← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقَوْلُهُ: (أشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ الحَجَّ [مَعَ] (١) العُمْرَةَ)، يَعْنِي: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ قَرَنْتُ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ بإحْرَامِي هَذَا. قالَ أَبو عُمَرَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ أَرْدَفَ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، وَالنِّيَةُ تَكْفِيهِ. صِفَةُ إرْدَافِ الحَجِّ عَلَى العُمْرَةِ هُوَ: أَنْ يَهِلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ مِنَ المِيقَاتِ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أَنْ يَرْدِفَ الحَجَّ عَلَيْهَا، وذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ مَا لَمْ يَطُفْ بالبَيْتِ لِعُمْرَتِهِ وَيرْكَعْ، فإذا طَافَ وَرَكَعَ أتَمَّ عُمْرَتَهُ، وَلَمْ يَرْدِفِ الحَجَّ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: إنَّ لَهُ أَنْ يَرْدِفَ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةَ مَا لَمْ يَسْعَ، فإذا طَافَ بالبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ لَمْ يَرْدِفِ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةِ، لأَنَّهُ قَدْ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ. وقالَ أَشهَبُ: إنَّهُ مَتَى طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَلَو شَوْطًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْدِفَ عَلَى عُمْرَتِهِ حَجَّةً. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اسْتَحَبَّ مَالِكٌ للحَاجِّ أَنْ يَقْطَعُوا التَّلْبِيَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ إذا تَوَجَّهُوا إلى مَوْقِفِ عَرَفَةَ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: وَإلى مَوْقِفِ عَرَفَةَ يَنتهِي غَايَةُ المُلَبّي، إذْ مِنْهَا دَعَى إبْرَاهِيمُ ﷺ النَّاسَ إلى الحَجِّ، وَمَنِ التَزَمِ التَّلْبيَةَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ مَوْقِفِ عَرَفَةَ إلى أَنْ يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَا مَعْنى لَهُ، إذْ مِنْ شَأْنِ المُلَبِّي أَنْ يُجِيبَ مَنْ دَعَاهُ حَتَّى يَنتهِي إليهِ، فإذا انْصَرَفَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِتَلْبِيتِهِ إيَّاهُ مَعْنَى. قُلْتُ لَهُ: فَمَا تَقُولُ في حَدِيثِ وَكِيعٍ، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الفَضْلِ بنِ عَبَّاسٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةَ" (٢)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَالعَمَلُ في قَطْعِ التَّلْبِيَةِ عَلَى قَوْلِ عَلَيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ وَعَائِشَةَ الذي ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُمَا في

стр. 597

مُوَطَّئِهِ [١٢١٥ أو ١٢١٦] , وقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَى ابنِ مَسْعُودٍ تَلْبيتَهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ عَرَفَةَ، وقَالَ: (مَنْ هَذَا الأَعْرَابِيّ الجَافِي) (١)، إنْكَارًا مِنْهُ لِتَلْبيتِهَ حِينَئِذٍ، وإذْ لَمْ يَصْحَبِ الحَدِيثَ عَمَلٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُهُ: "عَرَفَةُ كلُّهَا مَوْقِفٌ" [١٤٤٨] هَذَا الحَدِيثُ يُبِيحُ للرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ للدُّعَاءِ حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَنْزِلُ بِنَمِرَةَ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمَّ تَحَولَّتْ مَرَّةً أُخْرَى إلى الأرَاكِ فَنَزَلَتْ فِيهِ [١٢١٩] وَنَمِرَةُ مِنْ مَوْقِفِ عَرَفَةَ مِنْ نَاحِيةِ اليَمَنِ، وإنَّمَا كَانَتْ عَائِشَةُ تَنْزِلُ مَرَّةً هَهُنَا، ومَرَّةً هَهُنَا لِقَوْلِ النبي ﷺ : "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِف". [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اعْتَمَرتْ عَائِشَةُ آخِرَ أَمْرِهَا مِنَ الجُحْفَةِ في المُحَرَّمِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ في أَوَّلِ أَمْرِهَا تَعْتَمِرُ في ذِي الحِجَّةِ، لِكَي تُوقِعَ عُمْرَتَهَا في غَيْرِ العَام الذِي حَجَّتْ فِيهِ، وبِهَذا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنْ يَكُونَ الحَجُّ في عَامٍ، والعُمْرَة في عَامٍ آخَرَ (٢). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا أُمِرَ مَنْ أَحْرَمَ بالحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يُؤَخِّرَ الطَّوَافَ والسَّعِي حتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنَى، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لا يَطُوفُ بالبَيْتِ ويَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، إلَّا مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا مِنَ الحِلِّ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لمَ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِفُتْيَا ابنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ بَعَثَ بِهَدْيهِ إلى مَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ هُوَ، ويَجْتَنِبَ مَا يَجْتَنِبُ الحَاجُّ في حَالِ إحْرَامِهِ مِنْ إصَابَتِهِ النِّسَاءَ وغَيْرِ ذَلِكَ حتَّى يَنْحَرَ الهَدِيَ، وأَخَذَ مَالِكٌ في هَذا بِقَوْلِ عَائِشَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَدْيِهِ مَعَ أَبي بَكْرٍ الصِّدّيقِ إلى مَكَّةَ، فَلَمْ يُحْرِم النبي ﷺ ولَا امْتنَعَ مِنْ شيءٍ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ مِنْ لَبْسِ الثّيَابِ، وَوَطءِ النّسَاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ حتَّى نَحَرَ ذَلِكَ الهَدِيَ بِمَكَّةَ" [١٢٢٤].

стр. 598

قالَ مَالِكٌ: ولَا يَحْرُمُ إلَّا مَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى وَشَرَعَ في عَمَلِ الحَجِّ أَو العُمْرَةِ، وَرَخَّصَ مَالِكٌ لِمَنْ سَاقَ هَدْيًا إلى مَكَةَ في غَيْرِ حَجٍّ أو عُمْرَةٍ أَنْ يَدْخُلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: إنَّ مَنْ بَعَثَ إلى مَكَّةَ بِهَدي أَنَّهُ يَتَجَرَّدُ ويُحْرِمُ حتَّى يَنْحَرَ الهَدْيَ، فهذا نَحَرَ بِمَكَّةَ حَلَّ هُوَ مِنْ إحْرَامِهِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا مُنِعَتِ الحَائِضُ مِنَ الطَّوَافِ بالبَيْتِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لا تَدْخُلِ المَسْجِدَ، بِسَببِ حَيضَتِهَا, ولأَنَّ الطَوَافَ بالبَيْتِ صَلَاةٌ، ولَكِنَّ الله أَحَل الكَلَامَ وأَبَاحَهُ، ولَيْسَ السَّعِيَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ مِثْلَ الطَوَافِ، لأَنَّهُ في غَيْرِ المَسْجِدِ، فهذا حَاضَتِ المَرْأَةُ بَعْدَ طَوَافِهَا وَرُكُوعِهَا سَعَتْ بَينَ الصفَا وَالمَرْوَةِ وَهِيَ حَائِضٌ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذا انتقَضَ وُضُوئُهُ بَعْدَ طَوَافِهِ بالبَيْتِ وَرُكُوعِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْعَى، فإنَّهُ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ وإنْ لَمْ يَتَوضَّأ وبالوُضُوءِ أَحْسَنُ.

стр. 599

بابُ ذِكْر العُمْرَةِ، وَمَتى تقْطَعُ التَّلْبِيَة فيَ العُمْرَةِ، وذِكْرِ التَّمَتُعِ * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ذَكَرَ أَبو دَاوُدَ [السِّجِسْتَانِيُّ] (١) في مُصَنَّفِهِ منْ طَرِيقِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا" (٢)، وَهَذا الحَدِيثُ عِنْدَ مَالِكٌ في مُوطَّئهِ بَلَاغٌ [١٢٣٨] (٣). وسَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ الذيْ قالَ فِيهِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَا: عَامَ الحُدَيْبيةِ، وعَامَ القَضِيَّةِ، وعَامَ الجِعْرَانَةِ، والرَّابِعَةَ التَّي قَرَنَهَا بِحَجَّتِه" (٤)، فَقَالَ أَبو مُحَمَّدٍ: عَائِشَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذا، وَهِيَ التِّي رَوَتْ أَنَّ النبيَّ ﷺ أَفْرَدَ الحَجَّ، وأَنَّهُ لَمْ يُقْرِنْ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وإنَّمَا اعْتَمَرَ عُمَرَهُ الثَّلَاثةِ في أَشْهُرِ الحَجِّ مُخَالَفَة مِنْهُ لأَهْلِ الجَاهِلِيّهِ الذينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ العُمْرَةَ في شُهُورِ الحَجِّ، وَيرْونَهَا مِنَ الفُجُورِ، فَخَالَفَهُم النبيُّ ﷺ ، فَأَهَلَّ بالعُمْرَةِ عَامَ الحُدَيْبيَّةِ في شَوَّالٍ سنةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، وَهِيَ العُمْرَةُ التِّي صَدَّهُ فِيهَا المُشْرِكُون عَنِ الَبَيْتِ، وَالحُدَيْبيَّةُ مِنْ نَاحِيةِ جُدَّةَ، في طَرَفِ الحَرَمِ، فَحَلَّ بِهَا مِنْ إحْرَامِهِ هُوَ وأَصْحَابُهُ، ونَحَرُوًا الهَدْيَ وحَلَقُوا، وقَاضَى أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَأْتِيهِمْ في العَامِ الثَّانِي، فَيُخَلّوا بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ، فَأَتَاهُمْ في العَامِ الثَّانِي في ذِي القِعْدَةِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فَاعْتَمَرَ

стр. 600

عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، ثُمَّ انْصَرفَ إلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا أَهَل شَهْرُ رَمَضَانَ خَرَجَ إلى مَكَّةَ بِجُنُودٍ عَظِيمَةٍ فَافْتَتَحَهَا في شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلى حُنَيْنٍ فَسَبَى هَوَازِنَ، ثُمَّ انْصَرفَ إلى مَكَّةَ فَلَمَّا وَصَلَ إلى الجِعْرَانَةَ أَهَلَّ مِنْهَا بِعُمْرَة في ذِي القِعْدَةِ، فَلَمْ يَعْتَمِرْ ﷺ إلَّا ثَلَاثَ عُمَرٍ وَحَجَّ حَجَّةَ الفَرِيضَةِ. * قالَ أَبو عُمَرَ: رَخَّصَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لِعُمَرَ بنِ أَبي سَلَمَةَ في العُمْرَةِ في شَوَّالٍ وَهُوَ مِنْ شُهُورِ الحَجِّ [١٢٤١] , والمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بالعُمْرَةِ في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: (افْصُلُوا بَيْنَ حَجَّكِمْ وعُمْرَتكُمِ، فإنَّ ذَلِكَ أتمَّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ، وأَتَمَّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ) [١٢٥٩] , والمُسْتَحَبُّ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تَكُونَ العُمْرَةُ في غَيْرِ شُهُورِ الحَجِّ، وإلى هَذا رَجَعَتْ عَائِشَةُ آخِرَ أَمْرِهَا، فَكَانَتْ إذا حَجَّتْ بَقِيتْ بِمَكَّةَ حَتَّى يَهِلَّ المُحَرَّمُ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ إلى المِيقَاتِ فتهِلَّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، فَكَانَ يَقَعُ حَجَّهَا في عَامٍ، وعُمْرَتُهَا في أَوَّلِ عَامِ آخَرَ. وقالَ ابنُ عَبَّاس: (واللهِ مَا أَعْمَرَ النبيُّ ﷺ عَائِشَةَ في ذِي الحِجَّةِ إلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ المُشْرِكِينَ الذينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ العُمْرَةَ في شُهُورِ الحَجِّ) (١). [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٢): اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أنْ لا يَعْتَمِرُ الرَّجُلُ في السَّنَةِ إلَّا عُمْرَةً وَاحِدَةً، كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ ، اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ في ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: مَسْأَلةُ سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ والضَّحَّاكِ بنِ قَيْسٍ حِينَ تَنَاظَرا في المُتَمَتِّعِ، فقَالَ فِيهَا الضَّحَّاكُ (٣): (إنَّهُ لا يَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللهِ) [١٢٤٧] يُرِيدًالضَّحَّاكُ بِقَوْلهِ هَذَا: إنَّ الله ﵎ ذَكَرَ في كِتَابهِ شُهُورَ

