← Джавами‘

Джавами‘ · id 16817

مجموعة رسائل العلامة قاسم بن قطلوبغا

ابن قطلوبغا

Полный текст (694 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الْمصنف في غير هذه الكتب -، وقاضي خان في أوّل فتاويه، وغيره. والجواب كما ذكر: أنّ الاعتراض المذكور لازمٌ عليه، فيما استدل به لأبي حنيفة، فإنهّم كانوا عدولًا بذاك الأثر كان له أن يقضي وإن طعنَ الخصم فيما لا يثبت مع الشبهات، ويختار لهما اختلاف استصحاب الحال الذي ذكره، وهو كما علمنا من أحوال الناس ما علمنا بأن أكثر من التزم الإسلام لم يجتنب محارمه. فلم يبقَ مجرّد التزام الإسلام مظّنة العدالة. وكان الظّاهر الثّابت بالغالب بلا معارضٍ. والله أعلم. وعن هذا ذهب من ذكرنا: أنّ الفتوى على قولهما. قال هذا إذا سكت المدّعى عليه عن الطعن أو طعن، فأمّا إذاعة الشهود فقال: هم عدولٌ. فهذا على ثلاثة أنواعٍ: أمَّا إذا قال: هم عدولٌ صدقوا. أو قال: عدول: أخطأوا.

стр. 457

أو قال: عدول وسكت. ففي النوع الأوّل: يقضي من غير سؤالٍ؛ لأنه أقرّ. فيقضي بإقراره. وفي النوع الثاني والثالث: المسألة على ثلاثة أوجهٍ: أمّا إنْ كان المدعى عليه عدلًا ممن يسأل عنه الشهود. أو كان مستورًا أو فاسقًا. ففي الوجه الأوّل: المسألة على قسمين: إِمّا أن يسكت عن جحود دعوى المدّعي وإقراره، أو جحد. ففي القسم الأول: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: للقاضي أن يقضي بهذه الشهادة قبل السّؤال من المزكي سواء كان المدعى به حقًا يثبت مع الشبهات أو حقًا لا يثبت مع الشبهات. وقال محمّد: لا يقضي ما لم يسأل عن المزكي آخر، بناءً على أن العدد في المزكي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ليس بشرط لإثبات العدالة. وعند محمّدٍ هو شرط. وفي القسم الثاني: فكذلك. كذا ذكر في هذا الكتاب. فإنه ذكر في هذا الكتاب الخلاف مطلقًا ولم يفصل بين القسمين. ونصّ في الجامع الصغير في باب القضاء: أنّه لا يقضي. فإنه قال في قول من رأى: أن يسأل عن الشهود يريد به أبا يوسف ومحمد: لا يقبل قول الخصم أنّه عدلٌ يريد به تعديله؛ لأنّ من زعم المدعي شهوده: أنّ المدعى عليه في الجحود كاذب، فكان في زعمه: أنّه فاسقٌ، فلا يصحّ تعديله. وفي الوجه الثالث والثاني: لا يقضي؛ وإن تعديل المستور والفاسق

стр. 458

لا يكفي. فإن قيل: وجب أن يكفي؛ لأنه إقرارٌ على نفسه، وإقرار المستور والفاسق على نفسه صحيحٌ. قيل له: هذا إقرارٌ على نفسه وعلى القاضي يوجب القضاء عليه. فإن صحّ إقراره على نفسه لا يصحّ إقراره على القاضي. فإن قيل: هلاّ جعل قول المدعى عليه: هم عدولٌ. إقرارٌ منه بالحقّ على نفسه. فيقضي بالإقرار كما لو قال: إنهّم عدولٌ. صدقوا كما في النوع الأول. قيل له: إقرار المدعي يكون الشاهد عدلاً لا يكون إقرارًا بوجوب الحق على نفسه لا محالة لجواز أن يكون عدلاً، إلاّ أنه أخطأ في شهادته بأن ظنّ. والأمر بخلاف ما ظن. ولهذا: لو شهد عليه واحدٌ بالحقّ فقال المشهود عليه: هو عدلٌ لا يقضى عليه، ولو كان التعديل إقرارًا. وجب أن يقضي كما لو قال لهذا الواحد قد صدق. وذكر في الكتاب في القسم الثاني والثالث وهو ما إذا كان مستورًا أو فاسقًا. إذا لم يثبت العدالة في النوع الثالث وهو ما إذا قال: هم عدولٌ وسكت. فسأله القاضي: صدقوا أم كذبوا، فإن قال: صدّقوا يقضي عليه بإقراره. وإن قال: كذبوا. لا يقضي. وإن قال: قد أخطأوا وهو النوع الثاني. فالقاضي: لا يقضي. * المسألة الثانية: العدد في المزكي، وفي المترجم عن الشّاهد الأعجمي، وعن الخصم الأعجمي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ليس بشرط. والواحد يكفي.

стр. 459

وعند محمّد: شرط. ويكفيه اثنان إن كان المشهود به حقًّا يثبت بشهادة رجلين عدلين. وإن كان غير حق لا يثبت إلاّ بشهادة أربعة. يشترط الأربعة، وأجمعوا على أنّ ما عدا العدد من سائر شروط الشهادة سوى التلفظ بلفظ الشهادة من العدالة و البلوغ عن عقل والحرية والبصر، وأن لا يكون محدودًا في قذف شرطٍ. وأجمعوا على أنّ لفظة الشهادة ليست بشرط محمد. يقول: بأن التزكية والترجمة شهادة، يعني: لأن القضاء لا يجب إلا بهما؛ لأنّ العلم للقاضي لا يحصل إلا بهما. فكانت شهادة - يعني: فيعتبر بالشهادة والأثبات - شرط في بعض الحقوق. والأربعة شط في البعض في الشهادة. فكذلك في التزكية والترجمة وأبو حنيفة وأبو يوسف يقولان: بأنّ التزكية والترجمة شهادة - يعني: من حيث أن القضاء لا يجب إلاّ بهما - كما لا يجب إلَّا بالشّهادة، ولكنّها خبرٌ من حيث الحقيقة. لهذا: لا يشترط لفظة الشهادة وهو قوله: اشهدوا. فعلمنا بهما من حيث أنهّما شرط شهادة معنى، فشرط فيهما جمع شرائط الشهادة ما عدا العدد. ومن حيث أنهما خبر حقيقة، لم يشترط فيهما العدد عملًا بهما جميعًا. وتحقيقه: إنّ اشتراط سائر الشّرائط ما عدا العدد من العقل والبلوغ والحرية في الشرائط موافقٌ للقياس. أما العدالة: فلأنها يترجّح بها الصّدق. ولهذا شرط العدالة في سائر الإخبارات. وأمّا البلوغ عن عقل والحرية، فإن الشهادة ولاية على الغير؛ ولأنّها

