Полный текст (779 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وقَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ إذْ سُئِلَ عَنِ الحُمُرِ، فَقَالَ: "لَمْ يُنْزِلْ عَلَى فِيهَا شَيءٌ إِلَّا هَذِه الآيةُ الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ "، يَعْنِي: أَنَّهُ مَنْ أَحْسَنَ إليهَا رَأَى إحْسَانَهُ في الآخِرَةِ، ومَنْ أَسَاءَ إليهَا وكَلَّفَهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا رأَى إسَاثَدهُ في الآخِرةِ، واللهُ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، ويُعَذّبُ مَنْ يَشَاءُ.
وقَوْلُهُ في الآيةِ: إنَّهَا "جَامِعَةٌ فَاذةٌ"، يَعْنِي: مُنْفَرِدَةً في مَعْنَاهَا، جَمَعَتْ أَعْمَالَ البِرِّ كُلِّهَا دَقِيقِهَا وجَلِيلِهَا، وكَذَلِكَ أَعْمَالُ المَعَاصِي.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ، واليُسْرِ، والمَنْشَطِ، والمَكْرَهِ" [١٦٢٠]، قالَ أَبو عُمَرَ: هَذَا الحَدِيثُ هُوَ نَحْوُ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، ثُمَّ نُسِخَ هَدْا بِقَوْلهِ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، إلى آخرِ الآيةِ.
وقَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ: "وأنَ لَا تُنَازعُ الأَمْرَ أَهْلَهُ"، يَعْنِي: لَا تَخْرُجَ عَلَى الأَئِمَةِ فَنُقَاتِلُهُمْ، فَالسَّمْعُ والطَاعَةُ على المُسْلِمِينَ لِمَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمَرَهَمُ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ عَدَلُوا فَلَهُمُ الأَجْرُ، وعَلَى الرَّعِيّهِ الشُّكْرُ، وإنْ جَارُوَا فَعَلَيْهِمُ الوِزْرُ، وعَلَى الرَّعِيّةِ الصَّبْرُ والدُّعَاءُ إلى اللهِ في كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُمْ.
* وفِي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: "كنَا إذا بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ والطَاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطْعَتُمْ" [٣٦٠١]، فَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ في هَذَا الحَدِيثِ أنْ لَا يَتَكَلَّفَ الإنْسَانُ لإمَامِهِ مَا يَضُرُّ بهِ في دِينِهِ، ومَا كَانَ فيهِ طَاعَةٌ للهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الوُقُوفُ عِنْدَ مَا يُؤْمَرُ بهِ إذا أَطَاقَ ذَلِكَ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ في كِتَابهِ: (لَن [يَغْلِبَ] (١) عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) [١٦٢١]، يَعْنِي: قَوْلَ اللهِ : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. стр. 562
قالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: العُسْرُ المُكَرَّرُ ذِكرُهُ هَهُنَا وَاحِدٌ، لأَنَّهُ مُعَرَّفَة بالأَلَفِ واللامِ، واليُسْرُ الأَوَّلُ هُوَ غَيرُ اليُسْرِ الثَّانِي لأنَّهُمَا نَكِرَتَانِ، والنَّكِرَةُ في كَلَامِ العَرَبِ هُوَ شَيءٌ شَائِعٌ في جِنْسِهِ لَا يَخُصٌّ بهِ وَاحِدٌ دُونَ آخَرَ، فَلِذَلِكَ قالَ: (لا يَغلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيَنِ).
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، يَعْنِي: ﴿اصْبِرُوا﴾ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، ﴿وَصَابِرُوا﴾: صَابِرُوا المُشْرِكِينَ، ﴿وَرَابِطُوا﴾، يَعْنِي: جَاهِدُوا في سَبيلِ اللهِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] والفَلَاحُ: البَقَاءُ في الجَنَّةِ، و (لَعَلَّ) مِنَ اللهِ حَتْمٌ وَاجِبٌ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَعْنَى نَهْي النبيِّ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بالقُرْآنِ إلى أَرْضِ العَدُوِّ خِيفَةَ أَن تَقَعَ المَصَاحِفُ في أَيدِي العَدْوِّ فَيَحْرقُونَهَا، وإِنَّمَا هَذا واللهُ أَعْلَمُ عِنْدَ قِلَّةِ الجُيُوشِ، وخَوْفِ المُشْرِكينِ، وإنَّمَا عِندَ الكَثْرَةِ فَلَا بَأْسَ بِحِمْلَانِ المُصَاحِفِ في الغَزَوَاتِ.
* قالَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ: نَهْيُ النبيِّ ﷺ عَن قَتْلِ النِّسَاءِ والوِلْدَانِ [١٦٢٥]، نَسَخَ حَدِيثَ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ الذي ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ سَألَ النبيَّ عَنِ الخَيْلِ تُصِيبُ مِن أَوْلَادِ المُشْرِكينَ فتَقْتُلُهُمْ عِنْدَ الغَارَاتِ عَلَيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: "هُم مِنْهُمْ" (١)، فَجَاءَ في هَذا الحَدِيثِ أَوَّلًا إِبَاحَةِ قْتُلُهُمْ ثُمَّ نَهَى النبيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتلِ النِّسَاءِ والولْدَانِ، فَصَارَ هَذا الحَدِيثُ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ، وبِهَذا أَمَرَ أَبُو بَكرٍ يَزِيدَ بنَ أَبي سُفْيَانَ [١٦٢٧].
قالَ عِيسَى: المُحَبِّسينَ أَنْفُسَهُم الذَّينَ نَهَى أَبُو بَكرٍ عَنْ قْتُلُهُمْ هُمُ الرُّهْبَانُ أَهْلُ الدِّيَارَاتِ، وأَهْلُ الصَّوَامِعِ الَّذِينَ قَد انْقَطًعُوا عَنِ النَّاسِ، فَهُؤَلاء يُتْرَكُون، ولَا يُعْرَضُ لَهُم جِزْيَةِ: مِن أَجْلِ أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَن مُقَاتَلَةِ المُسْلِمِينَ، ويُتْرَكُ стр. 563
لَهُم مِنْ أَمْوَالِهِم قَدْرُ مَا يَعِيشُونَ بهِ، وإنَّمَا فَعَلَ بِهِم أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ لأَنَّهُمْ لَا شَوْكَةُ فِيهِم ولَا مُقَاتَلَةُ، وأَمَا الَّذينَ (فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُؤُوسِهِمْ) فَهُمُ الشَّمَامِسَةُ (١)، وهَؤُلَاءِ يُقْتَلُونَ إذا قُدِرَ عَلَيْهِمْ، وأَمَّا الكَبِيرُ الذي لَا نِكَايَةَ عِنْدَهُ ولَا تَدْبِيرَ فإنَّهُ لَا يُقْتَلُ، فإذا كَانَ مِمَّنُ يُدَبِّرُ أَمْرَ الحَرْبِ، ويُحرَّضُ عَلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ فإِنَّهُ يُقْتَلُ، وقَدْ قتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ درَيْدَ بنَ الصّمَّةِ، وَهُوَ ابنُ عِشْرينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، لِتَحْرِيضِهِ أَصْحَابهِ على مُقَاتِلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ونَصْرِه بالحُرُوبِ (٢).
وقَوْلُ أَبي بَكَرٍ: (لَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا) قالَ ابنُ القَاسِمِ: إنَّمَا هَذَا في كُلِّ بَلَدٍ يَرْتَجِ المُسْلِمُونَ إذا غَنِمُوهُ البَقَاءَ فِيهَا وسُكْنَاهَا، فإنَّهُا لَا تُخْرَّبُ، ولَا تُقْطَعُ ثِمَارُهَا، وأَمَّا إذا كَانَتْ مُنْقَطِعَةً عَنِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهَا تُخَرَّبُ مَسَاكِنُهَا، وتُقْطَعُ ثِمَارُهَا، وتُحْرَقُ زُرُوعُهَا.
قالَ: ولَا بَأْسَ إذا عَسُرَ إخْرَاجُ العَسَلِ مِنَ اللُّجَجِ أَنْ يُغْرَّقَ في المَاءِ، لِكي يَخْرُجَ مِنْهُ النَّحْلُ، ولَا يُحْرَّقُ بالنَّارِ.
* قالَ مَالِكٌ: لَيْسَ العَمَلُ على قَوْلِ عُمَرَ فِيمَنْ أَمَّنَ مُشْرِكًا فَقَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلِ ذَلِكَ [١٦٣٠]، وإنَّمَا فِيهِ العُقُوبةُ، يُعَاقِبُ السُّلْطَانُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَةً شَدِيدَة.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ هَذا القَوْلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ" (٣)، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَ مَالِكٌ أَنْ يُقْتَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
* قالَ مَالِكٌ: وقَدْ يُقْتَلُ المُؤْمِنُ بالكَافِرِ إذا قَتَلَهُ قَتْلَ غِيلَةٍ أَو حَرَابَةٍ [٣٢١٥].
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: الحِرَابَةُ هِيَ قَطْعُ الطَّرِيقِ، ومِنْهُ قِيلَ: قَوْمٌ حِرَابٌ إذا стр. 564
قَطَعُوا الطَّرِيقَ، [واسْتَبَاحُوا] (١) الأَمْوَالَ والأَنْفُسَ، والغِيلَةُ: هُوَ أَنْ يَخْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ حتَّى يَأْمَنَهُ فَيُدْخَلَهُ بَيْتًا ثُمَّ يَقْتُلُهُ على مَالِهِ، فَفِي مِثْلِ هَذا كُلِّهِ يُقْتَلُ المُؤْمِنُ بالكَافِرِ، لأَنَّهُ نَقَضَ العَهْدَ الذي عَقَدَهُ المُسْلِمُونَ لأَهْلِ الذِّمَّةِ.
* * * стр. 565
بابُ مَا يُعْطَى الرَّجُلُ في سَبِيلِ اللهِ، وجَامِعِ النَّفْلِ
* قالَ مَالِكٌ: كَانَ الغَزُو إلى الشَّامِ إذْ كَانَ ابنُ عُمَرَ يُعْطِي الشَّيءَ في سَبيلِ اللهِ، ثُمَّ يَقُولُ للَّذِي يُعْطِيهِ إيَّاهُ: "إذا بَلَغْتَ بهِ وَادِي القُرَى فَشَأنُكَ بهِ) [١٦٣٣]، أَي: افْعَلْ مَا شِئْتَ بهِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ بِهِ أَوَّلَ مَوْضِعِ الجِهَادِ، فإذا بَلَغَ الرَّجُلُ بِمَا يُعْطَاهُ على أَنْ يُجَاهِدَ بهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ، فَالَّذِي يُعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ يَصْنَعُ بهِ مَا شَاءَ.
قالَ عِيسَى: وأَمَّا إذا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيءَ لِيُنْفِقُهُ في الغَزْوِ فَأنْفَقَ، ثُمَّ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ بِيَدِه فإنَّهُ يَجْعَلُهَا في سَبِيلِ اللهِ، وإنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ للغَزْوِ فَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِه بَعْدِ نَفَقَاتِهِ في غَزْوِهِ، فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رُوِيَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ، فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إني أَتَيْتُ لأُجَاهِدَ مَعَكَ وتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ارْجِعْ إليهِمَا فأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا" (١)، فَلِهَذَا الحَدِيثِ قالَ مَالِكٌ: لَا يُغْزَى بِغَيْرِ إذْنِ الأَبَوَيْنِ، إلَّا أَنْ يَفْجَأَ العَدُوُّ مَدِينَةً للمُسْلِمِينَ ويُغِيرُوا عَلَيْهَا، فَوَاجِبٌ على النَّاسِ الخُرُوجُ إليهِم للمُدَافَعَةِ عَنْهُمْ، ولَا يُسْتأذْنُ الأَبَوَانِ في مِثْلِ هَذَا.
* قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ عَلَى الشَّكِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، أَو أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، ونُفِّلُوا بَعِيرًا стр. 566
بَعِيرًا" [١٦٧٣]، وَرَواهُ [يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ] (١) عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إبَلًا كَثيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، [أَو أَحَدَ] (٢) عَشَرَ بَعِيرًا، ونُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا".