стр. 601

الحَجِّ للإهْلَالِ بالحَجِّ، فقالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] , فَأَوَّلُهَا شَوَّالُ إلى النِّصْفِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، وَلِذَلِكَ [قالَ لهُ] (١): (إنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ)، يَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنِ العُمْرَةِ في أَشُهِرِ الحَجِّ، وَرَخصَ في ذَلِكَ عُمَرُ لِعُمَرَ بنِ أَبي سَلَمَةَ، فَاعْتَمَرَ في شَوَّالٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أَهْلِهِ، وَلَمْ يَتَمَتَّعْ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، وَكَانَ سَعْدُ بنُ أَبي وَقَّاصٍ يُفْتِي بالتَّمَتُّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ. وقالَ مَالِكٌ في هَذِه المَسْأَلةِ في غَيْرِ المُوَطَّأ: (عُمَرُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللهِ مِنْ سَعْدٍ)، يُرِيدُ مَالِكٌ بِقَوْلهِ هَذَا: أَنَّ النبيَّ ﷺ أَفْرَدَ الحَجَّ وَلَمْ يَتَمَتَّعْ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ كَمَا يُتَأَوَّلُ عَلَى سَعْدٍ. وإنَّمَا مَعْنَى قُوْلِ سَعْدٍ: (قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ)، أَيْ: قَدْ أَبَاحَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّمَتُّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فَصَنَعْنَا ذَلِكَ وَنَحْنُ مَعَهُ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: (قَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا مَعَهُ) (٢)، أَيْ: قَدْ أَمَرَنَا بالرَّجْمِ فَرَجَمْنَا ونَحْنُ مَعَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ رَجَمَ أَحَدًا بِيَدِهِ، ولَكِنَّهُ أَمَرَ بالرَّجْمِ فَرَجَمَ النَّاسُ، كَمَا أَبَاحَ [التَّمَتُّعَ] (٣) بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فتَمَتَّعَ النَّاسُ وَلَمْ يَتَمَتَّعْ هُوَ، ولَكِنَّهُ أَفْرَدَ الحَجَّ. * قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ ابنِ عُمَرَ: (وَاللهِ لأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الحَجِّ وأُهْدِي أَحَبُّ إلي مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الحَجّ في ذِي الحِجَّةِ) [١٢٤٨] , إنَّمَا قَالَ هَذا لأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ يُقْرِنَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وكَانَ أَيْضًا يَرَى التَّمَتُعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، يأْخُذُ في ذَلِكَ بِمَا أَبَاحَةُ النبي ﷺ لأصْحَابهِ مِنْ ذَلِكَ، وَصِفَةُ التَّمَتّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ هُوَ أَنْ يَهِلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَة في أَشْهُرِ الحَجِّ، فَيَدْخُلُ مَكَّةَ مُحْرِمًا، فَيَطُوفُ بالبَيْتِ سَبْعًا ويَرْكَعُ، ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَو يُقَصِّرُ ويَحِلُّ مِنْ عُمْرَتهِ،

стр. 602

وَيَبْقَى بِمَكَّةَ إلى وَقْتِ الحَجِّ، ثُمَّ يَهِل بالحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، فَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ، وَيَكُونُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الهَدِيُ أَو الصِّيَامُ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] , أَيْ: فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ، يَذْبَحُ شَاةً وَيُعْطِيهَا المَسَاكِينَ، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، يَعْنِي: يَصُومَهَا مِنْ وَقْتِ يَحْرُمُ بالحَجّ إلى يَوْمِ عَرَفَةَ، فإنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنَى، وَسَبْعَةً إذا رَجَعَ مِنْ مِنَى، فَهَذا مَا يَلْزَمُ أَهْلُ الآفَاقِ في التَمَتُّع بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، حَاشَا أَهْلِ مَكَّةَ، لأَنَّ الله ﵎ قَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ خَاصَّةً. قالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى مَكَّيٍّ اعْتَمَرَ في أَشهُرِ الحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ مِثْلَ مَا عَلَى غَيْرِ المَكّيِّ مِنَ الهَدِي أَو الصِّيَامِ. قُلْتُ لأَبِي مُحَمَّدٍ: غَيْرُ مَالِكٍ يَقُولُ: إنَّهُ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ مِنْ وَرَاءِ المَوَاقِيتِ إلى مَكَّةَ فَحُكْمُهُمْ في التَّمَتُّعِ كَحُكْمِ أَهْلِ مَكَّةَ، لا هَدْيّ عَلَيْهِم وَلَا صِيامٌ؛ لأنَّهُمْ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فقالَ لِي: القَوْلُ في ذَلِكَ مَا قالَ مَالِكٌ، إنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ خَاصَّةً، وذَلِكَ أَنَّ الله قالَ في كِتَابهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] , وإنَّمَا كَانُوا بالحُدَيْبِيّةِ وَهِيَ بِقُرْبِ الحَرَمِ، فَلَمْ يَجْعَلْهُمْ اللهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ حَاضَرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ مَنْ كَانَ مِنْ وَرَاءِ المَوَاقِيتِ إلى مَكَةَ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ. قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: قَالَ ابنُ المَاجِشُونَ (١): إذا قَرَنَ المَكِيُّ الحَجَ مَعَ العُمْرَةِ كَانَ عَلَيْهِ دَمُّ القِرَانِ، مِنْ أَجْلِ أنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا أَسْقَطَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ الدَّمَ والصِّيَامَ في التَّمَتُّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ خَاصَّةٍ، لا في القِرَانِ بَيْنِ الحَجَّ والعُمْرَةِ (٢).

стр. 603

قالَ مَالِكٌ: لا أُحِبُّ لِمَكِّي أَنْ يُقْرِنَ بَيْنَ الحَجّ والعُمْرَةِ، ومَا سَمِعْتُ أَنَّ مَكِّيًا قَرَنَ، فإنْ فَعَلَ لَم يَكُنْ عَلَيْهِ هَدْيٌ ولَا صِيَامٌ (١). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: صفَةُ القِرَانِ هُوَ أَنْ يُلَبِّي الرَّجُلُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا مِنَ المِيقَاتِ، فَيَقُولُ: (لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ)، وَيَبْدَأُ بالعُمْرَةٍ نِيَتَّهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ عَمَلِ الحَجِّ والعُمْرَةِ في عَمَلٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الإفَاضةِ، ثُمَّ يَجِبُ عَلَيهِ مَا يَجِبُ عَلَى المُتَمَتِّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ مِنَ الهَدِي إنْ تَيَسَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أَو الصِّيَامُ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَهِلَّ بِعُمْرَةٍ في سَفَرٍ، ثُمَّ يُنْشِيءُ للحَجِّ سَفَرًا آخَرَ مِن بَلَدِه، أو بَلَدٍ في البُعْدِ مِنْ مَكَّةَ مِثْلَ بَلَدِهِ، فَلَمَّا جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ في سَفرٍ وَاحِدٍ وأَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ وَجَبَ عَلَيهِ لِذَلِكَ الهَدْيَ أو الصِّيَامَ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، ومِنْ هَذا الوَجْهِ أَيْضًا وَجَبَ علَى المُتَمَتّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ مَا وَجَبَ مِنَ الهَدِي أَو الصِّيَامِ؛ لأنَّهُ أَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ بِتَمَتُّعِهِ سَفَرَ الحَجِّ الذي يُنْشِئُهُ مِنْ بَلَدِهِ، وأَهَلَّ بالحَجِّ مِنْ مَكَّةَ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ للمَرْأَةِ التِّي سَأَلتْهُ عَنِ الحَجِّ الذي فَاتَهَا مَعَهُ ﷺ ، فقالَ لَهَا: "اعْتَمِرِي في رَمَضَانَ فإنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحَجَّةِ"، رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَوْفٍ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ خَالِدٍ الوَهْبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إسحَاقَ، عَنْ عِيسَى بنِ مَعْقِلٍ، عَنْ يُوسُفَ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ مَعْقِلٍ، قالتْ: (لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَّتَهُ أَصَابَنَا مَرَضٌ فَمَنَعَنَا مِنَ الحَجِّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَا إذْ فَاتَتْكِ هَذِه الحَجَّةُ مَعَنَا، فَاعْتَمِرِي في رَمَضَانَ، فإنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحَجَّةٍ، فَكَانَتْ أُمُّ مَعْقِل تَقُولُ: الحَجُّ حَجٌّ، وَالعُمْرَةُ عُمْرَةٌ، وقَدْ قَالَ لِي: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَمَا أَدْرِي إنْ كَانَ هَذا لِي خَاصٌّ أَمْ لا؟! " (٢). * قالَ أَبو عُمَرَ: إنَّمَا أَدْخَلَ في المُوَطَّأ: "اعْتَمِرِي في رَمَضَانَ، فَإنَّ عُمْرَةً فِيهِ

стр. 604

كَحَجَّةٍ" [١٢٥٨]، عَلَى أنَّ العُمْرَةَ تُسْتَحَبُّ في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ أَعْقَبَ بِقَوْلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: (افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ، فإنَّهُ أتمَّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وأَتَمَّ لِعُمْرَتِهِ أنْ يَعْتَمِرَ في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ) [١٢٥٩]. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ الإفْرَادُ بالحَجِّ عِنْدَهُ أَحْسَنَ مِنَ القِرَانِ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وَمِنَ التَّمَتُّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ. قالَ القَعْنَبِيُّ في تَعْجِيلِ عُثْمَانَ إذْ كَانَ يَعْتَمِرُ فَإذَا قَضى عُمْرَتَهُ لَمْ يَحِطَّ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، قالَ: (كَانَ يَكْرَهُ المَقَامَ بِمَكَّةَ) (١)، وذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَ سُكْنَاهَا وَهَاجَرَ مِنْهَا إلى اللهِ وَرَسُولهِ وسَكَنَ المَدِينَةَ، فَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَبْقَى في بَلْدَةٍ قَدْ تَرَكَ سُكْنَاهَا للهِ ، لِئَلَّا يَرْجِعَ في شَيءٍ قَدْ خَرَجَ عَنْهُ للهِ (٢). * * *

стр. 605

باب في نِكَاحِ المُحْرِمِ، وحجَامَتِهِ، ومَا يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ * في حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أبا رَافِعٍ مَوْلَاهُ وَرَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ [١٢٦٧] , في هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: الوَكَالَةُ عَلَى النكِّاحِ، يُوكِلُ الرَّجُلُ رَجُلَيْنِ يُزَوِّجَانِهِ امْرَأَةً بِمَا رَأَيَاهُ مِنَ الصَّدَاقِ، ويُلْزِمهُ مَا فَعَلَا مِنْ ذلِكَ، وفِيهِ بَيَانُ أنَّهُ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ قَبْلَ إحْرَامِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ للمُحْرِمِ أَنْ يَنْكَحَ في حَالِ إحْرَامِهِ، واحْتَجَّ مَنْ رَأَى ذَلِكَ جَائِزًا بمَا رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ [عبَّاسٍ] (١): "أَنَّ النبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ خَالتهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ" (٢)، وهَذا حَدِيثٌ خَالَفَ النَّاسُ فِيهِ ابنَ عَبَّاسٍ، وقَالُوا: إنَّمَا تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، ورَوَى مَيْمُونُ بنُ مِهْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ ابنِ أَخِي مَيْمُونَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ" (٣). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وتَذَاكَرَ عَطَاءُ بنُ أَبي رَبَاع وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ تَزْوِيجَ النبيِّ ﷺ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ، فَقَالَ عَطَاءٌ بِقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ، وقَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: إنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَدَخَلَ بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، ثُمَّ إنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى صَفِيَّةَ

