السَّجدتين فعليه السَّهو؛ لأنَّ له أن يطيل اللُّبث في جميع ما ذكرنا إلَّا فيما بين السَّجدتين والقعود في وسط الصَّلاة (١).
ويوافق الثاني تعليل المسألة، وبه تخريج الجواب عن هذا التعليل. والله أعلم.
ومنه قوله: وإن كان تفكره في غير هذه الصلاة إلخ. جعله في المحيط بعض رواياتٍ فقال: شك في صلاةٍ صلاّها قبل ذلك فتفكر، فطال تفكره.
ذكر في بعض الروايات: لا سجدة عليه؛ لأنَّه لم يسهُ عن هذه الصلاة؛ لأنَّه لم ينسَ شيئًا من أفعال هذه الصلاة، فلا تلزمه السجدة، وإن أخّر فعلًا كسهوٍ عن أمرٍ من أمور الدنيا فتفكر حتّى أخّر ركناً أو واجبًا في بعض الروايات: أنه يلزمه السهو؛ لأنّ هذا السهو أخّر ركناً أو واجبًا، فتمكن النقص في صلاته، كما تمكّن بالسهو في فعلٍ من أفعال هذه الصلاة، بخلاف السهو في أعمال الدنيا؛ لأنَّه لم يجب عليه حفظها في الصلوات إنمّا يجب عليه حفظ أعمال هذه الصلاة (٢). انتهى.
стр. 142
وهذا ترجيحٌ بخلاف ما في البدائع والذخيرة. والله أعلم.
أمَّا صوره المشهورة:
ففي فتاوى قاضي خان (١): ولو افتتح الصلاة، ثم شكَّ أنَّه هل كبّر للافتتاح، ثم تذكَّر أنَّه كان كبَّر، شغله [١٨ / ب] التَّفكُّر عن أداء شيءٍ من الصلاة، كان عليه السهو، وإلَّا فلا.
وفي الذخيرة: شكّ في حال القيام أو بعده أنه هل كبَّر للافتتاح أم
стр. 143
لا، وطال تفكّره فيه فعلم أنه قد كبّر فبنى أو ظنّ أنه لم يكبّر فكبّر، وقرأ بناءً عليه، فعليه سجدتا السهو.
وفي الظهيرية (١): المصلِّي إذا فرغ من القراءة وتأنّى وتفكر أيّ سورة يقرأ أو مكث مقدار ما يؤدي ركناً فعليه السهو.
وفي قاضي خان: ولو شكّ في ركوعه وسجوده وطال تفكّره كان عليه السهو. وهذا يوافق ما قال شمس الأئمة.
وقد قدّمنا عنه في غريب الرواية: وإن كان في جلوسه بين السجدتين فعليه السهو.
وفي البدائع (٢): ثم لا فرق، بين ما (٣) إذا شكَّ في خلال صلاته، فتفكَّر حتَّى استيقن، وبين ما إذا شكَّ في آخرها (٤) بعدما قعد قدر التَشهُّد الأخير، ثم استيقن في حق وجوب السَّجدة؛ لأنَّه أخَّر الواجب وهو السَّلام (٥).
وكذا لا فرق بينه وبين ما إذا سبقه الحدث في الصَّلاة، فذهب الوضوء
стр. 144
فشكَّ أنه صلّى ثلاثًا أو أربعًا وشغله ذلك عن وضوئه ساعة، ثم استيقن، فأتمَّ وضوءه أو شَكَّ بعد الوضوء قبل أن يعود إلى الصَّلاة، فتفكَّر ساعةً، ثم استيقن، حتَّى يجب عليه سجود السَّهو في الحالين إذا طال تفكُّره؛ لأنَّه في حرمة الصَّلاة، وإن كان غير مؤدٍّ لها (١). والله أعلم.
ومنها: المسبوق إذا سلَّم مَعَ الإمام ساهيًا، هل تبطل صلاته ؟.
فأجبت: أنها لا تبطل، بل يبني على ما مضى.
فقيل: إنَّ بعض من ينسب إلى الفقه قال: إِنه تبطل صلاته، وإنَّ هذا حكم النَّاس عنه غافلون، وأنهّ قياس مسائل ذكرها.
فقلت: هذا ممَّا لا يعرفه في هذا المذهب. وهاك النقل.
