стр. 71
← Джавами‘ следующие страницы →
Джавами‘ · id 16817
مجموعة رسائل العلامة قاسم بن قطلوبغا
ابن قطلوبغا
Полный текст (694 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 73
إلى أن قال (١): ثم إنَّ النَّجاسة إذا وقعت في الحوض الكبير كيف يتوضَّأ منه؟ فنقول:
النَّجاسة لا تخلو، إمَّا أن تكون مرئيَّة، أو غير مرئيَّةٍ، فإن كانت مرئيةً كالجيفة ونحوها، ذكر في ظاهر الرِّواية: أنَّه لا يتوضَّأ من الجانب الَّذي فيه الجيفة (٢)، و [لكن] (٣) يتوضَّأ من الجانب الآخر، ومعناه: أنَّه يترك من موضع النّجاسة بقدر حوض صغيرٍ (٤) ثم يتوضَّأ، كذا فسَّره في الإملاء عن أبي حنيفة؛ لأنَّا تيقَّنَّا بالنَّجاسة في ذلك الجانب وشككنا فيما وراءه (٥).
وروي عن أبي يوسف: أنَّه يجوز التَّوضُّؤ من أيِّ جانبٍ كان إلَّا إذا تغيَّر لونهُ، أو طعمهُ، أو ريحهُ؛ لأنَّ حكمهُ حكمُ الماء الجاري.
ولو وقعت الجيفة في وسط الحوض -على قياس ظاهر الرِّواية- إن كان بين الجيفة وبين كلِّ جانبٍ من الحوض مقدار ما لا يخلص بعضه إلى بعضٍ، يجوز التَّوضُّؤ فيه وإلاَّ فلا؛ لما ذكرنا.
стр. 74
وإن كانت غير مرئيَّةٍ بأن بال فيها (١) إنسانٌ أو اغتسل جنبٌ، اختلف المشايخُ فيه (٢):
قال مشايخ العراق: إنَّ حكمه حكم المرئيَّة، حتَّى لا يتوضَّأ من ذلك الجانب، وإنَّما يتوضَّأ من الجانب الآخر لما ذكرنا [٥/ ب] في المرئيَّة بخلاف الماء الجاري؛ لأنَّه ينقل النَّجاسة من موضعٍ إلى موضعٍ، فلم يستيقن (٣) بالنَّجاسة في موضع الوضوء ومشايخنا بما (٤) وراء النَّهر فصلوا بينهما، ففي (٥) غير المرئيَّة: أنّه يتوضَّأ من أني جانبٍ كان، كما قالوا جميعًا في الماء الجاري، وهو الأصحّ؛ لأنَّ غير المرئيَّة لا يستقرّ [في مكان واحدِ بل ينتقل لكونه مائعًا سيَّالًا بطبعه، فلم نستيقن بالنَّجاسة] (٦) في الجانب الَّذي يتوضَّأ منه، فلا نحكم بنجاسته (٧) بالشَّكِّ على الأصل المعهود: إن اليقين لا يزول بالشَّكِّ -بخلاف المرئية-. انتهى (٨).
وكان قبل هذا قال (٩): فإن وقع في الماء، فإن كان جارياً، فإن كان
стр. 75
النَّجس غير مرئيٍّ كالبول والخمر ونحوهما لا ينجس, ما لم يتغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، ويتوضَّأ منه من أيِّ موضعٍ كان من الجانب الَّذي وقع فيه النَّجس أو من الجانب الآخر (١).
كذا ذكره محمَّد في كتاب الأشربة: لو أنَّ رجلًا صبَّ خابيةً من خمرٍ في الفرات (٢)، ورجلٌ آخر -أسفل منهُ- يتوضَّأ به إن تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه لا يجوز، وإن لم يتغيَّر يجوز.
وعن أبِي حنِيفة في جاهِلٍ (٣) بال في الماءِ الجارِي، ورجلٌ أسفل منه يتوضَّأ بِهِ قال: لا بأس بِهِ؛ وهذا لأنَّ الماء الجارِي مِمَّا لا يخلص بعضه إلى بعض، فالماء الَّذي يتوضَّأ به يحتمل أنَّه نجس, ويحتمل أنَّه طاهر، والماء طاهر في الأصل فلا نحكُم (٤) بنجاسته بالشَّكِّ، وإن كانت النَّجاسة مرئيَّة كالجيفة ونحوِها، فإن كان جميع الماء يجري على الجيفة لا يجوز الوضوء (٥) من أسفل الجِيفةِ؛ لأنَّه (٦) نجس بيقين، والنَّجس لا يطهر بالجريان، وإن كان أكثره يجري على الجيفة فكذلك؛ لأنَّ العبرة لِلغالب، وإن كان أقلُّه يجري على الجِيفةِ، والأكثرُ يجري على الطَّاهِر يجوز التَّوضُّؤ به من أسفل
стр. 76
الجِيفة؛ لأنَّ المغلوب (١) ملحقٌ بالعدمِ في أحكام الشَّرع، وإن كان يجري عليها النِّصف أو دون النِّصف.
فالقياس: أن يجوز التَّوضؤ به؛ لأنَّ الماء كان طاهرًا (٢) بيقين، فلا يحكم بكونه (٣) نجساً بالشَّكِّ.
وفي الاستحسان: لا يجوز [٦/ أ] احتياطًا. انتهى (٤).
وفيه: ما في الأول وزيادة، وأنا أبيَّن لك ذلك.
قوله: وقال أصحاب الظواهر: إن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة.
يتبادر منه: أنه يجوز استعماله عندهم، حيث لم يحكم بتنجيسه، وليس كذلك.
بل قالوا: لا تنجس الجواهر المائية في نفسها, ولكن لا تستعمل لاتصال النجاسة بها، وعدم إمكان تمييزها من النجاسة.