стр. 606

فَسَأَلَاهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ ودَخَلَ بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (١). * وفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بنِ عَفانَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى المُحْرِمَ مِنْ أنْ يَنكِحَ أَو يُنكِحَ" [١٢٦٨] , وقَدْ فَسَخَ عُمَرُ نِكَاحَ مُحْرِمٍ عَقَدَا في حَالِ إحْرَامِهِ، وَبِهَذا أَخَذَ مَالِكٌ، لأَنَّ المُحْرِمَ لا يَنْكِحَ، وَمَتَى نَكَحَ في حَالِ إحْرَامِهِ فُسِخَ نِكَاحُهُ. * ومَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: (لا بَأْسَ أَنْ يُرَاجِعَ المُحْرِمُ امْرَأتَهُ إذا كَانَتْ في عِدَّةٍ مِنْهُ) [١٢٧٢] , يُرِيدُ: أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُمَا مَا دَامَتْ في العِدَّةِ، ولَيْسَ مُرَاجَعَتَهِ إيَّاهَا اسْتِئْنَافُ نِكَاحٍ، وإنَّمَا هُوَ إشْهَادُ الزَّوْجِ عَلَى نَفْسِهِ باسْتِدَامَةِ النِّكاحِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَنِ احْتَجَمَ فَوْقَ رَأْسِهِ أَوفي قَفَاهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَحَلَقَ الشَّعَرَ لِمَوْضِعِ المَحَاجِمِ افْتَدَى، وفِدْيَتُهُ صِيَامُ ثَلَاثةُ أَيَّامٍ، أَو الطعَامُ سِتَّةُ مَسَاكِينَ مُذَيْنِ مُدَّيْنِ مِنْ طَعَامٍ لِكُل مِسْكِينٍ، أَو يُنْسِكُ بشَاة يَذْبَحُهَا حَيْثُ شَاءَ مِنَ البَلَادِ، وَهَكَذا يَفْعَلُ كُلُّ مَنْ أَمَاطَ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يَتَأَذَّى بهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَو لَبسَ ثَوْبًا لِضَرُورَةٍ، أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، أو تَدَاوَى بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ، فَمَنِ احْتَجَمَ ولَمْ يَحْلِقِ الشَّعَرَ لَمْ يَفْتَدِ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: في حَدِيثِ أَبي قتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ حِينَ [كَانَ] (٢) بِطَرِيقِ مَكَةَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ وأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ [١٢٧٨] , إنّما كَانَ قَدْ تَرَكَ الإحْرَامَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ المِيقَاتَ مِنْ أَجْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ أَمَرَهُ بِتَرْكِ الإحْرَامِ، وَوَجَّهَهُ نَحْوَ طَرِيقِ البَحْرِ لِيَكُونَ لَهُمْ عَيْنًا، مَخَافَةَ العُدُوِّ فَلَقَا أنَّهُ رَأَى الحِمَارَ اسْتَوَى على فَرَسِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سَألَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ رُمْحَهُ فَأَبَوُا عَلَيْهِ، مِنْ أَجْلِ إحْرَامِهِمْ، وأَنْ لا يُعَاوِنُوهُ عَلَى صَيْدِ ذَلِكَ الحِمَارِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أن الُمحْرِمَ لا يُعَاوِنُ الصَّائِدَ عَلَى الإصْطِيادِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَصَادَ أَبو قَتَادَةَ ذَلِكَ الحِمَارَ لِنَفْسِهِ لا لأَصْحَابهِ

стр. 607

الُمحْرِمِينَ، وَبِحَدِيثهِ أَخَذَ مَالِكٌ في الصَّيْدِ إذا لَمْ يُصَدْ للمُحْرِمِينَ وَلَمْ يَقْصِدُوا بهِ، أنَّ أَكْلَهُمْ لَهُ حَلَالٌ، وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ بإِبَاحَةِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ لأَصْحَابهِ المُحْرِمِينَ أَنْ يَأْكُلُوا مَا صِيدِ لِمُحْرِمٍ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الصَّيْدُ قَدْ صِيدَ للمُحْرِمِ للأَكْلِ، وإنَّمَا قَصَدَ بِصَيْدِهِ غَيْرَ الأَكْلِ، فإنْ أكَلَهُ المُحْرِمُ الذي صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، قَدْ رَوَى عَمْرو [عَن] (١) المُطَّلِبِ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "صَيْدُ البَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَو يُصَادَ لَكُمْ" (٢). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا الحَدِيثُ هُوَ نَحْو حَدِيثِ أَبِي قتَادَةَ الذي أَبَاحَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكْلَ مَا قَدْ صَادَهُ أَبو قَتَادَةَ لِنَفْسِهِ لا لأَصْحَابهِ المُحْرِمِينَ الذينَ لَمْ يَصِيدُوُه ولَمْ [يُصَدْ] (٣) مِنْ أَجْلِهِمْ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اسْمُ البَهْزِيِّ الذي أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الحِمَارَ العَقِيرَ: زَيْدُ بنُ كَعْبٍ [١٢٨١]. وفِي حَدِيثهِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ الصَيْدَ مَالٌ للصَّائِدِ إذا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِرَمْيتِهِ، وفِيهِ: إبَاحَةُ قَبُولِ الهَدِيّةِ إذا كَانَتْ مِنْ حَلَالٍ، وفِيهِ: أَنَّ المُحْرِمَ يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ مَا لَم [يُصَدْ] (٤) مِنْ أَجْلِهِ، وذَلِكَ أَنَ البَهْزِيَّ إنَّمَا كَانَ صَادَ ذَلِكَ الحِمَارَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ غيْرُ مُحْرِمٍ، فَلَمَّا أَهْدَاهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أمَرَ بِقِسْمَتِهِ بَيْنَ أَصْحَابهِ فَأَكَلُوهُ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وكَانَتْ قِصَّةُ البَهْزِيِّ وأَبي قتَادَةَ في بَعْضِ عُمَرِ النبي ﷺ . [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يُرْوَى عَنْ عَلِي بنِ أَبي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ للمُحْرِمِ أَكْلَ

стр. 608

لَحْمِ الصَّيْدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يُبيحُ للمُحْرِمِ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ إذا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ، ولِذَلِكَ قَالَ لأَبي هُرَيْرَةَ حِينَ أَفْتَى المُحْرِمِينَ بِأَكْلِ لَحْمِ مَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِمْ: (لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لأَوْجَعْتُكَ) [١٢٨٣]. * قالَ ابنُ القَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: كَرِهَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ قَوْلَ كَعْبِ الأَحْبَارِ في الجَرَادِ حِينَ قَالَ: (إنَّمَا هُوَ نَثْرَةُ حُوتٍ) [١٢٨٤] , وأَوْجَبَ فِيهِ عُمَرُ الفِدْيَةَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، لأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ البَرِّ، الذي يَفْدِيهِ المُحْرِمُ إذا قَتَلَهُ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَهْدَى الصَّعْبُ بنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ الحِمَارَ للنبيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ [١٢٨٩] , وذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِمُرُورِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَوْضِعِه الذي هُوَ مُقِيمٌ فِيهِ أَعَدَّ للنبيِّ ﷺ ولأَصْحَابهِ هَدِيَّةً، وكَانَ في جُمْلَتِهَا حِمَارٌ وَحْشِيّ قَدْ صَادَهُ للنبيِّ ﷺ ولأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَهْدَى إليهِ الهَدِيَّةَ والحِمَارَ رَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الحِمَارَ. قالَ أَشْهَبُ: سَمِعْتُ مَالِكَا يَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ الحِمَارُ المُهْدَى حَيًّا. قالَ غَيْرُهُ: وَلَو كَانَ ذَلِكَ الحِمَارُ مَذْبُوحًا لَمْ يَرُدُّهُ النبيُّ ﷺ ، لأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ لَحْمَ صَيْدٍ، قالَ: هَذَا هُوَ المَأْمُورُ بهِ، والذي عَلَيْهِ الفُتْيَا، وإذا كَانَ حِمَارٌ قَدْ صِيدَ لِمُحْرِمٍ لَمْ يَجُزْ ذَبْحُهُ، ولَا أَكلُهُ على حَالٍ. وبِظَاهِرِ هَذا الحَدِيثِ أَخَذَ مَالِكٌ فِيمَا صِيدَ للمُحْرِمِينَ ثُمَّ ذُبِحَ لَهُمْ أَنَّهُ لا يَأْكُلُهُ مُحْرِمٌ ولَا حَلَالٌ، وهَذا عَلَى سَبِيلِ الكَرَاهِيةِ لَهُ، وأَمَّا مَا صَادَهُ المُحْرِمُ ثُمَّ ذَبَحَهُ فَلَا يَأْكُلُهُ مُحْرِمٌ ولَا حَلَالٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لأَنَّهُ مَيْتَةٌ، وذَلِكَ أَنَّ ذَكَاةَ المُحْرِمِ للصَّيْدِ لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ، وإنَّمَا هُوَ مَقْتُولٌ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] , واعْتَذَرَ النبي ﷺ إلى الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ حِينَ رَدَّ إليهِ الحِمَارَ، لِئَلَّا يَقَعَ في نَفْسِهِ أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ شَيءٍ كَرِهَهُ مِنْ نَاحِيتِه، وهَذا مِنْ حُسْنِ الأَدَبِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ أَنَّ المُحْرِمَ لا يَسْتَبِيحُ أَخْذَ الصَّيْدِ. قالَ أَبو عُمَرَ: وفِي هَذا أَيْضًا مِنَ الفِقْهِ: رَدُّ الهَدِيَّةِ للعُذْرِ.

стр. 609

بابُ الحُكْم في قَتْلِ الصَّيْدِ، إلى آخِر بَاب حَجِّ الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِه قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] إلى آخِرِ الآيةِ، قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: ذَكَرَ اللهُ الكَفَّارَةَ في قَتْلِ الصَّيْدِ في أَعْلَى وُجُوهِ القَتْلِ وَهُوَ العَمْدُ، لِيَدُلَّ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ العَمْدِ مِنَ الخَطَأ تَجِبُ فِيهِ أَيْضًا الكَفَّارَةُ، كَمَا قَالَ في الإمَاءِ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] , فكَانَ ذِكْرُ الجَلْدِ في إحْصَانِهِنَّ الذي هُوَ أَعْلَى يُبينُ أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ المُتَزَوِّجَاتِ مِنَ الإمَاءِ يُحْكَمُ فِيهِنَّ بالجَلْدِ إذا زَنَيْنَ، وكَانَ قَتْلُ الصَّيْدِ لا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِيهِ مِنَ الجَزَاءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِدْيَة أو كَفَّارَةٌ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ الكَفَّارَةَ في قَتْلِ المُؤْمِنِ خَطَأً، والدِّيَةَ في قَتْلِ الخَطَأ، فَلِهَذا أَلْزَمَ مَنْ قَتَلَ صَيْدًا خَطَأ وَهُوَ مُحْرِمٌ جَزَاءً مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وقَدْ سَاوَى مَنْ خَالَفَ أَهْلَ المَدِينَةِ في هَذِه المَسْأَلةِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ اللهُ في قَتْلِ الصَّيْدِ العَمْدِ، وبَيْنَ مَا سَكَتَ عَنْهُ في الخَطَأ في تَحْرِيمِ أَكْلِهِ، كَمَا قالَ أَهْلُ المَدِينَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ [يَسْتَوِي] (١) قَتْلُ الخَطَأ والعَمْدِ في وُجُوبِ الكَفَّارَةِ عَلَى القَاتِلِ كَمَا اسْتَوَى قَتْلُ الخَطَأ والعَمْدِ بأنْ لا يُؤْكَلُ، وقَدْ قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وعَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، والحَسَنُ بنُ [أبي الحَسَنِ] (٢) البصري، وعَطَاءُ بنُ أَبي رَبَاح، وإبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وابنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ،

стр. 610

ومَالِكُ بنُ أَنسٍ: إنَّهُ يُحْكَمُ علَى قَاتِلِ الصَّيْدِ خَطَأ بجَزَاءِ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، كَمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ في العَمْدِ (١). قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: وَقَدْ أَجْمَعِ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَ الحَلَالَ إذا قَتَلَ الصَّيْدَ في الحَرَمِ أَن عَلَيْهِ جَزَاءً مِثْلَ مَا قَتَلَ، ولَا نصَّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَكَذَلِكَ حَكَمَ أَهْلُ المَدِينَةِ في قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأ أَنَّ على المُحْرِمِ جَزَاءً مِثْلَ مَا قتَلَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ في رِوَايةِ ابنِ عُمَرَ للمُحْرِمِ قَتْلَ الغُرَابِ، والحِدَأَةِ، والعَقْرَبِ، والفَأْرَةِ، والكَلْبِ العَقُورِ [١٣٠٢]. وزَادَ أَبو سعيد الخُدْرِيِّ في حَدِيثهِ: الحيَّةَ، والسَّبُعَ (٢)، وإنَّمَا أمَرَ النبيُّ ﷺ بِقَتْلِ هَذِه كُلِّهَا للأَذِيَّةِ المَوْجُودَةِ فِيهَا، وهَذَا حُكْمُ كُلُّ مَا عَدَى علَى النَّاسِ مِنَ السِّبَاعِ والطَّيْرِ أَنْ يُقْتَلَ ولَا فِدْيَةَ فِيهَا. قالَ ابنًالقَاسِمِ: ولَا بَأْسَ أَنْ يَفْدِي الُمحْرِمُ سِبَاعَ الوَحْشِ العَادِيةِ بالقَتْلِ وإنْ لَمْ تُؤْذِه، لِدُخُولهَا في اسْمِ الكَلْبِ العَقُورِ، وأَمَّا صِغَارُ أَوْلَادَهَا فَلَا تُقْتَلُ، فَإنْ قتلَها المُحْرِمُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ شَيءٌ، وأَمَّا صِغَارُ العَقَارِبِ، والحَيَّاتِ، والإحْدِيةِ، والفَئْرَانِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِنَّ، لأَنَّ صِغَارَهَا تُؤْذِي كَمَا تُؤْذِي كِبَارُهَا. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَسْنَدَ وَكِيعُ بنُ الجَرَّاح، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ"، وأَرْسَل أَصْحَابُ مالك هَذَا الحَدِيثَ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ [١٣٠٤] (٣).