стр. 460

تتفرع من ولايته على نفسه. والولاية على نفسه لا تثبت إلاّ بالبلوغ عن عقل، والحرية. وأمّا البصر: فلأنّ القدرة على التمييز تثبت به. دلَّ أنّ اشتراط هذه الشرائط في الشهادة موافقٌ للقياس، فيشرط فيما هو في معناها قياسًا عليها. وأمّا العدد في الشهادة: فهو شرط مخالف للقياس. ولهذا لا يشترط في سائر الإخبارات فيقتصر عليها إذا ثبتت هذه المسألة. فيبتني عليها مسائل منها: إذا زكاهم واحد وجرحهم واحد. فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: الجرح أولى؛ وإن عندهما الجرح والتعديل يثبت يقول الواحد، فكان الجواب عندهما كالجواب عندهم فيما إذا عدله اثنان وجرحه اثنان. وعند محمّد: الشهادة موقوفة على حالها لا ترد، ولا تجاب حتّى يجرحه آخر ويعدّله آخر؛ وإن عنده الجرح والتعديل سواء في أن لا يثبت يقول الواحد. فإن جرحه آخر ثبت الجرح فيرد، فإن لم يجرحه آخر وعدّله آخر ثبتت العدالة، فيجاب، فإن جرحه واحد وعدّله اثنان فالتعديل أولى بالإجماع. أمّا عند محمد، فلأن الجرح لم يثبت. وأمّا عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلأن العدالة تثبت بما هو حجة في الأحكام كلها. فإن قول الاثنين حجّة في أمور الدين، وليس بحجة في حقوق العيان. فإن قيل: ترجح التعديل من هذا الوجه، وترجح الجرح من وجهٍ آخر؛ لأنّ الجارح فيما جرح يعتمد ما يمكن الوقوف عليه من حيث العيان. فإنّ أسباب الجرح: ارتكاب كبيرة هي محظور دينه. وهذا مما يمكن الوقوف عليه

стр. 461

من حيث العيان. والمعدّل فيما عدّل يعتمد ما لا يمكن الوقوف عليه إلا من حيث الظّاهر؛ وإن العدالة لا تثبت إلاّ بالأثر. جاز عن جميع المحظورات وهذا مما لا يوقف عليه إلَّا من حيث الظّاهر فاستوى الخبران من هذا الوجه. ولهذا: لو عدَّله اثنان وجرحه اثنان كان الجرح أولى. قيل له: الواجب من وجهين: أحدهما: أنه إذا وقعت المعارضة بين الخبرين يتساقطان بحكم المعارضة. فيبقى ما كان على ما كان. والأصل: هو العدالة؛ إلَّا أن هذا غير سديد لأنه حينئذٍ يكون قضاءً بغير العدالة، فيجب أن يختصن به أبو حنيفة ويختص الجواب بحقٍّ يثبت مع الشبهات. وليس كذلك الثاني وهو الصحيح: أن الجارح وإن اعتمد ما يمكن الوقوف عليه من حيث العيان؛ إلاّ أنه لم يجعل خبره حجّة في جميع الأحكام، وإن كان يعتمد ما لا يمكن الوقوف عليه من حيث العيان. عُلِمَ أنه لا يساوي بين هذين المعنيين حيث ترجح هذا في حقوق العباد مع وجود هذا المعنى. فترجّح هذا ضرورةً، وإن جرّحه اثنان وعدّله عشرة. فالجرح أولى؛ لأن الزيادة في العدد على اثنين مما لا يترجح بها ما كان شهادة حقيقةً. ومعنى فلانٌ لا يترجح بها، ما كان خبرًا أو شهادة معنى كان أولى وإن عدّله وهو محدود في القذف لا يصح؛ وإن عدم كونه محدود في القذف شرط وإن عدّله وهو أعمى لا يصح؛ لأن كونه غير أعمى شرطٌ. وإن كان بصيرًا، ثم أعمى، ثم عدل. فعلى الاختلاف الذي عرفَ في الشهادة. قال أبو حنيفة: إن شهد الشهود على رجلٍ بمالٍ أو دمٍ فسمع القاضي شهادتهم، فطعن فيهم الخصم. فإنّ القاضي لا يقضي بشهادتهم حتى يسأل

стр. 462

عن حالهم. فإن سأل عن حالهم وزكوا في السر والعلانية فأراد القاضي أن يقضي. فقال المشهود: أنا أجرحهم وأقيم البينة على ذلك. هل يقبل ذلك منهم؟ وتبطل شهادة شهود المدعي. فهذا على وجهين: أمّا إن أقام البينة على جرح مفردٍ لا يدخل تحت حكم الحاكم. نحو إن قال المدعى عليه: أنا أقيم البينة أنهم فسقة أو زناة أو على إقرارهم: أنّ المدعي استأجرهم على هذه الشهادة أو على إقرارهم أنهم قالوا: لا شهادة عندنا للمدعي على المدّعى عليه في هذه الحادثة أو على إقرارهم أنهم قالوا: إن المدعي مبطل في هذه الدعوى، أو على إقرارهم أنهم قالوا: إنهّم شهدوا بالزور. أو على إقرارهم أنهم قالوا: لم يحضروا المجلس الذي كان فيه هذا الأمر أو أقام البينة على جرحٍ يدخل تحت حكم الحاكم بأن قال المدعى عليه: أنا أقيم البينة على أن الشهود زنوا ووضعوا ذلك أو على أن الشهود شربوا الخمر أو على أن الشهود سرقوا مني كذا أو على أن الشهود شركاء في المشهود به. أو على أنّ الشهود صالحوه على كذا درهمًا على أن لا يشهدوا عليَّ. ودفعت لهم ذلك أو على أنهم عبيدٌ أو محدودون في قذفٍ أو على أن المدعي أقرّ أن الشهود شهدوا بالزور أو على أن المدعي أقر أنّه استأجره على هذه الشهادة أو على إقرارهم أنهم لم يحضروا المجلس الذي كان هذا الأمر فيه. ففي الوجه الأول: وهو الجرح المجرّد الذي لا يدخل تحت حكم الحاكم لا تقبل هذه البينة عند علمائنا. وقال ابن أبي ليلى وهو مذهب الشافعي: تقبل. وفي الوجه الثاني: تقبل بالاتفاق. وذكر الخصّاف: أن الشهادة على الجرح المفرد تقبل. وقد ذكرنا شيئًا

стр. 463

من ذلك في شرح الجامع الصغير. وتمام ذلك في شرح أدب القاضي المنسوب إلى الخصّاف، في باب: القاضي يَرِدُ عليه كتاب من قاض آخر. هما يقولان هذه البينة قامت على الجرح. والمدّعى عليه يحتاج إلى إثباته لتندفع عنه خصومة المدعي. فوجب أن يقبل قياسًا على الوجه الثاني. ولعلمائنا في المسألة ثلاث طرق، أشار إلى جميع ذلك محمد في الكتاب: الأول: أن يقول: إن هذه شهادة قامت لا على خصم؛ لأنه لم يدع على الشاهد شيئًا يقضي القاضي بذلك على الشاهد حتى يصير الشاهد خصمًا له. الدليل عليه: أن المدعي قبله إذا قال: لا بينة في على ما ادّعيت. وطلب منه القاضي أن يستحلف الشهود على ذلك. فإنّ القاضي لا يستحلفهم على ذلك؛ إلاّ أن هذه الطريق غير سديدة. فإن المدّعى عليه لو أقام البينة على أنهم محدودون في قذفٍ يقبل. وهذه شهادة قامت لا على الخصم؛ فإنه لا يدعي عليهم حقًّا. يقضي القاضي بذلك على الشهود حتى يصير الشاهد خصمًا. ألا ترى أنه إذا لم يكن له بينة على ما ادّعى، فأراد أن يستحلفَ الشهود لم يكن له ذلك. فكذلك لو أقام البينة على إقرار المدعي أنّهم فسقة. وما شاكل ذلك تقبل. وقد قامت لا على خصمٍ. فَعُلِمَ: أن هذا الطريق غير سديد. والثاني: أنه لو قبلت شهادة المدعي قبله على أن شهود المدعي فسقة أو زناة كان للمدعي أن يقيم بينته: أن شهود المدعى عليه شهود فسقة أو زناة أيضًا ثم. وثم. فيؤدي إلى التهاتر، إلاّ أن هذا الطريق غير سديد. فإنّ المدعي قبله لو أقام البينة على أنهم محدودون في قذفٍ. تقبل. وكذا لو أقام البينة