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذَا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ النبيَّ ﷺ إنَّمَا نَفَّلَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الخُمُسِ، ولَمْ يُنَفِّلْهُمْ مِنْ خُمْسِ الخُمُسِ كَمَا قَالَ الشَافِعيُّ (٣)، وذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ النَّفْلَ إنَّمَا هُوَ مِنْ خُمْسِ الخُمُسِ، وسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: كَانَتِ السَّرِيَّةُ التِّي كَانَ فِيهَا عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ عَشَرَةَ رِجَالٍ، فَغَنِمُوا مِائةً وخَمْسِينَ بَعِيرًا، فَلِّلنَبِيِّ ﷺ خُمُسُهَا بِثَلَاثِينَ، البَاقِي مِائَةٌ وعِشْرُونَ مَقْسُومَةً على عَشَرَةِ رِجَالٍ، فَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، فإذَا قُسِمَتِ الثَّلَاثِينُ التِّي صَارَتْ للَّنَبِيِّ ﷺ أَخْمَاسًا صَارَ في كُلِّ خَمْسِينَ مِنْهَا سِتَّةُ أَبْعُرَةٍ، فإذَا قُسِمَتِ السِّتَّةُ أَبْعُرَةٍ التِّي هِيَ خَمْسُ الخُمُسِ عَلَى عَشَرَةٍ لَمْ يَقَعْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ القَوْمِ العَشَرَةِ إلَّا أَقَلَّ مِنْ بَعِيرٍ بَعِيرٍ فَلَمْ يُوَافَقْ ذَلِكَ.
* قَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "ونمِّلُوا بَعِيرًّا بَعِيرًا" فَوَجَبَ بِهَذَا أَنْ يَكُونَ النَّفْلُ مِنْ جُمْلَةِ الخُمُسِ لَا مَنْ خُمْسِ الخُمُسِ، وقَدْ قَالَ النبيُّ ﷺ : "مَالِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيكُمْ) [١٦٦٦]، يَعْنِي: أَنَّهُ يُنَفِّلُ مِنْهُ مَنْ رَأَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: لَيْسَ العَمَلُ بالمَدِينَةِ على قَوْلِ ابنِ المُسَيَّبِ: (أَنَّ النَّاسَ كانُوا يَعْدِلُونَ البَعِيرَ بعَشْرِ شيَاهٍ) [١٦٣٨]، في قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، وذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ العُرُوضِ المُخْتَلِفَةِ التي تَكُونُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بالقُرْعَةِ، لأَنَّهُ غَرَرٌ، وذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَدْرِي عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ سَهْمُ أَحَدُهُمْ، فَلِذَلِكَ لَا يِجُوزُ (٤). стр. 567
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: والدَّلِيلُ على أَنَّ جَمِيعَ مَا في العَسْكَرِ شُرَكَاءُ في الغَنِيمَةِ قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وسَائِرُ الأَجْنَاسِ الأَرْبَعَةِ لأَهْلِ العَسْكَرِ، وهَذا أَصْل في شِرْكَةِ القَوْمِ بأَبْدَانِهِمْ إذا كَانُوا في عَمَلٍ وَاحِدٍ.
قالَ عِيسَى: بَيْعُ الغَنِيمَةِ بالنَّقْدِ، وقِسْمُ الثَّمَنِ في بَلَدِ العَدُوِّ أَعْدَلُ، إِلَّا أنْ لَا يَجِدُوا مَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْهُمْ بالنَّقْدِ، فَيَفسِمُهَا الإمَامُ حِينَئِذٍ بَيْنَ أَهْلِ العَسْكَرِ بالقِيمَةِ، ولَا يَبِيعُهَا مِنَ النَّاسِ بالدَّينِ.
وقالَ ابنُ نَافِع: إذا اضْطَرَّ الإمَامُ إلى بَيْعِهَا بالدَّيْنِ بَاعَهَا، وكَتَبَ الثَّمَنَ على المُشْتَرِينَ حتَّى يَخْرُجُوا إلى بَلَدِ الإسْلَامِ فَيَأْخُذُه مِنْهُمْ ثُمَّ يَقْسِمُهُ.
قالَ: وبَيع الغَنِيمَةِ بأَرْضِ العَدُوِّ هُوَ الوَاجِبُ. لأَنَّهُمْ أَوْلَى بِرُخصِهَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ الذينَ لمَ يُشَاهِدُوا غَنِيمَتَهَا.
* قالَ مَالِكٌ في الأَجِيرِ إذا حَضَرَ القِتَالُ وقَاتَلَ: قُسِمَ لَهُ [١٦٣٩].
قالَ ابنُ القَاسِمِ: سَوَاءٌ قَاتَلَ قَبْلَ الغَنِيمَةِ أَو بَعْدَهَا فإنَّهُ يُقْسَمُ لَهُ إذا قَاتَلَ ولَو مَرَّةً وَاحِدَةً، فإنْ لَمْ يُقَاتَلْ ولَمْ يَحْضَرِ القِتَالَ لَمْ يُقْسَمْ لَهُ شَيءٌ مِنَ الغَنِيمَةِ.
стр. 568
بابُ مَالَا خُمُسَ فِيهِ،
إلى آخِرِ بَابِ السَّلَبِ في النَّفْلِ
قالَ ابنُ القَاسِمِ: إذا نَزَلَ العَدُوُّ عَلَى سَاحِلِ البَحَرِ وَزَعَمُوا أنَّهُمْ تُجَّار ولَمْ يَتَبَيِّنْ ذَلِكَ فِيهِم، فإنَّ الإمَامَ يَفْعَلُ فِيهِم مَا يُؤَدِّيهِ إليهِ اجْتِهَادُهُ، ومَا فِيهِ النَّظَرُ للمُسْلِمِينَ.
قَدْ قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَ أَهْلِ النَّضِيرِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وأَرْبَعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وذَلِكَ أَنَّ اللهَ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ خَيْلٍ، ولَا رِكَابٍ، فَقَسَمَها على حَسَبِ مَا أَدَّاهُ إليهِ اجْتِهَادُهُ ولَمْ يُخَمِّسْهَا، فَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ المُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ.
قالَ: ويَكُونُ إلى الإمَامِ قَتْلُ هَؤُلَاءِ إنْ شَاءَ إنْ لَمْ يَكُونُوا تُجَّارًا، فإنْ كَانُوا تُجَّارًا لَمْ يُقْتَلُوا، وإنْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَخْذِ المَاءِ والزَّادِ فَلِلْمُسْلِمِينَ مَنْعُهُمْ مِنَ الخُرُوجِ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالِهِم بَعْضَهَا، فَإنْ لَمْ يَكُونُوا تُجَّارًا فَهُمْ حَلَالٌ لِمَنْ وَجَدَهُمْ مِنَ الأَئِمَةِ، يَفْعَلُ فِيهِم مَا يَشَاءُ مِنَ القَتْلِ والسَّبِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على إبَاحَةِ أَكْلِ طَعَامِ المُشْرِكِينَ بأَرْضِ العَدُوِّ بِغَيْرِ إذْنِ الإمَامِ، وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا في زَمَانِ النبيِّ ﷺ طَعَامًا وعَسَلًا فَلَمْ يُخَمِّسْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وتَرَكَهُ لأَهْلِ العَسْكَرِ" (١).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا صُرِفَ إلى عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ فَرَسَهُ وعَبْدَهُ قَبْلَ قَسْمِ الغَنِيمَةِ [١٦٤٨]، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَالُهُ ومِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ، فإذا قُسِمَ مِثْلُ ذَلِكَ ولَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ стр. 569
لِمُسْلِم ثُمَّ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ البَيْع ثُمَّ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا بالثَّمَنِ، لأَنَّهُ بِيعَ ذَلِكَ باجْتِهَادِ الإمَامِ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَحِلَّ اسْتِرْقَاقُ أُمّ الوَلَدِ وإنْ قُسِمَتِ الجِزْيَةُ التِّي فِيهَا، وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في أُمِّ وَلَدَةٍ: "أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا" (١)، وإذا بِيعَتْ أُمُّ وَلَدِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ في الغَنِيمَةِ فَدَاهَا الإمَامُ، فإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَدَاهَا سَيِّدُهَا، ويُتْبَعُ بثَمَنِهَا دَيْنًا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُفْدِيهَا بهِ في الوَقْتِ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ أَبو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ يُسَمَّى فَارِسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ منْ أَجْلِ شيَجَاعَتِهِ، وإنَّمَا نَفَّلَهُ النبيُّ ﷺ درْعَ المُشْرِكِ الذي كَانَ أَبو قتَادَةَ قَدْ قتَلَهُ بَعْدَمَا بَرَدَ القِتَالُ، على سَبيلِ الإجْتِهَادِ مِنَ النبيِّ ﷺ ، وأَعْطَاهُ إيَّاهُ بإقْرَارِ الرَّجُلِ الذي كَانَ الدِّرْعُ عِنْدَهُ، وهَذا حُكْمُ كُلِّ مُقِرٍّ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ لَهُ في يَدَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إليهِ [١٦٥٤].
وقالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: السَّلَبُ مِنَ الخُمُسِ، وَيكُونُ ذَلِكَ في أَوَّلِ مَغْنَمٍ، وأَخْذُهُ على وَجْهِ الإجْتِهَادِ مِنَ الإمَامِ، ولَا يَجُوزُ نَفْل قَبْلَ الغَنِيمَةِ، وإنَّمَا قالَ النبيُّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" بَعْدَمَا بَرَدَ القِتَالُ، وهَذا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، لِقَوْلهِ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا"، ومَنِ ادَّعَى أَنَّهُ فِيمَا مَضَى وفِيمَا يُسْتَقْبَلُ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الدَّلِيلِ على ذَلِكَ، وإِنَّمَا فَعَلَهُ النبيُّ ﷺ بِحُنَيْنٍ بَعْدَمَا بَرَدَ القِتَالُ، ويَدُلُّ على أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لَازِمًا في المُسْتَقْبَلِ أَنَّهُ أَعْطَى ذَلِكَ الدِّرْعَ أَبَا قَتَادَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ بغَيْرِ يِمِينٍ، ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْطَى مِثْلُ هَذا مِنَ الخُمُسِ إذا رَأَى الإمَامُ ذَلِكَ مَصْلَحَة، فَالاجْتِهَادُ في هَذا مُؤْتَنَفٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إذ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، ولَا فَعَلَهُ أَبو بَكْرٍ ولَا عُمَرُ، فَلَيْسَ السَّلَبُ للقَاتِلِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ حتَّى يَقُولَهُ الإمَامُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ على وَجْهِ الإجْتِهَادِ (٢). стр. 570
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَعْنَى قَوْلِ أَبي قتَادَةَ: (فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ)، يُرِيدُ: أَنُّهُ وَجَدَ عَضَّةَ المَوْتِ مِنْ شِدَّةِ ضَمِّهِ ذَلِكَ المُشْرِكُ لَهُ حِينَ عَطَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ ضَرْبِ [أَبي] (١) قتَادَةَ إيَّاهُ بالسَّيْفِ.
وقَوْلُهُ: (فَبعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بهِ مَخْرَفًا)، يَعْنِي: ابْتَعْتُ بِثَمَنِهِ حَائِطَ نَخْل في بَنِي سَلِمَةَ (٢).
[يُخْتَرَفُ] (٣) مِنْهُ التَّمْرُ، يُرِيدُ: يُجْتَنَى بهِ التَّمْرَ.
وقَوْلُهُ: (لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ في الإسْلَام)، يِعْنِي: اكْتَسَبْتُهُ في الإسْلَامِ، واكْتِسَابُ المَالِ الحَلَالِ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وقَدْ قَالَ النبيُّ لعَمْروِ بنِ العَاصِ: "نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ للرَّجُلِ الصَّالِحُ" (٤).
قالَ ابنُ القَاسِمِ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الإمَامُ بَعْدَ أن بَرَدَ القِتَالُ: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، أُخْرِجُهُ لَهُ مِنَ الخُمُسِ)، إذا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الإمَامِ على وَجْهِ الإجْتِهَادِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَا أُحِبُّ للإمَامِ أَنْ يَبْعَثَ الخَيْلَ ويَجْعَلَ لِمَنْ أَصَابَ مِنْهُمْ شَيْئًا جُزْءَ مَعْلُومًا مِنَ الغَنِيمَةِ، لأَنَّ في ذَلِكَ فَسَادُ نِيَّاتِ النَّاسِ، وكَرِهَهُ مَالِكٌ.
وقَالَ: لَوْ خَرَجَ قَوْمٌ في مِثْلِ هَذا الوَجْهِ المَكْرُوهِ، فَخَرَجَ مَعَهُمْ رِجَالٌ لَمْ يَقْصِدُوا بِخُرُوجِهِمْ مَعَهُمْ قَصْدَ أُولَئِكَ، وإنَّمَا خَرَجَ هَؤُلَاءِ رَغْبَة في الجِهَادِ، ونكِهَايَةُ للعَدُوّ، لَمْ [يَكُنْ] (٥) بِخُرُوجِهِمْ مَعَهُمْ بَأْسٌ (٦). стр. 571
قالَ مَالِكٌ: وقَدْ فَعَلَهُ بُكَيْرِ بنِ الأَشَجِّ حِينَ نَادَى أَمِيرَ الجَيْشِ الذي كَانَ فِيهِم بُكَيْرٌ: (مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذَا وكَذَا)، فَتَبَادَرَ القَوْمُ للقِتَالِ حِرْصًا مِنْهُمْ للأَخذِ مَا قَدْ جُعِلَ لَهُمْ، فَأَلقَى بُكَيْرٌ سِلَاحَهُ، وامْتَنَعَ مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُمْ.