стр. 611

* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِفِعْلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب في نَزْعِهِ القِرْدَانَ عَنْ بَعِيرِهِ [١٣٠٩] , مِنْ أَجْلِ أَنَ القِرْدَانَ مِنْ ذوَاتِ الإبلِ، كَمَا أَنَّ القَمْلَ مِنْ ذَوَاتِ بَنِي آدَمَ، فَكَمَا لا يَطْرَحُ الرَّجُلَ القَمْلَ عَنْ نَفْسِهِ كَذَلِكَ لا يَنْزِعُ القِرْدَانَ عَنْ بَعِيرِهِ، وقَدْ كَانَ ابنُ عُمَرَ لا يَنْزِعُ قِرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ، ولَا حَلَمَةً (١)، فَبِهَذا أَخَذَ مَالِكٌ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَجْهُ كَرَاهِيةِ مَالِكٍ للمُحْرِمِ أنْ يَنْظُرَ في المِرْآةِ لئَلاَّ يَرَى في وَجْهِه شَيْئًا فَيُغَيِّرُهُ، أَو يَنْتِفَ شَعْرًا مِنْ لِحْيتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا للفِدْيَةِ. وأَمَّا إذا انْكَسَرَ لَهُ ظُفْرٌ فإنَّهُ يَقْطَعُهُ ولَا شَيءَ عَلَيْهِ في قَطْعِهِ، مِنْ أَجْلِ أنَّهُ كَانَ يَتَأذَّى بِتَرْكِهِ لَهُ وَهُوَ مَكْسُورٌ. ورَخَّصَ لَهُ في أَنْ يَدْهِنَ سَاقَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بالبَانِ غَيْرِ المُطَيَّبِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ زَيْتٌ مَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ الطِّيبُ، فإذا طُيِّبَ ذَلِكَ الزَّيْتُ لَمْ يَدْهِنْ بهِ المُحْرِمُ، فإنْ فَعَلَ وأَكْثَرَ مِنْهُ كَانَتْ عَلَيْهِ الفِدْيَةُ التي تَلْزَمُ مَنْ أَمَاطَ عَنْهُ الأَذَى (٢). قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: لَمَّا لَمْ يَأْتِ عَنِ النبي ﷺ ولَا عَنْ سَلَفِ الأُمَّةِ أَنَّ أَحَدًا صلَّى عَنْ أَحَدٍ حَيٍّ أَو مَيِّتٍ كَانَ الحَجّ عَنِ المَيتِ أَو الحَيِّ ضَعِيفًا، إذْ فِيهِ صَلَاةٌ وعَمَلُ بَدَنٍ، لَا سيِمَا حَجَّةُ الفَرِيضَةِ (٣). * وحَدِيثُ الخَثْعَمِيَّةِ لَيْسَ بأَصْلٍ في هَذا، لأَنَّ أَبَاهَا لَمْ تَكُن الفَرِيضَةُ عَلَيْهِ قَطّ، لِقَوْلهَا للنبي ﷺ : "إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ في الحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شيْخًا كَبيرًا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ علَى الرَّاحِلَةِ" [١٣١٧] , ووَجْة آخَرُ يَحْتَمِلُ سُؤَالُهَا عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا، وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بنُ زيدٍ، [عَنْ أيوبَ] (٤)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ، عَنِ ابنِ عبَّاس: "أَنَّ امْرَأةً سَأَلتِ النبيَّ ﷺ

стр. 612

فقالَتْ: إنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحِجَّ، فقالَ لَهَا النبيُّ ﷺ : حُجِّي عَنْ أَبِيكِ" (١). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَهَذا عَلَى سَبيلِ التَّطَوُّعِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذا الحَدِيثَ مَالِكٌ، ولَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ أَيُّوبَ، ولَا رَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ غَيْرَ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وَفِيهِ بَيَانُ: أَنَّ الحَيَّ لا يَحُجُّ عَنِ الحَيِّ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قالَ مَالِكٌ: لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ حَيٍّ زَمِنٍ أو غَيْرِه، ولَا أُحِبُّ لأَحَدٍ أَنْ يَتَطَّوَعَ بِحَجٍ عَنْ مَيِّتٍ صَرُورَةً كَانَ المَحْجُوجُ عَنْهُ أو غَيْرَ صَرُورَةٍ، وَلْيَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُوصِي أَحَدٌ أنْ يَحِجَّ بَعْدَ موتهِ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَنِ المُوصِي، لِئَلَّا تُبَدَّلُ الوَصِيةُ، لِقَوْلهِ تعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] الآيةَ (٢). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: في حَدِيثِ الخَثْعَمِيَّةِ مِنَ الفِقَهِ: إبَاحَةُ الارْتدَافِ عَلَى الدَّوَابِّ المُطِيقَةِ، وأنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا، وغَضُّ البَصَرِ عَنِ المَرْأَةِ الشَّابّهِ، لِصَرْفِ النبي ﷺ وَجْهَ الفَضْلِ عَنْهَا إلى نَاحِيةِ أُخْرَى، وإبَاحَةُ التَّطَوُّعِ بالحَجِّ عَنْ مَنْ لا يَجبُ عَلَيهِ الحَجُّ، وفِيهِ فُتْيَا العَالِمِ وَهُوَ رَاكِبٌ، وقَدْ سُئِلَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ عَنْ مًسْأَلةٍ وَهُوَ رَاكِبٌ مُسْتَعْجِل، فقالَ للسَّائِلِ: (ارْكَبْ وَرَائِي)، فَرَكِبَ وسَارَ كَمَا هُوَ، وَسَأَلهُ فَأَفْتَاهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (انْزِلْ) فَنَزَلَ (٣). * * *

стр. 613

في المُحْصَرِ عَنِ البَيْتِ بَعِدُوٍّ أو بِمَرَضٍ، إلى آخِرِ بَابِ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ حُكْمُ مَنْ حَبَسَهُ العَدُوُّ مِنَ المُحْرِمِينَ عَنِ البَيْتِ حَتَّى يَفُوتَ الحَجّ أنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيءٍ في المَكَانِ الذي حُبسَ فِيهِ، ويَنْحَرُ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ، ويَحْلِقُ ويَنْصَرِفُ، فإنْ كَانَ حَجّهُ هَذا تَطوُّعًا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، وإنْ كَانَ صَرُورَةً فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الفَرِيضَةِ، وَهَذِه السُّنَّةُ فِيمَنْ صُدَّ عَنِ البَيْتِ بِعَدُو، وذَلِكَ أَنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابهِ عَامَ الحُدَيْبِيَّةِ بِقَضاءِ العُمْرَةِ التِّي صَدَّهُ المُشْرِكُونَ فِيهَا عَنِ البَيْتِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَيْسَ عَلَى مَنْ صُدَّ عَنِ البَيْتِ في حَج أو عُمْرَة هَدْيٌ. وقالَ أَشْهَبُ: عَلَيْهِ الهَدِي إذا صُدَّ، كَمَا نَحَرَ رَسُولُ الله ﷺ الهَدْيَ بالحُدَيْبِيَّةِ (١). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ ابنِ القَاسِمِ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ في هَذِه المَسْألَةِ، وذَلِكَ أَنَّ النبيَّ ﷺ إنَّمَا نَحَرَ بالحُدَيْبيّةِ الهَدْيَ الذي كَانَ قَدْ أَشْعَرَهُ وقَلَّدَهُ حِينَ أَحْرَمَ مِنَ المِيقَاتِ بِعُمْرَتهِ، فَلَمَّا لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ أَمَرَ بهِ رَسُولُ الله ﷺ فَنُحِرَ، لأَنَّهُ كَانَ هَدْيًا قَدْ وَجَبَ بالإشْعَارِ والتَّقْلِيدِ، وَلَمْ يَنْحَرْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَببِ الصَّدِّ، فَلِهَذا لا يَكُونُ على مَنْ صُدَّ عَنِ البَيْتِ في حَجٍّ أو عُمْرَة بعَدُوٍّ هَدْيٌ، وأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ عَنِ البَيْتِ بِمَرَضٍ مَنَعَهُ مِنَ الحَجِّ حَتَّى فَاتَهُ فإنَّهُ لا يَحِلَّهُ إلَّا

стр. 614

البَيْتُ يَطُوفُ بهِ وَيسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ويَجْعَلُهَا عُمْرَةً، ويَهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدِي، وذَلِكَ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] , وهَذا هُوَ إحْصَارُ المَرِيضِ لا إحْصَارُ العَدُوِّ، ولَوْ كَانَ حَصْرُ العَدُوِّ لَقَالَ: (فَإنْ حُصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَر مِنَ الهَدِي)، وذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: حَصَرَهُ العَدُوِّ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وأَحْصَرَهُ المَرَضُ فَهُوَ مُحْصَر، فالإحْصَارُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ هُو إحْصَارُ المَرَضِ لا إحْصَارُ العَدُوّ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: المُحْصَرُ عَنِ الحَجِّ بِمَرَضٍ لا يَحِلُّهُ مِنْ إحْرَامِهِ إلَّا الطَوَافُ بالبَيْتِ والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وإنْ أَقَامَ في مَرَضِهِ سِنِينَ وعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ والهَدْيُ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ حُبسَ عَنِ البَيْتِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِحَج إذا كَانَ حَبَسَهُ بِمَرَضٍ، أو فَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفةَ مَعً النَّاسِ بخَطَأ مِنْ عَدَدِ الأَيَامِ، أَو خَفِيَ عَلَيْهِ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ فَلَمْ يُدْرِك الوُقُوفَ مَعَ النَّاسِ، وبِهَذا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أبا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، وهَبَّارَ بنَ الأَسْوَدِ، ومَنْ كَانَ مَعَهُمَا حِينَ فَاتَهُمَا الوُقُوفُ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفةَ، أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا بِعُمْرَةٍ، فهذا كَانَ عَامًا قَابِلَا حَجُّوا، وعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم الهَدْيُ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّام في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ مِنْ مِنْى [١٣٢٩] , لأَنَهُمْ فَرَّقُوا عَمَلَ الحَجِّ الذي كَانُوا قَدْ أحْرَمُوا بِهِ أَوَّلَا في عَامَيْنِ، وكَانَتِ الحَجَّةُ التِّي فَاتَتْ هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ وأَصْحَابهُ حَجَّةُ تَطَوُّعٍ، وذَلِكَ أَنَ أبا أَيُّوبَ وهَبَّارَ بنَ الأَسْوَدِ قَدْ كَانَا حَجَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ، فَلِهَذا يَكُونُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فَفَاتَهُ بِمَرضٍ أو بِخَطَأ مِنْ عَدَدِ الأَيَّامِ أنْ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ حَجهِ عَامًا آخَرَ، بِخِلَافِ مَنْ حَصَرَهُ العَدُوُّ عَنِ البَيْتِ، هَذا لا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وهَذِه الشُنَّةُ الثَّابِتَةُ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَذَ مَالِكٌ في القَارِنِ بِفِعْلِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَطُوفُ إذا قَرَنَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا.

