Полный текст (779 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
قالَ ابنُ وَهْب: الأُسَيْفعُ هُوَ تَصْغِيرُ أَسْفَعَ، وَهُوَ الأَسْوَدُ، وكَانَ رَجُلًا يُشَاهِدُ مَوَاسِمَ الحَجِّ، ثم يَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ الشَرِيعَةَ السَّيْرِ بأَعْلَى الثمَنِ، ثم يُسْرِعُ السَّيْرَ إلى المَدِينَه لِيُقَالَ: صَبَىَ فُلاَنٌ الحَاجَّ، وهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الرِّيَاءِ الذينَ لا يُرِيدُونَ بأَعمَالِهِمْ وَجْهَ اللهِ ﵎، فَلَا تُزَكُوا أَعْمَالَكُم عَنْدَ اللهِ .
وَقَوْلُهُ: (قدْ رِينَ بهِ)، يَعْنِي: قَدْ شُهِرَ بِهِ وأَحَاطَ بهِ الدَّيْنُ.
(فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ)، يَعْنِي: دَيْنًا ثَابِتًا بالبَيِّنَةِ.
(فَلْيَأْتِنَا نُقسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ)، وهَذا حُكْمُ المُفْلِسِ يَكونُ غُرَمَاؤُهُ أُسْوَةٌ في مَالِهِ على قَدْرِ مَا لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: (وإيَّاكمْ والدَّينَ، فإن أَوَّلَهُ هَمٌّ، وآخِرَه حَرْبٌ)، يَعنِي: الدَّيْنَ الذي يُسْتَدَانُ في سَفَهٍ، وأَمَّا مَا يُسْتَدَانُ في طَاعَةِ اللهِ فاللهُ ﵎ يُعِينُ على أَدَائِهِ.
* * *
تَمَّ كِتَابُ الأَقْضِيَةِ بِحَمدِ اللهِ وعَوْنه، وصلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وَسَلَّمَ.
يَتْلُوهُ كِتَابُ الشُّفْعَةِ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى
стр. 527
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا
تَفْسِير كِتَابِ الشُّفْعةِ
* [قالَ أَبوالمُطَرِّفِ] (١): وَوَى مَالِكٌ في المُوطَّ حدِيثَ الشُّفعَةِ مرْسَلًا [٢٦٣٣]، ورَوَاه عَبد [الوَاحِدِ] (٢)، عَنْ مَعمرٍ، فَي الزهريِّ، عَن أَبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن جَابِرِ بنِ عبدِ الله الأَنْصَاريِّ، قالَ: "إنَّمَا جَعَلَ رَسولُ اللهِ الشُّفْعَه فِيمّا لَمْ يُقْسَم، فَإذا وَقَعَتِ الحُدُود، وضرِبتِ الطرِقُ فَلَا شفْعَةَ" (٣).
[قالَ] (٤) عَبْدُ الرَّحمنِ: هَذا الحَدِيث أَصل في الشفعة أنَّهَا لا تَكون فيمَا وّتَعَعت فِيهِ الحُدُودُ مِنْ رَبع، أو أُرضٍ، أو عقَارٍ، ولَا يكُونُ إلَّا بين الشُّركاءِ الذينَ لَمْ يَقْسِمُوا ذَلكَ، إنْ بَاعَ أحَدُهُم نَصِيبهُ كَانَ لِشُرَكائه الشُّفْعةَ في ذلِكَ.
وروَى سُفيَانُ بن عيَيْنَةَ، عنِ إبرَاهِيم بنِ ميسَرَة، عَن عمرو بنِ الشَّرِيدِ, عن أَبي رَافَعٍ، أَن النبيَّ ﷺ قالَ: "الجَارُ أحقُّ، بِصَقَبِهِ" (٥). стр. 528
[قالَ] عبدُ الرَّحمنِ: أَخَذَ قُوْمٌ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ بِظَاهِرِ هَذا الحَدِيثِ وأَوْجَبُوا الشُّفْعَةَ للجَارِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الصَّقَبَ القُرْبَ، ولَيْسَ هَذا الحَدِيثُ بِمُخَالِفٍ للأَوَّلِ، إذ جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ للشَرِيكِ في المَالِ جَارٌ، وَهُوَ أَصْقَبُ الجِيرَانِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الحَدِيثَيْنِ وَاحِدًا، فَلَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ إلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِيمَا لَمْ يَقْسِمُوهُ مِنَ الرِّبَاعِ والأَرَضِينَ، وبِهَذا قَالَ ابنُ المُسَيَّبِ، وسَلُيْمَانُ بنُ يَسَارٍ، وأَهْلُ المَدِينَةِ، وبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
* [قالَ، عبدُ الرَّحمنِ: وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ في الشَّفِيعِ والمُشْتَرِي يَخْتَلِفَانِ في قِيمَةِ ثَمَنِ الشَّقْصِ إذا اشْتَرَى بِعِوَضٍ فَقَالَ بِخِلاَفِ المُشْتَرِي فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ القِيمَةِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ المُشْتَرِي هَهُنَا مُدَّعَى عَلَيْهِ، وكُلُّ مُدَّعَى عَلَيْهِ إذا لَمْ يُثْبتْ المُدَّعِي دَعْوَاهُ أَنَّ اليَمِينَ تَجِبُ على المُدَّعَى عَلَيْهِ [٢٦٣٦].
قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: مَنْ طَلَبَ شُفْعَةً فِيمَا قَدْ بِيعَ بِثَمَنٍ إلى أَجَلٍ ولَمْ يَكُنْ مَلِيئًا ولَمْ يَجِدْ مَنْ يَتَحَمَّلُ لَهُ بالمَالِ إلى الأَجَلِ الذي بِيعَ إليهِ الشَّقْصُ الذي طَلَبَ فِيهِ الشُّفْعَةَ، فأَسْقَطَ عِنْدَ ذَلِكَ السُّلْطَانُ شُفْعَتَهُ، ثُمَّ أَيْسَرَ بالمَالِ قَبْلَ الأَجَلِ الذي بِيعَ إليهِ ذَلِكَ الشَّقْصُ أَنَّهُ لا شُفْعَةَ لَهُ فِيهِ، لأَنَّ السُّلْطَانَ قَدْ أَبْطَلَها، وإنْ لَمْ يُرْفَعْ ذَلِكَ إلى السُّلْطَانِ وكَانَ أَجَلُ بَيع ذَلِكَ الشَّقْصِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فالشُّفْعَةُ للشَّفِيعِ ثَابِتَةٌ إلى انْقِضَاءِ السَّنَةِ، وإنْ كَانَ حَاضِرًا.
قالَ: ولَا تَقْطَعُ شُفْعَةُ الغَائِبِ غَيْبَتَهُ وإنْ طَالَتْ (١).
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنِ ابْتَاعَ مَا فِيهِ شُفْعَةً لِغَائِبٍ رُفِعَ أَمْرُهُ إلى السُّلْطَانِ فَكَتَبَ لَهُ إلى قَاضِي البَلَدِ الذي فِيهِ الشَّفِيعُ، فَيُوقِفُ القَاضِي ذَلِكَ الشَّفِيعُ على الأَخْذِ أَو التَّرْكِ، فإنْ تَرَكَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَمْ يَحِدَّ لَنا مَالِكٌ في قُرْبِ البَلَدِ حَدًّا.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وقَدْ يَكُونُ الضَّعِيفُ والمَرْأَةُ على مَيْسَرَةِ يَوْمٍ أَو أَقَلَّ فَلَا стр. 529
يَسْتَطِيعُ النُّهُوضَ لِطَلَبِ شُفْعَتِهِ، وإنَّمَا في هَذا اجْتِهَادُ السُّلْطَانِ إذا نَزَلَ عَنْ [أَفْضَلِ مَا يَرَاهُ] (١)، وإذا كَانَ الشَّفِيعُ حَاضِرًا فَالشُّفْعَةُ لَهُ إلى انْقِضَاءِ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ البَيْع، وعَلَيْهِ اليَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَوَقُّفُهُ عَنِ الأَخْذِ بالشُّفْعَةِ تَرْكًا مِنْهُ لَهَا، فإذا حَلَفَ أَخَذَ شُفْعَتَهُ، وللمُبْتَاعِ تَوْقِيفُ الشَّفِيعِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فإمَّا أَخَذَ الشُّفْعَةَ، وإمَّا تَرَكَهَا، فإنْ أَخَذَها أَخَّرَهُ السُّلْطَانُ بالثَّمَنِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ونَحْوِهَا على حَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ قِلَّةِ المَالِ وكَثْرَتهِ.
وقالَ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ: مَنِ ابْتَاعَ مَا فِيه شُفْعَةٌ لِرَجُلٍ حَاضِرٍ فَأَقَامَ المُشْتَرِي بِحَضْرَةِ الشَّفِيعِ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ طَلَبَ شُفْعَتَهُ، أَنَّهُ يَحْلِفُ الشَّفِيعُ باللهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بالبَيع، وأَنَّهُ لم يَزَلْ مُجْمِعًا على الأَخْذِ بالشُفْعَةِ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمَنِ: الصَّغِيرُ الذي لَا وَصِيَّ لَهُ على شُفْعَتِهِ حتَّى يَبْلُغَ ويَرْشَدَ، والبِكْرُ على شُفْعَتِهَا حتَّى تُنْكَحَ ويَبْنِي بِهَا زَوْجُهَا، ويُعْرَفَ حَالُهَا ورُشْدُهَا، فإنْ كَانَ عَلَيْهِمَا وَصِيٌّ رَفَعَ المُشْتَرِي ذَلِكَ إلى القَاضِي فَكَلَّفَهُ البيِّنَةَ على أَنَّ التَّرْكَ لَهُمَا أَفْضَلُ أَو الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ، فإذا أَمَرَهُ القَاضِي بالتَّرْكِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ شُفْعَةٌ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: إنَّمَا لَمْ تَكُنْ الشُّفْعَةُ في البَئْرِ إذا قُسِمَتِ الأَرْضُ وبَقِيتِ البئْرُ التِّي تُسْقَى بِهَا تِلْكَ الأَرْضُ المَقْسُومَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ غَيْرُ مَقْسُومَةٍ، وكَذَلِكَ فَحلُ النَّخْلِ إذا قُسِمَتِ النَّخْلُ وبَقِيَ ذَلِكَ الفَحْلُ الذي تُذَكَّرُ بهِ تِلْكَ النَّخِيلُ المَقْسُومَةُ، فبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنْ تِلْكَ البئْرِ أَو مِنْ فَحْلِ النَّخْلِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ شُفْعَةٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقَسِمُ ولَا يُحَدَّدُ بَعْدَ القِسْمَةِ، وإنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا يُحَدَّدُ وُيقْسَمُ، وأما إذا كَانَتِ الأَرْضُ غَيْرَ مَقْسُومَةٍ فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنَ البِئْرِ فإنَّ الشُّفْعَةَ في ذَلِكَ لِشُرَكَائِهِ، وكَذَلِكَ النَّخِيلُ إذا لَمْ تَكُنْ مَقْسُومَةً ولَهَا فَحْلٌ تُذَكَّرُ بهِ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنَ الفَحْلِ فإنَّ لِشُرَكَائِهِ الشُّفْعَةَ في ذَلِكَ إنْ стр. 530
أَحَبُّوا الأَخْذَ بِهَا، وكَذَلِكَ لَا شُفْعَةَ في عَرَصَةِ الدَّارِ التّي قَدْ قُسِمَتْ بِيُوتُهَا، وتُرِكَتِ العَرَصَةُ مُنتفَعَةٌ لأَهْلِ الدَّارِ يَرْتَفِقُونَ بِهَا، فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ مَنْفَعَتَهُ في تِلْكَ العَرَصَةِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا لأشْرَاكِهِ، وأَمَّا إذا لَمْ تُقْسَم البُيُوتُ كَانَتِ الشُّفْعَةُ في العَرَصَةِ إذا بِيعَتِ المَنْفَعَةُ مِنْها (١).
* * *
تَمَّ كِتَابُ الشُّفْعَةِ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى.
يَتْلُوهُ كِتَابُ القِرَاضِ بِحَوْلِ اللهِ.
* * * стр. 531
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا
تَفْسِيرُ كِتَابِ القِرَاضِ
قالَ أَبو المُطَرِّفِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَرْوَانَ ﵁:
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: قَالَ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: كَانَ القِرَاضُ في الجَاهِلِيَّةُ مَعْرُوفَاً، فَأُقِرَّ فِي الإسْلَامِ، وصَارَ سُنَّةً، وعَمِلَ بهِ عُمَرُ بنُ الخُطَّابِ، وعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، والصَّحَابةُ، والتَّابِعُونَ، وَهُوَ كَالَّذِي سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المُسَاقَاةِ سَوَاءٌ، وذَلِكَ مُسْتَخْرَج بالرُّخْصَةِ مِنَ الإجَارَةِ المَجْهُولَةِ، كَاسْتِخْرَاجِ العَرِيَّةِ، وكَالشرْكِ، والتَّوْليَةِ والإقَالَةِ في الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوفَى، وهَذِه كُلّهُا رُخَصٌ، وصَارَتْ كُلّهَا سُنَنًا مَعْمُولًا بِهَا، والعَمَلُ في القِرَاضِ على مَا جَرَى مِنْ سُنَّتِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ذَلِكَ بِفَسَادِ عَقْدٍ أَو بِشَرْطٍ، فَيَخْرُجُ ذَلِكَ عَنْ رُخْصَةِ القِرَاضِ إلى فَسَادِهِ.
* قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: قَالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: إنَّمَا أَخَذَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مِنْ وَلَدَيْهِ نِصْفَ رِبْحِ المَالِ حِينَ دَفَعَهُ أَبو مُوسَى إليهِما سَلَفَاً، وكَانَ ذَلِكَ المَالُ مِنْ مَالِ اللهِ الذي هُوَ لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، فَقَاسَمَهُمَا عُمَرُ رِبْحَ ذَلِكَ المَالِ على حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِعُمَّالِهِ الذينَ يَكْسِبُونَ الأَمْوَالَ في عِمَالاَتِهِمْ [٢٥٣٤] (١).
قالَ عِيسَى: ولَو لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ وعُبَيْدُ اللهِ مِنْ جِهَةِ ضَمَانِهِمَا لِذَلِكَ المَالَ لو تَلَفَ بأَيْدِيهِمَا، وبذَلِكَ احْتَجَّ عُبَيْدُ اللهِ على أَبيهِ عُمَرَ حِينَ قَالَ لَهُ: (أَرَأيتَ لَوْ تَلِفَ المَالُ ألسْنَا كُنَّا نَضْمَنُهُ؟) стр. 532
قالَ عِيسَى: فَكُلُّ مَنْ ضَمِنَ مَالًا بإدْخَالِهِ إيَّاهُ في مَنْفَعَتِهِ كالْوَدِيعَةِ فَرِبْحُ ذَلِكَ المَالِ لَهُ، مِنْ أَجْلِ ضَمَانِهِ لِذَلِكَ المَالِ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ جَدُّ العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ تَاجِرًا في سُوقِ المَدِينَةِ، وكَانَ في أَصْلُهُ عَبْدًا، فَلَمَّا عَهِدَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إلى النَّاسِ أَلَّا يحجِرَ في السُّوقِ إلَّا مَنْ يَفْقَهُ خَشِيَ جَدُّ العَلاَءِ أَنْ يُقَامَ مِنَ السُّوقِ، فأَخَذَ مَالًا مِنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ قِرَاضًا، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ [٢٥٣٥].
стр. 533
ما يَجُوزُ مِنَ القِرَاضِ، ومَا لا يَجُوزُ مِنْهُ
قالَ عِيسَى: لَا يَجُوزُ لِرَبِّ المَالِ أنْ يَدْفَعَ مَالَهُ قِرَاضًا ويَشْتَرِطَ على العَامِلِ ضَمَانَهُ إنْ تَلِفَ، ولَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى العَامِلِ على أَنْ يَتَّجِرَ بهِ أَجَلًا مَا، ولَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ سِلْعَةً يَبِيعُهَا وَيتَّجِرُ قِرَاضًا، ولا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ إلى العَامِلِ على شَيءٍ مُهْمَلٍ غَيْرِ مُفَسَّرٍ، فَهَذا كُلُّهُ يُرَدُّ فِيهِ العَامِلُ إلى قِرَاضِ مِثْلِهِ.
قالَ عِيسَى: وأَمَّا مَا يُرَدُّ فِيهِ العَامِلُ إلى أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ المَالِ على العَامِلِ أَلَّا يَشْتَرِي إلَّا مِنْ فُلَانٍ، أَو مِنْ عَمَلِ فُلَانٍ، أَو أَنْ يَقْعُدَ بهِ في حَانُوت مَا لا يَخْرُجُ مِنْهُ، أَو أَنْ يُخْرَجَ بالمَالِ إلى بَلَدٍ بِعَيْيهِ لَا يَعْدُوُهُ، أَو على أَنْ يَشْتَرِي سِلْعَةً لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ تَخْلُفُ في شِتَاءٍ أَو صَيْفٍ، أَو يُقَارِضَهُ على أَنْ يُسْلِفَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ مَالًا، أَو على أَنْ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبهِ سِلْعَةً مِنَ السِّلَعِ، أَو على أَنْ يَهِبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ هِبَةً، أو على أَنْ يُنْفِقَ العَامِلُ على نَفْسِهِ في سَفَرِهِ مِنَ المَالِ، أو عَلَى أَنْ لا يَكْتَسِي في السَّفَرِ البَعِيدِ، أَو على أَنْ يَدْفَعَ إليه المَالَيْنِ أَحَدُهُمَا على النِّصْفِ، والآخَرِ على الثُّلُثِ عَلَى أَنْ لَا يَخْلِطُهُمَا جَمِيعًا، أو يُقَارِضُهُ على أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ حَافِظًا يَحْفَظُ عَلَيْهِ، أَو يَدْفَعُ إليهِ المَالَ على أَنْ تَكُونَ زَكَاةُ المَالِ مِنْ رِبْحِ المَالِ، فَفِي جَمِيعِ هَذِه الوُجُوهِ كُلِّها أَنَّهَا لِصَاحِبِ المَالِ والنُّقْصَانُ عَلَيْهِ، وللعَامِلِ في ذَلِكَ إذا عَمِلَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ (١).
قالَ عِيسَى: وهَذَا كُلُّه قَوْلُ ابنِ القَاسِمِ. стр. 534
قال: وأَمَّا أشَهْبُ فَيَقُولُ في جَمِيعِ القِرَاضِ الفَاسِدِ: أَنَّهُمَا يُرَدَّانَ فِيهِ إلى قِرَاضِ مِثْلِهِمَا، وَيبْطُلُ مَا عَقَدَاهُ بَيْنَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الفَاسِدِ، وكَانَ يَقُولُ: إنَّمَا أَرَادَ القِرَاضَ واشْتَرَطَا فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ، فأَبْطَلَ مِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ، وَرَدَّهُمَا إلى قِرَاضِ مِثْلِهِمَا (١).
* [قَالَ] عَبْدُ الرَّحمَنِ: قَوْلُ مَالِكٍ: (لَا يَصْلُحُ القِرَاضُ إِلَّا في العَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ)، ثُمَّ قَالَ في آخِرِ المَسْأَلَةِ: (ومنَ البُيُوعِ مَا يَجُوزُ إذا تَفَاوَتَ أَمْرُهُ وتَفَاحَشَ رَدُّهُ، فأَمَّا الرِّبَا فَلَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا الرَّدُّ أَبَدَا) [٢٥٤٤].
قالَ عِيسَى: ضَرَبَ مَالِكٌ بِهَذِه المَسْأَلَةِ مَثَلًا أَنَّ للمرَاضِ مَكْرُوهًا وحَرَامًا، كَمَا أنَّ للبُيُوعِ مَكْرُوهًا وحرَامًا، فَمَكْرُوهُ القِرَاضِ هُوَ مَا يُرَدُّ فِيهِ العَامِلُ إذا عَمِلَ إلى قِرَاضِ مِثْلِهِ كَالمُقَارِضِ بالعُرُوضِ، والمُقَارِضِ على الضَّمَانِ، والمُقَارِضِ إلى أَجَلى، فَهَذا كُلُّهُ يُرَدُّ فِيهِ العَامِلُ إلى قِرَاضِ مِثْلِهِ كَمَا لا يُنْقَضُ البَيْعُ في مَكْرُوهِ البَيْعِ مِنَ الثَّمَنِ الذي بَاعَ بهِ لسِلْعَتَهُ إذا كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِن القِيمَةِ.
قالَ: وأَمَّا حَرَامُ القِرَاضِ فَهُوَ مَا يُرَدُّ فِيهِ العَامِلُ إذا عَمِلَ بالمَالِ إلى أُجْرَةِ مِثلِهِ، وَيَخْرَجُ مِت وِبْحِهِ الذي كَانَ اشْتَرَطَهُ لِنَفْسِهِ، كَمَا أَن البَائِعَ في البَيْعِ الحَرَامِ يُرْجَعُ عِنْدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ إلى قِيمَتِهَا، كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الذي بَاعَ بِهِ سِلْعَتَهُ أَو أَكْثَرَ، فَهَذا تَأوِيلُ قَوْلِ مَالِكٍ حِينَ ضَرَبَ المِثَالَ بِمَكرُوهِ البُيُوعِ وحَرَامِهَا، بِمَكْرُوهِ القِرَاضِ وحَرَامِهِ (٢).
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: قَوْلُ مَالِكٍ في الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ على الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَيسْألهُ أَنْ يَتَرْكَهُ عِنْدَهُ قِرَاضَا أَنَّ ذَلِكَ يُكرَهُ [٢٥٤٢].
قالَ عِيسَى: فَإِنْ وَقَعَ مِثلُ هَذا فَالرِّبْحُ للعَامِلِ وعَلَيْهِ أَنْ يُؤَذَى المَالَ الذي كَانَ стр. 535
عَلَيْهِ إلى رَبِّهِ، ولَا رِبْحَ هَهُنَا إلى رَبِّ المَالِ، لأَنَّهُ يَصِيرُ سَلَفًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وهَذا حَرَامٌ لا يَجُوزُ، وهَذا الدَّيْنُ إذا كَانَ مِنْ سَلَفٍ فَيَكُونُ سَلَفَا جَرَّ مَنْفَعَةً، وأَمَّا إذا كَانَ مِنْ بَيع فَكَأَنَّهُ زَادَهُ في الأَجَلِ على أَنْ يَزِيدَهُ في مَالِهِ، فَهَذا لَا يَجُوزُ.
قالَ ابنُ نَافِعٍ: في المُتَقَارِضَيْنِ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا على صَاحِبهِ زِيَادَةً يَزْدَادَهَا، فَيَعْمَلُ العَامِلُ وَيرْبَحُ، أَنَّ مُشْتَرِطَ الزِّيَادَةَ مِنْهُمَا مُخَيَّر إنْ شَاءَ أَبْطَلَها وكَانَا عَلَى قِرَاضِهِمَا الأَوَّلِ، وإنْ أَبَى ذَلِكَ أَبْطَلْنَاهَا، وكَانَ للعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، وكَانَ الرِّبح لِصَاحِبِ المَالِ، والضَّمَانُ عَلَيْهِ (١).
إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ للَعَامِلِ أَنْ يُهْدِي إلى أَحَدٍ شَيْئًا مِنْ مَالِ القِرَاضِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُتْلَفُ المَالُ في غَيْرِ مَنْفَعَةِ رَبِّهِ، وجَازَ لَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْ بَعْضِ مَنْ بَاعَ مِنْهُ سِلْعَةً مِنْ مَالِ القِرَاضِ، لأَنَّهُ يَسْتَدِيمُ بِذَلِكَ مُعَامَلَةَ مَنْ يَضَعُ عَنهُ لِيُنْمِي بِذَلِكَ مَالَ القِرَاضِ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ لِرَبّ المَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ على العَامِلِ الزَّكَاةَ في حِصَّتِهِ مِنَ الرّبْحِ [٢٥٥١]، لأَنَّهُ رُبَّمَا يَصِيرُ عَمَلُهُ بَاطِلًا، وذَلِكَ لَو أَنَّهُ أَخَذَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا فَرَبِحَ فِيهَا دِينَارَا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ في زَكَاةِ المَالِ، لَذَهَبَ عَمَلُهُ بَاطَلًا، ولَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُون مَعَ القِرَاضِ بَيع ولَا سَلَفٌ ولَا كِرَاءٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَبَّ المَالِ إذا أَدْخَلَ في القِرَاضِ شَيْئَا مِنْ هَذه الوُجُوهِ فَقَدْ قَصَدَ الزِّيَادَةَ لِنَفْسِهِ، وهَذا لَا يَجُوزُ في القِرَاضِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وإذا وَقَعَ مَعَ القِرَاضِ بَيع فأُدْرِكَ قَبْلَ العَمَلِ وفَوَاتِ السِّلْعَةِ فُسِخَ البَيْع والقِرَاضُ، وإذا أُدْرِكَتِ السْلْعَةُ لَمْ تفُتْ وقَدْ عَمِلَ العَامِلُ فُسِخَ البَيْعُ في السِّلْعَةِ، وكَانَ العَامِلُ أَجِيرًا في القِرَاضِ، وإنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ وقَدْ عُمِلَ في المَالِ فَكَذَلِكَ أَيْضَا يَكُونَ لِبَائِعِهَا قِيمَةُ سِلْعَتِهِ، ويُرَدُّ القِرَاضُ إلى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، ويَكُونُ стр. 536
النَّمَاءُ والنُّقْصَانُ لِرَبِّ المَالِ، وذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَهُ بَيْعًا على أَنْ يُقَارِضَهُ فَكَأنَّ البَائِعَ قَدْ تَرَكَ لَهُ فَضْلًا في سِلْعَتِهِ مِنْ أَجْلِ القِرَاضِ، فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ البَيْعِ والسَّلَفِ، وذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، ويَصِيرُ ذَلِكَ أَيْضَا كَأنَّ المُقَارِضَ قَدْ زَادَ رَبَّ المَالِ في ثَمَنِ السِّلْعَةِ التي بَاعَهَا مِنْهُ على أَنْ قَارَضَهُ، فَصَارَ أَنْ أَعْطَاهُ فَضْلًا في قِرَاضِهِ وزِيَادَةً زَادَ إيَّاهَا مِنْ أَجْلِ القِرَاضِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وهَذِه وُجُوهُ بُيِّنَةُ الفَسَادِ (١).