قالَ مَالِكٌ: ثُم فَكَّرَ سَاعَةً وأَخَذَ سِلَاحَهُ، وقَالَ: (اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا لِهَذَا خَرَجْتُ، وإنَّمَا خَرَجْتُ ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَكَ)، ثُم تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وكَانُوا غُزَاةً في البَحْرِ.
قالَ مَالِكٌ: وذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَيقَظَ مِن نَؤمِهِ قَبلَ خُرُوجهِ إلى القِتَالِ، فقَالَ: (إني رَأَيْتُ في مَنَامِي أَنِّي أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، وسُقِيتُ فِيهَا لَبَنَاً، ولأُجَرِّبَن ذَلِكَ)، قالَ: فَاسْتَقَاء، فَفَاءَ لَبَنًا، وكَانُوا بِمَوْضِعٍ لَا لَبَنَ فِيهِ.
قالَ مَالِكٌ: وهَذِه قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، ويُكْرِمُ اللهُ مَنْ أَطَاعَهَ بِمَا شَاءَ (١).
* قالَ عِيسَى: كَانَ صَبِيغٌ يُتَّهَمُ بِرَأي الخَوَارِجِ وأَهْلِ الأَهْوَاءِ، فَسَألَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ عَنِ الذَّارِيَاتِ، والمُرْسَلَاتِ، والنَّازِعَاتِ، فَأمَرَ بهِ فَضُرِبَ بِجَرَائِدِ النَّخِيلِ حتَّى [أُدْمِي] (٢) جَسَدُهُ، فَلَمَّا هَمَّ أَن يَبْرَأَ أَعَادَ عَلَيْهِ الضَّرْبَ، فقالَ لَهُ صَبِيغٌ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَقَتلٌ مُرِيحٌ، وإِن كُنْتَ تُرِيدُ دَوَائِي فَقَدْ بَلَغَنِي الدَّوَاءَ، فَخَلَّى عَنْهُ ونَفَاهُ إلى العِرَاقِ، وَكَتَبَ إلى أَبي مُوسَى أَلَّا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِن مُجَالَسَتِهِ، فَلَما حَسُنَت حَالَهُ وظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ كَتَبَ بِذَلِكَ أَبو مُوسَى إلى عُمَرَ بنِ الخطاب، فأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُخْلِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُجَالَسَةِ النَّاسِ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ للَّذِي سَأَلهُ عَنِ الَأَنْفَالِ: مَا هِيَ؟ فَأجَابَهُ ابنُ عَبَّاسِ، ثُم سَأَلهُ عَنْهَا مَرَّةً стр. 572
أُخْرَى سُؤَالَ [مُتَعَنِّتٍ] (١)، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: (مَثَلُكَ مِثْلُ صَبِيغٍ الذي سَأَلَ مُتَعَنِّتًا، فَضَرَبهُ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ) [١٦٥٥].
فَفِي هَذا مِنَ الفِقْهِ: أَنَّهُ مَنْ سَأَلَ عَالِمًا عَنْ مَسْأَلةٍ فَجَاوَبَهُ عَنْهَا أَنْ يَقْنَعَ بِجَوَابِهِ، ولَا يَتَعَسَّفَ في سُؤَالِهِ، فَمَنْ فَعَلَ هَذا وأَكْثَرَ مِنْهُ عُوقِبَ عَلَى فِعْلِهِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَنْ اعْتَرَضَ في سُنَّةِ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وأَصحَابُهُ، وَوَقَفَ عِنْدَهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا بِمَا لَمْ يَقُلْهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ أُدِّبَ حتَّى يَتُوبَ، كَمَا تَابَ صَبِيغٌ، ورَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ الخَوَارِجِ.
* * * стр. 573
بابُ القَسْمِ للخَيْلِ، وذِكْرِ الغُلُولِ،
وبَاقِي أَبْوَابِ الجِهَادِ
حدَّثنا أَبو جَعْفِرٍ، قالَ: حدَّثنا ابنُ الأَعْرَابِيِّ، قالَ: حدَّثنا أَبو دَاوُدَ، قالَ: حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ [حَنْبَل] (١)، قالَ: حَدَّثنا أَبو مُعَاوِيةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، لَهُ سَهْم، وسَهْمَانِ للفَرَسِ" (٢).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ هَذَا الحَدِيثَ في المُوَطَّأ، وقَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ هَذَا.
قالَ: والبَرَاذِينُ بِمَنْزِلَةِ الخَيْلِ إذا أَجَازَهَا الوَالِي، وَهِيَ القَوِيَّةُ اللَاحِقَةُ بالخَيْلِ في قُوَّتهَا، وحَمْلِهَا للرَّكْضِ، فَهَذهِ يُسْهَمُ لَهَا كَمَا يُسْهَمُ للخَيْلِ (٣).
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ للَّذِينَ سَأَلُوهُ أَنْ يُقْسِمَ بَيْنَهُمْ غَنِمَتَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: "لَوْ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمَرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، ولَا جَبَانًا، ولَا كَذَّابَاً" [١٦٦٦].
قالَ عِيسَى: يُقَالُ لِمَا نَبَتَ في [...] (٤) جِبَالِ مَكَّةَ: السَّمَرُ، فَقَالَ ﷺ : لَوْ стр. 574
غَنِمْتُمْ مِثْلَ عَدَدِ تِلْكَ السَّمَرِ إبِلًا لَقَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ، (ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، ولَا جَبَانَا، ولَا كَذَابًا) (١).
قالَ عِيسَى: لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الأَنْبيَاءِ البُخْلُ، ولَا الجُبْنُ، وقَدْ يَكُونَ المُؤْمِنُ بَخِيلًا وَجَبَانًا، ولَا يَكُونُ كَدَّابًا، لأَنَّ الَكَذَّبَ مُجَانِبٌ للإيمَانِ.
وقَوْلُهُ في هَذَا الحَدِيثِ: (أَدَّوُا الخَائِطَ والمِخْيَطَ)، يَعْنِي: أَدُّوا الخَيْطَ والإِبْرَةَ مِنَ الغَنِيمَةِ ومَا قَلَّ مِنَ الغُلُولِ، (فإنَّ الغُلُولَ عَارٌ، ونَارٌ، وَشَنَارٌ على أَهْلِهِ)، فَالعَارُ: العَيْبُ، والشَّنَارُ: الفَضِيحَةُ.
قالَ عِيسَى: هَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ وَاحِدٌ، ومَعْنَاهُ العَيْبُ.
وقَوْلُهُ: (شِرَاك مِنْ نَارٍ)، يَعْنِي: إذا أَخَذَهُ الرَّجُلُ مِنَ المَغْنَمِ عَلَى وَجْهِ الغُلُولِ فَهُوَ حَرَامٌ وإن قَلَّ ثَمَنُهُ، ومَا أَخَذَهُ الرَّجُلُ مِنَ المَغْنَمِ على غَيْرِ وَجْهِ الغُلُولِ، وكَانَ ثَمَنُهُ يَسِيرًا وكَانَ مُحْتَاجًا إليهِ، قالَ مَالِكٌ: كَالنَّعْل يَحْتَذِيهِ الرَّجُلُ، أَو الجِلْدُ يُغَشيه إكَافَهُ، وعِيدَانٌ يَعْمَلُ مِنْهَا مَشَاجِبَ (٢)، فَلَا بَأْسَ بأَخْذِ مِثْلَ هَذا اليَسِيرِ إذا احْتَاجَ إليه، ولَمْ يَأْخُذهُ عَلَى وَجْهِ الغُلُولِ.
* إنَّمَا كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ على الغَالِّ إعْظَامَا مِنْهُ لِشَأْنِ الغُلُولِ، ولِكَيْ يَرْتَدِعَ بِذَلِكَ مَنْ هُمَّ أَنْ يَغُلَّ [١٦٦٧].
* ومَعْنَى تَكْبِيرِه عَلَى القَبيلَةِ الذي وُجِدَ العِقْدُ في بَرْدَعَةِ أَحَدِهِمْ كَمَا يُكَبَّرُ عَلَى المَيِّتِ [١٦٦٩]، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ هَلَكُوا بِسَببِ الغُلُولِ الذي كَانَ فِيهِم، فَصَارُوا بِذَلِكَ كَالمَوْتَى الذينَ يُصَلَّى عَلَيْهِم، ويُدْعَى لَهُمْ، وهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ أَمْرِ الغُلُولِ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: السَّهْمُ الغَرِبُ هُوَ الذي يُرْمَى بهِ إلى جَمَاعَةِ النَّاسِ، وَلَا يُقْصَدُ بهِ وَاحِدٌ بِعَيْيهِ. стр. 575
وأَقْسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مِدْعَمٍ أَنَّ الشَّمْلَةَ التِّي أَخَذَهَا غُلُولًا لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا لِعِلْمِهِ ﷺ بِذَلِكَ [١٦٦٩].
* ولَمْ تَحِلَّ الغَنَائِمُ لِغَيْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وإنَّمَا كَانَت الغَنِيمَةُ تُجْمَعُ فتنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فتَحْرِقَهَا، فَأحَلَّهَا اللهُ لِهَذِه الأُمَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] يَعْنِي: أَنَّهُ سَبَقَ مِنَ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ لِهَذِه الأُمَّةِ أَن أَحَلَّ لَهُمُ الغَنَائِمَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، فَكَانَتِ الغَنِيمَةُ في أَوَّلِ الإسْلَامِ للنبيِّ ﷺ ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ثُمَّ قَسَمَهَا اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، إلى آخِرِ الآيةِ، وصَارَتِ الأَرْبَعَةُ الأَخْمَاسِ للَّذِينَ غَنِمُوهَا، وقالَ ﷺ : "مَالِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ" [١٦٦٦]، فَالخُمُسُ مَرْدُودٌ إلى مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ، فَمِنْهُ يُعْطَى غَازِي المُسْلِمِينَ، وقَاضِيهِم، وصَاحِبُ أَعْمَالِهِمْ التّي لَا غِنَاءَ بالمُسْلِمينَ عَنْهَا، وعَنْ مَنْ يَقُومُ لَهُمْ فِيهَا.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ: (مَا ظَهَرَ الغُلُولُ في قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا أَلْقَى في قُلُوبهِمِ الرُّعْبَ، ولَا فَشَا الزِّنَا في قَوْمٍ قَطّ إِلَّا كثرَ فِيهِمُ المَوْتُ [١٦٧٠]، وذَكَرَ الحَدِيثً إلى آخِرِه، فَفِي هَذا بَيَانٌ: أَنَّ المَعَاصِي إذا فَشَتْ في النَّاسِ فَلَمْ تُغَيَّرْ كَانَ لِكُلِّ صنْفٍ مِنْهَا عُقُوبَةً يُعَاقَبُ بِهَا كُلُّ مَنْ فَشَت فِيمَا بَيْنَهُمْ إذا لَمْ يُغَيِّرُوهَا، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، فَدَلَّ بِهَذا أَنَّ العُقُوبَةَ قَدْ تُصِيبُ الظَّالِمَ وغَيْرَهُ إذا لَمْ تُغَيَّر المَعَاصِي علَى أَهْلِهَا، فتكُونُ عُقُوبَةً للظَّالِمِ، وكَفَّارَةً لِغَيْرِهِ، وإذا عُمِلَتِ المَعَاصِي سرًّا لَمْ تَضُرَّ إِلَّا لأَصْحَابِهَا.
* قَوْلُهُ ﷺ فِيمَنْ قُتِلَ صَابِرًا مُحْتَسِبا أَنَّهُ تُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ إلَّا الدَّيْنَ [١٦٧٦]، يَحْتَمِلُ هَذا الحَدِيثُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنْ يَكُونَ المَقْتُولُ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدّي بهِ دَيْنَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حتَّى قُتِلَ، وَمَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَلَقِيَ اللهَ وَهُوَ ظَالِمٌ لأَخِيهِ بِمَطْلِهِ دَيْنَهُ، وأَمَّا مَنْ كَانَ في عُسْرَة وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤَدّي مِنْهُ دَيْنَهُ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ، وقَدْ قَالَ ﷺ :
стр. 576
"مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، ومَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَالِيَّ " (١)، فَهَذا هُوَ الدَّيْنُ الذِي لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ [أَدَائُهُ] (٢) إلى صَاحِبهِ، فَمَتَى قُتِلَ هَذا في سَبيلِ اللهِ كَفَّرَ اللهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ، وكَانَ دَيْنُهُ في ذِمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ [أبي] (٣) النَّضْرِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ مِنَ الصَلَوَاتِ، فَقَالَ: مَنْ هَهُنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟ فأَجَابَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فقالَ: إنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ حُبسَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ دُونَ الجَنَّةِ، فإنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقْضُوهُ عَنْهُ فَافْعَلُوا، فَفَعَلُوا" (٤)، ولَمْ يَرْوِ يحيى بنُ يحيى في المُوطَّأ هَذا الحَدِيثَ.
وفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ مَنْ أَدَّى عَنْهُ دَيْنَهُ بَعْدَ مَوْتهِ أَنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ فِيهِ التَّبعَةُ، كَمَا قَدْ يُتَصَدَّقُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتهِ فَتَنْفَعُهُ الصَّدَقَةُ في قَبْرِهِ، وُيؤْجَرُ عَلَيْهَا.
* قَوْلُهُ في البَقِيعِ: (مَا عَلَى الأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بها مِنْهَا) [١٩٧٨]، يَعْنِي: مَقْبَرَةَ المَدِينَةِ، فَفِي هَذا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ المَدِينَةِ عَلَى سَائِرِ بِقَاعِ الدُّنْيَا.
* وقَدْ تَمَنَّى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ بالمَدِينَةِ، وأَنْ يَمُوتَ شَهِيدًّا [١٦٨٠]، فَأَعْطَاهُ اللهُ مَا تَمَنَّى مِنَ الشَّهَادَةِ، ودُفِنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأَبي بَكْرٍ بالمَدِينَةِ، وقتَلَهُ مَجُوسِيٌّ لَا يَحْتَجّ عِنْدَ اللهِ بسَجْدَةٍ سَجَدَهَا لَهُ، فَفِي هَذا دَلِيلٌ على أَنَّ مَنْ سَجَدَ للهِ مُؤْمِنًا بِهِ مُصَدِّقًا بِنَبِيِّهِ ﷺ أَنَّهُ يَحْتَجّ بِذَلِكَ عِنْدَ اللهِ، وَلَا يُخَلَّدُ في النَّارِ، وإنْ وَاقَعَ الكَبَائِرَ، وَيَصْدُقُ هَذا قَوْلُهُ في حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: "أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبّهٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيِمَانٍ" (٥). стр. 577
* قَوْلُ عُمَرَ: (كَرَمُ المُؤْمنِ تَقْوَاهُ) [١٦٨١]، يُرِيدُ: أَنَّ مَنِ اتَّقَى اللهَ فَهُوَ كَرِيمٌ، وأنَّ الحَسَبَ هُوَ الدِّينُ، وأَنَّ مَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ فَقَدْ تَمَّتْ مُرُؤَتَهُ.
و (الغَرَائِزُ): هِيَ الطِّبَاعُ التي يُطْبَعُ عَلَيْهَا ابنُ آدَمَ.
وَقْولُهُ: (والقَتْلُ حَتْفٌ مِنَ الحُتُوفِ)، يَعْنِي: هُوَ مَنِيةٌ مِنَ المَنَايَا.
(والشَّهِيدُ مَنِ احْتَسَبَ نَفْسَهُ عَلَى اللهِ)، يُرِيدُ: أَنَّهُ مَنْ قَاتَلَ إيِمَانًا واحْتِسَابًا حَتَّى قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ.
* قالَ أَبو عُمَرَ: تَرْجَمَ مَالِكٌ في المُوَطَّأ (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الشَّيءِ يُجْعَلُ في سَبِيلِ اللهِ) [١٦٨٦]، عَلَى مَعْنَى: أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مَا جُعِلَ في سَبيلِ اللهِ في غَيْرِ السَّبيلِ، كَمَا كَرِهَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لِمَنْ لَهُ نِصْفُ جَمَلٍ في سَبيلَ اللهِ، وَلِصَاحِبهِ نِصْفُ الجَمَلِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِذَلِكَ الجَمَلِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ لِعُمَرَ: (احْمِلْنِي وَسُحَيْمًا) [١٦٨٧]، فَسَمَّي زِقَّهُ سُحَيْمًا، طَمَعًا مِنْهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِظَهْرِ جَمَلٍ وَحْدَهُ، وإنَّمَا كَانَ لَهُ نِصْفُ جَمَل، فتَفَرَّسَ عُمَرُ في لَفْظِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ، فقَالَ لَهُ: (أُنْشِدُكَ اللهَ، أَسُحَيْم زِقٌّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ)، والسُّحَيْمُ تَصْغِيرُ أَسْحَم، وَهُوَ الأَسْوَدُ، فَلَمْ يُعْطْهِ عُمَرُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلى أَخْذِهِ سَبيلٌ، وكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ صَحِيحَ الفِرَاسَةِ، جَلِيلَ القَدْرِ عِنْدَ اللهِ ، وَعِندَ المُسْلِمِينَ.
قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيْهِ: "إنَّ اللهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وقَلْبِهِ" (١)، (وَلَمْ يَلْقَهُ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجَّا غَيْرَ فَجِّهِ) (٢)، وَوَافَقَ رَبَّهُ جَلَّ وَعَزَّ في ثِلَاثٍ، وَوَافَقَهُ رَبُّهُ جَلَّ وَعَزَّ في ذَلِكَ (٣)، إلى غَيْرِ مَا شَيءٍ يَطُولُ الكِتَابُ بِبَعْضِ فَضَائِلِه، ﵁، وَعَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ لَهُمْ بإحْسَانٍ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ مِنْ خَالَاتِ النبيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، стр. 578
وَهيَ أختُ أُمِّ سُلَيْمٍ امْرَأةِ أَبي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ، وفِي حَدِيثِها فَضْلُ غَزَاةِ البَحْرِ [١٦٨٩].
قَوْلُهُ: (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ)، يَعْنِي: يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذا البَحْرِ للغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وفِي هَذَا الحَدِيثِ: إبَاحَةُ الغَزُو في البَحْرِ بالنِّسَاءِ، وَوَصْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ صِفَةَ شُهَدَاءِ البَحْرِ والبَرِّ في الجَنةِ أَنَّهُمْ مُلُوك على الأَسِرَّةِ.
وأَجَابَ اللهُ دَعْوَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لأُمِّ حَرَامٍ فَجَعَلَها مِنْ شُهَدَاءِ البَحْرِ، وذَلِكَ أَنَّهَا صُرِعَتْ عَنْ دَابَّتَهَا بِقُبْرُسٍ (١) على سَاحِلِ البَحْرِ، فَمَاتَتْ ودُفِنَتْ في ذَلِكَ المَكَانِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ مُعَاذٍ: (الغَزْوُ غَزْوَانِ) [١٦٩٣]، يَعْنِي: هُمَا غَزْوَانِ، مُبَارَكٌ، فِيهِ ومَذْمُومٌ.
(فَالَّذِي تُنْفَقُ فِيهِ الكَرِيَمَةُ)، يُرِيدُ: الدَّهَبَ والفِضَّةَ، مِن كَسْبِ طَيِّبٍ.
(وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ)، يَعْنِي: يُحْسِنَ الإنْسَانُ فِيهِ مُعَاشَرَةَ رَفِيقِه.
(ويُطَاعُ فِيهِ ذُو الأَمْرِ)، يَعْنِي: يُطَاعَ فِيهِ أَمِيرُ الجَيشِ فِيمَا أَمَرَ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَهَذا الغَزْوُ بَرَكَة عَلَى صَاحِبهِ كُلهِ، ومَا كَانَ ضِدُّ هَذا فَهُوَ غَرو مَذْمُومٌ لَا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ مِنْهُ سَالِمًا مِنَ الوِزْرِ كَمَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ.
قَوْلُهُ ﵇: "الخَيْلُ في نَوَاصِيهِا الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ"، يَعْنِي: الخَيْلَ المُعَدَّةِ في سَبيلِ اللهِ للجِهَادِ عَلَيْهَا في نَوَاصِيهَا الخَيْرِ، وَهُوَ الأَجْرُ والغَنِيمَةُ، بِخِلَافِ الخَيْلِ المُعَدَّةِ للفِتَنِ التي رُبِطَتْ فَخْرًا وَرِيَاءً ونَوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ.
وفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الجِهَادَ مَاضٍ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وفِي غَيْرِ المُوَطَا أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "الجِهَادُ مَاضٍ مِنْذُ بَعَثَ اللهُ ﷺ إلى آخِرِ عِصَابَةٍ مِنْ стр. 579
أُمَّتِي تُقَاتِلُ الدَّجَّالَ" (١)، فَهَذا الحَدِيثُ يُقَوّي الأَؤلَ أَنَّ الجِهَادَ يَبْقَى في هَذِه الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ.
* [قالَ] عَبْدُ الرحْمَنِ: في مُسَابَقَةِ النبيِّ ﷺ بَيْنَ الخَيْلِ [١٦٩٦]، مِنَ الفِقْهِ: رِيَاضَةُ الخَيْلِ المُعَدَّةِ للجِهَادِ، وأَنَّ المُسَابَقَةَ بَيْنَ الخَيْلِ سُنَّة، وأَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ تُجْرَى في المُسَابَقَةِ الأَمْيَالَ.
* قالَ يَحْيىَ بنُ مُزَيْنِ: بَيْنَ الحَفْيَاءِ وبَيْنَ الوَدَاعِ خَمْسَةُ (٢) أَمْيَالِ، وبَيْنَ الثَّنِيَّةِ ومَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ نَحْو مِنْ مِيل، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النبيَّ ﷺ وَدَّعَ بِهَا أَصْحَابَهُ في خُرُوجِهِ إلى بَعْضِ أَسْفَارِهِ (٣) [١٦٩٦].
وَجَعَلَ النبيُّ ﷺ للخَيْلِ التِّي [لَمْ] (٤) تُضَمَّرْ غَايَةً في الجَرِي دُونَ غَايَةِ التَّي قَدْ أُضْمِرَتْ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ المُضَمَّرَةَ أَقْوَى عَلَى الجَرِي مِنَ التَّي لَمْ تُضَمَّرْ، وفي هَذِه إشَارَ إلى النَّاسِ لَا يَسْتَوُونَ في العِبَادَاتِ، وَحَسَبُ كُلِّ إنْسَانِ أَنْ يَتكَلَّفَ مِنْهَا مَا يُطِيقُ ويَدُومُ عَلَيْهِ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: (لَا بَأْسَ بِرِهَانِ الخَيْلِ إذا دَخَلَ فِيهَا مُحَلِّلٌ) [١٦٧٩]، يَعْنِي: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَرَاهَنَ الرَّجُلَانِ فَيُخْرِجُ هَذَا مِنْ مَالِهِ سَبْقًا دِينَارًا أَو مَا أَشْبَهَهُ، ويُخْرِجُ الثَّانِي مِنْ مَالِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيُدْخِلَانَ مَعَ أَنْفُسِهِمَا رَجُلًا بِفَرَسِهِ لَاحِقًا بالفَرَسَيْنِ اللَّذَيْنِ للرَّجُلَيْنِ المُخْرِجَيْنِ للسَّبْقِ، وَلَا يُخْرِجُ صَاحِبُ ذَلِكَ الفَرَس شَيْئَا مِنْ مَالِهِ، وَهَذا هُوَ المُحَلّلُ، ثُمَّ يُجْرُونَ خَيْلَهُمْ، فإنْ سَبَقَ أَحَدُ الفَرَسَيِنِ اللًّذَيْنِ أَخْرَجَا السَّبْقَ بَيْنَهُمَا كَانَ مَا أَخْرَجَا مِنْ مَالِهِمَا لِمَن سَبَقَ بِفَرَسِهِ مِنْهُمَا، وإنْ سَبَقَ الفَرَسُ الذِي لَمْ يُخْرِجْ صَاحِبُهُ شَيْئًا أَخَذَ السَّبْقَيْنِ جَمِيعًا. стр. 580
قالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ علَى هَذَا العَمَلُ (١)، وإنَّمَا الذي يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ سَبْقًا كَمَا يَفْعَلُ الإمَامُ، فإنْ سَبَقَ بِفَرَسِهِ كَانَ السَّبْقُ الذِي أَخْرَجَهُ مِنْ مَالِهِ لِصَاحِبِ الفَرَسِ المُصْلِ إذا كَانَتْ خَيْلًا كَثيرَةً، وَالمُصْلِي مِنَ الخَيْلِ هُوَ الذي يَكُونُ رَأْسُهُ عَلَى صِلَى الفَرَسِ السَّابِقِ في حِينِ جَرَى الخَيْلُ وصَلَى الفَرَسُ أَصْلَ إلْيَتِهِ، فإذا لَمْ يَكُنْ إلَّا فَرَسٌ جَاعِلٌ على السَّبْقِ وآخَرُ، فَسَبَقَ جَاعِلُ السَّبْقِ كَانَ السَّبْقُ طُعْمَةً، وإنْ سَبَقَ فَرَسُ الذِي لَمْ يُخْرِجْ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا أَخَذَ السَّبْقَ الذِي كَانَ قَدْ أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ (٢).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وفِي رِوَايةِ ابنِ بُكَيْرٍ سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ سَمِعْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ"" فقالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
فَقِيلَ لَهُ: مَا تَفْسِيرُهُ؟ فقالَ: أَمَّا (الجَلَبُ) فَهُوَ أَنْ يَتَخَلَّفَ الفَرَسُ عَنِ الجَرِي في السَّبْقِ، فَيُحَرِّكُ وَرَأَهُ الشَّيءَ يَسْتَحِثُّ بهِ، فَيَزِيدُ في جَرْيهِ فَيَسْبِقُ، فَهَذا هُوَ (الجَلَبُ)، وأما (الجَنَبُ) فَإنَّهُ يُجْنِبُ مَعَ الفَرَسِ الذِي يُسَابِقُ بهِ فَرَسٌ آخَرُ، حَتَّى إذا دَنَى مِنْ مَوْضِعِ الغَايَةِ تَحَوَّلَ رَاكِبُهُ عَلَى الفَرَسِ المَجْنُوبِ فَسَبَقَ عَلَيْهِ وأَخَذَ السَّبْقَ (٣).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَرْوِ يَحْيىَ بنُ يَحْيىَ في مُوطَّئِهِ هَذِه الحِكَايةِ عَنْ مَالِكٍ. стр. 581
*قَوْلُ اليَهُودِ حِينَ خَرَجَتْ إلى النَّخِيلِ بِمَسَاحِيهَا ومَكَاتِلِهَا، والمَكَاتِلُ: القَفَفُ (١)، فَصَبَّحَتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ولَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِهَا، فَلَمَّا رَأَؤْهَا قَالُوا: (مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسَ)، يَعْنُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ وَالعَسْكَرُ، وَهُوَ الخَمِيسُ، فَصَبَّحَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ في دِيَارِهِمْ آمِنُونَ [١٦٩٩].
