← Джавами‘

Джавами‘ · id 16817

مجموعة رسائل العلامة قاسم بن قطلوبغا

ابن قطلوبغا

Полный текст (694 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولو علم الكاذب منهما بعينه إذًا لقضى (١) بما يقول الصّادق، ولم يقض بفسخ البيع، ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري، فلما كان على ما وصفنا، كان كذلك كل قضاءٍ بتحريمٍ أو تحليلٍ، أو عقد نكاحٍ [أَوْ حِلِّهِ] على ما حكم القاضي فيه في الظاهر، لا على حكمه في الباطن. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (٢). انتهى. وبجوابه المذكور هنا من حديث أم سلمة: أجاب جماعةٌ من المتأخرين، وأجاب في البدائع بجوابٍ آخر وهو: أنَّ حديث أم سلمة ورد في مواريث دَرَسَتْ. والميراث ومطلق الملك سواء في الدعوى. وبه نقول. قلت: قد روى ذلك الطحاوي (٣)، عن الربيع المؤذن، عن أسدٍ، حدثنا

стр. 492

وكيع، عن أسامة بن زيد (١)، سمع عبد الله بن رافع (٢) مولى أم سلمة، [عَنْ أُمّ سَلَمَة] قالت: جاءَ رجلانِ من الأنصار يختصمان في مواريث بينهما قد دَرَسَتْ، ليست فيها بيّنة (٣). فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّكمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نحوِ مَا أَسْمَعُ مِنْكُمْ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يَأتِي بِهَا إسْطَامًا (٤) في عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قال:

стр. 493

فبكى الرّجلان. فقال كلُّ واحدٍ منهما: حَقِّي لأخي. فقال رسول الله ﷺ : "أَمَّا إِذَا فَعَلْتُمَا، فَاذْهَبَا، فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ" (١). انتهابًا ثُمّ يحلل كلّ واحدٍ منهما صاحبه. وفرّقوا بين العقود والفسوخ، وبين الأملاك المرسلة، عن إثبات سببٍ ثانٍ في الأسباب كثرةً، ولا يمكن القاضي تعيين شيءٍ منها بدون الحجة، فلا يكون مخاطبًا بالقضاء، بالملك، وإنّما هو مخاطبٌ بقصر يد المدّعى عليه عن المدعي. وذلك نافذٌ منه، ظاهرًا. فإمّا أن ينفذ باطنًا بمنزلة إنشاءٍ جديدٍ، فليس بقادرٍ عليه بلا سببٍ شرعي. وأجاب الحافظ موفق الدين ابن قدامة في كتابه المغني عمّا استدل به لأبي حنيفة فقال (٢): أمّا الخبر عن عليٍّ إن صحَّ، فلا حجّة فيه؛ لأنّه أضاف

стр. 494

التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه، ولم يجبها إلى التزويج، فإن (١) فيه طعنًا على الشهود، وأمّا (٢) اللعان: فإنّما حصلت الفرقة به، لا بصدق الزوج (٣)، ولهذا لو قامت البيّنة [به] لم ينفسخ النكاح. انتهى. قلت: يُجاب عن جوابه: بأنّ إضافته التزويج إلى الشهود، فإنهم هم الذين الجؤوه إلى الحكم. وذلك لا يمنع ما قلنا. وأمّا اللعان: فمن رد الحلف إلى المختلف، وذلك: أن الفرقة عندنا إنّما تقع بحكم الحاكم لا باللعان. وعند أحمد على أشهر الروايتين: يقع بلعانهما قبل الحكم. وكذا عند مالكٍ. وعند الشافعي بعد فراغ لعان الزوج. قال الرّافعي: هذه الأحكام تترتّب بمجرّد لعان الزّوج، ولا يتوقّف على شيءٍ من ذلك على لعانهما، ولا على قضاء القاضي. وقال في المغني (٤): فيه روايتان:

стр. 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 498

الأولى: يعتبر قضاء القاضي. والثانية: تقع الفرقة بفراغها من اللعان. واختار الثانية. قال: ووجّها ما روي عن ابن عبّاسٍ: أنه يقع قبل الحكم. وروي عن عمر أنّه قال: المتلاعنانِ يفرّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا. رواه سعيد بن منصور (١). ولأنه معنى يقتضي التحريم المؤبّد، فلا يقف على حكم الحاكم كالرّضاع؛ ولأنّ الفرقة لو لم تحصل إلا بحكم الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهاه. ويوجب أن الحاكم إذا لم يفرق أن يبقى النكاح مستمرًّا. وقوله ﷺ : "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" (٢) يدلُّ على هذا، وتفريقه بينهما بمعنى

стр. 499

إعلامه لهما بحصول الفرقة. انتهى. ووجه قولنا: ما روي عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لاَعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ، وَانتُفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا (١). وعن سهل بن سعدٍ السّاعدي: وَألحقَ الولدَ بأمّهِ. رواه البخاري (٢) وهذا لفظه. وعند مسلمٍ (٣): أنّ رجلًا لاعنَ امرأته على عهد رسول الله ﷺ ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وألحق الولد بأمّه. وفي لفظٍ متَّفقٍ عليهِ في خبر (٤) المُتَلاَعِنَيْنِ: ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وعن سهل بن سعد السّاعدي: أنّ عويمرًا العجلاني أتَى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلَهُ فَيُقْتَلُ بِهِ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَقَدْ نزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ

стр. 500

بِهَا". قال سهل: فَتَلاَعَنَا وَأَنَا مَعَ النّاسِ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ . فلمَّا فرغَا قَالَ عُوَيْمرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَنَا أُمْسِكُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قال ابن شهاب: وكانت سنّة المتلاعنين. رواه الجماعة (١)، إلا الترمذي. وفي روايةٍ متَّفقٍ عليها (٢): فقال النبي ﷺ : "فَذَلِكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْن". وفي لفظ لأحمد (٣) ومسلم (٤): فَكَانَ فِرَاقُهُ إيَّاهَا سُنَّة فِي المُتَلاعِنينِ. ورواه أبو داود (٥) بلفظ: فَطَلَّقَهَا ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ [عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ]، فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ مَا صُنِعَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سُنَّةٌ. قَالَ سَهْلٌ: حَضَرْتُ هَذَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَضَتْ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا. فدلّت هذه الأحاديث الصّحاح: على عدم وقوع الفرقة بتمام تلاعنهما حتى يفرق بينهما. وكذا النفاذ طلاقه الثلاث وتقديره على إيقاعه؛ ولأنّها فرقة

