← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ، ويَفْسَخُوا حُجَّهُمْ في عُمْرَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا سَاقُوا مَعَهُمِ الهَدْيَ الذي يَلْزَمُ مَنْ سَاقَهُ في حَجِّهِ ألَّا يَنحَرَهُ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبةِ ويَحِلَّ بِمِنى. ومِثْلُ هَذا الحَدِيثِ أَيْضًا حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ مَنْ طَافَ وسَعَى أَنْ يَحِلَّ ثُمَّ يُنْشِيءُ الحَجَّ مِنْ مَكَّةَ" (١). وقَدْ جَاءَ بَيَانُ هَذا كُلِّه في حَدِيثِ رَبِيعَةَ [عَن] (٢) الحَارِثِ بنِ بلَالٍ، عَنْ أَبيهِ بِلَالِ بنِ الحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، فَسْخُ الحَجِّ لَنا خَاصَّة أَمْ لِمَن بَعْدَنَا؟ فقَالَ: لَكُمْ خَاصَّة" (٣). وقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ في هَذِه المَسْأَلةِ أَنْ نأْخُذَ بِكِتَابِ رَبنا، فإنَّ الله قالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] , وأَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا، فَرَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ بِمِنَى (٤). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقَوْلُ عُمَرَ هَذا وحَدِيثُ بِلَالِ بنِ الحَارِثِ يَدُلاَّنِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَحْرَمَ بالحَجِّ لَمْ يَفْسَخْهُ في عُمْرَةٍ، ولَمْ يَحِلَّهُ مِنْ حَجّهِ إلَّا طَوَافُ الإفَاضَةِ. وفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ، وأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمَرَةٍ فَحَلَّ، وأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ، أَو جَمَعَ الحَجِّ والعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ" (٥). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بِهَذا الحَدِيثِ أَخَذَ أَهْلُ المَدِينَةِ فِيمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، أَو جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ أنَّهُ لا يَفْسَخُ حَجَّهُ في عُمْرَةٍ.

стр. 632

* وقَوْلُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ في حَدِيثِها: (دُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمُ النَّحْرِ بلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذا؟ فقَالُوا: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ البَقَرَ) [١٤٦٩] , تَعْنِي: أَنَّهُ نَحَرَ الهَدْي عَمَّنْ تَمَتَّعَ مِنْ أَزْوَاجِهِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، أَو عَمَّنْ أَرْدَفَ مِنْهُنَّ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةِ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ. وفِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: إبَاحَةُ النَّحْرِ في البَقَرِ، والذَّبْحُ في البَقَرِ مَذْكُورٌ في القُرآنِ (١)، فَالذَبْحُ والنَّحْرُ فِيهَا جَائِزٌ، ومِثْلُ هَذا الهَدْي الذي نَحَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ يَأْكُلُ مِنْهُ الأَغْنِيَاءُ، ويَأْكُلُ مِنْهُ مُهْدِيهِ، والذي لا يَأْكُلُ مِنْهُ مُهْدِيهِ هُوَ جَزَاءُ الصَّيْدِ، وفِدْيَةُ الأَذَى، ونَذْرُ المَسَاكِينَ، ولَهُ أَنْ يَأكُلَ مِنْ هَدْي التَّطَوُعِ إذا بَلَغَهُ مِنَى ونَحَرَهُ، أَو ذَبَحَهُ بِمِنَى، فإنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مَحِلَّهُ ونَحَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ إذًا خَافَ عَلَيْهِ المَوْتَ لَمْ يَأْكُلْ مُهْدِيهِ مِنْهُ، فإنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ، وكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ضَمِنَهُ. * [قالَ] عَبْدُ اِلرَّحْمَنِ: حَدِيثُ حَفْصَةَ حِينَ قَالَتْ للَّنبيِّ ﷺ : "مَا شَانُ النَّاسِ حَلُّوا ولَمْ تَحْلِلْ اْنْتَ مِنْ عُمْرَتك؟ " [١٤٧٠] , فَقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ في هَذا الحَدِيثِ: "وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ" إلَّا مَالِكٌ، والمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ النبيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ أَنَّهُ أَفْرَدَ الحَجَّ، ولَمْ يَتَمَتَّعْ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ. وحَدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ، قالَ: حَدَّثنِي أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ، قالَ: حدَّثنا عَلَيّ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، قالَ: حَدَّثنا أَبو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ، قالَ: حَدَّثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ القَطَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ أَنَّها قَالَتْ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلّوا ولَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: إني لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيِ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلُّ مِنَ الحَجِّ" (٢).

стр. 633

[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَذَكَرَ عُبَيْدُ اللهِ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ نَافع: (مِنْ عُمْرَتِك). وقَدْ حَدَّثنا أَبو مُحَمَّل, القَلْزُمِيُّ بِمِصْرَ (١)، قالَ: حَذَثنا أَحْمَدُ بنُ زيدٍ المَكِّي (٢)، قالَ: حَدَّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيِّ، قالَ: حَدَّثنا [هِشَامُ بنُ سُلَيْمَانَ] (٣)، عَن ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ: "أنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فقَالَتْ حَفْصَةُ: مَا يَمْنَعَكَ أَنْ تَحِلَّ يا رَسُولَ اللهِ؟ فقَالَ: إني لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيِ، فَلَا أَحِلُ حَتَّى أَنْحَرَ الهَدْي" (٤). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَقُلْ ابنُ جُرَيْج فِي هَذا الحَدِيثِ: "مِنْ عُمْرَتِكَ" كَمَا قَالَ مَالِكٌ وعُبَيْدُ اللهِ بنُ [عُمَرَ] (٥)، وقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذا الإخْتِلاَفُ مِنْ قِبَلِ نَافِعٍ لَا مِنْ قِبَلِ مَالِكٍ، كَمَا قَالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّ مَالِكَاً انْفَردَ بهِ (٦).

стр. 634

*-[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدِيثُ جَعْفُرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نحَرَ بَعْضَ هَدْيهِ بيَدِه، ونَحَرَ غَيرُهُ بَعْضَهُ" [١٤٧٢] هَكَذا رَوَى يَحْيى بنُ يَحْيى عَنْ مَالِلب بِهَذا السَّنَدِ، ورَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ، وأَرْسَلَهُ ابنُ وَهْبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيهِ بِيَدِه، ونَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ" (١). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اسْتُحِبَّ أَنْ لا يَنْحَرَ للرَّجُلِ ولَا يَذْبَحُ لَهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ إلَّا مِنْ ضَرَوُرَةٍ، فإنْ فَعَلَ أُجْزِأَ عَنْهُ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قَالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللهِ" [١٤٧٧] وذَكَرَ الحَدِيثَ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَانَتْ هَذِه القِصَّةُ في عُمْرَةِ الحُدَيْبيَّةِ حِينَ صَدَّ المُشْرِكُونَ النبيَّ ﷺ وأَصْحَابَهُ عَنِ البَيْتِ، فَحَلُّوا بِها، وأَمَرَهُمِ ﷺ أَنْ يَحْلِقُوا رُؤُوسَهُم، فتَوقَّفَ بَعْضُهُم عَنِ الحِلاَقِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فحِينَئِذٍ قالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ" قَالَها ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ على أَنَّ حِلاَقَ الرَّأسِ في الحَجًّ والعُمْرَةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، لِدُعَاءِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثلاَثَ مَرَّاتٍ للمُحَلِّقِينَ، ومَرَّة وَاحِدَةً للمُقَصِّرِينَ، والتَّقْصِيرُ: هُوَ أَنْ يُحْلَقَ شَعْرُ الرَّأْسِ كُلِّهِ ويُتْركَ بَعْضَهُ، والحِلاَقُ: أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ كُلَّهُ بالمُوسَى. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دَخَلَ النبيُّ ﷺ مَكَةَ نَهَاراً، دَخَلَ مِنَ الثَّنِتةِ العُلْيَا التِّي بأَعْلَى مَكَّةَ، وَهِيَ التِّي يُقَالُ لَهَا كَدَاءُ -بالفتح- وخَرَجَ مِنَ الثَّنِتةِ السُّفْلَى، وَهِيَ التِّي يُقَالُ لَهَا كُدَاءُ -بالضَّمَ- وهَذا هُوَ المُسْتَحَبّ في دُخُولِ مَكَّةَ أَنْ يَدْخُلَهَا الإنْسَانُ مِنَ الطَرِيقِ الأَعْلَى، وَيخْرُجَ مِنَ الطَرِيقِ الأَسْفَلِ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ المَدِينَةِ، أَو خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ.

стр. 635

قالَ ابنُ نَافِعٍ: ومُبَاحٌ للرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ لَيْلٍ أَو نَهَارٍ، ودَخَلَها النبيُّ ﷺ نَهَارَاً. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَمَرَ مَالِكٌ مَنْ قَصَّرَ بَعْضَ شَعْرِهِ، أَو قَصَّرَ شَعْرَ امْرَأتِهِ ثُمَّ وَطِئَها قَبْلَ تَمَامٍ تَقْصِيرِ شَعْرِه كُلِّهِ أَو شَعْرِهَا كُلِّهَا أَنْ يَهْرِيقَ دَمَاً إذا فَعَلَ ذَلِكَ [١٤٨٥]، مِنْ أَجْلِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَوعِبْ تَقْصِيرَ شَعْرهِ كُلَّه، وذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ بَعْضَ نُسُكِهِ الوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِي بهِ كُلِّهَ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ الدَّمُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، يَذْبَحُ شَاةً ويَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى المَسَاكِينِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُمَرَ: (مَنْ ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ، ولَا تَشَبَّهُوا بالتَّلْبِيدِ) [١٤٨٩] يَعْنِي بِقَوْلهِ: (وَلاَ تَشَبَّهُوا) أَي: لَا تَخْلِطُوا عَلَيْنَا، فإنَّ حُكْمَ التَّضْفِيرِ الحِلاَقُ كَحُكْمِ التَّلْبيدِ، وذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ: "أَنَّ مَنْ لَبَّدَ شَعْرَ رَأْسِهِ فِي حِينِ إحْرَامِهَ أنَّهُ يًحْلِقُهُ إذا حَلَّ" (١)، فَكَذَلِكَ يُلْزَمُ مَنْ ضَفَرَ شَعْرَ رَأْسِهِ الحِلاَقُ، ولَا يَجْزِيهِ التَّقْصِيرُ. وَصِفَةُ التَّلْبيدِ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الصَّمْغَ فَيَحِلُّهُ في المَاءِ ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى شَعْرِ رَأْسِهِ، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ الصَّمْغُ عَلَى الشَعْرِ، ويَصِيرُ كالسَّطْحِ يَمْنَعُ الغُبَارَ أَنْ يَصِلَ إلى جِلْدَةِ الرَّأْسِ، فأَوْجَبَ النبيُّ ﷺ عَلَى مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ الحِلاَقَ، فَكَذَلِكَ أَوْجَبَ عُمَرُ عَلَى مَنْ ضَفَرَ شَعْرَهُ الحِلاَقَ، مِثْلَ المُلَبِّدِ سَوَاءٌ. * * *

стр. 636

بابُ الصَّلَاةِ فِي البَيْتِ، والصَّلاَةِ بِمِنَى وعَرَفَةَ قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَصِحّ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ صَلَّى في دَاخِلِ البَيْتِ فَرِيضَةً قَطُّ، وإنَّمَا صَلَّى فِيهِ نَافِلَةً. قالَ ابنُ عُمَرَ: (وكُنْتُ يَوْمَ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ غيْرَ مُتَوضِّئٍ، فَذَهَبْتُ لأَتَوضَّأَ فتوضَّاتُ ثُمَّ جِئْتُ فَوَجَدْتُ بَابَ الكَعْبةِ مُغْلَقَاً) (١). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ صَلَّى فِيهِ فَرِيضَة مَا أَغْلَقَ البَابَ عَلَى نَفْسِهِ، وانْفَرَدَ فِيهَا بالصَّلَاةِ دُونَ النَّاسِ. قالَ مَالِكٌ: مَنْ صَلَّى فِي البَيْتِ فَرِيضَةً أَعَادَ صَلَاتَهُ في الوَقْتِ، لأنَّهُ مُسْتَدْبِرٌ لِبَعْضِ القِبْلَةِ فَلِذَلِكَ يُعِيدُ صَلَاتَهُ فِي الوَقْتِ. وقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الكَعْبَةِ فَرِيضَةً أنَّهُ يُعِيدُ (٢). قُلْتُ لأَبي مُحَمَّدٍ: يُلْزَمُ مَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الكَعْبَةِ فَرِيضَة أَنْ يُعِيدَ أَبَداً، لأَنَّهُ لَا قِبْلَةَ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَوجَّهَ إليهَا، بِخِلاَفِ مَنْ صَلَّى فِي دَاخِلِ البَيْتِ إذْ بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْضُ القِبْلَةِ، فقَالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: بلْ عَلَيْهِ الإعَادَةُ فِي الوَقْتِ، لأَنَّ الكَعْبَةَ يَنتهِي أَعْلاَهَا إلى السَّمَاءِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ سَالِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ للحَجَّاجِ: (إنْ كنتَ تُرِيدُ أَنْ