قلت: قال الإمام الكرخي (٢) في المختصر: وإن سلّم المسبوق حين سلم الإمام ساهياً، فإنهّ يبني على صلاته، وعليه سجدتا السهو؛ لأنَّه سهى وقد خرج من صلاته (٣).
стр. 145
وقال في الإيضاح: وإن سلّم - يعني المسبوق - ساهياً حين سلّم الإمام، بنى على صلاته، وعليه سجود السهو؛ لأنَّ سلام السّاهي لا يخرجه من الصَّلاة؛ لأنَّه من جنس ما شرع في الصَّلاة.
وقال في [١٩ / أ] البدائع: ثم المسبوق إنّما يتابع الإمام في السهو دون السلام، فإن سلَّم مع الإمام، فإن كان ذاكرًا لما عليه من القضاء، فسدت صلاته؛ لأنَّه سلام عمد، وإن لم يكن ذاكرًا لم تفسد؛ لأنَّه سلام سهو، فلا يخرجه عن الصَّلاة، وهل يلزمه سجود سهو لأجل سلامه ينظر إن سلّم قبل تسليم الإمام أو معه لا يلزمه؛ لأنَّ سهوه سهو مقتدٍ، وسهو المقتدي متعطّلٌ. وإن سلّم بعد تسليم الإمام يلزمه؛ لأنَّ سهوه سهو منفردٍ، فيقضي ما فاته، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته. انتهى.
وقال في المحيط (١): ولو سلم المسبوق إن كان عامدًا، تفسد صلاته،
стр. 146
وإن كان ساهياً إن سلَّم مع الإمام لا يلزمه السجود؛ لأنَّه مقتدٍ به، وإن سلم بعده يلزمه؛ لأنَّه منفردٌ. انتهى.
وقال في الذخيرة: المسبوق بركعةٍ إذا سلّم مع الإمام ساهياً لا يلزمه سجود السهو؛ لأنَّه مقتدٍ بعد، وإن سلّم بعد الإمام كان عليه؛ لأنَّه منفرد.
وقال في الينابيع: يتابع الإمام ولا يسلم معه، ولو سلّم معه إن كان ذاكرًا لما عليه من القضاء، فسدت صلاته، وإن كان ناسياً لم تفسد.
وقال في شرح المجمع لابن فرشته (١): ولو سلم المسبوق إن كان عامدًا تفسد صلاته، وإن كان ساهياً إن سلّم مع الإمام لا يلزمه السجود؛ لأنَّه مقتدٍ به. وإن سلّم بعده يلزمه؛ لأنَّه منفردٌ.
فهذا نقل أرباب المذهب من الصَّدر الأول منهم، وإلى هلمَّ جرًّا على ما أجبت. ولله الحمد. فلا يلتفت إلى قول من لا روايةً له، ولا دراية. والله أعلم.
ومنها: إذا قرأ جماعة آية السجدة، وسمعها بعضهم من بعض؟.
فأجبت: بأنه يجب سجدة واحدة على كل واحدٍ، لاتحاد المجلس.
وأورد عليّ: بأن التداخل يكون في السبب الواحد إذا تكرر. وهنا السبب
стр. 147
مختلف، فكان هنا كما لو أقر الإنسان بالدراهم ولآخر بدنانير. ولعبده بالعتق في مجلسٍ واحدٍ، فإنّه لا يجمع. فأجبت بأن هذه الأسباب لما اتّحد سببها، كان الثاني مؤكداً بخلاف ما ذكر.
يدلّ عليه قوله في البدائع (١) [١٩/ ب]: ولو اجتمع سبباً الوجوب وهما (٢): التِّلاوة والسَّماع، بأن تلا آية السجدة ثم سمعها، أو سمعها ثم تلاها، أو تكرَّر أحدهما.
فالأصلُ: أنَّ السَّجدة لا يتكرَّر (٣) وجوبها إلَّا بأحد أمورٍ ثلاثةٍ:
إمَّا باختلاف المجلس، أو التِّلاوة، أو السَّماع.
وقولهم: روي أنَّ جبريل ﵇ كَانَ يَنزِلُ بِالوَحْيِ، فَيقرَأ آيَةَ السَّجدَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، كَانَ يَسمَعُ وَيتَلَقَّنُ، ثُمَّ يَقرَأُ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَكَانَ لاَ يَسْجُدُ إلَّا مَرةً وَاحِدَةً (٤). والله أعلم.
