← Джавами‘

Джавами‘ · id 16817

مجموعة رسائل العلامة قاسم بن قطلوبغا

ابن قطلوبغا

Полный текст (694 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ابن عبد الله قال: كُنَّا مع حذيفة، فانتهينا إلى غديرٍ فيه الميتة، وتغتسل فيه الحائضُ. فقال: الماءُ لاَ يَخْبُثُ (١). وقال (٢): حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أَبِي عمر البَهْرَانِيّ (٣)، عن ابن عبّاس قال: الْمَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ. وقد تقدم تفسيرهُ عن محمد بن الحسن في كتاب الآثار. وأخرج (٤) عن الحسن: في الجُبِّ يقطر فيه القطرة من الخمر أو الدم. قال: يُهْرَاقُ. وعن طاوس: أنَّهُ كرهه (٥).

стр. 107

فثبت: أن ماء الأواني تنجس بوقوع النجاسة، وإن لم يتغير. وماء الغدران ونحوها لا ينجس إلَّا بالتغيير [١٢ / ب] سواءٌ كان الواقع فيه مرئياً أو غير مرئي. فالجاري أولى. وما كان في غديرٍ أو مستنقعٍ وهو نحو ماء الأواني، فهو ملحق بها إذ لا أثر للمحل. والله أعلم. فإن قلت: لم أطلق ماء الغدران مع ما ورد من تقديره شرعًا بالقلتين. وحديث القلتين: قد صَحَّحه ابن حبان (١)، وابن خزيمة (٢)، والحاكم (٣)؟. قلت: من صحّحه اعتد بعض طرقه، ولم ينظر إلى ألفاظه ومفهومها، إذ ليس وظيفة المحدث. والنظر في ذلك من وظيفة الفقيه، إذ غرضه بعد صحة الثبوت: الفتوى والعمل بالمدلول. وقد أعلّ حديث القلتين من الجهتين. وأنا أورد ذلك مستعيناً بالله. فأقول: قال ابن عبد البر في التمهيد (٤): هذا حديثٌ يرويه محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير [جميعاً، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، وبعض رواة الوليد ابن كثير يقول فيه: عنه، عن محمد بن عباد بن جعفر (٥)، ولم

стр. 108

يختلف عن الوليد ابن كثير] (١) أنَّه قال فيه: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن (٢) أبيه يرفعه. ومحمد بن إسحاق يقول فيه: عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عبد الله (٣) بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعًا [وعاصم] (٤) أيضًا. فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله، ومحمد بن إسحاق يجعله عن عبيد الله بن عبد الله. ورواه عاصم بن المنذر (٥)، [عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه] (٦)، فاختلف [فيه] (٧) عليه أيضًا. [فقال حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر، عن أبيه. وقال فيه حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر] (٨).

стр. 109

وقال (١) فيه حماد بن سلمة: إذا كانَ المَاءُ قُلّتين أو ثلاثًا، لم يُنَّجِّسهُ شيءٌ. وبعضهم يقول [فيه] (٢): إذا كان [الماء] (٣) قلتين، لم يحمل (٤) الخبث. وهذا لفظٌ (٥) محتمل للتأويل، ومثل هذا الاضطراب في الإسناد، يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث، على (٦) أنّ القلتين غير معروفتين، ومُحالٌ أن يتعبّد الله عبادهُ بما لا يعرفونه. انتهى (٧). قلتُ: قد تكلّف بعض النَّاس لرفع اضطراب السند باحتمال أن يكون الحديث عند كل راوٍ اختلف عليه من جميع من اختلف عليه فيه، لوروده عن بعض رواته بالوجهين جميعًا. لكن بقي هنا شيءٌ آخر، وهو ما أشار إليه ابن عبد البر: أنّ القلتين غير معروفتين. قال الدارقطني (٨): قال ابن عرفة، وسمعت هُشَيماً (٩) يقول: تفسير القلتين يعني: الجرتين الكبار.

стр. 110

وروى إسحاق بن راهويه -ومن طريقه الدارقطني-، عن عاصم بن المنذر قال: القِلاَلُ: الخوابي العظام (١). وعاصم بن المنذر، هو: راوِي الحديث عن عبيد الله، عن عبد الله ابن عمر. وأخرج أبو قاسم [١٣/ أ] البغوي (٢)، عن مجاهد، أنّه قال: الْقُلَّتَانِ: الجَرَّتَانِ. وأخرج عن ابن إسحاق راوي الحديث: أنّه سَئلَ: القلتين. فقال: هذه الجرار الذي يُسْقَى فِيهَا الْمَاءُ، وَالدَّوَارِيقُ (٣). وروى البيهقي، عن وكيعٍ: القلّة: الجَرّة (٤). وروى الشّافعي، عن ابن جريج: أنَّ كلّ قلّة تأخذ قلتين وشيئاً (٥).