стр. 615

وقالَ غَيْرُ مالكٍ: عَلَى القَارِنِ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ (١). والذي قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ الصَّحِيحُ، لأَنَّ الهَدْيَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى القَارِنِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ جَعَلَ عَمَلَ الحَجِّ والعُمْرَةِ وَاحِدًا، وكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْشِيءَ مِنْ بَلَدِه العُمْرَةَ سَفَرًا وَعَمَلَا مِنْ طَوَافٍ وسَعْيٍّ، وَلِلْحَجّ طَوَافًا آخَرَ وعَمَلًا آخَرَ مِنْ طَوَافٍ وَسَعْي، فَلَمَّا جَمَعَ العَمَلَيْنِ جَمِيعًا حِينَ قَرَنَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ في طَوَافٍ واحد وَسَعْيٍّ وَاحِدٍ وَجَبَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ الهَدْيُ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ" [١٣٣٦] , يَعْنِي قُرَيْشًا، "حِينَ بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ﷺ "، إلى قَوْلهِ في آخِرِ الحَدِيثِ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمَكِ بالكُفْرِ". قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمَّا هَمَّتْ قُرَيْشٌ في الجَاهِلِيّهِ بِبنَاءِ البَيْتِ وتَجْدِيدِه جَمَعُوا لِذَلِكَ مَالًا مِنْ أَطْيَبِ مَكَاسِبِهِم، فَلَمْ يَفِ ذَلِكَ المَالُ بينَاءِ البَيْتِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ ﵇، فَاقْتُصِرَ عَنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وكَانَتْ صِفَةُ بِنَاءِ إبْرَاهِيمَ للبَيْتِ مُدَوَّرًا مِنْ وَرَائِهِ، وكَانَ لَهُ رُكْنَانِ وَهُمَا اليَمَانِيَّانِ، فَلَمَّا بَنتَهُ قُرَيْشٌ في الجَاهِلِيَّةِ جَعَلُوا لَهُ أَرْبَعَةَ أَرْكَانَ، وحَجَزُوا الحِجْرَ مِنْ وَرَائِهِ، إرَادَةً مِنْهُم اسْتِكْمَالَ الطَّوَافِ بالبَيْتِ، فَبَقِيَ البَيْتُ كَذَلِكَ إلى أيَّامِ ابنِ الزُّبَيْرِ، فَهَدَمَهُ وبَنَاهُ علَى صِفَةِ بُنْيَانِ إبْرَاهِيمَ لَهُ، فَلَمَّا غَلَبَ الحَجَّاجُ عَلَى مَكَّةَ وقَتَلَ ابنَ الزُّبَيْرِ هَدَمَ البَيْتَ ثُمَّ بَنَاهُ عَلَى حَسَبِ بُنْيَانِ قُرَيْشٍ في الجَاهِليَّهِ، وجَعَلَ الحِجْرَ مِنْ وَرَائِهِ، فَهُوَ الآنَ مِنْ بُنْيَانِ الحَجَّاجِ. قالَ: وإنَّمَا مَنَعَ النبيُّ ﷺ مِنْ بُنْيَانِهِ مَا اتَّقَاهُ مِنْ إنكارِ قُرَيْشٍ لِذَلِكَ، فقالَ لِعَائِشَةَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَؤمكِ بالكُفْرِ لَنقَضْتُ بُنْيَانَ الكَعْبَةِ، وبَنَيْتُ البَيْتَ عَلَى حَسَبِ مَا كانَ إبْرَاهِيمُ بَنَاهُ". [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: في هَذا مِنَ الفِقْهِ: مُدَارَاةُ مَنْ يُتَّقَى عَلَيْهِ تَغَيُّرِ حَالِهِ في دِينِه، والرِّفْقُ بالجَاهِلِ قال لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في مَعْصِيةِ اللهِ.

стр. 616

فَقُلْتُ لأَبي مُحَمَّدٍ: مَا مَنَعَ الخُلَفَاءَ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ أَنْ يَبْنُوهُ؟ فقالَ لِي: اشْتَغَلُوا عَنْ ذَلِكَ بالجِهَادِ في سَبِيلِ اللهِ، وتُرِكَ كَمَا تَرَكَ النبيُّ ﷺ . [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: الرَّمَلُ بالبَيْتِ عِنْدَ الطَوَافِ مَأْمُورٌ بهِ، ومَنْ تَرَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيءٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً، وكَانَ سَبَبُهُ مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاس قالَ: "قَدِمَ النبيُّ ﷺ وأَصْحَاُبهُ مَكَّةَ وقَدْ وَهَنتهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَقَالَ المُشْرِكُوَّنَ: إنَّهُ يَقْدِمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنتهُمْ الحُمَّى، فأَطْلَعَ اللهُ نَبيَّهُ عَلَى مَا قَالُوا، فأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمَلُوا إذا طَافُوا بالبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوَا أَرْبَعًا، فَلَمَّا رَآهُمْ المُشْرِكُونَ فَعَلُوا ذَلِكَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنَا وأَقْوَى" (١). في هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْه: إظْهَارُ الجَلَدِ والقُوَّةِ عِنْدَ مُلَاقَاةِ العَدُوِّ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَسْنَدَ الوَليدُ بنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذا قَضَى طَوَافَهُ بالبَيْتِ وأَرَادَ الخُرُوجَ إلى الصَّفَا اسْتَلَمَ الحَجَرَ" (٢). * وهَذا الحَدِيثُ في جَمِيعِ المُوَطَّآتِ [عَنْ] (٣) مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَضَى طَوَافَهُ بالبَيْتِ" [١٣٤٦]. * ومَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِمَنْ طَافَ بالبَيْتِ وَرَكَعَ أَنْ يَسْتَلِمَ الحَجَرَ، وكَذَلِكَ يَخْرُجَ إلى الصَّفَا للسَّعِي بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ومَنْ تَرَكَ الاسْتِلَامَ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وقَدْ قَالَ النبيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ: "كَيْفَ صَنَعْتَ في اسْتلَامِ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ؟ فقَالَ: اسْتَلَمْتُ وتَرَكتُ، فقَالَ: أَصَبْتَ" [١٣٤٧] فَفِي هَذا بَيَانُ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الإسْتِلَامَ مَنْ غَلَبَةُ أَلَّا شَيءَ عَلَيْهِ.

стр. 617

* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِفِعْلِ عُرْوَةَ إذ كَانَ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلَّهَا في طَوَافِهِ بالبَيْتِ [١٣٤٨] وأَخَذَ في ذَلِكَ بقَوْلِ ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَمَسَّ مِنَ الأَرْكَانِ في طَوَافِهِ بالبَيْتِ إلَّا اليَمَانِيِيْنِ" (١). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ للحَجَرِ: (إنَّمَا أَنْتَ حَجَرٌ، ولَوْلَا أنِّي رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قبَّلْتك، ثُمَّ قَبَّلَهُ ومَضَى) [١٣٥٠] يُرِيدُ: لا تَضُرُّ ولَا تَنْفَعُ، وقَدْ كُنَّا نُعَظِّمُ أَمْرَ الحِجَارَةِ في الجَاهِلِيَّةِ فَهَجَرْنَا تَعْظِيمَهَا في الإسْلَامِ، غَيْرَ أَنِّي أَفْعَلُ في تَقْبِيلِكَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ قَبْلَّهُ. فَفِي هَذا مِنَ الفِقْه: أَنَّ سُنَنَ النبيِّ ﷺ وأَفْعَالَهُ يُؤْتَى بِهَا كَمَا سَنَّهَا وَفَعَلَها مَا لَمْ يَنْسَخْهَا ﷺ بِغَيْرِهَا أَو يَتْرُكُهَا الخُلَفَاءُ بَعْدَهُ لِشَيءٍ عَلِمُوهُ في ذَلِكَ. قالَ مَالِكٌ: مَنْ طَافَ بالبَيْتِ بَعْدَ الصُّبْحِ أَو بَعْدَ العَصْرِ لَمْ يَرْكَعْ لِطَوَافِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَو تَغرُبَ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ يَرْكَعُ مَنْ طَافَ بالبَيْتِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ (٢)، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ بَابَاه، عَنْ جُبَيْرٍ بنِ مُطْعِمٍ، عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "لا تَمْنَعُوا أَحَدًا أَنْ يَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ ويُصَلِّي، أَيَّ سَاعَةٍ كانَ مِنْ لَيْلٍ أَو نَهَارٍ" (٣). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِه أَهْلَالمَدِينَةِ، وقَدْ رَوَى أَبو الزُّبَيْرِ: (أَنَّ ابنَ عباسٍ كَانَ يَطُوفُ بَعْدَ العَصْرِ ثُمَّ يدخلُ حُجْرَتَهُ، فَلَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ) [١٣٦٠] فَلَوْ كَانَ الرُّكُوعُ عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ مَعْلُومًا بَعْدَ الصُّبْحِ وبَعْدَ العَصْرِ لَرَكَعَ في المَسْجِدِ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ النبيِّ ﷺ عَنِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى

стр. 618

تَغْرُبَ الشَمْسُ، وبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ (١)، فَمَنْ طَافَ بَعْدَ العَصْرِ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فإذا غَرَبَتْ كَانَ بالخَيَارِ إنْ شَاءَ رَكَعَهُمَا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ، وإنْ شَاءَ أَخَّرَهُمَا حَتَّى يُصَلّي المَغْرِبَ، ومَنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ رَكَعَ إذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ. * * *

стр. 619

بابُ وَدَاعِ البَيْتِ، وَجَامِعِ الطَّوَافِ، والسَّعْي * رَوَى القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ: (أَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ بالرَّحِيلِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاع، ثُمَّ أتى البَيْتَ فَطَافَ بهِ سَبْعًا، ثُمَّ خَرَجَ) (١)، وهَذا لَمْ يَرْوِ ٥ مَالِكٌ في المُوَطَّأ، وإنَّمَا رَوَى قَوْلَ عُمَرَ: (لا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بالبَيْتِ، فإنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بالبَيْتِ) [١٣٦٥]. وطَوَافُ الوَدَاعِ مَأْمُورٌ بهِ، ولَيْسَ بِفَرْضٍ، والدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النبي ﷺ في صَفِيَّةَ حِينَ حَاضَتْ بَعْدَ طَوَافِهَا للإفَاضَةِ وقَبْلَ طَوَافِهَا للوَدَاعِ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ: إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، فقالَ: (أَخْرُجْنَ)، فَلَمْ يُوجِبْ على صَفِيّهَ طَوَافَ الوَدَاعِ إذْ مَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ حَيْضَتَهَا، وخَرَجَتْ مَعِ أَزْوَاجِ النبيِّ ﷺ وَلَمْ تَطُفْ للوَدَاعٍ، فَدَلَّ هَذا عَلَى أَنَّ طَوَافَ الوَدَاعِ لَيْسَ بِفرْضٍ، وإنَّمَا الفَرْضُ طَوَافُ الإفَاضةِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَيْسَ العَمَلُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى رَدِّ عُمَرَ للَّذِي تَرَكَ طَوَافَ الوَدَاعِ، فَرَدَّهُ إليهِ مِنْ مَرِّ ظَّهْرَانَ لِبُعْدِه مِنْ مَكَّةَ، وذَلِكَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةَ سِتَّة عَشَرَ مِيلًا، وإنَّمَا يَرْجِعُ إليهِ مَن إذا ذَكَرَهُ وَهُو بِقُرْبِ مَكَّةَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في انْصِرَافِهِ إليهِ ضَرَرٌ لَهُ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وأَنْتِ رَاكبَةٌ" [١٣٧١] فِيهِ مِنَ الفِقْه: إبَاحَةُ دُخُولِ البَعِيرِ المَسْجِدِ، وَطَوافُ النِّسَاءِ مَعَ الرَجَالِ.