стр. 464

على أنهم محدودون في قذفٍ تقبل. كذا لو أقام البينة على أنهم زنوا أو وضعوا أو سرقوا مني. تقبل مع ما يؤدي إلى التهاتر. فَعُلِمَ: أن هذا الطريق غير سديدٍ. والثالث وهو السديد: وهو الذي اختاره القاضي الإمام صاعد (١) وهو: أن الشّاهد بالشهادة على الجرح المفرد صار فاسقًا؛ لأنه ارتكب كبيرةً ألحق بفاعله الوعيد في الدنيا والآخرة بنصّ القرآن المعظّم؛ لأنه أظهر الفاحشة من غير ضرورة. وإظهار الفاحشة من غير ضرورةٍ حرامٌ بنصّ القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩] الآية. فعلمَ: أن الشاهد صار فاسقًا. والمشهود به لا يثبت بشهادة الفاسق. فإن قيل في إظهار الفاحشة ضرورة رفع الخصومة عن المدعى عليه. وصار كما لو أقام البينة على جرحٍ يدخل تحت حكم الحاكم. قيل له: لا ضرورة منها؛ وإن الضرورة تندفع بأن يقول سرًّا للمدعي

стр. 465

أو للقاضي، ولا يظهر ذلك في مجلس الحكم بخلاف أنّهم ما إذا شهدوا أنهم زنوا ووضعوا أو شربوا الخمر أو سرقوا مني؛ وإن في إظهار الفاحشة ثمّة ضرورة وهي إقامة الحدّ على الشهود بخلاف ما إذا شهدوا على أنهم شركاء في المشهود به؛ لأنّه ليس في ذلك إظهار الفاحشة من جهة الشاهد. وإنما حكى إظهار الفاحشة عن غيره. وهو شهود القذف إذ القاضي أو الحاكم لإظهار الفاحشة من غيره لا يكون مظهرًا للفاحشة. فلم يكن فاسقًا فيثبت المشهود به بخلاف ما إذا شهدوا على إقرار المدعي أنهم فسقة وما شاكل ذلك؛ لأنه ما شهد بإظهار الفاحشة وإنما حكى إظهار الفاحشة من غيره وهو المدعي فلم يصر فاسقًا فيثبت المشهود به. أمَّا إذا أقام البينة: أنّي صافحتهم على ذلك. فإنّ القاضي يسأل المدعى عليه. فإن قال: أعطيتهم المال قبلت البينة. وإن كان فيه إظهار الفاحشة؛ ولأن فيه ضرورة ليصل إلى المال. وإن قال: لم أعطهم لم يقبل؛ وإن فيه إظهار الفاحشة من غير ضرورة. فدل على أن هذه الطريق غير سديد. وقد جمع محمد بين الطرق الثلاث، وإن كان البعض سديدًا والبعض غير سديد ليتميز السديد من غير السديد بالتأمّل والتفكر. فلهذا جمع ذلك. والله أعلم. * * *

стр. 466

مَسَائِلُ التَّزْكِيَة وهذه مسائل التزكية من المنتقى، أضيفت إلى هذا الكتاب لشبهها بتأليفه جمعًا بينهما. قال محمد: التزكية: جودٌ، وهنا معاداة وبلاء على الناس. ولا ينبغي للقاضي أن يعرف له صاحب مسألة ولا تعديل. وقال: ومن وقّت في التزكية فهو مخطئٌ وهذا على ما يقع في القلب؛ لأنَّه ربما يعرف الرجل الرّجل في شهرين وآخر لا يعرفه في سنة؛ لأنّه يُرائي ويتصنّع. قال رجلٌ عدلٌ عند القاضي: وأنا لا أعرفه إلاّ أنّه وصف في هل يسعني أن أزكيه. وقد عرفت أن القاضي زكّاه. قال: لا يسعه أن تعدّله أنت. قال محمّد: كم من رجل أقبل شهادته ولا أقبل تعديله؛ لأنه يحسن أن يؤدي ما سمع، ولا يحسن التعديل. قال: وينبغي للقاضي أن يحضر في مجلس قضائه أبدًا رجلان يسمعان إقرار من يقر ويشهدان على ذلك، فينفذ الحكم عليه بشهادة منه وممن حضره. وينبغي له [أن] يبحث في المسألة عن الشهود بمحضر من رجلين يحضران أيضًا تزكية من أرسله في المسألة عن الشاهد. قال: ولا يجوز للقاضي أن يقول: قد سألت عنها في السر والعلانية فزكيا

стр. 467

وعدّلا. هذا بمنزلة قوله: أقر عندي بكذا. قال: إذا سأل القاضي عن الشهود في السر فلم يعدّلوا، ثم أتاه الشهود له بعدلين يعدلان شهوده. قال: لا يقبل ذلك. والمسألة مسألة السر. وقال أبو يوسف: إذا عدل الشاهد في السر فقال المشهود عليه: أنا أجيءُ بالبينة في العلانية على أنه صاحب كذا. الشيء إذا كان كذلك لم يقبل شهادته. فإنيّ لا أقبل ذلك من المدعي قبل إذا عدل في السر. وكان أبو حنيفة يقول: ينبغي للقاضي أن يلي مسائل الشهود بنفسه، فإن قوي على أن يكتب القصص بنفسه فهو أفضل. ولو شهدوا على رجلٍ بمالٍ فلم يعدلوا به فسأل المشهود عليه الحاكم أن يرد شهادتهم، فإنه يتخوف أن يشهدوا بهذه الشهادة عليه عند قاضٍ آخر غيره فيجيزها عليه. فإنه ينبغي أن يرد حينئذٍ شهادتهم. فإن قال: اشهدوا أني قد رددت شهادتهم أو قد قضيت برد شهادتهم المتهمة في هذه الشهادة أو لأنهم غير عدول في شهادتهم أو سمع ذلك منه ولم يقبل شهدوا، ثم شهدوا بها بعد ذلك عند حاكمٍ. فيسأل المطلوب الحاكم الأوّل أن يكتب له إلى الحاكم ما كان منه في رد شهادتهم. فإنه يكتب له بذلك. وينبغي للثاني: أن يردّها وإن كان الأوّل سأل عنهم، فلم يعدلوا، فلم يرد شهادتهم حتى شهدوا عليه بها عند حاكمٍ آخر. فسأل عنهم فعدلوا. فإنّ الثاني يمضيها. وهذا كان الأوّل أعاد المسألة عنهم فعدلوا. وقال محمّد: أقبل شهادة الشاهدين على شهادة شاهدٍ قد عرفاه باسمه ونسبه، وإن لم يعدلاه وقالا: لا معرفةً لنا بصلاحه. واسأل عن الشهود على شهادته. فإن عدل أجزت ذلك، وإن شهدوا على شهادته وأنه