قَالَ عِيسَى: وَالعَمَلُ علَى أَنْ لَا يُغَارَ عَلَى العَدُوِّ بِلَيْلٍ.
وقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُقَاتَلُ العَدُوُّ حَتَّى [يُدْعَى] (٢) إلى الإسْلَامِ، فإنْ أَبُوا مِنَ الإسْلَامِ مِنْهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِم الجِزْيَةُ، فإنْ أَبُوا مِنْهَا قُوتلُوا، إلَّا مَنْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الإسْلَامُ، وَعَرَفُوا مَا يُقَاتَلُوا عَنْهُ، فإِنَّ هَؤُلَاءِ يُقَاتَلُونَ وَلَا يُدْعَوْنَ.
قالَ غَيْرُهُ: كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ بأَهْلِ خَيْبَرَ، وذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ دَعَاهُمْ إلى الإسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَبُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُجِيبُوهُ إليه.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ سَبَبُ إخْرَاجِ عَمْروِ بنِ الجَمُوحِ وعَبْدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ الأَنْصَارِيَيْنِ مِنْ قُبُورِهِمَا بَعْدَ سِتَّةٍ وأَرْبَعِينَ سَنَةً، مِنْ يَوْمِ دُفِنَا بالبَقِيعِ يَوْمَ أُحُدٍ، القَنَاةَ التِّي جُلِبَتْ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ إلى المَدِينَةِ (٣)، فَوَقَعَ حَفْرُهُا بِجَنْبِ قَبْرَيْهِمَا، فَلَمَّا خُشِيَ عَلَيْهِمَا السَّيْلُ أُخْرِجَا مِنْ ذَلِكَ القَبْرِ، لِيُدْفَنَا في غَيْرِهِ، فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا، وَهَذا مِنْ بَرَكَةِ الشَّهَادَةِ في سَبِيلِ اللهِ [١٧٠٤].
وقالَ غَيْرُهُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَرْضَ لَا تَأْكُلُ لُحُومَ الشُّهَدَاءِ.
* * *
تَمّ كتابُ الجِهَادِ بِحَمْدِ الله وعَوْنهِ، يتلُوه كتابُ الحجِّ إن شاء الله تعالى
* * * стр. 582
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا
تَفْسيرُ كتَابِ الحَجِّ
لَمْ يُفَسِّرْهُ ابن مُزَيْنٍ (١)
بابُ الغُسْلِ للإحْرَامِ ومَا يَلْبَسَهُ المُحْرِمُ
حدَّثنا أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ، قالَ: حَدَّثنا أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ، قالَ: حَدَّثنا ابنُ وَضَّاحٍ، قالَ: حدَّثنا أَبو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قالَ: حدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ، [عَن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَر] (٢) قالَ: حدَّثنا عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ القَاسِمِ، عَنْ أَبيهِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ [قَالَتْ] (٣): (نَفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبي بَكْرٍ بالشَّجَرَةِ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أبا بَكْير أَنْ يَأمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ") (٤).
* [قال] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَائِشَةَ [١١٥٠].
قَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ يَصِحُّ للقَاسِمِ سَمَاعٌ مِنْ أَسْمَاءَ، وحَدِيثُهُ عَنْهَا في المُوطَّأ مُرْسَلٌ، والصَّحِيحُ فِيهِ كَمَا رَوَاهُ ابنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ. стр. 583
فِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: حَجُّ الرَّجُلِ بِزَوْجَتِهِ وإنْ كانَتْ حَامِلًا، والغُسْلُ عِنْدَ الإهْلاَلِ بالحَجِّ، وفي أَمْرِ النبيِّ ﷺ النُّفَسَاءِ بالغُسْلِ عِنْدَ الإحْرَامِ دَلِيلٌ على تَأْكِيدِ الغُسْلِ عِنْدَ الإحْرَامِ، إذْ يُؤْمَرُ بهِ مَنْ لَا يُصَلِّي، وَمَنْ تَرَكَهُ فَقَدْ أَثِمَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ فِدْيَةٌ.
سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَمَّا رَوَاهُ زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ، عَنْ [ابن] (١) أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ لأَزْوَاجِهِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ: (هَذِه، ثُمَّ ظُهُورُ الحُصُرِ)، فَقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هَذا حَدِيثٌ شِيعِيٌّ كَذِبٌ لا يَصِحُّ، وإنَّمَا أَرَادَ بهِ نَاقِلُهُ الطَّعْنَ عَلَى عَائِشَةَ بِخُروجِهَا في دَمِ عُثْمَانَ، وحَجُّهَا بَعْدَ النبيِّ ﷺ ، وَمَا كَانَتْ عَائِشَةُ لِتَسْمَعُ هَذا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ تُخَالِفُهُ (٢).
* [قال] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى يحيى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ حُنَيْنٍ [١١٥٤]، وَلَمْ يَذْكُر ابنِ بُكَيْرٍ نَافِعًا في هَذا المُسْنَدِ، وإنَّمَا قالَ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَن إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَهَذا هُوَ الصَّحِيحُ (٣).
[قال] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اخْتَلَفَ ابنُ عَبَّاسٍ وَالمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ وَهُمَا بالأَبْوَاءِ، وَهِيَ بِقُرْبِ الجُحْفَةِ، فِي المُحْرِمِ يَغْتَسِلُ مِنَ الحَرِّ، هَلْ يَغْسِلُ رَأْسَهُ أَمْ لَا يَغْسِلُهُ؟ стр. 584
فأَفْتَاهُمَا أَبو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ وَهُوَ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ، يَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ بَيْنَ عَمُودَي البِئْرِ التِّي هِيَ بالجُحْفَةِ، بأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
* وقالَ عُمَرُ لِيعَلْى بنِ مُنَيَّةَ: (أُصْبُبْ عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ لَهُ يَعْلَى: أترِيدُ أَنْ تَجْعَلَهَا بِي؟) يَعْنِي: أترِيدُ أنْ يُقَالَ: أَنَّ يَعْلَى بنَ مُنَيَّةَ كَانَ يَقُولُ: إنَّ الُمحْرِمَ [يَغْسِلُ] (١) رَأْسَهُ في غَيْرِ غُسْلِ الجَنَابَةِ، فقال له عمر: (أُصْبُبْ، فَلَنْ يَزِدْهُ الماءَ إلَّا شَعَثًا)، يَعْنِي: أَنَّ الشَّعَثَ مَأْمُور بهِ في الحَجِّ، فإذَا بَلَّ الشَّعْرُ بالمَاءِ وَلَمْ يَمْشَطُ شَعَثٌ عِنْدَ ذَلِكَ [١١٥٥].
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِتَرْكِ ابنِ عُمَرَ رَأْسِهِ فِي غَيْرِ غُسْلِ الجَنَابَةِ إذا كَانَ مُحْرِمًا [١١٥٧]، لأَنَّهُ مِنْ شَدَائِدِه على نَفْسِهِ، والغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ مَأْمُور بهِ، وَمِثْلُهُ الغُسْلُ للوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَمَنْ تَرَكَهُمَا فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ.
* قالَ أَبو عُمَرَ: مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ قالَ: سُئِلَ النبيُّ ﷺ ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ يُرِيدُ: مَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ في حَالِ إحْرَامِهِ، فقالَ: "لَا تَلْبَسُوا القُمُصَ، ولَا السَّرَاوِيلاَتِ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه [١١٦٠].
سَأَلْتَ أبا مُحَمَّدٍ عَنِ الحَدِيثِ الذي رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، [عَنْ عَمْروِ بنِ دِينَارٍ] (٢)، عَنْ جَابِرِ بنِ زَيْدٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الإزَارَ، وَالخُفُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ" (٣)، فقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: انَفْرَدَ جَابِرُ بنُ زَيْدٍ بِهَذا الحَدِيثِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَهَذا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ عَبَّاسٍ بالحِجَازِ، ولِهَذَا أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وجَابِرُ بنُ زيدٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، ولَا يُعْرَفُ هَذا الحَدِيثُ بالمَدِينَةِ. стр. 585
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَنْ لَمْ يَجدْ مِئْزَرَاً وَكَانَتْ مَعَهُ سَرَاوِيلُ شَقَّهَا واتَّزَرَ بِهَا، وَمَنْ لَم يَجِدِ النَّعْلَيْنِ قَطَعَ الخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْنِ أَو سَرَاوِيلَ مِنْ ضرُورَةٍ افْتَدَى.
* [قالَ] عَبْدُ الرحمن: قَوْلُ عُمَرَ لِطَلْحَةَ حِينَ رَأَى عَلَيْهِ الثَّوْبَ المَصْبُوغَ بالمَدَرِ، والمَدَرُ: المُغْرَةُ (١)، فقَالَ لَهُ عُمَرُ: (إِنَّكُمْ أيُّهَا الرَّهْطُ، أَئِمَةٌ يَقْتَدِي بكُمُ النَّاسُ) [١١٦٤]، ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ إلى آخِرِهَا.
فِي هَذَا مِنَ الفِقْهِ: قَطْعُ الذّرَائِعُ التِّي تُلَبِّسُ على النَّاسِ، وذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَقْتَدُونَ بِعُلَمَائِهِمْ في كُلِّ مَا رَأَوْهُمْ يَصْنَعُونه، فَمَنْ كَانَ إمَامًا مُقْتَدَى بهِ لَزِمَهُ مُرَاعَاةُ أَحْوَالِهِ، وتَرْكُ مَا يَلْتَبسُ عَلَى النَّاسِ، وَأَصْلُ قَطْع الذَّرَائِعِ في كِتَابِ اللهِ قَوْلُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وذَلِكَ أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ للنبِّي ﷺ إذا أَرَادُوا مُخَاطَبَتَهُ: رَاعِنَا سَمْعَكَ، وَكَانَتْ عِنْدَهُمْ هَذِه الكَلِمَةُ بِمَنْزِلَةِ السَّبِّ، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذا خَاطَبُوهُ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ قَالُوا لَهُ: رَاعِنَا بِسَمْعِكَ يا رَسُولَ اللهِ، فأَعْلَمَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ نَبِيَّهُ ﷺ مَذْهَبَ اليَهُودِ في هَذِه الكَلِمَةِ، وأَنْزَلَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ فَقَطَعَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذا مَا كَانَت اليَهُودُ يَتَذَرَّعُونَ بهِ إلى لسَبِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ حِينَ نزلَتْ هَذِه الآيةُ: (لَئِنْ سَمِعْتُ أَحَدَاً مِنَ اليَهُودِ يَقُولُ للنبيِّ ﷺ رَاعِنَا لأَقْتُلَنَّهُ) (٢).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ تَلْبَسَ النِّسَاءُ فِي حَالَةِ الإحْرَامِ مِنَ الثِّيَابِ المُعَصَفَّرِ بالزُّعْفَرَانِ، والمَصْبُوغِ بالوَرْسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَنتفِضُ على الجِلْدِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الطِّيبِ الذي نَهَى المُحْرِمُ أَنْ يَسْتَعِمَلَهُ فِي حَالَةِ إحْرَامِهِ. стр. 586
* قالَ مَالِكٌ: مَا فَوْقَ الذَّقْنِ مِنَ الوَجْهِ والرَّأْسِ لا يُغَطِّيهِ، كَمَا قَالَ ابنُ عُمَرَ [١١٧٢]، وَمَن غَطَى وَجْهَهُ في حَالِةِ إحْرَامِهِ واسْتَدَامَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ، فإنْ لَمْ يَسْتَدِمْ ذَلِكَ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ.