ومنها: رجلٌ معهُ سطلُ ماءٍ يشربُ منه النَّاس يوم الجمعة، والإمام يخطب.
الجواب: قلت: روى المعلّى، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أكرهُ شربَ الماء والإمام يخطب يوم الجمعة (٥). والله أعلم.
стр. 148
ومنها: رجلٌ أجَّرَ دارًا من رجلٍ بألف درهم، فحال الحول بعد ذلك بأيامٍ يسيرة، ولكلٍّ من المؤجّر والمستأجر مال، يجب فيه الزكاة، فماذا عليها؟.
الجواب: إن كان المؤجر قد قبض الألف، فزكاتها عليه، وإن لم يكن قبض فعليه بقدر ما يسكن المستأجر. والله أعلم.
ومنها: رجلٌ له ثلاث مئة قد حال عليها الحول، فخلطها بخمس مئة، ثم ضاع من المال كله خمس مئة .
الجواب: يجب عليه خمسة عشر درهمًا وربع نصف ثمن درهم؛ لأنَّ الرواية أن يقسم ما ضاع على كل المال، فما أصاب الثلاث مئة يُهدرُ. وما أصاب الباقي يزكي. والله أعلم.
ومنها: في رجلٍ صائم قال له آخر: امرأته طالق إن لم يفطر ، هل يسعه أن لا يفطر، وتطلق امرأة الرجل؟.
الجواب: إن كان صائمًا عن قضاء رمضان، وسعه أن لا يفطر وإن كان صائمًا متطوعاً. فيفطر. والله أعلم.
ومنها: ما معنى قولهم: ويكرهُ التقبيل الفاحش ؟
الجواب: هو أن يمضغ شفة المرأة (١). والله أعلم.
تمت
* * *
стр. 149
مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا
[٣]
النَّجَدَات بِبَيَانِ السَّهْوِ في السَّجْدَاتِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 150
(٣) النَّجَدَات بِبَيَانِ السَّهْوِ في السَّجْدَاتِ
قال - رحمه الله تعالى -: هذا تعليقٌ وضعته لبيان السهو في السَّجدات حسب بعض الراغبين من السادات علم [٢٠/ أ] الله ما لم يعلم، ونفعه بما تعلم، ومسائله على قسمين:
الأوّل: فيما إذا علم عدد السَّجدات التي سهى عنها وعلي محلّها من الصَّلاة.
والثاني: فيما إذا علم عددها، ولم يدرِ محلّها.
إذا علمت هذا، فنقول:
[القسم الأول]: إذا تذكر أنه إذا ترك سجدة من الركعة الأولى من صلاة الفجر، سواء كانت السجدة الأولى أو الثَّانية على تقديرٍ أو في زعمه، فإنّه يسجدها بنية القضاء. ويتشهد ويسلّم ويسجد للسهو على ما عرف؛ لأنَّه أتى بأكثر أفعال الصَّلاة ينفلون (١) لكن القضاء وليس التَّرتيب بين السجدتين بفرض، فلذا: يصح القضاء. ولو تذكر أنه ترك سجدةً من الركعة الثَّانية سجدها وأتم كما مرَّ.
ولو تذكر أنه ترك سجدتي الركعة الأولى يصلِّي ركعة ويتشهد ويسلّم ويسجد للسهو؛ لأنَّه لما قرأ وركع في الأولى حصل هذا الركوع في محله،
стр. 151
ويوقف على أن يتقيد بالسجود، فلما قام وقرأ وركع وقع هذا تكراراً وَلا يعتد به، ولا يفسد، لأنَّه من جنس الصَّلاة، فلما سجد يفسد به الركوع الأول، فلم يكن صَلَّى سوى ركعة واحدة.
فلذا قلنا: يضم إليها أخرى إلى آخر ما ذكرنا، ولو تذكر أنه ترك سجدتي الركعة الثَّانية سجدها وأتم كما مرّ.
ولو تذكر أنه ترك سجدةً من الأولى وسجد في الثَّانية سجد ثلاث سجدات ينوي بالأولى القضاء، ويتم، كما مر، وعكس هذه سجد سجدة، ويصلي ركعة، ويتم.