стр. 501

يختص بسببها بحضرة الحاكم، فوجب أن لا يقع بغير تفريق، أصله فرقة العنة، إلّا أنها تفارق فرقة العنة في أنّها هنا من حقوق الله، وسببها من حقوق الآدمي وفرقة الآدَمِي. والجواب: عمّا استدلّ به الحافظ: أنّ الرواية عن ابن عباس بغير سندٍ. وقد روى الدارقطني عنه خلافه بسندٍ صحيحٍ. وإنّ الرواية عن عمر حجّة لنا، فإنهّا صريحة في عدم الاجتماع بعد التفريق، وإنّ ما نحن فيه يفارق الرضاع في أنّ سببه لا يختص ثبوته بحضرة الحاكم. وأنّ التفريق مع الإصرار حقّ الشرع، فلهذا لا يسوغ تركه إلا إذا كرهاه، وإنّ الاستمرار ممكن إذا كذب فعله، وإنّ حقيقة إحداث فرقٍ إحداث الفرقة لا إظهارها. والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولو كان المراد الإظهار لما صحّ قول الرّاوي الشاهد للقصّة فأنفذه رسول الله ﷺ . هذا ما تيّسر لي في هذه المسألة. وقال السهيلي في الروض الأنف (١): وعندي: أنّ أبا حنيفة إنما بنى هذه المسألة على مذهبه في طلاق المكره، فإنّ عنده لازمٌ، فإذا أكُره الرّجل على الطّلاق وقلنا يلزم الطّلاق له، فقد حرّمت المرأة عليه، وإذا حرّمت عليه جاز أن ينكحها من (٢) شاء، فالإثم إنّما يتعلّق في هذه (٣) بالشهادة دون النكاح، وقد خالفه فقهاءُ الحجاز في طلاق المكره، وقولهم يعضّده الأثر،

стр. 502

وقول أبي حنيفة يعضّده النّظر. انتهى. قلت: بل الأثر يعضد قوله. فقد روى محمد بن الحسن في الأصل، عن إسماعيل بن عيَّاش (١)، عن الغاز بن جبلة (٢)، عن صفوان بن عِمْران (٣): أنّ رجلًا كانَ نائمًا، فقامت امرأته، فأخذت سكينًا، فجلست على صدره، فقالت: طلقني ثلاثًا أو لأذبحنّك، فناشدها الله، فأبت. فطلّقها ثلاثًا، ثم أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: "لاَ قَيْلُولَةَ فِي الطَّلاَقِ". رواه العقيلي من هذا الوجه (٤).

стр. 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 504

ومن طريقٍ آخرَ عن صفوان، عن رجل من الصّحابة: أَن رجلًا. . . الحديث. قال البخاري: غازي حديثه منكرٌ (١) في الطلاق (٢). وهذا جرحٌ مبهم. وقد جاء من طريقٍ آخر كما أخرجه العقيلي (٣)، وأخرجه محمّد أيضًا، عن فرج (٤) بن فضالة، عن عمرو بن شرحبيل: أنّ امرأةً كانت مُبْغِضَةً لزوجها، فراودته على الطّلاق، فأبى، فلما رأته نائمًا قامت إلى سيفه ووضعته على

стр. 505

بطنه، ثم حرّكته برجلها، فاستيقظ. فقالت: لأقتلنّك أو تطلقني، فطلّقها، وأتى عمر فأمضى طلاقه. وروى عبد الرزاق (١)، عن ابن عمرَ: أنّه أجازَ طلاَقَ المُكره. وروى عن الشعبي (٢) والنخعي (٣) وأبي قلابة (٤) والزهري وقتادة (٥): أنهم أجازوه. وأخرجه ابن أبي شيبة عن الثلاثة الأولين، وابن المسيب (٦). وأخرجه (٧) عن عمر بن الخطاب: أربعٌ جائزاتٌ عَلَى كُلِّ حالٍ: الْعِتْقُ، والطَّلاَقُ، والنِّكَاحُ، والنُّذُورُ. ورواه محمَّد في الأصل بلفظ: أربعٌ. . .، وأجاز على من تكلّم بهنَّ. ورواه عنه، من وجهٍ آخر بلفظ: أَرْبَعٌ مُبْهَمَاتٌ مُقْفَلاتٌ (٨) لَيْسَ

стр. 506

فِيهِنَّ ردّ يدي:. . . (١). وما رواه أبو داود (٢)، من حديث عائشة: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لاَ طَلاَقَ

стр. 507

وَلاَ عِتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ (١) ". واختلف في معناه اختلافًا لا يقوم معه حجّة فيما نحن فيه. وما رواه ابن ماجه (٢)، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". قال ابن أبي حاتم (٣): قال أبي (٤): هذه الأحاديث منكرةٌ، كأنَّها موضوعةٌ، ولا يصحُّ هذا الحديث، ولا يثبت إسناده. وكذا ما رواه ابن عدي (٥)، من حديث أبي بكرة، قال رسول الله ﷺ :

стр. 508

"رَفَعَ اللهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ثَلاَثًا: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ". في سنده: جعفر بن جسر (١) بن فرقد، عن أبيه. وفي أبيه مقالٌ. والمرفوع الحكم الأخروي، ألا ترى: أن الحكم الدنيوي لم يرفع في قبل الخطأ، وجعل ذلك فيما يكون بالنسيان تخصيصٌ بلا مخصص، فتمّ أمر هذا الحكم من جميع الوجوه، إلّا أنّ لي فيه إشكالًا لم أسبق إليه، وهو: أنّهم قد اعترفوا بوقوع حرمة الاستمتاع بمجرّد اللعان قبل تفريق حكم الحاكم. قال في الهداية: فإذا التعَنَا لا تقع الفرقة حتّى يفرق الحاكم بينهما. وقال زفر: يقع بتلاعنهما؛ لأنه يثبت الحرمة المؤبدة بالحديث. ولنا: أن ثبوت الحرمة يفوّت الإمساك بالمعروف، فلزمه التسريح بالإحسان، فإذا امتنع، ناب القاضي منابه دفعًا للظلم عنها. والحديث المشار إليه، هو قوله ﷺ : "المُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا" (٢). قال في النهاية (٣) والغاية: قوله: فإذا التعنا لا تقع الفرقة حتى يفرّق الحاكم بينهما.