* [قالَ] عَبْدًالرَّحْمَنِ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ هَذا مِنْ أَجْلِ مَا رَوَاهًالفَرَافِصَةُ بنُ عُمَيْرِ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ يُغْطِّي وَجْهَهُ وَهوَ مُحْرِمٌ [١١٧١]، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَذا مَالِكٌ فإذا فَعَلَ المُحْرِمُ مِنْ ذَلِكَ الشَيءَ اليَسِيرَ وَلَمْ يَسْتَدِمْ تَغْطِيةَ وَجْهِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيءٌ، فإنِ استَدَامَ تَغْطِيةَ وَجْهِهِ وَطَالَ ذَلِكَ كَانَتْ عَلَيْهِ الفِدْيَةُ.
قالَ مَالِكٌ: إحْرَامُ الرَّجُلِ في وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، وإحْرَامُ المَرْأةِ في وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، ولَا بَأْسَ أَنْ تَسْتُرَ المَرْأَةُ وَجْهَهَا إذا كَات شَابَة، فترْسِلُ المَقْنَعَةَ مِنْ أَعْلَى رَأسَهِا عَلَى وَجْهِهَا إذا أَرَادتْ بِذَلِكَ السِّتْرَ مِنَ النَّاسِ (١).
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا كَرِهَ ابنُ عُمَرَ للمُحْرِمِ لِبْسَ المِنْطَقَةَ [١١٦٨]، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَعْقِدُ بَعْضهَا بِبعْضٍ، فَصَارَ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ الفبَاسِ الذي نُهِيَ عَنْهُ الُمحْرِمُ، وَرَخصَ ابنُ المُسَيَّبِ في لِبَاسِهَا للمُحْرِمِ إذا كَانَتْ فِيهَا نَفَقَتُهُ، مِنْ أَجْلِ حَاجَتِهِ إلى ذَلِكَ [١١٦٩]،
وقَالَ ابنُ بُكَيْر في رِوَايتِهِ: إذا جَعَلَ في طَرَفِهَا معَيْرَيْنِ يَعْقِدُ بَعْضَهَا بِبَعْضِ (٢)، يُرِيدُ: إذا لَم يُدْخِلِ السير في [ثَقْبِ] (٣) المِنْطَقَةِ.
* وَرَوَى يحيى بنُ يحيى: إذا جَعَلَ في ظَرَفَيْهَا سُيُورَةً [١١٦٩] وَرِوَايةُ ابنُ بُكَيْرٍ أَبْيَنُ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: صِفَةُ لِبَاسِ المُحْرِمِ المِنْطَقَةِ هوَ: أَنْ يَشُدَّهَا لَابِسُهَا على جِلْدِه، ولَا يَشُدُّهَا عَلَى مِئْزَرِهِ، لأَنَّ ذَلِكَ يَشْبَهُ اللِّبَاسَ الذِي نُهِيَ عَنْهُ المُحْرِمُ. стр. 587
* سَألْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَن حَدِيثِ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَن ابنِ عبَّاسٍ: (أَنَّ رَجُلًا وَقَصَت بهِ نَاقتَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اغْسِلُوهُ، وَكَفَّنُوهُ، ولَا تُخَمِّرُوا وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، فإن اللهَ يَبْعَثَهُ يومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (١)، فقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: انْفَرَدَ بِهَذا الحَدِيثِ ابنُ جُبَيرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وإنْ صحَّ هَذا الحَديثُ فَهُوَ خَاص لِذَلِكَ الرّجُلِ، مِن أَجْلِ أَنَّهُ مَاتَ وَقَد اتقَطَعَ عَنْهُ العَمَلُ، وَقَد كَفَّنّ ابنُ عُمَرَ ابْنَهُ وَخَمَّرَ رَأْسَهُ حِينَ مَاتَ وَهُوَ مُخرِمٌ [١١٧٣] وَبِهَذا أَخَذَ مَالِكٌ في المُحْرِمِ إذا مَاتَ أَنَّهُ يُغَسَّلُ، وَيُكفَّنُ، ويُغَطَى رَأسُهُ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، عَن نَافع، عَنِ ابنِ عُمَرَ أَن النبيَ ﷺ قالَ: "لا تَنتَقِبُ المَرأَةُ المُحرمَةُ، وَلَا تَلبَسُ القَفازَيْنِ" (٢)، وأَوْقَفَ مَالِكٌ هَذا الحَدِيثَ في المُوطَّأ على ابنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَبْلُغْ بهِ النبي ﷺ [١١٧٥].
وفِيهِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ المَرْأَةَ إذا سترتْ يَدَيْهَا في قَفَّازَيْن، أَو سَتَرتْ وَجْهَهَا وَهِيَ مُحرِمَة مِن غيرِ ضَرُورَةٍ أَنَّ عَلَيبها الفِدْيَةَ.
* * * стр. 588
بابُ تَرْكِ الطِّيب في الحَجِّ،
وَذَكْرِ المَوَاقِيتَ والإهْلَالِ
* رَوَى النَّخَعِيُّ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى بِيضِ الطِّيبِ في مِفْرَقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ" (١)، وَمِنْ حَدِيثِ مَالِكٌ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كنتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَقَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ" [١١٧٨].
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: هَذا خَاصٌّ لِرَسُولِ الله ﷺ ، والدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: "ولَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزُّعْفَرانُ ولَا الوَرْسُ" [١١٦٠] وأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الأَعْرَابِيَّ أَنْ يَغْسِلَ صُفْرَةَ طِيبٍ عَنْهُ إذ بَقِيتْ ظَاهِرَةً عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ [١١٧٩] وَكَرِهَ عُمَرُ الطِّيبَ للمُحْرِمِ، وَرَدَّ مُعَاوِيةَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةَ إلى المَدِينَةِ، وأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِي أُمَّ حَبيبَةَ التِّي كَانَتْ طَيَّبَتْهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ لِتَغْسِلَ عَنْهًالطِّيبَ الذي كَانَتْ طَيَّبَتْهُ، وَلِكَي يُعْلَمُهَا [أنَّ الطِّيبَ] (٢) في حَالَةِ الإحْرَامِ خَاصٌّ للنبيِّ ﷺ [١١/ ٨٠] وأَمَرَ كَثيرَ بنَ الصَّلْتِ حِينَ تَطَيَّبَ [وقَدْ لَبَّدَ رَأْسَهُ] (٣) أَنْ يَذْهَبَ إلى شُرْبَةٍ فَيَغْسِلُ عَنْهُ الطِّيبَ [١١٨١] وقالَ ابنُ عُمَرَ حِينَ كَفَّنَ ابْنَهُ: (لَوْلَا أَنّا حُرُمٌ لَطَيبْنَاهُ) [١١٧٣] [وهَذه] (٤) الآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ على أَنَّ الطِّيبَ في حَالَةِ الإحْرَامِ خَاصٌّ للنبيِّ ﷺ ، стр. 589
وقَالَ [﵎] (١): ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] والتَّفَثُ هُوَ: ضِدُّ الطِّيبِ في حَالَةِ الإحْرَامِ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يُرَخِّصْ [مَالِكٌ بَعْدَ] (٢) رَمْي جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَتَطَيَّبَ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الإفَاضَةِ، كَمَا قَالَ سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَرَخَّصَ في ذَلِكَ خَارِجَةُ بنُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ للوَليدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ [١١٨٢]، فإنْ تَطَيَّبَ الرَّجُلُ بَعْدَ رَمْيهِ وَحِلَاقِةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ للإفَاضَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيءٌ، لِفُتْيَا خَارِجَةَ بِذَلِكَ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَوَاقِيتُ الحَجِّ رُخْصَةٌ مِنَ النبيِّ ﷺ لأُمَّتِهِ وَرِفْقًا مِنْهُ بِهِمْ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦] أَنَّ إتْمَامَهَا أَنْ يَهِلَّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ بَلَدِهِ وَمَسْكَنِهِ، فَرَخَّصَ في ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ لأُمَّتِهِ، وَوَقَّتَ لَهُمْ مَوَاقِيتَ يَهِلُّونَ مِنْهَا بالحَجِّ والعُمْرَةِ، وَلَو أَنَّ رَجُلًا خَرَجَ محرِمًا بالحجِّ مِنْ بَلَدِهِ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِطُولِ السَّفَرِ، ولامْتِنَاعِهِ مِمَّا يَسْتَبِيحُهُ الحَلَالُ [١١٨٦].
قالَ مَالِكٌ: فَلَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ المَوَاقِيتَ مِمَّنْ يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَو
عُمْرَةٍ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قُلْتُ لأَبي مُحَمَّدٍ: مَا وَجْهُ إهْلَالِ ابنِ عُمَرَ مِنَ الفُرُعِ وَهِيَ بَعِيدَةٌ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةَ؟ [١١٨٨] فقالَ لِي: قَصَدَ ابنُ عُمَرَ إلى الفُرُعِ في حَاجَةٍ عُرِضَتْ لَهُ، فَلَمَّا انْقَضَتْ قَامَتْ لَهُ نِيَّة في السَّيْرِ إلى مَكَّةَ، فَأَهَلَّ مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ مِمَّنْ هُمْ قُدَّامُ المَوَاقِيتِ إلى مَكَّةَ، يُهِلُّونَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ.
قُلْتُ لَهُ: فَمَا وَجْهُ إهْلَالِهِ مِنْ إيلْيَاءَ، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ؟ [١١٨٩]، فَقَالَ لِي: إنَّمَا أَهَلَّ مِنْهَا بالحَجِّ مِنْ أَجْلِ الفِتْنَةِ التِّي كَانَتْ بالحِجَازِ، وكَانَ النَّاسُ يُحِبُّونَ أَنْ стр. 590
يُصَيِّرُوا إليهِ الخِلَافَةَ، فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ دَخَلَ في إحْرَامِهِ، وَرَأَهُمْ أَنَّهُ في عَمَل مِنْ أَعْمَالِ الآخِرَةِ، لِكَي يَسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنَّ مَنْ اهَلَّ بِحَج أو عُمْرَةٍ مِنْ قَبْلِ مِيقَاتِهِ أنَّهُ يَلْزَمُهُ الإحْرَامُ.
قُلْتُ لَهُ: فَحَدِيثُ المُعَافَى بنِ عِمْرَانَ، [عن أَفْلَحِ بنِ حُمَيْدِ]، عَنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّهَا قَالَتْ: "وَقَّتَ رَسُولُ الله ﷺ لأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ" (١)، فقالَ لِي: الصَّحِيحُ في هَذا تَوْقِيتُ عُمَرَ لأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتِ عِرْقٍ، في إيَّامِهِ افْتُتِحَ العِرَاقُ (٢).
قالَ مَالِكٌ: مَنْ جَاوَزَ مِيقَاتَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ مِمَّنْ يُرِيدُ الحَجَّ أَو العُمْرَةَ رَجَعِ إليهِ إنْ كَانَ قَرِيبًا فَأَحْرَمَ مِنْهُ، وإنْ بَعُدَ وَخَشِيَ فَوَاتَ الحَجِّ أَهَلَّ مِنْ مَكَانِهِ، وكَان عَلَيْهِ دَمٌ لِمُجَاوَزَتهِ مِيقَاتِهِ غَيْرِ مُحْرِمٍ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا اعْتَمَرَ النبيُّ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ عَامَ الفَتْحِ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ حُنَيْنٍ لِكَيْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا، فأحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنَ الجِعْرَانَةِ، وَهِيَ في الِحلِّ قَرِيبٌ مِنَ الحَرَمِ، وَكَانَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ الحجِّ [١١٩٠].
