← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الأَمَةِ عُشْرُ ثَمَنِ أُمِّةِ، لأَنَّهَا مَمْلُوكَة، ووَلَدُهَا عَبْدٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ سَيّدِهَا، فإنْ كَانَ مِنْهُ فَفَيهِ مِثْلُ مَا فِي جَنِينِ الحُرَّةِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قالَ مَالِكٌ: إذا قُطِعَتِ الشِّفَتَانِ كَانَ فِيهِمَا الدِّيةُ، وفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيةِ، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ اليَدَيْنِ، اليُمْنَى أَنْفَعُ مِنَ اليُسْرَى، ودِيَتُهُمَا سَوَاءٌ، ولَيْسَ العَمَلُ فِي الشِّفتَيْنِ عَلَى قَوْلِ ابنِ المُسَيَّبِ حِينَ قَالَ: (إنَّ فِي الشفَةِ الشُفْلَى ثُلُثَيْ الدِّيةِ) [٣١٧٦]، وإنَّمَا فِيهَا شَطْرُ الدِّيَةِ (١). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قالَ عِيسَى: كُلُّ مَنْ أَصَابَ عَيْنَ رَجُلٍ عَمْدَاً ولَهُ عَيْن مِثْلُهَا فَلَيْسَ للمَجْنِي عَلَيْهِ خَيَار وإنَّمَا لَهُ القَوَدُ، إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَي عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا، أَو عَلَى الدِّيةِ خَمْسِمَائةِ دِينَارٍ، إلَّا فِي الصَّحِيحِ العَيْنَيْنِ يَفْقَأ عَيْنَ الأَعْوَرِ، فإن هَذا خَاصَّة بالخَيَارِ، إنْ شَاءَ اسْتَقَادَ فأَخَذَ عَيْنَأ بِعَيْيهِ، وإنْ شَاءَ أَخَذَ الذيةَ أَلْفَ دِينَايى، لأئهُ قَدْ تُرِكَ أَعْمَى وكَانَ يَبْصُرُ بِعَيْيهِ الوَاحِدَةِ، كَمَا كَانَ يُبْصِرُ صَاحِبُ ذِي عَيْنَيْنِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا هَذا فِي أَعْوَبى فَقَأَ عَيْنَ أَعْوَرٍ مِثْلَهُ، فإنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وإلَّا أَخَذَ دِيةَ العَيْنِ الذي يُتْرَكُ للأَعْوَرِ الَّتي يُبْصِرُ بِهَا كَمَا يُبْصِرُ صَاحِبُ ذِي عَيْنَيْنِ. قالَ عِيسَى: حَجَاجُ العَيْنِ: هُوَ العَظْمُ الذي عَلَيْهِ الحَاجِبُ، يُقَالُ لَهُ: حَجَاجٌ، وحِحاج، بالفَتْحِ وبالكَسْرِ (٢). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا قالَ سُلَيْمَانُ بنُ يَسَارٍ أَنَّهُ يُزَادُ فِي مُوضِحَةِ الوَجْهِ [إذا عَيَّبتِ الوَجْهَ] (٣) مَا بَيْنَهَا وبَيْنَ نِصْفِ عَقْلِ المُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ [٣١٨٧] مِنْ أَجْلِ الجَمَالِ الذِي فِي الوَجْهِ (٤).

стр. 667

وقالَ مَالِكٌ: يُزَادُ فِي عَقْلِهَا بِقَدْرِ مَا شَانَتْ مِنَ الوَجْهِ، ويُجْتَهَدُ فِي ذَلِكَ لأَنَّهَا رُبَّمَا عَيَّبتِ الوَجْهَ عَيْبَا فَاحِشَاً (١). * قالَ مَالِكٌ: وحَدُّ ذَلِكَ مِنَ الوَجْهِ الجَبْهَةُ، والصُّدْغُ، والخَدُّ، فأما الأَنْفُ واللَّحْيُّ الأَسْفَلُ فَلَيْسَا مِنَ الوَجْهِ فِي جِرَاحِهِمَا خَاصَّة، وإنَّمَا هُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ [٣١٩٢] [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٢): الجَائِفَةُ: هِيَ جُرْحَة تَصِلُ إلى الجَوْفِ قَلَّ ذَلِكَ أَو كَثُرَ. والمأمُومَةُ: هِيَ ما وَصَلَ إلى الدِّمَاغِ قَل ذَلِكَ أَو كَثُرَ. والمَنْقَلَةُ: مَا طَارَ فِرَاشُهَا مِنَ العَظْمِ (٣). والمُوضَحَةُ: مَا أَوْضَحَ العَظْمَ، قَلَّ ذَلِكَ أَو كَثُرَ، ولَا يَكُونَ إلَّا فِي الوَجْهِ، أَو فِي الرَّأْسِ. والبَاضِعَةُ: مَا بَضَّعَ فِي اللَّحْمِ. والدَّامِيَةُ: هِيَ التّي تَدمَى، فإذا كَانَتِ البَاضِعَةُ والدَّامِيةُ خَطَأً فَلَا دِيةَ فِيهِمَا، إلَّا أَنْ تَبْرأَ عَلَى شَيْنٍ، فَيَعْقِلُ للمَجْرُوحُ بِقَدْرِ ذَلِكَ الشَّيْنِ. قالَ عِيسَى: اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي عَقْلِ المَأْمُومَةِ والجَائِفَةِ، فقالَ: عَقْلُهُمَا فِي العَمْدِ والخَطَأ [فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] (٤) عَلَى العَاقِلَةِ. وقالَ أَيْضًا: إنْ كَانَ لِجَانَيهِمَا عَمْداً مَالٌ فَالعَقْلُ فِي مَالِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَالعَقْلُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وبِهَذا كَانَ يَأْخُذُ ابنُ كِنَانَةَ (٥).

стр. 668

وكانَ ابنُ القَاسِمِ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ أَصَابَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئَاً مِنْ جَسَدِهِ ولَهُ مِثْلُ الذي أَصَابَ فَلَمْ يَكُنْ إلى القِصَاصِ سَبيلٌ لِسُنَّةٍ مَضتْ فِيهِ، فَدِيةُ ذَلِكَ عَلَى العَاقِلَةِ إذا بَلَغَ [ثُلُثُ الدِّيَةِ] (١) عَمْدَاً [كَانَ] (٢) أَو خَطَأً مِثْلَ المَأْمُومَةِ والجَائِفَةِ. قالَ: وَكُلُّ مَنْ أَصَابَ شَيْئَاً مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَمْدَاً مِمَّا فِيهِ القِصَاصُ إلَّا أَنَّه لَيْسَ لَهُ مِثْلَهُ، فَلَمْ يُوجَدْ إلى القِصَاصِ سَبيلٌ، فإنَّ عَقْلَ ذَلِكَ عَلَى الجَانِي فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أتْبِعَ بهِ، مِثْلُ [دِيةِ] (٣) الرِّجْلِ، واليَدِ، والذَّكَرِ (٤). * * *

стр. 669

بابُ عَقْلِ الأَصَابِعِ والأَسْنَانِ والعَمَلِ فِي ذَلِكَ * قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ لِرَبِيعَةَ حِينَ أَكْثَرَ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلةِ عَقْلِ أَصَابعِ المَرْأَةِ، فقالَ لَهُ: (أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ) [٣١٩٥]، إنَّمَا قالَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ لا اعْتِرَاضَ فِيهَا، وإنَّمَا يَفْعَلُ هَذا أَهْلُ العِرَاقِ. قالَ عِيسَى: إذا قُطِعَ مِنْ يَدِ المَرْأَةِ أُصْبَع كَانَ لَهَا عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ، ثُمَّ فِي الثَّانِيةِ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ فِي الثَّالِثةِ مِثْلُ ذَلِكَ، فإذا قُطِعَتْ لَهَا الرَّابِعَةُ كَانَ لَهَا خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ، وإذا قُطِعَتْ لَهَا أَرْبَع فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ لَهَا عِشْرُون مِنَ الإبِلِ، ولَا تُضَافُ أَصَابعُ إحْدَى اليَدَيْنِ إلى [أَصَابعِ] (١) اليَدِ الأُخْرَى، وأَصَابعُ كُلِّ يَدٍ عَلَى حِدَتِهَا، إلَّا أَنْ تُصَابَ بِذَلِكَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَة، فإنَّهَا تُضَافُ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ ويَعْقَلُ لَهَا ذَلِكَ. قالَ: وإذا أُصِيبَتْ أُصْبَعُ رَجُلٍ خَطَأ كَانَ لَهُ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ مِنْ أَسْنَانِ دِيةِ الخَطَأ الخَمْسِ، يأْخُذُ بَعِيرَيْنِ مِنْ كُلِّ سِنٍّ. ومَنْ أَصَابَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ خَطَأ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأتِيَ بِخَمْسٍ مِنَ الإبِلِ مِنْ كُلِّ سِنٍّ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ الجَارِحُ فِيهَا شَرِيكَاً للمَجْرُوحِ، ويَكُونُ للمَجْرُوحِ ثُلُثَا كُلِّ بَعِيرٍ مِنْهَا، وللجَارِحِ الثُّلُثُ، فإذا أُصِيبَتْ لَهُ أُنْمَلَتَانِ كَانَ عَلَى الجَانِي أَنْ يَأتِي بِعَشرٍ مِنَ الإبِلِ، فَيَكُونُ فِيهَا شَرِيكَا مَعَ المَجْرُوحِ للجَانِىِ ثُلُثُ كُلِّ بَعِيرٍ، وللمَجْنِي عَلَيْهِ ثُلُثَا كُلِّ بَعِيرٍ.

стр. 670

قالَ: وإذا أُصِيبَ أُصْبَعُ رَجُلٍ عَمْداً كَانَ عَلَى الجَانِي أَنْ يَأْتِي بِثَمَانِيةِ أَبْعِرَةٍ مِنْ أَسْنَانِ العَمْدِ الأَرْبَعِ، مِنْ كُلِّ سِن بَعِيرَيْنِ فَيَكُونُ للمُجْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يأْتِي بأَرْبَعَةِ أَبْعِرَة، فَيَكُونَانِ فِيهَا شَرِيكَيْنِ، لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ بَعِيرٍ. * قَوْلُ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ حِينَ ذَكَرَ قَضَاءَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ومُعَاوِيةَ بنِ أَبي سُفْيَانَ فِي الأَضْرَاسِ واخْتِلاَفِهِمَا فِي ذَلِكَ، فقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَتبِ: (لَوْ كنتُ أَنا لَجَعَلْتُ فِي الأَضْرَاسِ بَعِيرَثنِ بَعِيرَيْنِ، فَتِلْكَ الدِّيَةُ سَوَاء) [٣٢٠٠]، يُرِيدُ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطابِ كَانَ يَجْعَلُ فِي الأَضْرَاسِ عَلَى الجَانِي إذا قَلَعَهَا فِي كُل ضِرْسٍ بَعِيراً والأَضْرَاسُ عِشْرُونَ ضِرْسَاً، وكَانَ يَجْعَلُ فِي الأَسْنَانِ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، والأَسْنَانُ اثْنتَا عَشَرَ سِنَّاً، أَرْبَعُ ثنايَا، وأَرْبَعُ رُبَاعِيَّات، وأَرْبَعَةُ أَنْيَاب، فَدِيةُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ ثَمَانُون بَعِيرَاً، وكَان مُعَاوِيةُ يَجْعَلُ فِي الأًضْرَاسِ والأَسْنَانِ خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ [خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ] (١)، فَجِمِيعُ ذَلِكَ سِتُّونَ ومَائةِ بَعِيرٍ، فقَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: (لَوْ كنتُ أَنا لَجَعَلْتُ فِي الأَضْرَاسِ بَعِيرَيْنِ بعيرين)، فَذَلِكَ أَرْبَعُونَ بَعِيرَاً، وفِي الأَسْنَانِ خَمْسَاً خَمْسَاً فَذَلِكَ سِتُّونَ بَعِيرَاً، فتَمَّت الآنَ [الدِّيةُ] (٢) مَائة مِنَ الإبِلِ، والذي قالَ بهِ مَالِكٌ أنَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ خَمْساً خَمْسَاً مِنَ الإبِلِ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" [٣١٤٠]، والضِّرْسُ سِنٌّ مِنَ الأَسْنَانِ. قَوْلُ مَالِكٍ: (لَيْسَ عِنْدَنا فِي لِسَانِ الأَخْرَسِ إلَّا الإجْتِهَادُ) (٣)، يَعْنِي بالأَخْرَسِ الذي لَا يَتكَلَّمُ، فأَمَّا إذا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِبَعْضَ الكَلاَمِ وَيخْرَسُ عَنْ بَعْضِهِ فَلَهُ مِنَ العَقْلِ بِقَدْرِ الذي كَان يُفْصِحُ بهِ (٤) مِنَ الكَلاَمِ، ويَبْطُلُ بِقَدْرِ الذي كَانَ يَخْرُسُ عَنْهُ. قالَ عِيسَى: إذا ضَرَبَ رَجُل رأْسَ رَجُلٍ فَذَهَبَ بَعْضُ بَصَرِهِ، وطَلَبَ العَقْلَ،