стр. 468

عدلٌ وليس بالمصر من يعرفه، فإن كان موضوعًا للمسألة دعوتهما في السر، فسألتهما عنه. أو بعثت إليهما فيسألا عنه في السّرِّ، فإنّ عدّلاه قبلت ولا أكتفي بما أخبرني به من عدالته في العلانية إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين بألا يعرفانهما بعدلٍ ولا جرحٍ. قال محمد: قد اتسقا في ذلك. وينبغي للقاضي أن يسأل عنهم جميعًا. وقال: رجلان شهدا على شهادة رجلٍ وقد عرف القاضي أنّهما عدلانِ فعدلا المشهود عليه. قال: سألهما أيضًا في السّرِّ ولو قال حين شهدا: إنه لا خير فيه. وزكّاه عشرةٌ لم تقبل شهادته، ولو جرّحه أحد الشّاهدين لم يلتفت القاضي إلى جرحٌ واحدٍ. قال: إذا قال المشهود عليه هذا الشاهد عبدٌ وزعم الشاهد أنّه حرّ الأصل سألت عنه في السر، فإن قالوا: هذا حرّ الأصل أجزت شهادته. وإن قالوا: أجري عليه الرّقّ لم أقبل شهادته حتى يقيم البينة على أنه حرٌّ. هذا في الشهادة. فأمّا إذا قتل رجلًا أو قطع يده أو قدَمه، وادّعى الفاعل أنه المفعول به، لم أقتله، ولم أقطعه، ولم أحدّه، حتى يقيم الطالب البينة أنّه حرٌّ. وكذلك لو قال الفاعل: إنّي عبد والمفعول به حرٌّ. قال محمد عن أبي حنيفة: إذا طعن الخصم في الشّاهدين. قال: هما مملوكان. فسألهما، وقالا: حرًّا الأصل، فإنّي أسأل عنهما في السّرِّ. وأكتفي بها، فإن جاءني على ذلك أجزت شهادتهما وهو قول محمّد. قال هشام: سألت محمدًا عن المشهود عليه: إن ادّعى أن الشّاهدين

стр. 469

عبدان. قال: أسأل الذي ادّعى شهادتهما، فإن قالا كَانَا مملوكين فَأعتقا. سألتهما البينة على ذلك. وروى ابن سَمَاعة (١)، عن أبي يوسف قال: لا أجيز شهادة من شتم أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وإن هذا مجونٌ وسفهٌ. وأقبل شهادة الذي تبرأ منهم؛ لأن هذا منه تدينٌ.

стр. 470

وقال: من أحبّ الشطرنج فكان يتشاغل بها عن الصّلاة أو يقامرُ بها، فإنّي لا أقبل شهادته وأن لا يشغل عن الصلاة ولا يقامر بها قبلت شهادته، ولا أقبل شهادة من يلعب بالحمام وبغيرها. وأقبل شهادة من اتخذها مقصصةً ولا يقامر بها. ومن سأل عنه فقالوا: نتهمه بشتم أصحاب النبي ﷺ ، فإنه لا يقبله حتى يقولوا سمعناه يشتم. وإن قالوا: نتهمه بالفسق والفجور، ونظن به ذلك، ولم يره. فإني أقبل ذلك ولا أجيز شهادته. وقال رجلٌ ادّعى داراً في يد رجلٍ وأقام عليه شاهدين بأنّها له. فقال المشهود عليه: أنا أقيم البينة على أن الشاهد كان يدّعيها ويزعم أنّها له. قال: هذا جرحٌ إن عدلت البينة عليه بذلك. وذكر هشام في نوادره قال: سمعت أبا يوسف يقول: لا أقبل تزكية العلانية حتى يزكّى في السّرِّ. وإذا عرفت هذا لم أسال عنهم أحدًا. وقال أبو يوسف: إذا سألوا عن الشهود فقالوا: لا نعلمه إلّا خيرًا فهو جائزٌ - يعني: أنّها تزكية -. وروى إبراهيم، عن محمد: أنّه إذا قال المزكي: لا أعلم منه إلا خيرًا. قال: تقبلُ منه إذا كان عالمًا، بصيرًا. وإن لم يكن فقيهًا يوقف ذلك. قال: وينبغي للقاضي أن يسأل المزكي عن الجرح إلا أن يكونا عالمين. فيكتفي بقولهما لا خير فيه. وقال أبو يوسف: أقبل شهادة الشّاعر ما لم يقذف في شعره المحصنات.

стр. 471

قال هشام: سألت محمّدًا عن رجلٍ له مقبل شرب قناةٍ أو نهر أجره شهرًا أو سنةً وقد أعلموه أن هذا مكروه فلا ينتهي. هل يزكّى أن يشهد بشهادةٍ ولا يعلمون عنه إلاّ خيرًا ما عدا بيع الماءِ. قال محمد: هذا مما يختلف فيه الناس، وفيه شبهة. فإذا فعل ذلك على وجه شبهة أجزنا شهادته. قال: وسألت عن رجلٍ ليس له أصلٌ، ولكنه استأجر ماءً شهرًا أو سنةً لزرعٍ له. فيفضل منه فضلة فيبيعها أو لا يكون له زرعٌ فيستأجر هذا الماء لينجر فيه للبيع. ماذا ترى في تزكيته للشهادة؟. قال: إذا كان لا بأس به في غير هذا لا تبطل شهادته. قال محمد: موسرٌ لم يحج، ولم يؤدّ زكاة ماله. إن كان صالحًا لم تجرح شهادته بهذا؛ لأنّ الحج ليس لهُ وقتٌ. والزّكاة إذا وجبت ليس لها وقت. قال: وما كان له وقتٌ فأخّره لم أقبل شهادته. قلت: وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: الفورية واجبة، فيأثم بالتأخير، ويفسق. وترد شهادته. هكذا في شرح الهداية. والله أعلم. قال هشام: سألته عن الرجل يشهد على شهادة أبيه، أو يُزكّي أباه. قال: جاز. وله أن يزكي أباه حيًّا وميتًا. قال: وسألته عن الغريب ينزل بين أظهر قومٍ لا يعرفونه ثم شهد بشهادة ما يقول فيمن قال: إذا نزل بين أظهرهم ستة أشهرٍ وهو غريب، فلم يروا منه إلاّ خيرًا. إنهّم يعدّلونه. فإنّ محمدًا لا يعرف وقت السّتة أشهر. قلت: أفقاله أحدٌ من أصحابك؟ قال: أظنّ أبا يوسف قال شيئًا من ذلك.