стр. 620

وقَوْلُهَا: "فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إلى جَانِبِ البَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بـ ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ "، وفِيهِ: إبَاحَةُ الجَهْرِ في النَّافِلَةِ بالنَّهَارِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا صَلَّى إلى جَانِبِ البَيْتِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ المَقَامَ حِينَئِذٍ كَانَ مُلْصَقَا بالبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُلَهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ إلى المَوْضِعِ الذي هُوَ فِيهِ الآنَ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَمَرَ ابنُ عُمَرَ المَرْأَةَ التِّي سَأَلتْهُ عَنْ غَلَبَةِ الدَّمِ عَلَيْهَا، وَكَثْرَةِ خُرُوجِهِ مِنْهَا بِمَا تُؤْمَرُ بِهِ المُسْتَحَاضَةُ أَنْ تَغْتَسِلَ، وتَسْتَثْفِرَ بِثَوْبٍ، ثُمَّ تَطُوفُ كَمَا تَفْعَلُ في الصَّلَاةِ [١٣٧٢] وَلَو كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ دَمَ حَيْضَةٍ لَمْ يَأْمُرْهَا بِدُخُولِ المَسْجِدِ، ولَا بالطَّوَافِ بالبَيْتِ، كَمَا لَمْ يَأْمُرِ النبي ﷺ عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ بالطَوَافِ بالبَيْتِ مِنْ أَجْلِ حَيْضَتِهَا، فَالحَائِضُ لا تَدْخُلُ المَسْجِدَ كَمَا أنَّهَا لا تُصَلِّي، وَالمُسْتَحَاضَةُ تَدْخُلُهُ، كَمَا أنَّهَا تُصَلِّي. * قَوْلُ عُرْوَةَ لِعَائِشَةَ حِينَ سَأَلَهَا عَنِ السَّعِي بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وَهُوَ يَوْمِئذٍ حَدِيثُ السِّنِّ [١٣٨١] يَعْنِي: أنَّهُ كَانَ يَوْمِيِّذٍ صَغِيرُ السِّنِّ لَمْ يَفْقَهْ كُلَّ الفِقْهِ، وذَلِكَ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ السَّعِيَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قُلْتَ، ثُمَّ ذَكَرَتْ أَنَّ الأَنْصَارَ كَانُوا في الجَاهِليّهِ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، تَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الصَّنَمَ الذي كَانَ بِمَنَاةَ التِّي هِيَ بِقُرْبِ الجُحْفَةِ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكَانُوا لا يُعَظِّمُونَ الأَصْنَامَ التِّي كَانَتْ عَلَى الصَّفَا والمَرْوَةَ، تَحَرَّجْتِ الأَنْصَارُ أَنْ يَسْعَوا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الأَصْنَامِ التِّي كَانَتْ عَلَيْهِمَا في الجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَا لَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَجَعَلَ اللهُ السَّعْيَ بَيْنَ الصَفَا والمَرْوَةِ مِنْ شَعَائِرِ الحَجِّ. وذَكَرَ ابنُ سَلَامٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قالَ: (كَانَ عَلَى الصَّفَا الصَّنَمُ الذي يُقَالُ لَهُ: إسَافٌ، وعَلَى المَرْوَةِ الصَّنَمُ الذي يُقَالُ لَهُ: نَائِلَةُ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلَامُ وأَذْهَبَ اللهُ تِلْكَ الأَصْنَامَ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا، فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا

стр. 621

وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُرْوَةَ في الَّذينَ كَانُوا يَسْعُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ رُكْبَانًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ: (لَقَدْ خَابَ هَؤلَاءِ وَخَسِرُوا) [١٣٨٢] , يَعْنِي: خَابُوا مِنْ أَجْرِ السَّعِي، وخَسِرُوا ثَوَابَهُ، فَلَيْس يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ إلَّا مَاشِيًا، فإذا لَمْ يَسْتَطِعْ المَشِي رَكِبَ. أَوْجَبَ مَالِكٌ عَلَى مَنْ وَطِءَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَة قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ سَعْيَهُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أَنْ يَغْتَسِلَ ويُتِمَّ عُمْرَتَهُ، ويُبْدِلُهَا (٢)، ويَهْدِي، مِثْلَ مَا وَجَبَ عَلَى مَنْ وَطِءَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ أَنْ يُتِمَّ حَجَّهُ الذي أَفْسَدَهُ بالوَطْءِ، ثم عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالهَدِي. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الحَاجِّ أَحْسَنُ مِنْهُ للحَاجِّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَتَقَوُّونَ عَلَى الوُقُوفِ والدُّعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ولَمْ يَصُمْ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ [١٣٨٩] وَوَقَفَ بالمَوْقِفِ رَاكِبًا عَلَى بَعِيرِه، وهَذَا هُوَ المَأْمُورُ بهِ لِمَنْ كَانَ لَهُ ظَهْرٌ، أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ رَاكِبًا. قالَ الأَبْهَرِيُّ: الحَجُّ رَاكِبَاَّ أً فْضَلُ مِنْهُ رَاجِلًا، وكَذَلِكَ حَجَّ رَسُولُ اللهِ رَاكِبًا، وَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ. * * *

стр. 622

تَفْسِيرُ أَبْوَابِ الهَدَايَا * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بنُ أَبي بَكْرٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهْدَى جَمَلًا لأَبِي جَهْلِ بنِ هِشام" [١٣٩٧] , هُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ في المُوطَّأ، وأَسْنَدَهُ أَبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وقالَ: (في رَأْسِهِ بُرَةً مِنْ ذَهَبٍ، يَغِيظُ بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ) (١). قالَ أَبو عُمَرَ: فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: هَدْيُ خِيَارِ الإبِلِ، وَهَدْيُ الذُكُورِ مِنْهَا، وهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ الهَدَايَا لا تَكُونُ إلَّا مِنْ إنَاثِ الإبِلِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا أَبَاحَ النبيُّ ﷺ لِصَاحِبِ البُدْنَةِ أَنْ يَرْكَبَهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّةُ رَآهُ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِ المَشِيُ، فقَالَ: "ارْكَبْهَا" [١٣٩٨] , فقَالَ: "إنَّهَا بَدَنَةٌ"، أَيْ قَدْ جَعَلْتُهَا للهِ وأَخْرَجْتُهَا مِنْ مَالِي فَلَا انتفِعُ بِشَيءٍ أَخْرَجْتُهُ للهِ، فَرَخصَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في رُكُوبِهَا، مِنْ أَجْلِ مَشَقَةِ المَشِي عَلَيْهِ، فلَا يُسْتَباحُ رُكُوبُ البَدَنَةِ إلَّا مِن ضَرُورَةٍ، ولَا يُشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا عَنْ حَاجَةٍ، لِئَلَّا يَرْجِعَ في شَيءٍ جُعِلَ للهِ، ومِنْ هَذا الوَجْهِ كُرِهَ للَّرَجُلِ أَنْ يَنتفِعَ بِشَيءٍ مِنْ صَدَقَتِهِ، أَو يَرْجِعَ في شَيءٍ مِنْهَا. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: صِفَةُ إشْعَارِ البُدْنِ هُوَ أَنْ يُشَقَّ بالسِّكّينِ في سَنَامِ البَعِيرِ أَو النَّاقَةِ مِنَ الجَانِب الأَيْسَرِ عُرْضًا مِنْ نَاحِيةِ رَأْسِهِ إلى ذَنَبهِ، ومَعنَى الإشْعَارِ والتَّقْلِيدِ لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ: أَنَّ صَاحِبَ الجَمَلِ والنَّاقَةِ قَدْ أَخْرَجَ ذلِكَ مِنْ مَالِهِ للهِ جَلَّ وَعَزَّ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلَامَة وَهِيَ الإشْعَارُ والتَّقْلِيدُ، فإنْ ضَلَّ البَعِيرُ المُشْعَرِ عَنْ رَبِّهِ فَوَجَدَهُ مَنْ بَلَّغَهُ مَحِلَّهُ ونَحَرَهُ بالمَنْحَرِ فَقَدْ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْ مُهْدِيهِ.

стр. 623

[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنِ الحَدِيثِ الذي يُذْكَرُ فِيهِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ أَهْدَى ضَأْنًا مُقَلَّدَةً" (١)، فقالَ لِي: هَذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وتَقْلِيدُ الضَّاْنِ تَعْذِيبٌ لَهَا؛ لأنَّهَا لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْعَى مِنَ الأَرْضِ، إذْ تُمْسِكُهَا القِلَادَةُ المُعَلَّقَةِ مِنْ عُنِقِهَا، ورُبَّمَا خَنَقَتْهَا القِلَادَةُ، وَهِيَ بِخِلَافِ الإبِلِ التِّي لا يَضُرُّهَا التَّقْلِيدُ (٢). * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ اسْمُ صَاحِبِ هَدَايَا رَسُولِ اللهِ ﷺ ذؤَيْبٌ، وَهُوَ وَالِدُ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤيبٍ، فَذُؤَيبٌ صَاحِبٌ وابنُهُ صَاحِبٌ [١٤١٤]. قالَ أَبو عُمَرَ: في حَدِيثهِ مِنَ الفِقْهِ: أنَّهُ مَنْ بَعَثَ مَعَهُ هَدْي فَعَطَبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِفَهُ أنْ يَنْحَرَهُ وُيخْلِي بَيْنَ النَّاسِ وبَيْنَهُ يَأْكُلُونَهُ ولَا يَأْكُلُ هُو مِنْهُ، فإنْ أَكَلَ مِنْهُ ضَمِنَهُ. ومِنْ هَذَا الحَدِيثِ قَالَ مَالِكٌ في الرَّاعِي: إنَّهُ لا يَضْمَنُ مَا مَاتَ مِنَ الغَنَمِ أو غَيْرِهَا إلَّا [أنْ] (٣) يُذْبَحَ أَو يُنْحَرَ، فإنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ قِيمَةَ مَا تَعَدَّى عَلَيْهِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَانَ ابنُ عُمَرَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ بأَجِلَّةٍ مُرْتَفِعَةٍ، ثُمَّ يَكْسُوهَا الكعْبَةَ إذا نَحَرَ البُدْنَ [١٤٠٨]. قالَ أَبو عُمَرَ: كَانَتِ الكَعْبَةُ في الجَاهِليَّةِ تُكْسَى بِجُلُودِ [الأنطاع] (٤) يُخْرَزُ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ ثُمَّ تُكْسَى بِهَا الكَعْبَةُ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلَامُ كُسِيتْ بالدِّيبَاجِ وغَيْرِهِ، فَكَانَ ابنُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ بِجِلَالِ بُدْنِهِ، وهَكَذَا يَفْعَلُ بَأَجِلَّةِ البُدْنِ الآنَ إذا نُحِرَتِ البُدْنُ.

стр. 624

* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَمَرَ عُرْوَةُ بَنِيهِ أَنْ يَهْدُوا للهِ خَيَارَ إبِلِهِم، ولَا يَتَقَرَّبُوا إليه بالدُّونِ مِنْهَا [١٤١٢] , وأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] , قالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هُوَ أنْ يَقْصِدَ الرَّجُلُ إلى رَذَالةِ مَالِهِ، فَيُخْرِجُهُ للهِ عَنْ زَكَاتِهِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ هَدِي وَاجِبٌ مِنْ جَزَاءٍ، أَو هَدْي مُتْعَةٍ، أَو شِبهِ ذَلِكَ، فَتَوَجَّهَ بهِ إلى مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ قَلَّدَهُ وأَشْعَرَهُ فَعَطَبَ في الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلى مَكَّةَ كَانَ عَلَى صَاحِبهِ البَدَلُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَحِلَّهُ، لأَنَّ الله يَقُولُ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] , فَمَتى لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ أَبْدَلَهُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ هَدْي التَّطَوُّعِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَوْجَبَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَنْ وَطِءَ امْرَأتهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إتْمَامَ الحَجِّ الذي كَانَا قَدْ أَحْرَما بهِ [١٤٢١] , مِنْ أَجْلِ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] , ومَنَعَ اللهُ مِنَ الرَّفَثِ في الحَجِّ وَهُو إصَابَةُ النّسَاءِ، فَلِهَذا أُمِرَ الوَاطِءُ في الحَجّ بإعَادَةِ الحَجَّةِ التِّي أَفْسَدَهَا، وَيُقَالُ لَهُمَا: إذا أَحْرَمْتُمَا مِنْ قَابِلٍ تَفَرَّقَا، خَشْيَة عَلَيْهِمَا أَنْ يَقَعَا فِيمَا وَقَعَا فِيهِ أَوَّلَا، وعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الهَدِي، وهَذا إذا كَانَ وَطْئُهُ إيَّاهَا قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبةَ يَوْمَ النَّحْرِ. فإنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الذي أَكْرَهَها عَلَى وَطْئِهِ إيَّاهَا لَزِمَهُ أَنْ يُهْدِي عَنْهَا، وعَلَيْهَا هِيَ إعَادَةُ الحَجِّ، لا بُدَّ لَهَا مِنْهُ. فإنْ كَانَ وَطَئِهَا يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ أَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ وقَبْلَ أَنْ يَطُوفَ طَوَفَ الإفَاضَةِ جَبَرَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ وهَدْيٍّ، ولَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. فإنْ كَانَ وَطَئِهَا في غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ ولَمْ يَكُنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ يَوْمَ النَّحْرِ فإنَّهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ ويَطُوفُ للإفَاضَةِ، وعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ ويَهْدِي، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وإنَّمَا يَفْسُدُ حَجُّهُ إذا وَطِئَهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبةِ.