стр. 509

يفيد: أنّه لو مات أحدهما بعد الفراغ من التلاعن قبل تفريق الحاكم توارثا. وقال زفر: تقع الفرقة بتلاعنهما؛ لأنه يثبت الحرمة المؤبدة بالحديث، يعني: قوله ﷺ : "الْمُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا". ففي الاجتماع بعد التلاعن، قبل تفريق الحاكم متوارثان، وهو تنصيصٌ على وقوع الفرقة بينهما بالتلاعن. ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ووجه الاستدلال: أنّ ثبوت الحرمة تفوّت الإمساك بالمعروف، فيلزمه التسريح بالإحسان. فإذا امتنع ناب القاضي منابه، منعًا للظّلم. وقال في الغاية: قال في الذخيرة: وحكمه حرمة الاستمتاع إذا فرغا من اللعان من غير حكم القاضي حتّى أن بعد التلاعن لا يحل لأحدهما الاستمة ع بالآخر. والحرمة بقوله ﵇: "المُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا". وفي إباحة الاستمتاع اجتماعهما فيحرم. وقال في الاختيار: ولأنّ حرمة الاستمتاع تثبت باللعان. إنّ الغضب واللعن ترك بأحدهما بيقينٍ، وأثره بطلاق النعمة، وحلّ الاستمتاع نعمة، والزوجية نعمة، وحل الاستمتاع أقلهما، فيحرم. وهذه الحرمة جَاءت من قبله؛ لأنّها بسبب قذفه فقد فَوّت عليها الإمساك بالمعروف، فيجب عليه التسريح بالإحسان، فإذا لم يسرّحها وهو قادرٌ عليه، كان ظالمًا فينوب القاضي منابه دفعًا للظّلم. وقال في الكافي: وعند زفرٍ: تقع الفرقة بينهما، بلعانهما لقوله ﵇:

стр. 510

"الْمُتَلاَعِناَنِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا". فنفي الاجتماع بعد التلاعن تنصيصٌ على وقوع الفرقة بينهما. ولنا: أنّه لما ثبت حرمة الاستمتاع بينهما فات الإمساك بالمعروف. ومن لا يمسك امرأته بالمعروف لا تقع الفرقة بنفس الامتناع عن الإمساك بالمعروف بل يجب عليه أن يسرّح، فإذا لم يسرّح ناب القاضي منابه في التسريح؛ لأنه نُصِبَ لدفع الظلم. وقال في شرح المنظومة: وقوله ﵇: "الْمُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا". محمولٌ على بيان حرمة الاستمتاع دون وقوع الفرقة عملًا بالحديث كأحد الزوجين المجوسيين إذا أسلم ثبتت حرمة الاستمتاع في الحال، ولا تقع الفرقة ما لم يطلقها أو يفرق القاضي بينهما. وحين اعترفوا بثبوت الحرمة قبل التفريق بطل تمسكهم بالحديث في أنّ القضاء يثبت الحرمة، وإذا بطل تمسكهم بهذا الحديث، يقال: ما ذكره في مقابلة الحديث الصحيح، إذ الموقوف لا يعارض المرفوع، وتجديد النكاح احتياطي لا لزومي، فجاز أن يولهم الإمام ما تولوا، ولو نفذ الحكم ظاهرًا وباطنًا، أو ثبت عقد مفيد للحل اقتضاءً، صارَ كأنّ الشارع أثبته، لم يكن قطعة من النّار. وقولكم: إنهّ خاص بالأحكام المرسلة. قلنا: كان ذلك للجمع والتوفيق بينه وبين أحاديث اللعان. أمّا إذا بطل تمسككم بأحاديث اللعان بقي عموم الأحاديث في جميع الحقوق على ما كان عليه. وقولكم: إنه ورد في الميراث إلخ. قلنا: العبرة لعموم اللفظ وإطلاقه لا لخصوص السبب وحله بالخروج

стр. 511

عن التقليد والنظر في الأدلة على وجه التحقيق، وذلك: جعل القول بالحرمة المذكورة مذهب محمد بن الحسن. فإنه ذكر في النسفي عنه، فأحلّه. قال ذلك على أصله من أنّ القضاء لا يحلّ ولا يحرم. وإن كانت الفرقة تتوقف عليه كما تقدم. وإنّ أبا حنيفة لا يقوله. ومن تأمّل قول أبي حنيفة في باب الرجوع عن الشهادة من كتاب الأصل، علمَ أنّه إنما يضيف الحل والحرمة للقضاء. وهو صريح عبارة الطحاوي، وقد نسب ذلك إلى أبي حنيفة ﵀ ففي الكلام على ادعاء أن دليل الحرمة. الحديث المذكور. فنقول: لا سبيل إلى الثلاثة إلى القول بنفي الاجتماع الحكمي مطلقًا بعد التلاعن. قيل: الحكم لقولهم ببقاء الزوجية حتى اتفقوا محلى جواز ظهاره (١). . . (٢) وطلاقه وجريان التوارث بعد اللعان قبل الحكم للأحاديث الدّالة على بقاء الزوجية. والحلّ حكم من أحكام الزوجية مطلقًا، فينفى بنفيها حتى يقوم دليل على بقائها بدونه. وما ذكروا من الحديث مقتضاه نفي الاجتماع مطلقًا، ولم يعملوا به. فإن قيل في إثبات الحرمة المذكورة، عمل به من وجه. قلنا في حمله على

стр. 512

بيان حكم البقاء عمل به من كل وجهٍ. كيف وقد روي كذلك. فأخرجه الدّارقطني (١)، عن [ابن] عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُتَلَاعِنَانِ إِذَا تَفَرَّقَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا". وإسنادهُ لا بأس به. والعائب باللعان: أسباب المودة وحسن العشرة. وحينئذٍ يفوت الإمساك بالمعروف. فينوب القاضي منابه في التسريح بالإحسان، وإن لم تثبت حرمته قبل ذلك. هذا ما سنح في هذا المقام. والله ولي التوفيق. والحمد لله وحده.