стр. 637

تُصِيبَ السُّنَّةَ اليومَ فَاقْصِرِ الخُطْبةَ، وعَجّلِ الصَّلَاةَ) [١٤٩٣]، يَعْنِي: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ التِّي سَنَّهَا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَلَا تُطَوِّلُ في خُطْبَتِكَ، وذَلِكَ أنَّ الحَجَّاجَ كَانَ إذا خَطَبَ طَوَّلَ فِي خُطْبَتِهِ، فقالَ لَهُ سَالِمٌ: افْعَلْ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَصَّرَ الخُطْبَةَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ صَلَّى وَعَجَّلَ الوُقوفَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِمَوْقِفِ عَرَفَةَ للدُّعَاءِ، وصَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ. قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: وَهَذا الحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي المُسْنَدَاتِ مِنَ الأَحَادِيثِ، لِقَوْلِ سَالِمٍ للحَجَّاجِ: (إنْ كنتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ)، يُرِيدُ: السُّنَّةَ التِّي سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ لأُمَّتِهِ. قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: وَصَحَّ بِهَذا الحَدِيثِ للزُّهْرِيِّ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، لأَنَّهُ شَاهَدَ هَذِه القِصَّةَ. قالَ عِيسَى: فِي الحَجِّ ثَلاَثُ خُطَبٍ، أَوَّلُهَا: اليَوْمُ السَّابع مِنَ العَشْرِ، يَخْطُبُ الإمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ بِمَكَّةَ قَبْلَ أنَّ يُصَلِّي الظهْرِ، فَيُعَلِّمُ النَّاسَ كَيْفَ يَخْرُجُونَ إلى مِنَى يَوْمَ التَّرْوِيةِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا قِيلَ لليومِ الثَّامِنِ مِنَ العَشْرِ يَوْمَ التَّرْوِيةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مِنَى كَانَتْ قَبْلَ الإسْلَامِ لَا مَاءَ فِيهَا، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ مَكَّةَ إلى مِنَى ويتَزَوَّدُونَ بالمَاءِ فِي القِرَابِ وَشَبَهِهَا لِيَرْوُوا مِنْهُ بِمِنَى، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ يَوْمُ التَّرْوِيةِ. قالَ عِيسَى: فإذا فَرَغَ الإمَامُ فِي ذَلِكَ اليومِ السَّابع مِنَ الخُطْبَةِ بِمَكَّةَ صَلَّى صَلَاةَ الظهْرِ بالنَّاسِ. قالَ عِيسَى: والخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ يَوْمُ عَرَفَةَ إذَا جَمَعَ الإمَامُ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، يَخْطُبُ بِمُصَلَّى عَرَفَةَ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا كَيْفَ يَقِفُونَ بمَوْقِفِ عَرَفَةَ للدُّعَاءِ، ومَتَى يَدْفَعُونَ مِنَ المَوْقِفِ إلى المُزْدَلِفَةِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بالمُزْدَلِفَةِ، ووَقُوفِهِمْ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ، ودَفْعِهِمْ مِنَ المُزْدَلِفَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ورَمْيهِمْ جَمْرَةَ العَقَبةِ يَوْمَ النَحْرِ، ونَحْرِهِمْ، وحِلاَقِهِمْ،

стр. 638

وَطَوَافِهِمْ للإفَاضَ، وإحْلاَلِهِمْ مِنْ إحْرَامِهِمْ، فإذا فَرَغَ الإمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ هَذِه صَلَّى بِهِم الظُّهْرَ والعَصْرَ، ثُمَّ دَفَعَ بِهِمْ إلى مَوْقِفِ عَرَفَةَ. قالَ عِيسَى: والخُطْبَةُ الثالِثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، يَخْطُبُ الإمَامُ فِي اليومِ الثانِي بِمَسْجِدِ مِنَى قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَاسَ فِيهَا مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ رَمْيِهِمْ، ومَالَهُمْ مِنَ السِّعَةِ فِي التَّعْجِيلِ مِن مِنَى إلى بِلاَدِهِمْ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِهِم الجِمَارِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، ويَأمْرُهُمْ بتمَام مَنَاسِكِهِمْ، ويُعَلِّمُهُمْ بِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَجْرِ، ويَفْتَتِحُ الخُطَبَ كُلَّهَا بالتكبيرِ كَمَا يَفْتَتِحُ فِي خُطْبَةِ العِيدَيْنِ، ويَجْلِسُ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ مِنْهَا، ولِكُل صَلاَة بِعَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ أَذَانٌ وإقَامَةٌ (١). * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ نَزَلَ بالشِّعْبِ الذي بَيْنَ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ فَبَالَ ثُمَّ اسْتَنْجَى بالمَاءِ، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: (الصَّلَاةَ يا رَسُولَ اللهِ) [١٥٠٠]، وذَلِكَ أَنَّهُ ظَن أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسِيَ صَلَاةَ المَغْرِبِ، فَذَكَّرَهُ بِهَا، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ"، فَمَضَى حَتَّى نزلَ المُزْدَلِفَةَ، فتوضَّأَ، وجَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بأَذَانٍ وإقَامَةٍ لِكُلِّ صَلاَةٍ، فَصَارَ الجَمْعُ بِهَا سُنَةً، إلَّا لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لِعُذْرٍ فَقَدْ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّي المَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا، وَالعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا في غَيْرِ المُزْدَلِفَةِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فِي هَذا الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَنْجِي بالمَاءِ عِنْدَ الحَدَثِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى السَّعَةِ فِي وَقْتِ المَغْرِبِ، لأَنَّهُ أَخَّرَهَا إلى وَقْتِ مَغِيبِ الشَّفَقِ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أتَمَّ عُثْمَانُ الصَّلَاةَ بِمِنَى وَلَمْ يُصَلِّهَا صَلَاةَ سَفَرٍ لأَنَّهُ كَانَ اتَّخَذَ أَهْلاً بالطَّائِفِ، فَصَارَ كَالحَضَرِيِّ [١٥٠٥]. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا أتَمَّهَا لأَنَّهُ قَالَ: أَنا خَلِيفَةٌ، فَحَيْثُ مَا كُنْتُ فأَنا فِي عِيَالِي كَالمُقِيمِ فِي أَهْلِهِ.

стр. 639

وقِيلَ لَهُ أَيْضَأ: إنَّهُ إنَّمَا أَتَمَّهَا مِنْ أَجْلِ أنَّ القَصْرَ فِي السَّفَرِ رُخْصَة، فتَرَكَ الرُّخْصَةَ والتَزَمَ التَّمَامَ الذي هُوَ الأَصْلُ، ولَوْ كَانَ القَصْرُ في السَّفَرِ فَرِيضَةً لَوَجَبَ عَلَى مَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ الإعَادَةَ أَبَدَاً. ومَالِكٌ يَقُولُ: إنَّهُ يُعِيدُ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي الوَقْتِ، لِكَي يُوَافِقَ المُسْتَحَبَّ مِنْ فِعْلِ النبيِّ ﷺ ، وأَبي بَكْرٍ، وعُمَرَ.

стр. 640

بابُ التكبِيرِ أيامِ التَّشْرِيقِ، إلى آخِرِ بَابِ إفَاضَةِ الحَائِضِ قالَ اللهُ ﵎: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ [الحج: ٣٦]، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] لَهُ مِنْ مَنَاسِكِ الحَجِّ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: تَكْبِيرُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ اليومَ الثَّانِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَكَانَ يُكَبِّرُ أَوَّلَ النَّهَارِ رَافِعَاً صَوْتَهُ، لِكَي يُشْعِرَ النَّاسَ أَمْرَ التكبِيرِ، وكَذَلِكَ تَكْبيرُهُ بَعْدَ ارْتَفِاعِ النَّهَارِ هُوَ فِي مَعْنَى التكبيرِ الأَوَّلِ، وأَمَّا تَكْبِيرُهُ عِنْدَ الزَّوَالِ فَمَعْنًاهُ لِكَي يَعْرِفَ النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِرَمْيِّ الجَمَارِ فَيَرْمُونَ [١٥١٤]. قالَ: وذَلِكَ أَنَّهُ لَا تُرْمَى الجِمَارُ فِي غَيْرِ يَوْمٍ النَّحْرِ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، ومَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ الرَّمِي بَعْدَ الزَّوَالِ فِي أيَّامِ مِنَى. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ مَالِكٍ: (التَكبيرُ فِي أَيَّامِ التَشْرِيقِ فِي دُبُرِ الصَّلَواتِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) [١٥١٥]. قالَ: (وإنَّمَا يَأْتَمُّ النَّاسُ فِي ذَلِكَ بإمَام الحَاجِّ والنَّاسُ بمِنَى)، يَعْنِي: أَنَّ أَهْلَ الآفَاقِ يَمْتَثِلُونَ تَكْبِيرَ إمَامِ الحَاجِّ بِمِنَى والنَّاَسُ مَعَهُ، فَيُكَبِّرُ أَهْلُ الآفَاقِ بِتَكْبِيرِهِمْ. وقَوْلُهُ في آخِرِ المَسْأَلةِ: (فأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ حَاجَّاً فإنَّهُ لَا يَأْتَمُّ بِهِم إلَّا فِي تَكْبِيرِ أَيَّامِ التّشرِيقِ)، قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ مَالِكٌ بِقَوْلهِ: (فأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ حَاجَّاً) أَيْ: مَنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بالحَجِّ ثُمَّ فَاتَهُ الحَجُّ وجَعَلَ حَجَّهُ عُمْرَةً فإنَّهُ لَا يَأْتَمُّ بأَهْلِ مِنَى في شَيءٍ مِنْ عَمَلِ الحَجِّ إلَّا فِي التكبيرِ دُبُرَ الصَلَوَاتِ خَاصَّةً كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الآفَاقِ كُلهَا.

стр. 641

[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَن انْصَرَفَ اليومَ الرَّابعِ مِنْ مِنَى إلى مَكَّةَ أنْ يَنْزِلَ بأَبْطَحِ مَكَّةَ، وَهُو الذي بِمَقْبَرَةِ مَكَّةَ فِي طَرِيقِ مِنَى، فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَكَذَلِكَ فَعَلَ النبيُّ ﷺ حِينَ انْصَرفَ مِنْ مِنَى إلى مَكَّةَ. * وكَذَلِكَ اسْتَحَبَّ أَيْضَا مَالِكٌ لِمَنْ مَرَّ بِمُعَرَّس النبيِّ ﷺ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ، وَهُو المُعَرَّسُ الذي فِيمَا بَيْنَ ذِي الحُلَيْفَةِ والمَدِينَةِ، فَيُصَلَي فِيهِ مَا بَدَا لَهُ، فإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِي هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ جَمِيعَاً فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ [١٥٢٠]. قَوْلُ مَالِكٍ: لَا يَبِتْ أَحَدٌ مِنَ الحَاجِّ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي مِنَى بِمَكَّةَ، فإنْ فَعَلَ كَانَ عَلَيْهِ الهَدْيُ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: رَخَّصَ النبيُّ ﷺ لِعَمِّه العَبَّاسِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ فِي المَبِيتِ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنَى مِنْ أَجْلِ السِّقَايةِ الَّتي كَانَ يَنْظُرُ فِيهَا، ويَقُومُ عَلَيْهَا، ويَسْقِي شَرَابَهَا الحَاجَّ أَيَّامِ المَوْسِمِ (١)، كَمَا رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإبِلِ فِي المَبِيتِ عَنْ مِنَى لَيَالِي أَيَّامَ مِنَى مِنْ أَجْلِ ضرُورَتهِم وحَاجَتِهِم إلى رَعْي الإبِلِ، وخُرُوجِهِم بِهَا إلى المَرَاعِي الَّتي تَبْعُدُ عَنْ مِنَى، وأَمَّا مَنْ سِوَى هَؤُلاَءِ فَلَا يَبيتُوا لَيَالِيَ مِنَى إلَّا بِمِنَى، فإنْ بَاتَ أَحَدٌ مِنَ الحَاجِّ فِي غَيْرِ مِنَى لَيَالِي مِنَى كَانَ عَلَيْهِ الهَدْي. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا وَقَفَ عُمَرُ للدُّعَاءِ حِينَ رَمَى الجَمْرَةَ الأُولَى الَّتي تَأْتِي [قِبَلَ] (٢) مِنَى، فتَقَدَّمَ أَمَامَهَا، وذَكَرَ اللهَ، لأَنَّهُ مَوْضِع مِنْ مَوَاضِعِ الدُّعَاءِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ عِنْدَ رَمْيهِ للجَمْرَةِ الوُسْطَى، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبةِ حِينَ رَمَاهَا، وَهَذِه السُّنَّةُ المَعْمُولُ بِهَا عِنْدَ رَمِي الجِمَارِ [١٥٢٧]. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ حَصَى الجِمَارِ أكبَرَ مِنْ حَصَى الخَذْفِ قَلِيلاً [١٥٣٠]، لِكَيْ يَسْتكْمِلَ صِفَةَ الجِمَارِ الَّتي يُرْمَى بِها، إذْ قَدْ يُخْذَفُ