* * * стр. 537
بابُ القِرَاضِ فِي العُرُوضِ والتَّعَدِّي،
ومَا لا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: إذا وَقَعَ القِرَاضُ بَيْنَ المُتَقَارِضَيْنِ بالعُرُوضِ كَانَ للعَامِلِ أُجْرَهُ في بَيع تِلْكَ العُرُوضِ واقْتِضَاءِ ثَمَنِهَا، ويُرَدُّ العَامِلُ إذا عَمِلَ على ذَلِكَ إلى قِرَاضِ مِثْلِهِ، ويَسْقُطُ مَا كَانَا عَقَدَاهُ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّسْمِيةِ، لأَنَّهُ يَخْشَى أَن يَكُونَ رَبُّ المَالِ لَو عَلِمَ أَنَّهُ يَغْرِمُ للعَامِلِ أُجْرَتَهُ في بَيْع العُرُوضِ التي قَارَضَهُ بِهَا لَمْ يَرْضَ أَنْ يُقَارِضَهُ على مِثْلِ ذَلِكَ الجُزْءِ الذي قَارَضهُ عَلَيْهِ، فالعَدْلُ في أَمْرِهِمَا أَنْ يُرَدَّ إلى قِرَاضِ المِثْلِ يَوْمَ نَضَّ المَالُ الذي بِيعَ بِهِ تِلْكَ العُرُوضِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: لَا يَجُوزُ القِرَاضُ إلى أَجَلٍ، فإذا وَقَعَ ذَلِكَ بَيْنَ المُتَقَارِضَيْنِ فُسِخَ القِرَاضُ قَبْلَ العَمَلِ، فَإذا عَمِلَ العَامِلُ بالمَالِ رُدَّ إلى قِرَاضِ مِثْلِهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَبَّ المَالِ إنَّمَا دَفَعَ مَالَهُ واشْتَرَطَ الأَجَلَ، طَمَعًا مِنْهُ في نَمَاءِ مَالِهِ، ولَو عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَمْ يَرْضَ أَنْ يُقَارِضَ العَامِلَ على مِثْلِ ذَلِكَ الجُزْءِ الذي قَارَضَهُ عَلَيْهِ، فَلِهَذا يُرَدُّ إلى قِرَاضِ مِثْلِهِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا تَسَلَّفَ العَامِلُ مِنْ مَالِ المُقَارِضِ مَالًا فَابْتَاعَ بهِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا وحَمَلَتْ فَإنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ إذا كَانَ لَهُ مَالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُتْبِعَ بِقِيمَتِهَا دَيْنَا إلى مَيْسَرَة، ولَسْتُ آخَذُ في هَذِه المَسْأَلةِ بِقَوْلِ مَالِكٍ: أَنَّهَا تُبَاعُ إذا لَمْ يَكُنْ للعَامِلِ مَالٌ، وُيجْبَرُ رَأْسُ [المَالِ] (١) مِنْ ثَمَنِهَا.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: الذي قَالَهُ مَالِكٌ في هَذه المَسْأَلةِ هُوَ الصَّحِيحُ إنْ стр. 538
شَاءَ اللهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَنْ تَعَدَّى على مَالِ غَيْرِهِ فَابْتَاعَ بهِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ مُلْكَهُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَلِذَلِكَ تُبَاعُ هَذِه الجَارِيَةُ، وُيجْبَرُ المَالُ مِنْ ثَمَنِهَا (١).
وبِهَذا قَالَ أَصْبَغُ بنُ الفَرَجٍ، واحْتَجَّ. في ذَلِكَ بأَنْ قَالَ: إنَّ العَامِلَ لَمَّا اسْتَسْلَفَ المَالَ مِنَ القِرَاضِ الذي كَان بِيَدِه وابْتَاعَ بهِ جَارِيَةً لِنَفْسِهِ قَدْ صَارَ فَارًّا بالمَالِ عَنِ القِرَاضِ وأَرَادَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ تُبَاعُ الجَارِيَةُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ بِقِيمَتِهَا.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وإذا اشْتَرَى العَامِلُ جَارِيَةً للقِرَاضِ فتَعَدَّى عَلَيْهَا بَعْدَ شِرَائِهِ إيَّاهَا فَوَطِئَهَا وحَمَلَتْ، فانِّي أَرَى أَنْ تُبَاعَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، ويُتْبَعُ بِقِيمَةِ الوَلَدِ دَيْنًا عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ في مَالِ القِرَاضِ فَضْلٌ، فَيَكُونُ للعَامِلِ في الجَارِيةِ شَرِيكٌ بِقَدْرِ فَضْلِهِ، فَيَكُونُ بمَنْزِلَةِ مَنْ وَطِءَ جَارِيَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ إنْ كَانَ مَلِيئًا قُوِّمَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا كَانَ رَبُّ المَالِ بالخَيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَ مِنَ الجَارِيةِ قَدْرَ نَصِيبه مِنْهَا، ويَكُونُ لَهُ عَلَى الوَاطِءِ مِنْ قِيمَةِ الوَلَدِ قَدْرَ نَصِيبِهِ مِنَ الأُمِّ إنْ كَانَ لَهُ مِنْهَا النِّصْفَ، أو الثُّلُثَ، أو الرُّبُعَ، أَو أَكْثَرَ أَو أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أُتْبِعَ الوَاطِى مِنْ قِيمَةِ الوَلَدِ بِقَدْرِ الحِصَّةِ التي تَصِيرُ لَهُ في الأُمِّ دَيْنَا عَلَيْهِ، وإنَّ أَحَبَّ رَبُّ المَالِ أَنْ يُبَاعَ لَهُ قَدْرُ نَصِيبه مِنْ تِلْكَ الجَارِيةِ بِيعَ، فإنْ نَقَصَ ثَمَنَها مِنْ قِيمَةِ نَصِيبِه مِنْهَا يَوْمَ وَطَئَهَا المُتَعَدَّي أَتْبَعَهُ رَبُّ المَالِ بِذَلِكَ النُّقْصَانِ، وبِقَدْرِ نَصِيبِه مِنْ قِيمَةِ الوَلَدِ دَيْنًا عَلَيْهِ في ذِمَّتِهِ (٢).
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: أَحْسَنُ مَا في هَذِه المَسْأَلةِ أَنَّهُ مَنْ ضَمِنَ قِيمَةَ أَمَةٍ مِنْ شَرِيكٍ أو مُقَارِضٍ لِسَبَبِ وَطْئِهِ إيَّاهَا أَنَّهُ لَا شَيءَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ الوَلَدِ، ولَا يَجْتَمعُ عَلَيْهِ تَضْمِينُ الأُمِّ وقِيمَةُ الوَلَدِ، وقَالَهُ أَشْهَبُ، وابنُ نَافِعٍ (٣). стр. 539
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلَةُ ابنِ القَاسِمِ صَحِيحَةٌ، وذَلِكَ أَنَّ الوَلَدَ زِيَادَةٌ في الجَارِيةِ ونَمَاءٌ، وإنَّمَا نَمَتْ هَذِه الزِّيَادَةُ في حِصَّةِ رَبّ المَالِ مِنْ تِلْكَ الجَارِيةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ قِيمَةُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ مِنَ الوَلَدِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا خَرَجَ العَامِلُ بالمَالِ إلى البَلَدِ القَرِيبِ واشْتَرَى بهِ السِّلَعَ كَانَتْ لَهُ النَّفَقَةُ، ولَيْسَتْ لَهُ كِسْوَةٌ، إلَّا أنْ تَطُولَ إقَامَتُهُ في ذَلِكَ المَكَانِ القَرِيبِ، ويَكُونَ المَالُ كَثِيْرًا، فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ الكِسْوَةُ والنَّفَقَةُ.
قالَ: وإذا أَخَذَ العَامِلُ مَالًا قَلِيلًا وسَافرَ بِهِ سَفَرًا بَعِيدًا لَمْ تَكُنْ لَهُ نَفَقَةٌ ولَا كُسْوَةٌ، لأَنَّ المَالَ يَذْهَبُ في ذَلِكَ، وإنَّمَا يُنْظَرُ في هَذا إلى المَالِ وقَدْرِ السَّفَرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ على حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَمْ يَحِدَّ لَنا مَالِكٌ في هَذا حَدًّا، ولَكِنْ تَكُونُ نَفَقَةُ العَامِلِ وكُسْوَتُهُ مِنْ مَالِ القِرَاضِ قَصْدًا.
قالَ: وإذا كَانَ المُقَارضُ إنَّمَا يَتَّجرُ بالمَالِ في بَلَدِه لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَقَة ولَا كُسْوَةٌ (١).
قالَ مَالِكٌ: وإذا اشْتَغَلَ بَعْضَ نَهَارِهِ في السُّوقِ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَغَدَّى مِنَ المَالِ بالأَفْلُسِ (٢).
* قالَ ابنُ القَاسِمِ: فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ غُرَمَاءِ العَامِلِ وبَيْنَ غُرَمَاءِ رَبِّ المَالِ إذا كَانَ عَلَيْهِمَا دَيْن، فقالَ في غُرَمَاءِ العَامِلِ مَا قَالَهُ في الموطأ [٢٥٨١]، وقال في غُرَمَاءِ رَبّ المَالِ: إنَّما يُنْظَرُ في العُرُوضِ التِّي بِيَدِ العَامِلِ، فإنْ كَانَ لِبَيْعِهَا اليومَ وَجْهٌ بِيعَتْ وأُعْطِي العَامِلُ رِبْحَهُ مِنْ ثَمَنِهَا، ثُمَّ قَضَى السُّلْطَانُ غُرَمَاءَ رَبِّ المَالِ دِيُونَهُمْ مِنْ رَأْسِ مَالِ رَبِّ المَالِ ورِبْحِهِ إنْ كَانَتْ دِيُونَهُمْ تَفْتَرِقُ ذَلِكَ، وإلَّا يُقَدّرُ دِيُونَهُمْ، ثُمَّ يَكْتُبُ السُّلْطَانُ مِنْ ذَلِكَ بَرَاءَةً للعَامِلِ بِمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ على رَبِّ стр. 540
المَالِ، ولَا يَحْكُمُ السُّلْطَانُ بِمِثْلِ هَذا لِغُرَمَاءِ العَامِلِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ العَامِلَ لَا رِبْحَ لَهُ حتَّى يُحَالسِبَ رَبَّ المَالِ، ويَقْبضُ رَبّ المَالِ رَأْسَ مَالِهِ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، فَلِهَذا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ غُرَمَاءِ العَامِلِ، وغُرَمَاءِ رَبِّ المَالِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: قالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا يَنْبَغِي للمُقَارِضِ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ رِبْحًا مِنَ المَالِ حتَّى يُحَصِّلَ المَالَ كُلَّهُ ويَقْبِضَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرّبْحَ على شِرْكِهمَا في القِرَاضِ.
قالَ: فإنْ اقْتَسَمَا رِبْحًا ولَمْ يَحْضُرْ رَأْسُ المَالِ أَو حَضَرَ ولَمْ يَقْبِضْهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ نُقْصَانٌ في المَالِ فإنَّهَمُا يَتَرَادَّانِ الرِّبْحَ الذي اقْتَسَمَاهُ حتَّى يُجْبَرَ بهِ رَأْسُ المَالِ، ولَا يَكُونُ لَهُمَا رِبْحٌ حتَى يَتُمَّ رَأْسُ المَالِ (١).
قالَ ابنُ القَاسِمِ: في اخْتِلَافِ المُتَقَارِضَيْنِ في رِبْحِ المَالِ إذا ادَّعَا أَحَدُهُمَا خِلَافَ مَا يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ، وكَانَ هَذا قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ العَامِلُ بالمَالِ، فإنَّهُ يُرَدُّ إلى صَاحِبهِ وَينْحَلّ القِرَاضُ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا على شَيءٍ مَعْلُومٍ، وإذا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ أَنْ عَمِلَ العَامِلُ بالمَالِ فالقَوْلُ قَوْلُ العَامِلِ فِيمَا يَشْبَهُ قِرَاضُ مِثْلِه مَعَ يَمِينِه.
وقالَ أَشْهَبُ: إنْ جَاءَ العَامِلُ بِمَا لَا يَشْبَهُ رُدَّ العَامِلُ إلى قِرَاضِ مِثْلِهِ مَعَ يَمِينِه.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمنِ: القِرَاضُ إنَّمَا يُلْزَمُ بالعَمَلِ، وَهُوَ يَشْبَهُ الجُعْلَ في عَقْدِهِ.
* * *
تَمَّ كِتَابُ القِرَاضِ بِحَمْدِ اللهِ.
يَتْلُوهُ كِتَابُ المُسَاقَاةِ بِحَوْلِ اللهِ
* * * стр. 541
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلم تَسْلِيمًا
تَفْسِيرُ كِتَابِ المُسَاقَاةِ
* [قالَ] (١) عبدُ الرَّحمنِ: أَرْسَلَ مَالِكٌ في المُوطَّأ حَدِيثَ المُسَاقَاةِ ولمَ يُسْنِدْهُ [٢٥٩٤]، وحَدَّثنا به أَبو جَعْفَرِ بنُ عَوْنِ اللهِ، قالَ: حدَّثنا ابنُ الأَعْرَابِيِّ، قالَ: حدَّثنا أَبو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، عَنْ يحيى بنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَو زَرْعٍ" (٢).
فَذَاكَرْتُ أبا مُحَمَّدٍ هَذا الحَدِيثَ، فقَالَ: لَمْ يُدْخِلْهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ مِنْ أَجْلِ
حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ" (٣).
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: وإنَّمَا سَاقَى النبيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ مِنْ أَجْلِ اشْتِغَالِهِ بالجَهَادِ في سَبِيلِ اللهِ، وأَمَرَ بِخَرْصِ ثِمَارِهَا على اليَهُودِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَأمَنْهُمْ عَلَيْهَا.
* قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: لَيْسَ العَمَلُ في المُسَاقَاةِ على فِعْلِ عَبْدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ في خَرْصِهِ على اليَهُودِ [٢٥٩٤]، ولا تَصْلُحُ القِسْمَةُ في المُسَاقَاةِ إلَّا كَيْلًا، إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ حَاجَةُ المُسَاقِينَ، مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ، ويُرِيدُ стр. 542
الآخَرُ أَنْ يَأْكلَهَا ولَا يَبِيعُهَا، فَتقْتَسِمَانِهَا حِينَئِذٍ بالخَرْصِ (١).
ولَيْسَ العَمَلُ في المُسَاقَاةِ أَنْ تَكُونَ إلى غَيْرِ أَجَلٍ مَعْلُومٍ، كَمَا في ظَاهِرِ حَدِيثِ الزُّهْرِي، عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ النبيَّ قالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ على أَن التَّمْرَ بَيْنَنَا وبَيْنكُمْ"، ولا تَكُونُ المُسَاقَاةِ إلَّا لأَجَلٍ مَعْلُومٍ، ويُكْرَهُ فِيهَا مَا طَالَ مِنَ السِّنِينٍ، ولا بَأْسَ بالعَشْرِ سِنِينَ فَدُونَها، وإنَّمَا فَعَلَها النبيُّ ﷺ لأَنَّ اللهَ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ بَغيْرِ قِتَالٍ، فَكَانَ أَهْلُهَا له كالعَبِيدِ الذين يَجُوزُ بينَ السَّيِّدِ وعَبْدِهِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الحُزيْنِ.
قالَ ابنُ سُحْنُونَ: المُسَاقَاةُ كَالإجَارَةِ، بِخِلَافِ القِرَاضِ، وتَلْزَمُ المُسَاقَاةِ بالتَعَاقُدِ بَيْنَ المُسَاقَيْنِ، والقِرَاضُ كَالجُعْلِ يَلْزَمُ إذا شَرَعَ العَامِلُ في العَمَلِ، فإذا انْعَقَدتِ المُسَاقَاةُ بَيْنَ المُسَاقَيْنِ ثُمَّ بَدَا لأَحَدِهِمَا فِيهَا قَبْلَ العَمَلِ لَزِمَتْهُمَا جَمِيعًا على حَسَبِ مَا عَقَدَاهَا (٢).
* قالَ مَالِكٌ: في العَيْنِ تَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا، وذَكَرَ القِصَّةَ إلى آخِرِهَا [٢٥٩٩].
قالَ عَبْدُ الرَّحمَنِ: ذَكَرَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ تَفْسِيرَهَا في كِتَابِهِ، فقالَ: مَنْ سَاقَى رَجُلًا حَائِطًا فَغَارَتِ البِئْرُ، فَأَرَادَ العَامِلُ أنْ يُنْفِقَ فِيهَا مِنْ مَالِهِ ويَكُونُ حَقُّهُ في ثَمَرةِ النَّخْلِ وتَكُونُ رَهْنًا في يَدَيْهِ حتَّى يَسْتَوفِي نَفَقَتَهُ فَذَلِكَ لَهُ، فإنْ بَقِيتْ عِنْدَهُ وأَبى صَاحِبُهَا أَنْ يَقْبضَهَا ويَدْفَعُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ في نَصِيبه مِنَ العَيْنِ فَبَاعَهَا الشَّرِيكُ فَلَمْ يَفِ ثَمَنَها بالنَّفَقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ما أَخْرَجَتِ الثَّمَرَةُ، ولَمْ يُتْبَعْ صَاحِبُهُ بِبقِيَّةِ النَّفَقَةِ، لأَنَّ العَامِلَ في المُسَاقَاةِ إنَّمَا يَعْمَلُ فِيهَا على أَنَّ لَهُ الزِّيَادَةَ وعَلَيْهِ النُقْصَانُ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا بَأْسَ بالبَيَاضِ القَلِيلِ في المُسَاقَاةِ أَنْ يَزْرَعَهُ العَامِلُ مِنْ стр. 543
عِنْدِهِ، فَمَا نَبَتَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ بَيْنَ المُسَاقَيْنِ على حَسَبِ شَرْطِهِمَا في المُسَاقَاةِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وأَجَلُّ ذَلِكَ أنْ يُلْغِى البَيَاضَ اليَسِيرَ في المُسَاقَاةِ للعَامِلِ، وَيزْرَعَهُ لِنَفْسِهِ، فَمَا نَبَتَ فِيهِ مِنْ شَيءٍ كَان لَهُ، وقَدْرُ البَيَاضِ اليَسِيرِ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ الثُّلُثِ مِنَ السَّوادِ فَدُونَ (١).
قالَ مَالِكٌ: وكَانَ بَيَاضُ خَيْبَرَ يَسِيرًا بَيْنَ أَضْعَافِ سَوَادِهَا (٢).
قالَ غَيْرُهُ: فَكَانَ اليَهُودُ يَزْرَعُونَ ذَلِكَ البَيَاضَ، ويُؤْخَذُ مِنْهُم شَطْرَ مَا يَنْبُتُ فِيهِ.
قالَ عِيسَى: إذا اشْتَرَطَ أَحَدُ المُسَاقِينَ على صَاحِبهِ زِيَادَةً يُزَادَهَا عَلَيْهِ، أَو اشْتَرَطَ الدَّاخِلَ لِنَفْسِهِ بَيَاضًا لَيْسَ هُوَ تَبَعًا في المُسَاقَاةِ، أَو اشْتَرَطَ رَبُّ المَالِ أَنْ يَزْرَعَ في البَيَاضِ، أَو اشْتَرَطَ العَامِلُ أَنَّ البَذْرَ الذي يَزْرَعُهُ في البَيَاضِ على رَبِّ المَالِ، أو اشْتَرَطَ العَامِلُ على رَبِّ المَالِ نَفَقَةَ الرَّقِيقِ أَو نَفَقَةَ بَعْضِهِمْ، أو اشْتَرَطَ العَامِلُ على رَبِّ المَالِ رَقِيقًا لَيسُوا في المَالِ حِينَ عَقَدَا فِيهِ المُسَاقَاةِ، فإنَّ هَذا كُلَّهَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَإِنْ عَمِلَ العَامِلُ على هَذِه الوُجُوهِ، أَو على شَيءٍ مِنْهَا فإِنَّهُ يُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِه، وَيتَرَادَّانِ الفَضْلَ، يُرِيدُ يُسْقِطَانِ الزِّيَادَةَ فِيمَا بَيْنَهُمَا (٣).
* قَوْلُ مَالِكٍ: لا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسَاقٍ أَو مُقَارِضٍ أَنْ يَسْتَثْنِي مِنَ المَالِ، ولَا مِنَ النَّخْلِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ دُونَ صَاحِبهِ [٢٦٠١].
[قالَ] عَبْدُ الرَّحمَنِ: تَفْسِيرُ هَذا هُوَ أَنْ يَقُولَ رَبُّ المَالِ للعَامِلِ: هَذِه عَشَرَةُ دَنَانِيرَ اتَّجِرْ لِي بِهَا خَاصَّةً على أَنْ أَدْفَعَ إليكَ مَالًا قِرَاضًا تَتَّجرُ بهِ ويَكُونُ رِبْحُهُ بَيْنِي وبَيْنَكَ على وَجْهِ كَذَا وكَذَا، ويَقُولُ لَهُ رَبُّ الحَائِطِ: أَدْفَعُ إليكَ هَذا الحَائِطَ مُسَاقَاةً على جُزْءِ كَذَا وكَذَا على أَنْ تَحْفَرَ لِي هَذِه الأُصُولَ، وثُوَيْرُهَا ونُجْوُهَا لِي خَاصَّةً، فَهَذا لَا يَجُوزُ، لأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ على أَنْ يَتَجِرَ لهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، أَو يَعْمَلَ لَهُ стр. 544
في أُصُولهِ التِّي أَرَاهَا إيَّاهَا بِشَيءٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، وقَدْ يَقِلُّ ذَلِكَ مَرَّةً ويَكْثُرُ أُخْرَى، فَهَذا لَا يَصْلُحُ، فَلَمَّا انْضَافَ هَذا الغَرَرُ إلى القِرَاضِ أَو إلى المُسَاقَاةِ فَسَدَ ذَلِكَ، فإذَا وَقَعَ مِثْلُ هَذا كَانَ للعَامِلِ في المَالِ قِرَاضُ مِثْلِهِ، وفِي المُسَاقَاةِ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ، ويأخُذُ أُجْرَتَهُ في [تِجَارَتِهِ] (١) بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ، وأُجْرَةَ حَفْرِ تِلْكَ الأُصُولِ ومَؤُنَتِهَا.
* قالَ عِيسَى: (سَدُّ الحِظَارِ) (٢) الذي يَجُوزُ لِرَبِّ المَالِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ على العَامِلِ هُوَ: مَا يَحْظَرُ بهِ على النَّخِيلِ مِنَ السِّيَاجَاتِ والزُّرُوْبِ، يُرْبَطُ مُاؤُهَا مِنْهَا، ومَا أَنْثَلَمَ مِنْ جِدَارِ الحَائِطِ إذا كَانَ يَسِيرًا تَكْفِي فِيهِ النَّفَقَةُ.
قالَ: (وَخَمُّ العَيْنِ) هُوَ: كَنْسُهَا مِنَ الحَمْأَةِ ونَحْوِهَا.
(وسَرْوُ الشَّرَبِ) هُوَ: تَنْقِيةُ مَنَابِعِ المَاءِ حَوْلَ الشَّجَرِ أَو النَّخْلِ.
(وإبَّارُ النَّخِيلِ) هُوَ: تَذْكِيرُهَا.
(وقَطْعُ الجَرِيدِ) هُوَ: زَبْرُ النَّخْلِ.
(وَجَدُّ [التَّمْرِ]) (٣) هُوَ: قِطَافُهَا، فَهَذا كُلُّهُ جَائِزٌ لِرَبِّ النَّخْلِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ على
العَامِلِ، لأَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا [٢٦٠٢].
ولَا يَجُوزُ لِرَبِّ المَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ على العَامِلِ ظَفِيرَةً بَيْنَهُمَا، والظَّفِيرَةُ: الصِّهْرِيجُ الذي يَجْتَمِعُ فِيهِ المَاءُ.
وكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عَيْنًا يَرْفَعُهَا، يَعْنِي: يُنَقِّي مَنَاهِرَهَا مِنْ وَرَائِهَا (٤)، ويَسْتَخْرِجَ مَائَهَا.
وكَذَلِكَ كُلُّ شَيءٍ فِيهِ النَّفَقَةُ على العَامِلِ وتَبْقَى مَنْفَعَةُ ذَلِكَ لِرَبِّ المَالِ، فإنِ стр. 545
اشْتَرطَ رَبُّ المَالِ على العَامِلِ شَيْئًا مِنْ هَذا ثُمَّ عَمِلَ العَامِلُ رُدَّ إلى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، وكَانَ للعَامِلِ على رَبّ المَالِ قِيمَةُ مَا يَنَالُهُ قَائِمًا مُثَبَّتَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ.
قالَ عِيسَى: وكَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِرَبِّ المَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ على العَامِلِ أَنْ يَغْرِسَ لَهُ كَذَا وكَذَا نَخْلَةً يأْتِي العَامِلُ بالأُصُولِ مِنْ عِنْدِه، لأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ يَزْدَادَهَا رَبُّ المَالِ عَلَى العَامِلِ، فإنْ وَقَعَ مِثْلُ هَذا كَانَ للعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِيمَا سَقَى وعَالَجَ، وَيُرَدُّ إلى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، ويُعْطَى قِيمَةُ غَرْسِهِ مَقْلُوعًا كَمَا جَاءَ بهِ يَوْمَ غَرْسِهِ، وتَنْفَسِخُ المُسَاقَاةِ بَيْنَهُمَا (١).
[قال] عَبْدُ الرَّحمنِ: المُسَاقَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ جَائِزَةٌ في الأُصُولِ كُلِّهَا مِمَّا يَتَّصِلُ ثَمَرُهَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى آخِرِه، وكَذَلِكَ المقَاثِي، والوَرْدُ، واليَاسمِينُ، ولمَ تَجُز المَسَاقَاةِ في الجَوْزِ والقَصَبِ، لأَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، بِخِلَافِ سَائِرِ الأُصُولِ (٢).
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: قالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: تَفْسِيرُ مَعْرِفَةِ قِيمَةِ الأَرْضِ التِّي يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ في مُسَاقَاةِ الأُصُولِ هُوَ: أَنْ يَكُونَ للرَّجُلِ حَائِطٌ يُنْفِقُ في مَؤُنَتِهِ كُلِّهَا مِائَةَ دِينَارٍ، وَيبِيعُ ثَمَرَتَهُ بِمِائَتِي دِينَارٍ، فَغَلَّتُهُ الآنَ مِائَةُ دِينَارٍ، فإنْ كَانَتْ قِيمَةُ كِرَاءِ الأَرْضِ خَمْسِينَ دِينَارًا فَأَدْنَى فَالمُسَاقَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ، وتَدْخُلُ الأَرْضُ في المُسَاقَاةِ حِينَئِذٍ، فإنْ كَانَتْ قِيمَةُ الأَرْضِ أَكْثَرَ مِنَ الثُلُثِ لمَ يَجُزْ أَنْ تَدْخُلَ في المُسَاقَاةِ، لأَنَّهُ يَدْخُلُ ذَلِكَ كِرَاءُ الأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وهَذا لا يَجُوزُ، وإذا كَانَتْ قِيمَةُ الأَرْضِ أَقَلَّ مِنَ الثُلُثِ كَانَتْ مُلْغَاةً في المُسَاقَاةِ (٣).