стр. 671

فإنَّهُ يُعْمَدُ إلى رَجُلٍ مِنْ سِنَّهِ، بَصَرُهُ مِنْ أَوْسَطِ أَبْصَارِ ذَلِكَ السِّنِّ، فَيُجَرَّبُ أَقْصَى مُنتهَى بَصَرِهِ بِبَيْضَةٍ أو بِدِرْهَم، فَإذا عُرِفَ مُنتهَى بَصَرِهِ جُعِلَ فِي المَوْضِعِ عَلاَمَة، ثُمَّ يُقَاسُ بَصَرُ المَضْرُوبِ فَيُنْصبُ لَهُ ذَلِكَ الشَيءُ فِي المَوْضِع الذي انتهَى إليه بَصَرُ الأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ يُقْعَدَ فِي المَكانِ الذي أُقْعِدَ فِيهِ الأَوَّلُ، فإن أَبْصَرَ ذَلِكَ الشَّيءَ كَمَا أَبْصَرَهُ الأَوَّلُ فَإنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ بَصَرِهِ شَيءُ، وإنْ قَالَ: لا أُبْصِرُهُ، قُرِّبَ إليهِ أَبَدَاً حَتَّى يَقُولَ: قَدْ أَبْصَرُتُهُ، فَيَقُاسُ الآنَ مُنتهى بَصَرِهِ مِنْ بَصَر الأَوَّلِ، ويُعْرَفُ قَدْرُ تَقْصِيرِه عَنْهُ، فإنْ كَانَ ثُلُثاً أو نِصْفَاً كَانَ لَهُ بِقَدْرِ ثُلُثِ دِيةِ البَصَرِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الثُّلُثَ، أَو بِقَدْرِ نِصْفَ ذَلِكَ إنْ كَانَ نِصْفَاً أَو رُبْعَاً أَو مَا كَانَ بَعْدَ الإسْتِثْباتِ فِي ذَلِكَ، ويُقَاسُ ذَلِكَ فِي أَمْكِنَه شَتَّى ثُمَّ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ ويُعْطَى عَقْلَهُ. قالَ: وإنْ اخْتُلِفَ قَدْرُ بَصَرِهِ فِي هَذِه المَوَاضِعِ وكَانَ اخْتِلاَفَا يَسِيرَاً الذِّرَاعُ ونُحْوَه، أُحْلِفَ عَلَى الأقَلِّ مِنْ ذَلِكَ وعَقَلَ لَهُ النقْصَانُ، وإنْ كَانَ اخْتِلاَفَاً كَثيرَاً لا يُشَكّ فِي كَذِبهِ اسْتُوفِيَ بهِ وَخُوَّفَ اللهَ، فإذا بَلَغَ أَقْصَى أَمْرِهِ أُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ، وعَقَلَ لَهُ ذَلِكَ النقْصَانُ. قالَ: وأَمَّا نُقْصَانُ السَّمْعٍ فإنَّهُ يُنْظَرُ أَيْضَاً إلى رَجُلٍ مِنْ سِنِّهِ مِنْ أَوْسَطِ أَهْلِ ذَلِكَ الشن، فَيُفْعَلُ فِي ذَلِكَ نحْوَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الفِعْلِ فِي نُقْصَانِ البَصَرِ. قالَ: وأَمَّا نُقْصَانُ المَنْطِقِ فإنَّهُ يُقَدَّرُ ذَلِكَ بإجْتِهَادِ النَّاظِرِ إليهِ عَلَى نَحْوِ مَا يُتَوهَّمُ إذا اخْتَبَرهُ أَهْلُ العَدْلِ والمَعْرِفَةِ أيَّامَاً، فإذَا قَالُوا: إنَّهُ لَيَقَعُ فِي قُلُوبِنَا أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ نِصْفُ كَلاَمِهِ أَو رُبْعُهُ، وكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِيمَا يَرَوْنَهُ بيِّنَا أُعْطِيَ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فإنْ شَكُّوا فَقَالُوا: ذَهَبَ مِنْ كَلاَمِهِ الثُلُثُ أَو الرُّبع أُعْطِيَ ثُلُثُ الدِّيةِ، وكَانَ الظَّالِمُ أَحَقَّ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ. وقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّهُ يُخْتَبَرُ بالحُرُوفِ، فإنْ سَمَّاهَا كُلُّهَا لَمْ يُنْقَصْ مِنْ كَلاَمِهِ شَيء وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِبَعْضِهَا أُعْطِيَ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ كَلاَمُهُ مِنْهَا. وأَنْكَرَ مَالِكٌ هَذا القَوْلَ، وقالَ: الحُرُوفُ بَعْضُهَا أَثْقَلُ مِنْ بَعْضٍ فِي المَنْطَقِ،

стр. 672

وقالَ: بَلْ يُعْطَى بِقَدْرِ ما قالَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ إنَّهُ نَقَصَ مِنْ كَلاَمِهِ (١). قالَ: وأَمَّا نُقْصَانُ العَقْلِ فإنَّهُ إذا قالَ أَهْلُ التَّجْرُبةِ لَهُ أَنَّهُ لَيَفِيقُ أَكْثَرُ نَهَارِهِ، فَإفَاقتهُ قَدْرَ ثُلُثَيْ نَهَارِهِ، أَو ثَلاَثةَ أَرْبَاع نَهَارِه أُعْطِيَ مِنَ العَقْلِ بِقَدْرِ مَا رَأَوُهُ بإجْتِهَادِهِم، وإنْ شَكُّوا فِي ذَلِكَ احْتِيطَ لَهُ عَلَى الجَانِي، وكَانَ الجَانِي أَحَقُّ مَنْ حُمِلَ عَلَيْهِ. * إنَّمَا جَعَلَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ فِي السِّنِّ إذا ضُرِبَتْ فَاسْوَدَّتْ عَقْلُهَا تَامَّاً، ثُمَّ إنْ قُلِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ أَيْضَاً فِيهَا عَقْلُهَا [٣٢٠١] مِنْ أَجْلِ أَنَّ فِي السِّنّ جَمَالاً ومَنْفَعَةً، فإذا ضُرِبَتْ فَاسْوَدَّتْ فَقَدْ ذَهَبَ جَمَالُهَا، فَدِيةُ ذَلِكَ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ، ثُمَّ إنْ قُلِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ فِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ ذَهَبتْ مَنْفَعَتُهَا. * * *

стр. 673

بابُ جَرْحِ العَبْدِ، ودِيةِ الذِّمِّي * قالَ عِيسَى: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ فِي مُوضِحَةِ العَبْدِ، ومَنْقَلَتِهِ، ومَأْمُوَمَتِهِ، وجَائِفَتِه أَنَّهَا تَجْرِي مِنْهُ فِي قِيمَتِهِ كَمَا يَجْرِي ذَلِكَ مِنَ الحُرِّ فِي دِيَّتِهِ، ومَا سِوَى هَذا مِنْ جِرَاحِ العَبْدِ كَاليَدِ، والرِّجْلِ، والعَيْنِ فإنَّمَا فِيهِ قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ العَبْدِ [٣٢١١]. قالَ عِيسَى: لأَنَّ المَأْمُومَةَ، والجَائِفَةَ، والمَنْقَلَةَ، والمُوضِحَةَ قَدْ يَبْرَأَنِ، ويَعُدْنَ إلى حَالِهِنَّ بِغَيْرِ نَقْصٍ مِنَ الجَسَدِ، وأَمَّا مَا سِوَاهُنَّ كاليَدِ، والرِّجْلِ، والعَيْنِ يَذْهَبُ ذَلِكَ مِنْ جَسَدِ العَبْدِ، ورُبَّمَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ إبْطَالُهُ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ فِيهِ مَا نُقِصَ مِنْ ثَمَنِهِ، يُقَامُ صَحِيحَاً، ثُمَّ يُقَامُ مَعِيبَاً، ثُمَّ يُغْرَمُ الجَانِي قَدْرَ مَا نَقَصَهُ مِنْ قِيمَتِهِ صَحِيحَاً. قالَ: وإذا جُرِحَ العَبْدُ خَطَأ فَصَحَّ مِنْ ذَلِكَ الجَرْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى جَارِحِهِ شَيءٌ مِمَّا أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ ولَا غَيْرُهُ، إلَّا أَنْ يَبْرَأَ عَلَى عَثَلٍ (١)، فَيَكُونُ (٢) عَلَى مَنْ أَصَابَهُ قَدْرَ مَا نَقَصَهُ، فإنْ كَانَ الذي أَصَابَهُ بِذَلِكَ عَمَدَ لِجَرْحِهِ أَدَّبَهُ السُّلْطَانُ بَعْدَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ قِيمَةُ مَا نَقَصَهُ. * قالَ ابنُ القَاسِمِ: فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي العَبْدِ المُسْلِمِ يَجْرَحُ اليَهُودِيَّ أو النَّصْرَانِيَّ أَنَّ سَيِّدَ العَبْدِ إنْ شَاءَ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ مَا أَصَابَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وإنْ شَاءَ أَنْ

стр. 674

يُسْلِمَهُ أَسْلَمَهُ بِجِنَايَتِهِ، فَيُعْطَى اليَهُودِيُّ أَو النَّصْرَانِيُّ دِيةَ جَرْحِهِ مِنْ ثَمَنِ العَبْدِ أَو ثَمَنِهِ كُلِّهِ إن أَحَاطَ بِثَمَنِهِ [٣٢١٢]. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وهَذِه المَسْأَلةُ خَطَأ فِي الكِتَابِ، وقَدْ كَانَ يُقْرَأُ هَكَذا عَلَى مَالِكٍ فَلَا يُغيرُهُ، وإنَّمَا الأَمْرُ فِيهِ إذا أَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ فِي الجِنَايةِ فَبِيعَ أَنَّ للنَصْرَانِيِّ أَو اليَهُودِيِّ جَمْيعُ الثَّمَنِ الذِي يُبَاعُ بهِ كَانَ أَقَلَّ مِنْ دِيةِ جَرْحِهِ أو أَكْثَرَ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الصَّحِيحُ فِي هَذِه المَسْأَلةِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي المُوطَّأ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّصْرَانِى لَا يَتَمَلَّكُ العَبْدَ المُسْلِمَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِهِ إذا بِيعَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الجِنَايةِ إذا زَادَ ثَمَنُهُ عَلَى قِيمَتِهَا، والبَاقِي يَكُونُ للمُسْلِمِينَ، ولَا يَكُونُ مِنْهُ شَيء للسَّيِّدِ، لأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَهُ فِي الجِنَايةِ (١). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ذَكَرَ أَبو دَاوُدَ فِي مُصَنَفِهِ حَدِيثَاً مِنْ طَرِيقِ عَمْروِ بنِ شُعَيْب، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّه أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "دِيةُ المُعَاهِدِ مِثْلُ نِصْفِ دِيةِ الحُرِّ المُسْلِمِ" (٢)، وبِهَذا حَكَمَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي المَدِينَةِ بِحَضْرَةِ التابِعِينَ، وَهُوَ خِلاَفُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: (إنَّ دِيةَ المُعَاهِدِ مِثْلُ دِيةِ الحُرِّ المُسْلِمِ) (٣)، ويَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: ٩٢] قالَ أبو مُحَمَّدٍ: هَذا كَلاَلم مَعْطُودت عَلَى أَوَّلِ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، يَعْنِي: إنْ كَانَ المَقْتُولُ مُؤْمِنَاً وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ كَفَرَةٍ أَعْدَاءٍ للمُؤْمِنِينَ

стр. 675

فَلأَهْلِهِ الدِّيةِ إذا كَانُوا مُسْلِمِينَ ولَمْ يَكُونُوا كَفَرة، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الكَافِرَ لَا يَرِثُ المُسْلِمَ، وَيعْتِقُ القَاتِلُ رَقَبَةً مُؤْمِنَة مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ قَالَ [جَلَّ وَعَزَّ] (١): ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، فإنَّمَا هَذا كُلُّهُ فِي مَقْتُولٍ مُؤْمِنٍ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ المَذْكُورينِ، لَا فِي أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ. قالَ مَالِكٌ: دِيَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرَانِيِّ مِثْلُ نِصْفِ دِيةِ الحُرِّ المُسْلِمِ، ودِيةُ المَجُوسِيِّ [ثَمَانِمَائِةِ] (٢) دِرْهَمٍ، ودِيَةُ نِسَائِهِمْ كُلِّهِمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيةِ رِجَالِهِم (٣). * * *