стр. 642

بِمِثْلِ الحَبَّةِ والشُّعَيْرَةِ، وأَرَادَ مَالِكٌ بِهَذا تَعْظِيمَ أَمْرِ اللهِ فَيُرْمَى بأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلاً. * وسُنَّةُ رَمْي الجِمَارِ أَنْ يَرْمِيهَا الرَّجُلُ مَاشِيا، وإنَّمَا رَكِبَ مُعَاوِيةُ بنُ أَبي سُفْيَانَ فِي رَمْيهِ إيَّاهَا حِينَ ثَقُلَ، وحَمَلَ اللَّحْمَ، وصَعُبَ عَلَيْهِ المَشْيُ [١٥٣٢]. قالَ عِيسَى: مَنْ رُمِيتْ عَنْهُ الجِمَارُ أَيَّامَ مِنَى مِنْ أَجْلِ مَرَضِهِ وَصَحَّ في آخِرِها أَنَّهُ يَرْمِي مَا رُمِيَ عَنْهُ ويَهْدِي، لانَّةُ وَضَعَ رَمْيَهُ فِي غَيْرِ حِينِه، فَلِذَلِكَ يَهْدِي. * قالَ أحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: أَخْطَا يَحْيى بنُ يحيى فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبي بَكْرِ بنِ حَزْمِ، [عَنْ أَبيهِ] (١) أَنَّ أبا البَدَّاحِ عَاصِمَ بنَ عَدِيِّ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبيهِ: "أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الإبِلِ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ [١٥٣٨] فأَخْطَأ فِي قَوْلهِ: "أَن أبا البَدَّاحِ عَاصِمَ بنَ عَدِي"، وإنَّمَا الصَّحِيحُ فِيهِ: "أَنَّ أبا البَدَّاحِ بنَ عَاصِمِ بنِ عَدِي أَخْبَرَهُ عَنْ أَبيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الإبِلِ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ، وكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُم (٢). قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: وقَدْ حَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ (٣)، عَنْ [ابن] أَبي غَسَّانَ (٤)، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ ثَوْرٍ، عَن ابنِ جُرَيْج، عَنْ مُحَقَدِ بنِ أَبي بَكْرٍ (٥)، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي البَدَّاحِ بنِ عَاصِمِ بنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبيهِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ أرْخَصَ لِرِعَاءِ الإبلِ أَنْ يَتَعَاقَبُوا، فَيَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَدْعُوا يَوْمَاً ولَيْلَةً، ثُمَّ يَرْمُونَ مِنَ الغَدِ" (٦)،

стр. 643

يَعْنِي: يَرْمُوا لليومِ الذي غَابُوا فِيهِ عَنْ مِنَى للرَّعِي، ثُمَّ يَرْمُونَ عَنْ يَوْمِهِم الذي آتَوا فِيهِ مِنْ رَعْيهِم إلى مِنَى. قالَ أَحْمَدُ: وهَذا الحَدِيثُ أَبْيَنُ مِنْ حَدِيثِ المُوطَّأ، لأَنَّهُ لَا يَقْضِي أَحَدٌ شَيْئَاً إلَّا بَعْدَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ، فإذا رَمُوا يَوْمَ النَّحْرِ جَمْرَةَ [العَقَبةِ] (١) ثُمَّ غَابُوا عَنْ مِنَى اليومَ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وأَتَوا اليومَ الثَّالِثِ رَمُوا عِنْدَ الزَّوَالِ عَنِ اليومِ الذي غَابُوا فِيهِ عَنْ مِنَى، وعَنْ يَوْمِهِم ذَلِكَ، فإنْ أَرَادُوا بَعْدَ ذَلِكَ الرَّمْيَ أنْ يَتَعَجَّلُوا إلى بِلاَدِهِم كَانَ ذَلِكَ مُبَاحَاً لَهُم مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ وَهُم بِمِنَى، فإنْ غَابَتِ الشَّمْسُ وَهُم بِمِنَى أَقَامُوا بِهَا حَتَّى يَرْمُوا مَعَ النَّاسِ اليومَ الرَّابعِ عِنْدَ الزَّوَالِ، ونَفَرُوا إلى بِلاَدِهِمْ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِم البَقَاءُ بِمِنَى إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فِي اليومِ الثَّالِثِ وَهُم بِمِنَى قَبْلَ أَنْ يَتَعَجَّلُوا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ اليومُ الذي فِيهِ رُخْصَةُ النَّفْرِ والتَّعَجِيلِ، وحَبَسَتْهُم لَيْلَةُ اليومِ الرَّابِعِ، فَلِهَذا لا يَنْفِرُوا مِنْ مِنَى حَتَّى يَرْمُوا اليومَ الرَّابِعِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا أَوْجَبَ مَالِكٌ الدَّمَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ العَقَبةِ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى غَرُبَتِ لَهُ الشَّمْسُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَضَعَ جَمْرَةَ العَقَبةِ فِي غَيْرِ الوَقْتِ الذي يُرْمَى فِيهِ، فَلَمَّا أَخَّرَهَا يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ وَقْتِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ لِذَلِكَ [١٥٤٢]. * ولَمْ يَاْخُذْ مَالِكٌ فِي هَذه المَسْأَلةِ بِرُخْصَةِ ابنِ عُمَرَ لِصَفِيّهَ حِينَ تَخَلَّفتْ بالمُزْدَلِفَةِ [١٥٤١]، مِنْ أَجْلِ النّفَاسِ حَتَّى غَرُبتِ الشَمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فأَمَرَها ابنُ عُمَرَ حِينَ أَتَتْ هِيَ ومَنْ كَانَ مَعَها بالرَّمِي، ولَمْ يَرَ ابنُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى صَفِيّهَ ولَا عَلى مَنْ كانَ مَعَهَا دَمَاً، وأَخَذَ مَالِكٌ فِي هَذه المَسْأَلةِ وشَبَهِها بِقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ: (مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسِكِه شَيْئاً أو تَرَكهُ فَعَلَيْهِ الدَّمُ) [١٤٨٥]، فَلِهَذا أَوْجَبَ مَاِلكٌ عَلَى مَنْ تَرَكَ رَمْي جَمْرَةَ العَقَبةِ يَوْمَ النَحْرِ وَرَمَاهَا باللَّيْلِ الدَّمَ.

стр. 644

* حَدِيثُ عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ بِعُمْرَةٍ [١٥٤٧]، قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: أَخْطَأ يحيى بنُ يحيى فِي سَنَدِ أحَدِيثِه، (١) عَنْ عَائِشَةَ، ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فأَهْلَلْنَا بِعُمَرَةٍ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى اَخِرِه، وَرَوَاهُ ابنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٢)، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يِحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعَا، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بالبَيْتِ ولَا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ، وامْتَشِطِي، وأَهِلِّي بالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ"، ثُمَّ ذَكَرَ عُرْوَةُ هَذا الحَدِيثَ إلى آخِرِه. * قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: فَجَعَلَ يَحْيَى بنُ يحيى مَتْنَ هَذا الحَدِيثِ فِي سَنَدِ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، وأَخْطَأ في ذَلِكَ، والذي فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "قَدِمْتُ مَكَّةَ وأَنا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بالبَيْتِ، ولَا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِي بالبَيْتِ، ولَا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْور حَتَّى تَطْهُرِي" [١٥٤٩] (٣). قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: وبِهَذا الحَدِيثِ أَخَذَ مَالِكٌ فِي المُعْتَمِرَةِ تَقْدُمُ مَكَّةَ مُوَافِيةً للحَجِّ ثُمَّ تَحِيضُ أَنَّهَا تَهِلُّ بالحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهَا، وتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَرَنَ الحَجَّ والعُمْرَةَ، ويَكُونُ عَلَيْهَا الهَدْيُ.

стр. 645

وحَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مُخَالِفٌ لِهَذا، لأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِرَفْضِ العُمْرَةِ والإحْلاَلِ مِنْهَا". قالَ أَحْمَدُ: وكِلاَ الحَدِيثَيْنِ ثَابِتَانِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، إلَّا أنَّ حَمَّادَ بنَ زَيْدٍ أَدْخَلَ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ شَيْئَاً يُوهَنُ بهِ مَا خَالَفَ فِيهِ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ القَاسِمَ بنَ مُحَمَّدٍ مِنْ رَفْضِ العُمْرَةِ والإحْلاَلِ مِنْهَا، وذَلِكَ مَا حَدَّثنا بهِ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ (١)، قالَ: حَدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ، قالَ: حَدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ موَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : مَنْ شَاءَ أنْ يَهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيَهِلَّ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَهِلَّ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَج، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، قَالَتْ: فَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إذا كُنْتُ بِسَرِفٍ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وأَنَا أَبْكِي، فقالَ: مَا شَانُكِ؟ فَقَالتْ (٢): وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَخْرُجِ العَامَ"، وذَكَرتْ لَهُ مَحِيضَها، قالَ عُرْوَةُ: فَحَدَّثنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لَهَا: "دَعِي عُمْرَتكِ وانْقُضِي رَأْسَكِ، وامْتَشَطِي، وافْعَلِي مَا يَفْعَلُ المُسْلِمُونَ فِي حَجِّهِم، قَالَتْ: فأَطَعْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الصَّدْرِ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبي بَكْرٍ فأَخْرَجَهَا إلى التَّنْعِيمِ، فأَهَلَّتْ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ" (٣). قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: فَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ عُرْوَةَ بَيَانُ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لِعَائِشَةَ: (دَعِي عُمْرَتك، وانْقُضِي رَأْسَكِ، وامْتَشِطِي) لَمْ

стр. 646

يُحَدِّثْ بهِ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ، وإنَّمَا قَالَ: فَحَدَّثنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: "دَعِي عُمْرَتكِ" وهَذِه عِلَّةٌ فِي هَذا الحَدِيثِ، ولَمْ يَخْتِلَفْ فِي حَدِيثِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِ النبيِّ ﷺ لها: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِي بالبَيْتِ، ولَا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ حَتَّى تَطْهُرِي". قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: وبِهَذا الحَدِيثِ أَخَذَ مَالِكٌ فِي المَرْأَةِ تَقْدُمُ مَكَةَ، وتَدْخُلَها بِعُمْرَةٍ، فتَحِيضُ قَبْلَ طَوَافِهَا بالبَيْتِ وسَعْيِهَا أنَّهَا تَهِلُّ بالحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهَا، وتَكُونُ قَارِنَةً بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ. وأَخَذَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِمَا فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَرْفُضُ العُمْرَة (١)، وتَنْقُضُ رأَسْهَا، وتُنْشِيءُ الحَجَّ مِنْ مَكَّةَ، وتَكُونُ عَلَيْهَا بَعْدَ تَمَامِ حَجِّهَا إعَادَةُ العُمْرَةِ التَي تَرَكَتْهَا والهَدْيُ (٢). قالَ أَحْمَدُ: ومَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لَها قَضَاءَ تِلْكَ العُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أَئهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : "يا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ صَوَاحِبي بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ وأَرْجِعُ أَنا بالحَجِّ، فأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبي بَكْرٍ فأَعْمَرَهَا مِنَ التنْعِيمِ لِيُطَيِّبَ بِذَلِكَ نَفْسَهَا" (٣). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فِي هَذا مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ أَحَداً لا يَهِل بِعُمْرَةٍ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وإنَّمَا يَهِلُّ بِهَا مِنَ الحِلِّ، وأَنَّ المَرْأةَ لَا تَخْرُجُ إلى سَفَرٍ وإنْ قَلَّتْ مَسَافتهُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّهُ قالَ: (لَا تَنْفِرُ الحَائِضُ مِنْ