* لَمْ يأْخُذْ ابنُ نَافِعٍ بِقَوْلِ مَالِكٍ في المُوطَّأ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ للعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ стр. 546
على رَبِّ المَالِ رَقِيقًا يَعْمَلُ بِهِ في الحَائِطِ لَيْسُوا فِيهِ حِينَ سَاقَاهُ إيَّاه [٢٦٢٠].
قالَ ابنُ نَافِعٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ العَامِلُ على رَبِّ المَالِ عِدَّةً مِنَ الرَّقِيقِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في الحَائِطِ حِينَ سَاقَاهُ إيَّاهُ (١).
وقالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا بَأْسَ أنْ يَشْتَرِطَ العَامِلُ على رَبِّ المَالِ الغُلَامَ الوَاحِدِ والدَّابَّةَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في الحَائِطِ إذا كَانَ حَائِطًا عَظِيمَا، وحَكَاهُ ابنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ (٢).
[قالَ] عبدُ الرَّحمَنِ: قَوْلُ مَالِكٍ: مَنْ سَاقَى حَائِطًا فالزَّكَاةُ في جَمِيعِه قَبْلَ القَسْمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في الحَائِطِ إلَّا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ.
قالَ الأَبْهَرِيُّ: إنَّمَا وَجَبتْ هَهُنَا الزَّكَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَجِبُ بِبُدُّوِ صِلَاحِ الثَّمَرةِ قَبْلِ الجُذَاذِ، وفِي هَذِه الحَالِ لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُ العَامِلِ غَيْرُ الثَّمَرَةِ، وإنَّمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا مِلْكُهُ وتتحَصَّلُ لَهُ بالجُذَاذِ، وقَبْلَ الجُذَاذِ قَدِ اسْتَقَرَّ فِيهَا حُكْمُ الزَّكَاةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الشَّرِيكَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مِنَ الثَّمَرَةِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمَا في ذَلِكَ الزَّكَاةُ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ مِلْكَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِرٌّ على الثَّمَرَةِ مِنْ حِينِ تَطْلُعُ إلى الجُذَاذِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُ الزَّكَاةِ في ذَلِكَ لِعَدَمِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ في مِلْكِهِ، وأَحَدُهَا عِلْمُهُ.
* * *
تَمَّ كِتَابُ المُسَاقَاةِ، بِحَمْدِ اللهِ وعَوْنِهِ، وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ وعلى آلهِ وسَلَّمَ
يَتْلُوهُ كِرَاءُ الأَرْضِ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى
* * * стр. 547
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمًا
تَفْسِيرُ كِرَاءِ الأَرْضِ
* [قالَ]، عَبْدُ الرَّحمَنِ: أَدْخَلَ مَالِكٌ في المُوَطَّأ حَدِيثَ النبيِّ ﷺ في النَّهِي عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ مُجْمَلًا غَيْرَ مُفَسَّرٍ [٢٦٢٤]، وحدَّثنا بهِ أَبو عِيسَى (١)، قالَ: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ أَبيهِ يحيى، عَنِ اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بنِ أَبي عَبْدِ الرَّحمَنِ وإسْحَاقَ بنِ عبدِ اللهِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بنِ قَيْسٍ، أنَّهُ سَألَ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فقَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا"، قالَ حَنْظَلَةُ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ كِرَائِهَا بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فقالَ: لَا بَأْسَ بهِ (٢).
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا الحَدِيثُ يُفَسِّرُ وَجْهَ النَّهِي عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ كَيْفَ هُوَ، وقَدْ رَوَى مَالِكٌ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةَ، والمُحَاقَلَةِ" [٢٣١٦]، والمُحَاقَلَةُ: إكْرَاءُ الأَرْضِ بالحِنْطَةِ وشَبَهِهَا.
قالَ عِيسَى: لَا يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى الأَرْضُ بِشَيءٍ إذا زُرِعَ فِيهَا نَبْتٌ (٣).
وقالَ مَالِكٌ: لَا تُكْرَى الأَرْضُ بِشَيءٍ مِمَّا يُؤْكَلُ أو يُشْرَبُ. стр. 548
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وذَلِكَ فِيمَا أَرَى مِنْ قِبَلِ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا، وبَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أَجَلٍ (١).
قالَ: ومَنْ تَرَكَ كِرَاءَ أَرْضِهِ بالذَّهَبِ أَو الوَرِقِ وَأكْرَاهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يُخْرَجُ مِنْهَا فَقَدْ دَخَلَ في الغَرَرِ المَنْهِيّ عَنْهُ، لأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقِلُّ ويَكْثُرُ فَلَا يَدْرِي قَدْرَ كَمْ يَصِيرُ لَهُ في كِرَائِهَا، وكِرَاؤُهَا بالعَيْنِ هُوَ شَيءٌ مَعْرُوفٌ لَيْسَ فِيهِ غَرَرٌ، وهَذا قَوْلُ مَالِكٍ.
وقالَ ابنُ مُزَيْنٍ: قالَ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: إنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ تُكْرَى الأَرْضُ بشَيءٍ مِمَّا يُخْرَجُ مِنْهَا إذا كَانَ مَضْمُونًا على المُسْتكْرِي، رُفِعَ أَولمَ يُرْفَعْ، فأَمَّا أَنْ يُكْرِيهَا صَاحِبُهَا بِبَعْضِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعِهِ الذي يُزْرَعُ فِيهَا نِصْفًا أو ثُلُثًا أَو رُبْعًا ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَضْمُونًا على المُسْتَكْرِي، فَذَلِكَ حَلَالٌ جَائِزٌ.
قالَ عِيسَى: مَنْ أَكْرَاهَا بِمِثْلِ مَا قَالَهُ اللَّيْثُ فُسِخَتْ كِرَاؤُهُ، فإنْ عَمِلَ على ذَلِكَ كَانَ عَمَلُهُ مِثْلَ كِرَاءِ الأَرْضِ بالذَّهَبِ أَو الوَرِقِ.
قالَ عِيسَى: وقالَ ابنُ نَافِعٍ: لا تُكْرَى الأَرْضُ بِقَمْحٍ، ولَا شَعِيْرٍ، ولَا سُلْتٍ، ولَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى بِسَائِرِ ذَلِكَ على أَنْ يُزْرَعَ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا تُسْتكْرَى بهِ.
قالَ عِيسَى: مَنْ أَكْرَاهَا بِمِثْلِ مَا قَالَ ابنُ نَافِع لَمْ أَفْسَخْ كِرَائَهُ إذا عَمِلَ وتَمَّ عَمَلُهُ، وأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فالكِرَاءُ مَفْسُوخٌ (٢).
وقالَ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى الأَرْضُ بالثِّيَابِ والحَيَوانِ، ومَنْ أَكْرَاهَا فأَصَابَ الزَّرْعُ جَائِحَةً أَو عَاهَةً فَالكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، ولَا تُوضَعُ عَنْهُ الجَائِحَةُ إلَّا في المَاءِ، أَو فِيمَا اجْتِيحَ مِنْ قِبَلِ المَاءِ.
* * *
تَمَّ الكِتَابُ بِحَمْدِ اللهِ وعَوْنهِ، يَتْلُوهُ كِتَابُ الفَرَائِضِ بِحَوْلِ اللهِ стр. 549
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمًا
تَفْسِيرُ كِتَابِ الفَرَائِضِ
مِمَّا لَمْ يقَعْ في كَتَابِ ابنِ مُزَيْنٍ
أَخْبَرنَا أَبو مُحَمَّدِ بنُ أَبي زَيْدٍ: ذَكَرَ اللهُ أَهْلَ المَوَارِثِ في سُورَةِ النِّسَاءِ، وقَامَتِ السّنَّةُ بِتَوْرِيثِ الأَقْرَبِ فالأَقْرَبِ مِنَ العَصَبةِ، وبِتَوْرِيثِ الجَدَّةِ، ومَوْلَى النِّعْمَةِ، وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على تَوْرِيثِ الجَدِّ أَبِ الأَبِ، واخْتُلِفَ في قَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَلَا يَرِثُ أَحَدٌ إلَّا بِسَبَبِ قَرَابَةٍ، أو بِوَلَاءِ عِتَاقَةٍ، أو بِعِصْمَةِ نِكَاحٍ.
وأَخْبَرنِي أَبو الطيب الجَرِيرِيُّ بِمِصْرَ (١)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لا يَرِثُ مِنَ الرِّجَالِ إلًّا عَشَرَة، وَهُمْ: الجَدُّ وإنْ عَلَا، والأَبُ، والإبنُ، وابنُ الإبنِ وإنْ سَفَلَ، والأَخُ، وابنُ الأَخ، والعَمُّ، وابنُ العَمِّ، والزَّوْجُ، ومَوْلَى النَّعْمَةِ، وَهُوَ الذي يُنْعِمُ على عَبْدِه بالعِتْقِ.
قالَ أَبو جَعْفَرٍ: وَيرِثُ مِنَ النِّسَاءِ سَبع نِسْوَةٍ: الأُمُّ، والجَدَّةُ، والإبْنَةُ، وابنتُ الإبْنِ، والأُخْتُ، والزَّوْجَةُ، ومَوْلَاةُ النِّعْمَةِ، وَهِيَ التِّي تُنْعِمُ على عَبْدِهَا أَو على أَمَتِهَا بالعِتْقِ، فَلَا يَرِثُ مِنَ القَرَابَةِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ (٢). стр. 550
* قالَ مَالِكٌ: مِيرَاثُ البَنِينِ مِنْ آبَائِهِم للذَّكَرِ مثْلُ حَظِّ الأُنْثِيَيْنِ إذا كَانُوا رِجَالًا ونِسَاءً، ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، فإنْ كَانَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الفَرَائِضِ وكَانَ فِيهِم ذَكَرٌ بُدِيءَ بأَهْلِ الفَرَائِضِ فَأُعْطُوا فَرَائِضَهُمْ، ثُمَّ كَانَ مَا بَقِيَ، للوَلَدِ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثِيَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فَلَمْ يَذْكُرْ هَهُنَا كَمْ لِلاثْنتَيْنِ مِنَ المِيرَاثِ، فَقِيلَ: إنَّمَا أَعْطَى الاثْنتَانِ الثُلُثَيْنِ، بِدِلَالَةِ أنَّ الوَاحِدَةَ إذَا كَانَتْ مَعَ الإبْنِ فَلَهَا الثُلُثُ، وَهُوَ أَقْوَى سَبَبًا مِنَ البنْتِ، فَوَجَبَ أَلَّا تَنْقَضِي الثَّانِيَةُ مِنَ الثُلُثِ مَعَ مَنْ هُوَ مِثْلُهَا في القُوَّةِ، وشَيءٌ آخَرُ أنَّ اللهَ لَمَّا جَعَلَ للأُخْتَيْنِ الثُلُثَيْنِ بِقَوْلهِ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ وكَانَتِ الأَخَوَاتُ أَبْعَدَ مِنَ البَنَاتِ كَانَ البِنْتَانِ أَوْلَى أَنْ لَا يَنْقُصْنَ مِنَ الثُلُثَيْنِ.
* قَوْلُ مَالِكٍ: (إذا اجْتَمَعَ الوَلَدُ للصُّلْبِ وَوَلَدُ الوَلَدِ فَكَانَ في الوَلَدِ للصُّلْبِ ذَكَرٌ فإنَّهُ لَا مِيرَاثَ مَعَهُ لأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الإبْنِ) [١٨٥٠]، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ: لأَنَّ ابنَ الرَّجُلِ أَقْرَبُ إليهِ مِن ابنِ ابْنِهِ.
* (فَإنْ كَانَ الوَلَدُ لِلصُّلْبِ ابْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا مِيرَاثَ حِينَئِذٍ لِبَنَاتِ الإبْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ بَنَاتِ الإبْنِ ذَكَرٌ هُوَ مِنَ المُتَوفَّى بمَنْزِلَةِ بَنَاتِ الإبْنِ أَو أَسْفَلَ مِنْهُنَّ، فإنَّهُ يُرَدُّ على مَنْ هُوَ بمَنْزِلَتِهِ ومَنْ فَوْقَهُ مِنْ عَمَّاتِهِ فَضْلًا إنْ فَضَلَ، فَيَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ، للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) [١٨٥٠].
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا قَالَ: (إنَّ بَنَاتِ الإبْنِ لا يَدْخُلْنَ مَعَ البَنَاتِ في الثُلُثَيْنِ) مِنْ أَجْلِ أَنَّ البَنَاتِ قَد اسْتكْمَلْنَ الثُلُثَيْنِ، وَهُوَ فَرْضُ البَنَاتِ، فَلِذَلِكَ لا يُدْخِلُ مَعَهُنَّ فِي ذَلِكَ بَنَاتُ الإبْنِ، فإذَا كَانَ مَعَ بَنَاتِ الإبْنِ ذَكَر صَارَ لَهُ ولِمَنْ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ ولِمَنْ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الإبْنِ مَا فَضَلَ، للذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ،
стр. 551
فالذِّكَرُ هُوَ الذي يَعْصِبُهنَّ، كَمَا يُعْصِبُ الوَلَدُ للصُّلْبِ البَنَاتَ، وهَذا قَوْلُ عَلِي بنِ أَبي طَالِبٍ وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وعَلَيْهِ أَهْلُ المَدِينَةِ.