стр. 625

وقالَ مَالِكٌ: مَنْ وَطِءَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَقَدْ أَفَسَدَ حَجَّهُ. وقَالَ ابنُ أَبي حَازِمٍ (١): رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ هَذا القَوْلِ. يُرِيدُ: أنَّهُ إذا وَقَفَ بِعَرَفةَ ثم وَقَعَ وَطْئُهُ بَعْدَ الوُقُوفِ وقَبْلَ رَمْيهِ جَمْرَةَ العَقَبةِ يَوْمَ النَّحْرِ أنَّهُ يَجْبِرُ حَجَّهُ بالعُمْرَةِ والهَدِي، وهَذه قَوْلَةٌ شَاذَّةٌ عَنْ مَالِكٍ، لَم يَقُلْهَا أَحَا مِنْ أَصْحَابهِ عَنْهُ، بلْ قَالُوا عَنْهُ: إنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ علَى نحْوِ مَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنْ يَقَعَ وَطْئُهُ إيَّاهَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ (٢). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بعَرَفَةَ مَعِ النَّاسِ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَجْعَلَ عَمَلَهُ في عُمْرَةٍ [١٤٢٨] , لأَنَّهُ قَدْ فَاتهُ الحَجُّ، [إذ] (٣) لَمْ يَقِفْ مَعَ النَّاسِ، ولَا وَقَفَ بِهَا حَتَّى فَاتَهُ الوُقُوفُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وذَلِكَ أَنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرِيضَةٌ، وكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ ويَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ المُحْرِمَ لا يَحِلُّهُ مِنْ إحْرَامِهِ إلَّا الطَوَافُ والسَّعِي، مَا لَمْ يُصَدَّ عَنِ البَيْتِ بِعَدُوٍّ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: سأَلَ الأَسْوَدُ بنُ يَزِيدَ عَائِشَةَ وَهُمْ بِعَرَفةَ، فقالَ لَهَا: (يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إذا خَفِيَ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ عَنِ النَّاسِ فَوَقَعَ وُقُوفُهُمْ هَهُنَا في غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: حَجُّهُمْ تَامٌّ) (٤). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ مَالِكٍ في القَارِنِ إذا فَاتَهُ الحَجُّ أَنَّهُ يَحُجُّ قَابِلًا قَارِنًا ويُهْدِي هَدْيَيْنِ، هَدْيًا لِقِرَانهِ الحَجَّ مَعَ العُمْرَةِ، وهَدْيًا لَمَا فَاتَهُ مِنَ الحَجِّ [١٤٣٠]. وقَالَ سَحْنُونُ في المُدَوَّنَةِ: إذا أَفْسَدَ القَارِنُ الحَجَّ أَنَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَ هَدَايا، هَدْيا

стр. 626

لِقِرَانِهِ أَوَّلًا، وَهَدْيَيْنِ في حَجَّةِ القَضَاءِ الوَاحِدِ لِفَسَادِ حَجَّهِ، والثَّانِي لِقِرَانِهِ الحَجَّ مَعَ العُمْرَةِ (١). وقالَ أَبو عُمَرَ: يَحْتَمِلُ مَا في المُوطَّأ مِنْ قَوْلهِ: (أَنَّهُ يَحُجُّ قَابِلًا قَارِنًا ويُهْدِي هَدْيَيْنِ) أَنْ يَكُونَ قَدْ قَدَّمَ الهَدْيَ الذي كَانَ سَاقَهُ في حَجَّتِهِ التِّي فَاتَتْهُ وَهُوَ قَارِن ونَحَرَهُ حِينَئِذٍ، ثُمَّ يَبْقَى عَلَيْهِ هَدْيَانِ في الحَجَّةِ التِّي يَقْضِيهَا، فَلَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ في المُوطَّأ ولَا في المُدَوَّنَةِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى عَطَاءٌ، عَنِ ابنِ عَبَّاس فِيمَنْ وَطِءَ أَهْلَهُ بَعْدَ جَمْرَةِ العَقَبةِ وقَبْلَ أنْ يَفِيضَ أَنَّهُ يَنْحَرُ بَدَنَةً [١٤٣٢]. * ورَوَى عِكْرَمةُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ ويَهْدِي [١٤٣٣]. وذَكَرَ مَالِكٌ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ في المُوطَّأ، وصَرَّحَ باسْمِهِ في هَذِه المَسْأَلةِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ اسْمَ عِكْرَمةَ في المُوطَّأ في غَيْرِ هَذِه المَسْألةِ. قالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: المَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ ابنِ عَبَّاس في هَذِه المَسْأَلةِ مَا رَوَاهُ عَنْهُ عَطَاءٌ لا مَا رَوُاهُ عَنْهُ عِكْرِمَةُ، وقَدْ رَوَى أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: (مَا أَفْتَيْتُ [برأَيِي] (٢) قَطُّ إلَّا في ثَلَاثِ مَسَائِلَ، إحْدَاهُنَّ الذي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ للإفَاضَةِ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ ويَهْدِي)، فَرِوَايةُ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ تُبَيِّنُ أَنَّ مَا حَكَاهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ في هَذِه المَسْألةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ ابنِ عَباس، وأَنَّ المَعْرُوفَ عَنْهُ مَا رَوَاهُ عَنْهُ عَطَاءٌ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بَدَنَةً. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَنْ نَسِيَ طَوَافَ الإفَاضَةِ حَتَّى رَجَعَ إلى بَلَدِهِ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلى مَكَّةَ للطَّوَافِ، لأَنَّ طَوَافَ الإفَاضَةِ لا يَتُمُّ الحَجُّ إلَّا بهِ، فإنْ كَانَ قَدْ طَافَ بَعْدَ أنْ رَجَعَ مِنْ مِنَى تَطَوُّعًا ولَمْ يَنْوِ بهِ طَوَافَ الإفَاضَةِ ثُمَّ نَسِيَ طَوَافَ الإفَاضَةِ وذَكَرَ ذَلِكَ في بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ طَوَافُ التَّطُوُّع عَنْ طَوَافِ الإفَاضَةِ، فَإذا لَمْ

стр. 627

يَطُفْ تَطُوُّعًا ولَا للإفَاضَةِ رَجَعَ وطَافَ، فإنْ وَطِءَ قَبْلَ الطَّوَافِ طَافَ ثُمَّ اعْتَمَرَ وأَهْدَى. * قَوْلُ عَلِيٍّ وابنِ عَبَّاسٍ: (إنَّ مَا استَيْسَرَ مِنَ الهَدْي شَاةٌ) [١٤٣٦]. * ورَوَى نَافِعٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ: (أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي بَدَنَةٌ أَو بَقَرَةٌ) [١٤٣٨]. * ورَوَى صَدَقَةُ بنُ يَسَارٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي شَاةٌ) [١٤٤١]. * وقَدْ حَلَّتْ عَمْرَةُ بنتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ التَّرْوِيةِ مِنْ عُمْرتِهَا، ثُمَّ أَهَلَّتْ بالحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ ذبَحَتْ يَوْمَ النَّحْرِ شَاةً لِتَمَتّعِهَا بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ وَهِيَ مَا اسْتَيْسَر مِنَ الهَدْي [١٤٣٩]. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَنْ بُعِثَ مَعَهُ هَدْيٌ لِيَنْحَرُهُ في حَجٍّ فَنَحَرهُ في عُمْرَةٍ أَنَّهُ يَضْمِنُهُ لِصَاحِبهِ لِتَعَدِّيهِ مَا أَمَرَ بهِ صَاحِبهُ. * قالَ مَالِكٌ: والنُّسُكُ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُهُ أَنْ يَنْسِكَ وتَيَسَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقَدْ نَسَكَ عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ عَنِ ابْنِهِ حُسَيْنن بالسُّقْيَا حِينَ أَمَاطَ عَنْهُ الأَذَى وحَلَقَ رَأْسَهُ، ولَيْسَ النُّسُكُ في هَذا كَالهَدْي الذي مَحِلَّهُ مَكَّةَ، لِقَوْلهِ : ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] , فَلَا يَكُونُ الهَدْيُ إلَّا بِمَكَّةَ أَو بِمِنَى [١٤٤٦].

стр. 628

بابُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، إلى آخِرِ بَابِ الحِلَاقِ، والتَّقْصِيرِ * قالَ أَبو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ عَوْنِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثنا ابنُ الأَعْرَابِيِّ، قالَ: أَخبرنا أَبو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثنا [الحَسَنُ] (١) بنُ عَلَي، عَنْ أَبي أُسَامَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بنِ زيدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِف إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ" (٢)، وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ، وهَذا عِنْدَ مَالِكٍ بَلَاغٌ غَيْرُ مُسْنَدٍ [١٤٤٨]. قالَ عِيسَى: بَطْنُ عُرَنَةَ هُوَ بِعَرَفَةَ بِغَرْبِيّ جدَارِ مَسْجِدِ عَرَفَةَ، يُقَالُ: لَو سَقَطَ ذَلِكَ الجِدَارُ مَا سَقَطَ إلَّا في وَادِي عُرَنَه (٣)، وهَذَا مَكَان لَيْسَ يَقِفُ أَحَدٌ فِيهِ للدُّعَاءِ، وإنَّمَا يَرْتَفِعُ النَّاسُ عَنْهُ، وبَطْنُ مُحَسِّرٍ هُوَ وَادٍ دُونَ المُزْدَلِفَةِ، لَيْسَ يَقِفُ فِيهِ أَحَدٌ للدُّعَاءِ إذا وَقَفَ النَّاسُ صَبِيحَةَ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ المِشْعَرِ الحَرَامِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ ومَنْ دَانَ دِينُها يَقِفُونَ بالمُزْدَلِفَةِ بِقُزَحٍ، وَهُوَ مَوْضِعُ المَنَارَةِ، وكَانَ النَّاسُ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلَامُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْتِي عَرَفَاتَ وأَنْ يَفِيضَ مِنْهَا)، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٤) [البقرة: ١٩٩].

стр. 629

فَالوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَرِيضَة مِنْ فَرَائِضِ الحَجِّ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: (مَنْ [لَمْ يَقِفْ] (١) بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ، فإنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بهَا حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ يَحِلُّ بعُمْرَةٍ وعَلَيْهِ حَجُّ قَابلٍ والهَدْي) [١٤٥٥] , هَذا القَوْلُ مِنِ ابنِ عُمَرَ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ بُكَيْرِ بنِ [عَطَاءٍ] (٢)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَعْمُرٍ قالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِعَرَفَةَ فَجَاءَهُ نَاس مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَأَمَروا رَجُلَا مِنْهُم فَنَادَى: كَيفَ الحَجُّ، فأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا فَنَادَى: الحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ، مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ) (٣). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بِهَذا الحَدِيثِ أَخَذَ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَبِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ طَرِيقِ ابنِ عُمَرَ: (أَّنهُ [مَنْ لَمْ يَقِفْ] (٤) بعَرَفَةَ قَبْلَ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ) [١٤٥٥] , ولَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ النَّحْرَ. فأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ الذي ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ أَتَى النبيَّ ﷺ بالمُزْدَلِفَةِ فَسَمِعَهُ يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَعَنا هَذِه الصَّلَاةُ"، يَعْنِي صَلَاةَ الصّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بالمُزْدَلِفَةِ، "وأَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَةَ لَيْلَا أَو نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" (٥)، فَهَذا حَدِيثٌ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ وعَلَّلُوهُ، ولَمْ يَأْخُذْ بهِ مَالِكٌ، والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَكُونُ بالنَّهَارِ وباللَّيْلِ، ويُجْزِيء الوُقُوفُ فِيهَا باللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، ولَا يُجْزِيُّ الوُقُوفُ فِيهَا بالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، ومَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَمْ يَرْجِعْ إليهَا، ويُدْرِكُ الوُقوفَ بِها