* ومِنْ هَذا الحَدِيثِ قَالَ العُلَمَاءُ: إنَّهُ لا يَعْتَمِرُ أَحَدٌ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَقَدْ أَمَرَ النبي ﷺ عَائِشَةَ حِينَ اعْتَمَرتْ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَكَةَ إلى الحِلِّ فتَهِلَّ مِنْهُ بِعُمْرَة [١١٤٧] لِكَي تَجْمَعَ في عُمْرَتها بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ. стр. 591
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: الإهْلَالُ رَفْعًالصَّوْتِ بالتَّلْبيَةِ، إجَابَةُ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ ﷺ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] , فَدكَر أَنَّهُمْ يَأتُونَ مَكَّةَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا.
ومَعْنَى (لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ) أَيْ: إجَابَةً لَكَ بَعْدَ إجَابَةٍ.
ومَعْنَى: (سَعْدَيْكَ) أَيْ: مُسَاعَدَةً لَكَ بَعْدَ مُسَاعَدَة عَلَى أَدَاءِ مَا أَوْجَبْتَهُ لَكَ عَلَيْنَا مِنْ فَرْضِ الحَجّ، فَالحَجُّ فَرْضٌ علَى المُسْتَطِيعِينَ البَالِغِينَ الأَحْرَارِ، مَرَّةً في العُمُرِ، وقَدْ سَأَلَ الأَقْرَعُ بنُ حَابسٍ النبيَّ ﷺ حِينَ نزلَ فَرْضُ الحَجِّ، فقالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، الحَجّ في كُلِّ عَامٍ أَو مَرَّةً وَاحِدَةً في العُمُرِ؟ فقالَ: بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ مُتَطَوِّع" (١).
قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: السَّبيلُ إلى الحَجِّ الطَّرِيقُ السَّابِلَةُ التِّي يَأْمَنُ الإنْسَانُ في سُلُوكِهَا على نَفْسِهَا، والزَّادُ المَبْلَغُ، والقُوَّةُ علَى الوُصُولِ إلى مَكَّةَ، إمَّا رَاجِلًا، وإمَّا رَاكِبًا مَعَ صَحَّةِ البَدَنِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى أَشْعَثُ بنُ سَوَّارٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النبي ﷺ صلى الظُّهْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ البَيْدَاءِ أَهَلَّ" (٢).
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: شَرَفُ البَيْدَاءِ هُوَ الشَّرَفُ الذي قُدَّامُ ذِي الحُلَيْفَةِ في طَرِيقِ مَكَّةَ، وأَنْكَرَ ابنُ عُمَرَ هَذا الحَدِيثِ، وقَالَ: (بَيْدَاؤكمْ هَذِه التِّي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، مَا أهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ -يَعْنِي بالحَجِّ- إلَّا مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ، ومَنْ قَالَ: إنَّهُ إنَّمَا ابْتدَأَ الإهْلَالَ مِنَ البَيْدَاءِ فَقَدْ كَذَبَ، وإنمَا بَدَأ بالإهْلَالِ مِنْ عِنْدِ بَابِ المَسْجِدِ حِينَ اسْتَوتَ بهِ رَاحِلَتِهِ) [١١٩٤]. стр. 592
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بِهَذَا الحَدِيثِ أَخَذَ مَالِكٌ، أَنَّ الإهْلَالَ يَكُونُ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ بأَثرِ صَلَاةِ نَافِلَةٍ لِمَنْ مَرَّ بِذِي الحُلَيْفَةِ.
* قَوْلُ عُبَيْدِ بنِ جُرَيْجٍ لإبنِ عُمَرَ: (رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا، ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ إلى آخِرِهَا، لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أصْحَابكَ يَصْنَعُهَا، فَقَالَ: مَا هِيَ يا ابنَ جُرَيْجٍ؟ قالَ: رَأيْتُكَ لا تمَسَّ مِنَ الأَرْكَانِ إلَّا اليَمَانِيّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النّعَالَ السَّبْتِيّةِ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبغُ بالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إذا كنتَ بمَكَةَ أَهَل النَّاسُ إذا رَأَوُا الهِلَالَ وَلَمْ تَهِل أَنْتَ حَتى كَانَ يَوْمُ التَّروِيةِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: أمَّا الأَرْكَانُ فَإنّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يمَسَّ إلَّا اليَمَانِيّينِ) [١١٩٥] , يَعْنِي: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسَّ مِنْ أَرْكَانِ البَيْتِ في طَوَافِهِ إلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، يَعْنِي الرُّكْنَ الذي فِيهِ الحَجَرُ الأَسْوَدُ، والرُّكْنُ الذي يَتَّصِلُ بهِ مِنْ نَاحِيةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَهُمَا الرُّكْنَانُ اليَمَانِيَّانِ، وإنَّمَا قِيلَ لَهُمَا اليَمَانِيَّيْنِ لأَنَّهُمَا مِنْ نَاحِيةِ اليَمَنِ.
وقَوْلُهُ: (وأَما النّعَالُ السَّبْتِيَّةُ)، يَعْنِي: المَحْلُوقَةَ الشَّعَرِ، (فإني رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُهَا حِينَ يَتَوضَّأُ وَالبَلَلُ بِرِجْلَيْهِ).
(وأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبَغُ بِهَا ثِيَابَهُ لا شَعْرَهُ)، لأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الشَّيْبِ إلى أَنْ يَحْتَاجَ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْبَهُ بِصُفْرَةٍ.
وَقَوْلُهُ: (وأَمَّا الإهْلَالُ، فإني لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَهِلّ حَتَّى تَنْبَعَثَ بهِ رَاحِلَتَهُ)، يُرِيدُ: أَنَّهُ إنَّمَا أَهَلَّ بالحَجِّ حِينَ شَرَعَ في عَمَلِ الحَجِّ وتَوَجَّهَ إليهِ، فَكَذَلِكَ أَفْعَلُ أَنَا إذا كَانَ وَقْتَ خُرُوجِي مِنْ مَكَّةَ لِعَمَلِ الحَجِّ أَهْلَلْتُ بهِ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: الذي يأْخُذُ بهِ مَالِكٌ في وَقْتِ إهْلَالِ أَهْلِ مَكَةَ بالحَجِّ ومَنْ كَانَ مُقِيمًا بِهَا مِنْ غَيْرِهِم أَنْ يَهلُّوا بالحَجِّ إذا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ، كَمَا قالَ عُمَرَ لأَهْلِ مَكَّةَ: (يا أَهْلَ مَكةَ، مَا شَأنُ النَّاسِ يَأتونَ شُعْثًا وأَنْتُمْ مُدَّهِنُونَ؟ أَهِلُّوا إذا رَأَيتُمُ الهِلَالَ) [١٢٢٢] , يَعْنِي: أَهِلّوا بالحَجِّ إذا رَأَيْتُم هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ، وإنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِهَذا أَنْ يَنَالَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ صُعُوبةِ الإحْرَامِ مِثْلَ مَا يَنَالُ أَهْلُ الآفَاقِ الَّذِينَ يَهِلُّونَ بالحَجِّ مِنَ المَوَاقِيتِ.
стр. 593
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ آمرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بالتَّلْبِيَةِ" [١١٩٩] , قَالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: يَرْفَعُونَهَا على قَدْرٍ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ كَثْرَةُ الإلْحَاحِ بِذَلِكَ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ مَالِكٍ: (لا تُرْفَعُ الأَصْوَاتُ بالتَلْبيَةِ في المَسَاجِدِ إلَّا في مَسْجِدِ مَكَّةَ، ومَسْجِدِ مِنَى) [١٢٠١] , قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا خَصَّ هَذَيْنِ المَسْجِدَيْنِ بإبَاحَةِ التَّلْبيَةِ فِيهِمَا بِرَفْعِ الصَّوْتِ لأَنَّهُمَا بُنِيَا للتَّلْبِيَةِ بالحَجِّ والصَّلَاةِ فِيهِمَا، وسَائِرُ المَسَاجِدِ إنَّمَا بُنِيتْ للصَّلَاةِ فِيهَا، فَلِذَلِكَ لا تُرْفَعُ فِيهَا الأَصْوَاتُ بالتَّلْبيَةِ ولَا غَيْرَهَا, ولِهَذا كَرِهَ العُلَمَاءُ رَفْعَ الأَصْوَاتِ في المَسَاجِدِ عِنْدَ المُنَاظَرةِ في العِلْمِ، وَلَمْ تَرْفَعِ المَرْأةُ صَوْتَهَا بالتَّلْبِيَةِ، لأَنَّهَا تُشْغِلُ نُفُوسَ النَّاسِ بِصَوْتهَا حِينَ إحْرَامِهِمْ.
стр. 594
بابُ إفْرَادِ الحَجِّ، وقِرَانِهِ،
وَمَتَى تقْطَعُ التَّلْبِيَةُ في الحَجِّ
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ أَفْرَدَ الحَجَّ، وَسُمِّيتْ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الوَدَاعِ، لأَنَّ فِيهَا وَدَّعَ النَّاسَ، وأَفْرَدَ الحَجَّ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمَانُ، وأَبَاحَ النبيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ في حَجَّتِهِ القِرَانَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وَالتَمْتُعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، وأَفْرَدَ هُوَ ﷺ .
حَدَّثنا أَبو مُحَمَّدٍ البَاجِيُّ (١)، قالَ: حَدَّثنا أَحْمَدُ بنُ [عَمْروٍ] المَكِّي (٢)، قالَ: حَدَّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ (٣)، قالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، فقالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَهِلَّ مِنْكُمْ بِحَج وَعُمْرَة فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أنْ يَهِلَّ بالحَجِّ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَهِل بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، قَالَتْ: وأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالحَجِّ" (٤).
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا الحَدِيثُ يُبيِّنُ فِعْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في خَاصَّةِ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَفْرَدَ الحَجَّ وأَبَاحَ لأَصْحَابِهِ القِرَانَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، والتَّمَتُعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، والإفْرَادُ بالحَجِّ أَحَبُّ إلى مَالِكٍ مِنَ القِرَانِ وَمِنَ التَّمَتُعِ، وذَلِكَ أَنَّ القِرَانَ стр. 595
والتَّمَتُعَ يُوجِبَانِ علَى مَنْ فَعَلَهَا الهَدْيَ، والهَدْيُ أَبَدًا إنَّمَا يَلْزَمُ في الحَجِّ بِسَببِ تَوْهِيمٍ يَقَعُ في عَمَلِهِ كَسَجْدَتِي السَّهُوِ في الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ لِتَوهِيمٍ يَقَعُ في الصَّلَاةِ، والإفْرَادُ بالحَجِّ لا يَجِبُ مَعَهُ هَدْيٌ ولَا غَيْرُه، ولِذَلِكَ التَزَمَهُ أَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ وعُثْمَانُ، حَتَّى أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وكَانَ عَلَيٌّ يَرَى القِرَانَ مُبَاحًا عَلَى نَحْوِ مَا أَبَاحَهُ النبيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ، وَلِذَلِكَ غَضِبَ حِينَ رَاجَعَهُ في ذَلِكَ عُثْمَانُ حِينَ قَالَ لَهُ: (ذَلِكَ رَأْيِي)، فقالَ عَلَيٌّ ﵀ حِينَئِذٍ: (لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) [١٢٠٩] , وإنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ إذْ خَشِيَ أَنْ تَذْهَبَ سُنَّةَ القِرَانِ التّي أَبَاحَهَا النبيُّ ﷺ لأصْحَابهِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ في قَوْلِ عَلَيٍّ: (لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ)، دَلِيل لِمَنْ يَرَى إرْدَافَ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، إذْ جَائِز أَنْ يَكُونَ عَلَيٌّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَوَّلَا عِنْدَ إحْرَامِهِ مِنَ المِيقَاتِ، وَجَائِز أَنْ يَهِلَّ أَوَّلَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَرْدَفَ الحَجَّ عَلَيْهَا، وقَدْ رَوَى غَيْرُ يحيى عَنْ مَالِكٍ في مَوْطَّئِهِ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ في هَذا الحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: (لَبَّيْكَ بِعُمَرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعً) [١٢٠٩] , (١)، على مَعْنَى: أَنْ يَرْدِفَ الأَكْثَرَ عَمَلًا -وَهُوَ الحَجِّ- عَلَى الأَقَلِّ عَمَلًا، وَهِيَ العُمْرَةُ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَعْنَى قَوْلِ ابنِ عُمَرَ حِينَ أَهَلَّ بالعُمْرَةِ مِنَ المِيقَاتِ، ثُمَّ قَالَ: (إنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) [١٢١٢] , يَعْنِي: كَمَا صَنَعُوا مَعَهُ عَامَ الحُدَيْبيّةِ حينَ صَدَّهُمْ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ فَحَلُّوا بِهَا مِنْ عُمْرَتِهِمْ وَنَحَرُوا وَحَلَقُوا، فَلِذَلِكَ قالَ ابنُ عُمَرَ: (مًا أَمْرُهُمَا إلَّا واحدٌ)، يَعْنِي: أَمْرَ الحَجِّ والعُمْرَةِ وَاحِدٌ فِيمَنْ صُدَّ عَنِ البَيْتِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، إمَّا بِحَجَّةٍ أَو بِعُمْرَة أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ إحْرَامِهِ، وَيرْجِعُ إلى بَلَدِهِ. стр. 596
وقَوْلُهُ: (أشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ الحَجَّ [مَعَ] (١) العُمْرَةَ)، يَعْنِي: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ قَرَنْتُ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ بإحْرَامِي هَذَا.