قال الحافظ علي بن حَزم في كتابه المسمَّى بالمحلَّى (٥): وأمَّا إذا تغيَّر لونُ الحلال الطَّاهر بما مازجه (٦) من نجسٍ أو حرامٍ وتغيَّر (٧) طعمه بذلك،
стр. 77
أو تغيَّر ريحه بذلك، فإنَّا (١) حينئذِ لا نقدرُ (٢) على استعمالِ الحلال إلَّا باستعمال الحرام، واستعمال الحرام في الأكل والشُّرب وفي الصَّلاة حرامٌ (٣) كما قلنا, ولذلك (٤) وجب الامتناع منه، لا لأنَّ الحلال الطَّاهر حرِّم و [لا] (٥) تنجَّست عينه، ولو قدرنا على تخليص الحلال الطَّاهر من الحرام والنَّجس (٦)، لكان حلالًا بحسبه (٧).
قوله: وإن كان كثيرًا لا ينجس هذا لم يقل به العامة. هكذا به قيّد، ولا بعدم التغير. فقالوا: لا ينجس ما لم يتغير.
قوله: وقال أصحابنا: إن كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل، وإن كان لا يخلص فهو كثيرٌ. هذا يوهم: أن أصحابنا يقولون في الكثير: أنه لا ينجس جميعه، وليس كذلك، وفروعهم ناطقة بأنه ينجس كله التقديري، وبعضه الحقيقي كما مر. وسنحقق هذا إن شاء الله تعالى.
وأما مساق حدثنا المستيقظ ففيه ما قاله شيخنا في شرح الهداية (٨):
стр. 78
قلنا: ليس فيه تصريحٌ بتنجس الماء بتقدير كون اليد نجسة، بل ذلك تعليل منّا للنهي المذكور، وهو غير لازم، أعني: تعليله بتنجس الماء عينًا بتقدير نجاستها بجواز كونه أعم من النجاسة والكراهة. فنقول: نهى لتنجس الماء بتقدير كونها متنجسة بما يغيّر، والكراهة بتقدير كونها بما لا يغير. انتهى.
стр. 79
قوله: وكذا الأخبار مستفيضة في الأمر بغسل الآثار من ولوغ الكلب فيه: أن الأمر بالغسل لا يلزم، وأن يكون للنجاسة [٦/ ب] لجواز أن يكون لمنع تعدي خبث الطبع.
قوله: وروي عن النبي ﷺ أنهّ قال: "لاَ يبولَنَّ أَحَدَكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِم، وَلاَ يَغْتَسِلُ فِيهِ" (١) مِنْ نَجَاسَةٍ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَين دَائِمٍ وَدائِمٍ.
يقال عليه: انظر هل أنت من أكبر مخالفي هذا الحديث حيث قلت أنت ومشايخك: إنه يتوضأ من الجانب الآخر في المرئية، ويتوضأ من أيّ جانبٍ كانَ في غير المرئية، كما إذا بالَ فيه إنسان أو اغتسل جنبٌ أم أنت من العاملين
стр. 80
به، فإنه لا أعجب ممن يستدل بحديثٍ هو أحد من خالفه!!.
قوله: وعن ابن عبّاسٍ، وابن الزبير ﵄: أنهما أمرا في زنجيٍّ وقع في بئر زمزمٍ بنَزح الماءِ كلّه، ولم يظهر أثره في الماء (١).
قوله من قبل نفسهِ (٢)، لاَ من الأثر المروي. قاله الشافعي في القديم (٣).
قد رويتم عن ابن عبّاس رفعه: "الْمَاءُ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" (٤). أفترى أنَّ ابن عبَّاسٍ يروي عن النَّبيِّ ﷺ خبرًا ويتركه، إن كانت هذه روايته.
وتروون عنه: أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ غَدِيرٍ يُدَافعُ جِيفَةً.
стр. 81
وتروون عنه: "الْمَاءُ لاَ يَنْجُسُ" (١).
فإن كان شيء (٢) من هذا صحيحًا فهو يدلُّ على أنَّه لم ينْزَح زمزم للنَّجاسة ولكن للتَّنظيف، إن كان فعل، وزمزم للشُّرب وقد يكون الدَّم ظهر على الماء حتَّى رئي فيه. انتهى.
قوله: ولم يُنكر عليهما أحد، فانعقد الإجماع من الصحابة على ما قلنا. يقال عليه: من حضر ذلك من الصحابة حتى يقال هذا.
وإذا كان من يرى أنها لا تنجس يرى بجواز ذلك للتنظيف والتطيّب، كيف ينكر؟!
قوله: وعرف بهذا الإجماع: أن المراد مما رواه مالك هوَ: الماء الكثير البخاري. فيقال: فإذا كان المراد الكثير والبخاري فكيف ساغ مخالفته في الجيفة الواقعة في الماء الجاري أو الكثير الراكد.
قوله: وبه تبيّن: أن ما رواه الشافعي غير ثابت لكونه مخالفًا لإجماع الصحابة. فيه ما تقدم.
قوله: ولهذا: رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية [٧/ أ].
قلت: لم يجعل أحد من علمائنا الثلاثة الأمور الحسية المذكورة دليلاً
стр. 82
على الكثرة، وإنما جعلوا ذلك دليلاً على سريان النجاسة، وليس عند أبي حنيفة: أن الكثير لا ينجس جميعه، بل فروعه ناطقة بخلافه.
قال الإِمام محمَّد بن الحسن في الأصل: إذا وقعت الجيفة أو غيرها من النجاسات في حوضٍ صغيرٍ لم يخلص بعضه إلى بعض، لم يستعمل، وإن كان كبيرًا لا يخلص بعضه إلى بعض، فلا بأس بأن يتوضأ من ناحية أخرى.