стр. 630

قَبْلَ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، ويَكُونُ عَلَيْهِ الطَوَافُ بالبَيْتِ، والسَّعِي بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ويَحْلِقُ بِمَكَّةَ، وعَلَيْهِ حَجُّ قَابِل والهَدْي (١). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الوُقُوفُ بالمَشْعَرِ الحَرَامِ بَعْدَ صَلَاةِ الصبحِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ سُنَّةٌ، وهَذا إجْمَاع إلَّا مَا حَكَاهُ أَبو عُبَيْدٍ أنَّهُ مَنْ لَمْ يَقِفْ بالمُزْدَلِفَةِ مَعَ الإمَامِ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ (٢). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: وُيرَدُّ هَذا القُوْلَ تَقْدِيمُ النبيُّ ﷺ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنَى باللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يَقِفُوا بالمَشْعَرِ الحَرَامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلَى أَن الوُقُوفَ بالمُزْدَلِفَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وإنَّمَا هُوَ سُنَة، فإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَا وُقُوفَ بالمُزْدَلِفَةِ، كَمَا إذا طَلَعَ الفَجْرُ لَيْلَةَ النَحْرِ لَمْ يَكُنْ وُقُوفٌ بِعَرفَةَ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا حَرَّكَ ابنُ عُمَرَ رَاحِلَتَهُ في بُطْنِ مُحَسِّرٍ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ: "أَن النبي ﷺ أَوْضَعَ في وَادِي مُحَسِّرٍ" (٣)، يَعْنِي: حَرَّك رَاحِلَتَهُ فِيهِ، والإيضَاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ. قالَ عِيسَى: مَنْ بَلَغَ هَدْيَهُ مِنَى فَلْيَنْحَرْهُ، أَو يَذْبَحُ ما يَذْبَحُ ويُعْطِيهِ المَسَاكِينَ، فإذا دَفَعَهُ إليهِمْ حَيَّا فَقَدْ جَهِلَ ولَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلَهُ. * حَدِيثُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَمْسِ لَيَالٍ بقِينَ لِذِي القَعْدَةِ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَم يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إذا طَافَ بالبَيْتِ، وَسعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أَنْ يَحْلِقَ" [١٤٦٩] , وذكَرَتِ الحَدِيثَ إلى آخِرِه. قالَ الفُقَهاءُ مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ: هَذا الحَدِيثُ خَاصٌّ للَّذِينَ أَمَرَهُمْ

стр. 631

رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ، ويَفْسَخُوا حُجَّهُمْ في عُمْرَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا سَاقُوا مَعَهُمِ الهَدْيَ الذي يَلْزَمُ مَنْ سَاقَهُ في حَجِّهِ ألَّا يَنحَرَهُ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبةِ ويَحِلَّ بِمِنى. ومِثْلُ هَذا الحَدِيثِ أَيْضًا حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ مَنْ طَافَ وسَعَى أَنْ يَحِلَّ ثُمَّ يُنْشِيءُ الحَجَّ مِنْ مَكَّةَ" (١). وقَدْ جَاءَ بَيَانُ هَذا كُلِّه في حَدِيثِ رَبِيعَةَ [عَن] (٢) الحَارِثِ بنِ بلَالٍ، عَنْ أَبيهِ بِلَالِ بنِ الحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، فَسْخُ الحَجِّ لَنا خَاصَّة أَمْ لِمَن بَعْدَنَا؟ فقَالَ: لَكُمْ خَاصَّة" (٣). وقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ في هَذِه المَسْأَلةِ أَنْ نأْخُذَ بِكِتَابِ رَبنا، فإنَّ الله قالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] , وأَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا، فَرَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ بِمِنَى (٤). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقَوْلُ عُمَرَ هَذا وحَدِيثُ بِلَالِ بنِ الحَارِثِ يَدُلاَّنِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَحْرَمَ بالحَجِّ لَمْ يَفْسَخْهُ في عُمْرَةٍ، ولَمْ يَحِلَّهُ مِنْ حَجّهِ إلَّا طَوَافُ الإفَاضَةِ. وفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ، وأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمَرَةٍ فَحَلَّ، وأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ، أَو جَمَعَ الحَجِّ والعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ" (٥). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بِهَذا الحَدِيثِ أَخَذَ أَهْلُ المَدِينَةِ فِيمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، أَو جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ أنَّهُ لا يَفْسَخُ حَجَّهُ في عُمْرَةٍ.

стр. 632

* وقَوْلُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ في حَدِيثِها: (دُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمُ النَّحْرِ بلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذا؟ فقَالُوا: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ البَقَرَ) [١٤٦٩] , تَعْنِي: أَنَّهُ نَحَرَ الهَدْي عَمَّنْ تَمَتَّعَ مِنْ أَزْوَاجِهِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، أَو عَمَّنْ أَرْدَفَ مِنْهُنَّ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةِ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ. وفِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: إبَاحَةُ النَّحْرِ في البَقَرِ، والذَّبْحُ في البَقَرِ مَذْكُورٌ في القُرآنِ (١)، فَالذَبْحُ والنَّحْرُ فِيهَا جَائِزٌ، ومِثْلُ هَذا الهَدْي الذي نَحَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ يَأْكُلُ مِنْهُ الأَغْنِيَاءُ، ويَأْكُلُ مِنْهُ مُهْدِيهِ، والذي لا يَأْكُلُ مِنْهُ مُهْدِيهِ هُوَ جَزَاءُ الصَّيْدِ، وفِدْيَةُ الأَذَى، ونَذْرُ المَسَاكِينَ، ولَهُ أَنْ يَأكُلَ مِنْ هَدْي التَّطَوُعِ إذا بَلَغَهُ مِنَى ونَحَرَهُ، أَو ذَبَحَهُ بِمِنَى، فإنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مَحِلَّهُ ونَحَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ إذًا خَافَ عَلَيْهِ المَوْتَ لَمْ يَأْكُلْ مُهْدِيهِ مِنْهُ، فإنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ، وكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ضَمِنَهُ. * [قالَ] عَبْدُ اِلرَّحْمَنِ: حَدِيثُ حَفْصَةَ حِينَ قَالَتْ للَّنبيِّ ﷺ : "مَا شَانُ النَّاسِ حَلُّوا ولَمْ تَحْلِلْ اْنْتَ مِنْ عُمْرَتك؟ " [١٤٧٠] , فَقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ في هَذا الحَدِيثِ: "وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ" إلَّا مَالِكٌ، والمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ النبيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ أَنَّهُ أَفْرَدَ الحَجَّ، ولَمْ يَتَمَتَّعْ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ. وحَدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ، قالَ: حَدَّثنِي أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ، قالَ: حدَّثنا عَلَيّ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، قالَ: حَدَّثنا أَبو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ، قالَ: حَدَّثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ القَطَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ أَنَّها قَالَتْ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلّوا ولَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: إني لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيِ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلُّ مِنَ الحَجِّ" (٢).

стр. 633

[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَذَكَرَ عُبَيْدُ اللهِ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ نَافع: (مِنْ عُمْرَتِك). وقَدْ حَدَّثنا أَبو مُحَمَّل, القَلْزُمِيُّ بِمِصْرَ (١)، قالَ: حَذَثنا أَحْمَدُ بنُ زيدٍ المَكِّي (٢)، قالَ: حَدَّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيِّ، قالَ: حَدَّثنا [هِشَامُ بنُ سُلَيْمَانَ] (٣)، عَن ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ: "أنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فقَالَتْ حَفْصَةُ: مَا يَمْنَعَكَ أَنْ تَحِلَّ يا رَسُولَ اللهِ؟ فقَالَ: إني لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيِ، فَلَا أَحِلُ حَتَّى أَنْحَرَ الهَدْي" (٤). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَقُلْ ابنُ جُرَيْج فِي هَذا الحَدِيثِ: "مِنْ عُمْرَتِكَ" كَمَا قَالَ مَالِكٌ وعُبَيْدُ اللهِ بنُ [عُمَرَ] (٥)، وقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذا الإخْتِلاَفُ مِنْ قِبَلِ نَافِعٍ لَا مِنْ قِبَلِ مَالِكٍ، كَمَا قَالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّ مَالِكَاً انْفَردَ بهِ (٦).

стр. 634

*-[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدِيثُ جَعْفُرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نحَرَ بَعْضَ هَدْيهِ بيَدِه، ونَحَرَ غَيرُهُ بَعْضَهُ" [١٤٧٢] هَكَذا رَوَى يَحْيى بنُ يَحْيى عَنْ مَالِلب بِهَذا السَّنَدِ، ورَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ، وأَرْسَلَهُ ابنُ وَهْبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيهِ بِيَدِه، ونَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ" (١). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اسْتُحِبَّ أَنْ لا يَنْحَرَ للرَّجُلِ ولَا يَذْبَحُ لَهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ إلَّا مِنْ ضَرَوُرَةٍ، فإنْ فَعَلَ أُجْزِأَ عَنْهُ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قَالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللهِ" [١٤٧٧] وذَكَرَ الحَدِيثَ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَانَتْ هَذِه القِصَّةُ في عُمْرَةِ الحُدَيْبيَّةِ حِينَ صَدَّ المُشْرِكُونَ النبيَّ ﷺ وأَصْحَابَهُ عَنِ البَيْتِ، فَحَلُّوا بِها، وأَمَرَهُمِ ﷺ أَنْ يَحْلِقُوا رُؤُوسَهُم، فتَوقَّفَ بَعْضُهُم عَنِ الحِلاَقِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فحِينَئِذٍ قالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ" قَالَها ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ على أَنَّ حِلاَقَ الرَّأسِ في الحَجًّ والعُمْرَةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، لِدُعَاءِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثلاَثَ مَرَّاتٍ للمُحَلِّقِينَ، ومَرَّة وَاحِدَةً للمُقَصِّرِينَ، والتَّقْصِيرُ: هُوَ أَنْ يُحْلَقَ شَعْرُ الرَّأْسِ كُلِّهِ ويُتْركَ بَعْضَهُ، والحِلاَقُ: أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ كُلَّهُ بالمُوسَى. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دَخَلَ النبيُّ ﷺ مَكَةَ نَهَاراً، دَخَلَ مِنَ الثَّنِتةِ العُلْيَا التِّي بأَعْلَى مَكَّةَ، وَهِيَ التِّي يُقَالُ لَهَا كَدَاءُ -بالفتح- وخَرَجَ مِنَ الثَّنِتةِ السُّفْلَى، وَهِيَ التِّي يُقَالُ لَهَا كُدَاءُ -بالضَّمَ- وهَذا هُوَ المُسْتَحَبّ في دُخُولِ مَكَّةَ أَنْ يَدْخُلَهَا الإنْسَانُ مِنَ الطَرِيقِ الأَعْلَى، وَيخْرُجَ مِنَ الطَرِيقِ الأَسْفَلِ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ المَدِينَةِ، أَو خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ.

стр. 635

قالَ ابنُ نَافِعٍ: ومُبَاحٌ للرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ لَيْلٍ أَو نَهَارٍ، ودَخَلَها النبيُّ ﷺ نَهَارَاً. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَمَرَ مَالِكٌ مَنْ قَصَّرَ بَعْضَ شَعْرِهِ، أَو قَصَّرَ شَعْرَ امْرَأتِهِ ثُمَّ وَطِئَها قَبْلَ تَمَامٍ تَقْصِيرِ شَعْرِه كُلِّهِ أَو شَعْرِهَا كُلِّهَا أَنْ يَهْرِيقَ دَمَاً إذا فَعَلَ ذَلِكَ [١٤٨٥]، مِنْ أَجْلِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَوعِبْ تَقْصِيرَ شَعْرهِ كُلَّه، وذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ بَعْضَ نُسُكِهِ الوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِي بهِ كُلِّهَ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ الدَّمُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، يَذْبَحُ شَاةً ويَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى المَسَاكِينِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُمَرَ: (مَنْ ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ، ولَا تَشَبَّهُوا بالتَّلْبِيدِ) [١٤٨٩] يَعْنِي بِقَوْلهِ: (وَلاَ تَشَبَّهُوا) أَي: لَا تَخْلِطُوا عَلَيْنَا، فإنَّ حُكْمَ التَّضْفِيرِ الحِلاَقُ كَحُكْمِ التَّلْبيدِ، وذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ: "أَنَّ مَنْ لَبَّدَ شَعْرَ رَأْسِهِ فِي حِينِ إحْرَامِهَ أنَّهُ يًحْلِقُهُ إذا حَلَّ" (١)، فَكَذَلِكَ يُلْزَمُ مَنْ ضَفَرَ شَعْرَ رَأْسِهِ الحِلاَقُ، ولَا يَجْزِيهِ التَّقْصِيرُ. وَصِفَةُ التَّلْبيدِ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الصَّمْغَ فَيَحِلُّهُ في المَاءِ ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى شَعْرِ رَأْسِهِ، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ الصَّمْغُ عَلَى الشَعْرِ، ويَصِيرُ كالسَّطْحِ يَمْنَعُ الغُبَارَ أَنْ يَصِلَ إلى جِلْدَةِ الرَّأْسِ، فأَوْجَبَ النبيُّ ﷺ عَلَى مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ الحِلاَقَ، فَكَذَلِكَ أَوْجَبَ عُمَرُ عَلَى مَنْ ضَفَرَ شَعْرَهُ الحِلاَقَ، مِثْلَ المُلَبِّدِ سَوَاءٌ. * * *
следующие страницы →