стр. 513

مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا [١٨] [رِسَالَةٌ في] مَا يُنقَضُ مِنَ القَضَاءِ تَأْلِيفُ العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 514

(١٨) [رِسَالَةٌ في] مَا يُنقَضُ مِنَ القَضَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمّدٍ، وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني قاسم الحنفي يقول: قد أدّى نظر شيخنا العلامة كمال الدين فيما كتبته على الهداية إلى أنه لا ينقض حكم الحاكم لاقتضائه على ما اقتصر عليه البعض الكلام من المسائل ببسط الكلام يظهر المرام. فأقول: قال في البدائع (١) في شروط القضاء: منها: أن يكون بحقٍّ، وهو الثَّابت عند الله من حكم الحادثة: إمَّا قطعًا، بأن قام عليه دليلٌ (٢) قطعيٌّ، وهو النَّصّ المفسَّر من الكتاب [الكريم]، أو الخبر المتواتر أو المشهور أو الإجماعُ (٣). وإمَّا ظاهرًا، بأن قام عليه دليلٌ ظاهرٌ، يوجبُ علم غالب الرَّأي، وأكثر الظَّنِّ،. . . . . . . . . . . . .

стр. 515

من (١) ظواهر الكتاب [الكريم] والخبر المتواتر والمشهور، وبخبر الواحد، والقياس الشَّرعيِّ، وذلك في المسائل الاجتهاديَّة الَّتي اختلف فيها الفقهاء -[﵏]- (٢) أو الَّتي لا رواية في جوابها عن السَّلف، بأن لم تكن واقعة. انتهى. ولمّا كان هذا شأن عامّة الأحكام، وخلافه نادرٌ، أطلق الإمام أبو حنيفة القول بالإمضاء بناء على الأعمّ الأغلب. فقال في رواية الجامع الصغير (٣): محمد، عن يعقوب، عن أبي حنيفة قال: ما اختلف فيه الفقهاء يقضي بها قاضٍ، ثم جاء قاضٍ آخر أمضاه. ويدل على أنّه أراد ما هو الحق في نظره، لا كل ما يقضي به القاضي. قوله: في جميع كلام الإمام: وإذا رفع قضاء قاضي بعد موته أو عزله إلى قاضٍ آخر يرى خلاف رأيه، فإن كان يختلف فيه الفقهاء أمضاه، وإن كان خطأً لا يختلف فيه الفقهاء أبطله. ثم جاء من جمع بين الأصل وما فيه الاستثناء وهو صاحب الهداية. فقال: وإذا رفع إلى القاضي حكم حاكمٍ أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع بأن يكون قولًا لا دليلًا عليه. وفي الجامع الصغير (٤): وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي، ثم جاء قاضٍ آخر يرى غير ذلك أمضاه. انتهى.

стр. 516

قلت: لم يقع في رواية الجامع الصغير: يرى غير ذلك (١). وإنّما وقع هذا في روايتي لمختصر الحاكم بلفظ: يرى خلافه. ووقع في بعض نسخ القدوري: أو يكون قولًا لا دليل عليه. وقال في شرحه المسمّى بالجواهر: فإن قيل: لا فائدة فيه؛ لأنه يفهم من قوله: أو الإجماع. وأجاب بأنّ قوله: لا دليل عليه أعمّ. لأنه يمكن أن يكون القول ليس فيه نصٌّ. ويحكى عليه الإجماع، لكنه يدلّ عليه القياس الصحيح. ويكون هذا القول لا يدل القياس على صحته. فيكون مخالفًا للقاضي. كما قيل في المعتوه. رد خاطرٍ حين وقّت. قلت: عربية في خاطرتي، هكذا كان. وفي لغتهم: تقديم وتأخير. فتقديره: كان هكذا في خاطري. وهذا أراد أبو العباس بن إدريس في بيان سبب نقض الحكم بقوله: ومتى لم يكن هنا معارضٌ بل عدم بالكلية، بأن يكون الاجتهاد متوهمًا، وليس بواقعٍ في نفس الأمر. والله أعلم. قال شيخنا (٢): قالوا: إنَّما أعاده - يعني: لفظ الجامع -؛ لأنَّ في عبارة الجامع فائدتين ليستا في القدوريِّ:

стр. 517

إحداهما: تقييده بالفقهاء، أفاد أنَّه لو لم يكن عالمًا بالخلاف لا ينفذ. وقال شمس الأئمَّة: وهو ظاهر المذهب، لا ينفذ على قول الأكثر. [والثانية: التَّقييد بكون القاضي يرى غير ذلك، فإنَّ القدوري لم يتعرَّض لهذا فيحتمل أن يكون مراده أنَّه إذا كان رأيُه في ذلك موافقًا لحكم الأوَّل أمضاه، وإن كان مخالفًا له لا يمضيه، فأبانت رواية الجامع أنَّ الإمضاء عامٌّ فيما سوى المستثنيات سواءٌ كان ذلك مخالفًا لرأيه أو موافقًا: يعني بالطَّريق الأولى] (١)، ولا يخفى أنَّه لا دلالة في عبارة الجامع [على] كونه عالمًا بالخلاف، وإنَّما مفاده أنَّ ما اختلف فيه الفقهاء في نفس الأمر فقضى القاضِي بذلك الَّذي اختلف فيه عالمًا بأَنَّه مختلفٌ فيه، أو غير عالمٍ، فإنَّه أعمُّ من كونه عالمًا، ثم جاء قاضٍ [آخر] يرى خلاف ذلك الَّذي حكم به هذا أمضاه فربَّما يفيد أنَّ الثاني عالمٌ بالخلاف، وليس الكلام فيه فإنَّ هذا يرى اختلاف ذلك الذي حكم به، فإنّ هذا هو المنفِّذ، والكلام في القاضي الأوَّل الَّذي ينفِّذ هذا الآخر حكمه، وليس فيه دليلٌ على أنَّه كان عالمًا بالخلاف بطريقٍ [من طرق الدَّلالة. نعم في الجامع التَّنصيص على أنَّه ينفِّذه وإن كان خلاف رأيه، وكلام القدوريِّ] (٢) يفيده أيضًا، فإنَّه قال: إذا رفع إليه حكم الحاكم أمضاه، وهو أعمُّ ينتظم ما إذا كان موافقًا لرأيه أو مخالفًا، وإنَّما (٣) في الجامع الصَّغير النُّصوصيَّة (٤) عليه إذا كان مخالفًا. انتهى.

стр. 518

قلت: هذا صحيحٌ وهو بناء على ما وقع لصاحب الهداية من لفظ الجامع، لكن ما ذكر من الفائدة وهي أنّ القاضي إن لم يكن عالماً بالخلاف لا ينفذ قضاؤه. غير ظاهر الوجه. ومشكلٌ على الموجودين من قضاة العصر حتّى أدّى إلى كذب المسجلين، واستعمل ظاهره بعض القضاة في ما له فيه غرضٌ. فقال: قد قالوا: إنّ القاضي إذا قصد المتفق عليه فوافق قضاءه المختلف فيه لا ينفذ، وإذا شاء قال في رواية: ينفذ فقرأت في كتاب مشتري بستان بفم الجوز. كان قد وقفه زين الدين الأستادار (١) في حال أمر به، ثم صودر فأقر بدينٍ لبيت المال، وأراد بيعه، وشهد عليه فلانٌ القاضي أنه حال حكمه بالوقف كان يظن المتفق عليه. وهو: أنّ هذا وقف موسرٍ ليس عليه دينٌ، ثم تبيّن أنه وقع في المختلف، وهو: أنه وقف مديون فلم ينفذ حكمه. . . إلخ. وعندما أراده أن يرجع ابنة محمد بن إينال إلى زوجها أحمد بن أزدمر (٢)، وكان طلقها طلقتين صريحتين وخالعها مرّة. وحكم القاضي نور الدين البرقي بالحرمة الغليظة. قالوا: ظنّ المتفق عليه، وهو: أنّه طلّقها ثلاثاً، ولم يعلم بالخلع. فوقع في المختلف، وهو: أن إحداهما خلع، وهو فسخٌ عند أحمد، وهم لذلك في خبط عشواء، لا يعلمون مبنى المسألة. وسؤال الأصحاب: أن القاضي المجتهد إذا قضى في فصل مجتهدٍ فيه

стр. 519

في نفس الأمر ولكنه لم يعلم أنه مجتهد فيه، وإنما قصد على وجه الإجماع، فوافق قضاؤه خلاف رأيه المعروف. هل ينفذ قضاؤه ويكون هذا بمنزل تبدل رأيه حتى لا يبطله أم لا؟. فدلّ فرع من فروع الكتاب على النفاذ، فجعل رواية. ودلت فروعٌ أخر على عدم النفاذ. وهذا كما ترى ليس بما نحن فيه، فإنّ كلامنا في هذه القضايا في قضاء مقلّدٍ قضى يقول إمامه من غير علم بما حدث في المسألة، مما فيه خلافٌ. وهذا نافذٌ بالاتفاق. وجَعْلُه من ذلك الباب غلط فاحش، وإنما أتلو عليك عبارات العلماء لتعلم حقيقة ما قلت. فأقول: قال الإمام ظهير الدين: وإن قضى القاضي في فصل مجتهدٍ فيه وهو لا يعلم أنه مجتهدٌ فيه، وإنمّا قصد القضاء على وجه الإجماع. هل ينفذ قضاؤه؟. ذكر في كتاب الإكراه: أنه ينفذ. وذكر في الرجوع عن الشهادات: أنه لو قضى بشهادة المحدودين في قذفٍ وهو لا يعلم أنهّما محدودانٍ في قذفٍ، ثم علمَ، يردّ القضاء، ويأخذ المال من المقضي له. وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح الرجوع عن الشهادات (١): أنه إنما ينفذ إذا صدر عن اجتهادٍ. وأمّا إذا لم يكن عن اجتهادٍ فلا ينفذ. وذكر الخصّاف: أنه ينفذ على كلّ حالٍ. انتهى فيما ذكره في الإكراه. وهو قوله في باب اللعان: يقضي به القاضي، ثم تبين أنه كان باطلاً. وإذا ادّعت امرأة على زوجها قذفًا، وجحده الزوج، فأقامت البينّةَ عليه بذلك.

стр. 520

وذكرا في السر والعلانية وأمر القاضي الزوج أن يلاعنها، فأبى أن يفعل وقال: لم أقذفها وشهدوا عليه بالزور. فإنّ القاضي يجبره على اللعان ويحبسه حتى يلاعن أو يهدده بالحبس حتى يلاعن. فقال: أشهد بالله أني لمن الصّادقين فيما رميتها به من الزنا، ثم شهدت المرأة أيضاً كما عليها. وفرّق القاضي بينهما، ثم اطّلع القاضي على الشهود عبيداً أو محدودين في القذف، أو بطلت شهادتهم بوجهٍ من الوجوه. فإنّ القاضي يبطل اللعان الذي بينهما ويردّ المرأة إليه؛ لأنّ إقراره عليها بالزنا في اللعان كان بإكراهٍ من القاضي. ولو لم يحبسه القاضي حتى يلاعنَ ولم يهدده بحبسٍ. ولكن قال له: قد شهدوا عليك بالقذف فقضيت عليك باللعان فالتَعِن (١) ولم يزده على ذلك، والْتَعَنَ كما وصفته. وفرّق القاضي بينهما، ثم تبين: أنّ الشهود كانوا عبيداً، فأبطل شهادتهم، فإنه يمضي اللعان والفرقة بينهما؛ لأنّه أقر بالقذف بغير إكراهٍ. انتهى. قلت: قال شمس الأئمة: الفتوى على عدم النفاذ. وأشار إلى أنّ هذا غير ظاهر المذهب. والله أعلم. وما ذكره في الرّجوع عن الشهادة ذاك هو قوله في آخر أبوابها: وإذا شهد محدودان في قذف (٢) شهادةً ولم يعلم بذلك القاضي حتى [قضى] بشهادتهما، ثم علمَ بذلك وليس من رأيه إمضاؤه، فإنه يرد القضاء ويرتجع (٣) المال من المقضي له.