وقال الإِمام أبو يوسف في الإملاء: قال أبو حنيفة في حوض مسبغة إذا حرّك ناحيةً منهُ لم تضطرب الناحية الأخرى، فهذا لا ينجسه بولٌ يقع فيه أو دمٌ أو جيفةٌ إلاّ ذلك الموضع.
وإذا كان يرى بتنجس موضع الوقوع من الماء الكثير، كيف يكون قائلًا بأن الكثير لا ينجس كالشافعي ﵀ في القلتين، ومالك في ما يكون بحالٍ لا يتغير بالاختلاط، ينجس, وسأنبهك على يسر المسألة عنده إن شاء الله تعالى.
قوله: ثم اختلفوا في تفسير الخلوص إلخ.
هذا ظاهرٌ في أنّ مراده خلوص الماء بعضه إلى بعض، وليس هو المنظور إليه لذاته عند أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-، وإنما المنظور إليه عنده في نفس الأمر: الشيوع بالنجاسة، إلا أنه لما كان في غير المرئية أمراً خفيّاً نظر إلى ما يدل عليه وهو: إما خلوص الماء بنفسه أو الحركة بما ذكر.
وغيره استدل على خلوصها الباطن بالصبغ الظاهر أو التكدير مما نقل.
وبعضهم خمّن: أنها لا تخلص إلى مقدار عشرة أذرع.
وبعضهم: خمسة عشر. كما نقلت عنهم. وهذا مما وعدتك بالتنبيه عليه.
стр. 83
قال شيخ الإِسلام أبو بكر خُواهَر زاذَهْ (١) في كتابه المسمّى بالمبسوط: واختلفوا بعد هذا بأيّ سببٍ يعرف خلوص النجاسة إلى الجانب، فاتفقت الروايات عن علمائنا الثلاثة: أنه يعتبر بالتحريك. واختلفوا في سببه.
وبهذا تبين ما قدمته [٧/ ب] لكَ من أن الدلائل المذكورة دلائل خلوص النجاسة، لا دلائل الكثرة التي لا يكون معها التنجس إلا بالظهور، كما زعم من لم يحقق سر المسألة عند أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-.
وعبارة الاختيار والتحفة والبدائع ومن تبعهما صريحة في أن المراد: خلوص الماء إلى الجانب الآخر، وأنه دليل الكثرة.
وحيث علمت هذا علمت أن نظر الإِمام بعد سطح الماء لا إلى العمق فظهر عدم صحة ما صححه من أنه إذا لم يكن له عرض إلخ. رُدّ عند تقارب الجوانب، يعمُّ السريان. والله أعلم.
وممن ظنّ صحة هذا التقسيم المذكور في أول المسألة:
قال شيخنا في شرح الهداية (٢): فما استدل به المصنف للمذهب من
стр. 84
قوله ﷺ : "لاَ يبوْلَنَّ أَحَدَكُمْ في الْمَاءٍ الرَّاكِدِ" الحديث. لاَ يَمسُّ مَحَلّ الخلاف.
وهذا لأن حقيقة الخلاف، إنما هو في تقدير الكثير الذي يتوقف تنجّسه على تغيّره. انتهى.
وأنا أقول: إن هذا التقدير لا يعرف عن أبي حنيفة ﵀ النَّظَرُ إليه بوجهٍ، وإنما حقيقة مذهبه: ما قاله الرازي (١) في أحكام القرآن من سورة الفرقان وهو قوله: وأمَّا الماءُ الذي خالطته نجاسة، فإن مذهب أصحابنا فيه: أن كل ما تيقنّا فيه جزءًا من النجاسة أو غلب في الظنّ ذلك، لم يجز استعماله، ولا يختلف في هذا الحد: مَاءُ البحرِ، وماءُ البئرِ، والغديرِ، والماءُ الراكد، والماء الجاري؛ لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة، وكذلك الماء الجاري.
стр. 85
وأما اعتبار أصحابنا للغدير (١) إذا حرّك أحد طرفيه، لَم يتحرك الطرف الآخر، فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى طرف (٢) الآخر، وليس هذا كلاماً في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعماله، وبعضها لا يجوز استعماله. ولذلك قالوا: لا يجوز استعمال الماء الذي في الناحية التي فيها النجاسة (٣). انتهى.
وهو صريحٌ فيما قلت بخلاف ما زعمه من قدمنا ذكره.
قوله: النجاسة لا تخلو إما أن تكون مرئية أو غير مرئية. فإن كانت مرئية كالجيفة ونحوها.
ذكر في ظاهر [٨/ أ] الرواية: أنه لا يتوضأ من الجانب الذي فيه الجيفة، ويتوضأ من الجانب الآخر. هذا خارجٌ عن الأصل الذي قرره وهو: أن الكثير لا ينجس, ومخالفٌ لمحمدٍ للحديث (٤) عنده حيث قال: إن المراد من الكثير البخاري (٥).
وكذا قوله: ولو وقعت الجيفة في وسط الحوض.
وكذا قوله: وإن كانت غير مرئية على كلا القولين المذكورين لمشايخ العراق، ومشايخ ما وراء النهر.
стр. 86
وكذا التفصيل المذكور في الجيفة الواقعة في النهر الكبير والصغير كل مخالفٌ للأصل المذكور والحديث.
قوله: لأن غير المرئية لا تستقر في الجانب الذي يتوضأ منه، فلا يحكم بنجاسته بالشك على الأصل المعهود. وإن اليقين لا يزول بالشك بخلاف المرئية. هذا إنما يتصور لو كانت النجاسة مستجدة متجسدة.