стр. 472

قلت له: فما تقول أنت؟ قال: على قدر ما يقع في قلوبهم - يعني: صلاحه - فإنه لا يكاد يخفى. وقال أبو يوسف: إذا عرف الرجل باسمه ونسبه، فإن لم يكن له بدينه علمٌ فلا تزكه في الشهادة، فإن علمت منه خيرًا في يومٍ أو شهرٍ فلا تزكه وأدنى ما تزكيه فيه ستة أشهرٍ فصاعدًا تعرفه بالصلاح. وكذلك إذا كان يغيب ويحضر. فإذا كان جميع ما رأيته ستّة أشهر عرفته فيها بالصّلاح زكّيته وشهدت على شهادته. وقال أبو يوسف: لا تزكية إلاّ بعد معرفة سنةٍ. قال هشام: قلت لمحمّد: فإذا شهدَ بشهادة فعدل فيها، ثم شهد بشهادةٍ فقال: إذا كان قريبًا اكتفوا بالتعديل الأوّل. قلت: قال في الصغرى: تكلموا فيه. والصحيح قولان: أحدهما: مفوّض إلى رأي القاضي. والثاني: لو تخلل ستّة أشهرٍ يحتاج أشهرًا وإِلَّا فلا. قال: نصراني شهد شهادة، ثم أسلم. قال: إن كان عدل قبل أن يسلم قبلت شهادته، وإن كان لم يعدل حتى أسلم سألت عنه. هل كان يعدل في النصرانية، فإن كان يعدل في النصرانية قبلت شهادته. قال: وسألته عن مشركين شهدا على مشركٍ فعدلا في شركهم، فلم يوجه القضاء حتى أسلم المشهود عليه، فلو أسلم الشاهدان مكانهما. قال: أسأل الشاهدين أن يعيدا الشهادة عليه. قلت له: أفتسأل عن تعديلهما؟.

стр. 473

قال: لا. لأنهما قد عدلا عن الشرك. قلت: فلم لا يؤخر أمرهما حتى ينظر كيف قولهما الإسلام ولفرائضه. قال: إذا عدلا في الشرك فهما عدلان. قلت: فمسألة الشرك من يسأل عنهما مسلمون أو مشركون. قال: بل مسلمون. قلت: فإن لم يعرفهم المسلمون. قال: يسأل هؤلاء المسلمون عن عدولٍ من المشركين، ثم أولئك (١) عن الشهود. قال: وسألته عن الشاهدين إذا رجعت مسألتهما أنهّما عدلان، ولكن أوهما فيما شهدا عليه. فقال: لا أقبل هذا حتى أبعث إلى الذين عدلا فأسألهما ما هذا الذي أوهما فيه. قلت: فترى لهما إذا عرف الشهود عدول، وأن الذي شهدا عليه وهم منهما: إن اتفقا فلا يجرحا ولا يعدلا؟. قال: لا. ولكن أحب إليَّ أن يخبرا أنّهما عدلان إلا أنهما أوهما في كذا. قال هشام: أرى أن يتفقا إذا كان هكذا. قال محمّد: إذا زكى الشهود عليه الشاهدين. قال: أسأله: أصدقا؟ فإن قال: أوهما، ولكنهما صالحان. قال: لا أقضي عليه؛ لأنه حيث قال أوهما فلم يزكهما. قال هشام: قلت لمحمد: غريب شهد ولا يعرف إذا سئل عنه في السرِّ؟.

стр. 474

قال: أسأله عن معارفه في السر، فإذا عدلوا سألتهم عنه، فإن عدلوه قبلت ذلك. وقال محمّد في رجلٍ شهد عند قاضي مِصر فلم يعرفه أحدٌ. فقال المشهود له: إنّ شاهدي ما يعرف إلَّا في مصري. فاكتب إلى قاضي مصر كذا، فإنه يعرفه أو يعرف في مصره. قال: يكتب له. قال: إذا سأل الرجل عن تعديل الرجل، فإن كان هناك من يعدله سواه أوسعه أن لا يجيب فيه، وإن أجاب فيه كان أفضل، وإن لم يكن هناك من يجيب فيه، لم يسعه إلاّ أن يقول فيه الحق، وإلاّ فإنه هو الذي أبطل حقه. وسألته عن رجلٍ رأى منه وافية، وإنسان يشهد له بالزّور على دراهم. فقال: أجعل لك كذا درهمًا على أن تشهد لي بكذا. فاستزاده الشاهد حتى اتفقا وقد أقعد الذي سأله قومًا عدولًا، ثم شهد له الشاهد عند ذلك القاضي. وشهد شهود عدول على مراضاته هل يصنع به القاضي ما يصنع بشاهد الزور من العقوبة؟. قال: ولكنه يسأل عنه. فإن عدل أمضى شهادته ولا أقبل هذا؛ لأنه من التهاتر عند محمّد، لو شهد بشهادة عند قاضٍ فعدّل، ثم أتاه قوم علانية فقالوا: رأيناه أمس سكران أو جامع بالزنا أو شرب الخمر. قال: إن كان شيئًا يلزمه فيه حق من حدٍّ أو ماله يرده على صاحبه. أبطلت شهادته، وإن كان إنما يراد بهذا إبطال شهادته، لا يراد بذلك حقٌّ يلزمه. سألت عنه، فإذا عدّل قبلت شهادته، ولم ألتفت إلى شهادتهم. وإذا أقام المدّعى عليه البينة على إقرار المدّعي: أن شهوده شهدوا بزورٍ،

стр. 475

أو أنهم لم يحضروا المجلس الذي كان فيه هذا الأمر، أو بعض ما وضعت لك من الجرح الذي لا يقبل على الشهود، فإنه يقبل وتبطل شهادة شهود المدعي. ولو قال المدّعي قبله: أنا أقيم البينة على الشهود بالزنا أو شرب الخمر فأحضر شهوده. قبلت شهادتهم، وأمضيت الحد عليهم، وأبطلت الشهادة الأولى؛ لأنهم أوجبوا عليه حدًّا. وإنّما الذي لا يقبل أن يردوا إبطال الشهادة فقط. قلت: فقدم في الوجه الثاني، وفي هذا زيادة أن إبطال الشهادة بعد إمضاء الحد. قال محمد: كان أبو حنيفة يقبل تعديل المرأة والأعمى والعبد. وقال محمّد: لا يجوز تعديل الأعمى ولا المرأة ولا العبد. قال: سألت محمدًا، عن شاهدين عدلين شهدا عند رجلٍ: أنّ فلانًا هذا عدل، هل يسعه إذا سأل عنه في شهادته أن يعدله وهو لا يعرفه؟. قال: إذا كان الذين عدّلاه يُعرفا في التعديل، ويبقى أن يعدله ولا يجيز، وإن أُجيزَ فقال: يشهد عندي شاهدان بذلك. جاز أيضًا في قياس قول أبي حنيفة؛ لأنه يجيز تعديل الواحد. وفي قول محمد: هو معدّل واحدٍ حتى يجيء معه معدّل آخر. قلت له: فاسق أشهد رجلين على شهادته، ثم صلح. قال: لا يشهد الشاهدان بتلك الشهادة، إلاّ أن يشهدها ثانيًا بعدما صلح. ولو أشهدهما وهو عدلٌ، ثم فسد، لا يسعهما أن يمضيا عليه.

стр. 476

وقال: لا تقبل شهادة من يجلس مجالس الفجور والمجانة على الشّراب، وإن لم يسكر. وإذا سلم الرجل من الفواحش التي فيها الحدود وما يشبه ذلك من العظائم، ثم نظر في معارضته وفي طاعته، فإن كان يؤدي الفرائض وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي قبلنا شهادته؛ لأنه لا يسلم عبدٌ من ذنبٍ، وإذا ترك الصلاة في الجماعة والجمع استخفافًا بها أو مجانةً، فلا شهادة له. وإن كان تركه على تأويل الهوى، وكان عدلًا فيما سوى ذلك قبلت شهادته. رجل شهد وهو فاسق، ثم تاب وصلح قبل أن يمضي الحكم. لا ينبغي للقاضي أن يمضي تلك الشهادة. وقال: إذا كان مقيمًا على كبيرةٍ لا تقبل شهادته. قلت: فإن غنّى بغناءٍ فيه فحشٌ وهو في غير ذلك لا بأس به. قال: لا تبطل شهادته؛ لأنه إنما يحكي ذلك الغناء عن غيره. وذكر ابن سَمَاعة (١) في نوادره: عن أبي يوسف قال: أجيز في التزكية سرًّا تزكية العبد والمرأة والأعمى والمحدود إذا كانوا عدولًا، فزكوا لي رجلًا في السر. قبلت منهم. وأجزت قولهم. وليست هذه شهادة إنما كان هذا الدين. ولو كان عبدًا يزكي رجلًا في العلانية له، أقبل تزكيته. وكذلك الأعمى والمحدود لا أقبل في تزكية العلانية إلا ما كنت أقبله في الشهادة. فأمّا تزكية السر، فإنّ ذلك ليس بشهادة.