стр. 521

وكذلك لو علم أنهما عبدان أو كافران [أو أعميان] ردّ القضاء وأخذ المال من المقضي له في ذلك كله (١). قلت: قال شمس الأئمة السرخسي: إن هذا هو ظاهر المذهب، والفتوى عليه. والله أعلم. وقال الصّدر حسام الدين في فتاواه: إذا قضى في فصلٍ مجتهدٍ فيه، وهو لا يعلم بذلك، لا ينفذ؛ فإنَّه ذكر في السِّير الكبير: رجلٌ مات وله مدبَّرون حتَّى عتقُوا، ثم جاء رجلٌ وأثبت ديناً على الميت، فباعهم القاضي على ظنِّ أنَّهم عبيدٌ، وقضى بجوازه، ثم ظهر أنَّهم مدبَّرون، كان قضاؤه بذلك باطلاً (٢). قال (٣): والاستدلال بمسألة السير لا يستقيم؛ لأنّ عدم النفاذ ما كان لعدم العلم بكون الفصل مجتهداً [فيه]، وإنما كان؛ لأن البيع صادفَ الأحرار؛ لأنّهم عتقوا بموته، أكثر ما في الباب أنه يجب عليهم السعاية، لكن ذلك لا يمنع وقوع العتق. قال مولانا: وفي الطعن كلامٌ، فإنّ المذكور في باب من العبد الذي يرجع إلى أهله في السير الكبير (٤): من مات وله رقيق، وعليه دين كثير، فباع القاضي رقيقه، وقضى دينه، ثم قامت البينة لبعضهم: أنَّ مولاه كان دبَّره، فإنَّ بيع القاضي فيه يكون باطلاً، ولو كان القاضي عالماً بتدبيره، واجتهد وأبطل تدبيره

стр. 522

لكونه (١) وصيّةً وباعهُ في الدَّين، ثم ولِّي قاضٍ آخر يرى ذلك خطأ، فإنَّه ينفذ قضاءُ الأوَّل. وإن كان الثاني لا يعلم: أنّ الأوّل فعله عن اجتهادٍ، أو لأنه لم يعلم حقيقة الحال، فإنه ينفذ قضاؤه أيضاً؛ لأنّ تحسين الظّن بالقاضي واجبٌ، وقضاؤهُ محمولٌ على الصّحة ما أمكنَ، فيحمل على أنّه قضى بعد العلم عن اجتهاد، فقد نصّ على: أنّ امتناع النفاذ بعد العلم وبعد القضاء عند العلم أو احتمال العلم، دلّ على أنّ الاستدلال صحيح. والله أعلم. قلت: فعن هذا قال شمس الأئمة: إنهّ إنما ينفّذ إذا صدر عن اجتهادٍ، أمّا إذا لم يكن يصدر عن اجتهادٍ لا ينفذ، كما قدمته عنه. والله أعلم. ومن الغباوة: جعل هذا في نواب الحكم في هذا الزمان. رجعنا إلى ما في شرح الهداية. قال شيخنا (٢): قوله: إلَّا أن يخالف. . . إلخ. حاصله: بيان شرط جواز الاجتهاد، ومنه يعلم كون المحلِّ مجتهداً فيه حتَّى تجوز (٣) مخالفته أو لا، فشرطُ (٤) حلِّ الاجتهاد: أن لا يكون مخالفاً للكتاب أو السُّنَّة - يعني: المشهورة - مثل: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدعي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (٥).

стр. 523

قلت: لم يذكر. وإنَّما ذكر لبيان سبب بعض الحكم ومحلّه. فاللائق الحمل على هذا. ولهذا: قال الإمام الخصّاف: قالوا: سعى للقاضي أن ينفذ قضايا القضاة التي ترفع إليه، ويحكم بها، إلَّا أن تكون القضية جوازاً أو يكون على خلاف الكتاب أو السنة أو خلاف إجماع الأمة، فإن كان هذا فلا ينفذها، ولا يحكم بها، وكذلك إن كان القاضي الذي قضى بهذه القضية فاسقاً في نفسه أو محدوداً في قذفٍ أو من لا يجوز شهادته لو شهد. فإنّ قضية هذا إذا رفعت إلى هذا القاضي لا ينبغي له أن ينفذها ولا يحكم بها. وقال في آخر الباب: وكل ما قضى به قاضٍ مما يخالف فيه الكتاب والسنة فرفع إلى قاضٍ آخر يرى خلاف ذلك، فإنه ينفذه ويحكم به، وإن كان خلاف الكتاب والسنة أبطله. ليس ينفذ قضاء قاضٍ خالف الكتاب والسنة بحديثٍ شاذ أو خاصٍّ حتى يأتي به العامة، فإذا كان معروفاً في أيدي العامة، عن رسول الله ﷺ ، فهو ناسخٌ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. وإن يرى بعده شيء. فالتنزيل ناسخٌ. فالآخر من هذين الأمرين ناسخٌ للأول. انتهى. فاستفدنا منه: أنّ ما فيه معارضٌ ظاهر رجَحانه. فالمرجوح ينقض. وإليه أشار أبو العباس بن إدريس في سبب النقض فقال: أو يكون ثم معارضٌ مرجوح في حديث مضطرب الإسناد ونحوه، فإنه لا يفند به، وينقض ذلك الحكم لوقوعه على خلاف العارض الراجح. انتهى. قلت: وقوله: وكذلك إذا كان القاضي فاسقاً، هو اختياره واختيار الطحاوي أيضاً؛ لأنّ عندهما: الفاسق لا يصير قاضياً، فَلاَ ينفذ قضاؤه، وعامّة