ولو تذكّر أنه لم يسجد شيئاً في الركعتين سجد سجدتين. ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى، ويتم للوجه الذي ذكرناه.
ولو تذكر أنه ترك سجدة من أول الظهر أو ثانيتها أو ثالثتها أو رابعتها سجدها وأتم، وينوي القضاء فيما سوى الرابعة.
ولو تذكر أنه ترك من الأولى سجدة، ومن الثَّانية سجدة سجدهما بنية القضاء.
ولو تذكر أنه ترك سجدة من الأولى وسجدة من الثَّانية، وسجدة من الثالثة، سجد ثلاث سجدات بنية القضاء.
ولو تذكر أنه ترك أربع سجدات من كل ركعة سجدة سجد أربعاً ينوي القضاء في ثلاث لأنهن فوائت، والقضاء لا يتأدّى إلَّا بالنية [٢٠ / ب] المعينة بخلاف الرابعة؛ لأنّها في محلّها. فعلمَ: أن الرّكعة تتقيد بسجدة، وأن السَّجدة (١)
стр. 152
تصير فائتة عن محلّها إن تخلل بينها وبين محلّها ركعةً تامّة؛ لأنّ ما دون الرّكعة يحتمل الرفض فيرتفض، وتلحق بمحلها.
ولو تذكّر أنه ترك سجدتي أولى الظهر قام فصلّى ركعةَ، وأتمَّ.
ولو تذكّر أنه ترك سجدتي أولى الظهر، وسجد من الثَّانية أو عكسه سجد سجدة، ثم قام فصلّى ركعة.
ولو تذكّر أن ترك سجدات الشفع الأولى، قام وصلّى وأتمّ.
ولو تذكّر أنه ترك الأولى وسجدات الثَّانية والثالثة أو واحدةً من الثَّانية وسجدات الأولى والثالثة سجد سجدة وصلى ركعتين، ثم صلّى ركعتين وأتمَّ.
ولو تذكّر أنه سجد سجدة في الأخيرة فقط سجد أخرى، ثم قام فصلّى ركعة، وتشهد، ثم صلّى ركعتين وأتمَّ.
وكذا لو تذكّر أنه سجد في الأولى سجدةً واحدةً، ولم يسجد فيما عداها. وكذا لو تذكّر أنه سجد في الثَّانية أو الثالثة.
ولو تذكّر أنه ترك جميع السَّجدات في جميع الركعات سجد سجدتين، ثم يصلِّي ركعةً، ثم يتشهد، ثم يصلِّي ركعتين ويُتم العصر والمغرب والعشاء في هذا سواء.
القسم الثاني: لو تذكّر أنه ترك ترك سجدة من الفجر، ولم يدرِ محلها سجد سجدةً ينوي بها ما عليه لاحتمال أنه تركها من الأولى، ويتشهد ويسلم، ويسجد للسهو كما عُلمَ.
ولو تذكّر أنه ترك سجدتين سجد سجدتين أوّلاً لاحتمال أنه تركها من
стр. 153
الركعتين، ويقعد قدر التشهد لاحتمال أنهما من الثَّانية، ثم يقوم ويصلي ركعة لاحتمال أنهما من الأولى، ثم يتم.
وإن تذكّر أنه ترك ثلاث سجداتٍ فيسجد ثلاث سجداتٍ، ينوي بواحدةٍ قضاء ما عليه، لاحتمال أنه ترك واحدةً من الأولى، وسجدتي الثَّانية. ويتشهد لهذا الاحتمال، ثم يقوم ويصلي ركعةً لاحتمال أنه ترك سجدتي الأولى وواحدة من الثَّانية، ثم يتشهد ويسلم، ويسجد للسهو.
ولو تذكّر أنه ترك سجدةً من المغرب [٢١ / أ] سجدها وينوي ما عليه.
ولو تذكّر أنه ترك سجدتين، يسجد سجدتين، ويتشهد لاحتمال أنهما من ركعتين، أو من الأخيرة، ثم يقوم فيصلي ركعةً لاحتمال أنها من ركعة غيرها.