стр. 647

مَكَّةَ وإنْ كَانَتْ قَدْ طَافَتْ طَوَافَ الإفَاضَةِ حَتَى تَطُوفَ بالبَيْتِ طَوَافَ الوَدَاعِ) (١)، وكانَ طَوَافُ الوَدَاعِ عِنْدَ ابنِ عُمَرَ وَاجِبَاً، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَذا مَالِكٌ، وأَخَذَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: (أَنَّ المَرْأةَ إذا طَافَتْ طَوَافَ الإفَاضَةِ ثُمَّ حَاضَتْ أَنَّهَا تَنْفِرُ إلى بَلَدِهَا وتَتْرُكُ طَوَافَ الوَدَاعِ)، وَبِمِثْلِ هَذا قالَ ابنُ عَبَّاسٍ أَنَّهَا إذا أَفَاضَتْ ثُمَّ حَاضَتْ أَنَّهَا تَنْفِرُ إلى بَلَدِهَا إنْ شَاءَتْ (٢). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وفِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ بَيَانُ هَذا، وذَلِكَ أَنَّهَا حَاضَتْ بَعْدَما طَافَتْ طَوَافَ الإفَاضَةِ، فَذَكَرتْ حَيْضَتَها لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: "أَحَابسَتُنَا هِي؟ " [١٥٥٤]، يَعْنِي: أَتَحْبسَنَا عَنِ الرَّحِيلِ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا، وتَطُوَفَ بالبَيْتِ طَوَافَ الإفَاضَةِ، فَقِيلً لَهُ: إنَّهَا قَدْ أَفَاضتْ، قالَ: "فَاخْرُجْنَ إذاً". فَبَيَّنَ ﷺ فِي هَذا الحَدِيثِ أَنَّ طَوَافَ الوَدَاعِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وأَن الفَرْضَ هُوَ طَوَافُ الإفَاضَةِ، وأنَّ الحَائِضَ إذا حَاضَتْ بَعْدَهُ خَرَجَتْ إلى بَلَدِهَا وتَرَكَتْ طَوَافَ الوَدَاعِ، ولِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ في حَدِيثِها: (ونَحْنُ نَذْكرُ ذَلِكَ، فَلِمَ يَقُدِّمُ النَّاسُ نِسَاءَهُمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُن؟) [١٥٥٧]، يَعْنِي: نحْنُ نَذْكُرُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "اخْرُجْنَ إذاً". ونَحْتَجُّ بِذَلِكَ فِي هَذِه المَسْأَلةِ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ المَرْأةَ إذا حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الوَدَاعِ أَنَّهَا تُقِيمُ حَتَى تَطُهُرَ ثُمَّ تَطُوفَ للوَدَاعِ، وكَذَلِكَ تَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ (٣). وحَدِيثُ النبيِّ ﷺ يُبيِّنُ أَنَّهَا تَخْرُجُ وتترُكُ طَوَافَ الوَدَاعِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: (ولَوْ كَانَ قَوْلَ الذي يَقُولُونَ حَقَّا لأَصْبَحَ بِمِنَى أَكثَرُ مِنْ سِتَّةِ آلافِ امْرَأةٍ حَائِضٍ كُلُّهُنَّ قَدْ أَفَضْنَ)، يَعْنِي: لَو كَانَ قَوْلَ الذي يَقُولُ: لاَبُدَّ للحَائِضِ أَنْ تَبْقَى بِمَكَّةَ حَتَّى تَطُوفَ للوَدَاعِ حَقَّاً، لَبَقِيَ مِنَ النِّسَاءِ بِمَكَةَ كَثيرٌ، كُلُهُن قَدْ أَفَضْنَ يَنتظِرْنَ الطُّهْرَ ثُمَّ

стр. 648

يَطُفْنَ بَعْدَ ذَلِكَ للوَدَاعِ، فَهُنَّ لا يَبْقِينَ لِذَلِكَ، لأَنَّ النَّاسَ قَدَّمْنَهُن يَوْمَ النَّحْرِ، فَطُفْنَ طَوَافَ الإفَاضَةِ خِيفَةَ حَيْضِهِنَّ فَلِهَذا انتفَعَنَ بِطَوَافِ الإفَاضَةِ، وخَرَجْنَ إلى بِلاَدِهِنَّ، وتَرَكْنَ طَوَافَ الوَدَاعِ الذي لَيْسَ بِفَرْضٍ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ذَكَرَ ابنُ بُكَيْبر فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ (١): "أَن أُمَّ سُلَيْمِ بنْتِ مِلْحَانَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وحَاضَتْ، أَو وَلَدَتْ بَعْدَما أَفَاضَتْ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، فأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَرَجَتْ" [١٥٥٨]، يَعْنِي: خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ ولَمْ تَطُفْ طَوَافَ الوَدَاعِ. * قالَ مَالِكٌ: (وإذا حَاضَتِ المَرْأةُ بِمِنَى قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ للإفَاضَةِ فإنَّهَا تُقِيمُ حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَطُوفَ بالبَيْتِ للإفَاضَةِ، وَيُحْبَسُ عَلَيهَا كَرِيُّهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَحْبِسُ الحَائِضَ الدَّمُ، حَتَّى تَطُوفَ طَوَفَ الإفَاضَةِ، ثُمَّ يَخْرُجَ بِهَا إلى بِلاَدِهَا، ولَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُعِينَهُ فِي العَلَفِ) [١٥٥٩ - ١٥٦٠] (٢). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الاَنَ فَلَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا كَرِيُّهَا، ويُفَاسِخُهَا الكِرَاءَ، لِتَغَيُّيرِ الحَالِ وفَسَادِ النَّاسِ، وتَبْقَى هِيَ بِمَكَّةَ، لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى تَطُوفَ طَوَافَ الإفَاضَةِ ثُمَّ تَخْرُجُ. * * *

стр. 649

بابُ فِدْيةِ مَا أُصِيبَ مِنَ الطَّيْرِ والوَحْشِ * رَوَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ أَبي الزُّبَيْرِ المَكّي، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ: (أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قَضَى فِي الضَّبْعِ بِكَبْشٍ، وفِي الغَزَالِ بِعَنْزٍ، وفِي الأَرْنَبِ بعَنَاقٍ، وفِي اليَرْبُوعِ بجَفْرَةٍ) [١٥٦٢١]، ولَمْ يَرْوِ يحيى بنُ يَحْيىَ في سَنَدِ هَذَا اَلحَدِيثِ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ، والصَّحِيحُ كَمَا رَوَاهُ ابنُ بُكَيْرٍ (١). والعَنَاقُ والجَفْرَةُ: الصَّغِيرُ مِنْ أَوْلاَدِ المَعْزِ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ العَمَلُ عَلَى قَضَاءِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فِي الأَرْنَبِ واليَرْبُوعِ بالعَنَاقِ والجَفْرَةِ، لأَنَّهُمَا الصَّغِيرَانِ مِنْ أَوْلاَدِ المَعْزِ، ولَيسَ يُحْكَمُ في جَزَاءِ شَيءٍ مِنَ الصَّيْدِ عَلَى المُحْرِمِ بِدُونِ المُسِنِّ مِنَ الضَّأْنِ، ومَا لَمْ يَبْلُغْ جَزَاؤُهُ ذَلِكَ، وإنَّمَا هُوَ طَعَامٌ أو صِيَامٍ، يُنْظَرُ إلى مَا يُسَاوِي المُفْدَى مِنَ الطَّعَامِ، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّاً مِنْ طَعَامٍ بِمُدِّ النبيِّ ﵇، أَو يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمَاً كَامِلاً، ويَصُومُ لِكَسْرِ المُدِّ يَوْمَاً كَامِلاً، وهَكَذا العَمَلُ فِي مِثْلَ هَذا. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الرَّجُلُ الذي سأَلَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فقَالَ: (إني أَجْرَيْتُ أَنا وصَاحِبٍ لِي فَرَسَيْنِ، نَسْتَبِقُ إلى ثَغْرَة ثَنِيّهٍ) [١٥٦٣]، يَعْنِي: أَجْرَيْنَا فَرَسَيْنِ إلى ثُلْمَةٍ فِي هَذا الجَبَلِ، هَذَا الرَّجُلُ هُوَ قَبِيصَةُ بنُ جَابِرٍ [الأَسَديُّ] (٢) وإنَّمَا حَكَمَ عَلَيْهِ عُمَرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ بِجَزَاءِ الظَّبْي الذي لَمْ يَقْصِدْ إلى

стр. 650

قَتْلِهِ مِنْ أَجْلِ أنَّ الأَجْرَاءَ كَانَ مِنْ سَبَبهِ، فَلِذَلِكَ أَوجَبَا عَلَيْهِ الجَزَاءَ. وقالَ ابنُ مُزَيْنٍ: عَبْدُ المَلِكِ بنُ قُرَيْبٍ الذي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ هَذِه القِصَّةَ هُوَ الأَصْمَعِيُّ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ هُوَ الأَصْمَعِيُّ، لأَنَّ الأَصْمَعِيَّ لَمْ يُدْرِكْ مُحَمَّدَ بنَ سِيرِينَ، ولَا رَوَى عَنْهُ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَوْجَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ الجَزَاءَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً. ومَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ حِينَ سَمِعَهُ يَقُولُ: (هَذا أَمِيرُ المُؤْمنِينَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ظَبْي حتَّى دَعَا رَجُلاً فَحَكَمَ مَعَهُ)، فكأَنَّهُ [اسْتَصْغَرَهُ] (١) فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا فَهِمَ عُمَرُ مَعْنَى مَا قَالَ سأَلهُ: (هَلْ تَقْرأُ سورَةَ المَائِدَةِ؟ فَقَالَ لَهُ: لَا)، فَحِينَئِذٍ قَالَ: (لَوْ أَخْبَرْتَنِي أنَّكَ تَقْرأُهَا لأَوْجَعْتك ضَرْباً)، يَعْنِي: كَنْتُ أَضْرِبُكَ لِقِرَاءَتِكَ القُرانَ بِغَيْرِ تَفَقُّهٍ، ثُمَّ عَذَرَهُ بِجَهْلِهِ، وأَعْلَمَهُ أَنَّ اللهَ أَمَرَ أَنْ يَحْكُمَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى مَنْ قتَلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ حَكَمَانِ، ويَكُونَانِ عَدْلاَنِ، ولِذَلِكَ قالَ لَهُ: (وهَذا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُرْوَةَ: (فِي البَقَرَةِ مِنَ الوَحْشِ إذا قَتَلَها المُحْرِمُ بقَرَةً، وفِي الظَّبْي شاةٌ) [١٥٦٤]، وهَذا هُوَ المِثْلُ الذي قَالَ اللهُ ﵎: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. * قالَ مَالِكٌ: (ولَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أنَّ فِي النَّعَامَةِ إذا قَتَلَها المُحْرِمُ بَدَنَةً، وأَنَّ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ عُشْرُ ثَمَنِ النَّعَامَةِ، كمَا يَكُونُ فِي الجَنِينِ عُشْرُ دِيةِ أُمِّه الحُرَّةِ) [١٥٦٧ و ١٥٦٨]، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ المُوَطَّأ: (أَنَّ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ عُشْرُ ثَمَنِ البَدَنَةِ) (٢)، ولَمْ يَرْوِ هَذا ابنُ بُكَيْرٍ، ولَا يحيى بنُ يَحْيىَ.