стр. 676

بابُ مَا يُوجِبُ عَلَى الرَّجُلِ العَقْلُ في مَالِهِ، ومِيرَاثِ العَقْلِ، والتَّغْلِيظِ فِيهِ * السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى العَاقِلَةِ عَقْلٌ فِي قَتْلِ العَمْدِ، [وإنَّمَا] (١) عَلَيْهِمْ عَقْلُ قَتْلِ الخَطَأ، وأنَّ دِيةَ العَمْدِ عَلَى الجَانِي، وأَنَّهَا لَا تُقَطعُ عَلَيْهِ كَمَا تُقَطَّعُ دِيةُ الخَطَا عَلَى العَاقِلَةِ (٢)، ولَكَنْ يَنْبَغِي لِوَليّ الدَّمِ أَنْ يُتْبِعَ القَاتِلَ بِمَعْرُوفٍ، ويُؤَدِّي إليه المَطْلُوبَ بإحْسَانٍ، ولَيْسَ فِي ذَلِكَ أَجَلٌ يُحْكَمُ بهِ (٣) عَلَى أَوْلِيَاءِ القَتِيلِ، وتُورَثُ الدِّيةُ عَلَى فَرَائِضِ اللهِ ، وتَرِثُ مِنْهَا الزَّوْجَةُ فَرْضَهَا فِي كِتَابِ اللهِ، لِقَوْلهِ : ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، كَمَا قَالَ [فِي مَوْضِعٍ آخَرَ جَلَّ وعَزَّ] (٤): ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، ولَىْ يَسْتَثْنِ بَعْضَ الأَهْلِينَ فِي تَسْلِيمِهِم الدِّيةَ إليهِم، إلَّا مَنْ مَنَعَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ القَاتِلُ الذِي يَقْتُلُ وَليَّهُ لِيَرِثَهُ، فَهَذا يُمْنَعُ مِيرَاثُهُ، لِقَولِ النبيِّ ﷺ : "لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاث" (٥)، فَصَارَ هَذا مَمْنُوعَاً مِنَ المِيرَاثِ، بِسَبِبِ مَا أَحْدَثَهُ مِنَ القَتْلِ، فَوَجَبَ بهَذا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ لَيْسَ بمَنُوع أنْ يَرِثَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ الدِّيةِ، وقَدْ وَرَّثَ رَسُولُ الله ﷺ امرأة أشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيةِ زَوْجِهَا، وحَكَمَ بهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ [٣٢٢٨]، كَمَا حَكَمَ عَلَى الذِي رَمَى ابْنَهُ بالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ بالدِّيَةِ مُغَلَّظَةً، ولَمْ يَقْتُلْهُ بهِ

стр. 677

لِحُرْمَةِ الأُبُّوَةِ، وأَمَرَ سُرَاقَةَ بِجَمْعِ إبِلِ تِلْكَ الدِّيةِ [٣٢٢٩]، مِنْ أَجْلِ أنَّ سُرَاقَةَ كَانَ سَيِّدَ ذَلِكَ الحَيِّ، ثُمَّ دَفَعَهَا عُمَرُ إلى أَخِي المَقْتُولِ، لأَنَّهُ هُوَ الذِي انْفَرَدَ بِمِيرَاثِهِ، ولَمْ يَحْجِبْهُ أَبُوهُ عَنِ المِيرَاثِ، لأَنَّهُ لَمْ يَرِثْ ابْنَهُ المَقْتُولِ بِسَببِ قَتْلِهِ إيَّاهُ، وكُلُّ مَنْ لَا يَرِثْ فَلَا يَحْجِبْ وَارِثَاً عَنْ مِيرَاثِهِ، ولَيْسَ يُقْتَلُ الأَبُ بابْنِهِ، إلَّا أَنْ يُضْجِعَهُ الأَبُ فَيَذْبَحُهُ، فَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ بِهِ، والأُمُّ مِثْلُ الأبِ فِي هَذا، ولَكِنْ تُغَلَّظُ عَلَيْهِمَا الدِّيةُ، يَكُونُ فِيهَا ثَلاَثُونَ حِقَّةً، وثَلاَثُونَ جَذَعَةً، وأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُويهَا أَوْلاَدَهَا، وهَكَذا حُكْمُ أَهْلِ الإبِلِ في تَغْلِيظِ الدِّيةِ عَلَيْهِمِ. قالَ عِيسَى: وتَفْسِيرُ تَغْلِيظِهَا عَلَى أَهْلِ الوَرِقِ أَو الذَّهَبِ أَنْ يُنْظَرَ إلى قِيمَةِ [دِيةِ] (١) أَسْنَانِ الخَطَأ، فَيُعْرَفُ مَا قِيمَتُهَا، فإنْ قِيلَ قِيمَتُهَا سِتِّمَائةِ دِينَارٍ، قِيلَ: فَمَا قِيمَةُ أَسْنَانِ التَّغْلِيظِ، فإنْ قِيلَ ثَمَانِمَائةٍ، فَبَيْنَ القِيمَتَينِ مَائَتانِ، وَهُوَ مِقْدَارُ ثُلُثِ دِيةِ الخَطَأ، فَيُزَادُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَب أَو الوَرِقِ قَدْرَ مَا يَزِيدُهُ بهِ التَّغْلِيظُ عَلَى دِيةِ الخَطَأ قَلَّ ذَلِكَ أَو كَثُرَ، وكَذَلِكَ تُغَلًّظُ الدِّيةُ أَيْضَاً عَلَى الأَبِ إذا جَرَحَ ابْنَهُ جَرْحَا لَهُ فِيهِ قِصَاصٌ، كَمَا تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الدِّيةُ فِي النَّفْسِ (٢). * قالَ ابنُ القَاسِمِ: كَانَتْ قِصَّةُ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلاَح فِي الجَاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَتَلَ قَرِيبَهُ طَمَعَاً مِنْهُ فِي أَنْ يَرِثَهُ فَحُرِمَ مِيرَاثَهُ، لأَنَّهُ لَا مِيرَاثُ لِمَنْ قتَلَ وَلِيَّهُ [٣٢٣١]. قالَ عِيسَى: قَوْلُهُ: (كُنُّا أَهْلَ ثُمَّةٍ وَرُمؤ)، يَعْنِي: خَؤولَةُ المَقْتُولِ الذِينَ كَانُوا قَدْ رَبّوهُ عِنْدَهُمْ، كُنَّا أَهْلُ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، الثُّمُّ: هُوَ الخَيْرُ، والرُّمُّ: هُوَ الشَّرُّ. (حَتَّى إذا اسْتَوَى عَلَى عَمَمِّهِ)، يَعْنِي إذا اسْتَوى وتَمَّ وبَلَغَ عَلَيْنَا (حَقُّ امْرِئٍ فِي عَمِّهِ)، أَي: غَلَبَنَا عَلَى مِيرَاثِهِ حَقَّ عَصَبَتِهِ، فأَخَذُوا مَالَهُ وَوَجَبتْ لَهُمْ دِيَّتَهُ، ولَمْ يَكُنْ لِخَؤُلَةِ المَقْتُولِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، لأَنَّ الخَؤُولَةَ لَيْسُوا بِعَصَبةٍ، وإنَّمَا العَصَبةُ

стр. 678

مِنْ قِبَلِ الأَبِ، ولَمْ يَأْخُذْ القَاتِلُ عَمَّ المَقْتُولِ مِنْ ذَلِكَ [كُلِّه] (١) شَيْئَاً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ قتَلَهُ عَمْدَاً، فَلِهَذا لَا يَرِثُ قَاتِلُ العَمْدِ مَنْ قتَلَهُ مِنْ قَرَابَتِهِ، وأَمَّا إذا قتَلَهُ قَرِيبُهُ خَطَأ فإنَّهُ يَرِثُ المَالِ ولَا يَرِثُ الدِّيةَ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَاتِلَ الخَطَأ لَا يَرِثُ مِنْ المَالِ شَيْئَاً ولَا مِنَ الدّيةِ، والأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينةِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: وتَشْبَهُ هَذِه القِصَّةُ قِصَّةُ الذي كَانَ قَتَلَ قَرِيبَهُ فِي زَمَنِ (٢) مُوسَى ﵇ لِكَيْ يَرِثَهُ، فَحَكَمَ مُوسَى فِي ذَلِكَ بالقِصَاصِ، وحَرَمَ القَاتِلَ المِيرَاثَ (٣)، وبِهَذا يُحْكَمُ فِي شَرِيعَتِنَا، وحَكَمَ بهِ عُمَرُ فِي المُدْلِجِيِّ الذِي قتَلَ ابْنَهُ، أُعْطِيَ دِيةُ المَقْتُولِ لأَخِيهِ. * * *

стр. 679

تَفْسِيرُ بَاقِي أبْوَابِ كِتَابِ العُقُولِ * قَوْلُ النبيِّ ﵇: "جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ" [٣٢٣٤]، يَعْنِي: جَرْحَ البَهَائِمِ هَدْرٌ، ولَا دِيَةَ فِيهَا عَلَى أَرْبَابِ البَهَائِمِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرْحُهَا بِسَبَبِ قَائِدِ الدَّابّةِ، أَو سَائِقِهَا، أو رَاكِبِهَا، فَيَلْزَمَهُمْ [حِينَئِذٍ] (١) ضَمَانُ مَا جَنَتِ (٢) الدَّابّهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ جِنَايَتِهَا كَانَتْ بِسَبَبِهِمْ، وهَذا إجْمَاع مِنَ الفُقَهَاءِ المَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ (٣). * قالَ عِيسَى فِي الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ نَزَلاَ فِي البئْرِ فَجَبَذَ الأَسْفَلُ الأَعْلَى فَخَرَّ عَلَيْهِ فَمَاتَا، فَوَجَبتْ دِيةُ الأَعْلَى عَلَى عَاقِلَةِ الأَسْفَلِ [٣٢٣٧]، وإنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ دِيةُ الأَعْلَى لأَنَّ مَوْتَهُ كَانَ بِسَبَبِ الذي جَبَذَهُ، ولَمْ يَكُنْ للأَسْفَلِ الجَابِذِ دِيَة ولَا عَقْل، لأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ، ولَيْسَ يَعْقِلُ عَمَّنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَنْ أَمَرَ صَبيَّاً أَنْ يَفْعَلَ شَيْئَأ فِيهِ غَرَر فَفَعَلَهُ الصَّبِيُّ وتَلِفَ فِي ذَلِكَ كَانَ الضَّمَانُ فِي ذَلِكَ عَلَى الآمِرِ (٤)، لأنَّهُ غَرَّرَ بالصَّبِيِّ، وكَانَ هَلاَكُهُ مِنْ سَبَبهِ (٥)، وأَمَّا إذا أَمَرَ بذَلِكَ كَبيراً فَهَلَكَ فِيهِ الكَبيرُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الآمِرِ شَيءٌ، لأَنَّ الكَبِيرَ قَدْ عَلِمَ قَدْرَ مَا أُمِرَ بِهِ، لأَنَّه إذا قِيلَ لَهُ: اطْلَعْ فِي هَذِه النَّخْلَةِ، أو أَنْزِلْ فِي

стр. 680

هَذا البئْرِ (١) أنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ فِي ذَلِكَ، فَلِهَذا لا تَكُونُ لَهُ دِيَةٌ إنْ هَلَكَ [فِي ذَلِكَ] (٢) عَلَى الَذِي أَمَرَهُ، ولَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، إلَّا أَنْ يُغَرَّرَ بالكَبِيرِ فِيمَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ فَيَهْلَكُ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عَلَى الآمِرِ ضَمَانُ مَا أَصَابَهُ مِنْ دِيةِ نَفْسٍ، أَو أَرْشِ جَرْحٍ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ مَالِكٍ: (عَقْلُ المَوَالِي تَلْزَمُهُ العَاقِلَةُ كَانُوا أَهْلَ دِيوَالغ أَو مُنْقَطَعِينَ) [٣٢٤٠]، وتَفْسِيرُ هَذا: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ لَمَّا افْتُتِحَتْ الأَمْصَارُ فِي أيَّامِهِ، وكَثُرَتِ الجُيُوشُ دُونَ الدَّوَاوِينِ، فَجَعَلَ جُنْدَ أَهْلِ الحِجَازِ فِي دِيوَانٍ، وأَهْلِ العِرَاقِ فِي دِيوَانٍ، [وأَهْلِ الشَّامِ فِي دِيوَانٍ] (٣)، فإذا جَنَى أَحَدٌ مِنْ مَوَالِي أَهْلِ تِلْكَ الدَّوَاوِينِ جِنَايةً كَانَتْ جِنَايَتَهُ عَلَى أَهْلِ دِيوَانِ مَوْلَاهُ، يُؤَدُّونَها عَنْهُمْ كَمَا تَفْعَلُ العَاقِلَةُ. قالَ: وكَذَلِكَ حُكْمُ المُنْقَطَعِينَ فِي الدَّوَاوِينِ الذينَ لَيْسُوا بِمَكْتُوبِينَ فِيهِم أَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْ مَوَالِيهِم كَمَا يَعْقِلُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، تَعْقِلُ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَنْ مَوَالِيهَا. قالَ ابنُ القَاسمُ: وكَانَ يُؤْخَذُ مِنْ أَعْطِيَاتِ النَّاسِ الذينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ، بِسَببِ جِنَايةٍ لَزِمَتْهُمْ مِنْ كُل مَائةِ دِرْهَمٍ دِرْهَمٌ ويصْفٌ فِي كُلِّ عَطِيَّةٍ يُعْطُونَهَا، ويُدْفَعُ ذَلِكَ إلى المُجْنَى عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوفِي أَرْشَ جِنَايَتِهِ. قالَ مَالِكٌ: ومَنْ كَانَ مَعَ غَيْرِ قَوْمِهِ فِي دِيوَانٍ فَلْيَعْقِلْ مَعَهُمْ، ويَعْقِلُونَ عَنْهُ دُونَ قَوْمِهِ كَمَا تَفْعَلُ العَصَبةُ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا قَتَلَتْ حَفْصَةُ مُدَبَّرَتهَا حِينَ سَحَرتْهَا [٣٢٤٧]، مِنْ أَجْلِ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِر، وقَدْ قالَ النبيُّ ﷺ : "حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بالسَّيْفِ" (٤)، وقَدْ حَكَى اللهُ عَنْ هَارُوتَ ومَارُوتَ أنَّهُمَا يَقُولاَنِ للَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ السِّحْرَ