ولو تذكّر أنه ترك منها ثلاث سجدات سجد ثلاثًا. ينوي بها ما عليه، ويتشهد لاحتمال أنه ترك على الولاء واحدة من الثَّانية، وثنتين من الثالثة. ولاحتمال أنه ترك من كل ركعةٍ سجدة، وصلّى ركعة لاحتمال أن يكون ترك واحدة من الأولى وسجدتي الثَّانية، فيكون قد تقيدت الأولى بالسجدة، ووقع ركوع الثَّانية في غير محلّه، ووقع ركوع الثالثة مكرراً، فيقيد الركوع الثاني بسجود الأخيرة. فلذا قلنا: يتشهد ويصلّي ركعة، ويحتمل أنه ترك سجود الأولى، وواحدة من الثَّانية، فيكون ركوع الأولى حصل في محلّه، وركوع الثَّانية مكرراً، فيقيد ركوع الأولى بالسجدة في الثَّانية، ولا يختلف الحال. ولو تذكّر أنه ترك أربع سجدات سجد سجدتين، ولا يقعد ويصلي ركعتين، ويقعد بينهما. ويحتمل: أنه أتى بهما في ركعتين فعليه سجدتان
стр. 154
وركعة إلَّا أنّ الركعة داخلة في الرّكعتين.
ولو تذكّر أنه ترك خمسًا سجد سجدةً ينوي بها عن الركعة التي قيدها بالسجدة، ثم يصلِّي ركعتين يقعد بينهما؛ لأنَّه أتى بسجدة، فيحتمل أنها من الأولى فتتقيد بها، ولا تلغوا. فلذا يسجد سجدةً، ثم يصلِّي ركعتين يقعد بينهما ويحتمل (أنّه) (١) منَ الثَّانية. فيكون ركوع الأولى معتدًا به، وركوع الثَّانية مكرراً. فتتقيد الأولى بالسجدة التي في الثَّانية، فلم يكن صَلَّى سوى ركعة بسجدة، فلذا يسجد سجدةً، ثم يصلِّي ركعتين، كما ذكرنا. ويحتمل أنها من الأخيرة، فلا يختلف الحال.
ولو تذكّر أنه ترك من الظهر سجدةً، سجدها. ينوي بها ما عليه لاحتمال أنهّا من غير الأخيرة. فلو تذكّر أنه ترك سجدتين سجدهما. ينوي ما عليه لاحتمال أنهّا من ركعتين، وإن كانتا من الأخيرة، فلا يضره النية، ثم يصلِّي ركعةً لاحتمال [٢١ / ب] أنهّا من ركعةٍ واحدةٍ غير الأخيرة.
ولو تذكّر أنه ترك ثلاث سجدات، سجد ثلاثًا. ينوي بها ما عليه لاحتمال أنهّا من ثلاث ركعات أو من الثالثة أو واحدة وسجدتا الرابعة، ثم يقعد قدر التشهد بهذا الاحتمال، ثم يصلِّي ركعةً لاحتمال أنه ترك واحدةً من ركعة، وثنتين من ركعة.
ولو تذكّر أنه ترك أريعاً سجد أريعاً، ويقعد قدر التشهد، ويختلف الحال لاحتمال أنه ترك من كل ركعةٍ سجدة، ثم يصلِّي ركعتين ويقعد قدر التشهد، ولا يختلف الحال لو كان ترك سجدتي الأولى وواحدة من الثَّانية وواحدة من
стр. 155
الثالثة أو واحدة من الأولى وسجد في الثَّانية وواحدة من الثالثة أو الرابعة أو واحدة من الأولى وسجدتي الثالثة وواحدة من الرابعة أو واحدة من الأولى وواحدة من الثَّانية أو الثالثة وسجدتي الرابعة.
ولو تذكّر أنه ترك خمسًا سجد ثلاثًا، ولا يقعد بعدها، لأنَّ القعدة، ترددت بين السنة والبدعة. وما كان كذلك فسبيله الترك بثباته أنه أتى بثلاث سجدات، فيحتمل أنه سجد سجدتي الركعة الأولى وسجد في الثَّانية سجدةً واحدةً أو العكس، فتكون القعدة سنة. ويحتمل أنه سجد في ثلاث ركعاتٍ، فتكون القعدة بدعة، ثم يصلِّي ركعتين لاحتمال الأولى، ويقعد بينهما قدر التشهد للاحتمال الثاني.