وأما إذا كانت مائعة فهي لمخالطتها الماء في موضع الوقوع، نجسة. وانتشرت في غيره، وماس المتنجّس غيره، فنجّسه، ولا يبقى اليقين بطهارة الماء مع العلم باختلاطه بالنجاسة وفرض المسألة في الماء الراكد تمنع تجوّز انتقال النجاسة، بما خالطته.
ومع تقدير التحريك والاضطراب، يختلط (١) المتنجس بالطاهر، فيبطل هذا التمويه، ولو كان ثَمَّ يقينٌ لما احتمل جواز النقيض.
ثم محل الأصل المعهود الذي أشار إليه: أن يكون الطارئُ على الأصل مجرّد التجويز من غير مزيةِ.
قال محمَّد بن الحسن -رحمه الله تعالى-: إذا علم المتوضِّئ دخوله الخلاء للحاجة، وشكَّ في قضائها قبل خروجه، فعليه الوضوء (٢)، وفيما نحن فيه طرأ على يقينِ الطّهارة، يقين اختلاط النجاسة بموضع الوقوع، فكيف يتصور ما ذكر قوله؛ وإن الماء الجاري مما لا يخلص بعضه إلى بعض إلخ.
стр. 87
هذا مما لا يكاد يفهم، والله سبحانه أعلمُ.
ومن نظر تدافع أمواج الأنهار لما فيها من المريبات جزم بخلاف مقتضى هذه العبارات. والعلّة عند غيره: أن النجاسة لا تستقر مع الجريان، فما لم يجد فيما يقترفه أثر النجاسة، يعلم أنها لم تكن فيه.
وها هنا بحثٌ آخر من وجوه:
أحدها: أنهم قالوا في اختلاط الماء المطلق [٨/ ب] بالمعاب المشكوك في طهارته ونجاسته: إنه لا يطهر، ولم يجوز فيه احتمال الانتقال، ولا ننظر إلى أن الأصل في الماء الطهارة، فلا يزول باختلاط المشكوك فيه، ويكون مطهراً على حاله. بل قالوا: عند تبعية الأصول، كان الماء طاهرًا بيقين، فلا ينجس بالشك، وكان الحدث ثابتًا بيقين، فلا يزول بالشك، وهذا الماء الذي يشك في تنجسه أولًا بالمنع من التطهرية من ذلك وأولى أن يقال فيه: كان الحدث ثابتًا بيقين، فلا يرتفع بالشك، ولم يرو عنهم اختصاص مسألة السؤر بنحو ماء الأواني لتفارق ما نحن فيه.
الثاني: أنهّم قالوا في علة البطن من التطهير بالماء المستعمل: إنه بواسطة استعمالٍ، لم يبق في معنى المنْزل من السماء. وهذا أولى أن يقال فيه: إنه بعدَ اختلاط النجاسة، لم يبق في معنى المنَزّل من السماء.
الثالث: أن هذا الاحتمال المذكور يجري مثله في قطرة بول أو خمر وقعت في حوض طوله تسعة أذرع ونصف وربع وعرضه كذلك ونحو ذلك مما يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر، بل يجري فيما هو أصغر من هذا. والله أعلم.
стр. 88
حيث أسمعتك عن بعضهم ما يتمثلوا له يقول الْمَعَريّ (١):
وغَدت حُججُ الكلام (٢) حَجا غَديرٍ ... وشيكًا يَنعَقِدْنَ وَيَنتَقِضْنَه (٣)
فأورد ذلك تحقيق مذاهبهم مثلًا عن ضباطها وأوضح حججها عند محققيها ومختاري منها، وحججي على مختاري، وأجوبتي عما خالفها. واللهُ المستعان.
وأقول: قال الكرخي في المختصر: وما كان من المياه في الأواني فوقعت فيه نجاسة مائعة، فهو نجس. ويغسل الإناء ثلاثًا، ما صغر من الأواني، وما كبر غلب على لون الماء وطعمه وريحه، أو لم يغلب على شيءِ من ذلك. لما روي عن النبي ﷺ في وضوء الكلب، وما أمر به من أنها قدرُ ما عده فيه الفأرة، إذا كان مائعًا ويطرحها وما حولها إذا كان جامدًا.
قلت: هذا هو المعتمد عندي في تنجس القليل، وإن لم يتغير.
قال: ولنهيه ﷺ [٩/ أ] عن البول في الماء الدائم، وإن لم يغتسل فيه من جَنَابةٍ.
قلت: وهذا عندي بالاعتضاد في المنع عن تنجس الماء في الجملة.
قال: وأمره المستيقظ من منامه يغسل يده ثلاثًا قبل أن يدخلها الإناء؛ لأنه لا يدري أين باتت يده.
стр. 89
قلت: وهذا الاعتضاد الأول على بعض الاحتمالات.
قال: فليس في جميع ذلك ما يغير لونًا أو طعمًا أو رائحة.
وما كان من المياه من المصاح (١) والغدران أو في مستنقع من الأرض وقعت فيه نجاسة. نظر المستعمل في ذلك، فإن كان في غالب رأيه أن النجاسة لم يختلط بجمعه بكثرته، توضأ من الجانب الذي هو طاهرٌ عنده في غالب رأيهِ، واجتنب الباقي؛ لأن هذين ماءٌ نجسٌ وطاهرٌ يستعمل غالب رأيه في إصابة الطاهر منه، وليس هذا تنجيسًا بالماء بالشك؛ لأن ها هنا نجاسة حاصلة متيقنة، وما كان قليلاً يحصِّل (٢) العلم: أن النجاسة قد حصلت إلى جميعه، ولو كان ذلك في غالب رأيه لم يتوضأ منه، وإذا أمر شيء قد تغير ولا يعلم أنه يغير النجاسة؛ لا بأس بالوضوء؛ لأنه قد يتغير بطول المُكث. انتهى.