стр. 681

مِنْهُمَا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، [وقَدْ] (١) قالَ اللهُ [جَلَّ وعَزَّ]: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ للَقَتْلِ بِتَعْلِيمِهِم السِّحْرَ وعَمَلِهِ (٢). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: والذِي يُؤْمَرُ بهِ سَيِّدُ العَبْدِ إذا عَمِلَ العَبْدُ السِّحْرَ أَنْ يُرْفَعَ أَمْرُهُ إلى السُّلْطَانِ، فَيَكُونُ السُّلْطَانُ هُوَ الذِي يَقْتُلُهُ بَعْدَمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. قالَ عِيسَى: كُلُّ مَنْ وَجَبَ لَهُ القَوَدُ فَلَمْ يُحْكِمْ قَتْلَ قَاتِلِ وَلِيِّهِ، أَو جَزَعَ لِذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يُجْهِزُ عَلَى المَقْتُولِ إذا كَانَ القَتْلُ بالسَّيْفِ، وأما إذا كَانَ القَتْلُ بالعَصَا فإنَّ الوَليَّ يَضْرِبُ أَبَدأ بِمِثْلِ مَا قُتِلَ بهِ وَلِيُّهُ حَتَّى تَذْهَبَ نَفْسُ القَاتِلِ، ولَا يُتْرَكُ يَطُولُ تَعْذيبه لَيَحْتهدْ فى ذَلكَ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٣): إنَّمَا وَجَبَ الحَدُّ عَلَى المُفْتَرِي قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ إذا افْتَرَى عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَعَرَّةَ الفِرْيةِ تَبْقَى عَلَى المُفْتَرَى عَلَيْهِ إذا لَمْ يُجْلَدْ قَاذِفُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ ولَيْسَ ذَلِكَ فِي الجِرَاحِ، لأَنَّ القَتْلَ يأتِي عَلَيْهَا، فَلِذَلِكَ لَا يُجْرَحُ المُفْتَرِي لِمَنْ جَرَحَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، إلَّا أنْ يَعْفُوا أَوْلِياءُ النَّفْسِ لَهُ عَنْ قَتْلِهِ عَلَى أَخْذِ دِيةٍ أَو غَيْرِهَا، فإنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ حِينَئِذٍ لأَهْلِ الجِرَاحِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ قَوَد فِي شَيءٍ مِنَ الجِرَاحِ، مِنْ أَجْلِ أنَّ العَبْدَ سِلْعَة مِنَ السِّلَعِ، فَعَلَى مَنْ جَرَحَهُ أَو أَعَابَهُ قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ صَحِيحَاً، ولَمْ يُقْتَل الحُرُّ بالعَبْدِ لأَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فَجَعَلَ نَفْسَ [الُحرِّ] (٤) مُمَاثِلَةً لِنَفْسِ حُرٍّ مِثْلِهِ، كَمَا جَعَلَ نَفْسَ العَبْدِ مُمَاثِلَة لِعَبْدٍ مِثْلِهِ، فإذا قَتَلَ حُرٌّ عَبْدَاً خَطَأ وَدَى قِيمَتَهُ إلى سَيِّدِه، فإنْ قتَلَهُ عَمْدَاً أَدَّبَهُ السُّلْطَانُ، وأَخَذَ سَيِّدُهُ مِنْهُ قِيمَتَهُ، ويُقْتَلُ العَبْدُ بالحُرِّ.

стр. 682

قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا يُقْتَلُ العَبْدُ بالحُرّ عَلَى وَجْهِ الإرْتدَاعِ لَا عَلَى جِهَةِ المُمَاثَلِةِ، وقَدْ قَالَ النبيُّ ﷺ : (لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ)، وقَدْ يُقْتَلُ المُؤْمِنُ بالكَافِرِ إذا قتَلَهُ المُؤْمِنُ قَتْلَ غِيلَةٍ، لأَنَّ الغِيلَةَ مِنَ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ، وقَدْ أَمَرَ اللهُ بِقَتْلِ مَنْ سَعَى فِي الأَرْضِ فَسَادَاً، فَلِهَذا يُقْتَلُ بهِ. * قالَ مَالِكٌ: (إذا عُفِيَ عَنِ القَاتِلِ عَمْدَاً بَعْدَ أنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ القَتْلُ ضَرَبَهُ السُّلْطَانُ مَائةً وسَجَنَهُ عَامَاً) [٣٢٦٣]، ولَا يَنْبَغِي للسُّلْطَانِ أَنْ يَعْفُو عَنْ هَذا الأَدَبِ، لأَنَّ فِي أَدَبِهِ ارْتدَاعٌ لِمَنْ هَمَّ أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. قالَ ابنُ نَافِعٍ: مَنْ حَبَسَ رَجُلاً لِرَجُلٍ يَتْبَعَهُ فَقتَلَهُ المُتْبَعُ، فإنْ حَبَسَهُ لَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ قتْلَهُ فإنَّ السُّلْطَانَ يَقْتُلُ القَاتِلَ، وُيعَاقِبُ المُمْسِكُ بِقَدْرِ مَا يَرَى مِنَ العُقُوبَةِ بهِ. وقالَ عِيسَى: يَضْرِبُهُ مَائةً، ويَسْجِنُهُ عَامَا. قالَ ابنُ نَافِعٍ: وإنْ أَمْسَكَهُ لَهُ وَهُوَ يَرَاهُ يَطْلُبُهُ بِسَيْفٍ أَو رُمْحٍ فَقَتَلَهُ فإنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ بهِ جَمِيعَاً، لأَنَّهُمَا تَعَاونَا عَلَى قَتْلِهِ. [قالَ] (١) ابنُ مُزَيْنٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَلاَءُ المُعْتِقِ سَائبةٍ لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، هُمْ يَرِثُونَهُ، ويَعْقِلُونَ عَنْهُ (٢). * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا خِلاَفُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ الدِّيةَ إنْ قتلَ، فإنْ قَتَلَ هُوَ أَحَدَاً خَطَأ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دِيَةٌ [٣٢٧١]. ومَعْنَى قَوْلِ الرَّجُلِ لِعُمَرَ: (هُوَ إذاً كَالأَرْقَمِ إنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ، وإنْ يُقْتَلَ يَنْقَمْ)،

стр. 683

يَعْنِي: هُو إذًا كَالحَنَشِ إنْ تُرِكَ لَسَعَ، وإنْ قُتِلَ انتُقِمَ لَهُ، نَحْوَ قِصَّةِ الأَنْصَارِيِّ الذِي قتَلَ الحَيَّةَ، ورَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ، فَاضْطَرَبتِ الحَيَّةُ في رَأْس الرُّمْح وخَرَّ الأَنْصَارِيُّ مَيْتَاً" (١). يَقُولُ: فَقَدْ صَارَ هَذا المُعْتِقُ سَائِبَةً، بِمَنْزِلَةِ الحَنَشِ إنْ قتَلَنِي خَطَأ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دِيةٌ، وإنْ قتَلْتُهُ أَنَا كَانَتْ دِيَّتُهُ عَلَى عَاقِلَتِي، والذِي قَالَ مَالِكٌ: إنَّ عَقْلَ جِنَايةِ السَّائِبَةِ عَلَى جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، كَمَا يَرِثُونَهُ كَذَلِكَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، وكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ يُعْتَقُ مِنَ الزَّكَاةِ. * * * تَمَّ كِتَابُ العُقُولِ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَتْلُوهُ كِتَابُ القَسَامَةِ بِحَوْلِ اللهِ. * * *

стр. 684

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا تَفْسِيرُ كِتَابِ القَسَامَةِ * رَوَى يَحْيىَ عَنْ مالك، عَنْ أَبي لَيْلَى، عَنْ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ [٣٢٧٥] , ورَوَاهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مالك، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبي لَيْلَى، عَنْ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ [هُوَ وَ] (١) رِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ، وهَذا هُوَ الصَّحِيحُ. وفِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ المَقْتُولَ إذا قُتِلَ وطُرِحَ عَلَى بَابِ قَوْمٍ لَمْ يُؤْخَذُوا بِدَمِهِ، وإنَّمَا تَعَلَّقَتْ تُهْمَةُ القَتْلِ في هَذِه القِصَّةِ عَلَى اليَهُودِ مِنْ أجْلِ عَدَاوَتهِم للمُسْلِمِينَ، وفِيهِ أَيْضًا: تَبْدِئَةُ أَوْلِياءِ الدَّمِ بالقَسَامَةِ، وتَقْدِمَةُ الأَسَنِّ فَالأَسَنِّ فِيمَا يَسْتَوي فِيهِ أَمْرُ الجَمَاعَةِ، وتَكُونُ دَعْوَاهُمْ في ذَلِكَ وَاحِدةٌ. وحَدَّثنا أَبو مُحَمَّدِ بنُ عُثْمَانَ، قالَ: حدَثنا سَعِيدُ بنُ [خُمَيْرٍ] (٢)، قالَ: حدَّثنا ابنُ مُزَيْنٍ، قالَ: حَدَّثنا مُطَرِّفٍ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، عَنْ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "البيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، واليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، إلَّا في القَسَامَةِ، فإنَّ المُبَدِّينَ فِيهَا المُدَّعُونَ" (٣)، يَعْنِي: يُبَدَّا فِيهَا بالأيْمَانِ المُدَّعُونَ لِلدَمِ.

стр. 685

[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (١): وفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَهْلٍ تَوَرُّعِ الإنْسَانِ عَنْ أنْ يَحْلِفَ إلَّا فِيمَا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ وحَقِيقتَهُ، وَوَدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ دِيةَ ذلِكَ المَقْتُولِ مِنْ عِنْدِه عَلَى سَبِيلِ المَصْلَحَةِ، ومِثْلُ هَذا القَتْلِ لا دِيةَ فِيهِ. وقَدْ رَوَى ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ قُتِلَ فَادَّعَى بَعْضُ أَوْلِيَائِهِ قُتِلَ عَمْدًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا عِلْمَ لَنَا بِمَنْ قَتَلَهُ ولَا نَحْلِفُ، فإنَّ دَمَهُ بَطْل هَدْرٌ) (٢)، يَعْنِي: تَسْقُطُ دَعْوَاهُمْ بِنُكُولهِمْ عَنِ الأَيْمَانِ، ومَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الدَّمَ لا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا. قالَ الزّهْرِيُّ: قالَ حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٣): (كَانَتِ القَسَامَةُ في الجَاهِلِيَّةِ، فأَقَرَّهَا النبي ﷺ في الإسْلَامِ) (٤)، ومَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لا يُقْسَمُ في قَتْلِ العَمْدِ مِنْ أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا. قالَ عَبْدُ المَلِكِ (٥): لأن النبيَّ ﷺ إنَّمَا عَرَضَهَا عَلَى جَمَاعَةٍ، والجَمَاعَةُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وتَجِبُ القَسَامَةُ أَيْضًا في قَتْلِ الخَطَأ، وإنْ كَانَ لا يُقْتَلُ [قَاتِلُ] (٦) الخَطَأ، وذَلِكَ أَنَّ الدِّيَةَ لا تَكُونُ في قَتْلِ الخَطَأ حَتَّى يَكُونَ دَمًا، والدَّمُ لا يَسْتَحِقّ بأقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَلِذَلِكَ يُقْسَمُ في الخَطَأ كَمَا يُقْسَمُ في العَمْدِ. قالَ عِيسَى: إذا ادُّعِيَ القَتْلُ عَلَى جَمَاعَةٍ قِيلَ لأَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ: احْلِفُوا عَلَى مَنْ شِئْتمْ مِنْهُم خَمْسِينَ يِمِينًا أَنَّ مَنْ ضَرَبَهُ مَاتَ، فإذَا حَلَفُوا قُتِلَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ،

стр. 686

ويُضْرَبُ الآخَرُونَ مَائةً مَائَةً، ويُحْبَسُونَ عَامًا ثُمَّ يُخْلَى سَبِيلُهُمْ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَعْنِي أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ إنَّهُمْ ضَرَبُوهُ جَمِيعًا، وأنَّ مَنْ ضَرَبَ فُلَانًا مَاتَ، فإذَا كَانَ القَتْلُ خَطَأ حَلَفُوا عَلَيْهِم أَنَّهُ مَاتَ مِنْ قَتْلِهِمْ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ دِيةَ المَقْتُولِ مِنْ عَوَاقِلِهمْ. فأما إذا كَانَ المُدَّعُونَ للدَّمِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا فإنَّ الأَيْمَانَ تُرَدَّدُ عَلَيْهِمْ، ومَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَحْلِفُ هَذَا يَمِينَاً، وهَذا يَمِينَاً، ثُمَّ يُرْجَعُ إلى الأَوَّلِ فَيَحْلِفُ، ثُمَّ الذي يَلَيْهِ، ثُمَّ الذِي يَلَيْهِ، حَتَّى تَتِمُّ الأَيْمَانُ كُلُّهَا. قالَ مَالِكٌ: وإنَّمَا يَحْلِفُونَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الدّيَةِ، وإذَا وَقَعَ في الأَيْمَانِ كُسُورًا أتمَّهَا أَكْبَرُهُمْ مِيرَاثًا مِنَ المَقْتُولِ، وإذا أَبَى وُلَاةُ المَقْتُولِ مِنَ الأَيْمَانِ صُرفَتِ الأَيْمَانُ عَلَى المُدَعَى عَلَيْهِ، فَيَحْلِفُ باللهِ خَمْسِينَ يِمِينًا أَنَّهُ مَا قتلَ، ويَبْرَأُ مِنَ التَّبِعَةِ. فإنْ كَانَ المُدَّعَى عَلَيْهِمْ جَمَاعَة حَلَفَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا (١). رَوَى ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ مالك أَنَّهُ قَالَ: تُوجَبُ القَسَامَةُ بالشَّاهِدِ الوَاحِدِ العَدْلِ، أَو اللَّوْثُ مِنَ البَيِّنَةِ (٢)، وإنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً يُرَى المُتَهَّمُ نَحْوَ المَقْتُولِ وقُرْبِهِ، وإنْ لَم يَرَوْ حِينَ أَصَابَهُ. قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: قِصَّةُ صَاحِبِ بَنِي إسْرَائِيلَ حِينَ أَحْيَاهُ اللهُ وقَالَ: (قتَلَنِي فُلَانٌ) دَلِيل عَلَى قَبُولِ قَوْلِ المَقْتُولِ: (دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، وَهُوَ الذِي قتلَنِي)، ويُقْسَمُ مَعَهُ (٣).