стр. 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 112

وفيه بحث آخر. قال الحافظ أبو العباس ابن تيميّة (١): يشبه أن يكون الوليد بن كثير

стр. 113

غلطَ في رفع الحديث. ويدلّ على أنَّ هذا لم يكن عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ هذا الغسل من الماء من الحلال والحرام من أعظم الأمور التي يحتاج النَّاس إليها في دينهم لحاجتهم إلى الماء في طهورهم وشرابهم، والنّاس أحوج إلى الماء منهم في سائر الأشياء، ووقوع النجاسة فيه من الأمور الغالبة، وابن عمر دائماً يفتي النَّاس ويحدثهم عن النَّبيِّ ﷺ ، والسنن التي رواها معروفة عند أهل

стр. 114

المدينة وغيرهم لاسيما عند سالم ابنه، ونافع مولاهم. لا العمل به مذهب أحد من أهل المدينة، بل قولهم المستفيض عنهم مُخالفٌ لهم. ثم ذكر: أن إسماعيل بن إسحاق القاضي روى بإسناده، عن القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصِّديق، وسالم بن عبد الله بن عمر: أنهمَا سُئِلاَ عنِ الماءِ الذي يجري، تموتُ فيه الدّابة، هل يشرب منه، ويُغتسلُ، وتُغسلُ فيه الثياب. فقال: لاَ. إنّ الماء إذا كان لا يدنسه ما وقع فيه، فنرجو أن لا يكون به بأس (١). وروى ابن وهب، عن يونس (٢)، عن ابن شهاب أنّه قال: كل ما فيه

стр. 115

فضلٌ عما يصيبه من الأذى حتَّى لا يُغيِّر ذلك طَعمَه ولا رِيحَهُ ولا لونه طَاهِرٌ يُتَوَضَّأ بِهِ (١). قال: وابن شهاب من أخصّ النَّاس بسالِمٍ، وأعلم النَّاس بحديثه وحديث أبيه. وهذه فتياه وفتيا سالمٍ. وروى إسماعيل باسناده، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. قال: أنزل الله الماء طهوراً [١٣/ ب] لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ (٢).

стр. 116

قال: والآثار بذلك معروفة عن أهل المدينة، ولم يعرف أحدٌ من متقدميهم ولا متأخريهم فرقًا بين الماء الذي ينجس ولا يتنجّس بقدر القلتين، فكيف يكون هذه سنةً لرسول الله ﷺ من عموم البلوى بها، ولا ينقلها عنه أحدٌ عن أصحابه ولا التابعين لهم بإحسانٍ إلاّ رواية مختلفة مضطربة عنِ ابن عمرَ، لم يعمل بها أحدٌ من أهل المدينة، ولا عمل بها أهل البصرة، بل مذهب أهل البصرة: أن قليله وكثيره لا ينجس إلَّا بالتغيير، ولا أهل الشام عملوا به، ولا أهل الكوفة. وأطال الكلام ﵀ بما لا يتحمله هذا الموضع. قلت: وقد أخرجه الدارقطني (١)، من طريق الزُّهريّ، عن عبيد الله (٢) ابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة. وقال (٣): المحفوظ عن ابن عياش (٤)، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر [بن الزُّبير]، عن عبيد الله، عن أبيه. وأخرجه (٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن أبيه. وكأن الحافظ لم يعتبر هذا للضعف. وفيه: أن جابراً رواه عن النبي ﷺ فقال: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلّةً

стр. 117

لا يَحْمِلُ خَبَثاً". رواه الدارقطني (١). قال (٢): وهمَ القاسم العمري في إسناده وخالفه روح بن القاسم، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد. رووه عن ابن المنكدر من قوله، لَم يجاوزه (٣). ثم أخرجه (٤) من طريق من تقدم ذكرهم. ورواه (٥) عن أبي هريرة بلفظ: "إِنْ كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلّةً لَمْ يَحْمِلْ خَبثاً". وقد خالفه غير واحدٍ فقالوا: أربعين غرباً. وظهر ما قال الحافظ (٦): الغَرْبُ (٧). والله أعلم. فإن قلت: أليس أن الطّحاوي (٨) والرازي (٩) أجابا عن حديث بئر بضاعة

стр. 118

بأنهّا كانت طريقاً للماء إلى البساتين؟!. وروى ذلك الطحاوي عن الواقدي. قلت: الواقدي ضعيف (١). والعبرة: بعموم اللفظ لا لخصوص السبب والمحل، ونحن جعلنا حديث بئر بضاعة شاهدًا لصدر حديث ثوبان، وأبي أمامة. والله أعلم. فإن قلت: إن الرازي (٢) قد قال: وأمّا قصّة الغدير، فجائزٌ أن [١٤/ أ] تكون الجيفة في جانبٍ منه، فأباح ﵇ الوضوء من الجانب الآخر (٣). قلت: أما تجويز أن يكون في جانب منه، فمسلَّم، بل جاء ذلك في رواية ابن أبي شيبة. وأمّا أنه أباح لهم من جانب آخر، فليس في الحديث، ولو كان لتوفرت الدواعي على نقله، فلمَّا لم يرووا لنا أنه أمرهم بجانب دون جانب، كان على إطلاقه.