وقد روي اعتبارُ خلوص النجاسة بخلوص الماء لنفسه، وبالتحريك على ما قدمت لك من عبارة الأصل وَإِلاّ فلا.
وقال شمس الأئمَّة (٣): المذهبُ الظَّاهرُ التَّحرِّي والتَّفويض إلى رأي
стр. 90
المبتلى من غير حكمٍ بالتَّقدير، فإن غلب على الظَّنِّ وصولها تنجَّس (١)، وإن غلب عدم وصولها لم ينجس, وهذا هو الأصحّ. انتهى.
وصحّحه في الغاية وغيرها، ووجه أصحيته: أن المعتبرَ سريان النجاسة وهو يختلف باختلاف كثرتها وقلّتها، فقد لا يسري كون خمرٍ إلى طرفي غديرٍ على نهاية ما يتحرك.
وقال ركن الإِسلام أبو الفضل عبد الرحمن الكرماني (٢) في شرح الإيضاح (٣): كل ما تيقن حصول النجاسة فيه أو [٩/ ب] غلبَ على ظننا، فإنه لا يجوز الوضوء قليلاً كان أو كثيرًا، جارياً كانَ أو راكداً. وإنما اعتبر غلبة الظن
стр. 91
لا تجري مجرى اليقين في وجوب العمل كما لو أخبر واحدٌ بنجاسة الماء، وجب العمل به، والنائم يقدر اليقين.
وتقدمت عبارة الرازي بهذا.
قال الكرماني: وأما الماء إذا كان كثيرًا لا يخلص بعضه إلى بعضٍ إذا وقعت النجاسة في طرفٍ منه، جازَ أن يتوضأ من الجانب الآخر.
وروي عن أبي يوسف أنه قال في الماء الجاري: إنه لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه.
واختلفت الروايات في تحديد الكثير:
مراده: أن عند أبي حنيفة، ليكون (١) له حكمُ القلتين عند الشافعي، بل المرادُ: كثيرٌ يحتاج إلى النظر في خلوص النجاسة فيه. والحكم المصحح عنه مصرّحٌ.
واختلفت الروايات في الكثير (٢)، فالظاهر عند محمَّد: أنهّ عشرٌ في عشر، والصحيح عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- أنه قد يؤقت في ذلك بشيءٍ، وإنما هو موكولٌ إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة.
وروي عن أبي يوسف: أنه اعتبر الغدير بالماء الجاري. وقال: لا ينجس إلا بظهور النجاسة؛ لأن الضرورة تقتضي العفو عن ذلك.
وقال الحاكم الشهيد (٣) في الكافي: قال أبو عصمة: كانَ محمّد بن
стр. 92
الحسن يؤقت في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجعَ إلى قول أبي حنيفة. وقال: لا أؤقت فيه شيئًا. انتهى.
فالحاصل: أن ماءَ الأواني ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغير، ولا ينظر فيه بغلبة الظن الخلوص ولا بغيره. انتهى.
وأمّا المصانع والغدران يعمل فيه بغلبة الظّن على الصحيح عند أبي حنيفة.
وما روي عن أبي يوسف: أن ما لا يخلص كالجاري لا ينجس إلَّا بظهور النجاسة فيه. هو المختارُ عندي، وأرى قول محمَّد مثله.
قال محمَّد في كتاب الآثار (١): أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا الهيثم بن أبي الهيثم، عن ابن عباس قال: أرْبَعَةٌ لاَ يُنَجِّسُهَا شَيءٌ: الْجَسَدُ، وَالثَّوْبُ، وَالْمَاء وَالأَرْضُ (٢).
قال محمَّد: ويعتبر ذلك عندنا (٣): أن ذلك إذا أصابه القذّر فَغُسِلَ، ذهبَ ذلك عنه، فلم يحمل قذراً، وإنما معناهُ: في الماء إذا كان كثيرًا،
стр. 93
أو جاريا، أنّه لم يحمل خبثًا (١). هذا في [١٠/ أ] الرّاكد.
وأمَّا الجاري:
قال محمَّد في كتاب الأشربة في الأصل (٢): ولو صبَّ رجلٌ خابية خمرٍ في نهرٍ مثل الفرات، أو أصغر منه، ورجلٌ أسفل منه، فمرَّ به الخمر، فلا بأس بأن يشرب من ذلك الماء، إلَّا أن يجد فيه ريحها أو طعمها، فلا يحل له حينئذٍ. هذا لفظه.
وإن كانوا كلّهم قالوا: ورجلٌ يتوضأ إلخ ما قدّمته عنهم.
وتقدّم عن أبي حنيفة في الجاهل يبولُ في الماء الجاري: أنه لا بأس بالوضوء من أسفل منه، فصار الاتفاق: على أن الجاري لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه إذا كانت غير مرئية.
وأمّا المرئية؛ فقال الشيخ الإِمام أبو عبد الله محمَّد بن رمضان (٣) في كتابه المسمّى بالينابيع: وقال أبو يوسف في ساقيةٍ صغيرةٍ فيها كلبٌ ميّتٌ قد سد عرضها، فيجري الماء فوقه وتحته، أنه لا بأس بالوضوء أسفل من الكلب وهذا هو المختار أيضًا. وتقدمت التفاصيل في مثل هذا على قول أبي حنيفة، فاستدلوا في كثيرٍ من الكتب يقول أبي حنيفة ممّا قدمت بطلانه.
стр. 94
وقال الرازي (١) في أحكام القرآن: والذي يحتج به لقول أصحابنا قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والنجاسة لا محالة من الخبائث.
وقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [وَالدَّمَ]﴾ [البقرة: ١٧٣، النحل: ١١٥].