وإن تذكّر أنه ترك ستاً سجد سجدتين، ثم يصلِّي ركعتين، ويقعد قدر التشهد، ثم يصلِّي ركعةً ثالثة ويقعد ويتشهد؛ لأنَّه أتى بسجدتين، فإن كان أتى بهما في ركعتين فعليه سجدتان وركعتان أو في ركعة، فعليه ثلاث ركعات فيجمع بينهما.
وإن تذكّر أنه ترك سبعاً سجد سجدةً ينوي بها ما عليه من الركعة التي سجد فيها، ثم يصلِّي ركعةً ويقعد قدر التشهد، ثم يتم ركعتين ولا يتصور لنا: أن نترك ثمانياً؛ لأنَّه لا يدري محلها.
وفي الباب فروعٌ أُخَرُ [٢٢ / أ] يُعْرَفُ مِنْ هذا بأدنى تأمُّلٍ. والله الموفق.
* * *
(٤) أَحْكَامُ الفَأْرَة إِذَا وَقَعَتْ فِي الزَّيتِ وَنَحْوِه
قال ﵀: قد سألني بعض المشتغلينَ عن الفأرةِ إذا ماتت في الزيت ونحوه.
فقلتُ: عن علمائنا - رحمهم الله تعالى - يتنجَّس فلا يؤكل ويراقُ أو ينتفع به في غير الأكل. هكذا وردت عنهم إطلاقات لم يذكر معها مفسد بمقدارٍ.
وروي عنهم: أن المائع كالماء في القلة والكثرة.
قال شيخنا في شرح الهداية: يَعْنِي كُلُّ مِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مَاءً يَنْجُس، فَإِذَا كَانَ غَيَّرَهُ يُنَجَّسُ (١). انتهى.
وقول علمائنا في الماء: إن القليل كماء الأواني والحياض الصغيرة، ينجّس بمخالطة النجاسة وإن قلّت تغير أو لم يتغير.
وإن ماء الغدران والمصانع والحياض الكبيرة ينجس منه ما غلب على ظن المبتلى به وصول النجاسة إليه.
وروي اعتبارٌ بالحركة، فما تحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر فهو ممَّا يخلص للنجاسة إلى طرفه، وما لا فلا.
стр. 158
واختلف في الحركة: بماذا هي؟.
فقيل: بالغسل.
وقيل: بالوضوء.
وقيل: بغسل اليد.
ورجّح الوسط.
وروي عن محمد اعتبار ذلك بالمساحة، وصحّح أنها عشرٌ في عشرٍ.
وروي عن أبي يوسف: أنّ ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر كثيرٌ لا ينجس إلَّا بالتغير (١).
стр. 159
قال القدوري في التقريب: قال يعقوب: في المصانع يكون فيها الجيفة، وهي لا يتحرك طرفٌ منها بتحريك الآخر، جاز الوضوء منها، إلاّ أن يرى الجيفة، وكذا الماء الجاري.
وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن رمضان في كتابه المسمّى بالينابيع (١): قال أبو يوسف فِي ساقيةٍ صغيرةٍ فيها كلب ميِّتٌ قد سدَّ عرضها فتجرِي الماءُ فوقهُ، وتحتهُ أنَّه لا بأس بالوضوء من أسفل الكلبِ. انتهى.
وهذا اختيارٌ لصحّة دليله، وتوافق فروعه، بخلاف غيره. والله أعلم.
وإذا تنجّس الدهن:
روي عن أبي يوسف: أنه إذا جعل في إناءٍ ثُمَّ صُبَّ عليه الماء فإذا (٢) علا الدهن، رُفِعَ بشيءٍ، ثم يفعل هكذا ثلاثًا، فيطهر. وبهذا يفتي، فلو تعسّر هذا أو لم يفعل جازَ الانتفاع به نجساً في غير الأكل، ولو بيع [٢٢/ ب] جازَ البيع، فإن كان المشتري عالمًا بذلك فلا خيار له، وإلاَّ فله الخيار.
ولو اتخذ صابوناً كان الصّابون طاهراً على قياس قول محمد في طهارة النجس إذا استحال. وبه يفتي. وهذه عبارات علمائنا ﵏ في ذلك، أوردها تبركاً بها، وردًّا على من يستبعد ذلك، ممَّا لا علمَ له.