стр. 477

قال أبو يوسف: لا أجيز شهادة الذي إذا سكر. . . (١). قال إبراهيم: سألت محمدًا عن الرجل يشهد عند القاضي، وهو على رأس خمسين فرسخًا، فيبعث القاضي أمينًا على جُعْلٍ يسأل المعدل عن الشاهدين، على من يكون الجعل. قال: على المدعي ألا ترى أنّ الصّحيفة التي يكتب فيها قضية عليه. وقال في رجلٍ أعمى: صوّامٌ قوّامٌ مغفل. يخشى عليه أن يلقن فيأخذ به. قال: هذا أشد من الفاسق في الشهادة. وسئل عن العدل في الشهادة؟ قال: الذي لم يظهر منه ريبةٌ. وقال: من شرب النّبيذ ولعب بالشطرنج وهو متأوّل: أقبل شهادته. وروى أبو سعيد، عن محمد في كتاب التزكية: أن أبا حنيفة قال في شهود القصاص والحدود، وفي شهود المال: إذا طعن المشهود عليه فيهم، لم يقبل القاضي شهادتهم حتى يعدلوا عنده سرًّا وعلانيةً. وكذلك قال أبو يوسف ومحمّد في جميع الشهود، وإن لم يطعن فيهم الخصم. قلت: قد تقدّم: أنّ الفتوى على قولهما كما صرّح به في غاية الكتب المصنفات. قال: فإن قال الشهود عليه: هو عدلٌ ممن يسأل عن الشهود، هم عدول. ولكنهم قد أوهموا في شهادتهم.

стр. 478

قال محمد: هذا كأنه قد زكاهم واحدٌ، فمن قبل تزكية رجلٍ واحدٍ قضى بهذه الشهادة. وهو قول أبي يوسف. وأمّا في قول محمّد: فإنه ينبغي للقاضي أن يسأل رجلًا آخر أيضًا. وقد مرّت رواية محمّدٍ بخلاف هذا. قلت: ذاك أولى؛ لأنه مصرّحٌ فيه أنه قال: وهذا مخرج. قال: وإذا عدلَ المشهود عليه الشهود بعدما شهدوا عليه، ثم طعن فيهم، لم يقبل طعنه وقضى عليه. وإن كان عدلهم قبل أن يشهدوا عليه، فلما شهدوا عليه طعن فيهم، لم يقض عليه بتعديله إيّاهم قبل أن يشهدوا عليه. قال: وإذا زكّى الشهود واحد وردهم آخرُ، لم تجز شهادتهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. والرّد أولى. وقال محمّد: الشهادة موقوفة على حالها حتى يعدل آخر، ويردّه آخر. قلت: قد تقدّمت هذه في كلام الصّدر الشهيد. وقولهما أولى على ما ذكر قاضي خان في أوّل فتاويه. قال محمّد: لا أقبل في تزكية القابلة إذا شهدت على الولادة أقلّ من تزكية رجلين أو رجلٍ وامرأتين في قول محمّد. ولا أقبل إِلاَّ تزكية من إذا شهد مع غيره على ذلك. قبلت شهادته، ولا تقبل تزكية الأعمى في قول أبي حنيفة. وتقبل عند أبي يوسف ﵀؛ لأنه يرى قبول شهادته فيما شهد عليه قبل أن يعمى. قال أبو حنيفة: لا يجوز تزكية المرأة في الحدود.

стр. 479

وقال محمّد: لا يجوز في تزكية الزّنا إلّا الأربعة كإشهاده. قلت: وقد مرّت. وقد آثرنا ذكر جميع ما قيل، وإن تكرر كما فعل الإمام جمال الدين الْحَصِيريّ (١). ولهذا: تبيّن صدق قولي في شأن القاضي الذي سئلت عن صنعه. والله أعلم.

стр. 480

مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا [١٧] القَوْلُ القَائِم في بَيَانِ تَأْثِيرِ حُكْمِ الحَاكِمِ تَأْلِيفُ العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 481

(١٧) القَوْلُ القَائِم في بَيَانِ تَأْثِيرِ حُكْمِ الحَاكِمِ قال ﵀: قد كان جرى بيني وبين علماء العصر المذاكرة ببعض المسائل الفقهية، وكان منها مسألة قضاء القاضي بشهادة في العقود والفسوخ، وكنت ذكرت له ما حضرني في ذلك، ثم بعد مدّة سألني مرّةً أن أكتب له ما كان شيء في ذلك المجلس على وجه التحقيق. فقلت مستعينًا بالله، إنه حسبي ونعم الوكيل: إذا قضى القاضي بشهادة الزور في العقود والفسوخ ينفُذ ظاهرًا وباطنًا عند أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أوّلًا. وقال أبو يوسف في قوله الآخر: ينفذ ظاهرًا لا باطنًا. وهو قول محمد. وحكى الطحاوي (١) قول محمّدٍ مع أبي حنيفة، ومعنى نفوذه ظاهرًا:

стр. 482

نفوذه فيما بيننا كثبوت التمكين والنفقة والقسم في النكاح ونحو ذلك. ومعنى نفوذه باطنًا: ثبوت الحل عند الله تعالى. وشرط ذلك: أن يكون الدعوى بسببٍ معيّنٍ كنكاحٍ أو بيعٍ أو طلاقٍ أو إعتاق. وفي الأملاك المرسلة ينفذ ظاهرًا فقط باتفاقهم. وكذا فيما لم يكن إنشاؤه كنكاح المنكوحة والمعتدة. فمن العقود: ما إذا ادّعى رجلٌ على امرأةٍ نكاحًا، وأنكرت، فأقام عليها شاهدي زورٍ، وقضى القاضي بالنكاح بينهما، حلّ للزوج وطؤها، وحل للمرأة التمكين على قول أبي حنيفة. وهو قول أبي يوسف الأوّل خلافًا لمحمّد وزفر. وهو قول أبي يوسف الآخر. وكذا إذا ادّعت المرأة على رجلٍ نكاحًا وأنكره. ومنها: ما إذا قضى القاضي بالبيع بشهادة الزور سواء كانت الدعوى من جهة المشتري مثل ما إذا قال: بِعني هذه الجارية، أو البائع مثل أن يقول: اشتريت مني هذه الجارية، فإنه يحل للمشتري وطؤها في الوجهين جميعًا. واختلف المشايخ: هل يشترط في النكاح أن يكون بحضرة من يصلح شاهدًا فيه أم لا. وفي البيع هل يكون بما لم يتغابن بمثله في الثمن أم لا. فوجه من شرط حضور الشهود: أنّ الشهادة شرط صحة العقد، فلا بد من ذلك ووجهه في البيع:. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 483