стр. 687

قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولا يَقْسِمُ في العَمْدِ إلَّا اثنَانِ فَصَاعِدًا كَمَا أَنَّهُ لا يُقْتَلُ بأَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، ولِذَلِكَ لا يَحْلِفُ النّسَاءُ في العَمْدِ، إذْ لا تَجُوزُ شَهَادَتَهُنَّ فِيهِ، ويَحْلِفْنَ في الخَطَأ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَالٌ، وشَهَادَتَهُنَّ في الأَمْوَالِ جَائِزَةٌ. قالَ عِيسَى: الذينَ لا يُقْتَلُ المُدَّعَى عَلَيْهِمْ القَتْلُ بِسَببِ نُكُولهِمْ عَنِ الأَيْمَانِ هُم البَنُونُ والأُخْوَةُ، فإذَا عَفَى أَحَدُهُمْ عَنِ المُدَّعَى عَلَيْهَمْ فَلَا سَبيلَ إلى الدَّمِ، ويَكُونُ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إنْصَافُهُمْ مِنَ الدِّيَةِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ، وهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وقالَ ابنُ القَاسِمِ: لا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الدّيةِ شَيءٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَقْسَمُوا ثُمَّ عَفَى بَعْضُهُمْ، فأما إذا نَكَلَ أَحَدُهُمْ عَنِ القَسَامَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَقِيَ شَيءٌ مِنَ الدِّيةِ. قالَ عِيسَى: وإذا كَانَ أَؤلِياءُ الدَّمِ مِنَ العَصَبةِ وللمَقْتُولِ بَنَاتٌ فَعَفَى أَحَدٌ مِنَ العَصَبةِ أَو البَنَاتِ وأَبَى الآخَرُونَ مِنَ الغُفْرَانِ مَنْ قَامَ بالدَّمِ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الذينَ عَفَوا عَنْهُ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: وإذَا رُدَّتِ الأَيْمَانُ عَلَى أَوْلياءِ القَاتِلِ حَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا وبَرِيءَ المُدَعَى عَلَيْهِ، ولَا يَحْلِفُ مِنْهُمْ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ تُرَدَّدُ عَلَيْهِمَا الأَيْمَانُ أنَّ وَلِيَّهَمْ مَا قُتِلَ، وإنَّمَا هَذَا إذا تَطَوَّعُوا بَحْمِلِ الأيْمَانِ عَنْهُ، ولَا يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَهُمْ بَعْضُهَا، إمَّا أَنْ يَحْلِفُوهَا كُلّهَا أَو يَتْرُكُوهَا عَلَيْهِ، وذَلِكَ أَنَّهُ لا يُبَرَّئُ المُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّمِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا. * قالَ مَالِكٌ: (لَوْ عُمِلَ في الدِّمَاءِ كَمَا يُعْمَلُ في الحُقُوقِ هَلَكَتِ الدّمَاءُ، واجْتَرأَ النَّاسُ عَلَيْهَا) [٣٢٨٠] , فإذَا حُكِمَ فِيهَا بِقَوْلِ المَقْتُولِ ارْتَدَعَ النَّاسُ عَنِ القَتْلِ خِيفَةَ القَوَدِ مِنْهُمْ.

стр. 688

وقالَ غَيْرُهُ: قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] , تَأويلُهُ: أَنَّ القَاتِلَ إذا هَمَّ بالقَتْلِ وذَكَرَ أَنَّهُ يُقْتَصّ مِنْهُ تَرَكَ القَتْلَ الذِي هَمَّ بهِ، فَكَانَ ذَلِكَ حَيَاةٌ لَهُ. قالَ عِيسَى: إذا ضَرَبَ رَجُلٌ رَجُلًا أَو وَكَزَهُ فَادَّعَى أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ فإنَّهُ يُحْمَّلُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَمَّلَ، وتَمْضِي القَسَامَةُ عَلَى سُنَّتِهَا، وإنْ رَمَى بِذَلِكَ خَيْرَ النَّاسِ، وأصْدَقُ مَا يَكُونُ الرَجُلُ إذا نَزَلَ بهِ المَوْتُ، وإذا رَمَى رَجُلًا بِدَمِهِ ثُمَّ هَلَكَ ثُمَّ أَتَى المُدَّعَى عَلَيْهِ ببيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُم بِبَلَدٍ بَعِيدٍ في اليَوْمِ الذي زَعَمَ الهَالِكُ أنَّهُ قتَلَهُ فِيهِ فإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ دَعْوَاهُ، والبيِّنَةُ العَادِلَةُ أَصْدَقُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّهُ يُحَلَّفُ المُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينَا ويَبْرَأُ مِنَ الدَّعْوَى. قالَ: ولَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ عَدْلٍ بِعَايِنَةِ الضَّرْبِ، وشَهِدَتْ بَيِّنَةُ عَدْلٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ، وتَكَافأَتِ البَيِّنتَانِ قَضَى بالتّي شَهِدَتْ بالضَّرْبِ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ للمَشْهُودِ عَلَيْهِ عِلْمًا مِنْ إعْلَامِ النَّاسِ لا يَخْفَى مَكانهُ، فإنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ دَعْوَى المُدَّعِي. * * * تَمَّ الكِتَابُ بِحَمْدِ اللهِ، يَتْلُوهُ كِتَابُ الرَّجْمِ والحُدُودِ

стр. 689

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا تَفْسِيرُ كِتَابِ الرَّجْمِ والحُدُودِ * حدَّثنا ابنُ عُثْمَانَ، قالَ: حدَّثنا سَعِيدُ بنُ [خُمَيْرٍ] (١)، قالَ: حدَّثنا ابنُ مُزَيْنٍ، عَنِ ابنِ القَاسِمِ، في حَدِيثِ عُمَرَ، قال: "إنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ " [٣٠٣٥] وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه، قال: لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الذمَّةِ، وإنَّمَا حَكَّمُوا النبيَّ ﷺ ، فَحَكَمِ بَيْنَهُمْ في الزَّانِيَيْنِ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَى مَنْ زَنَى أنَّهُ يُرْجَمُ إذا كَان مُحْصَنًا. وقالطَ أبو مُحَمَّدٍ: كَانُوا مِنْ أَهْلِ فَدَكٍ، وكَانُوا مُوَادِعِينَ للنبيِّ ﷺ ، ولَمْ تَكُنْ آيةُ الجِزْيةِ نزلَتْ حِينَئِذٍ عَلَى النبيِّ ﷺ ، فَكَانَ يَلْزَمُهُ الحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وإنَّمَا أَرَادَ اللهُ بِهَذا أَنْ يُقَرِّرَ اليَهُودَ للنبيّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ حَرَّفُوا التَّوَرَاةَ وبَدَّلُوا مَا فِيها. قال ابنُ القَاسِمِ: إذا أَتَى قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلى حَكَمٍ مِنْ حُكَّامِ المُسْلِمِينَ بِزَانِيَيْنِ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِمَا، والزَّانِيَانِ لا يَرْضِيَانِ بِحُكْمِهِ فإنَّهُ لا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَرْضِيَا الزَّانِيَيْنِ بِذَلِكَ، فإنْ رَضِيا كَانَ الحَكَمُ بالخَيَارِ إنْ شَاءَ حَكَمَ، وإنْ شَاءَ لَمْ يَحْكُمْ، وأَحَبُّ إليَّ ألَّا يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، قالَ اللهُ : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. * [قالَ]، عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدِيثُ ابنِ المُسَيَّبِ: (أنَّ رَجُلَا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إلى أَبي

стр. 690

بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّ الآخَرَ زَنَى) [٣٠٣٦] هُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وإنَّمَا رَدَّهُ أَبو بَكْرٍ وعُمَرُ وقَالَا لَهُ: (تُبْ إلى اللهِ، واسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ) مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمِئِذٍ إليهما إقامَةُ الحُدُودِ، ولَمْ يَكُنْ إعْرَاضُ النبي ﷺ عنْ ذَلِكَ المُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بالزّنَا مِنْ جهَةِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بالزِّنَا، كَمَا تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ: إنَّهُ [مِمَّنْ] (١) أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بالزّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كَمَا في ظَاهِرِ حَدِيثِ النبي ﷺ (٢). [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَيُقَالُ لِمَنْ تأَوَّلَ هَذا إنَّمَا أَعْرَضَ النبيُّ ﷺ عَنْ هَذا المُقِرِّ بَعْدَ إقْرَارِهِ مِنْ أَجْلِ مَا وَقَعَ في نَفْسِهِ أَنَّهُ مَجْنُونٌ، وأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِشَيءٍ حَدَثَ بِهِ، ولِذَلِكَ سَأَلَ عَنْهُ، فَلَمَّا أُخْبِرَ أَنَّهُ صَحِيحُ العَقْلِ، وأَنَّهُ أَقَرَّ تَائِبًا مِنْ ذَنْبِهِ غَيْرَ فَارٍّ مِنْ شَيءٍ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنيا أَمَرَ بهِ فَرُجِمَ. * قالَ عِيسَى: قَوْلُ النبي ﷺ لِهَزَّالٍ: "لَوْ سَتَرْتَهُ برِدَائِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ" [٣٠٣٧] , قالَ: كَان مَاعِزُ يَتِيمًا عِنْدَ هَزَّالي، وكَانَ مُحْصَنًا، فَقَالَ لِهَزَّالي: (إنّي زَنَيْتُ بامْرَأةٍ مِنَ الحَيِّ)، فَأمَرَهُ هَزَّالُ أَنْ يَأتِي النبيَّ ﷺ فَيَعْتَرِفُ عِنْدَهُ بالزِّنَا، فأَتَاهُ فاعْتَرَفَ، فَلَمَّا أَمَرَ النبيُّ ﷺ بِرَجْمِهِ وأَحْرَقَتْهُ الحِجَارَةُ هَرَبَ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ أُنيسٍ فَرَمَاهُ فَقتلَهُ، فقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : "يا عَبْدَ اللهِ، لَوْ تَرَكْتَهُ لَعَلَّهُ كَانَ يَتُوبُ فَيتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ"، فَحِينَئِذٍ قَالَ لِهَزَّالي: "يا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَهُ برِدَائِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ"، يَعْنِي: لَوْ أَمَرْتَهُ بالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ حِينَ أَخْبَرَكَ بِمَا صَنَعَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ مِنْ أَنْ تَأْمُرَهُ أَنْ يأْتِي إلى مَنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ الحَدُّ إذا أَقَرَّ عِنْدَهُ كَمَا فَعَلَ بهِ أَبو بَكْرٍ وعُمَرُ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وفِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: أَنْ يَسْتُرَ الرَّجُلُ عَلَى أَخِيهِ مَعْصِيَتَهُ، وأَنْ يَأْمُرَهُ بالتوْبةِ فِيمَا بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ . قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ المُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بالزِّنَا إذا رَجَعَ عَنْ قَوْلهِ، وقَالَ: (إنّي مَا زَنَيْتُ)، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لَعَبْدِ اللهِ بنِ أنيْسٍ: "لَوْ تَرَكْتَهُ لَعَلَّهُ كَانَ يَتُوبُ، فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ"، فإذا رَجَعَ المُقِرُّ