стр. 160
قال الشيخ الإمام العالم العلاّمة أبو الحسن عبيد الله بن الحسين (١) الكرخي في كتابه المسمّى بالمختصر: وما وقع في الماء الذي يكون في الأواني ممَّا له دمٌ سائلٌ وهو ممَّا لا يعيش في الماء، فماتَ فيها، فسبيله سبيل النجاسة المائية في تنجّس الماء، وغسل الماء ثلاثًا. فإن كان الذي مات فيه شيئًا غير الماء، فإن كان جامداً، ألقي وما حوله، وإن كان مائعاً، نجس وأريق كله، وغسل الإناء ثلاثًا، ولا بأس أن ينتفع بالجامد الملقى والمائع من ذلك في الاستصباح به، والانتفاع به من غير أن يأكل ذلك أو يأكل ما يقع فيه. انتهى.
وقال الشيخ الإمام العالم العلامة أبو عبد الله محمد بن رمضان في كتابه المسمّى بالينابيع في معرفة الأصول والتفاريع: وروي عن أبي يوسف في دهنٍ أصابته النجاسة، بأنه يجعل في إناءٍ، فيصب عليه الماء، فيعلو الدهن على الماء، فيرفعه بشيءٍ، فإذا فعل ذلك ثلاث مرات يطهر في المرة الثالثة.
стр. 161
ولو أنّ فأرةً ماتت في السّمن، إن كان السَّمن جامداً، يقوّر (١) ما حوله، ويؤكل الباقي.
وإن كان مائعاً، لم يؤكل وينتفع به في غير أكل كالاستصباح، ودبغ الجلود وغيرها. وله أن يبيع ويبيِّن ما فيه من العيب، فإن لم يبيِّن ذلك، فالمشتري بالخيار: إن شاء ردّه على البائع، وإن شاء أمسكه.
والجامد ما إذا قدره بقي المقدّر على حاله، وإن لم يبقَ المقدر على حاله فهو مائعٌ.
ولو أنّ دناً من خمرٍ وقعت فيه فأرةٌ، وماتت، ثم أخرجت الفأرة، وصار الخمر خلاً.
قال بعضهم: يحل أكلهُ، وإن تفسخت لا يحل. وهذا القول أصحُّ.
وقال نصيرٌ: سألت شداد عن حوضٍ فيه عصيرٌ مقداره عشرة في عشرة، فبال إنسانٌ فيه. فقال: هو كالجاري يفسد [٢٣ / أ] ما يفسد الماء (٢).
وقال الشيخ الإمام شمس الدين القونوي في كتابه المسمّى بدرر البحار: ولا يطهر - يعني: أبا يوسف - ما استحال بالنار ونحوها وطهّره - يعني: محمد - فقوي معنى، وهو المفتى به.
стр. 162
وقال الإمام القدوري في كتابه المسمّى بالتقريب: وذكر الطحاوي عن أصحابنا في النجاسة: إذا احترقت طهرت، ولم يحكِ خلافًا.
وذكر ابن رستم الخلاف قال: يطهر عند محمد (١).
وعند يعقوب لا يطهر.
وذكر ابن شجاع، عن أبي يوسف روايتين، وظاهر مذهب الإمام كقول محمّدٍ.
وعلي هذا الاختلاف: الخنزيرُ إذا وقع في الملاَّحةِ، فصار ملحاً.
والجلالة إذا دفنت فانقلبت وصارت أرضًا.
وقال في الحصر: احترق الروث فصار رماداً، أو وقعت العذرة في البئرِ فصارت عرور كعرور الرماد حمأة، أو الحمار في المملحة فصار بمضي الزمان
стр. 163
ملحاً، طهر عند محمد خلافًا ليعقوب (١).
وعلي قول محمَّدٍ فرَّعوا الحكم بطهارة صابونٍ صنع من زيتٍ نجسٍ (٢).
وذكره شيخنا في شرح الهداية قال: وكثيرٌ من المشايخ اختاروا قول محمّدٍ، وهو المختار. انتهى.
قلتُ: وجعله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميّة أصحّ قول العلماء (٣)، واختاره أبو محمد ابن حزم وانتصرَ لهُ. واللهُ الموفق.