стр. 651

قالَ مَالِكٌ: الحُكْمُ أَبَداً مُسْتَأْنَفٌ فِي كُلِّ شَيءٍ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ المِثْلُ، وفِيمَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِثْلٌ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حُكْمُ مَنْ قَتَلَ صَيْداً وَهُوَ مُحْرِمٌ أَنْ يَقْصِدَ فَقِيهَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ فُقَهَاءِ المُسْلِمِينَ، فَيُخْبِرُهُمَا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ، فَيُخْبِرانِهِ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِمَا يُرِيدَانِ يَحْكُمَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فإنْ قَالَ: احْكُمَا عَلَيَّ بالمِثْلِ، حَكَمَا عَلَيْهِ بِجَزَاءِ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَبْلُغُهُ مَكَّةَ ويَنْحَرُهُ، أو يَذْبَحُهُ بِهَا ويُطْعِمُهُ المَسَاكِينَ، كَمَا قالَ اللهُ ﵎: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وإنْ قالَ: احْكُمَا عَلَيَّ بالطَّعَامِ، نُظِرَ إلى قِيمَةِ المُفْدَى مَا يُسَاوِي مِنَ الطَّعَامِ، فأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّاً مِنَ ذَلِكَ الطَعَامِ، وإنْ قَالَ: احْكُمَا عَلَيَّ بالصِّيَامِ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍ مِنْ عَدَدِ الطَّعَامِ يَوْماً، وصَامَ لِكَسْرِ المُدِّ يَوْماً كَامِلاً مِثْلَ أَنْ يَكُونَ المُفْدَى يُسَاوِي عَشَرَةَ أَمْدَادٍ ونِصْفَ مُدٍّ، فَاخْتَارَ المَحْكُومُ عَلَيْهِ الصِّيامَ، فإنَّهُ يَصُومُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمَاً، إذ لا يَتَبَعَّضُ صِيامُ اليَوْمِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ لِكَعْبٍ حِينَ أَمَرَ الذي قتَلَ جَزَاءَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فقالَ كَدْب: (عَلَيْكَ دِرْهَمٌ) [١٥٧٣]، فقالَ لَهُ عُمَرُ: (إنَّكَ لَتَجِدُ الدَّرَاهِمَ، لَتَمْرَةٍ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ)، يُرِيدُ بِقَوْلهِ: (إنَّكَ لَتَجِدُ الدَّرَاهِمَ)، أَي: إنَّكَ صَاحِبُ دَرَاهِمَ تَتَسَخَّا بِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، ثُمَّ أَفْتَى عُمَرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَنْ يَطْعَمَ عَنِ الجَرَادَةِ التي قتَلَهَا فِي حَالِ إحْرَامِهِ شَيْئاً مِنَ الطَّعَامِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: (تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ). وقَالَ لرجُلٍ قَتَلَ جَرَادَاتٍ بِسَوْطِهِ: (أَطْعِمْ قَبْضةً مِنْ طَعَام) [١٥٧٢]. * قالَ أَبو عُمَرَ: كَعْب هَذا هُوَ غَيْرُ كَعْبِ الأَحْبَارِ الذي جَعَلَ الجَرَادَ فِي أَوَّلِ هَذا الكِتَابِ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ حِينَ قالَ: (إنَّمَا هُوَ نَثْرَةُ حُوتٍ يَنْثُرُهُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ) [١٢٨٤]، فَلَمْ يَجْعَلْ فِيهِ جَزَاءً. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَعْب المَذْكُورُ هَهُنَا هُوَ كَعْبُ الأَحْبَارِ، وهَذا خِلاَفُ قَوْلهِ

стр. 652

أَوَّلاً أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ الذي لَا جَزَاءَ فِيهِ، وجَعَلَ فِيهِ هَهُنَا الجَزَاءَ، لأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ صَيْدِ البَرِّ، [فَاخْتَلَفَ] (١) فِيهِ قَوْلُهُ. وبِقَوْلِ عُمَرَ أَخَذَ مَالِكٌ فِي الجَرَادِ إذا قتَلَهَا الُمحْرِمُ أَنْ عَلَيْهِ جَزَاءَ مِثْلِ مَا قتَلَ، لأَنَّ الجَرَادَ مِنْ صَيْدِ البَرِّ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ، عَن [ابن، (٢) أَبي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ [١٥٧٥]، لَيْسَ يَرْوِي أَهْلُ المَدِينَةِ هَذا الحَدِيثَ إلَّا عَنِ الكُوفيِينَ. وقالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلِ المَدِينَةِ يَحْتَاجُونَ فِي السُّنَنِ إلى غَيْرِهِمْ كَمَا يَحْتَاجُ غَيْرُهُم فِيهَا إليهِم. قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: ولَيْسَ هَذا كَمَا قَالَ هَذا القَائِلُ، وذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ هَذا الحَدِيثِ مَدَنِيّ، وكَعْبُ بنُ عُجْرَةَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، رَوَاهُ عَنِ النبيِّ ﷺ حِينَ أَفْتَاهُ بِحَلْقِ رَأْسِهِ، وأَمَرَهُ بالفِدْيةِ، ثُمَّ رَحَلَ بَعْدَ ذَلِكَ كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ مِنَ المَدِينَةِ إلى الكُوفَةِ، فَحَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثِ فِي الكُوفَةِ، ثُمَّ رَجَعَ الحَدِيثُ إلى أَهْلِ المَدِينَةِ كَمَا خَرَجَ عَنْهُم إلى الكُوفَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلى أَهْلِ المَدِينَةِ فِي السُّنَنِ والآثاَرِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَتْ قِصَّةُ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ فِي عُمْرَةِ الحُدَيْبيَّةِ، ولَمْ يَأمُرْهُ النبيُّ ﷺ بِطَرْحِ القَمَلِ مِنْ رَأْسِهِ، وإنْ كَانَتْ قَدْآذَتْهُ وكَثُرَتْ فِي رَأسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا مِنْ دَوَابِّ ابنِ آدَمَ. ومِنْ هَذا الحَدِيثِ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَطْرَحَ الرَّجُلُ عَنْ بَعِيرِه القُرْدَانَ، لأَنَّهَا مِنْ دَوَابِّ البَعِيرِ، وأَمَرَ النبيُّ ﷺ كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ بِحِلاَقِ رَأْسِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ أَذِيَّةِ

стр. 653

القَمَلِ، كَمَا قالَ اللهُ ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، يَعْنِي: مَنْ كَانَ بهِ أَذَى مِنْ رَأْسِهِ فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ الفِدْيةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ تَفْسِيرُ الفِدْيَةِ لِمَنْ أَمَاطَ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئَاً. * قالَ مَالِكٌ: (لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِيمَا قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الحَرَمِ شَيْئَاً) [١٥٩١]. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الحَرَمِ شَيْئَاً أنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ أَثِمَ فِي قَطْعِهِ إيَّاهَا وأَخْطَأ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُعْضَدَ شَجَرُ مَكَّةَ، أَيْ يُكْسَرُ أَو يُقْطَعُ. وقالَ غَيْرُ أَهْلِ المَدِينَةِ: مَنْ قَطَعَ شَيْئَا مِنْ شَجَرِ الحَرَمِ أنَّ عَلَيْهِ الفِدْيةَ فِي الشَّجَرَةِ الكَبيرَةِ على قَدْرِهَا، وفِي الصَّغِيرَةِ عَلَى قَدْرِهَا، يُنْظَرُ إلى قِيمَةِ مَا كَسَرَ، فَيُطْعِمُ المَسَاَكِينَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ (١). * * *

стр. 654

بابُ جَامِع الحَجِّ، إلى آخِرِ كِتَابِ الحَجِّ * قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْروِ بنِ العَاصِ: "وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للنَاسِ بمِنَى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ يَسْألونَهُ، فَجَاءَ رَجُل فقَالَ: يا رَسُولُ اللهِ، لَمْ أَشعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قالَ: اذْبَحْ ولَا حَرَجَ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى قَوْلهِ: "فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَيء قُدِّمَ ولَا أُخِّرَ إلَّا قالَ: افْعَلْ ولَا حَرَجَ" [١٥٩٤]، قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أَفْتَى النبيُّ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ قَدْ وَقَعَا فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ، وفِيمَنْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ، فأمَرَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَخرَهُ مِنْ ذَلِكَ، ولَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. ومَذْهَبُ مَالِكٍ وفتيَاهُ أَنهُ لَا يَحْلِقُ أَحَدٌ رَأْسَهُ حَتَى يَنْحَرَ هَدْيهُ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، يَعْنِي: حَتَى يَنْحَرَ الهَدْي بِمِنَى، فإنَّ حَلَقَ أَحَدٌ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "اذْبَحْ ولَا حَرَجَ". قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: ومَعْنَى قَوْلِ المُحَدِّثِ: "فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَيءٍ قُدّمَ ولَا اخّرَ إلَّا قالَ: افْعَلْ ولَا حَرَجَ"، يُرِيدُ: مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَقْدِيمُ والتأخِيرُ، وأَمَّا مَنْ حَلَقَ رَأْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبةَ فَعَلَيْهِ الفِدْيةُ، وُيمِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ المُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الحَكَمِ: مَنْ طَافَ طَوَافَ الإفَاضَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَلْيَرْمِي، ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُعِيدُ طَوَافَ الإفَاضَةِ. قالَ: ومَنْ طَافَ للإفَاضَةِ قَبْلَ الحِلاَقِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ أَنَّهُ

стр. 655

يَحْلِقُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُعِيدُ طَوَافَ الإفَاضَةِ، فإنْ لَمْ يَعُدْ طَوَافَ الإفَاضَةِ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَدْ طَافَ (١). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ للمَرْأةِ الَّتي سَألَتْهُ عَنِ الصَّبِيِّ الَّتي حَجّتْ بهِ، فَقَالَتْ: "أَلِهَذَا حَجّ؟ فقَالَ: نَعَمْ ولَكِ أَجْر" [١٥٩٦]، يُرِيدُ ﷺ بقَوْلهِ: "نَعَمْ"، أَيْ: إنَّهُ يُؤْجَرُ الصَّبِي عَلَى حَجِّهِ كَمَا يُؤْجَرُ فِي صَدَقَتِهِ إذا تَصَدَّقَ بِهَا، وعَلَى زَكَاةِ مَالِهِ الَّتي تُؤْخَذُ مِنْهُ إذا وَجَبتْ عَلَيْهِ، وعَلَى وَصِيَّتِهِ التّي يُوصِي بِهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ فتخْرَجُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتهِ. ومَعْنَى قَوْلهِ للمَرْأةِ: "ولَكِ أَجْر"، يَعْنِي: أَنَّهَا تُؤْجَرُ فِيمَا تَمَوَّنَتهُ مِنْ مُعَاوَنَتِهَا لَهُ عَلَى أَعْمَالِ الحَجِّ، غَيْرَ أَنَّ فَرْضَ الحَجّ بَاقٍ عَلَيْهِ إذا بَلَغَ، وكَانَ مِنْ أَهْلِ الاسْتَطِاعَةِ، وذَلِكَ أَنْ ببُلُوغِ الحُلُمِ مِنَ الصِّبْيَانِ، والحَيْضِ مِنَ النّسَاءِ تَلْزَمُهُم الفَرَائِضُ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، فلِهَذا كَانَ حَجُّ الصَّبِيِّ قَبْلَ بُلُوغِهِ تَطَوُّعَاً لَا يُجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الإسْلَامِ، لأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي شَيءٌ قَبلَ وَقْتِهِ وقَبْلَ وُجُوبهِ، وكَذَلِكَ لَا يُجْزِي حَجُّ العَبْدِ قَبْلَ عِتْقِهِ، لأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِطَاعَةِ سَيِّدِه، ولَا يَقْدِرُ عَلَى مَالي يَحُجُّ بهِ، إذ للسيِّدِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ مَتَى أَحَبَّ، وقَدْ حَجَّ النبيُّ ﷺ بأَزْوَاجِهِ ولَمْ يَحُجّ وَلَدُهُ، فَلَا يُلْزَمُ العَبْدُ الحَجَّ حَتَّى يُعْتَقَ، فإذا عُتِقَ وَقَدْ أَحْرَمَ بالحَجّ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُ مَا دَخَلَ فِيهِ، لِقَوْلهِ تَعَالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَمَنْ دَخَلَ في شَيءٍ مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ لَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى سُنَّتِهِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: انْفَرَدَ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيّ بِحَدِيثِ المِغْفَرِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ وعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ" [١٥٩٩]. وَرَوى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِفي، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ المَكّي، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ: "أنَ النبيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَةَ وعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، ولَمْ يَكُنْ

стр. 656

رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمَاً" (١)، وهَذَا خَاصٌّ لَهُ ولِمَنْ دَخَلَها مَعَهُ ذَلِكَ اليوم، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: "إن مَكَةَ لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، ولَا تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وإنَّمَا أحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ" (٢). ولِهَذا قالَ مَالِكٌ: إنَّ أَحَدأ لا يَدْخُلُ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمَاً بحَج أو عُمْرَةٍ، وكَانَ الزُّهْرِيّ يُرَخِّصُ فِي فىُ دخُولهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ أَيضاً مَالِكٌ للحَطَّابِينَ، وأَصْحَابِ الفَوَاكِهِ والأَطْعِمَةِ الذينَ يُكْثِرُونَ الإخْتِلاَفَ إلى مَكَّةَ، فقَالَ: لَا بَاْسَ أَنْ يَدْخُلُوهَا بغَيْرِ إحْرَام، لأَنَّ ذَلِكَ يَكْثُرُ مِنْهُم، فَلَو أُلْزمُوا الإحْرَامَ كُلَّمَا جَاؤُهَا لَشُقَّ بهِ عَلَيهِم (٣). إنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ ابنِ خَطَل بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمَّنْ أَهْلَ مَكَّةَ بِقَوْلهِ ﷺ : "مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ"، ثُمَّ قَتَلَ ابنَ خَطَلٍ لأَنَّهُ كَانَ يَهْجُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ويُؤْذِيهِ، فَكَانَ عَدُواً للهِ ولِرَسُولهِ، وهَذا أَصْلٌ فِي إقَامَةِ الحُدُودِ بِمَكَّةَ، وهذا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ الحُدُودَ لَا تُقَامُ بِمَكَّةَ (٤)، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمرانْ ٩٧]، وهَذا مَنْسُوخ، نَسَخَهُ نُزُولُ القُرْآنِ بإقَامَةِ الحُدُودِ عَلَى مَنْ أَصَابَهَا، فأَمَرَ اللهُ بقَطْعِ السَّارِقِ، وجَلْدِ الزَّانِي، وقَتْلِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ القَتْلُ، ولَمْ يَخُصَّ بُقْعَةً دُون بُقعَبة ولِهَذا قتَلَ النبيّ ﷺ ابنَ خَطَلٍ بِمَكَّةَ. وهَذا حُكْمُ كُلِّ مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَو قَالَ: إنَّ ثَوْبَهُ أو إزَارَهُ وَسِخٌ أَنْ يُقْتَلَ، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ كُلِّه الإزْرَاءَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فحُكْمُهُ القَتْلُ. وكَذَلِكَ لَا حَظَّ فِي شَيءٍ مِنَ الفَيءِ، ولَا سَهْمَ لِمَنْ سَبَّ وَاحِدَاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْ جَمِيعِ أَصْحَابهِ.