стр. 691

عَلَى نَفْسِهِ بالزِّنَا عَنْ قَوْلهِ، وقَالَ: (إني مَا زَنَيْتُ)، سَقَطَ عَنْهُ الحَدُّ، إلَّا أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وقَدْ مَضَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ الحَدِّ، فإنَّهُ لا يُقْبَلُ حِينَئِذٍ رُجُوعُهُ، لأَنَّهُ يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْهُ نَدَمٌ. قالَ مَالِكٌ: يَأْمُرُ الإمَامُ بالرَّجْمِ، ولَا يَتَولَّى هُوَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، ويُرْجَمُ المَرْجُومُ بِحِجَارَةٍ يُرْمَى بِمِثْلِهَا, ولَا يُرْجُمُ بالصُّخُورِ العِظَامِ، ولا يُرْفَعُ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتُ، وُيخْلَى بَيْنَهُ وبَيْنَ أَهْلِهِ يُغَسِّلُونَهُ، ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيدْفِنُونَهُ، ولَا يُصَلِّ عَلَيْهِ الإمَامُ، وذَلِكَ أَنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يُصِلِّ عَلَى المَرْجُومِ، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: يُرْجَمُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، ولَا يُحْفَرُ لَهُ حُفْرَةً. وقالَ أَصْبَغُ: اسْتَحِبُّ الحَفْرَ للمَرْجُومِ، وذَلِكَ أَنْ يُحْفَرَ لَهُ حُفْرَةً يُدْخَلُ فِيهَا، ويُشَدُّ عَلَيْهِ التُّرَابُ، وتُتْرَكُ لَهُ يَدَاهُ يَتَّقِي بِهَا عَنْ وَجْهِهِ. قالَ عِيسَى: إذا أَقَرَّتْ امْرأَة حَامِلٌ عَلَى نَفْسِهَا بالزِّنَا عِنْدَ السُّلْطَانِ صُنِعَ في أَمْرِهَا كَمَا صَنَعَ النبيُّ ﷺ في المَرْأةِ الحَامِلِ الَّتي أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا عِنْدَهُ بالزِّنَا، وَهِيَ سُنَّةُ سنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . وقَالَ غَيْرُهُ: إذا وَضَعَتِ الحَامِلُ المُقِرَّةُ عَلَى نَفْسِهَا بالزِّنَا اسْتَرْضَعَ الإمَامُ للمَوْلُودِ، واسْتَعْجَلَ إقَامَةَ الحَدِّ عَلَيْهَا، فإنْ لَمْ يَقْبَلِ المَوْلُودُ غَيْرَ ثَدْي أُمِّهِ أُخِّرَتْ حَتَّى يَتِمَّ رِضَاعَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِرَجْمِهَا فترْجُمُ. * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: كَانَ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ أنَّ المُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بالزِّنَا لا يُرْجَمُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بالزِّنَا, ولَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ [٣٠٣٨] , لأَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ أنيْسَ الأَسْلَمِيَّ أنْ يَسْأَلَ المَرْأَةَ الَّتي وَجَّهَهُ إليهَا: "هَلْ زَنَتْ أَمْ لا؟ " فَاعْتَرَفَتْ لَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَرَجَمَهَا, ولَمْ يَأْمُرْهَا أَنْ تَعْتَرِفَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مَرَّة وَاحِدَة ولَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُرْجَمُ. قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ للرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَحَاكَمَا إليه: "لأَقْضَيَنَّ بَيْنكُمَا بِكَتَابِ اللهِ" [٣٠٤٠] , ثُمَّ قضى بَيْنَهُمَا بالرَّجْمِ، ولَيْسَ هُوَ في كِتَابِ اللهِ،

стр. 692

فَمَعَنى ذَلِكَ: لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِحُكْمِ اللهِ وفَرْضِهِ، قالَ اللهُ : ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] , يَعْنِي: حُكْمَ اللهِ عَلَيْكُمْ وفَرْضَهُ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلهِ ﵇: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ اللهِ". وقالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] , أَنَّ العَذَابَ المَذْكُورَ هَهُنَا هُوَ الرَّجْمُ في المُحْصَنَةِ المُسْلِمَةِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: في هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: نَقْضُ الصُّلْحِ الحَرَامِ، لِقَولِ النبي ﷺ لِوَالِدِ الزَّانِي: "أَمَّا غَنَمُكَ وجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ". وفِيهِ: التَّغْرِيبُ عَلَى الزَّانِي الحُرِّ المُسْلِمِ البِكْرِ إذا جُلِدَ مَائَةَ جَلْدَةٍ. وفِيهِ: أَنَّهُ مَنْ وَجَّهَهُ الإمَامُ لِحُكْمِ مَا أنَّهُ يُنْفِذُ ذَلِكَ ولا إعْذَارَ فِيهِ، كَمَا يَعْذِرُ الحَاكِمُ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ في سَائِرِ الأحْكَامِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: (إيَّاكمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيةِ الرَّجْمِ) [٣٠٤٤] , يَعْنِي: إيَّاكُمْ أنْ تَهْلِكُوا بالحُكْمِ بِغَيْرِ آيةِ الرَّجْمِ، فَتُعَطِّلُوا حَدًّا قَدْ أَمَرَ اللهُ بهِ، فَيَقُولُ قَائِلٌ مِنْكُمْ: (لَّا نَجِدُ حَدَّيْنِ في كِتَابِ اللهِ)، يَعْنِي: أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ في القُرآنِ حَدَّ البكْرِ الزَّانِي، وحَدَّ الحُرِّ المُحْصَنِ، ثُمَّ بيَنَ لَهُمْ أَنَّ آيةَ الرَّجْمِ قَدْ نزلَتْ بِقَوْلهِ: (والشَّيْخُ والشَيْخَةُ)، يَعْنِي: الثَّيِّبَ والثَّيِّبَةَ (فَارْجُوهُمَا البَتَّةَ)، يَعْنِي: ارْجُمُوهُمَا إذا زَنَيا, ولَا تَشُكُّوا في ذَلِكَ. ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْ عُمَرُ هَذِه الآيةَ مَسْطُورَةً في المَصَاحِفِ، وإنَّمَا أَرَادَ إحْيَاءَ حُكْمِهَا، وإمَاتَةَ تِلَاوَتهَا، والقُرْآنُ المَتْلُو هُوَ: مَا نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ كَافَّةً جَمِيعًا لا مِنْ طَرِيقِ الآحَادِ، ومَا قَدْ ضَمِنَ اللهُ جَمْعَهُ وقُرْأَنَهُ. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: وهَذِه الآيةُ مِمَّا نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ خَطُّهُ وثَبَتَ حُكْمَهُ (١). وفِي اسْتِلْقَاءِ عُمَرَ نَفْسِهِ عَلَى التُّرَابِ: تَوَاضُعُ الإمَامِ العَدْلِ، والزُّهْدُ في

стр. 693

الدُّنيا، وإبَاحَةُ التَّمَنِّي بالمَوْتِ عِنْدَ خَوْفِ الإنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ الفِتْنَةَ، لِقَوْلهِ ﵁: (واقْبِضْنِي إليكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ)، يَعْنِي: غَيْرَ مَفْتُونٍ في دِينِه، ولَا مُضَيِّعٍ لِشَيءٍ مِنْ أُمُورِ رَعِيّتِهِ الذي هُوَ مَسْئُولٌ عَنِ العَدْلِ فِيهِم. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَجْمُ عُثْمَانَ المَرْأَةَ الَّتي أُتِيَ بِهَا إليهِ، وقَدْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمٍ زُوِّجَتْ [٣٠٤٥] عَلَى وَجْهِ الإجْتِهَادِ في الحُكْمِ، والقَاضِي إذا اجْتَهَدَ في الحُكْمِ فأخْطَأ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ تَبعَة، ولَا دِيةٌ في مَالِهِ، ولَا عَلَى عَاقِلَتِه، كَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عُثْمَانَ ولَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَرْجِمْهَا عَلَى وَجْهِ الخَطَأ الذي تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ المُخْطِيءِ، والكَفَّارَةُ عَلَى القَاتِلِ. وعِلْمُ عَلِيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ مِنْ تَأْوِيلِ كِتَابِ اللهِ في هَذِه القِصَّةِ مَا خَفِيَ عَلَى عُثْمَانَ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ مَالِكٍ: (مَنْ عَمِلَ قَوْمَ لُوطٍ رُجِمَا جَمِيعًا الفَاعِلُ والمَفْعُولُ بهِ). قالَ رَبِيعَةُ: وَهِيَ العُقُوبَةُ الَّتي أَنْزَلَها اللهُ بقَوْمِ لُوط، وبِذَلِكَ حَكَمَ أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وبَعَثَ بهِ إلى خَالِدٍ بنِ الوَليدِ بَعْدَ أَنْ شَاوَرَ في ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ [ ﷺ ] (١)، فَرأَوهُ وَرَأَهُ مَعَهُم. قالَ ابنُ القَاسِمِ: ولَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ أَو كَافِرَيْنِ لَرُجِمَا. وقالَ أَشْهَبُ: أمَّا العَبْدَانِ فَيُجْلَدَانِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ، وأَمَّا الكَافِرَانِ فَيُؤَدَّبَانِ أَدَبَا مُوجِعًا. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَلَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّانِيَ والزَّانِيَةَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ [٣٠٤٨] , وفِي هَذَا مِنَ الفِقْهِ: التَّخْفِيفُ عَنِ الزَّانِي البكْرِ، وتَرْكُ العُنْفِ [عَلَيْهِ] (٢) في جَلْدِهِ.

стр. 694

وقَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ"، يَعْنِي: مَنْ يُظْهِرُ لَنَا وَجْهُهُ، وُيقِرُّ بِحَدٍ مِنْ حُدُودِ اللهِ [جَلَّ وَعَزَّ] (١) نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ [جَلَّ وَعَزَّ] فَنَضْرِبُهُ الحَدَّ الذي أَمَرَ اللهُ [جَلَّ وَعَزَّ] بهِ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا أَقَامَ أَبو بَكْرٍ الحَدَّ عَلَى غَاصِبِ الجَارِيةِ البكْرِ لإقْرَارِهِ بِوَطْئِهَا، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ (٢) مَعَ الحَدِّ صُدَاقُ مِثْلِهَا، لأَنهُ قَدْ تَلَدَّذَ مِنْهَا، ونَفَاهُ عَنِ المَدِينَةِ [٣٠٤٩]. وهَذا أَصْلٌ في نَفْي الزَّانِي الحُرِّ عَنْ وَطَنِهِ بَعْدَ أَخْذِ الحَدِّ مِنْهُ، ولَمْ يَكُنْ عَلَى المَرْأَةِ الزانِيةِ نَفْيٌّ إذا أُقِيمَ عَلَيْهَا الحَدُّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا عَوْرَةٌ، وأَنَّهَا إذا غُرِّبَتْ عَنْ بَلَدِهَا كَانَ سَبَبًا [لإتْيَانِهَا] (٣) الفَاحِشَةَ، وأنَّهَا لا تُسَافِرُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَيُكَلَّفُ وَلِيُّها في سَفَرِه مَعَهَا مَشَقَةً عَظِيمَةً. * ولَمْ يَكُنْ عَلَى العَبْدِ نَفْي إذا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزَّنا، لَأَنَّةُ سِلْعَة مِنَ السِّلَعِ، وقَدْ قَالَ النبي ﷺ : "إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكمْ فَلْيَجْلِدْهَا" [٣٠٥٣] , ولَمْ يَأْمُرْ بِنَفْيِهَا، وأَمَرَ بِبَيْعِهَا، وَإِنَّمَا نَفَى عُمَرُ العَبْدَ الذِي اسْتَكْرَهَ الوَليدَةَ الَّتي كَانَتْ مِنْ وَلَائِدِ دَارِ الإمَارَةِ بَعْدَ أنْ أَقَامَ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا ونَفَاهُ [٣٠٥٤] , لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَبْدَ رَجُلٍ (٤) بِعَيْنِهِ، فَلِذَلِكَ نَفَاهُ، وإنَّمَا كَانَ [مَوْقُوفًا لِخِدْمَةِ] (٥) المُسْلِمِينَ مَعَ غَيْرِه مِنَ العَبِيدِ. قالَ أبو مُحَمَّدٍ: كُنَّ وَلَائِدَ الإمَارَةِ خَدَمٌ نَوْبِيَاتٍ، كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطابِ قَدْ رَتَّبَهُنَّ يَصْنَعْنَ الطَّعَامَ لأَصْحَابِ النبي ﷺ ، ثُمَّ يُطْعِمُهُمْ إيَّاهُ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَياشِ [بنِ أَبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ] (٦):