أن القاضي يصير مُنْشِئًا (١)، وإنما يصير مُنْشِئًا في ما لَهُ ولاية الإنشاء وليس له البيع بغبنٍ فاحشٍ؛ لأنه تبرّع. ووجه قوله: أن يشترط ذلك: أن الشهادة شرط لإنشاء النكاح قصدًا والإنشاء هنا اقتضاءٌ فلا يشترط، وإن البيع بغبنٍ فاحشٍ مبادلة. وهكذا يملكه العبد المأذون له، والمكاتب وإن لم يملكا التبرع، فكان كسائر المبدلات. ومن الفسوخ مثلًا: إذا ادّعى أحد المتعاقدين فسخ العقد في الجارية، وأقام شاهدي [زور] ففسخ القاضي. حلّ للبائع وطؤها. ومنها: ما إذا ادّعت على زوجها أنّه طلّقها ثلاثًا فأقامت شاهدي زورٍ وقضى القاضي بالفرقة، وتزوجت بزوجٍ آخرَ بعد انقضاء العدة حلّ للزوج الثاني وطؤها ظاهرًا وباطنًا. عُلِمَ أنّ الزوج الأول لم يطلقها بأن كان أحد الشاهدين علم أو لم يعلم بذلك. وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان عالمًا بحقيقة الحال لا يحل له الوطءُ عندهما. لم تقع باطنًا، وإن لم يعلم بها حل له ذلك. وأمّا الزوج [الأول] فلا يحل له الوطء عند أبي يوسف [آخرًا] وإن كانت الفرقة لم تقع باطنًا؛ لأن قول أبي حنيفة أورث شبهةً؛ ولأنه لو فعل ذلك كان زانيا عند الناس فيحدّونه. وقال شيخ الإسلام: إنّ على قول أبي يوسف يحل وطؤها سرًّا. وعلى قول محمّد: لا يحل للأوّل وطؤها ما لم يدخل بها الثاني. فإن

стр. 484

دخل بها لا يحلّ سواء علم الثاني بحقيقة الحال أو لم يعلم. هذه نبذة مما يظهر فيه الخلاف، وبقولهما قال مالك والشافعي وأحمد في أحد الروايتين. قال القاضي عياض في شرح مسلم: مذهبنا: أن حكم الحاكم لا يحل الحرام سواء الدماء والأموال والفروج. وعند أبي حنيفة: يحل في الفروج. واحتجّ أصحابنا عليه بعموم الحديث. يعني حديث أمّ سلمة: أنّ النبي ﷺ قَالَ: "إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ (١) بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". متّفقٌ عليه (٢).

стр. 485

وبهذا الحديث تمسّك الشافعي أيضًا. قال البيهقي في كتاب المعرفة (١): حدثنا أبو عبد الله وأبو بكر وزكريا وأبو سعيد قالوا: حدثنا أبو العباس (٢) محمّد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي، حدثنا مالكٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمّ سلمة: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ". الحديث. قال الشافعي في رواية أبي سعيدٍ (٣): فَبِهَذَا نقُولُ، وفي هذا البيان الذي لا إشكال معه - بحمد الله ونعمته- على عالم، فنقول: وَلِيُّ السرائر الله ﵎، فالحلال والحرام ما يعلمه الله (٤)، والحكم على ظاهر الأمر، وافقَ ذلك السرائرَ أو خالفها، فلو أن رجلًا أقام (٥) بيّنةً على آخر، فشهدوا أنّ له عليه مئة دينارٍ، فقضى بها القاضي، لم يحلّ للمقضي له أن يَأْخُذَهَا إذا علمها باطلًا، ولا (٦) يحلّ حكم القاضي (٧) على المقضيّ له والمقضي عليه، ولا يجعل الحلال على كل واحدٍ منهما حرامًا، ولا الحرام

стр. 486

لواحدٍ (١) منهما حلالًا. ثم ساق الكلام في الطلاق والبيع، وغير ذلك على هذا القياس. قال (٢): وروينا عن ابن سيرين، عن شريحٍ: أنّه كان يقول للرّجل: إنّي لأقضي (٣) لك، وإنّي لأظنّك ظالمًا، ولكن لا يسعني أن لا أقضي إلّا بما يحضرني من البيّنة (٤)، وإنّ قضائي لا يحلّل حرامًا. انتهى. وقال الرافعي في شرح الوجيز: حكم القاضي على وجهين: أحدهما: ما ليس بإنشاء، وإنما هو تنفيذٌ لما قامت الحجّة عليه. وهذا ينفذ ظاهرًا لا باطنًا سواء كان بمالٍ أو نكاحٍ. الثاني: الإنشاءات كالتفريق بين المتلاعنين، وفسخ النكاح بالعنّة. وهذا فيه وجهان: أحدهما: المنع. وبه قال الأستاذ أبو إسحاق.

стр. 487

الثاني: أنه ينفذ باطنًا. وجهٌ ثالثٌ: وهو التفريق بين من يعتقد حكمه من الخصمين. والأصحّ عند جماعةٍ: ينفذ في حق من يعتقد. وفي حقّ من لا يعتقد. واحتجّ بالحديث المتقدم. وبه احتجّ ابن قدامة في المغني لمذهب أحمد. ثم قال بعد ذكره: وهذا يدخل فيه ما إذا ادّعى أنه اشترى منه شيئًا، فحكم له؛ ولأنه حكم بشهادة زورٍ فلا يحلّ له ما كان محرّمًا عليه، كالمال المطلق. وللرافعي نحو هذا القياس أيضًا. وتمسك بهذا الحديث أيضًا أهل الظّاهر كما ذكره الحافظ علي بن حزم بعد روايته له من طريق عبد الرزاق. واستدلّ به الطحاوي لأبي يوسف، إذ كان عنده أن محمدًا مع أبي حنيفة. واستدلّ به لهما من جعله مع أبي يوسف. واستدل لهما أيضًا: بأن شهادة الزور حجّة ظاهرًا لا باطنًا، فصار كما إذا كان الشهود كفّارًا أو عبيدًا، فإنه ينفذ ظاهرًا لا باطنًا، وبأنّ القضاء إظهار ما هو ثابتٌ، لا إثبات ما لم يكن ثابتًا. فلا ينفذ باطنًا. واستدلّ لأبي حنيفة: بأنه لما كان إظهار ما ليس بثابتٍ حالاًّ. وقد كلّف الإظهار، فيجب إثباته اقتضاءً لئلا يكون تكليف ما ليس في الوسع، وأنّه ممكن. فالقاضي نائبٌ عن الله، ولله ولاية الإثبات، فصار كأنّ الشارع قال: أثبت الحكم بينهما، ويجوز ذلك وإن لم يوجد الرضا؛ لأنّ للمولى ولاية إجبارِ

