرَ) (١)، وبهَذا قَالَ ابنُ عُمَرَ في حَدِيثِهِ الذي رَوَاهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ (٢). * بَيَانٌ بِنَسْخِ الوَصِيَّةِ وتَبْدِيلِهَا بِغَيْرِهَا لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتَهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبةً" [٢٨١٧]، فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ على الأَمْرِ بالوَصيَّةِ فِيمَا قَلَّ أَو كَثُرَ مِنَ المَالِ، وعَلَى جَوَازِ نَسْخِهَا بِغَيْرِهَا إنْ شَاءَ ذَلِكَ صَاحِبُهَا. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَعْنَى قَوْلِ الرجل: دَبَّرْتُ عَبْدِي، أَيْ أَنْفَذْتُ عِتْقَهُ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي إذا وَلَّيْتُ الدُّنيا ظَهْرِي بِخُرُوجِي مِنْهَا مَيِّتًا، فَلِهَذا لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ في التَّدْبِيرِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَجَازَ عُمَرُ ﵁ وَصِيَّةَ مَنْ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ [٢٨٢٠]، وعَلَيْهِ العَمَلُ بالمَدِينَةِ، وأُجِيزَتْ وَصِيَّةُ السَّفِيهِ لأَنَّهَا إنَّمَا تُنْفَذُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتهِ في وَقْتٍ لا يُخْشَى عَلَيْهِ تَلَفُ مَالِهِ، وأَنَّهُ يُؤْجَرُ فِيهَا كَمَا يُؤْجَرُ غَيْرُهُ. * حَدِيثُ سَعْدِ بنِ أَبي وَقاصٍ [٢٨٢٤] مِنَ الفِقْهِ: فَضْلُ عِيَادَةِ المَرْضَى، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يعُودُ المَرْضَى، ويُوَاصِلُ أَصْحَابَهُ بِنَفْسِهِ، وهَذا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وفِيهِ بَيَانُ أَنَّ يَدَ المُتَصَدِّقِ خَيْرٌ مِنْ يَدِ المُتَصدِّقِ عَلَيْهِ، وأنَّ الإسْتِغْنَاءَ عَنِ النَّاسِ خَيْر مِنَ الحَاجَةِ إليهِم، وفِيهِ أنَّ الرَّجُلَ يُؤْجَرُ في نَفَقَتِهِ على عِيَالِهِ إذا أَنْفَقَ عَلَيْهِم مِنْ حَلاَلٍ، وأَجْمَلَ اللهُ ﵎ ذِكْرَ الوَصِيَّةَ في كِتَابهِ، فَقَالَ:

стр. 522

﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، ثم بيَنَ النبيُّ ﷺ مُرَادَ الله مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ المُوصِي أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَقَالَ: "الثُلُثُ والثُلُثُ كثيرٌ". ومَعْنَى قَوْله ﷺ لِسَعْدٍ: "وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حتَّى يَنْتَفعَ بِكَ أَقْوَامٌ، ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ" أَنَّ اللهَ أَبْقَاهُ حتَّى أُمِّرَ على العِرَاقِ، فَقتلَ قَوْمًا كَانُوا ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلَامِ فَضُرُّوا بِهِ، واسْتَتَابَ قَوْمًا كَانَ يَسْجَعُونَ بِتَسْجِيعِ مُسَيْلَمَةَ الكَذابِ فتَابُوا وانتفَعُوا بهِ. وقَوْلُهُ ﷺ في آخِرِ الحَدِيثِ: "لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ، يُرثي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ مَاتَ بِمَكَّةَ"، قالَ عِيسَى: (البَائِسُ) كَلِمَةٌ تُقَالُ للإنْسَانِ إذا نَزَلَتْ بِهِ مُصِيبَةٌ، وكَانَ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ قَدْ أَسْلَمَ بِمَكةَ قَبْلَ الفَتْحِ، ثُمَّ أَقَامَ بِهَا حتَّى مَاتَ فِيهَا ولَمْ يُهَاجِرْ مِنْهَا إلى المَدِينَةِ كَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ، فَرَثَى لَهُ رسُولُ اللهِ ﷺ لِتَرْكِهِ الهِجْرَةَ التي كَانَتْ فَرْضًا على كُلِّ مُسْلِمٍ في أَوَّلِ الإسْلَامِ أَن يُهَاجِرَ مِنْ بَلَدِهِ إذا أَسْلَمَ فِيهِ إلى المَدِينَةِ، حتَّى ارْتَفَعَتِ الهِجْرَةُ عَامَ الفَتحِ حِينَ قَالَ النبيُّ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولَكِنْ جِهَادٌ ونيَّةٌ" (١). وفِي هَذا مِنَ الفِقْهِ: الخُوْفُ على مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ فُرُوضِهِ التِّي تَلْزَمُهُ حتَّى مَاتَ ولَمْ يَأتِ بِهَا وإنْ كَانَ مُوحِّدًا حتَّى مَاتَ على التَّوْحِيدِ، لأَنَ الإيمَانَ قَوْلٌ، وعَمَلٌ، ونيَّة، وإصَابَةُ السُّنَّةِ. * قَوْلُ مَالِكٌ في الذي يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، ويَقُولُ: غُلاَمِي يَخْدِمُ فُلاَنًا مَا عَاشَ، فإذا مَاتَ فُلاَنٌ فَغُلاَمِي حُرٌّ، فَيُوجَدُ العَبْدُ ثُلُثَ مَالِ المَيِّتِ، فإنْ خَدَمَةُ العَبْدُ تُقُوِّمَ، ثم يَتَحَاصَّانِ فِيهَا [٢٨٢٥]. تَفْسِيرُ ذَلِكَ: هُوَ أنْ يُنْظَرَ إلى عُمُرِ العَبْدِ وإلى عُمُرِ المُوصِي بالرَّقَبةِ، فَأَيهَما كَانَ أَقَلَّ عُمُرٍ مِنْ صَاحِبهِ أُقِيمَتْ خِدْمَةُ العَبْدِ تِلْكَ المُدَّةِ. واسْتَحَبَّ ابنُ القَاسِمِ في ذَلِكَ تَعْمِيرَ سَبْعِينَ سَنَةٍ، يُقَالُ مَا قِيمَةُ خِدْمَةِ هذا

стр. 523

العَبْدِ مُدَّةَ بَاقِي عُمُرِهِ، فتؤْخُذُ قِيمَتُهَا ثَلاَثُونَ دِينَارًا، ثُمَّ يُقَالُ: مَا قِيمَةُ العَبْدِ، فتؤْخَذُ قِيمَتُهُ عُشْرُونَ دِينَارًا، فَيأْخُذُ المُوصَى لَهُ بالثُلُثِ مِنْ أُجْرَةِ العَبْدِ أَو مِنْ خِدْمَتِهِ الخَمْسِينَ، ويَأْخُذُ الذي أَوْصَى لَهُ بالخِدْمَةِ مِنْ ذَلِكَ الثَّلاَثةَ الأَخْمَاسِ، فإذا مَاتَ المُوصَى لَهُ بالعَبْدِ خَرَجَ العَبْدُ حُرًّا بِمَوْتهِ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا مُنِعَتِ الحَامِلُ إذا دَنَا وِلاَدُهَا مِنْ أَنْ تُوصِي بأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا مَرِيضَة في تِلْكَ الحَالِ، قَالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] [٢٨٢٨]، يَعْنِي: لَمَّا أُثْقِلَتْ بِحَمْلِ الوَلَدِ [صَارَتْ] (١) مَرِيضَةً، وهذا حُكْمُ كُلِّ مَرِيضٍ أَنْ لَا يُوصِي بأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ إلَّا أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ وَرَثتهُ، وإذا كَانَ الإنْسَانُ صَحِيحًا جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ في مَالِهِ مَا شَاءَ، إلَّا المَرْأةَ ذَاتَ الزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهَا -وإن كَانَتْ صَحِيحَةً- أَنْ تَهِبَ مِنْ مَالِهَا أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وذَلِكَ أَنَّ زَوْجَهَا إنَّمَا تَزَوَّجَها، ورَفَعَ في صُدَاقِهَا لِمَالِهَا، فإذا زَادَتْ في هِبَتِهَا على الثُلُثِ رَدَّ الزَّوجُ جَمِيعَهُ، لأَنَّهَا قَصَدتْ بهِ الضَّرَرَ، وقَدْ قِيلَ: يُنْفَذُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ الثُلُثِ، ويَرُدُّ الزَّوْجُ مَا زَادَ على ذَلِكَ. وقَالَ قتَادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، قالَ: (نُسِخَ مِنْها الوَالِدَيْنِ، وبَقِيَ الأَقْرَبُونَ مِمَّنْ لَا يَرِثُ) (٢). فَمُبَاحٌ للرَّجُلِ أَنْ يُوصِي لِقَرَابَتِهِ الذينَ لا يَرِثُونَهُ في حَالِ وَصِيَّتِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ وَصِيَّتهِ. وقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ ﵁: (مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَبيرُ مَالٍ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ) (٣).

стр. 524

وقالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ في قَوْلِ اللهِ : ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، قالَ: (مَنْ تَرَكَ خَمْسِمَائةَ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوصِي) (١). وقالَ غَيْرُهُ: الوَصِيَّةُ حَقٌّ فِيمَا قَلَّ مِنَ المَالِ أَو كَثُرَ (٢). * وقالَ ﷺ : "مَا حَقُّ امْرِئٍ لَهُ شَيءٌ يُوصِي فِيهِ" [٢٨١٨] وذَكَرَ الحَدِيثَ، قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا وَجَبَ أَنْ يُجِيزَ الوَرَثَةَ فِيمَا زَادَ المُوصِي على الثُلُثِ بَيْنَ إجَارتهِ وَرَدِّهِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ للمُوصِي التَّصَرُّفَ في ثُلُثِ مَالِهِ، فَصَارَ بِذَلِكَ شَرِيكًا للوَرَثةِ في جَمِيعِ المَالِ، فإذا عَيَّنَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا في وَصِيَّتِهِ فَكَأَنَّهُ عَاوَضَ وَرَثتهُ بالذي عَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ، فَإذا أَجَازُوا ذَلِكَ نَفَذَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُمْ بهِ، ودَفَعَ إليهِم، وإنْ أَبَوا أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ قِيلَ لَهُم: ادْفَعُوا ثُلُثَ مَالِ المَيِّتِ إلى أَهْلِ الوَصَايَا في وَصَايَاهُم، إذ لَا ضرَرَ عَلَيْكُم في ذَلِكَ، وإذا اسْتَأْذَنَ الرَّجُلُ وَرَثَتَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ في أَنْ يُوصِي لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ بِقَطِيعٍ مِنْ مَالِهِ فأَذِنُوا لَهُ في ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْته كَانَ لَهُم الرُّجُوعُ عَنْهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ حِينَ أَذِنُوا لَهُ في ذَلِكَ كَانُوا غَيْرَ مَالِكِينَ لِشَيءٍ مِنْ مَالِهِ، بِخِلاَفِ إذْنِهِم لَهُ في حَالِ مَرَضِهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُم إذا كَانَ مَرِيضًا في مَالِهِ سَبَبٌ يَمْنَعُ المُوصِي مِنَ التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ، فَلِذَلِكَ يَجُوزُ عَلَيْهِم مَا يَأْذَنُوا فِيهِ في حَالِ مَرَضِهِ، ولا يَكُونُ لَهُم سَبِيلٌ إلى الرُّجُوعِ في شَيءٍ مِنْهُ. * قالَ عِيسَى: قَوْلُ المُخَنَّثِ في ابْنَةِ غَيْلاَنَ: "إنَّهَا تُقْبِلُ بأرْبَعٍ، وتُدْبِرُ بثَمَانٍ" [٢٨٣٧]، يَعْنِي: أَنَّهَا إذا أَقْبَلَتْ نَظَرتَ إلى أَرْبَعَةِ أَعْكَانٍ في بَطْنِهَا، فإذا أَدْبَرَتْ صَارَتْ ثَمَانَيَةَ، أَرْبَعَة في خَاصِرَتهَا اليُمْنَى، وأَرْبَعَةً في اليُسْرَى، فَلَمَّا سَمِعَ النبيُّ ﷺ وَصْفَهُ للنِّسَاءِ كَوَصْفِ ذُكُورِ الرِّجَالِ لَهُنَّ مَنَعَهُ مِنَ الدُّخُولِ على

стр. 525

النِّسَاءِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ الذينَ أُبِيحَ لَهُم الدُّخُولُ على غَيْرِ ذَوَاتِ المَحَارِمِ. ورَوَى عِكْرِمَةُ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بِيُوتكُمْ" (١)، يَعْنِي: المُخَنِّثينَ مِنَ الرِّجَالِ، لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَيْكُم النِّسَاءَ. * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ سَلْمَانَ: (إنَ الأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا، وإنَّمَا يُقَدِّسُ الإنْسَانُ عَمَلَهُ) [٢٨٤٢]، يَعْنِي: إنَّمَا يُطَهِّرُ الإنْسَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ العَمَلُ الصَّالحُ الذي يُرَادُ بِهِ وَجْهَ اللهِ ﵎. وقَوْلُهُ: (بَلَغَنِي أنَّكَ جُعِلْتَ طَبِيبًا تُدَاوِي)، يَعْنِي: جُعِلْتَ قَاضِيًا تَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ. (فإنْ كنتَ تُبْرِئُ فَنِعمَّا لَكَ)، يَعْنِي: إنْ كُنْتَ عَالِمًا تَحْكُمُ بالعَدْلِ فَهَنِيئًا لَكَ. (وإنْ كنتَ مُتَطَبِّبًا)، يَعْنِي: إنْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ كَيْفَ تَحْكُمُ. (فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ إنْسَانًا فَتدْخُلَ النَّارَ)، يَعْنِي: احْذَرْ أَنْ تَحْكُمَ على أَحَدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ فتَدْخُلَ النَّارَ، وهَذا واللهُ أَعْلَمُ، فِيمَنْ قَصَدَ في حُكْمِهِ إلى الجَوْرِ، وقَدْ رَوَى بُرَيْدَةُ بنُ [الحُصَيبِ بنِ] (٢) عَبْدِ اللهِ الأَسْلَمِيُّ، عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "القُضاةُ ثَلاَثَةٌ، وَاحِدٌ في الجَنَّةِ، واثْنَانِ في النَّارِ، فأَمَّا الذي فِي الجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ وقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجَارَ في الحُكْمِ، فَهُوَ في النَّارِ، ورَجُلٌ قَضَى للنَّاسِ على جَهْلٍ، فَهُوَ في النَّارِ" (٣). * قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: (إنَّ الأُسَيْفِعَ أُسَيْفَعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينهِ وأَمَانَتِهِ الَّتي ائتمَنَهُ اللهُ ، وأَمَرَهُ أَنْ يَرِينَ بِذَلِكَ وَجْهَهُ، فتَرَكَ ذَلِكَ وَرَضِيَ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: سَبَقَ الحَاجَّ) [٢٨٤٦]، وذَكَرَ القِصَّةَ إلى آخِرِهَا.

стр. 526

قالَ ابنُ وَهْب: الأُسَيْفعُ هُوَ تَصْغِيرُ أَسْفَعَ، وَهُوَ الأَسْوَدُ، وكَانَ رَجُلًا يُشَاهِدُ مَوَاسِمَ الحَجِّ، ثم يَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ الشَرِيعَةَ السَّيْرِ بأَعْلَى الثمَنِ، ثم يُسْرِعُ السَّيْرَ إلى المَدِينَه لِيُقَالَ: صَبَىَ فُلاَنٌ الحَاجَّ، وهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الرِّيَاءِ الذينَ لا يُرِيدُونَ بأَعمَالِهِمْ وَجْهَ اللهِ ﵎، فَلَا تُزَكُوا أَعْمَالَكُم عَنْدَ اللهِ . وَقَوْلُهُ: (قدْ رِينَ بهِ)، يَعْنِي: قَدْ شُهِرَ بِهِ وأَحَاطَ بهِ الدَّيْنُ. (فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ)، يَعْنِي: دَيْنًا ثَابِتًا بالبَيِّنَةِ. (فَلْيَأْتِنَا نُقسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ)، وهَذا حُكْمُ المُفْلِسِ يَكونُ غُرَمَاؤُهُ أُسْوَةٌ في مَالِهِ على قَدْرِ مَا لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: (وإيَّاكمْ والدَّينَ، فإن أَوَّلَهُ هَمٌّ، وآخِرَه حَرْبٌ)، يَعنِي: الدَّيْنَ الذي يُسْتَدَانُ في سَفَهٍ، وأَمَّا مَا يُسْتَدَانُ في طَاعَةِ اللهِ فاللهُ ﵎ يُعِينُ على أَدَائِهِ. * * * تَمَّ كِتَابُ الأَقْضِيَةِ بِحَمدِ اللهِ وعَوْنه، وصلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وَسَلَّمَ. يَتْلُوهُ كِتَابُ الشُّفْعَةِ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى

стр. 527

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا تَفْسِير كِتَابِ الشُّفْعةِ * [قالَ أَبوالمُطَرِّفِ] (١): وَوَى مَالِكٌ في المُوطَّ حدِيثَ الشُّفعَةِ مرْسَلًا [٢٦٣٣]، ورَوَاه عَبد [الوَاحِدِ] (٢)، عَنْ مَعمرٍ، فَي الزهريِّ، عَن أَبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن جَابِرِ بنِ عبدِ الله الأَنْصَاريِّ، قالَ: "إنَّمَا جَعَلَ رَسولُ اللهِ الشُّفْعَه فِيمّا لَمْ يُقْسَم، فَإذا وَقَعَتِ الحُدُود، وضرِبتِ الطرِقُ فَلَا شفْعَةَ" (٣). [قالَ] (٤) عَبْدُ الرَّحمنِ: هَذا الحَدِيث أَصل في الشفعة أنَّهَا لا تَكون فيمَا وّتَعَعت فِيهِ الحُدُودُ مِنْ رَبع، أو أُرضٍ، أو عقَارٍ، ولَا يكُونُ إلَّا بين الشُّركاءِ الذينَ لَمْ يَقْسِمُوا ذَلكَ، إنْ بَاعَ أحَدُهُم نَصِيبهُ كَانَ لِشُرَكائه الشُّفْعةَ في ذلِكَ. وروَى سُفيَانُ بن عيَيْنَةَ، عنِ إبرَاهِيم بنِ ميسَرَة، عَن عمرو بنِ الشَّرِيدِ, عن أَبي رَافَعٍ، أَن النبيَّ ﷺ قالَ: "الجَارُ أحقُّ، بِصَقَبِهِ" (٥).

стр. 528

[قالَ] عبدُ الرَّحمنِ: أَخَذَ قُوْمٌ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ بِظَاهِرِ هَذا الحَدِيثِ وأَوْجَبُوا الشُّفْعَةَ للجَارِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الصَّقَبَ القُرْبَ، ولَيْسَ هَذا الحَدِيثُ بِمُخَالِفٍ للأَوَّلِ، إذ جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ للشَرِيكِ في المَالِ جَارٌ، وَهُوَ أَصْقَبُ الجِيرَانِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الحَدِيثَيْنِ وَاحِدًا، فَلَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ إلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِيمَا لَمْ يَقْسِمُوهُ مِنَ الرِّبَاعِ والأَرَضِينَ، وبِهَذا قَالَ ابنُ المُسَيَّبِ، وسَلُيْمَانُ بنُ يَسَارٍ، وأَهْلُ المَدِينَةِ، وبِهِ قَالَ مَالِكٌ. * [قالَ، عبدُ الرَّحمنِ: وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ في الشَّفِيعِ والمُشْتَرِي يَخْتَلِفَانِ في قِيمَةِ ثَمَنِ الشَّقْصِ إذا اشْتَرَى بِعِوَضٍ فَقَالَ بِخِلاَفِ المُشْتَرِي فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ القِيمَةِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ المُشْتَرِي هَهُنَا مُدَّعَى عَلَيْهِ، وكُلُّ مُدَّعَى عَلَيْهِ إذا لَمْ يُثْبتْ المُدَّعِي دَعْوَاهُ أَنَّ اليَمِينَ تَجِبُ على المُدَّعَى عَلَيْهِ [٢٦٣٦]. قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: مَنْ طَلَبَ شُفْعَةً فِيمَا قَدْ بِيعَ بِثَمَنٍ إلى أَجَلٍ ولَمْ يَكُنْ مَلِيئًا ولَمْ يَجِدْ مَنْ يَتَحَمَّلُ لَهُ بالمَالِ إلى الأَجَلِ الذي بِيعَ إليهِ الشَّقْصُ الذي طَلَبَ فِيهِ الشُّفْعَةَ، فأَسْقَطَ عِنْدَ ذَلِكَ السُّلْطَانُ شُفْعَتَهُ، ثُمَّ أَيْسَرَ بالمَالِ قَبْلَ الأَجَلِ الذي بِيعَ إليهِ ذَلِكَ الشَّقْصُ أَنَّهُ لا شُفْعَةَ لَهُ فِيهِ، لأَنَّ السُّلْطَانَ قَدْ أَبْطَلَها، وإنْ لَمْ يُرْفَعْ ذَلِكَ إلى السُّلْطَانِ وكَانَ أَجَلُ بَيع ذَلِكَ الشَّقْصِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فالشُّفْعَةُ للشَّفِيعِ ثَابِتَةٌ إلى انْقِضَاءِ السَّنَةِ، وإنْ كَانَ حَاضِرًا. قالَ: ولَا تَقْطَعُ شُفْعَةُ الغَائِبِ غَيْبَتَهُ وإنْ طَالَتْ (١). قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنِ ابْتَاعَ مَا فِيهِ شُفْعَةً لِغَائِبٍ رُفِعَ أَمْرُهُ إلى السُّلْطَانِ فَكَتَبَ لَهُ إلى قَاضِي البَلَدِ الذي فِيهِ الشَّفِيعُ، فَيُوقِفُ القَاضِي ذَلِكَ الشَّفِيعُ على الأَخْذِ أَو التَّرْكِ، فإنْ تَرَكَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَمْ يَحِدَّ لَنا مَالِكٌ في قُرْبِ البَلَدِ حَدًّا. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وقَدْ يَكُونُ الضَّعِيفُ والمَرْأَةُ على مَيْسَرَةِ يَوْمٍ أَو أَقَلَّ فَلَا

стр. 529

يَسْتَطِيعُ النُّهُوضَ لِطَلَبِ شُفْعَتِهِ، وإنَّمَا في هَذا اجْتِهَادُ السُّلْطَانِ إذا نَزَلَ عَنْ [أَفْضَلِ مَا يَرَاهُ] (١)، وإذا كَانَ الشَّفِيعُ حَاضِرًا فَالشُّفْعَةُ لَهُ إلى انْقِضَاءِ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ البَيْع، وعَلَيْهِ اليَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَوَقُّفُهُ عَنِ الأَخْذِ بالشُّفْعَةِ تَرْكًا مِنْهُ لَهَا، فإذا حَلَفَ أَخَذَ شُفْعَتَهُ، وللمُبْتَاعِ تَوْقِيفُ الشَّفِيعِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فإمَّا أَخَذَ الشُّفْعَةَ، وإمَّا تَرَكَهَا، فإنْ أَخَذَها أَخَّرَهُ السُّلْطَانُ بالثَّمَنِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ونَحْوِهَا على حَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ قِلَّةِ المَالِ وكَثْرَتهِ. وقالَ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ: مَنِ ابْتَاعَ مَا فِيه شُفْعَةٌ لِرَجُلٍ حَاضِرٍ فَأَقَامَ المُشْتَرِي بِحَضْرَةِ الشَّفِيعِ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ طَلَبَ شُفْعَتَهُ، أَنَّهُ يَحْلِفُ الشَّفِيعُ باللهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بالبَيع، وأَنَّهُ لم يَزَلْ مُجْمِعًا على الأَخْذِ بالشُفْعَةِ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحمَنِ: الصَّغِيرُ الذي لَا وَصِيَّ لَهُ على شُفْعَتِهِ حتَّى يَبْلُغَ ويَرْشَدَ، والبِكْرُ على شُفْعَتِهَا حتَّى تُنْكَحَ ويَبْنِي بِهَا زَوْجُهَا، ويُعْرَفَ حَالُهَا ورُشْدُهَا، فإنْ كَانَ عَلَيْهِمَا وَصِيٌّ رَفَعَ المُشْتَرِي ذَلِكَ إلى القَاضِي فَكَلَّفَهُ البيِّنَةَ على أَنَّ التَّرْكَ لَهُمَا أَفْضَلُ أَو الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ، فإذا أَمَرَهُ القَاضِي بالتَّرْكِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ شُفْعَةٌ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: إنَّمَا لَمْ تَكُنْ الشُّفْعَةُ في البَئْرِ إذا قُسِمَتِ الأَرْضُ وبَقِيتِ البئْرُ التِّي تُسْقَى بِهَا تِلْكَ الأَرْضُ المَقْسُومَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ غَيْرُ مَقْسُومَةٍ، وكَذَلِكَ فَحلُ النَّخْلِ إذا قُسِمَتِ النَّخْلُ وبَقِيَ ذَلِكَ الفَحْلُ الذي تُذَكَّرُ بهِ تِلْكَ النَّخِيلُ المَقْسُومَةُ، فبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنْ تِلْكَ البئْرِ أَو مِنْ فَحْلِ النَّخْلِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ شُفْعَةٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقَسِمُ ولَا يُحَدَّدُ بَعْدَ القِسْمَةِ، وإنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا يُحَدَّدُ وُيقْسَمُ، وأما إذا كَانَتِ الأَرْضُ غَيْرَ مَقْسُومَةٍ فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنَ البِئْرِ فإنَّ الشُّفْعَةَ في ذَلِكَ لِشُرَكَائِهِ، وكَذَلِكَ النَّخِيلُ إذا لَمْ تَكُنْ مَقْسُومَةً ولَهَا فَحْلٌ تُذَكَّرُ بهِ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنَ الفَحْلِ فإنَّ لِشُرَكَائِهِ الشُّفْعَةَ في ذَلِكَ إنْ

стр. 530

أَحَبُّوا الأَخْذَ بِهَا، وكَذَلِكَ لَا شُفْعَةَ في عَرَصَةِ الدَّارِ التّي قَدْ قُسِمَتْ بِيُوتُهَا، وتُرِكَتِ العَرَصَةُ مُنتفَعَةٌ لأَهْلِ الدَّارِ يَرْتَفِقُونَ بِهَا، فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ مَنْفَعَتَهُ في تِلْكَ العَرَصَةِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا لأشْرَاكِهِ، وأَمَّا إذا لَمْ تُقْسَم البُيُوتُ كَانَتِ الشُّفْعَةُ في العَرَصَةِ إذا بِيعَتِ المَنْفَعَةُ مِنْها (١). * * * تَمَّ كِتَابُ الشُّفْعَةِ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى. يَتْلُوهُ كِتَابُ القِرَاضِ بِحَوْلِ اللهِ. * * *
следующие страницы →