стр. 695

(أَمَرَنا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ في فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَلَدْنَا ولَائِدَ الإمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ في الزِّنَا) [٣٠٥٥] , قالَ عِيسَى: هُم الذينَ جَلَدُوهُمْ بأَيْدِيهِمْ، وكَانُوا مَعَ ذَلِكَ طَائِفَةً، لِقَوْلهِ : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَنْبَغِي لِمَنْ أَمَرَهُ إمَامٌ عَادِلٌ بإقَامَةِ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ [جَلَّ وَعَزَّ] (١) أَنْ يُطِيعَهُ في ذَلِكَ، وقَدْ أَقَامَ عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِب حَدًّا أَمَرَهُ بإقَامَتِهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ. * قالَ مَالِكٌ: إذا وُجِدَتِ المَرْأَةُ غَيْرُ ذَاتِ الزَّوْجِ حَامِلًا أُقِيمَ عَلَيْهَا الحَدُّ، إلَّا أَنْ تَدَّعِيْ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلهَا بِبيِّنَةٍ يَعْرِفُونَ مَا تَدَّعِيهِ، فَيَسْقُطُ عَنْهَا حِينَئِذٍ (٢) الحَدُّ [٣٠٥٧]. وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيمَا تَدْعِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (٣). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يَرُدُّ هَذا القَوْلُ قَوْلَ عُمَرَ: (الرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَا إذا أُحْصِنَّ، إذا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أو كَانَ الحَمْلُ، أَو الإعْتِرَافُ) (٤)، فَمَتَى وُجِدَتِ المَرْأةُ حُبْلَى وكَانَتْ غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ أُقِيمَ عَلَيْهَا الحَدُّ وإنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بالصَّلَاحِ، إلَّا أنْ يَثْبُتَ أنَّهَا غُصِبتْ نَفْسُهَا، فَيَسْقُطُ عَنْهَا حِينَئِذٍ (٥) الحَدُّ. * * *

стр. 696

بابَ الحَدِّ في القَذْفِ والتَّعْرِيضِ * قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا جَلَدَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَبْدَ الذي افْتَرَى عَلَى الحُرِّ ثَمَانِينَ جَلْدَة مِنْ جِهَةِ حُرْمَةِ الحُرِّ [٣٠٦٠] , ولَيْسَ عَلَيْهِ العَمَلُ، وإنَّمَا عَلَى العَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ، وكَذَلِكَ هُوَ في جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مِنَ الطَّلَاقِ، إلَّا في كَفَّارَاتِهِ، فَحُكْمُهُ فِيهَا حُكْمُ الحُرِّ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٍ في إجَازَةِ عَفْوِ الرَّجُلِ المَقْذُوفِ عَنْ قَاذِفِه إذا بَلَغَ بهِ الإمَامَ، فَقَالَ: إذا أَرَادَ سِتْرًا جَازَ عَفْوَهُ عَنْهُ، وذَلِكَ أَنْ يَكُونَ المُفْتَرَى عَلَيْهِ يَخَافُ إنْ كُشِفَ ذَلِكَ مِنْهُ أنْ تَقُومَ [عَلَيْهِ] (١) بذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فإذَا كَانَ كَذَلِكَ فَعَفْوُهُ جَائِزٌ (٢). * وقالَ أَيْضًا: إنَّ لَهُ العَفْوَ عَنِ الحَدِّ وإنْ بَلَغَ الإمَامَ، أَرَادَ سِتْرًا أَو لَمْ يُرِدْهُ، نَحْوَ مَا كَتَبَ بهِ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى رُزيقِ بنِ حَكِييم في الذي افْتَرَى عَلَيْهِ ثُمَّ عَفَا عَنِ المُفْتَرِي بَعْدَ أَنْ رَفَعَهُ إلى السُّلْطَانِ، فقَالَ لَهُ: (أَجِزْ عَفْوَهُ) [٣٠٦١] , وأَمَّا إذا كَانَ الحَدُّ مِنْ حُدُودِ اللهِ [جَلَّ وَعَزَّ] (٣) لَمْ يَجُزْ للإمَامِ إذا بَلَغَهُ العَفْوُ عَنْهُ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لِصَفْوانَ حِينَ عَفَا عَنْ سَارِقِ رِدَائِهِ بَعْدَ مَا بَلَغَهُ إلى النبيِّ ﷺ : "هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِينِي بهِ" (٤).

стр. 697

قالَ مَالِكٌ: ولَا أُحِبُّ لأَحَدٍ أَنْ يَشْفَعَ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ [جَلَّ وعَزَّ] (١) بَعْدَ أنْ يَصِلَ إلى الإمَامِ، أَو بَعْدَ أَنْ يَقَعَ صَاحِبُ الحَدِّ في أَيْدِي الحَرَسِ، وأَمَّا قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بهِ، إلَّا فِيمَنْ عُرِفَ شَرُّهُ وأَذَاهُ للنَّاسِ فَلَا يَشْفَعُ فِيهِ (٢). قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤] , يَعْنِي: الذينَ يَقْذِفُونَ المُسْلِمَاتِ الحَرَائِرَ العَفَائِفَ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، فَنَابَ ذِكْرَ النِّسَاءِ في هَذِه الآيةِ عَنْ ذِكْرِ الرِّجَالِ، وهَذا مِنَ [الذِي يُحْكَمُ فِيهِ للمَسْكُوتِ] (٣) عَنْهُ بِحُكْمِ مَا يَشْبَهَهُ مِنَ المَذْكُورِ، فَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا بالزِّنَا فَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ عَلَى مَا قَالَ جُلِدَ حَدُّ القَذْفِ ثَمَانِينَ. * وقالَ مَالِكٌ: إنْ قَذَفَ جَمَاعَة في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَو وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ [٣٠٦٣]. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قالَ بَعْضُ أَهْلِ الأَمْصَارِ: إنْ قَذَفَ جَمَاعَة في كَلِمَةٍ وَاحِدَة، أو وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، حُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدَّ الفِرْيةِ (٤). وقالَ أَصْبَغُ بنُ الفَرَجِ: جَلَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الذينَ خَاضُوا في أَمْرِ عَائِشَةَ [﵂] (٥) كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدًّا وَاحِدًا، ولَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ المُخَالِفُ لَجَلَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدَّيْنِ حَدَّيْنِ، حَدًّا عَنْ عَائِشَةَ [﵂] , وحَدًّا عَنِ الذي رَمَوْهَا بهِ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إذا حُدَّ مَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً حَدًّا وَاحِدًا عَنْهُمْ كُلُّهُمْ كَانَ

стр. 698

ذَلِكَ لكُلُّ حَدٍّ تَقَدَّمَ فِيمَنْ حُدَّ لَهُ وفِي غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ إذا حُدَّ الرَّجُلُ في شُرْبِ الخَمْرِ كَانَ ذَلِكَ لِكُلِّ شُرْبٍ تَقَدَّمَ وإنْ حُدَّ في الزِّنَا كَانَ ذَلِكَ لِكُلّ زِنَا تَقَدَّمَهُ. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا لَزِمَ الحَدُّ عِنْدَ مَالِكٍ في التَّعْرِيضِ بالسَّبّ كَمَا يَلْزَمُ بالتَّصْرِيحِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ في الأَشْيَاءِ لِمَعَانِيهَا، وذَلِكَ أنَّ المُعْرِضَ بالقَذَفِ إنَّمَا أَرَادَ بهِ مَا في نَفْسِهِ لا مَا ظَهَرَ مِنْ لَفْظِهِ، وأَصْلُ التَّعْرِيضِ بالسَّبِّ قَوْلُ قَوْمِ شُعَيْبِ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] , وإنَّمَا عَرَّضُوا لَهُ بالسَّبِّ بِضِدِّ قَوْلهِمْ، ولَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ في اعْتِقَادِهِمْ حَلِيمَا رَشِيدًا لأَجَابُوُه إلى مَا دَعَاهُم إليه وصَدَّقُوهُ في ذَلِكَ، ومِنْهُ قَوْلُ اليَهُودِ حِينَ كَانُوا يُخَاطِبُونَ النبيَّ ﷺ فَيَقُولُون لَهُ: يا مُحَمَّدُ، رَاعِنَا سَمْعَكَ، وكَانُوا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ سَبَّهُ بالرُّعُونَةِ، فَمَنَعَ اللهُ [جَلَّ وَعَزَّ] (١) مِنْ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، وأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]. * * *

стр. 699

بابُ مَا لا حَدَّ فِيهِ، وجَامِعِ القَطْعِ، إلى آخِرِ الكِتَابِ قالَ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ: مَنْ وَطِءَ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ أَنَّهَا إنْ لَمْ تَحْمِلْ فَهِيَ عَلَى هَيْئَتِهَا، وكَانَ للشَّرِيكِ عَلَى الوَاطِيءِ نِصْفُ مَا نَقَصَها الوَطْءُ مِنْ ثَمَنِهَا، فإنْ حَمَلَتْ قُوِّمَتْ عَلَيْهِ، وكانَ لِشَرِيكِهِ عَلَيْهِ [إذا كَانَ لَهُ مَالٌ] (١) نِصْفُ قِيمَةِ الوَلَدِ. وقالَ أيضًا: لا تُبَعْ نِصْفُ قِيمَةِ الوَلَدِ إذا قُوِّمَتْ (٢). وقالَ غَيْرُهُ: إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ تُقَوَّمُ فِيهِ عَلَيْهِ، فإنْ شَاءَ الشَرِيكُ أَنْ يُسَلِّمَهَا إليه وْيُتْبِعَهُ نِصْفَ قِيمَتِهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وإنْ شَاءَ بِيَعَ لَهُ نِصْفَهُا، فإنْ نَقَصَهُ مِنْ قِيمَتِهَا شَيءٌ أَتْبَعَهُ الشَّرِيكُ بهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، ولَمْ يُبَعِ الوَلَدُ وعَلَيْهِ العُقُوبةُ في وَطْئِهِ إيَّاهَا, ولا يَبْلُغُ بهِ الحَدَّ، لأَنَّهُ لا يَجتَمِعُ أَبَدًا حَدٌّ وثُبُوتُ نَسَبٍ، وكَذَلِكَ أَيْضًا يُدْرَأُ الحَدُّ عَمَّنْ وَطِءَ جَارِيةً أَحَلَّهَا لَهُ سَيّدُهَا، وتُقَوَّمُ عَلَيْهِ، ويُلْحَقُ بهِ الوَلَدُ، بِسَببِ شُبْهَةِ الهِبَةِ التّي كَانَتْ، ومِنْ أَجْلِهَا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ الوَاطئِ، ولَا تَجُوزُ إعِارَةُ الفُرُوجِ، ويَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ الأَب في وَطْءِ (٣) جَارِيةِ ابْنِهِ، لِحُرْمَةِ الأُبُّوَةِ، ولِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "أَنْتَ ومَالَكَ لأَبِيكَ" (٤).

стр. 700

[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إذا ادَّعَتْ امْرَأةٌ أن زَوْجَهَا وَطِءَ جَارِيتَهَا غَصْبًا، وقَالَ الزَّوْجُ: إنَّهَا وَهَبَتْهَا لَهُ، ثُمَّ أَقَرَّتِ المَرْأَةُ بالهِبَةِ أَنَّهُ لا حَدَّ عَلَى الزوْجِ، ولَا عَلَى المَرْأَةِ، مِنْ أَجْلِ الغِيرَةِ، هَذَا قَوْلُ (١) عِيسَى بنِ دِينَارٍ. وقالَ أَشْهَبُ: عَلَيْهَا الحَدُّ لِرَمْيِهَا إيَّاهُ بالزِّنَا. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابنِ عَبَّاس، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ وَطِءَ بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ واقْتُلُوهَا" (٢)، هَذا حَدِيثٌ لَيْسَ مِنْ أَحَادِيثِ (٣) أَهْلِ المَدِينَةِ، وقَدْ رَوَى أَبو رَزِينَ، عَنِ ابنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: (لَيْسَ عَلَى الذي يَأتِي بَهِيمَةً حَدٌّ) (٤)، وهَذِه الرّوَايةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، ولِهَذا قَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ المَدِينَةِ: إنَّ البَهِيمَةَ لا تُقْتَلُ، ولَا يُقْتَلُ وَاطِئُهَا. [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: "أنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثةُ دَرَاهِمَ" [٣٠٧٤] , في هَذا مِنَ الفِقْهِ: أنَّ اللهَ [وَضَعَ] (٥) نبَيَّهُ ﷺ منْ كِتَابِهِ مَوْضِعَ البَيَانِ عَنْهُ، فَجَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُفَسِّرَة للقُرْآنِ الذي نَصَّ اللهُ [سُبْحَانَهُ] (٦) فِيهِ القَطْعَ عَلَى السَّارِقِ (٧) بِغَيْرِ تَحْدِيدٍ لِقِيمَةِ السَّرِقَةِ، فَلَوْ تُرِكْنَا وَظَاهِرُ القُرْآنِ لَقَطَعْنَا كُلَّ سَارِقٍ يَسْرِقُ مَا قَلَّ أَو كَثُرَ كَمَا قَالَتِ الخَوَارِجُ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تتّبَعَ مِنْ قَوْلِ الخَوَارِجِ.