стр. 657

* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: (إذا كنتَ بينَ الأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنَى) [١٦٠٢]، يَعْنِي: إذا كُنْتَ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي مَشْرِقِ مِنَى وَغَرْبِها، الذي بَطْنُ وَادِي مِنَى بَيْنَهُمَا، (فإنَّ هُنَاكَ وَادِيَاً يُقَالُ لَهُ الشُرَرُ، بهِ سَرْحَة سُرَّ تَحْتَها سَبْعُونَ نَبِيَّاً)، السَّرْحَةُ: الشَّجَرَةُ العَظِيمَةُ مِنْ شَجَرِ الصُّنُوبَرِ أو غَيْرِهَا. وقَوْلُهُ: (سُرَّ تَحْتَها سَبْعُونَ نَبِيَّا)، يَعْنِي: بُشِّرُوا بالنُبُّوةِ وَهُمْ تَحْتَها فَسُرُّوا بِذَلِكَ، وقِيلَ: وُلِدُوا تَحْتَهَا وقُطِعَتْ سُرَرُهُمْ تَحْتَها، فَدَلَّ بِهَذا عَلَى أَنَّ مِنَى بُقْعَة مُبَارَكَة، لَا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا بإتْيَانِهَا، وفِيهَا تُرْمَى الجِمَارُ، وتُنْحَرُ الهَدَايا، وتُحْلَقُ الرُّؤُسُ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا نَهَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ المَجْذُومَةَ عَنِ الطَّوَافِ بالبَيْتِ [١٦٠٣] مِنْ أَجْلِ أَئهَا تُؤْذِي النَّاسَ بِرَائِحَتِهَا، ونَظَرِهِم إليهَا، ولِهَذا الحَدِيثِ مُنِعَ الجَذْمَاءُ مُشَاهَدَةَ الجَمْعِ فِي الجَوَامِع [مع] (١) النَّاسِ. وقَوْلُهَا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ: (مَا كنتُ لأَطيعُهُ حَيَّاً وأَعْصِيهِ مَيْتاً)، فِيهِ بَيَانُ: أَنَّ مَنْ أَمَرَهُ إمَام عَادِلٌ بأَمْرٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْتَزِمَهُ فِي حَيَاةِ الآمِرِ وبَعْدَ مَمَاتِهِ، إذْ الحَقُّ لَا يَمُوتُ بِمَوتِ الآمِرِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَقَعَ فِي مُوَطَّأ ابنِ بُكَيْرٍ: مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: (مَابَيْنَ الرُّكْنَيْنِ والبَابِ المُلْتَزَمُ) (٢)، وَوَقَعَ فِي رِوَايةِ يَحْيَى بنِ يَحْيَى: (مَا بَيْنَ الزُكْنِ والمَقَامِ المُلْتَزَمُ) [١٦٠٤]. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: رِوَايةُ يَحْيَى بنِ يحيى فِي هَذا صَحِيحَة، وذَلِكَ أَنَّ المَقَامَ كَانَ أَوَّلأ مُلْصَقَاً بالبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَنْ أَصْلِ حَائِطِ البَيْتِ إلى المَكَانِ الذي هُوَ فِيهِ اليَوْمَ، فَكَانَ المُلْتَزَمُ حِينَئِذٍ فِيمَا بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقَامِ، فَلَمَّا أُزِيلَ المَقَامُ عَنْ مَوْضعه الذي كَانَ فِيهِ صَارَ المُلْتَزَمُ فِيمَا بَيْنَ الرُّكْنِ والبَابَ.

стр. 658

[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا أَخرَ عُمَرُ المَقَامَ عَنْ أَصْلِ جِدَارِ البَيْتِ، وجَعَلَهُ فِي المَوْضِعِ الذي هُوَ فِيهِ الاَنَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَذْهَبَ بهِ السَّيْلُ عِنْدَ كَثْرَةِ المَطَرِ، فَيَنْحَدِرُ المَاءُ مِنْ جبَالِ مَكَّةَ، ويَشُقُّ صَحْنَ المَسْجدِ فَلِهَذا أَخَّرَهُ عَنْ مَوْضِع السَّيْلِ. ومَعْنَى المُلْتَزَم أَنَّهُ مَوْضِعٌ يُلْتَزَمُ الوُقُوفُ فِيهِ للدُعَاءِ، وَهُوَ مِنْ مَوَاضِع الدُّعَاءِ، وقَدِ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ الدّعَاءَ عِنْدَهُ، وَهُوَ بِقُرْبِ الرّكْنِ الذي فِيهِ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنْ نَاحِيةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ، فِيمَا بَيْنَ الرُّكْنِ وبَابِ الكَعْبَةِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ أَبي ذَرٍّ للرَّجُلِ القَاصِدِ للحَج: (هَلْ نَزَعَكَ غَيْرُهُ؟) [١٦٠٥]، يَعْنِي: هَلْ خَرَجْتَ مِنْ بَلَدِكَ لِغَيْرِ الحَجّ، فقالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَا أَخْرَجَنِي مِنْ بَلَدِي غَيْرَ الحَجِّ وطَلَبِ مَا عِنْدَ اللهِ، فقَالَ لَهُ: (استأنِفِ العَمَلَ)، يُرِيدُ: أَنَّكَ مَغْفُور لَكَ، وصَرْتَ كَيَومِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، وهَذا نَحْوِ مَا رَوَاهُ أَبو هُرَيْرَةَ عَنِ النبي ﷺ أَنَّهُ قالَ: "مَنْ حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَجْهَلْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبهِ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (١)، يَعْنِي: مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَلاَلٍ، وتَجَنَّبَ الكَلاَمَ القَبِيحَ، وإصَابَةَ النسَاءِ فِي حَالَةِ الإحْرَامِ، ولَمْ يُؤْذِ أَحَداً مِنَ النَّاسِ بَيَدٍ ولَا لِسَانٍ غُفِرَتْ ذُنُوبهُ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَنْكَرَ الزّهْرِيُّ حَدِيثَ الإسْتِثْنَاءِ فِي الحَجِّ ولَمْ يَعْرِفْهُ [١٦٠٦]، وهَذا الحَدِيثُ الذي أَدْخَلَهُ أَبو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: "أن ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزّبَيْرِ أتَتِ النبيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إني أُرِيدُ الحَجَّ أَفَأَشْتَرِطُ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَعَمْ، قَالَتْ: فَكَيْفَ أَقُولُ؟ فَقَالَ لَهَا: قُولي: لَبّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، ومَحِلِّي مِنَ الأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتَنِي" (٢)، يَعْنِي: حَيْثُ مَا حَبَسَكَ مَرَضٌ أَو غَيْرُهُ حَتَّى فَاتَكَ الحَجُّ أَنَّكَ تَحِلّ مِنْ حَجَّتِكَ وتَرْجِعُ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ، ولِذَلِكَ أَنْكَرَهُ الزُّهْرِيُّ ولَمْ

стр. 659

يَعْرِفْهُ، وقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَنْ حُبسَ عَنِ الوُقُوفِ بِعَرفَةَ حَتَّى فَاتَهُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَحِلَّهُ مِنْ إحْرَامِهِ إلَّا الطَّوَافُ بالبَيْتِ، ولَمْ يَقُلْ لَهُ: مَحِلُّكَ حَيْثُ حُبسْتَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ عَليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ بابْنِهِ حُسَيْنٍ حِينَ حُبسَ بِمَرضٍ حَتَّى فَاتَهُ الحًجُّ أَنْ يَأتِيَ مَكَّةَ إذا صَحَّ، فَيَطُوفُ بالبَيْتِ ويَسْعَى بَيْنَ الصًّفَا والمَرْوَةِ، ويَنْسِكُ، وقَدْ أَمَرَ اللهُ مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ أو العُمْرَةِ بالتَّمَامِ، فقالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، كَمَا قالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكَدلِكَ سَائِرُ الأَعْمَالِ المُفْتَرَضةِ، والمُتَطَوِّعِ بِهَا، لَا يَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ فِي شَيءٍ مِنْهَا إلَّا أَنْ يممَّهَا عَلَى سُنَتِهَا (١). * * * تَمَّ كِتَابُ الحَجِّ بِحَمْدِ اللهِ وحُسْنِ عَوْنهِ. يَتْلُوهُ كِتَابُ العُقُولِ بِحَوْلِ اللهِ. * * *

стр. 660

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا تَفْسِيرُ كِتَابِ العُقُولِ * أَرْسَلَ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأ حَدِيثَ الدِّيَاتِ [٣١٣٩]، وأَسْنَدَهُ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَمْروِ بنِ حَزْمٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ كَتَبَ كِتَاباً، وبَعَثَهُ مَعَهُ إلى اليَمَنِ" (١)، وذَكَرَ القِصَّةَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهَا مَالِكٌ فِي المُوَطَّأ، وجَعَلَ النبيُّ ﷺ دِيَّةَ النَّفْسِ مَائةً مِنَ الإبلِ، وَقَوَّمَهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَجَعَلَها عَلَى أَهْلِ الذهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَم، وهَذا أَصْل في الإجْتِهَادِ لِذَوِي الرُّسُوخِ فِي العِلْمِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ ، ولَا حَدِيثٍ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وجَعَلَ اللهُ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ العَمْدِ رُخْصَة لِهَذِه الأُمَّةِ بِقَولهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وتَفسِيرُهُ عِنْدَ مَالِكٍ: أنَّهُ مَنْ أَعْطَى مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ مِنَ العَقْلِ فَلْيتبِعِ القَاتِلَ بالمَعْرُوفِ، وليهوَد إليه المَطْلُوبَ بإحْسَانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، يَعْنِي: أنَّهُ خَفَّفَ عَنْ هَذِه الأُمَّةِ مَا كَانَ كَتَبهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥]، يَعْنِي: فِي التَّوْرَاةِ، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وجَعْلَ لِهَذِه الأُمَّةِ

стр. 661

القِصَاصَ فِي قَتْلِ العَمْدِ، بِقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، يَعْنِي: لا يُقْتَلُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ. قالَ مَالِكٌ: (لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ فِي الدِّيَةِ الأبِلُ، ولَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ البَدْوِ الذَّهَبُ ولَا الوَرِقُ، ولَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْل الذَّهَبِ الوَرِقُ، ولَا مِنْ أَهْلِ الوَرِقِ الذَّهَبُ) [٣١٤٣]، إنَّمَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ أَجْلِ أنَّهُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الدِّيَةِ إبِل مِنْ أَهْلِ البَدْوِ فَفَسَخَها فِي دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ دَخَلَهُ الدَّيْنُ بالدَّيْنِ، وذَلِكَ لَا يَجُوزُ، ومَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ فَفَسَخَها فِي دَرَاهِمَ إلى أَجَلٍ، أَو وَجَبَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَفَسَخَها فِي دَنَانِيرَ إلى أَجَلٍ دَخَلَهُ الصَّرْفُ المُتَأَخِّرُ الذي لَا يَجُوزُ، ولَو كَانَ هَذا كُلُّهُ بَعْدَ أَنَّ حَلَّ أَجَلُ الدِّيةِ لَكَانَ جَائِزَاً إذا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُنَاجَزَةً. * وذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ دِيَةَ العَمْدِ فِي الإبِلِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ بنتَ مَخَاضٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ حِقَّة، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ جَذَعَةً [٣١٤٥] * وأنَّ دِيَةَ الخَطَأ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضيى، وعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بَنُو لَبُونٍ ذُكُورَاً، وعِشْرُونَ حِقَاقَاً، وعِشْرُونَ جَذَاعَاً [٣١٥١]، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ أَسْنَانِ الإبِلِ فِي كِتَابِ الزَكَاةِ. * [قالَ] (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ مُعَاوِيةَ بنِ أَبي سُفْيَانَ: الَيْسَ عَلَى مَجْنُودب قَوَل) [٣١٤٦]، وإنَّمَا جِنَايَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وأَمَّا السَّكْرَانُ فإنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَنَّ المَجْنُونَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، والقَلَمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ، فَفِعْلُهُ أَبَدَاً مِنَ الخَطَأ الذي تَحْمِلُهُ العَاقِلَةُ، وَهُوَ بِخِلاَفِ السَّكْرَانِ الذي يُؤْخَذُ بِمَا جَنَاهُ فِيمَا قَلَّ وكَثُرَ، لأنَّهُ هُوَ الذي أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ السُّكْرَ، والقَلَمُ جَارٍ عَلَيْهِ، فَلِهَذا يَجِبُ عَلَيْهِ القِصَاصُ إنْ قَتَلَ، أَو يُحَدُّ إنْ قَذَفَ حُرَّاً أَو حُرَّة. * قالَ ابنُ القَاسِمِ: لَيْسَ العَمَلُ عَلَى تَبْدِئَةِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ المُدَّعَى عَلَيْهِم