стр. 524

المشايخ: على أنّ الفاسق يصلح أن يكون قاضياً، فإذا قضى ينفذ قضاؤه، لكن لقاضٍ آخر أن يبطله إذا رأى ذلك حسناً. ولو أبطله قاضٍ آخرَ ثم رفع إلى ثالثٍ ليس للثالث أن ينفذه. قال شيخنا (١): فلو قضى بشاهدٍ ويمينٍ لا ينفذ، ويتوقَّف على إمضاء قاضٍ آخر. ذكره في أقضية الجامع، وفي بعض المواضع ينفذ مطلقاً. قلت: قال الخصّاف: ولو أنّ قاضياً قضى بشاهدٍ ويمينٍ، فإنّ هذا مما لا ينبغي لهذا القاضي أن ينفذه من قبل أن الشاهد واليمين خلاف القرآن. وقال في الينابيع: قال محمّد: أفسخ (٢) حكم الحاكم بشاهدٍ ويمينٍ. وقال أبو يوسف: لا أفسخ ذلك. وقول محمد أظهر. انتهى. قال شيخنا (٣): ثم يراد بالكتاب المجمع على مراده، أو ما يكون مدلولٌ لفظه ولم (٤) يثبت نسخه ولا تأويله بدليلٍ مجمعٍ عليه. فالأوَّل: مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية، حتَّى لو قضى قاضٍ بحلِّ أمّ امرأته كان باطلاً لا ينفذ. والثاني: مثل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فلا ينفذ الحكم بحلّ متروك التسمية عمداً، وهذا لا ينضبطُ، فإنَّ النَّصَّ قد يكون

стр. 525

مؤوَّلاً فيخرج عن ظاهره، فإذا منعناه يجاب بأنَّه مؤوَّلٌ بالمذبوح للأصنام (١) أيَّام الجاهليَّة، فيقع الخلاف في أنَّه مؤوَّلٌ أو ليس بمؤوَّلٍ (٢)، فلا يكون حكم أحد المتناظرين بأنَّه غير مؤوَّلٍ قاضياً على غيره بمنع (٣) الاجتهاد فيه. نعم، قد يترجَّح أحد القولين على الآخر بثبوت دليل التَّأويل، فيقع الاجتهاد في بعض أفراد هذا القسم أنَّه ممَّا يسوغ فيه الاجتهاد أو لا، ولذا نمنعُ نحن (٤) نفاذ القضاء ببعض (٥) الأشياء، ويجيزونه وبالعكس (٦). ولقد نقل الخلاف [في الحلِّ] عندنا أيضاً، وإن كان كثير لم يحكوا الخلاف. ففي الخلاصة في رابع جنسٍ من الفصل الرَّابع من أدب القاضي [قال]: وأمَّا القضاء بحل متروك التَّسمية عمدًا فجائزٌ عندنا (٧)، وعند أبي يوسف لا يجوز. انتهى. قلت: إما جاء عدم الانضباط من تغيره المراد بالكتاب. والذي يدل عليه عبارات الأصحاب: أنّه النّصُّ المفسر. فالظّاهر كما قدّمته في دليل الحق، وفي البدائع أيضاً. حتى لو قضى

стр. 526

بما قال الدليل القطعي على خلافه لم يجز؛ لأنه قضى بالباطل قطعاً، وكذا لو قضى بالاجتهاد فيما فيه نصٌّ ظاهرٌّ بخلافه من الكتاب أو السنة، لم يجز قضاؤه؛ لأنّ القياس في مقابلة النص باطل سواء كان النص قاطعاً أو ظاهراً، ولم لا يقولون: إنّ كل ما فيه خلاف لظاهر نصٌّ يكون محلاًّ للاجتهاد فيما فيه نص بخلافه، إذ لولاه سوّغ فيه الاجتهاد، وإنما يقولون ذلك فيما لم يختلف فيه الصحابة ومن معهم؛ لأنهم يروه مخالفاً للإجماع، وما عداه. فيقال فيه: ما استفيد من عبارة الخصّاف. وصرّح ابن إدريس: من أنه معارضٌ مرجوح، فلا يعتد به. هذا حاصل معاني عباراتي. والله أعلم. وما نقل في الخلاصة: منقولٌ في غيرها، لكن اعتمد في شرح المختلف قول أبي يوسف. وجزم به في الينابيع. والله أعلم. قال شيخنا (١): ثم (٢) قال المصنِّف: المعتبرُ الاختلاف في الصَّدر الأوَّل - يعني: أن يكون المحلُّ محلَّ اجتهادٍ - يتحقَّق الخلاف فيه بين (٣) الصَّحابة. وقد يحتمل بعض العبارات ضمَّ التَّابعين. انتهى. قلت: الظّاهر: أنه عين في المعتبر هذا في كونه غير مخالفٍ للإجماع كما سيأتي. وهذا إذا لم يبرهن على ذلك، وغير المخالف للإجماع، وإن كان في محل الاجتهاد، ولكنه لم يذكروه لذلك. وبتقدير ما ذكر الشيخ - رحمه