стр. 119

فإن قلت: قال الرازي قوله: "الْمَاءُ طَهُور لاَ يُنَجسُهُ شَيء"، لا دلالة له فيه على جواز استعماله، وإنّما كلامنا في جواز استعماله بعد حلول النجاسة فيه، فليس يجوز الاعتياض (١) به على موضع الخلاف؛ لأناّ نقول: إنّ الماء طهور لا ينجسه شيء، ومع ذلك: لا يجوز استعماله إذا حلت نجاسته (٢)، ولم يقل النَّبيّ ﷺ : إن الماء إذا وقعت فيه نجاسة، فاستعملوه حتَّى يحتج (٣) به (٤). قلت: هذا إنما يتوجه منه على من يقول: بأن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، قليلاً كان أو كثيرًا؛ لأنَّه يقول: يجوز استعمال الجانب الآخر، ثم هو قاصر على لفظ حديث بئر بضاعة، ولا يتوجه عليه لفظ حديث الغدير، حيث قال ﷺ : "اسْتَقُوا، فَإن الْمَاءَ لاَ يُنَجسُهُ شَيء". فإن قلت: ما الفرق بين الماء والمائعات التي قاس عليها الرازي، وإن كان كلامه مع من ذكر؟ قلت: الفرق من جهة المعنى بعد ورود النص: أن المائعات تصانُ بالأواني، فلم يكن فيها ضرورة بخلاف ماء الغدران ونحوها. وقد علمت أن قوله: عِلْمُنا بوجود النجاسة كمشاهدتنا لها، إنما يتوجه على من زعموه مذهباً لأصحاب الظاهر. وعليه مالك في القليل، فإن ألزِمنَا به في ماء الغدران عارضناه بالنص.

стр. 120

وأما الماء المستعملُ، فهو كل ما أسقط فرض التطهير عن عضوٍ واستعمل على وجه القربة. قال شمس الأئمة السَّرخسِيّ (١)، وأبو عبد الله الجرجاني (٢): لا خلاف بين الثلاثة في هذا. واختلف في صفته: فروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة ﵁ أن: مُغَلَّظُ النَّجَاسَةِ (٣). وروى أبو يوسف [١٤/ ب] عنه أن: مُخَفَّفَهَا (٤). وروى محمدٌ عنه: أنه طاهرٌ غير طهورٍ. وبه يفتي مشايخ العراق، لم يحققوا الخلاف فقالوا: طاهرٌ غير مطهّرٍ عند أصحابنا. وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر (٥).

стр. 121

قال القاضي أبو حازم (١): أرجو أن رواية التنجس لم تثبت، وإنما يأخذ الماء حكم الاستعمال بعد انفصاله عن أعضاء المتطهر في الصحيح، ولسنا بصدد الوجوه في هذه الرسالة، وإنما المراد: بيان الأحكام. فإذا عرفت أن الفتوى على طهارته. فاعلم أنه إذا اختلط بالمطلق لا يقيده ما لم يغلب على المطلق. قال في البدائع (٢): في الكلام على حديث: "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدكمْ فِي الْمَاءَ الدَّائِم". لا يقال: [إنَّه يحتمل] (٣) أنّه نهيٌ (٤) لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهِّراً من غير ضرورةٍ، وذلك حرامٌ؛ لأنَّا نقول: الماء القليل إنَّما يخرج عن كونه مطهِّراً باختلاط غير المطهر به إذا كان غير المطهر غالبًا [عليه]، كماء الورد واللَّبن ونحو ذلك، فأما إذا كان مغلُوباً فلا.

стр. 122

وهاهنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن، ولا شكَّ أنَّ ذلك أقلُّ من غير المستعمل، فكيف يخرج به من أن يكون مطهّراً؟. انتهى. وقال (١) في موضعٍ آخر فيمن وقع في البئر: فإن كان على بدنه نجاسةٌ حكميَّةٌ بأن كان محدثًا أو جُنُباً أو حائضًا أو نُفساء، فعلى قول من لا يجعل هذا الماء (٢) [مستعملاً] لا ينْزح شيءٌ؛ لأنَّه طهور، وكذا قولُ من جعله مستعملاً وجعل الماء المستعمل طاهراً؛ لأنَّ غير المستعمل أكثر، فلا يخرج عن كونه طهوراً، أمَّا إذا لم (٣) يكن المستعمل غالبًا عليه، كما لو صبَّ اللبن في البئر بالإجماع أو بالت شاة (٤) فيها عند محمَّد. انتهى. وقال في موضع (٥): ولو اختلط الماء المستعمل بالماء القليل؟. قال بعضهم: لا يجوز التوضُّؤ به، وإن قلَّ. وهذا (٦) فاسدٌ. أمَّا عند محمَّدٍ: فلأنَّه طاهرٌ لم يغلب على الماء المطلق، فلا يغيره عن صفة الطَّهورية كاللبن.

стр. 123

وأمَّا عندهما: فلأنَّ القليل ممَّا لا يمكنُ التَّحرُّزُ عنه، [يجعلُ] عفواً (١). ثم الكثير عند محمدٍ ما يغلب على الماء المطلق. وعندهما [١٥/ أ]: أن يستبين موضع (٢) القطرة في الإناء. انتهى. وقد علمت: أن الصحيح المُفَتَى بِهِ: رواية محمد، عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى -. وقال محمد في كتاب الآثار، بعد رواية حديث عائشة: ولا بأس أن يغتسل الرجل مع المرأة، بدأت قبله أو بدأ قبلها (٣). إذا عرفت هذا لم يتأخر عن الحكم بصحّة الوضوء في الفساقي الموضوعة في المدارس عند عدم غلبة الظن بغلبة الماء المستعمل، أو وقوع نجاسة في الصغار منها. فإن قلت: إذا تكرر الاستعمال هل يمنع ويجمع؟ قلت: الظاهر اعتبار هذا المعنى في النجس. فكيف بالطاهر.

стр. 124

قال في المنتقى: قومٌ يتوضؤون صفًّا على شط نهرٍ جارٍ، فكذا في الحوض؛ لأنَّ ماء الحوض في ماءٍ جارٍ. انتهى. وقد روي عن ابن أبي شيبة (١)، عن الحسن: في الجنب يُدخلُ يده في الإناءِ قبل أن يغسلها. قال: يتوضأ إن شاء. وعن سعيد بن المسيب: لا بأسَ أن يغمس الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها (٢). وعن عائشة بنت سعد قالت: كان سعدٌ يأمرُ الجارية فتناوله الطهور من الجرة (٣)، فتغمس يدها فيه. فيقال: إنها (٤) حائضٌ. فيقول: إنَّ حيضها (٥) ليست في يدها (٦). وعن عامر قال: كان أصحاب النَّبيّ ﷺ يُدخلون أيديهم في الإناء وهم جنبٌ، والنساء وهنَ حيّضٌ لا يرون بذلك بأساً - يعني: قبل أن يغسلوها - (٧). وعن ابن عبّاس ﵄ في الرجل يغتسل منَ الجنابة، فينضح في إنائه من

стр. 125

غسله؟ فقال: لا بأس به (١). وعن الحسن (٢) وإبراهيم (٣) والزهري (٤) وأبي جعفر (٥) وابن سيرين (٦) نحوه. فإن قلت: فما محلُّ حديث: "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدكمْ فِي المَاء الدّائم، وَلاَ يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ؟ ". قلتُ: استدلّ به الكرخيّ على عدم جواز التطهير بالمستعمل، ولا يطابق عمومه فروعهم المذكورة في الماء الكثير. فيحمل على الكراهة. وبذلك أخبر راوِي الحديث. وأخرج ابن أبي شيبة (٧)، عن جابرِ بن عبد الله قال: كُنا نستحبُّ أن نأخذ من ماء الغديرِ [١٥/ ب] ونغتسل به ناحيته (٨). وما ذكر من الفروع مخالفًا لهذا فبناء على رواية النجاسة، كقولهم: لو أدخل جنبٌ أو محدثٌ أو حائض يدهُ في الإناء قبل أن يغسلها، فالقياس: أن يفسد الماء.

стр. 126

وفي الاستحسان: لا يفسد للاحتياج إلى الاغتراف حتَّى لو أدخل رجله يفسد الماء لانعدام الحاجة. ولو أدخلها في البئر لم يفسد؛ لأنَّه يحتاج إلى ذَلِكَ (١) في البئر لطلب الدلو، فجعل عفواً. ولو أدخل في الإناء أو البئر لم يفسد؛ لأنَّه يحتاج إلى ذلك في البئر، [ولو أدخل من] جسده، سوى اليد، والرجل أفسده؛ لأنَّه لا حاجة إليه. وأمثال هذه. * * * وقد سئلت عن مسائل وأجوبتها منقولة فلا بأس نذكرها تتميماً: منها: قال في البدائع: وأمَّا حوض الحمَّام الَّذي يخلص بعضه إلى بعضٍ إذا وقعت فيه النَّجاسةُ [أو توضَّأَ إنسَانٌ]. روي عن أبي يوسف: أنَّه إن كان الماء يجري من الميزاب والنَّاس يغترفون منه، لا يصير نجساً. وهكذا روى الحسن، عن أبي حنيفة؛ لأنَّه بمنْزلة الماء الجاريّ (٢). وذكر في المنية (٣) اختلافاً في اشتراط تدارُك الغرف، لكن عن المتأخرين

стр. 127

وفي كتب الفروع، وَألحَقُوا بِالْجَارِي حَوْضَ الْحَمَّامِ حتَّى لو أدخلت القصعة النجسة أو اليد النجسة فيه، لا ينجس. ويتوضَّأ من الحوض الَّذي يخاف فيه قذراً ولا يتيقَّنه (١)، ولا يجب أن يسأل (٢). وكذا إذا وجده متغيراً ما لم يعلم أنه من نجاسته. وكذا البئر إذا يدلى فيها الدلاء والجرار الدنسةُ يحملها الصغار والعبيد الذين لا يعلمون الأحكام، ويمسها الرستاقيون بالأيدي الدنسة ما لم يعلم يقينًا النجاسة. ولا بأس بالتَّوضُّؤ من حب يوضع كوزه (٣) في نواحي الدَّار ويشرب منه ما لم يعلم به قذرٌ (٤). ويكره للرَّجل أن يستخلص لنفسه إناءً يتوضأ منه ولا يتوضَّأ منه غيره (٥). وذكر بعضهم: أنه يكره استعمال ما مسه الصغير. وفيه تأمُّل.

стр. 128

روى ابن أبي شيبة (١)، عن مُزَاحِم (٢) قال: قلت للشعبي: أكوزُ عجوزِ مخمرٌ [١٦/ أ] أحبُّ إليكَ أن تتوضأ منه أو المطهرة التي يدخل [فيها] الجزار يدهُ؟ قال: من المطهرة التي يدخل الجزار فيها يده. وعن رجاء قال: [رأيت] البراء بن عازب بالَ ثُمَّ جاء إلى مطهرة المسجد، فتوضأ منها (٣). وعن ابن جريج: قلت لعطاء: أرأيت (٤) رجلًا يتوضأ في ذلك الحوض متكشفاً (٥)؟ فقال: لا بأس به، قد جعله ابن عباس، وقد علم أنه يتوضأ منه الأبيض والأسود (٦). وفي رواية: وكان ينسكب من وضوء النَّاس في جوفها (٧). وكأنهم رأوا حديث المستيقظ خاصاً به أو أنه أمرٌ تعبُّدي. على أنّ ابن أبي شيبة قد روى عن أَبِي (٨) معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله إذا ذكر عندهم حديث أبي هريرة قالوا:

стр. 129

كَيْفَ يَصْنعُ أبو هُرَيْرَةَ بِالْمِهْرَاسِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ (١). والله أعلم. تمت الرسالة الموسومة بـ: رفع الاشتباه عن مسائل (٢) المياه والله أعلم * * *

стр. 130

مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا [٢] رِسَالَةٌ فِيهَا أَجْوِبَةٌ عَنْ بَعْضِ مَسَائِلَ وَقَعَتْ تَأْلِيفُ العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 131

(٢) رِسَالَةٌ فِيهَا أَجْوِبَةٌ عَنْ بَعْضِ مَسَائِلَ وَقَعَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. وبعد: فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني، قاسم الحنفي يقول: هذا ذكر جوابي عن بعض مسائل وقعت. منها: ما [حكم البئر الذي يسقط فيه عظمٌ]؟ (١). الجواب: الحمد لله، ربّ زدني علماً. إن كان عظم خنزير، فإنّه ينجس البئر، ويجب نزح ما فيها بعد إخراجه، وإن كان عظم غير الخنزير، فإن كان عليه دمٌ أو دسمٌ، فإنّه ينجّس البئر، وإن لم يكن عليه شيءٌ من ذلك، لا ينجّسها. والله أعلم. ومنها: في رجلٍ أصاب ثوبه من النبيذ، وصلّى فيه، هل عليه إعادة أم لا؟. الجواب: إن كان ما أصابه مسكراً، أو نقيع زبيبٍ قد غَلاَ واشتد، وَقَذَفَ بالزبَدِ، وكان أقل من ربع ثوبٍ أصابه، فلا إعادة عليه.

стр. 132

وإن كان قدر الربع أو أكثر فعليه الإعادة، وإن كان ما أصابه منصف أو معتق، فاختار أبو يوسف: أن [١٦ / ب] صلاته تامَّة، قَلَّ ما أصابه، أو كثر (١). وعلى قياس ما ذكر خُواهَر زَاذَهْ (٢): إن كان الْمُنَصَّفُ (٣) حلواً فصلاته تامّة، وإن كان قد غلا واشتدّ، فحكمه حكم المسكر المتقدم. والله أعلم. ومنها: إذا أصابوا في البئر فأرة متفسخة، وكانوا قبل ذلك قد طبخوا أو عجنوا من مائها، هل يؤكل ؟. الجواب: لا يؤكل على قول أبي حنيفة. وهو الصحيح. والله أعلم. ومنها: في رجل يمسح على خرقة على جراحةٍ بيده ، سقطت الخرقة عن الجراحة، وهو في الصلاة، فمضى في صلاته. هل تجزئه؟. الجواب: إن كانت على حالة وقت سقوط الخرقة مثل الحالة التي مسح فيها أجزأته، ولا يحتاج إلى تجديد مسحٍ. وإن كان يقدر على المسح على الجراحة بغير خرقة لم تجز صلاته. وعليه: أن يمسح الجراحة. والله أعلم. ومنها: في رجلٍ أخرس، أدرك بعض صلاة الإمام وفاته البعض؟. الجواب: صلاته فاسدةٌ عند الإمام، جائزةٌ عند أبي يوسف، وقول أبي حنيفة هو الصَّحيح. والله أعلم (٤).

стр. 133

ومنها: في رجلٍ صلّى الظهر، فشكّ وهو في الصلاة أنه على وضوءٍ أم لا، ما الفعلُ ؟. الجوابُ: إن كان ذلك أول ما عرض له أعاد الوضوءَ والصلاة، وإن كان يعرض له كثيرًا، مضى في صلاته. والله أعلم. ومنها: أنِّي سُئِلْتُ عما ذكر في (١) شرح القدوري: أنه إذا تعمَّد ترك الواجب أو تأخيره، لم يجب عليه سجود السهو في شيئين (٢). ذكرها الأستاذ فخر الإسلام البديع: إذا ترك القعدة الأولى، وإذا شكَّ في بعض صلاته، فتفكَّر عمدًا حتَّى شغله ذلك عن ركنٍ. ثم قال (٣): قلت له: كيف يجب سجود السَّهو بالعمد؟ قال: ذلك سجود العذر لا سجود السَّهو (٤). أما حصره: فممنوع بما ذكر في الينابيع: أنه لو أخّر إحدى سجدتي الركعة الأولى إلى آخر صلاته، أو ترك القعدة الأولى، فإنّه يجب عليه سجود

стр. 134

السهو، سواءٌ كان عامدًا أو ساهياً. ذكره الناطفي (١) [١٧/ أ] مستشهداً في الأجناس. انتهى (٢). فوافق في ترك القعدة، وزاد تأخير السجدة. وأمَّا قول النَّاطفيِّ في العمد، وقول البديع: أن هذا سجود العذرِ، فممَّا (٣) لم نعلم له أصلًا في الرِّواية، ولا وجهًا في الدِّراية، ويُخالفه قوله في المحيط، ولا يجب بتركه أو بتغييره عمدًا؛ لأنَّ السَّجدة شرعت جابرةً، نظرًا للمعذور لا للمتعمِّد، ولما اتَّفقوا عليه من أنَّ سبب وجوبه ترك الواجب الأصليِّ، أو تغييره ساهياً، وهذا (٤) هو الَّذي يعتمد للفتوى والعمل (٥).

стр. 135

قال أبو اللَّيث (١) ﵀ في كتاب النَّوازل (٢): سئل أبو نصرٍ عن مسألةٍ وردت عليه: ما تقول رحمك [الله]، وقعت علينا (٣) كتب أربعةٌ: كتاب إبراهيم بن رستم (٤)، [و] أدب القاضي عن الخصَّاف، [و] كتاب المجرَّد، وكتاب النَّوادر، من جهة هشامٍ، هل (٥) يجوز لنا أن نفتي منها أو لا؟ وهذه الكتب محمودةٌ عندك؟. قال (٦): ما صحَّ عن أصحابنا فذلك علم محبوبٌ (٧) مرغوبٌ فيه

стр. 136

مرضيُّ (١) به. وأمَّا الفتيا؛ فإنِّي لا أرى لأحدٍ أن يفتي بشيءٍ لا يفقهه (٢) ولا يتحمَّل أثقال النَّاس، فإن كانت مسائل قد اشتهرت وظهرت وانجلت عن أصحابنا، رجوت أن يسع الاعتماد عليها في النَّوازل. انتهَى. وأمّا ما ذكره من التفكّر، ففيه تفصيلٌ وخلاف، وله صورة مشهورة. أما التفصيل: فقال في البدائع (٣): وإذا شكَّ في شيءٍ من صلاته فتفكَّر في ذلك حتَّى استيقن، فهو (٤) على وجهين: إمَّا إن شكَّ في شيءٍ من هذه الصَّلاة الَّتي هو فيها، فتفكَّر في ذلك. وإمَّا إن شكَّ في صلاةٍ قبل هذه الصَّلاة فتفكَّر في ذلك، وهي هذه (٥). وكلُّ وجهٍ على وجهين: أمَّا إن طال تفكُّره، بأن كان مقدار ما يمكنه أن يؤدِّي فيه ركناً من أركان

стр. 137

الصَّلاة، كالرُّكوع والسُّجود، أو لم يطل، فإن لم تطل (١) فلا سهو عليه، سواء كان تفكُّره في غير هذه الصَّلاة أو في هذه الصَّلاة؛ لأنَّه إذا لم يطل لم يوجد (٢) سبب الوجوب [الأصليِّ]، وهو ترك واجبٍ أو تأخيره (٣) أو تغيير ركنٍ (٤) أو واجبٍ عن وقته الأصليِّ، [و] لأنَّ الفكر القليل [١٧ / ب] ممَّا لا يمكن التَّحرُّز (٥) عنه، فكان عفواً دفعًا للحرج. وإذا (٦) طال تفكُّره؛ فإن كان تفكُّره في غير هذه الصَّلاة، فلا سهو عليه، وإن كان في هذه [الصَّلاة] فكذلك (٧) في القياس، وفي الاستحسان عليه السَّهو. وجه القياس: أنَّ الموجب للسَّهو يمكن (٨) النُّقصان في الصَّلاة ولم يوجد؛ لأنَّ الكلام فيما إذا تذكَّر أنَّه (٩) أدَّاها، فبقي مجرَّد الفكر وأنَّه لا يوجب السَّهو كالفكر القليل.