стр. 662

الدَّمَ في أَيْمَانِ القَسَامَةِ، ولَكِنْ يَحْلِفُ أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ خَمْسِينَ يِمِينَاً [لَمَا مَاتَ] (١) المَقْتُولُ مِنْ ذَلِكَ، ويَسْتَحِقُّونَ الدِّيةَ عَلَى عَاقِلَةِ الجَانِي، أَو يَقْتَلُونَ الجَانِي إنْ شَاءُوا فِي قَتْلِ العَمْدِ، أَو يَأْخُذُونَ مِنْهُ الذَيَةَ [٣١٥٠]. ذَكَرَ ابنُ مُزَيْنٍ عَنْ مُطَرِّفٍ (٢)، قالَ: حَدَّثنا ابنُ أَبي حَازِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ (٣) عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ بَدَّا المُدَّعِينَ فِي القَسَامَةِ فِي أَمْرِ الجُهَنِيِّيْنَ والسَّعْدِيّيْنَ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وهَذَا خِلاَفُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأ، أنَّ عُمَرَ بَدَّا المُذَعَى عَلَيْهِم [٣١٥٠]، والعَمَلُ بالمَدِينَةِ عَلَى تَبْدِيةِ المُدَّعِينَ للدَّم فِي القَسَامِةِ، وبهِ حَكلمَ النبيُّ ﷺ . * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا ضَمَّنَ عُمَرُ مُجْرِي الفَرَسِ الدِّيَةَ وإنْ كَانَ مَغْلُوبَاً مِنْ أَجْلِ أَنَّ الإجْرَاءَ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ، ثُمَّ إنَّهُ قَضَى بِشَطْرِ الذَيةِ عَلَى عَاقِلَةِ الجَانِي عَلَى وَجْهِ (٤) الصُّلْحِ، كَمَا وَدَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ منْ مَالِهِ فِي قِضَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ سَهْل عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ [٣٢٧٥، و ٣٢٧٦]. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٥): قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ كَسَرَ مِنَ الإنْسَانِ يَدَاً أو رِجْلاً خَطَأً فَبَرِئَ أَنَّهُ لَا عَقْلَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَبْرَأَ عَلَى عَثَل، والعَثَلُ: العَيْبُ والنُّقْصَانُ، فَيَكُونُ فِيهِ مِنْ عَقْلِهِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ [٣١٥٥]. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُنْظَرَ إلى حَالِ اليَدِ أَو الرِّجْلِ كَمْ الذي نَقَصَ مِنْ حَالِهَا الأَوَّلِ فإنْ كَانَ ثُلُثَاً فَلَهُ ثُلُثُ دِيةِ اليَدِ أَو الرِّجْلِ، وإنْ كَانَ نِصْفَاً أو أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَهُ بِحِسَابِ ذَلِكَ عَلَى الجَانِي فِي العَمْدِ، وعَلَى العَاقِلَةِ فِي الخَطَأ.

стр. 663

[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إذا كَانَ ثُلُثَ الدِّيةِ فَصَاعِدَاً (١). * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: لَمْ يُلْزَمُ الطبيبُ العَالِمُ بالطبِ إذا اجْتَهَدَ فِي عِلاَجِهِ وأَخْطَأ قَوَدٌ فِيمَا أَخْطَأ فِيهِ [٣١٥٩]، مِنْ أَجْلِ أَنَّ التَّدَاوِي والخِتَانَ شَيءٌ أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ، فإذا أَخْطَأ فِي ذَلِكَ العَالِمُ كَانَتِ الدِّيةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، إذْ هُوَ مِنَ الخَطَأ الذي تَحْمِلُهُ العَاقِلَةُ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ ابنِ المُسَتبِ: (إنَّ المَرْأةَ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إلى ثُلُثِ الدِّيةِ) [٣١٦١]. * وقَالَهُ أَيْضَاً عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ [٣١٦٢]، فإذا بَلَغَتِ الثُّلُثَ [فَمَا] (٢) زَادَ رَجَعَتْ إلى نِصْفِ عَقْلِ الرَّجُلِ، وهَذِه السُّنَّةُ المَعْمُولُ بِهَا، وذَلِكَ أَنَّ الله [جَل وَعَزَّ] (٣) لَمَّا جَعَلَ لَهَا نِصْفَ مِيرَاثِ الرَّجُلِ، وجَعَلَ شَهَادَتَها نِصفَ شَهَادَةِ الرَّجُلِ كَانَتْ دِيَتُهَا نِصْفَ دِيةِ الرَّجُلِ، فَهِي تَجْرِي مَجْرَى الرَّجُلِ فِي اليَسِيرِ مِنَ الدِّيةِ، فإذا بَلَغَتِ الثُّلُثَ وَهِيَ فِي حَير الكَثيرِ رَجَعَتْ إلى دِيتِهَا، وأَمَّا إذا قتَلَهَا رَجُلٌ عَمْدَاً فإنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "المُسْلِمُونَ تتكَافَاُ دِمَاؤُهُمْ" (٤). ولَمْ يُقْتَل الحُرُّ بالعَبْدِ، لأَنَّ اللهَ [جَلَّ وَعَزَّ] (٥) قالَ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فإذا قتَلَ حُرٌّ عَبْدَاً كَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، ويُقْتَلُ العَبْدُ بالحُرِّ عَلَى سَبيلِ الارْتدَاعِ، لَا عَلَى سَبِيلِ المُمَاثِلَةِ أَنَّه مِثْلُهُ، كَمَا قَدْ يُقْتَلُ المُسْلِمُ بالكَافِرِ إذا قَتَلَهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وإنَّمَا قُتِلَ بهِ عَلَى سَبِيلِ الإرْتدَاعِ ونَقْضِ العَهْدِ الذي عُقِدَ لَهُ.

стр. 664

[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّجُلِ إذا أَصَابَ امْرَأتِهِ بِجَرْحِ قَوَد فِي الخَطَأ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ تَأْدِيبَهَا مُبَاح لَهُ، ولَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا بالمَعْرُوفِ، فإن قصَدَ إلى جَرْحِهَا عَمْدَا أُقِيدَتْ (١) مِنْهُ، وإنْ قَتَلَها عَمْدَاً قُتِلَ بِهَا. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ امْرَأَتْيِنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى" [٣١٦٧]، إلى آخِرِ الحَدِيثِ (٢)، فِي هَذَا الحَدِيثِ زِيَادَ لِغَيْرِ مَالِكٍ عَن الزُّهْرِيِّ، رَوَاهُ مَعْمَر ويُونسٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالاَ في حَدِيثِهِمَا [عَنْهُ] (٣): "أَنَّهَا ضَرَبَتْ بَطْنَهَا فأَسْقَطَتْ جَنِينَاً مَتِّتَاً، ثُمَّ [مَاتَتْ] (٤)، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الجَنِينِ بِغُزَةِ عَبْدٍ أَو وَلِيدَةٍ، وقَضَى بِدِيةِ المَرْأةِ عَلَى عَاقِلَةِ القَاتِلَةِ، وَوَرِثَها وَلَدُهَا" (٥)، ولَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فِي الحَدِيثِ: "أَنَّ المَرْأةَ المَضْرُوبةِ مَاتَتْ"، مِنْ أَجْلِ الاخْتِلاَفِ الذي فِي دِيتِهَا، وذَلِكَ أَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ قَاتِلَهَا، ذَكَرَ هَذا ابنُ عَبَّاسٍ عَنِ النبيِّ ﷺ . ورَوَى غَيْرُ ابنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بِدِيةِ المَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ القَاتِلَةِ". وقَصَدَ مَالِكٌ مِنَ الحَدِيثِ إلى ذِكْرِ دِيَةِ الجَنِينِ الذي أَسْقَطَتْهُ المَضْرُوبَةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لا اخْتِلاَفَ فِي أَنَّهُ قَضَى بِدِيةِ الجَنِينِ عَلَى الضَّارِبةِ، وَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى (٦). ورَوَى طَاوُوس عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ عُمَرَ نَشَدَ النَّاسَ بِمَا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الجَنِينِ يُطْرَحُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، فأَتَاهُ حَمَلُ بنُ مَالِكٍ فَقَالَ لَهُ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 665

فِي الجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بغُرَّةِ عَبْدٍ، وأَنْ تُقْتَلَ المَرْأةُ مَكَانَها" (١)، يَعْنِي: تُقْتَلَ المَرْأَةُ القَاتِلَةُ الَّتي قتَلَتِ المَرْأَةً التَي أَسْقِطَتِ الجَنِينَ. قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: كَانَتِ المَرْأَةُ القَاتِلَةُ قَدْ ضَرَبَتِ المَرْأَةَ المَقْتُولَةَ بِعُودِ الخِبَاءِ البَطْنَ، فأَلْقَتْ جَنِينَهَا ومَاتَتِ المَضْرُوبةُ مِنْ ضَرْبَتِهَا، وبِهَذا قَالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: أنَّهُ مَنْ قتَلَ أَحَدَاً بَعَصَا فإنَّهُ يُقْتَلُ بِمِثْلِ مَا قتَلَ بهِ. وأَمَّا أَهْلُ العِرَاقِ فَلَا يَرَوْنَ القِصَاصَ فِيمَا كَانَ القَتْلُ فيهِ إلَّا بالحَدِيدِ خَاصَةً (٢). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دِيةُ الجَنِينِ إذا ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ فَسَقَطَ مَيتَا غُرَّةَ عَبْدٍ أَو وَلِيدَةٍ، وقِيمَةُ ذَلِكَ خَمْسُونَ دِينَارَاً، أَو سِتَّمَائةِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى كِتَابِ اللهِ (٣). ولا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الإبِلِ فِي ذَلِكَ إبِل، لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِيهِ بالغُرَّةِ والنَّاسُ يَوَمِئِذٍ أَهْلُ إبِلٍ. وشَبَّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلَ القَاتِلِ الذي حُكِمَ عَلَيْهِ بِدِيَةِ الجَنِينِ فَقَالَ: "كَيْفَ أُغْرَمُ مَالاَ أكلَ، ولَا شَرِبَ، ولَا نَطَقَ، ولَا اسْتَهَلَّ" بِقَوْلِ الكَاهِنِ الذِي يَسْجَعُ كَلاَمَهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إنِّمَا هَذا مِنْ إخْوَانِ الكُهَّانِ" [٣١٦٨]. وقَالَ عِيسَى بنُ دِينَارٍ: إنْ شَاءَ الجَانِي أَعْطَى الغُرَّةَ، وإنْ شَاءَ أَعْطَى خَمْسِينَ دِينَارَاً، أو سِتَّمَائةِ دِرْهَمٍ. قالَ: وفِي جَنِينِ أُمِّ الوَلَدِ (٤) مِنْ سَيِّدِهَا مِثل مَا فِي جَنِينِ الحُرَّةِ، وفِي جَنِينِ