قالَ أَبو عُمَرَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ أَرْدَفَ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، وَالنِّيَةُ تَكْفِيهِ.
صِفَةُ إرْدَافِ الحَجِّ عَلَى العُمْرَةِ هُوَ: أَنْ يَهِلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ مِنَ المِيقَاتِ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أَنْ يَرْدِفَ الحَجَّ عَلَيْهَا، وذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ مَا لَمْ يَطُفْ بالبَيْتِ لِعُمْرَتِهِ وَيرْكَعْ، فإذا طَافَ وَرَكَعَ أتَمَّ عُمْرَتَهُ، وَلَمْ يَرْدِفِ الحَجَّ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: إنَّ لَهُ أَنْ يَرْدِفَ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةَ مَا لَمْ يَسْعَ، فإذا طَافَ بالبَيْتِ وَسَعَى
بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ لَمْ يَرْدِفِ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةِ، لأَنَّهُ قَدْ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ.
وقالَ أَشهَبُ: إنَّهُ مَتَى طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَلَو شَوْطًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْدِفَ عَلَى عُمْرَتِهِ حَجَّةً.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اسْتَحَبَّ مَالِكٌ للحَاجِّ أَنْ يَقْطَعُوا التَّلْبِيَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ إذا تَوَجَّهُوا إلى مَوْقِفِ عَرَفَةَ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: وَإلى مَوْقِفِ عَرَفَةَ يَنتهِي غَايَةُ المُلَبّي، إذْ مِنْهَا دَعَى إبْرَاهِيمُ ﷺ النَّاسَ إلى الحَجِّ، وَمَنِ التَزَمِ التَّلْبيَةَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ مَوْقِفِ عَرَفَةَ إلى أَنْ يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَا مَعْنى لَهُ، إذْ مِنْ شَأْنِ المُلَبِّي أَنْ يُجِيبَ مَنْ دَعَاهُ حَتَّى يَنتهِي إليهِ، فإذا انْصَرَفَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِتَلْبِيتِهِ إيَّاهُ مَعْنَى.
قُلْتُ لَهُ: فَمَا تَقُولُ في حَدِيثِ وَكِيعٍ، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الفَضْلِ بنِ عَبَّاسٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةَ" (٢)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَالعَمَلُ في قَطْعِ التَّلْبِيَةِ عَلَى قَوْلِ عَلَيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ وَعَائِشَةَ الذي ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُمَا في стр. 597
مُوَطَّئِهِ [١٢١٥ أو ١٢١٦] , وقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَى ابنِ مَسْعُودٍ تَلْبيتَهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ عَرَفَةَ، وقَالَ: (مَنْ هَذَا الأَعْرَابِيّ الجَافِي) (١)، إنْكَارًا مِنْهُ لِتَلْبيتِهَ حِينَئِذٍ، وإذْ لَمْ يَصْحَبِ الحَدِيثَ عَمَلٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُهُ: "عَرَفَةُ كلُّهَا مَوْقِفٌ" [١٤٤٨] هَذَا الحَدِيثُ يُبِيحُ للرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ للدُّعَاءِ حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَنْزِلُ بِنَمِرَةَ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمَّ تَحَولَّتْ مَرَّةً أُخْرَى إلى الأرَاكِ فَنَزَلَتْ فِيهِ [١٢١٩] وَنَمِرَةُ مِنْ مَوْقِفِ عَرَفَةَ مِنْ نَاحِيةِ اليَمَنِ، وإنَّمَا كَانَتْ عَائِشَةُ تَنْزِلُ مَرَّةً هَهُنَا، ومَرَّةً هَهُنَا لِقَوْلِ النبي ﷺ : "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِف".
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اعْتَمَرتْ عَائِشَةُ آخِرَ أَمْرِهَا مِنَ الجُحْفَةِ في المُحَرَّمِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ في أَوَّلِ أَمْرِهَا تَعْتَمِرُ في ذِي الحِجَّةِ، لِكَي تُوقِعَ عُمْرَتَهَا في غَيْرِ العَام الذِي حَجَّتْ فِيهِ، وبِهَذا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنْ يَكُونَ الحَجُّ في عَامٍ، والعُمْرَة في عَامٍ آخَرَ (٢).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا أُمِرَ مَنْ أَحْرَمَ بالحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يُؤَخِّرَ الطَّوَافَ والسَّعِي حتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنَى، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لا يَطُوفُ بالبَيْتِ ويَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، إلَّا مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا مِنَ الحِلِّ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لمَ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِفُتْيَا ابنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ بَعَثَ بِهَدْيهِ إلى مَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ هُوَ، ويَجْتَنِبَ مَا يَجْتَنِبُ الحَاجُّ في حَالِ إحْرَامِهِ مِنْ إصَابَتِهِ النِّسَاءَ وغَيْرِ ذَلِكَ حتَّى يَنْحَرَ الهَدِيَ، وأَخَذَ مَالِكٌ في هَذا بِقَوْلِ عَائِشَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَدْيِهِ مَعَ أَبي بَكْرٍ الصِّدّيقِ إلى مَكَّةَ، فَلَمْ يُحْرِم النبي ﷺ ولَا امْتنَعَ مِنْ شيءٍ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ مِنْ لَبْسِ الثّيَابِ، وَوَطءِ النّسَاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ حتَّى نَحَرَ ذَلِكَ الهَدِيَ بِمَكَّةَ" [١٢٢٤]. стр. 598
قالَ مَالِكٌ: ولَا يَحْرُمُ إلَّا مَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى وَشَرَعَ في عَمَلِ الحَجِّ أَو العُمْرَةِ، وَرَخَّصَ مَالِكٌ لِمَنْ سَاقَ هَدْيًا إلى مَكَةَ في غَيْرِ حَجٍّ أو عُمْرَةٍ أَنْ يَدْخُلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: إنَّ مَنْ بَعَثَ إلى مَكَّةَ بِهَدي أَنَّهُ يَتَجَرَّدُ ويُحْرِمُ حتَّى يَنْحَرَ الهَدْيَ، فهذا نَحَرَ بِمَكَّةَ حَلَّ هُوَ مِنْ إحْرَامِهِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا مُنِعَتِ الحَائِضُ مِنَ الطَّوَافِ بالبَيْتِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لا تَدْخُلِ المَسْجِدَ، بِسَببِ حَيضَتِهَا, ولأَنَّ الطَوَافَ بالبَيْتِ صَلَاةٌ، ولَكِنَّ الله أَحَل الكَلَامَ وأَبَاحَهُ، ولَيْسَ السَّعِيَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ مِثْلَ الطَوَافِ، لأَنَّهُ في غَيْرِ المَسْجِدِ، فهذا حَاضَتِ المَرْأَةُ بَعْدَ طَوَافِهَا وَرُكُوعِهَا سَعَتْ بَينَ الصفَا وَالمَرْوَةِ وَهِيَ حَائِضٌ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذا انتقَضَ وُضُوئُهُ بَعْدَ طَوَافِهِ بالبَيْتِ وَرُكُوعِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْعَى، فإنَّهُ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ وإنْ لَمْ يَتَوضَّأ وبالوُضُوءِ أَحْسَنُ.
стр. 599
بابُ ذِكْر العُمْرَةِ، وَمَتى تقْطَعُ
التَّلْبِيَة فيَ العُمْرَةِ، وذِكْرِ التَّمَتُعِ
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ذَكَرَ أَبو دَاوُدَ [السِّجِسْتَانِيُّ] (١) في مُصَنَّفِهِ منْ طَرِيقِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا" (٢)، وَهَذا الحَدِيثُ عِنْدَ مَالِكٌ في مُوطَّئهِ بَلَاغٌ [١٢٣٨] (٣).
وسَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ الذيْ قالَ فِيهِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَا: عَامَ الحُدَيْبيةِ، وعَامَ القَضِيَّةِ، وعَامَ الجِعْرَانَةِ، والرَّابِعَةَ التَّي قَرَنَهَا بِحَجَّتِه" (٤)، فَقَالَ أَبو مُحَمَّدٍ: عَائِشَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذا، وَهِيَ التِّي رَوَتْ أَنَّ النبيَّ ﷺ أَفْرَدَ الحَجَّ، وأَنَّهُ لَمْ يُقْرِنْ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وإنَّمَا اعْتَمَرَ عُمَرَهُ الثَّلَاثةِ في أَشْهُرِ الحَجِّ مُخَالَفَة مِنْهُ لأَهْلِ الجَاهِلِيّهِ الذينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ العُمْرَةَ في شُهُورِ الحَجِّ، وَيرْونَهَا مِنَ الفُجُورِ، فَخَالَفَهُم النبيُّ ﷺ ، فَأَهَلَّ بالعُمْرَةِ عَامَ الحُدَيْبيَّةِ في شَوَّالٍ سنةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، وَهِيَ العُمْرَةُ التِّي صَدَّهُ فِيهَا المُشْرِكُون عَنِ الَبَيْتِ، وَالحُدَيْبيَّةُ مِنْ نَاحِيةِ جُدَّةَ، في طَرَفِ الحَرَمِ، فَحَلَّ بِهَا مِنْ إحْرَامِهِ هُوَ وأَصْحَابُهُ، ونَحَرُوًا الهَدْيَ وحَلَقُوا، وقَاضَى أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَأْتِيهِمْ في العَامِ الثَّانِي، فَيُخَلّوا بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ، فَأَتَاهُمْ في العَامِ الثَّانِي في ذِي القِعْدَةِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فَاعْتَمَرَ стр. 600
عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، ثُمَّ انْصَرفَ إلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا أَهَل شَهْرُ رَمَضَانَ خَرَجَ إلى مَكَّةَ بِجُنُودٍ عَظِيمَةٍ فَافْتَتَحَهَا في شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلى حُنَيْنٍ فَسَبَى هَوَازِنَ، ثُمَّ انْصَرفَ إلى مَكَّةَ فَلَمَّا وَصَلَ إلى الجِعْرَانَةَ أَهَلَّ مِنْهَا بِعُمْرَة في ذِي القِعْدَةِ، فَلَمْ يَعْتَمِرْ ﷺ إلَّا ثَلَاثَ عُمَرٍ وَحَجَّ حَجَّةَ الفَرِيضَةِ.
* قالَ أَبو عُمَرَ: رَخَّصَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لِعُمَرَ بنِ أَبي سَلَمَةَ في العُمْرَةِ في شَوَّالٍ وَهُوَ مِنْ شُهُورِ الحَجِّ [١٢٤١] , والمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بالعُمْرَةِ في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: (افْصُلُوا بَيْنَ حَجَّكِمْ وعُمْرَتكُمِ، فإنَّ ذَلِكَ أتمَّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ، وأَتَمَّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ) [١٢٥٩] , والمُسْتَحَبُّ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تَكُونَ العُمْرَةُ في غَيْرِ شُهُورِ الحَجِّ، وإلى هَذا رَجَعَتْ عَائِشَةُ آخِرَ أَمْرِهَا، فَكَانَتْ إذا حَجَّتْ بَقِيتْ بِمَكَّةَ حَتَّى يَهِلَّ المُحَرَّمُ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ إلى المِيقَاتِ فتهِلَّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، فَكَانَ يَقَعُ حَجَّهَا في عَامٍ، وعُمْرَتُهَا في أَوَّلِ عَامِ آخَرَ.
وقالَ ابنُ عَبَّاس: (واللهِ مَا أَعْمَرَ النبيُّ ﷺ عَائِشَةَ في ذِي الحِجَّةِ إلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ المُشْرِكِينَ الذينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ العُمْرَةَ في شُهُورِ الحَجِّ) (١).
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٢): اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أنْ لا يَعْتَمِرُ الرَّجُلُ في السَّنَةِ إلَّا عُمْرَةً وَاحِدَةً، كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ ، اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ في ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: مَسْأَلةُ سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ والضَّحَّاكِ بنِ قَيْسٍ حِينَ تَنَاظَرا في المُتَمَتِّعِ، فقَالَ فِيهَا الضَّحَّاكُ (٣): (إنَّهُ لا يَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللهِ) [١٢٤٧] يُرِيدًالضَّحَّاكُ بِقَوْلهِ هَذَا: إنَّ الله ﵎ ذَكَرَ في كِتَابهِ شُهُورَ следующие страницы →