стр. 138

وكما لو شكَّ في صلاةٍ أخرى وهو في هذه الصَّلاة، ثم تذكَّر أنَّه أدَّاها، لا سهو عليه، وإن طال تفكُّره (١). كذا هذا. وجه الاستحسان أنَّ الفكر الطَّويل في هذه الصَّلاة ممّا يؤخِّر الأركان عن أدائها (٢)، فيوجما تمكُّن النُّقصان في الصَّلاة، فلا بُدَّ من جبره بسجدتي السَّهو، بخلاف الفكر القصير، وبخلاف ما إذا شك في صلاةٍ أخرى، وهو في هذه الصَّلاة؛ لأنَّ الموجب للسُّجود (٣) في هذه الصَّلاة سهو هذه الصَّلاة لا سهو صلاةٍ أخرى. انتهى. وذكر هذا في الذخيرة بزيادة بيانٍ فقال (٤): وإذا شك في صلاته، ولم

стр. 139

يدرِ أثلاثًا صلّى أمْ أربعاً، وتفكر في ذلك تفكراً، ثم استيقن: أنه صلّى ثلاث ركعات، فإن لم يَصِل تفكره حتَّى لم يشغله تفكره عن أداء ركنٍ بأن يصلِّي ويتفكر، فليس عليه سجود السهو؛ لأنَّه لم يؤخر ركناً، ولم يترك واجبًا، ولم يؤخر، وإن طال تفكره حتَّى شغله عن ركعة أو سجدة أو يكون في ركوعٍ أو سجودٍ فيطول في تفكره، وتغيير حاله بالتفكر، فعليه سجود السهو استحساناً. وفي القياس: لا سهو عليه؛ لأنَّ تفكره ليس إلَّا إطالة القيام أو الركوع أو السجود. وهذه الأذكار سنة، وتأخير الأركان بسبب إقامة السنة لا يوجب سجود السهو، كما لا يوجب الإساءة إذا كان عمدًا. وجه الاستحسان: أنه أخو واجبًا، أو ركناً ساهياً، لا بسبب إقامة السنة، بل بسبب التفكر، وليس التفكر من أعمال الصلاة، فيلزمه سجود السهو كما لو زاد ركوعاً أو سجوداً في صلاته، بخلاف ما إذا طال الركوع أو السجود [١٨ / أ] أو القيام ساهياً حيث لا يلزمه سجود السهو؛ لأنَّ التأخير حصل بفعلٍ هو من أفعال الصلاة، وذلك سنة إذا لم يكن واجباً وتأخير الركن أو الواجب متى كان بسبب إقامة فعلٍ من أفعال الصلاة ساهياً، لا يوجب سجدتي السهو. انتهى. وأما الاختلاف، فقال أبو نصر الصفّار (١): هذا كله إذا كان التفكير يمنعه عن التسبيح، أما إذا كان لا يمنعه عن التسبيح، بأن كان يسبح ويتفكر ويقرأ

стр. 140

لا يلزمه سجود السهو في الأحوال كلها (١). وخالفه شمس الأئمة (٢) فقال: ما قال في الكتاب: وإن شغله تفكرهُ. ليس يريد به أنه شغله التفكير عن ركنٍ أو واجبٍ، فإن كان يوجب سجدتي السهو بالإجماع، ولكن أراد به شغل قلبه بعد أن تكون جوارحه مشغولة بأداء الأركان على نحو ما بينّا في المسألة المتقدمة (٣). انتهى. ويوافق الأول ما ذكر في غريب الرواية عن البلخيّ (٤) في نوادره، عن أبي حنيفة: أنَّ من شكَّ في صلاته فأطال تفكُّره، إن كان ذلك في قيامه أو ركوعه أو سجوده أو قومته أو قعدته الأخيرة لا سهو عليه، وإن كان في جلوسه بين

стр. 141

السَّجدتين فعليه السَّهو؛ لأنَّ له أن يطيل اللُّبث في جميع ما ذكرنا إلَّا فيما بين السَّجدتين والقعود في وسط الصَّلاة (١). ويوافق الثاني تعليل المسألة، وبه تخريج الجواب عن هذا التعليل. والله أعلم. ومنه قوله: وإن كان تفكره في غير هذه الصلاة إلخ. جعله في المحيط بعض رواياتٍ فقال: شك في صلاةٍ صلاّها قبل ذلك فتفكر، فطال تفكره. ذكر في بعض الروايات: لا سجدة عليه؛ لأنَّه لم يسهُ عن هذه الصلاة؛ لأنَّه لم ينسَ شيئًا من أفعال هذه الصلاة، فلا تلزمه السجدة، وإن أخّر فعلًا كسهوٍ عن أمرٍ من أمور الدنيا فتفكر حتّى أخّر ركناً أو واجبًا في بعض الروايات: أنه يلزمه السهو؛ لأنّ هذا السهو أخّر ركناً أو واجبًا، فتمكن النقص في صلاته، كما تمكّن بالسهو في فعلٍ من أفعال هذه الصلاة، بخلاف السهو في أعمال الدنيا؛ لأنَّه لم يجب عليه حفظها في الصلوات إنمّا يجب عليه حفظ أعمال هذه الصلاة (٢). انتهى.

стр. 142

وهذا ترجيحٌ بخلاف ما في البدائع والذخيرة. والله أعلم. أمَّا صوره المشهورة: ففي فتاوى قاضي خان (١): ولو افتتح الصلاة، ثم شكَّ أنَّه هل كبّر للافتتاح، ثم تذكَّر أنَّه كان كبَّر، شغله [١٨ / ب] التَّفكُّر عن أداء شيءٍ من الصلاة، كان عليه السهو، وإلَّا فلا. وفي الذخيرة: شكّ في حال القيام أو بعده أنه هل كبَّر للافتتاح أم

стр. 143

لا، وطال تفكّره فيه فعلم أنه قد كبّر فبنى أو ظنّ أنه لم يكبّر فكبّر، وقرأ بناءً عليه، فعليه سجدتا السهو. وفي الظهيرية (١): المصلِّي إذا فرغ من القراءة وتأنّى وتفكر أيّ سورة يقرأ أو مكث مقدار ما يؤدي ركناً فعليه السهو. وفي قاضي خان: ولو شكّ في ركوعه وسجوده وطال تفكّره كان عليه السهو. وهذا يوافق ما قال شمس الأئمة. وقد قدّمنا عنه في غريب الرواية: وإن كان في جلوسه بين السجدتين فعليه السهو. وفي البدائع (٢): ثم لا فرق، بين ما (٣) إذا شكَّ في خلال صلاته، فتفكَّر حتَّى استيقن، وبين ما إذا شكَّ في آخرها (٤) بعدما قعد قدر التَشهُّد الأخير، ثم استيقن في حق وجوب السَّجدة؛ لأنَّه أخَّر الواجب وهو السَّلام (٥). وكذا لا فرق بينه وبين ما إذا سبقه الحدث في الصَّلاة، فذهب الوضوء

стр. 144

فشكَّ أنه صلّى ثلاثًا أو أربعًا وشغله ذلك عن وضوئه ساعة، ثم استيقن، فأتمَّ وضوءه أو شَكَّ بعد الوضوء قبل أن يعود إلى الصَّلاة، فتفكَّر ساعةً، ثم استيقن، حتَّى يجب عليه سجود السَّهو في الحالين إذا طال تفكُّره؛ لأنَّه في حرمة الصَّلاة، وإن كان غير مؤدٍّ لها (١). والله أعلم. ومنها: المسبوق إذا سلَّم مَعَ الإمام ساهيًا، هل تبطل صلاته ؟. فأجبت: أنها لا تبطل، بل يبني على ما مضى. فقيل: إنَّ بعض من ينسب إلى الفقه قال: إِنه تبطل صلاته، وإنَّ هذا حكم النَّاس عنه غافلون، وأنهّ قياس مسائل ذكرها. فقلت: هذا ممَّا لا يعرفه في هذا المذهب. وهاك النقل. قلت: قال الإمام الكرخي (٢) في المختصر: وإن سلّم المسبوق حين سلم الإمام ساهياً، فإنهّ يبني على صلاته، وعليه سجدتا السهو؛ لأنَّه سهى وقد خرج من صلاته (٣).

стр. 145

وقال في الإيضاح: وإن سلّم - يعني المسبوق - ساهياً حين سلّم الإمام، بنى على صلاته، وعليه سجود السهو؛ لأنَّ سلام السّاهي لا يخرجه من الصَّلاة؛ لأنَّه من جنس ما شرع في الصَّلاة. وقال في [١٩ / أ] البدائع: ثم المسبوق إنّما يتابع الإمام في السهو دون السلام، فإن سلَّم مع الإمام، فإن كان ذاكرًا لما عليه من القضاء، فسدت صلاته؛ لأنَّه سلام عمد، وإن لم يكن ذاكرًا لم تفسد؛ لأنَّه سلام سهو، فلا يخرجه عن الصَّلاة، وهل يلزمه سجود سهو لأجل سلامه ينظر إن سلّم قبل تسليم الإمام أو معه لا يلزمه؛ لأنَّ سهوه سهو مقتدٍ، وسهو المقتدي متعطّلٌ. وإن سلّم بعد تسليم الإمام يلزمه؛ لأنَّ سهوه سهو منفردٍ، فيقضي ما فاته، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته. انتهى. وقال في المحيط (١): ولو سلم المسبوق إن كان عامدًا، تفسد صلاته،
следующие страницы →