وقال في الخمر: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
ومرَّ النَّبي ﷺ بقبرين، فقال: "إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ. أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لاَ يَسْتَبْرِأُ (٢) مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ (٣): كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" (٤). فحرَّمَ الله هذه الأشياءَ تحريماً منهما، ولَم يفرق بين اختلاطها وانفرادها (٥) بالماء، فوجبَ تحريمُ استعمالٍ كُل مَا تيقن (٦) فيه جزءًا من النجاسة، ويكون جهة الحظر من طريق النجاسة أولى من جهةِ الإباحةِ من طريق الماء المُبَاحِ في الأصلِ، بأنُّهُ (٧) مَتَى اجتمع في شيءٍ جهةُ الحظر
стр. 95
والإباحة (١)، فجهة الحظر أولى، ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما فيها مئة جزء وللآخرِ جزءٌ واحدٌ، إنّ جهة الحظر (٢) فيها أولى من جهة الإباحة، وأنّه غير جائزٍ لواحدٍ منهما وَطْؤُهَا (٣).
وأيضاً: لا نعلم خلافًا بين الفقهاء في سائر المائعاتِ، إذا خالطه اليسير من النجاسات كَالبِنِّ (٤) والإِدهَان (؟) [١٠/ ب] والخمرِ ونحوها، إن حكم اليسير في ذلك كحكم الكثير (٥)، وأنه محظورٌ عليه أكل ذلك وشربه، والدلالة من هذا الأصل على ما ذكرنا من وجهين:
أحدهما: لزوم اجتناب النجاسات بالعموم الذي قدمنا في حال المخالطة والانفراد.
والآخر: أن حكمَ الحظر وهو النجاسة كان أغلب من حكم الإباحة وهو الذي خالطه من الأشياء الطاهرة ولا فرق في ذلك من أن يكون الذي خالطه من ذلك ماءٌ أو غيرهُ إذا كان عموم الرأي والسُّنن شاملةً لهُ. وإذا كان المعنى وجود النجاسة فيه، وحظر استعمالها، ويدل على صحة قولنا من جهة السنة:
стр. 96
قوله ﵇: "لاَ يبولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيهِ منَ الجنَابةِ" (١).
وفي لفظٍ آخرَ: "لاَ يبولَنَّ أَحَدكمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم، وَلاَ يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ جَنَابةٍ" (٢).
ومعلومٌ: إذا البول القليل في الماء الكثير لا يغير طعمه ولا لونه ولا ريحه، وقد منع النَّبيُّ ﷺ منه.
قال: ويدلُّ عليه قوله ﵇: "إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدكمْ مِنْ مَنَامِهِ فَليَغْسِلْ يَدَهُ ثَلاَثاً قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الإنَاءَ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (٣).
فأمرَ بغسل اليد احتياطًا من نجاسةٍ أصابته من موضع الاستنجاء.
ومعلومٌ: أن مثلها إذا حلَّت الماء لم تغيره، ولو أنهّا تفسده لما كان الأمر بالاحتياط معنًى.
وحكم النَّبيُّ ﷺ بنجاسةِ ولوغِ الكلبِ لقوله: "طُهُورُ إنَاء أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ: أَنْ يُغْسَلَ سَبْعاً" (٤) وَهُوَ لاَ يُغَيِّرُهُ.
стр. 97
قلت: تقدّم أن هذا هو المعتمد عندي، وأنّ ما سواه ما جاء تقدم.
ثم قال: وأيضاً العلم بوجود النجاسة فيه كمشاهدتنا، كما أن علمنا بوجودها في سائر المائعات كمشاهدتنا، هذا حاصلُ ما استدل به، وهو أبسط مما في كتب الفقه، وهو منتهضٌ على من يرى: أن الماء لا ينجس إلَّا بظهور النجاسة فيه، قليلاً كان أو كثيرًا، وعلي ما زعموه من مذهب أصحاب الظاهر. واستدلوا يقول أبي يوسف، بما تقدم، من أن الضرورة تقتضي العفو.
وأقول: يدلُّ عليه:
ما روى الدارقطني (١)، عن ثوبان قال: قال رسول ﷺ [١١ / أ]: "الْمَاءُ طَهُورٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ، أَوْ طَعْمِهِ". وفيه: رشدين بن سعد (٢).
ورواه: راشد بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يُنَجّسُ الْمَاءَ إِلاَّ مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ" (٣). وَهَذا مرسلٌ.
وصلهُ رشدين بن سعد (٤)، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد،
стр. 98
عن أبي أمامة الباهلي، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لاَ يُنَجِّسُ الْمَاءَ شَيءٌ إِلاَّ مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ" (١).
ورواه موقوفًا على راشد بن سعد: أبو عون (٢).
وحاصل ما فيه: ضعف راشد بن سعد، والإرسال، وكلاهما غير مضرّ عندنا؛ لأنّ علماءنا ﵃ قد احتجّوا لمن هو أضعف من راشد بن سعد، وعملوا بالمرسل والمنقطع على أن لرشدين متابعاً عند البيهقي.
فقد أخرجه (٣) من طريق عطية بن بَقِيّة (٤)، عن أبيه، عن ثور (٥)، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "إِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ، إِلاَّ أَنْ يُغَيّرَ (٦) رِيحَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ لَوْنَهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ".
ولصدره شاهدٌ من حديث أبي سعيد الخدري في بئرِ بُضاعة. ولفظه: "الْمَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيءٌ" (٧).
قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.
стр. 99
وقد جوّده أبو أمامة، وصحّحه أحمد، وابن مَعِين، وأبو محمد ابن حزم.
وقال ابن القطّان: لهُ طريقٌ حسنٌ.
وأورده من طريق سهل بن سعد (١).
وعلي عجزه انعقد الإجماعُ. نقله البيهقي في المعرفة (٢) عن الشافعي.
وليس فيه تخصيص بجانبٍ دون جانبٍ، ولا قام دليلٌ على اجتنابِ جانبٍ الوقوع من غير تغييرٍ، ليحمل عليه.
فإن قلت: إنه عامٌّ. وأبو يوسف لا يقول بعمومه.
قلتُ: قد عارضه حديث الولوغ، والاستدلال به بلفظ: "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلغ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعاً". لا كما ذكرهُ صاحب البدائع.
وهذه رواية مسلم في صحيحه (٣).
وحديث المستيقظ، فإنّهما يدلان على أنَّ ماء الأواني [١١ / ب] يَنْجُسُ وإن لم يتغير. فبقي محمولاً على ماء الغدران والمصانع.
стр. 100
وقد صرّح الشافعي (١): بأن ماء بئر بضاعة كان كبيرًا. والله أعلمُ.
ويدلُّ عليه: ما رواه ابن ماجه (٢)، [عن] جابرٍ ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانتبَهْنَا إِلَى غَدِيرٍ فِيهِ جِيفَةٌ، فَكَفَفْنَا، وَكَفَّ النَّاسُ، حَتَّى أتانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا لَكُمْ لاَ تَسْتَقُونَ؟! ". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذِهِ الْجِيفَةُ؟ فَقَالَ: "اسْتَقُوا. فَإنَّ الْمَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيءٌ". فَاسْتَقَيْنَا (٣)، وَارْتَوَيْنَا.
وَرَوَاهُ أَبُو يعلى الموصلي (٤)، من حديث أبي سعيدٍ. وفيهِ: "أُرَهَا جَمَل". يعني: الجيفة.
وهذا كما ترى، ليس فيه بيان اجتناب جانب الجيفة، ولو كانت لتوفرت الدعاوي على نقله.
стр. 101
ويدلّ عليه: ما أخرجه ابن أبي شيبة (١)، عن عكرمة قالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِغَدِيرٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الكِلاَبَ تَلِغُ فِيهِ، وَالسِّبَاعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِلْسَّبُعٍ مَا أَخَذَ فِي بَطْنِهِ، وَلِلْكَلْبِ مَا أَخَذَ فِي بَطْنِهِ، فَاشْرَبُوْا، وَتَوَضَّؤُوْا". قَالَ: فشَرِبُوا، وَتَوَضَّؤُوا.
وأصحابنا ﵃: يحتجون بالمرسل.
قال الأخسيكثي (٢) في منتخب الأصول: إنه فوق المسند.
ويدلُّ عليه: ما أخرجه عبد الرَّزاق (٣)، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن داود بن حصين، عن أبيه، عن جابرٍ قلتُ: يا رسولَ اللهِ! أَنتَوَضَّأُ مِنْ مَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ (٤)؟ قَالَ: "وَبِمَا أَفْضَلَتْهُ السِّبَاعُ كُلُّهَا".
وإبراهيم يضعّف (٥)، إلَّا أنّ محمد بن الحسن قد احتجّ به. ورواه مشايخ.
стр. 102
ورواه الشافعي (١)، من حديث ابن أبي ذئب، من حديث ابن أبي (٢) حبيبة، عن داود.
وله شاهد: من حديث أبي سعيد. رواه ابن ماجه (٣).
وأخرجه الدارقطني (٤)، عن ابن عمر قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَخَرَجَ لَيْلاً، فَمَرُّوْا عَلَى رَجُلٍ جَالِسٍ عِنْدَ مِقْرَاةٍ لَهُ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا صَاحِبَ الْمِقْرَاةِ (٥)! أَوَلَغْنَ السِّبَاعُ اللَّيْلَةَ فِي مِقْرَاتِكَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا صَاحِبَ الْمِقْرَاةِ لاَ تُخْبِرْه هَذَا [١٢ / أ] فَكَلَّفَ لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونهَا، وَلنا مَا بقِيَ شَرَابٌ وَطَهُورٌ".
وطريقُ الاستدلال بهما على نحو ما تقدم في حديث: "الْمَاءُ طَهُورٌ".
стр. 103
ويدلّ عليه:
ما رواه ابن أبي شيبة (١)، عن عمر بن الخطاب: أنَّهُ مَرَّ بِحَوْضِ مَجَنَّة (٢). فَقَالَ: اسْتَقُوا مِنْهُ. فَقَالُوا: إِنَّهُ تَرِدُهُ السِّبَاعُ [وَ] الْكِلاَبُ، وَالْحَمِيرُ. فَقَالَ: لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُوبهَا، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَنَا شَرَابٌ وَطَهُورٌ.
وأخرجه من طريقٍ آخرَ (٣)، عن عكرمة: أنَّ عمر بن الخطاب، أتَى على حوضٍ من الحياض، فأراد أن يتوضأ ويشربَ. فقالَ أهل الحوض: أنا يلغُ (٤) فِيهِ الكلابُ والسِّباعُ. فقال عُمَرُ: إن لها ما بلغت (٥) في بطونها. قال: فشربَ وتوضأ. وعن أم سلمة: أنَّهَا كَانَتْ تَمُرُّ بِالْغَدِيرِ، فيه الجُعْلانُ (٦) والبُعُر، فيستقى لها منه فنتوضأ ونشرب (٧).
стр. 104
وقال (١): حدّثنا ابن عُلَيَّة، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه: أنّهُ سأل أبا هريرة عن سُؤْرِ الحوضِ تردهُ السِّباعُ، وتشربُ منه الحُمُرُ (٢). فقال: لا يحرمُ الماء شيء.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ لاتصالهِ، وثقة رجاله.
فابن عُلَيَّة (٣): ثِقَة حَافِظٌ، أشهر من أن يُذكر. أخرج له الشيخان، محتجيّن به.
وحبيب بن شهاب بن مدلج:
قال ابن معين (٤): ثقة.
وقال النَّسائيّ (٥): ثقة.
стр. 105
وقال أحمد بن حنبل (١): لا بأس.
وذكره ابن حبان في ثقاته (٢). وقد سمع أباه.
وأبوه (٣) شهاب بن مدلج. سمع: أبا هريرة، وابن عباس، وأبا موسى.
قال أبو زرعة الرازي (٤): ثقة. وقاله النَّسائيّ.
وذكره ابن حبان في ثقاته (٥).
وأبو هريرة: هو من جملة من روى عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم" (٦). الحديث.
وقال (٧): حدّثنا ابن عُلَيَّة، عن إسرائيل، عن الزبرقان قال: حدّثنا كعب
стр. 106
ابن عبد الله قال: كُنَّا مع حذيفة، فانتهينا إلى غديرٍ فيه الميتة، وتغتسل فيه الحائضُ. فقال: الماءُ لاَ يَخْبُثُ (١).
وقال (٢): حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أَبِي عمر البَهْرَانِيّ (٣)، عن ابن عبّاس قال: الْمَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ.
وقد تقدم تفسيرهُ عن محمد بن الحسن في كتاب الآثار.
وأخرج (٤) عن الحسن: في الجُبِّ يقطر فيه القطرة من الخمر أو الدم. قال: يُهْرَاقُ.
وعن طاوس: أنَّهُ كرهه (٥).
стр. 107
فثبت: أن ماء الأواني تنجس بوقوع النجاسة، وإن لم يتغير.
وماء الغدران ونحوها لا ينجس إلَّا بالتغيير [١٢ / ب] سواءٌ كان الواقع فيه مرئياً أو غير مرئي. فالجاري أولى.
وما كان في غديرٍ أو مستنقعٍ وهو نحو ماء الأواني، فهو ملحق بها إذ لا أثر للمحل. والله أعلم.
فإن قلت: لم أطلق ماء الغدران مع ما ورد من تقديره شرعًا بالقلتين. وحديث القلتين: قد صَحَّحه ابن حبان (١)، وابن خزيمة (٢)، والحاكم (٣)؟.
قلت: من صحّحه اعتد بعض طرقه، ولم ينظر إلى ألفاظه ومفهومها، إذ ليس وظيفة المحدث. والنظر في ذلك من وظيفة الفقيه، إذ غرضه بعد صحة الثبوت: الفتوى والعمل بالمدلول.
وقد أعلّ حديث القلتين من الجهتين. وأنا أورد ذلك مستعيناً بالله.
فأقول: قال ابن عبد البر في التمهيد (٤): هذا حديثٌ يرويه محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير [جميعاً، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، وبعض رواة الوليد ابن كثير يقول فيه: عنه، عن محمد بن عباد بن جعفر (٥)، ولم
стр. 108
يختلف عن الوليد ابن كثير] (١) أنَّه قال فيه: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن (٢) أبيه يرفعه.
ومحمد بن إسحاق يقول فيه: عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عبد الله (٣) بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعًا [وعاصم] (٤) أيضًا.
فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله، ومحمد بن إسحاق يجعله عن عبيد الله بن عبد الله.
ورواه عاصم بن المنذر (٥)، [عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه] (٦)، فاختلف [فيه] (٧) عليه أيضًا.
[فقال حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر، عن أبيه. وقال فيه حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر] (٨).
стр. 109
وقال (١) فيه حماد بن سلمة: إذا كانَ المَاءُ قُلّتين أو ثلاثًا، لم يُنَّجِّسهُ شيءٌ.
وبعضهم يقول [فيه] (٢): إذا كان [الماء] (٣) قلتين، لم يحمل (٤) الخبث. وهذا لفظٌ (٥) محتمل للتأويل، ومثل هذا الاضطراب في الإسناد، يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث، على (٦) أنّ القلتين غير معروفتين، ومُحالٌ أن يتعبّد الله عبادهُ بما لا يعرفونه. انتهى (٧).
قلتُ: قد تكلّف بعض النَّاس لرفع اضطراب السند باحتمال أن يكون الحديث عند كل راوٍ اختلف عليه من جميع من اختلف عليه فيه، لوروده عن بعض رواته بالوجهين جميعًا. لكن بقي هنا شيءٌ آخر، وهو ما أشار إليه ابن عبد البر: أنّ القلتين غير معروفتين.
قال الدارقطني (٨): قال ابن عرفة، وسمعت هُشَيماً (٩) يقول: تفسير القلتين يعني: الجرتين الكبار.
стр. 110
وروى إسحاق بن راهويه -ومن طريقه الدارقطني-، عن عاصم بن المنذر قال: القِلاَلُ: الخوابي العظام (١).
وعاصم بن المنذر، هو: راوِي الحديث عن عبيد الله، عن عبد الله ابن عمر.
وأخرج أبو قاسم [١٣/ أ] البغوي (٢)، عن مجاهد، أنّه قال: الْقُلَّتَانِ: الجَرَّتَانِ.
وأخرج عن ابن إسحاق راوي الحديث: أنّه سَئلَ: القلتين. فقال: هذه الجرار الذي يُسْقَى فِيهَا الْمَاءُ، وَالدَّوَارِيقُ (٣).
وروى البيهقي، عن وكيعٍ: القلّة: الجَرّة (٤).
وروى الشّافعي، عن ابن جريج: أنَّ كلّ قلّة تأخذ قلتين وشيئاً (٥).