стр. 527

الله -: فالمراد: محل فيه ظاهر نص لا المحل مطلقاً، فإنه قد تقدم منه بيانه بقوله: ثم المجتهد فيه أن لا يكون مخالفاً لما ذكره. يعني: الكتاب والسنة والإجماع. ألا ترى إلى قول الخصاف: ولو أنّ قاضياً قضى بشاهدٍ ويمينٍ، أو يقبل بقسامةٍ أو بيعِ أمّ ولدٍ، ثم رجع إلى قاضٍ آخرَ، فإن هذا مما لا ينبغي لهذا القاضي أن ينفذه من قبل الشاهد واليمين، خلف المقر (١) وأم الولد ترك بيعها بما عليه جماعة من المسلمين. وأمّا القسامة: فإنما هو قضاء بقوله: لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك. وقول الإمام أبي المعالي في شرح أدب القاضي: أنها الأوّل، فلأنّ القضاء مخالفٌ الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. شرع فصل القضاء بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فكان الفصل من القضاء بشاهدٍ ويمينٍ مخالفاً للكتاب. والحديث قيس شاذّ، لا يجوز العمل به على مخالفة كتاب الله تعالى، فلم يعتبر الخلاف فيه بيننا وبين الشافعي، وإنما اعتبر الخلاف بين المتقدمين، والمراد من المتقدمين الصحابة ومن تبعهم، وليس يقضي أحدٌ من المتقدمين بشاهدٍ ويمين الآخر. والثاني: الحكم وفعله مما لا يوجد به، فلا يكون هذا مجتهداً فيه. وأمّا الثاني: وهو القتل بالقسامة. يريد به: أن القتيل إذا وجد في محلّةٍ وبينه وبين أحدٍ من أهل المحلّة عداوةٌ ظاهرةٌ والعهد قريب من حين

стр. 528

دخوله في المحلّة إلى أن وجد قتيلاً، فعين ولي القتيل من المحلّة رجلين، أنّهما قتلاه، ويحلف على ذلك. وعند مالك والشافعي في القديم: يقضي القاضي له بالقود. وعندنا: لا. فإذا قضى به، ثم يرفع إلى آخر ينقضه؛ لأنّ هذا يخالف الإجماع لهما، أنّ مالكاً لم يكن موجوداً في الصّحابة، فلا يكون قوله معتبراً. والدليل عليه: أنّ أوّل من قضى بالقود في القسامة معاوية، فلم يكن مختلفا بين الصّحابة، وكان القضاء مخالفًا لإجماع الأصحاب، فكان للثاني أن ينقضه. وقول صاحب المحيط (١): قضايا القضاة التي ترفع إلى القاضي على أربعة أوجهٍ: أمّا إن كان مخالفاً للكتاب أو السنة أو الإجماع. أو كان في محل الاجتهاد.

стр. 529

أو كان في محلٍّ فيه قول مجهولٍ. أو كان نفس القضية مختلفاً فيها، بأن كان مخالفاً للكتاب أو السنة أو الإجماع. فالقاضي المرفوع إليه ينقضها، ولا ينفذها؛ لأنه متى خالف النص أو الإجماع كان باطلاً وضلالاً. مثاله: ما لو أن قاضياً قضى بشاهدٍ ويمينٍ، أو بقتل بقسامة، ثم ساق مثله سواء. وكذا في الذخيرة وغيرها، فلم يذكر الأصحاب اعتبار اختلاف الصّدر الأوّل إلا في هذا المحل. والله أعلم. قال شيخنا (١): وبناءً على اشتراط كون الخلاف في الصَّدر الأوَّل من (٢) كون المحلِّ اجتهاديًّا. قال بعضهم: إنَّ للقاضي أن يبطل ما قضى به القاضي المالكيُّ والشَّافعيُّ برأيه، يعني: إنَّما يلزم إذا كان قولُ مالكٍ أو الشَّافعيِّ وافق قول بعض الصَّحابة أو التَّابعين المُختلفين، فلا ينقض باعتبار أنَّه مختلفٌ بين الصَّدر الأوَّل لا باعتبار أنَّه قول مالكٍ والشَّافعيِّ، فلو لم يكن فيها قول الصَّدر الأوَّل بل الخلاف مقتضبٌ فيها بين الإمامين للقاضي أن يبطله إذا خالف رأيهُ. [وعندي]: أنَّ هذا لا يعوَّل عليه، فإن صحَّ أنَّ مالكاً والشَّافعيَّ وأبا حنيفة مجتهدون، فلا شكَّ في كون المحلّ اجتهاديَّا، وإلاَّ فلا، ولا شكَّ أنَّهم أهلُ اجتهادٍ ورفعةٍ. انتهى.

стр. 530

قلت: يعني برأيه في مخالفة ظاهر نصٍّ لا مطلقاً كما بينته، وكما سيأتي عن بيان المراد في قول هذا البعض المشار إليه. يعني: إنما يلزم إلخ. قلت: ظاهر صنيعهم خلاف هذا. وهو: أنه إذا اختلفوا، فمال اجتهاد مجتهدٍ بعدهم (١) إلى قول أحدهم، فقضى القاضي بذلك، ثم رفع قضاؤه إلى قاضٍ آخر يرى خلافه، ينفذه، كان أفاد الشارح حكماً، ولم يختلفوا فيه، ثم اختلف من بعدهم، فمن مالَ بظاهرٍ اعتبر قوله. ومن خالف لا يكون خلافه معتبراً إلى آخر التقدير. وهذا وإن كان مخالفاً للنص، ولكنهم يريدون أن يكون مخالفاً للإجماع أيضاً. كما صرّح به في المحيط. قال شيخنا: فلو لم يكن فيها قولُ الصَّدرِ الأوَّل، بل الخلافُ مُقتضبٌ فيها بين الإمامين للقاضي (٢) أن يبطلهُ. قلنا: هذا التزاماً منه لظاهر العبارة، لا أنّ أحداً صرّح به كذلك. والله أعلم. وقول القائل الذي أشار إليه شيخنا ﵀ لم يكن تأويله إلاّ ما قال من قبله، وإن كان ظاهره ما قال شيخنا ﵀ بيان أنه قال قوله. والمعتبر الاختلاف في الصدر الأول، يريد به الاختلاف الواقع في قرن الصّحابة. ينتفي به اختلاف مالكٍ والشافعي: أنه ليس لمعتبرٍ؛ لأنهّما لم يكونا في زمن الصّحابة، وقد مرّ زيغانه قبل هذا. انتهى. فإذا حمل على اختلافهما فيما فيه ظاهر نصٍّ بخلافه، ولم يختلف فيه
следующие страницы →