ولَا خِلَافَ بَأَنَّ للأَبَوَيْنِ مَعَ الوَلَدِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السّدُسُ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ المُتَوفَّى وَلَدًا، ولَا وَلَدَ ابْنٍ، ذَكَرًا أَو انْثَى، فإنَّهُ يُبْدَأُ بأَهْلِ الفَرَائِضِ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ، ثُم يَكُونُ للأَبِ مَا بَقِيَ، إِلَّا أَنْ يَبْقَى أَقَل مِنَ السُّدُسِ فَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا يُبْدَأُ بأَهْلِ الفَرَائِضِ قَبْلَ الأَبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقونَ المِيرَاثَ بالفَرْضِ المُجَرَّدِ، فَوَجَبَ تَبْدِيَتُهُمْ، ثُمَّ يُعْطَى الأَبُ مَا بَقِيَ، لأَنَّ فِيهِ رَحِمًا وتَعْصِيبًا، فَيُعْطَى مَا اسْتَحَقَهُ بالرَّحِمِ، ثُمَّ يَأخُذُ مَا بَقِيَ عَنْ أَهْلِ الفَرَائِضِ بالتَّعصِيبِ، فإذَا لَمْ يُصِبْهُ بالتَّعْصِيبِ شَيءٌ لَمْ يُنْقَصْ مِنَ الفَرْضِ، وفَرْضُهُ السُّدُسُ، فإذا انْفَرَدَ الأبوَانِ بالمَالِ كَانَ للأُمِّ الثُلُثُ وللأَبِ الثُلُثَانِ، لِقَوْلهِ ﵎: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، فَصَارَ البَاقِي للأَبِ بِهَذَا الظَّاهِرِ.
فإذَا كَانَ مَعَ الأَبَوَيْنِ زَوْجٌّ أَو زَوْجَةٌ كَانَ للزَّوْجِ النَّصْفُ، وللأُمِّ الثُلُثُ مِمَّا بَقِيَ، ومَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاللأَبِ، ويَكُونُ للزَّوْجَةِ الرُّبُعِ، وللأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ، ومَا بَقِيَ للأَبِ، إِنَّمَا كَانَ للأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِىَ بَعْدَ إخْرَاجِ فَرِيضَةِ الزَّوْجِ أَو فَرِيضَةِ الزَّوْجَةِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَأخُذُ السُّدُسُ مَعَ الوَلَدِ ومَعَ الأَخَوَيْنِ، فَحُجِبت الأُمُّ عَنِ الثُلُثِ إلى السُّدُسِ بالوَلَدِ وبالأَبَوَيْنِ فَصَاعِدًا، فَصَارَ سَبيَلُهَمَا - أَعْنِي الأَبَويْنِ فِيمَا يَبْقَى مِنَ المَالِ بَعْدَ أَهْلِ الفَرَائِضِ كَسَبيلهِمَا لَو انْفَرَدا بالمًالِ، وشَيءٌ آخَرُ وَهُوَ إنَّمَا جَعَلَ اللهُ للأُمِّ الثُّلُثَ حَيْثُ جَعَلَ للأَبِ الثُلُثَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُزَادَ عَلَيْهِ اللأُمُّ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لمَ يَرِثْ الإخوَةُ للأُمِّ مَعَ الوَلَدِ، ولَا مَعَ وَلَدِ الوَلَدِ، ولَا مَعَ الأَبِ، ولَا مَعَ الجَدِّ شَيئًا، لأَنَ اللهَ قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، والكلَالَةُ هَهُنَا مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ ولَا وَالِدٌ،
стр. 552
فَمَتَى كَانَ للمِيِّتِ وَلَدٌ وإنْ سَفَلَ، وَوَالِدٍ وإنْ عَلَا فَلَا يَرِثُ فِيهِ إخْوَتُهُ لأُمِّه شَيْئًا، وعلى هَذا أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ، وصَارَتْ مَنْزِلَةُ الإخْوَةِ للأُمِّ في المِيرَاثِ سَوَاءٌ، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، فَلِهَذا صَارَ سَهْمُ الأَخِ والأُخْتِ للأُمِّ سَوَاءٌ في المِيرَاثِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا لَمْ يَرِثْ الإخْوَةُ للأَبِ والأُمِّ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ، ولَا مَعَ وَلَدِ الإبْنِ الذَّكَرِ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الابْنَ أَقْرَبُ إلى المَيِّتِ، وذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الرَّجُلِ هُوَ مِنْهُ، وأَخُوُهُ هُوَ وَلَدُ وَالِدِه، وشَيءٌ آخَرُ إنَّمَا يُبْدَأُ في الفَرَائِضِ بِمَنْ لَهُ سَهْمٌ مُسَمَّى قَبْلَ العَصَبةِ، لأَنَّ مَنْ لَهُ سَهْمٌ مُسَمَّى لَا يَسْقُطُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَنْ يَأْخُذُ بالتَّعْصِيبِ قَدْ يَسْقُطُ إذا لَمْ يَبْقَ مِنَ المَالِ شَيءٌ، فَلِهَذا وَجَبَ تَبْدِيَةُ أَهْلِ الفَرَائِضِ قَبْلَ العَصَبَةِ، ولَا خِلَافَ في هَذا بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا شُرِكَ بَنُو الأَبِ والأُمّ مَعَ الإخْوَةِ للأُمِّ في الثُلُثِ في فَرِيضَةِ المُشْتَركَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ إخْوَةُ المُتَوفَّى لأُمِّهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَوَى في مِيرَاثِهِمْ، بِسَببِ أُمِّهمْ، وهَذِه الفَرِيضَةُ تُسَمَّى الحِمَارِيَّةِ (١)، وذَلِكَ أَنَّ بَنِي الأُمِّ والأَبِ قَالُوا لِبَنِي الأُمِّ: هَبْ أَنَّ أَبَانَا حِمَارٌ أَلَيْسَتْ أُمُّنَا وَاحِدَةٌ، وشَرَكَ بَيْنَهُمْ في هَذِه الفَرِيضَةِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وزيدُ بنُ ثَابِتٍ، وبهِ قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ المَدِينَةِ.
قالَ أَبو بَكْرٍ الأَبْهَرِيُّ: إنَّمَا لَمْ يَرِث الجَدُّ أَبُ الأَبِ مَعِ الأَبِ شَيْئًا لأَنَّ الأَبَ أَقْرَبُ مِنَ الجَدِّ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الجَدَّ يُدْلِي بالأَبِ، فَإذا كَان مَنْ يُدْلِي به بَاقِيًا فَهُوَ أَحَقُّ بالمِيرَاثِ، وفُرِضَ للجَدِّ السُّدُسُ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ، ومَعَ ابنِ الإبْنِ الذَّكَرِ، مِنْ أَجْلِ وِلَادَتِهِ، لَا مِنْ أَجْلِ التَّعْصِيبِ، كَمَا يُفْرَضُ للجَدَّةِ السُّدُسُ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ، ومَعَ وَلَدِ الوَلَدِ الدَّكَرِ السُّدُسُ، فأَمَّا إذا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ذَكَر، ولَا وَلَا ابنٌ ذَكَرٌ، وكَانَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الفَرَائِضِ، بُدِيءَ بأَهْلِ الفَرَائِضِ المُسَمَّاةِ فَأُعْطُوا فَرَائِضَهَمُ، ثُمَّ كَانَ للجَدِّ مَا بَقِيَ، إذا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ، يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَعْصِيبِه، فإنْ بَقِيَ стр. 553
أَقَلُّ مِنَ السُّدُسِ لَمْ يَنْقُصْ مِنَ السُّدُسِ، لأَنَّهُ يَأْخُذُ بالوِلَادَةِ [لَا بالزِّيَادَةِ] (١)، ولَا سَبِيلَ إلى تَغَيُّرِ فَرْضِ الوِلَادَةِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَذْهَبُ مَالِكٍ في الجَدِّ مَعَ الإخْوَةِ مَذْهَبُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، يُقَاسِمُ بِهَ الإخْوَةُ المِيرَاثَ إذا كَانَ المُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الثُلُثِ وهَذا إذا انْفَرَدَ الجَدُّ والإخْوَةُ بالمَالِ، أَو يُعْطِيهِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَهْلِ الفَرَائِضِ، أَو السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ الجَدِّ أَقْوَى مِنْ سَبَب الإخْوَةِ، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ السُّدُسُ، ولَيْسَ يَأخُذُ الإخْوَةُ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ شَيْئًا، فَلِهَذا الوَجْهِ أُضِيفَ إلى سُدُسِ الجَدِّ الذي يَسْتَحِقُّهُ بالرَّحِمِ سُدُس أخَرُ، فَأُعْطِيَ الثُلُثُ لِتَأْكِيدِ قَرَابَتِهِ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الجَدَّ يَحْجِبُ الإخْوَةَ للأُمِّ عَنِ الثُلُثِ، والإخْوَةُ للأَبِ لَا يَحْجِبُونَهُ عَنْهُ، فَبِهَذا السَّبَبِ يَأْخُذُ الثُلُثُ.
قالَ: وأَمَّا مُقَاسَمَةُ الجَدِّ الأُخْتَ المِيرَاثَ فَيَأْخُذُ الجَدُّ الثُلُثَيْنِ والأُخْتُ الثُلُثُ إذا انْفَرَدَا جَمِيعَا بالمِيرَاثِ، فَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الأَخَ لَمَّا كَانَ يُقَاسِمُ الأُخْتَ وَهُوَ أَضْعَفُ حَالًا مِنَ الجَدِّ، وكَانَتِ الأُخْتُ تَأْخُذُ مَعَ أَخِيهَا الثُّلُثَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَعَ الجَدِّ، ولَمْ يَنْقُصِ الجَدُّ مِنَ الثُلُثَيْنِ إذْ كَانَ أَقْوَى سَبَبًا مِنْ أَخِيهَا.
وأَمَّا مَسْأَلَةُ: (فإنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ للأُخْتِ شَيءٌ لا تَأْخُذُه ولَمْ يَجُزْ إسْقَاطُهَا فُرِضَ لَهَا النِّصْفُ ضَرُورَةً)، وذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ في سُدُسِ الجَدِّ، ولَا في ثُلُثِ الأُمِّ، ولَا في نِصْفِ الزَّوْجِ، ولَا بُدَّ أَنْ تُعْطَى فَرِيضَتَها، إذْ لَيْسَ في هَذِه المَسْأَلةِ مَنْ يَمْنَعُهَا المِيرَاثَ، ولَا مَنْ يَحْجِبُهَا عَنْهُ، فَاُعْطِيتْ فَرِيضَتَها، وَهِيَ النِّصْفُ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى أَصْلِ المَسْأَلَةِ، فَيُجْمَعُ سَهْمُهَا وسَهْمُ الجَدِّ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ للجَدِّ سَهْمَانِ، وللأُخْتِ سَهْم.
وأَمَّا مُعَادَةُ الإخْوَةِ والأَخَواتِ الشَّقَائِقِ الجَدَّ بالإخْوَةِ والأَخَوَاتِ للأَبِ فَيَمْنَعُونَهُ بِهِم كَثْرَةُ المِيرَاثِ، فَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الإخْوَةَ للأَبِ والأُمِّ يَحْتَجُّونَ على стр. 554
الجَدِّ، فَيَقُولُونَ لَهُ: إذا كَانَ الإخْوَةُ والأَخَوَاتُ للأَبِ لَو انْفَرَدُوا مَعَكَ أَيُّهَا الجَدُّ بالمِيرَاثِ لَوَرِثُوا مَعَكَ ولَمْ تَمْنَعْهُم المِيرَاثَ، فَكَذَلِكَ إذا كُنَّا نَحْنُ مَعَهُمْ فَلَيْسَ تَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُورَثُوا مَعَكَ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَحْنُ مَعَهُم إلى الأَصْلِ، فَيَقُولُ: أَنْتُمْ لَا تَرِثُونَ مَعَنَا شَيْئًا حتَّى نَأخُذَ مِنْ أَيْدِيهِم مَا كَانُوا أَخَذُوُ ٥ مَعَ الجَدِّ، فإذا كَانَتْ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ رَجَعَتْ عَلَيْهِم حتَّى تَسْتكْمِلَ نِصْفَ المَالِ، فَمَا بَقِيَ فَالِلإخْوَةِ للأَبِ، فإنْ لَمْ يَبْقَ شَيءٌ فَلَا شَيءَ لَهُمْ، لأَنَّ هَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَ بالتَّعْصِيبِ إذا كَانُوا اخْوَة أو أَخَوَاتٍ، والأُخْتُ الشَّقِيقَةُ إنَّمَا تَسْتَحِقُّ بالفَرْضِ فَكَانَتْ أَوْلَى، ولأَنَّهَا أَقْرَبَ رَحِمًا، فإذا كَانَتْ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ وأَخَوَاتٌ لأَبٍ فإنَّ الشَّقِيقَةَ تَرْجِعُ عَلَيْهِم إلى تَمَامِ النِّصْفِ، ومَا بَقِيَ لَهُمْ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا حُجِبتِ الأُمُّ الجَدَّةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الجَدَّةَ إنَّمَا تُدْلِي بِسَببِ ابْنَتِهَا، ومُحَالٌ أَنْ تَأْخُذَ سَهْمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا مَعَ وُجُودِهَا حَيَّةً.
ولَمْ تَرِثِ الجَدَّةُ أمُّ الأَبِ مَعَ الأُمِّ شَيْئًا لأَنَّ الأُمَّ لَمَّا كَانَتْ تَمْنَعُ الجَدَّةَ أُمَّ الأُمِّ الِميرَاثَ، وَهِيَ أَقْوَى الجَدَّاتِ سَبَبًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تُدْلِي بالأُمِّ وَجَبَ أَنْ تَمْنَعَ الجَدَّةَ التِّي هِيَ مِنْ جهَةِ الأَبِ، إذ كَانَ الأَبُ [...] (١)، فإذا اجْتَمَعَتِ الجَدَّتَانِ ولَيْسَ مَعَهُمَا أُمُّ ولَا أَبٌ فإنْ كَانَتْ أُمُّ الأُمِّ أَقْعَدَهُمَا فَلَهَا السُّدُسُ دُونَ أُمِّ الأَبِ (٢)، وإنْ كَانَتْ أُمُّ الأَبِ أَقْعَدَهُمَا، أَو كَانَتْ في القُعْدَدِ سَوَاءٌ فَالسُّدُسِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا كَانَتِ الجَدَّةُ أُمُّ الأُمِّ إذا كَانتْ قُعْدًا أَوْلَى بالسُّدُسِ مِنْ أُمِّ الأَبِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا قَدْ جَمَعَتْ قُرْبَ المَنْزِلَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنتَهَا التِّي هِيَ الأُمُّ تَمْنَعُ الجَدَّاتِ المِيرَاثَ، فَكَذَلِكَ أمُّهُا تَمْنَعُ الجَدَّاتُ المِيرَاثَ إذا لَمْ يَكُونُوا في دَرَجَتِهَا، إلَّا أَنْ يَبْعُدَ قُرْبُهَا ومَنْزِلتهَا، وتَقْرُبُ مَنْزِلَةُ التِّي هِيَ مِنْ جِهَةِ الأَبِ، فَيَقَاوِمُ تَأْكِيدُ سَبَبِهَا قُرْبَ مَنْزِلَةِ التي مِنْ قِبَلِ الأَبِ، فَيْشَتِركَانِ حِينَئِذٍ في السُّدُسِ، стр. 555
كانَّ المَيتَ تَرَكَ جَدَّتَهُ أُمَّ أمِّهِ، وجَدَّتَهُ أُمَّ أُمَّ أَبِيهِ، فَالسُّدُسُ هَهُنَا لأُمِّ أُمِّهِ، وإنْ تَرَكَ أُمَّ أَبيهِ، وأُمَّ أُمِّهِ فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، ولا يَرِثُ غَيْرَهُمَا مِنَ الجَدَّاتِ عِنْدَ مَالِكٍ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَصْلَ مِيرَاثِ الأَجْدَادِ والجَدَّاتِ الأَبَوَانِ، فإذا عُدِمُوا وَرِثَ اللَّذَانِ يُدْلِي بِهِمَا، وَهُمَا الجَدُ والجَدَّاتُ، فَالجَدُّ أَبو الأَبِ، والجَدَّةُ أُمُّ الأُمّ، وأُمُّ الأَبِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الأَجْدَادِ والجَدَّاتِ، وبهِ قَالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ.
стр. 556
تَفْسِيرُ مَسَائِلِ ذَوِي الأَرْحَامِ
إنَّمَا كَانَ الأَخُ الشَّقِيقُ أَوْلَى بالمِيرَاثِ مِنَ الأَخِ للأَبِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الأَخَ الشَّقِيقَ أَقْوَى سَبَبًا مِنَ الأَخِ للأَبِ، لأَنَّه جَمِعَ رَحِمًا وتَعْصِيبًا، فَمَنْ جَمَعَ الشَّيْئَيِنِ أَوْلَى مِمَّنْ جَمَعَ شَيْئًا وَاحِدًا.
وكَانَ الأَخ للأَبِ أَوْلَى بالمِيرَاثِ مِنْ ابنِ الأَخِ الشَّقِيقِ، لأَنَّ أَخَا الإنْسَانِ أَقْرَبُ
إليهِ مِنِ ابنِ أَخِيهِ.
وكَانَ ابنُ الأَخ الشَّقِيقِ أَوْلَى مِنِ ابْنِ الأَخِ للأَبِ، لأَنَّهُ جَمَعَ رَحِمًا وتَعْصِيبًا.
وكَانَ ابنُ الأَخِ الشَّقِيقِ أَوْلَى مِنَ العَمِّ أَخِي الأَبِ للأَبِ والأُمِّ، وذَلِكَ أَنَّ وَلَدَ أَخِي الإنْسَانِ أَقْرَبُ إليهِ مِنْ عَمِّهِ، لأَنَّ وَلَدَ أَخِيهِ هُوَ وَلَدُ وَلَدِ أَبيهِ، وعَمَّهُ هُوَ وَلَدُ وَلَدِ جَدِّهِ دُونَ أَبيِهِ.
وكَانَ العَمُّ مِنْ قِبَلِ الأَبِ والأُمِّ أَوْلَى مِنَ العَمِّ أَخِي الأَبِ مِنْ قِبَلِ الأَبِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَقْوَى سَبَبًا مِنْهُ، لأَنَّهُ قَد اجْتَمَعَ إليهِ القُرُبَاءُ مِنْ جِهَةِ أَبيهِ وأُمِّهِ.
وكَانَ العَمُّ أَخُ الأَبِ مِنْ قِبَلِ الأَب أَوْلَى مِنَ العَمِّ أَخِي الأَبِ مِنْ قِبَلِ الأَبِ والأُمِّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلى المَيِّتِ وأَقْوَى سَبَبًا.
وكَانَ ابنُ العَمِّ مِنْ قِبَلِ الأَبِ والأُمِّ أَوْلَى مِنْ ابنِ العَمِّ مِنْ قِبَلِ الأَبِ، لأَنَّهُ جَمَعَ رَحِمًا وتَعْصِيبًا.
стр. 557
وكَانَ ابنُ العَمِّ مِنْ قِبَلِ الأَبِ أَوْلَى مِنْ عَمِّ الأَبِ أَخِي الأَبِ للأَبِ والأُمِّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلى المَيِّتِ، لأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ جَدِّهِ، والَاخَرُ مِنْ وَلَدِ أَبِي جَدِّهِ، وَجَدُ الإنْسَانُ أَقْرَبُ إليهِ مِنْ جَدِّ جَدِّهِ.
وكَانَ الجَدُّ أَبو الأَبِ أَوْلَى مِن ابنِ الأَخ للأَبِ والأُمِّ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الجَدَّ يَتَوصَّلُ إلى المِيِّتِ بابْنِهِ، فَيَقُولُ: أَنَا أَبو أَبيهِ، وابنُ الأَخِ يَتَوصَّلُ إليهِ بأَبيهِ أَخِي المَيِّتِ، فَيَقُولُ: أَنا ابنُ أَخِيهِ، والأَخُ إنَّمَا يتُوَصَّلُ بالأَبِ، فَصَارَتْ وَصْلَةُ ابنُ الأَخِ أَبْعَدَ مِنَ الجَدِّ، فَلِذَلِكَ ضَعُفَ سَبَبُهُ، وشَيءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الفَرَائِضِ جَعَلُوا الجَدَّ بِمَنْزِلَةِ الأَخِ، فإذا اجْتَمَعَ الأَخُ وابنُ الأَخِ كَانَ المِيرَاثُ للأَخِ دُونَ ابنِ الأَخِ، ولَا خِلَافَ في هَذا.
* قالَ مَالِكٌ: وابنُ الأَخ للأَبٍ والأُمِّ أَوْلَى بِهَوُلَاءِ المَوَالِي مِنَ الجَدِّ [١٨٨٧].
وقالَ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ: إنَّمَا كَانَ ابنُ الاخ أَوْلَى بالوِلَايةِ مِنَ الجَدِّ، وكَانَ الجَدُّ أَوْلَى بالمِيرَاثِ مِن ابنِ الأَخِ مِنْ قِبَلِ لَو أَنَّ رَجُلَّا هَلَكَ وتَرَكَ وَلَدًا ذُكُورًا ومَوَالِي وتَرَكَ أَبَوَيْهِ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَمَا بَقِيَ فَلِلْوَلَدِ، فإنْ هَلَكَ بَعْضُ المَوَالِي كَانَ مِيرَاثُ المَوْلَى لِوَلَدِه دُونَ أَبَوَيْهِ، فَكَذَلِكَ الجَدُّ أَوْلَى بالمِيرَاثِ مِنِ ابنِ الأَخِ، وابنُ الأَخِ أَوْلَى بِوَلَاءِ المَوَالِي.
* قالَ مَالِكٌ: وابنُ الأَخِ مِنْ قِبَلِ الأَبِ والأُمِّ أَوْلَى مِنَ العَمِّ أَخِي الأَبِ مِنْ قِبَلِ الأَبِ والأُمِّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ابنَ الأَخِ مِنْ وَلَدِ الأَبِ، والعَمَّ مِنْ وَلَدِ الجَدِّ، وَوَلَدُ الأَبِ أَوْلَى بالمِيرَاثِ، لِقُرْبِهِم مِنَ المَيِّتِ [١٨٨٥].
قالَ الأَبْهَرِيُّ: ولَمْ يَرِثْ ابنُ الأَخِ للأُمِّ، ولَا جَدٌّ مِنْ قِبَلِ الأُمِّ، ولَا عَمُّ أَخَوَاتٍ للأُمِّ، ولَا خَالٌ، ولَا خَالَةٌ، ولَا جَدَّةُ أُمِّ أَبي الأُمِّ، ولَا بِنْتُ الأَخِ، ولَا عَمَّهٌ، لأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ في كِتَابِ اللهِ فَرْضٌ، ولَا في سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيءٌ، فَلَمْ يَجِبْ أَنْ يُعْطُوا شَيْئًا مِنْ جِهَةِ الإجْتِهَادِ، لأَنَّ اللهَ قَدْ بَيَّنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ المِيرَاثَ،
стр. 558
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ ذَكَرُ نَصٌّ ولَا دِلَالَةٌ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُعْطَوُا شَيْئًا مِنَ المِيرَاثِ، وهَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ أَهْلِ المَدِينَةِ.
* * *
تَمَّ كِتَابُ الفَرَائِضِ بِحَمْدِ اللهِ
يَتْلُوهُ كِتَابُ الجَهِادِ بِحَوْلِ اللهِ
стр. 559
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا
تَفْسِيرُ كِتَابِ الجِهَادِ
قَوْلُ النبي ﷺ : "مَثَلُ المُجَاهِدِ [فِي سَبِيلِ اللهِ] (١) كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ [الدَّائِمِ، الذي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ، ولا صِيَامٍ حتَى يَرْجِعَ" [١٦١٦]، ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَثَلًا للمُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ بالصِّيَامِ والقِيَامِ الَّذِينِ هُمَا مِنْ أَرْفَعِ الأَعْمَالِ، ولَوْلَا مُجَاهَدَةَ العَدُّوِّ لَضًعُفَ الإسْلَامُ، وغَلَبَ العَدُوُّ المُسْلِمِينَ، والجِهَادُ فَرِيضَةٌ عَامَّةٌ يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا.
وقالَ [أَبو] (٢) عُمَرَ: لَيْسَ هُوَ بِفَرْضٍ، ولَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ، وَيجْزِي فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ العَدُوُّ بِمَدِينَةِ المُسْلِمِينَ وَيُحَاصِرُوهُمْ، فَوَاجِبٌ عَلَى المُسْلِمِينَ نَصْرَهُم والدَّفْعُ عَنْهُمْ، وكَذَلِكَ طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَامَّةٌ يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا، ومَنْ كَان فِيهِ مَوْضِع للإمَامَةِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ قُوَّةُ الطلَبِ، ويُلْزَمُ كُلُّ مُؤْمِنٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ مَالَا يَسَعْهُ جَهْلُهُ.
وقالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: طَلَبُ العِلْمِ أَفْضَلُ مِنَ الجِهَادِ، ولَوْلَا العِلْمُ مَا عُلِمَ الجِهَادُ.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، ولِرَجُل سِتْرٌ، وعَلَى رَجُلٍ стр. 560
وِزْرٌ" [١٦١٨]، وذَكَرَ الحَدِيثَ. قال عِيسَى: الذي هِيَ لَهُ أَجْرٌ هُوَ الذي أَعَدَّهَا للجِهَادِ في سَبِيلِ اللهِ.
وقَوْلُهُ: "فأَطَالَ لَهَا في مَرْجٍ أَو رَوْضَةٍ"، يَعْنِي: طَوَّلَ لَهَا حَبْلَهَا الذي رَبَطَهَا بهِ في مَرْجٍ لِتَرْعَى فِيهِ أو رَوْضَةٍ، فَالمَرْجُ: المُطْمَئَنُ مِنَ الأَرْضِ، والرَّوْضَةُ: مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأَرْضِ.
وقَوْلُهُ: "فَاسْتنَّتْ شَرَفًا أَو شَرَفَيْنِ"، يَعْنِي: قَطَعَتِ الحَبْلَ الذي رُبِطَتْ بِهِ، لِكَيْ تَرْعَى، فَجَعَلَتْ تَجْرِي مِنْ شَرَفٍ إلى شَرَفٍ، فَهَذَا كُلُّهُ حَسَنَاتٍ لِصَاحِبهَا، لأَنَّهُ أَرَادَ باتَّخَاذِهَا وَجْهَ اللهِ، والجِهَادَ في سَبِيلِهِ، فَكَيْفَ مَا تَقَلَّبَتْ بِهَا الحَالُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ.
قال: "وَرَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا"، يَعْنِي: أَنَّهُ اتَّخَذَهَا لِيَسْتَغْنِي بِمَا يَكْسِبُهُ على ظُهُورِهَا عَنْ مَا في أَيْدِي النَّاسِ، ويَتَصَدَّقُ مِمَّا يَكْسِبُهُ عَلَيْهَا على الفُقَرَاءِ أَو يُنْزِيهَا على إنَاثِ الخَيْلِ لِمَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ بِلَا أَجْرٍ يأَخُذُهُ عَلَيْهِ، فَهِيَ لِهَذا سِتْرٌ، وَهُوَ مَأجُورٌ عَلَى هَذَا.
"وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا، وَرِياءً، ونَوَاءً لأَهْلِ الإسْلَام"، يَعْنِي: اتَّخَذَهَا [عَدَاوَة] (١) عَلَى أَهْلِ الإسْلَامِ، والمُنَاوَأةُ: هِيَ المُعَادَاةُ، فهِيَ على هَذَا وِزْرٌ، [لأَنَّهُ] (٢) لَمْ يَرِدِ اللهَ بِشَيءٍ مِنْ عَمَلِهِ.
وهَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ في اكْتِسَابِ المَال، وإنْفَاقِهِ، فَمَنِ اكْتَسَبَهُ مِنْ حَلَالٍ وأَنْفَقَهُ في وُجُوهِ البِرِّ، وأَطْعَمَ مِنْهُ الجَائِعَ وأَحْيَاهُ، كَانَ مَالُهُ بَرَكَةً عَلَيْهِ في آخِرَتهِ، والذي يَكْسِبُ المَالَ مِنْ حلِّهِ، ويُنْفِقُهُ في مَصَالِحِه، ويَتَعَفَّفُ بهِ عَمَّا في أَيْدِي النَّاسِ هُوَ أَيْضًا في ذَلِكَ مَأْجُورٌ، وأَمَّا مَنْ جَمَعَهُ مِنْ حَرَامٍ، وأَنْفَقَهُ في غَيْرِ طَاعَةٍ فَوِزْرُهُ عَلَيهِ، لإسْتِبَاحَةِ مَا حَرَّمَ اللهُ ونَهَى عَنْهُ. стр. 561
وقَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ إذْ سُئِلَ عَنِ الحُمُرِ، فَقَالَ: "لَمْ يُنْزِلْ عَلَى فِيهَا شَيءٌ إِلَّا هَذِه الآيةُ الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ "، يَعْنِي: أَنَّهُ مَنْ أَحْسَنَ إليهَا رَأَى إحْسَانَهُ في الآخِرَةِ، ومَنْ أَسَاءَ إليهَا وكَلَّفَهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا رأَى إسَاثَدهُ في الآخِرةِ، واللهُ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، ويُعَذّبُ مَنْ يَشَاءُ.
وقَوْلُهُ في الآيةِ: إنَّهَا "جَامِعَةٌ فَاذةٌ"، يَعْنِي: مُنْفَرِدَةً في مَعْنَاهَا، جَمَعَتْ أَعْمَالَ البِرِّ كُلِّهَا دَقِيقِهَا وجَلِيلِهَا، وكَذَلِكَ أَعْمَالُ المَعَاصِي.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ، واليُسْرِ، والمَنْشَطِ، والمَكْرَهِ" [١٦٢٠]، قالَ أَبو عُمَرَ: هَذَا الحَدِيثُ هُوَ نَحْوُ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، ثُمَّ نُسِخَ هَدْا بِقَوْلهِ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، إلى آخرِ الآيةِ.
وقَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ: "وأنَ لَا تُنَازعُ الأَمْرَ أَهْلَهُ"، يَعْنِي: لَا تَخْرُجَ عَلَى الأَئِمَةِ فَنُقَاتِلُهُمْ، فَالسَّمْعُ والطَاعَةُ على المُسْلِمِينَ لِمَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمَرَهَمُ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ عَدَلُوا فَلَهُمُ الأَجْرُ، وعَلَى الرَّعِيّهِ الشُّكْرُ، وإنْ جَارُوَا فَعَلَيْهِمُ الوِزْرُ، وعَلَى الرَّعِيّةِ الصَّبْرُ والدُّعَاءُ إلى اللهِ في كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُمْ.
* وفِي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: "كنَا إذا بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ والطَاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطْعَتُمْ" [٣٦٠١]، فَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ في هَذَا الحَدِيثِ أنْ لَا يَتَكَلَّفَ الإنْسَانُ لإمَامِهِ مَا يَضُرُّ بهِ في دِينِهِ، ومَا كَانَ فيهِ طَاعَةٌ للهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الوُقُوفُ عِنْدَ مَا يُؤْمَرُ بهِ إذا أَطَاقَ ذَلِكَ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ في كِتَابهِ: (لَن [يَغْلِبَ] (١) عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) [١٦٢١]، يَعْنِي: قَوْلَ اللهِ : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. стр. 562
قالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: العُسْرُ المُكَرَّرُ ذِكرُهُ هَهُنَا وَاحِدٌ، لأَنَّهُ مُعَرَّفَة بالأَلَفِ واللامِ، واليُسْرُ الأَوَّلُ هُوَ غَيرُ اليُسْرِ الثَّانِي لأنَّهُمَا نَكِرَتَانِ، والنَّكِرَةُ في كَلَامِ العَرَبِ هُوَ شَيءٌ شَائِعٌ في جِنْسِهِ لَا يَخُصٌّ بهِ وَاحِدٌ دُونَ آخَرَ، فَلِذَلِكَ قالَ: (لا يَغلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيَنِ).
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، يَعْنِي: ﴿اصْبِرُوا﴾ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، ﴿وَصَابِرُوا﴾: صَابِرُوا المُشْرِكِينَ، ﴿وَرَابِطُوا﴾، يَعْنِي: جَاهِدُوا في سَبيلِ اللهِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] والفَلَاحُ: البَقَاءُ في الجَنَّةِ، و (لَعَلَّ) مِنَ اللهِ حَتْمٌ وَاجِبٌ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَعْنَى نَهْي النبيِّ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بالقُرْآنِ إلى أَرْضِ العَدُوِّ خِيفَةَ أَن تَقَعَ المَصَاحِفُ في أَيدِي العَدْوِّ فَيَحْرقُونَهَا، وإِنَّمَا هَذا واللهُ أَعْلَمُ عِنْدَ قِلَّةِ الجُيُوشِ، وخَوْفِ المُشْرِكينِ، وإنَّمَا عِندَ الكَثْرَةِ فَلَا بَأْسَ بِحِمْلَانِ المُصَاحِفِ في الغَزَوَاتِ.
* قالَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ: نَهْيُ النبيِّ ﷺ عَن قَتْلِ النِّسَاءِ والوِلْدَانِ [١٦٢٥]، نَسَخَ حَدِيثَ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ الذي ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ سَألَ النبيَّ عَنِ الخَيْلِ تُصِيبُ مِن أَوْلَادِ المُشْرِكينَ فتَقْتُلُهُمْ عِنْدَ الغَارَاتِ عَلَيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: "هُم مِنْهُمْ" (١)، فَجَاءَ في هَذا الحَدِيثِ أَوَّلًا إِبَاحَةِ قْتُلُهُمْ ثُمَّ نَهَى النبيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتلِ النِّسَاءِ والولْدَانِ، فَصَارَ هَذا الحَدِيثُ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ، وبِهَذا أَمَرَ أَبُو بَكرٍ يَزِيدَ بنَ أَبي سُفْيَانَ [١٦٢٧].
قالَ عِيسَى: المُحَبِّسينَ أَنْفُسَهُم الذَّينَ نَهَى أَبُو بَكرٍ عَنْ قْتُلُهُمْ هُمُ الرُّهْبَانُ أَهْلُ الدِّيَارَاتِ، وأَهْلُ الصَّوَامِعِ الَّذِينَ قَد انْقَطًعُوا عَنِ النَّاسِ، فَهُؤَلاء يُتْرَكُون، ولَا يُعْرَضُ لَهُم جِزْيَةِ: مِن أَجْلِ أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَن مُقَاتَلَةِ المُسْلِمِينَ، ويُتْرَكُ стр. 563
لَهُم مِنْ أَمْوَالِهِم قَدْرُ مَا يَعِيشُونَ بهِ، وإنَّمَا فَعَلَ بِهِم أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ لأَنَّهُمْ لَا شَوْكَةُ فِيهِم ولَا مُقَاتَلَةُ، وأَمَا الَّذينَ (فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُؤُوسِهِمْ) فَهُمُ الشَّمَامِسَةُ (١)، وهَؤُلَاءِ يُقْتَلُونَ إذا قُدِرَ عَلَيْهِمْ، وأَمَّا الكَبِيرُ الذي لَا نِكَايَةَ عِنْدَهُ ولَا تَدْبِيرَ فإنَّهُ لَا يُقْتَلُ، فإذا كَانَ مِمَّنُ يُدَبِّرُ أَمْرَ الحَرْبِ، ويُحرَّضُ عَلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ فإِنَّهُ يُقْتَلُ، وقَدْ قتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ درَيْدَ بنَ الصّمَّةِ، وَهُوَ ابنُ عِشْرينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، لِتَحْرِيضِهِ أَصْحَابهِ على مُقَاتِلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ونَصْرِه بالحُرُوبِ (٢).
وقَوْلُ أَبي بَكَرٍ: (لَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا) قالَ ابنُ القَاسِمِ: إنَّمَا هَذَا في كُلِّ بَلَدٍ يَرْتَجِ المُسْلِمُونَ إذا غَنِمُوهُ البَقَاءَ فِيهَا وسُكْنَاهَا، فإنَّهُا لَا تُخْرَّبُ، ولَا تُقْطَعُ ثِمَارُهَا، وأَمَّا إذا كَانَتْ مُنْقَطِعَةً عَنِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهَا تُخَرَّبُ مَسَاكِنُهَا، وتُقْطَعُ ثِمَارُهَا، وتُحْرَقُ زُرُوعُهَا.
قالَ: ولَا بَأْسَ إذا عَسُرَ إخْرَاجُ العَسَلِ مِنَ اللُّجَجِ أَنْ يُغْرَّقَ في المَاءِ، لِكي يَخْرُجَ مِنْهُ النَّحْلُ، ولَا يُحْرَّقُ بالنَّارِ.
* قالَ مَالِكٌ: لَيْسَ العَمَلُ على قَوْلِ عُمَرَ فِيمَنْ أَمَّنَ مُشْرِكًا فَقَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلِ ذَلِكَ [١٦٣٠]، وإنَّمَا فِيهِ العُقُوبةُ، يُعَاقِبُ السُّلْطَانُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَةً شَدِيدَة.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ هَذا القَوْلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ" (٣)، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَ مَالِكٌ أَنْ يُقْتَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
* قالَ مَالِكٌ: وقَدْ يُقْتَلُ المُؤْمِنُ بالكَافِرِ إذا قَتَلَهُ قَتْلَ غِيلَةٍ أَو حَرَابَةٍ [٣٢١٥].
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: الحِرَابَةُ هِيَ قَطْعُ الطَّرِيقِ، ومِنْهُ قِيلَ: قَوْمٌ حِرَابٌ إذا стр. 564
قَطَعُوا الطَّرِيقَ، [واسْتَبَاحُوا] (١) الأَمْوَالَ والأَنْفُسَ، والغِيلَةُ: هُوَ أَنْ يَخْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ حتَّى يَأْمَنَهُ فَيُدْخَلَهُ بَيْتًا ثُمَّ يَقْتُلُهُ على مَالِهِ، فَفِي مِثْلِ هَذا كُلِّهِ يُقْتَلُ المُؤْمِنُ بالكَافِرِ، لأَنَّهُ نَقَضَ العَهْدَ الذي عَقَدَهُ المُسْلِمُونَ لأَهْلِ الذِّمَّةِ.
* * * стр. 565
بابُ مَا يُعْطَى الرَّجُلُ في سَبِيلِ اللهِ، وجَامِعِ النَّفْلِ
* قالَ مَالِكٌ: كَانَ الغَزُو إلى الشَّامِ إذْ كَانَ ابنُ عُمَرَ يُعْطِي الشَّيءَ في سَبيلِ اللهِ، ثُمَّ يَقُولُ للَّذِي يُعْطِيهِ إيَّاهُ: "إذا بَلَغْتَ بهِ وَادِي القُرَى فَشَأنُكَ بهِ) [١٦٣٣]، أَي: افْعَلْ مَا شِئْتَ بهِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ بِهِ أَوَّلَ مَوْضِعِ الجِهَادِ، فإذا بَلَغَ الرَّجُلُ بِمَا يُعْطَاهُ على أَنْ يُجَاهِدَ بهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ، فَالَّذِي يُعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ يَصْنَعُ بهِ مَا شَاءَ.
قالَ عِيسَى: وأَمَّا إذا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيءَ لِيُنْفِقُهُ في الغَزْوِ فَأنْفَقَ، ثُمَّ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ بِيَدِه فإنَّهُ يَجْعَلُهَا في سَبِيلِ اللهِ، وإنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ للغَزْوِ فَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِه بَعْدِ نَفَقَاتِهِ في غَزْوِهِ، فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رُوِيَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ، فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إني أَتَيْتُ لأُجَاهِدَ مَعَكَ وتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ارْجِعْ إليهِمَا فأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا" (١)، فَلِهَذَا الحَدِيثِ قالَ مَالِكٌ: لَا يُغْزَى بِغَيْرِ إذْنِ الأَبَوَيْنِ، إلَّا أَنْ يَفْجَأَ العَدُوُّ مَدِينَةً للمُسْلِمِينَ ويُغِيرُوا عَلَيْهَا، فَوَاجِبٌ على النَّاسِ الخُرُوجُ إليهِم للمُدَافَعَةِ عَنْهُمْ، ولَا يُسْتأذْنُ الأَبَوَانِ في مِثْلِ هَذَا.
* قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ عَلَى الشَّكِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، أَو أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، ونُفِّلُوا بَعِيرًا следующие страницы →