стр. 666

الأَمَةِ عُشْرُ ثَمَنِ أُمِّةِ، لأَنَّهَا مَمْلُوكَة، ووَلَدُهَا عَبْدٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ سَيّدِهَا، فإنْ كَانَ مِنْهُ فَفَيهِ مِثْلُ مَا فِي جَنِينِ الحُرَّةِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قالَ مَالِكٌ: إذا قُطِعَتِ الشِّفَتَانِ كَانَ فِيهِمَا الدِّيةُ، وفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيةِ، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ اليَدَيْنِ، اليُمْنَى أَنْفَعُ مِنَ اليُسْرَى، ودِيَتُهُمَا سَوَاءٌ، ولَيْسَ العَمَلُ فِي الشِّفتَيْنِ عَلَى قَوْلِ ابنِ المُسَيَّبِ حِينَ قَالَ: (إنَّ فِي الشفَةِ الشُفْلَى ثُلُثَيْ الدِّيةِ) [٣١٧٦]، وإنَّمَا فِيهَا شَطْرُ الدِّيَةِ (١). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قالَ عِيسَى: كُلُّ مَنْ أَصَابَ عَيْنَ رَجُلٍ عَمْدَاً ولَهُ عَيْن مِثْلُهَا فَلَيْسَ للمَجْنِي عَلَيْهِ خَيَار وإنَّمَا لَهُ القَوَدُ، إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَي عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا، أَو عَلَى الدِّيةِ خَمْسِمَائةِ دِينَارٍ، إلَّا فِي الصَّحِيحِ العَيْنَيْنِ يَفْقَأ عَيْنَ الأَعْوَرِ، فإن هَذا خَاصَّة بالخَيَارِ، إنْ شَاءَ اسْتَقَادَ فأَخَذَ عَيْنَأ بِعَيْيهِ، وإنْ شَاءَ أَخَذَ الذيةَ أَلْفَ دِينَايى، لأئهُ قَدْ تُرِكَ أَعْمَى وكَانَ يَبْصُرُ بِعَيْيهِ الوَاحِدَةِ، كَمَا كَانَ يُبْصِرُ صَاحِبُ ذِي عَيْنَيْنِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا هَذا فِي أَعْوَبى فَقَأَ عَيْنَ أَعْوَرٍ مِثْلَهُ، فإنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وإلَّا أَخَذَ دِيةَ العَيْنِ الذي يُتْرَكُ للأَعْوَرِ الَّتي يُبْصِرُ بِهَا كَمَا يُبْصِرُ صَاحِبُ ذِي عَيْنَيْنِ. قالَ عِيسَى: حَجَاجُ العَيْنِ: هُوَ العَظْمُ الذي عَلَيْهِ الحَاجِبُ، يُقَالُ لَهُ: حَجَاجٌ، وحِحاج، بالفَتْحِ وبالكَسْرِ (٢). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا قالَ سُلَيْمَانُ بنُ يَسَارٍ أَنَّهُ يُزَادُ فِي مُوضِحَةِ الوَجْهِ [إذا عَيَّبتِ الوَجْهَ] (٣) مَا بَيْنَهَا وبَيْنَ نِصْفِ عَقْلِ المُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ [٣١٨٧] مِنْ أَجْلِ الجَمَالِ الذِي فِي الوَجْهِ (٤).

стр. 667

وقالَ مَالِكٌ: يُزَادُ فِي عَقْلِهَا بِقَدْرِ مَا شَانَتْ مِنَ الوَجْهِ، ويُجْتَهَدُ فِي ذَلِكَ لأَنَّهَا رُبَّمَا عَيَّبتِ الوَجْهَ عَيْبَا فَاحِشَاً (١). * قالَ مَالِكٌ: وحَدُّ ذَلِكَ مِنَ الوَجْهِ الجَبْهَةُ، والصُّدْغُ، والخَدُّ، فأما الأَنْفُ واللَّحْيُّ الأَسْفَلُ فَلَيْسَا مِنَ الوَجْهِ فِي جِرَاحِهِمَا خَاصَّة، وإنَّمَا هُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ [٣١٩٢] [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٢): الجَائِفَةُ: هِيَ جُرْحَة تَصِلُ إلى الجَوْفِ قَلَّ ذَلِكَ أَو كَثُرَ. والمأمُومَةُ: هِيَ ما وَصَلَ إلى الدِّمَاغِ قَل ذَلِكَ أَو كَثُرَ. والمَنْقَلَةُ: مَا طَارَ فِرَاشُهَا مِنَ العَظْمِ (٣). والمُوضَحَةُ: مَا أَوْضَحَ العَظْمَ، قَلَّ ذَلِكَ أَو كَثُرَ، ولَا يَكُونَ إلَّا فِي الوَجْهِ، أَو فِي الرَّأْسِ. والبَاضِعَةُ: مَا بَضَّعَ فِي اللَّحْمِ. والدَّامِيَةُ: هِيَ التّي تَدمَى، فإذا كَانَتِ البَاضِعَةُ والدَّامِيةُ خَطَأً فَلَا دِيةَ فِيهِمَا، إلَّا أَنْ تَبْرأَ عَلَى شَيْنٍ، فَيَعْقِلُ للمَجْرُوحُ بِقَدْرِ ذَلِكَ الشَّيْنِ. قالَ عِيسَى: اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي عَقْلِ المَأْمُومَةِ والجَائِفَةِ، فقالَ: عَقْلُهُمَا فِي العَمْدِ والخَطَأ [فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] (٤) عَلَى العَاقِلَةِ. وقالَ أَيْضًا: إنْ كَانَ لِجَانَيهِمَا عَمْداً مَالٌ فَالعَقْلُ فِي مَالِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَالعَقْلُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وبِهَذا كَانَ يَأْخُذُ ابنُ كِنَانَةَ (٥).

стр. 668

وكانَ ابنُ القَاسِمِ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ أَصَابَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئَاً مِنْ جَسَدِهِ ولَهُ مِثْلُ الذي أَصَابَ فَلَمْ يَكُنْ إلى القِصَاصِ سَبيلٌ لِسُنَّةٍ مَضتْ فِيهِ، فَدِيةُ ذَلِكَ عَلَى العَاقِلَةِ إذا بَلَغَ [ثُلُثُ الدِّيَةِ] (١) عَمْدَاً [كَانَ] (٢) أَو خَطَأً مِثْلَ المَأْمُومَةِ والجَائِفَةِ. قالَ: وَكُلُّ مَنْ أَصَابَ شَيْئَاً مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَمْدَاً مِمَّا فِيهِ القِصَاصُ إلَّا أَنَّه لَيْسَ لَهُ مِثْلَهُ، فَلَمْ يُوجَدْ إلى القِصَاصِ سَبيلٌ، فإنَّ عَقْلَ ذَلِكَ عَلَى الجَانِي فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أتْبِعَ بهِ، مِثْلُ [دِيةِ] (٣) الرِّجْلِ، واليَدِ، والذَّكَرِ (٤). * * *

стр. 669

بابُ عَقْلِ الأَصَابِعِ والأَسْنَانِ والعَمَلِ فِي ذَلِكَ * قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ لِرَبِيعَةَ حِينَ أَكْثَرَ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلةِ عَقْلِ أَصَابعِ المَرْأَةِ، فقالَ لَهُ: (أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ) [٣١٩٥]، إنَّمَا قالَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ لا اعْتِرَاضَ فِيهَا، وإنَّمَا يَفْعَلُ هَذا أَهْلُ العِرَاقِ. قالَ عِيسَى: إذا قُطِعَ مِنْ يَدِ المَرْأَةِ أُصْبَع كَانَ لَهَا عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ، ثُمَّ فِي الثَّانِيةِ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ فِي الثَّالِثةِ مِثْلُ ذَلِكَ، فإذا قُطِعَتْ لَهَا الرَّابِعَةُ كَانَ لَهَا خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ، وإذا قُطِعَتْ لَهَا أَرْبَع فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ لَهَا عِشْرُون مِنَ الإبِلِ، ولَا تُضَافُ أَصَابعُ إحْدَى اليَدَيْنِ إلى [أَصَابعِ] (١) اليَدِ الأُخْرَى، وأَصَابعُ كُلِّ يَدٍ عَلَى حِدَتِهَا، إلَّا أَنْ تُصَابَ بِذَلِكَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَة، فإنَّهَا تُضَافُ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ ويَعْقَلُ لَهَا ذَلِكَ. قالَ: وإذا أُصِيبَتْ أُصْبَعُ رَجُلٍ خَطَأ كَانَ لَهُ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ مِنْ أَسْنَانِ دِيةِ الخَطَأ الخَمْسِ، يأْخُذُ بَعِيرَيْنِ مِنْ كُلِّ سِنٍّ. ومَنْ أَصَابَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ خَطَأ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأتِيَ بِخَمْسٍ مِنَ الإبِلِ مِنْ كُلِّ سِنٍّ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ الجَارِحُ فِيهَا شَرِيكَاً للمَجْرُوحِ، ويَكُونُ للمَجْرُوحِ ثُلُثَا كُلِّ بَعِيرٍ مِنْهَا، وللجَارِحِ الثُّلُثُ، فإذا أُصِيبَتْ لَهُ أُنْمَلَتَانِ كَانَ عَلَى الجَانِي أَنْ يَأتِي بِعَشرٍ مِنَ الإبِلِ، فَيَكُونُ فِيهَا شَرِيكَا مَعَ المَجْرُوحِ للجَانِىِ ثُلُثُ كُلِّ بَعِيرٍ، وللمَجْنِي عَلَيْهِ ثُلُثَا كُلِّ بَعِيرٍ.

стр. 670

قالَ: وإذا أُصِيبَ أُصْبَعُ رَجُلٍ عَمْداً كَانَ عَلَى الجَانِي أَنْ يَأْتِي بِثَمَانِيةِ أَبْعِرَةٍ مِنْ أَسْنَانِ العَمْدِ الأَرْبَعِ، مِنْ كُلِّ سِن بَعِيرَيْنِ فَيَكُونُ للمُجْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يأْتِي بأَرْبَعَةِ أَبْعِرَة، فَيَكُونَانِ فِيهَا شَرِيكَيْنِ، لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ بَعِيرٍ. * قَوْلُ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ حِينَ ذَكَرَ قَضَاءَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ومُعَاوِيةَ بنِ أَبي سُفْيَانَ فِي الأَضْرَاسِ واخْتِلاَفِهِمَا فِي ذَلِكَ، فقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَتبِ: (لَوْ كنتُ أَنا لَجَعَلْتُ فِي الأَضْرَاسِ بَعِيرَثنِ بَعِيرَيْنِ، فَتِلْكَ الدِّيَةُ سَوَاء) [٣٢٠٠]، يُرِيدُ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطابِ كَانَ يَجْعَلُ فِي الأَضْرَاسِ عَلَى الجَانِي إذا قَلَعَهَا فِي كُل ضِرْسٍ بَعِيراً والأَضْرَاسُ عِشْرُونَ ضِرْسَاً، وكَانَ يَجْعَلُ فِي الأَسْنَانِ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، والأَسْنَانُ اثْنتَا عَشَرَ سِنَّاً، أَرْبَعُ ثنايَا، وأَرْبَعُ رُبَاعِيَّات، وأَرْبَعَةُ أَنْيَاب، فَدِيةُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ ثَمَانُون بَعِيرَاً، وكَان مُعَاوِيةُ يَجْعَلُ فِي الأًضْرَاسِ والأَسْنَانِ خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ [خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ] (١)، فَجِمِيعُ ذَلِكَ سِتُّونَ ومَائةِ بَعِيرٍ، فقَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: (لَوْ كنتُ أَنا لَجَعَلْتُ فِي الأَضْرَاسِ بَعِيرَيْنِ بعيرين)، فَذَلِكَ أَرْبَعُونَ بَعِيرَاً، وفِي الأَسْنَانِ خَمْسَاً خَمْسَاً فَذَلِكَ سِتُّونَ بَعِيرَاً، فتَمَّت الآنَ [الدِّيةُ] (٢) مَائة مِنَ الإبِلِ، والذي قالَ بهِ مَالِكٌ أنَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ خَمْساً خَمْسَاً مِنَ الإبِلِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" [٣١٤٠]، والضِّرْسُ سِنٌّ مِنَ الأَسْنَانِ. قَوْلُ مَالِكٍ: (لَيْسَ عِنْدَنا فِي لِسَانِ الأَخْرَسِ إلَّا الإجْتِهَادُ) (٣)، يَعْنِي بالأَخْرَسِ الذي لَا يَتكَلَّمُ، فأَمَّا إذا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِبَعْضَ الكَلاَمِ وَيخْرَسُ عَنْ بَعْضِهِ فَلَهُ مِنَ العَقْلِ بِقَدْرِ الذي كَان يُفْصِحُ بهِ (٤) مِنَ الكَلاَمِ، ويَبْطُلُ بِقَدْرِ الذي كَانَ يَخْرُسُ عَنْهُ. قالَ عِيسَى: إذا ضَرَبَ رَجُل رأْسَ رَجُلٍ فَذَهَبَ بَعْضُ بَصَرِهِ، وطَلَبَ العَقْلَ،
следующие страницы →