стр. 701

* وقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: لا يَكُونُ القَطْعُ إلَّا في عَشَرَةِ (١) دَرَاهِمَ (٢)، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "القَطْعُ في عَشَرَةِ دَرَاهِمَ" (٣). قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يُقَالُ لَهُ القَطْعُ في عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَمَا أنَّ القَطْعَ في مَائةِ دَرْهَمٍ وأَزْيَدَ، وقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَة دَرَاهِمَ" [٣٠٧٤] , والمِجَنُّ: التُّرْسُ، ورَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَ في رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (٤)، وقَطَعَ عُثْمَانُ في أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ [٣٠٧٦]. قالَ مَالِكٌ: وكَانَتْ أُتْرُجَّةً تُؤْكَلُ وكَذَلِكَ قُوِّمَتْ، وأَنَّهَا سُرِقَتْ مِنْ حِرْزٍ لا مِنْ شَجَرَتِهَا. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَجْهُ إبَائِةِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ أنْ تُقْطَعَ يَدُ غُلَامِ ابنِ عُمَرَ حِينَ سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ [٣٠٨١] , مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَذَرَهُ بالضَّرُورَةِ الَّتي اضْطَرْتَهُ إلى السَّرِقَةِ لِمَغِيبه عَنْ نَفَقَةِ مَوْلَاهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (لا قَطْعَ في عَامِ سَنَةٍ) (٥)، يُرِيدُ، لا قَطْعَ في عَامِ مَجَاعَةٍ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ العَبْدُ الآبِقِ إنَّمَا سَرَقَ مِنْ جُوعٍ، فَعَذَرَهُ سَعِيدُ بنُ العَاصِي بِذَلِكَ، وأَبَى مِنْ قَطْعِ يَدِهِ. * وقالَ مَالِكٌ: (يُقْطَعُ يَدُ العَبْدِ الآبِقِ إذا سَرَقَ مَا فِيهِ القَطْعُ) [٣٠٨٤] ,إنَّمَا قالَ: إنَّهُ يُقْطَعُ إذا لَمْ يَقُمْ لَهُ عُذْرٌ بالحَاجَةٍ. قالَ: ولَا يَقْطَعُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ إذا سَرَقَ دُونَ الإمَامِ، لِئَلَّا يُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ العِتْقَ

стр. 702

الذي يُلْزَمُ مِنْ مَثَّلَ بِعَبْدِه بِدَعْوَاهُ أنَّهُ سَرَقَ، فَلِهَذا لا يَقْطَعْهُ إلَّا الإمَامُ. قِيلَ لإبنِ القَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ مَا فِيهِ القَطْعُ فَلَمْ يُرْفَعْ إلى الإمَامِ حَتَّى وَرِثَ تِلْكَ السَّرِقَةَ، أو وُهِبتْ لَهُ، أَيَدْرَأُ عَنْهُ الإمَامُ الحَدَّ؟ فَقَالَ: إذَا رُفِع أَمْرُهُ إلى الإمَامِ قَطَعَهُ، ولَمْ يُنْظَرْ إلى قَوْلِ صَاحِبِ السَّرِقَةِ إذا قالَ: إنّي وَهَبْتُهَا لَهُ، كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ في رِدَاءِ صَفْوَانَ بنِ أُمَيّهَ الذِي وَهَبَهُ للسَّارِقِ بَعْدَمَا أُتِي بهِ إلى النبيِّ في ﷺ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الهِبَةُ القَطْعَ، وقالَ: "هَلاَّ وَهَبْتَهُ إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ تَأْتِينِي بهِ". [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: الذِي يُوجِبُ القَطْعَ عَلَى السَّارِقِ هُوَ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ، وأنْ يَأْتِي مُسْتَسِرًّا، وأَنْ يَسْرِقَ مَا قِيمَتُهُ رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وإذا قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ ثُمَّ وُجِدَتِ السَّرِقَةُ مَعَهُ رُدَّتْ إلى صَاحِبهَا، فإنْ لَمْ تُوجَدْ مَعَهُ وكَانَ عَدِيْمَا لَمْ يُتْبَعْ بِهَا دَيْنًا، لأَنَّهُ قَدْ أُخِذَتْ يَدُهُ عِوَضًا مِنَ السَّرِقَةِ، وإنَّمَا جَعَلَ اللهُ جَزَاءَهُ قَطْعَ يَدِه، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَازَى بأَكْثَرَ مِمَّا جَازَاهُ اللهُ بهِ، فَيتْبَعُ بِقِيمَةِ السَّرِقةِ في عَدَمِهِ، ومَنْ أَلْزَمَهُ غَرِمَهَا في عَدَمِهِ عَاقَبَهُ عُقُوبَتَيْنِ، وأَمَّا إذا كَانَ مَليئًا فإنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بَعْدَ قَطْعِهِ قِيمَةُ السَّرِقَةِ إنْ كَانَتْ عَرْضًا لا تُوزَنُ ولَا تُؤْكَلُ، أَو مِثْلُهَا مِنَ المكِيلِ والمَوْزُونِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَفَّرَ مَالَهُ بِتِلْكَ السَّرِقَةِ التّي انتفَعَ بِهَا وأَدْخَلَهَا في [مَصَالِحِه] (١). قالَ ابنُ القَاسِمِ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ اليُمْنَى ثُمَّ تُكْوَى بالنَّارِ، ثُمَّ يُخْلَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ ثَانِيَة قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ ثَالِثَةً قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ رَابِعَة قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُمْنَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ضُرِبَ وَسُجِنَ. قالَ عِيسَى: وإذا أَخْطَأ بهِ في أَوَّلِ مَرَّةٍ أُخِذَ بالسَّرِقَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرَى مَكَانَ اليُمْنَى لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ القَطْعُ مَرَّة ثَانِيَة فتقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنَى، وتُجْزِيءُ بِقَطْعِ يَدِهِ اليُسْرَى عَنِ اليُمْنَى، فإنْ سَرَقَ ثَانِيَة قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُمْنَى، ولَا تُقْطَعْ رِجْلُهُ اليُسْرَى، لِئَلَّا تَذْهَبَ جَوَارِحُهُ مِنْ شِق واحد فَيَبْقَى بِشِق وَاحِدٍ، وإذا قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ كَانَ ذَلِكَ

стр. 703

القَطْعُ لِكُلِّ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا قَبْلَ القَطْعِ، وُيغْرَمُ قِيمَةُ كُلِّ مَالٍ سُرِقَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ. في قِصَّةِ الأَقْطَعِ الذِي آوَاهُ أَبو بَكْرٍ مِنَ الفِقْهِ: إضَافَةُ أَهْلِ البَلَاءِ، وأَنَّهُ مَنْ رُأيَا بِخَيْرٍ ظُنَّ بهِ خَيْرٌ. * ولَيْسَ العَمَلُ عَلَى قَوْلِ أَبي بَكْرٍ: (وأَبيكَ، مَا لَيْلُكَ بلَيْلِ سَارِقٍ) [٣٠٨٩] , لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "إنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بآبَائِكُمْ" (١)، وذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِشَيءٍ فَإنَّمَا يُرِيدُ تَعْظِيمَهُ، ولَا يُعَظَّمُ غَيْرُ اللهِ (٢)، وفِيهِ: أَنَّ الضَّيْفَ إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ. قالَ أَبو عُمَرَ: إنَّمَا أَوجَبَ عَلَيْهِ غُرْمَ السَّرِقَةِ إذا كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ أَجْلِ أنَّهُ وَفَّرَ مَالَهُ بِقِيمَةِ السَّرِقَةِ الَّتي أَتْلَفَهَا. قالَ مَالِكٌ: المُحَارِبُ: هُوَ الذِي يَخْرُجُ قَاطِعًا للطَرِيقِ مُكَابِرًا عَلَى أَخْذِ الأَمْوَالِ عَلَى وَجْهِ الفَسَادِ في الأَرْضِ. والمُغْتَالُ: هُوَ الذِي يَخْدَع الرَّجُلَ أَو الصَبِيَّ حَتى يَأْمْنَهُ فَيُدْخِلُهُ بَيْتًا ثُمَّ يَقْتُلُهُ عَلَى مَالِهِ ويَأخُذُه، فَهَذِه الغِيلَةُ الَّتي لا عَفوٌ فِيهَا, ولَا بدَّ مَنْ قَتْلِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وإنْ عَفَا عَنْهُ وَليُّ المَقْتُولِ. وذُو النَّائِرَةِ (٣): هُوَ الرَّجُلُ الذِي يَأْتِي إلى الرَّجُلِ في حَرِيْمِه فَيَقْتُلُهُ علَى عَدَاوَة بَيْنَهُمَا، ويَذْهَبُ ولَا يَأْخُذُ مَالًا، وفِي مِثْلِ هَذا يَكُونُ القَتْلُ أَو العَفْوُ إلى أَوْلِياءِ المَقْتُولِ، فإِنْ عَفَوا عَنِ القَاتِلِ جَازَ عَفْوَهُمْ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: الذِي رَأَيْتُ مَالِكًا يَنْحُو إليهِ في المُحَارِبِينَ أَنَّهُ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ وقَدْ قتَلَ فَإنَّهُ يُقْتَلُ، ومَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ وقَدْ قَطَعَ الطَّرِيقَ ولَمْ تَطُلْ إخَافتهُ

стр. 704

وعِيَاثتهُ فإنَّهُ يُقْطِعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، ومَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ، أَوْ يَقْطَعَ طَرِيقًا ضُرِبَ ضرْبًا وَجِيعًا، ونُفِيَ إلى بَلْدَة يُسْجَنُ فِيهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ. وقالَ عِيسَى: وَيجُوزُ للإمَامِ قَتْلُ هَذا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ والإجْتِهَادِ ولِيَرْتَدِعَ بِذَلِكَ (١) غَيْرُهُ. قالَ عِيسَى: لَيْسَ عِنْدَنا في تَعْزِيرِ الإمَامِ لِمَنْ وَجَبَ تَعْزِيرُهُ بالسَّوْطِ حَدٌّ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ، وذَلِكَ إلى اجْتِهَادِ الإمَامِ، وقدْ كَتَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إلى أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ ألَّا يَزِيدَ في التَعْزِيرِ عَلَى الثَّلَاثِينَ سَوْطًا (٢)، ولأَنْ يُخْطِيءُ الإمَامُ في العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَجَاوَزَ في العُقُوبَةِ. قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ سَرَقَ عَبْدًا جَاهِلًا لا يَعْرِفُ شَيْئًا، أَو سَرَقَ صَبيًّا صَغِيرًا مِنْ حِرْزِهِ فإنَّهُ يُقْطَعُ، وأَمَّا إذا كَانَ عَبْدًا نَافِذًا في أَمْرِهِ (٣) فإنَّهُ لا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُ، ولَكِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ السُّلْطَانُ الأَدَبَ المُوجِعَ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ بالمُخَنَّثينَ (٤). قالَ عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ: (يُقْطَعُ يَدُ النَّبَّاشِ، لأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى المِيّتِ بَيْتَهُ) (٥)، يَعْنِي: دَخَلَ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ، واسْتَخْرَجَ أَكْفَانَهُ، (٦) وإنَّمَا قِيلَ للنبَّاشِ مُخْتَفٍ، لأَنَّهُ يَخْتَفِي بِفِعْلِهِ ذَلِكَ عَنِ النَّاسِ، وقالَ اللهُ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، يَعْنِي: أَنَّهَا تَضُمُّ الخَلْقَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ عَلَى ظَهْرِهَا، وتَضُمُّهُمْ إذا مَاتُوا وصَاروا في القُبُورِ، فإذا أَخْرَجَ النَبّاشُ الكَفَنَ مِنَ القَبْرِ وبَلَغَتْ قِيمَتُهُ رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا قُطِعَتْ يَدُهُ. * [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيىَ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ

стр. 705

مُحَمَّدِ بنِ يَحْيِى بنِ حِبَّانَ: (أنَّ غُلَامًا لِعَمِّه يُقَالُ لَهُ فتيْل، وقِيلَ: فِيلٌ، سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ، فَغَرسَهُ في حَائِطِ سَيِّدِه) (١)، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيثَ كَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ في المُوَطَّأ [٣١٠٤]. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٢): في هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّهُ لا قَطْعَ في الثِّمَارِ المَغْرُوسَةِ إذا سُرِقَتْ مِنْ- حِرْزٍ كَثُرتْ قِيمَتُهَا أَو قَلَّتْ، لِقَوْلهِ: "لا قَطعَ في [ثَمَرٍ ولا كثَرٍ] " (٣). قالَ أَبو عُمَرَ: وإنْ كَثُرَ ثَمَنُهَا, ولَكِنْ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُعَاقِبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ مِنَ العُقُوبَةِ. وفِيهِ: بَيَانُ [العَالِمِ] (٤) للإمَامِ إذا أَرادَ أنْ يَقْضِي بِخِلَافِ السُّنَّةِ. وفِيهِ: رُجُوعُ الإمَامِ إلى قَوْلِ العَالِمِ إذا عَلِمَ أَنَّ الحَقَّ في قَوْلهِ، كَمَا رَجَعَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ إلى مَا أخْبَرَهُ بهِ رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قالَ: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولَا كَثَرٍ"، يَعْنِي: لا تُقْطَعُ يَدُ مَنْ سَرَقَ مِنَ الثِّمَارِ المُعَلَّقَةِ في رُؤُوسِ الشَّجَرِ، ولَا عَلَى مَنْ قَلَعَ كَثَرًا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ فَغَرسَهُ في حَائِطِه، والكَثَرُ: الجُمَّارُ، وَهُوَ صِغَارُ النَّخْلِ، وجَمِيعُ نُقُولِ الثِّمَارِ، فَمَنْ سَرَقَها مِنْ حِرْزٍ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ، وعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِقِيمَةِ مَا سَرَقَ، وُيؤَدِّبُهُ السُّلْطَانُ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ مِنَ الأَدَبِ. وقالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سَحْنُونَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَرَقَ شَجَرَةً أو نَخْلَةً مِنْ دَارِ رَجُلٍ فإنَّهُ يُقْطَعُ.
следующие страницы →