стр. 488

العبد، وكلّنا عبيدهُ وإماؤه. وبهذا يخرج الجواب عن التعليل الأخير لهما. واستدلّ لهما أيضًا: بأنّ الشهودَ صَدَقَةٌ عند القاضى؛ لأنّ الغرض أن لا يطّلع على شيءٍ مما يجرحهم. ومثل هذه الشهود هو الحجّة المعتبرة في الشّرع لتعذّر الوقوف على الصّدق حقيقة؛ لأنّ ذلك أمرٌ باطنٌ لا يعلمه إلا الله. فلو اشترط للقضاء لما أمكن القضاء أصلًا. وإذا وجدت الحجّة الشّرعيّة، فعند الحاكم ظاهرًا وباطنًا بخلاف الكفر والرق؛ لأن الوقوف عليهما متعسرٌ بالأمارات. وهذان الطريقان للمتأخرين. واستدلّ في الأصل (١) فقال: بلغنا عن عليٍّ كرَّم الله وجهه: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ عِنْدَهُ بَيِّنَةً عَلَى امْرَأَةٍ أنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَنْكَرَتْ، فَقَضَى (٢) لَهُ بِالْمَرْأَةِ. فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْنِي، فَأَمَّا (٣) إذَا قَضَيْت عَلَيَّ فَجَدِّدْ نِكَاحِي. فَقَالَ: لا أُجَدِّدُ نِكَاحَك، الشَّاهِدَانِ زَوَّجَاكِ. قال: وبهذا نأخذ، فلو لم ينعقد النِّكاح بينهما باطنًا بالقضاء لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها، ورغبة الزَّوج فيها، وقد كان في ذلك تحصينها من الزِّنا، وصيانة مائه (٤).

стр. 489

واستدل الطحاوي (١) بما رواه، عن يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو ابن دينار، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عمر قال: فَرّق النبي ﷺ بينَ أخوي بني عجلان وقال لهما: "حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، [الله] يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا". الحديث. حدثنا يونس، حدثنا سفيان، عن الزهري، سمع سهل بن سعدٍ السّاعدي يقول: شهدتُ النبي ﷺ فرّق بين المتلاعنين فقال: يا رسول الله! كذبت عليها إن أمسكتها. قال: "هِيَ طَالِقٌ ثَلاَثًا" (٢). حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، حدثنا مالك (٣)، عن ابن شهاب: أنّ سهلَ بن سعدٍ الساعدي أخبره: أنَّ عويمرًا العجلاني أتى عاصم بن عدي الأنصاري. فذكره (٤). حدثنا أحمد بن أبي داود، حدثنا الوهبي، حدثنا الماجشون، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن عاصم بن عدي قال: جاء (٥) عويمر. فذكر مثله (٦).

стр. 490

قال: فقد علما: أنّ النبي ﷺ لو علم الكاذب منهما بعينه لم يفرّق بينهما، ولم يلاعن. ولو علم أنّ امرأةً صادقة يحدّ الزوج لها بقذفه إيّاها. ولو علم أنّ الزوج صادقٌ لحدّ المرأة للزنا الذي كان منها. فلما خفي الصادق منهما على الحاكم، وجب حكم آخر، بحرمة الفرج على الزوج في الباطن والظّاهر، ولم يرد ذلك إلى حكم الباطن. فكما ثبت هذا في المتلاعنين، ثبت أن الفِرَقَ كلها، والقضاء مما ليس فيه تمليك أموال أنه على حكم الظاهر، لا على حكم الباطن، وإن حكم القاضي يحدث في ذلك التحريم والتحليل في الظاهر والباطن جميعًا، وأنَّه على خلاف الأموال (١) التي يقضي بها الظّاهر وهي في الباطن على خلاف ذلك. فتكون الآثار الأول على القضاء بالأموال، والآثار الأخر على القضاء بغير الأموال (٢) من إثبات العقود وحلها حتى يتبين (٣) وجوه الآثار والأحكام والقضاء (٤). وحكم رسول الله ﷺ في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة: أنهّما يتحالفان ويترادّان. فتعود الجارية للبائع، ويحلّ له فرجها، ويحرم على المشتري.

стр. 491

ولو علم الكاذب منهما بعينه إذًا لقضى (١) بما يقول الصّادق، ولم يقض بفسخ البيع، ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري، فلما كان على ما وصفنا، كان كذلك كل قضاءٍ بتحريمٍ أو تحليلٍ، أو عقد نكاحٍ [أَوْ حِلِّهِ] على ما حكم القاضي فيه في الظاهر، لا على حكمه في الباطن. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (٢). انتهى. وبجوابه المذكور هنا من حديث أم سلمة: أجاب جماعةٌ من المتأخرين، وأجاب في البدائع بجوابٍ آخر وهو: أنَّ حديث أم سلمة ورد في مواريث دَرَسَتْ. والميراث ومطلق الملك سواء في الدعوى. وبه نقول. قلت: قد روى ذلك الطحاوي (٣)، عن الربيع المؤذن، عن أسدٍ، حدثنا

стр. 492

وكيع، عن أسامة بن زيد (١)، سمع عبد الله بن رافع (٢) مولى أم سلمة، [عَنْ أُمّ سَلَمَة] قالت: جاءَ رجلانِ من الأنصار يختصمان في مواريث بينهما قد دَرَسَتْ، ليست فيها بيّنة (٣). فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّكمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نحوِ مَا أَسْمَعُ مِنْكُمْ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يَأتِي بِهَا إسْطَامًا (٤) في عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قال:

стр. 493

فبكى الرّجلان. فقال كلُّ واحدٍ منهما: حَقِّي لأخي. فقال رسول الله ﷺ : "أَمَّا إِذَا فَعَلْتُمَا، فَاذْهَبَا، فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ" (١). انتهابًا ثُمّ يحلل كلّ واحدٍ منهما صاحبه. وفرّقوا بين العقود والفسوخ، وبين الأملاك المرسلة، عن إثبات سببٍ ثانٍ في الأسباب كثرةً، ولا يمكن القاضي تعيين شيءٍ منها بدون الحجة، فلا يكون مخاطبًا بالقضاء، بالملك، وإنّما هو مخاطبٌ بقصر يد المدّعى عليه عن المدعي. وذلك نافذٌ منه، ظاهرًا. فإمّا أن ينفذ باطنًا بمنزلة إنشاءٍ جديدٍ، فليس بقادرٍ عليه بلا سببٍ شرعي. وأجاب الحافظ موفق الدين ابن قدامة في كتابه المغني عمّا استدل به لأبي حنيفة فقال (٢): أمّا الخبر عن عليٍّ إن صحَّ، فلا حجّة فيه؛ لأنّه أضاف

стр. 494

التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه، ولم يجبها إلى التزويج، فإن (١) فيه طعنًا على الشهود، وأمّا (٢) اللعان: فإنّما حصلت الفرقة به، لا بصدق الزوج (٣)، ولهذا لو قامت البيّنة [به] لم ينفسخ النكاح. انتهى. قلت: يُجاب عن جوابه: بأنّ إضافته التزويج إلى الشهود، فإنهم هم الذين الجؤوه إلى الحكم. وذلك لا يمنع ما قلنا. وأمّا اللعان: فمن رد الحلف إلى المختلف، وذلك: أن الفرقة عندنا إنّما تقع بحكم الحاكم لا باللعان. وعند أحمد على أشهر الروايتين: يقع بلعانهما قبل الحكم. وكذا عند مالكٍ. وعند الشافعي بعد فراغ لعان الزوج. قال الرّافعي: هذه الأحكام تترتّب بمجرّد لعان الزّوج، ولا يتوقّف على شيءٍ من ذلك على لعانهما، ولا على قضاء القاضي. وقال في المغني (٤): فيه روايتان:

стр. 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →