بما قال الدليل القطعي على خلافه لم يجز؛ لأنه قضى بالباطل قطعاً، وكذا لو قضى بالاجتهاد فيما فيه نصٌّ ظاهرٌّ بخلافه من الكتاب أو السنة، لم يجز قضاؤه؛ لأنّ القياس في مقابلة النص باطل سواء كان النص قاطعاً أو ظاهراً، ولم لا يقولون: إنّ كل ما فيه خلاف لظاهر نصٌّ يكون محلاًّ للاجتهاد فيما فيه نص بخلافه، إذ لولاه سوّغ فيه الاجتهاد، وإنما يقولون ذلك فيما لم يختلف فيه الصحابة ومن معهم؛ لأنهم يروه مخالفاً للإجماع، وما عداه. فيقال فيه: ما استفيد من عبارة الخصّاف.
وصرّح ابن إدريس: من أنه معارضٌ مرجوح، فلا يعتد به.
هذا حاصل معاني عباراتي. والله أعلم.
وما نقل في الخلاصة: منقولٌ في غيرها، لكن اعتمد في شرح المختلف قول أبي يوسف. وجزم به في الينابيع. والله أعلم.
قال شيخنا (١): ثم (٢) قال المصنِّف: المعتبرُ الاختلاف في الصَّدر الأوَّل - يعني: أن يكون المحلُّ محلَّ اجتهادٍ - يتحقَّق الخلاف فيه بين (٣) الصَّحابة. وقد يحتمل بعض العبارات ضمَّ التَّابعين. انتهى.
قلت: الظّاهر: أنه عين في المعتبر هذا في كونه غير مخالفٍ للإجماع كما سيأتي. وهذا إذا لم يبرهن على ذلك، وغير المخالف للإجماع، وإن كان في محل الاجتهاد، ولكنه لم يذكروه لذلك. وبتقدير ما ذكر الشيخ - رحمه
стр. 527
الله -: فالمراد: محل فيه ظاهر نص لا المحل مطلقاً، فإنه قد تقدم منه بيانه بقوله: ثم المجتهد فيه أن لا يكون مخالفاً لما ذكره. يعني: الكتاب والسنة والإجماع. ألا ترى إلى قول الخصاف: ولو أنّ قاضياً قضى بشاهدٍ ويمينٍ، أو يقبل بقسامةٍ أو بيعِ أمّ ولدٍ، ثم رجع إلى قاضٍ آخرَ، فإن هذا مما لا ينبغي لهذا القاضي أن ينفذه من قبل الشاهد واليمين، خلف المقر (١) وأم الولد ترك بيعها بما عليه جماعة من المسلمين.
وأمّا القسامة: فإنما هو قضاء بقوله: لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك.
وقول الإمام أبي المعالي في شرح أدب القاضي: أنها الأوّل، فلأنّ القضاء مخالفٌ الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية.
شرع فصل القضاء بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فكان الفصل من القضاء بشاهدٍ ويمينٍ مخالفاً للكتاب. والحديث قيس شاذّ، لا يجوز العمل به على مخالفة كتاب الله تعالى، فلم يعتبر الخلاف فيه بيننا وبين الشافعي، وإنما اعتبر الخلاف بين المتقدمين، والمراد من المتقدمين الصحابة ومن تبعهم، وليس يقضي أحدٌ من المتقدمين بشاهدٍ ويمين الآخر. والثاني: الحكم وفعله مما لا يوجد به، فلا يكون هذا مجتهداً فيه.
وأمّا الثاني: وهو القتل بالقسامة. يريد به: أن القتيل إذا وجد في محلّةٍ وبينه وبين أحدٍ من أهل المحلّة عداوةٌ ظاهرةٌ والعهد قريب من حين
стр. 528
دخوله في المحلّة إلى أن وجد قتيلاً، فعين ولي القتيل من المحلّة رجلين، أنّهما قتلاه، ويحلف على ذلك.
وعند مالك والشافعي في القديم: يقضي القاضي له بالقود.
وعندنا: لا. فإذا قضى به، ثم يرفع إلى آخر ينقضه؛ لأنّ هذا يخالف الإجماع لهما، أنّ مالكاً لم يكن موجوداً في الصّحابة، فلا يكون قوله معتبراً.
والدليل عليه: أنّ أوّل من قضى بالقود في القسامة معاوية، فلم يكن مختلفا بين الصّحابة، وكان القضاء مخالفًا لإجماع الأصحاب، فكان للثاني أن ينقضه.
وقول صاحب المحيط (١): قضايا القضاة التي ترفع إلى القاضي على أربعة أوجهٍ:
أمّا إن كان مخالفاً للكتاب أو السنة أو الإجماع.
أو كان في محل الاجتهاد.
стр. 529
أو كان في محلٍّ فيه قول مجهولٍ.
أو كان نفس القضية مختلفاً فيها، بأن كان مخالفاً للكتاب أو السنة أو الإجماع.
فالقاضي المرفوع إليه ينقضها، ولا ينفذها؛ لأنه متى خالف النص أو الإجماع كان باطلاً وضلالاً.
مثاله: ما لو أن قاضياً قضى بشاهدٍ ويمينٍ، أو بقتل بقسامة، ثم ساق مثله سواء. وكذا في الذخيرة وغيرها، فلم يذكر الأصحاب اعتبار اختلاف الصّدر الأوّل إلا في هذا المحل. والله أعلم.
قال شيخنا (١): وبناءً على اشتراط كون الخلاف في الصَّدر الأوَّل من (٢) كون المحلِّ اجتهاديًّا.
قال بعضهم: إنَّ للقاضي أن يبطل ما قضى به القاضي المالكيُّ والشَّافعيُّ برأيه، يعني: إنَّما يلزم إذا كان قولُ مالكٍ أو الشَّافعيِّ وافق قول بعض الصَّحابة أو التَّابعين المُختلفين، فلا ينقض باعتبار أنَّه مختلفٌ بين الصَّدر الأوَّل لا باعتبار أنَّه قول مالكٍ والشَّافعيِّ، فلو لم يكن فيها قول الصَّدر الأوَّل بل الخلاف مقتضبٌ فيها بين الإمامين للقاضي أن يبطله إذا خالف رأيهُ.
[وعندي]: أنَّ هذا لا يعوَّل عليه، فإن صحَّ أنَّ مالكاً والشَّافعيَّ وأبا حنيفة مجتهدون، فلا شكَّ في كون المحلّ اجتهاديَّا، وإلاَّ فلا، ولا شكَّ أنَّهم أهلُ اجتهادٍ ورفعةٍ. انتهى.
стр. 530
قلت: يعني برأيه في مخالفة ظاهر نصٍّ لا مطلقاً كما بينته، وكما سيأتي عن بيان المراد في قول هذا البعض المشار إليه. يعني: إنما يلزم إلخ.
قلت: ظاهر صنيعهم خلاف هذا. وهو: أنه إذا اختلفوا، فمال اجتهاد مجتهدٍ بعدهم (١) إلى قول أحدهم، فقضى القاضي بذلك، ثم رفع قضاؤه إلى قاضٍ آخر يرى خلافه، ينفذه، كان أفاد الشارح حكماً، ولم يختلفوا فيه، ثم اختلف من بعدهم، فمن مالَ بظاهرٍ اعتبر قوله. ومن خالف لا يكون خلافه معتبراً إلى آخر التقدير. وهذا وإن كان مخالفاً للنص، ولكنهم يريدون أن يكون مخالفاً للإجماع أيضاً. كما صرّح به في المحيط.
قال شيخنا: فلو لم يكن فيها قولُ الصَّدرِ الأوَّل، بل الخلافُ مُقتضبٌ فيها بين الإمامين للقاضي (٢) أن يبطلهُ.
قلنا: هذا التزاماً منه لظاهر العبارة، لا أنّ أحداً صرّح به كذلك. والله أعلم.
وقول القائل الذي أشار إليه شيخنا ﵀ لم يكن تأويله إلاّ ما قال من قبله، وإن كان ظاهره ما قال شيخنا ﵀ بيان أنه قال قوله. والمعتبر الاختلاف في الصدر الأول، يريد به الاختلاف الواقع في قرن الصّحابة.
ينتفي به اختلاف مالكٍ والشافعي: أنه ليس لمعتبرٍ؛ لأنهّما لم يكونا في زمن الصّحابة، وقد مرّ زيغانه قبل هذا. انتهى.
فإذا حمل على اختلافهما فيما فيه ظاهر نصٍّ بخلافه، ولم يختلف فيه
стр. 531
أهل الصّدر الأوّل رجع إلى ما قلنا. ويريد: أن هذا مراده قوله: وقد مرّ بيانه قبل هذا. والذي مرّ بيانه نحو ما قلنا عنه. والله أعلم.
قال شيخنا (١): ولقد نرى في أثناء المسائل جعل المسألة اجتهاديَّةً، بخلافي بين المشايخ حتَّى ينفُذ القضاء بأحد القولين.
قلت: لأن ما اختلفوا فيه من مجال الاجتهاد لا أنه لا يحلّ إلا هو كما بينّاه مكرراً.
قال (٢): وفي حيض - من منهاج الشَّريعة عن مالكٍ - فيمن طلَّقها فمرَّ عليها ستَّة أشهرٍ لم تر دماً فإنَّها تعتدُّ بعده (٣) بثلاثة أشهرٍ، فإذا قضى بذلك قاضٍ ينبغي أن ينفِّذ؛ لأنَّه مجتهدٌ فيه، إلَّا أنَّه نقل مثله عن ابن عمر.
قلت: هذا غلطٌ على مالكٍ وابن عمر فيما قالا: تتربص بعد الطلاق تسعة أشهرٍ، ثم تعتد بثلاثة أشهرٍ.
والمسألة في المنظومة: لو طلّقت من طهرها، ممتد. فالأشهر التسعة مكث بعد. وبالمشهور بعدها تعتد.
وفي مجمع البحرين: وأمروا ممتدة الطهر بالأقراء لا بثلاثة أشهر، تعد التسعة، فلو قضى القاضي بما في منهاج الشريعة لم ينفذ، فإن رفع إلى قاضٍ آخر، لم يبطله؛ لأنه خارج عن أقوال العلماء. والله أعلم.
قال شيخنا (٤): ثم ذكر في المنتقى: أنَّ العبرة في كون المحلِّ مجتهداً
стр. 532
فيه اشتباه الدَّليل لا حقيقة الخلاف.
ألا ترى أنَّ القاضي إذا قضى بإبطال طلاق المكره نفذ؛ لأنَّه مجتهدٌ فيه، لأنَّه موضع اشتباه الدَّليل إذ اعتبار (١) الطَّلاق بسائر تصرُّفاته ينفي حكمه، وكذا لو قضى في حدٍّ أو قصاصٍ بشهادة رجلٍ وامرأتين، ثم رفع بعد ذلك إلى قاضٍ آخر يرى خلف ذلك ينفِّذه، وليس طريق القضاء الأوَّل كونه في مختلفٍ فيه، لأنه لا اختلاف فيه، وإنَّما طريقه أنَّ القضاء الأوَّل حصل في موضع اشتباه الدَّليل؛ لأَنَّ المرأة من أهل الشَّهادة، بظاهر (٢) قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، [يدكُ على] جواز شهادتهنَّ مع الرِّجال مطلقاً، وإنْ وردت في المداينة؛ لأنَّ العبرة لعموم اللَّفظ، ولم يرد نصُّ قاطع في إبطال شهادة النِّساء في هذه الصُّورة؛ ولو قضى بجواز نكاحٍ بلا شهودٍ نفذ؛ لأنَّ المسألة مختلفٌ فيها، فمالكٌ وعثمان البتِّيُّ (٣) يشترطان الإعلان لا الشُّهود، وقد اعتبر خلافهما؛ لأنَّ الموضع موضع اشتباه الدَّليل، إذ اعتبار النكاح بسائر التَّصرُّفات يقتضي أن لا تشترط (٤) الشَّهادة. انتهى.
قلت: حاصل هذا: أن سبب كون المحل مجتهداً فيه اشتباه الدليل القائم فيه، لا مجرد الاختلاف؛ لأنه يكون مجتهداً فيه مع الاختلاف وعدمه. فلما ثبت مع عدمه دلّ على أنّه ليس نفس السبب وهو ظاهرٌ وليس فيه ما يدل على ما قررنا به معنى قولهم. والمعتبر: الاختلاف في الصّدر الأوّل، ولا على
стр. 533
ما قرره هو؛ لأنه يكون على قوله شرطاً بمعنى العلامة، لا بمعنى العلّة. والله أعلم.
قال شيخنا (١): ولا يخفى أنَّه إذا كانت معارضة المعنى للدَّليل (٢) السَّمعيِّ النَّصَّ، توجب (٣) اشتباه الدَّليل، فيصير المحلُّ محلَّ اجتهادٍ ينفذ القضاء فيه، فكلُّ خلافٍ بين الشَّافعيِّ ومالكٍ أو بيننا وبينهما أو أحدهم، محلُّ اشتباه الدَّليل، حينئذٍ إذ لا يخلو عن مثل ذلك، فلا يجوز نقضه من غير توقُّفٍ على كونه بين الصَّدر الأوَّل. انتهى.
قلت: معارضَةُ المعنى وحده للدَّليل السَّمعيِّ النصَّ في هذه المسألة ممنوعة؛ لأنّ فيها ظواهر نصوص. وهي قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. من غير اشتراط شهادة. وفيها عمل صحابي، وهو ما روي عن ابن عمر: أنّه زوّج بغير شهودٍ، ثم خرج فأعلم.
وفيها: قول تابعيٍّ كبير.
وهو ما روي عن الحسن البصري، مثل ابن عمر. ولو كان المعنى وحده، لكان من المتفق على أنه يجب إبطاله كما تقدم مكرهاً من أنّ محلّ الاجتهاد ما لم يخالف السنة.
وقوله: القياس في مقابلة النّص باطل إلخ. فتبين: أن هذا المصنف اقتصر على ما به يظهر محل الاشتباه لإتمام ما في المسألة وحينئذٍ ذهب على ما رتب
стр. 534
على هذا الاشتباه، وأن ليس كل خلافٍ كذلك. والله أعلم.
قال شيخنا ﵀ (١): ولا [بأس] بذكر مواضع نصَّ فيها أهل المذهب بعينها إذا قضى [القاضي] بالقصاص يحلف (٢) [المدَّعي]: أنَّ فلاناً قتله. وهناك لوثٌ من عداوة ظاهرة كقول مالكٍ ألا ينفذ، لمخالفة السّنَّة المشهورة: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"، مع (٣) أنَّ معه ظاهرًا في (٤) حديث محيِّصَةُ وحُوَيِّصَةَ (٥).
قلت: تقدم عن صاحب المحيط وغيره: أنه مخالفٌ الإجماع أيضاً. ولو قضى بحل المطلقة ثلاثاً لمجرد عقد الثاني بلا دخول لقول سعيد بن المسيب: لا ينفذ بذلك أيضاً. وهو حديث العسيلة (٦).
وفي السِّير من الجامع الكبير (٧): إذا قضى أنَّ الكفَّار لا يملكون ما استولوا
стр. 535
عليه لا ينفذ، لأنَّه لم يثبت في [ذلك] اختلاف الصَّحابة، ولو قضى بنصف الجهاز فيمن طلّقت قبل الدخول، وقد قبضت المهر وتجهّزت به، لا ينفذ خلاف الجمهور.
قلت: قال أبو المعالي: ومعادلة الكتاب وقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، الله تعالى أوجب نصفَ المفروض بالطلاق قبل الدخول، والمفروض هو المسمّى في العقد والجهاز ما كان مسمّى في العقد، ولا يتنصّف، فإذا قضى القاضي بذلك بطل قضاؤه، ولو رفع إلى قاضٍ آخر كانَ له أن يبطله، ويقضي عليها بنصف المفروض انتهى.
قال: ولو قضى بعدم جواز الزوجية عن دم العبد بناءً على قول البعض: إنَّه لاحقّ لها في القصاص، لا ينفذ.
قلت: قال أبو المعالي؛ لأن هذا لا يجوز. مخالفٌ لقول الجمهور ومخالفٌ للكتاب.
قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] الآية.
أثبت لها الحق في ربع المتروك من غير فصل، فكان القضاء باطلاً. فكان للثاني أن يبطله.
قال: وحكى في الفصول فيما إذا زنى بامرأة، ثم تزوج بنتها، فقضى بجوازه.
فعند أبي يوسف: لا ينفّذ للنّص عليه.
وعند الجمهور: يجوز.
قلت التي قال فيها: للنّص عليه غير هذه الصورة.
стр. 536
فلفظه: ولو قضى بجواز نكاح مزنية الأب ومزنية الابن لا ينفذ عند أبي يوسف؛ لأنّ الحادثة منصوص عليها في الكتاب.
وعند محمّد: ينفذ.
وما روي عن ابن عبَّاسٍ موقوفاً ومرفوعاً أنه قال: "الْحَرَامُ لاَ يُحَرِّمُ الحَلاَلَ" (١).
يؤيد قول محمد، فكان مجتهداً فيه، فينفذ حكمه. كذا ذكره في المحيط (٢).
ورأيت في بعض الفوائد: القاضي إذا قضى بجواز نكاح التي زني بأمّها أو بنتها نفذ عند محمد. وعند أبي يوسف: لا ينفذ.
وذكر في المحيط (٣): إذا زنى رجلٌ بأمّ امرأته، ولم يدخل بها، فرأى القاضي أنه لا يحرمها عليه، فأقرّها معه وقضى بذلك، فنفذ قضاؤه؛ لأنه قضاء في محلّ مجتهدٍ فيه. انتهى.
قلت: وليس هذه من غرضي في هذا المقام، وإنمّا ذكرتها لتحرير العبارة. والله أعلم.
ولو عقد مؤقتاً بلفظ المتعة، نحو: متعيني نفسك عشرة أيام. لا ينفذ.
стр. 537
قلت: قال في المحيط (١): لأن هذا القضاء مخالفٌ للإجماع، فإنّ الصحابة أجمعت على فساده، وصحّ رجوع ابن عبّاسٍ ﵄ عنه.
وروي عن عائشة: أنّها منسوخة. نسختها آية الطلاق، والعمل بالمنسوخ حرامٌ.
وروي عن أبي يوسف: أنّ القضاء بالمتعة نافذٌ، لكن هو شاذٌّ لا يعمل به. انتهى.
قال: ولو قضى بسقوط المهر بالتَّقادم بلا إقرارٍ ولا بيِّنةٍ، لم ينفذ. وكذا إذا قضى أن لا يؤجَّل العِنِّينُ (٢). انتهى.
قلت: وقال في الخصّاف: ولو أن قاضياً قضى بمال القسامة، لم يكن للقاضي أن ينفذ ذلك، بل يبطله، ولا ينفذه.
قال أبو المعالي: يريد به: أنه مال الإنسان إذا تلفَ في محلّه فقضى قاضٍ بوجوب ضمان المال بالقسامة، وقاسه على النفس. فهذا القضاء باطلٌ؛ لأنه مخالفٌ للكتاب.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧].
وهذا القياسٌ فاسدٌ؛ لأنّ المال يتبدّل، والنفس لا تستبدل. فكان هذا القضاء مخالفاً للإجماع. فكان للثاني أن ينقضه.
стр. 538
قال: ولو أنّ رجلاً عتق نصف عبده أو نصف أَمَتِهِ أو كانت أمةً بين اثنين فأعتقها أحدهما وهو معدمٌ، فقضى القاضي ببيع نصفه فباعه، ثم اختصما إلى قاضٍ لا يرى ذلك؛ فإنه يبطل البيع، ويبطل القضاء، لأن هذا القضاء مخالفٌ لإجماع الصحابة. فإنّ الصحابة رجعوا.
لا يجوز استدامة الرق فيه، لكن اختلفوا.
قال بعضهم: يخرج العتق بالسعاية. وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀.
وقال بعضهم: يعتق كله. وإليه ذهب أبو يوسف ﵀.
وحينئذٍ: فكان هذا القضاء مخالفاً للإجماع، فكان باطلاً. فعلى القاضي الثاني أن ينقضه.
وفي الظهيرية: أن شمس الأئمة قال عن المشايخ: إن هذا قول الخصاف، وليس فيه عن الأئمّة شيءٌ. ولولا قوله لقلنا: ينفذ قضاؤه؛ لأنه مجتهدٌ فيه.
قال الخصّاف: ولو أنّ قاضياً قضى بخلاص دارٍ استحقّت، فأخذه القاضي بدارٍ وحكم بذلك عليه، فإن هذا إذا رفع إلى قاضٍ آخر أبطله ولم ينفذه.
قلت: قال أبو المعالي: يرد، أن الإنسان يبيع داره من إنسانٍ ويضمن له الخلاص أو غير البائع يضمن له الخلاص.
وتفسيره: أنه لو جاء مستحقٌّ فاستحقها، فهو ضامنٌ للخلاص، فيخلص الدار من يد المستحق إمّا بشراءٍ أو هبةٍ، أو بوجهٍ من الوجوه.
فإذا ضمن الخلاص بهذه الصيغة، ثم ظهر الاستحقاق فرفع إلى قاضٍ
стр. 539
آخر يرى ذلك الضمان صحيحاً، فإنه يبطله، فإنّ هذا الضمان باطلٌ، فإنَّه شرطٌ لا يقدر على الوفاء به. فلا يصحّ. فإذا قضى بصحته، كان قضاءً بصحّة الباطل، لم يكن نافذاً. وهذا الذي ذكرنا من تفسير ضمان الخلاص قول أبي حنيفة وهو اختيار صاحب الكتاب.
أمّا عند أبي يوسف ومحمد: تفسير ضمان الخلاص والدرك والعهد واحدٌ. وهو الرجوع بالثمن على البائع عند الاستحقاق.
وعند أبي حنيفة تفسير ضمان الخلاص ما بينّا.
وتفسير ضمان العهدة وضمان الصّك القديم الذي عند البائع.
قال: وكذلك قاضٍ قضى بإبطال حقّ رجلٍ في دارٍ. وذلك أنه أقام سنين لم يبطله حقه، فأبطل القاضي حقّه من أجل ذلك، ثم رفع إلى قاضٍ آخر، فإنه يبطل قضاء القاضي بذلك، ويخلص الرجل على حقه في الدّار. ولو أنّ قاضيا قضى بردّه أمةً أو عبداً اشتراه مشترٍ وقبضه، ونقد الثمن فأصاب عنده عيب. فرد القاضي على البائع بذلك بغير إقرارٍ من البائع ولا بيّنةٍ شهدت عليه، ثم رفع إلى قاضٍ آخر أبطل ذلك ولم ينفذه ليس فيها أثرٌ يحتج به. وهذا اختلاف الآثار.
وقال أبو المعالي: وخلاف الإجماع. وكذلك امرأة قد بلغت ولها زوجٌ فأعتقت رقيقاً لها أو أقرّت بذلك أو أوصت بوصايا بغير رضا زوجها. فأبى ذلك زوجها ورفعه إلى قاضٍ فأبطل فعلها، ثم ارتفعوا إلى قاضٍ آخر، فإنه ييطل حكم ذلك القاضي. وينفذ ما صنعت المرأة من ذلك كما ينفذ على الرجل.
ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢].
стр. 540
فهذا حكمٌ يخالف التنزيل، فهو مردودٌ على من حكم به.
وكذلك قاضٍ قضى بشهادة رجلٍ يشهد على حط أبيه. فهذا باطلٌ لا ينفذ حكم القاضي بذلك.
قال أبو المعالي: هذا قولٌ لا يعتبر بمقالةٍ قول الجمهور من العلماء والكتاب وهو قوله تعالى: ﴿الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. هذا لا يعلم. فإذا قضى القاضي بذلك كان القضاء باطلاً، فإذا رفع إلى قاضٍ آخر كان له أن يبطله.
وكذلك رجلٌ طلّق امرأته ثلاثاً أو حائضاً أو قبل أن يدخل بها فقضى قاضٍ بإبطال ذلك أو أبطل بعضه أو رفع إلى قاضٍ آخر لا يرى ذلك؛ فإنه يبطل قضاء القاضي بذلك، وينفذ على الرجل ما كان منه.
وقال في المحيط: بدل قوله: أو بعضه أو بوقوع واحدٍ؛ فإنه لا ينفذ؛ لأنه إن كان على قول أهل الزيغ إذ أوقع الثلاث في حالة الحيض أو في طهرٍ جامعها فيه، لا يقع أصلاً.
وعلى قول الحسن البصري: إذا وقعَ الثلاث يقع واحدة.
لكن كلا القولين باطلٌ؛ لأنه مخالفٌ لكتاب الله تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
فإنّ المراد منه: المطلقة الثلاثة.
وفي المنتقى: ولو طلّق امرأته ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ أو في طُهرٍ جامعها فيه.
وقال في الينابيع: ومثال ما خالف الإجماع ما إذا حكم بجواز نكاح الجدة أو بنكاح امرأة الجدّ أو بنكاح الغافلة.
стр. 541
وكذلك لو أخرج الحرّ من العبيد بالقرعة، فرفع إلى قاضٍ يرى بطلان القرعة، ولو حكم بجواز نكاح ابنته من الزنا، فللثاني أن يبطل نكاحها.
وفي الظهيرية: لوقوف القاضي بين الزوجين بشهادة امرأةٍ بالرّضاع. يرد قضاؤه.
والقاضي إذا قضى لولده على أجنبيٍّ بشهادة الأجانب. لا يجوز. فإن رفع قضاؤه إلى قاضٍ آخر أبطله الثاني.
ولو قضى بشهادة ولده لأجنبيٍّ في القذف وهو يرى ذلك فرفع ذلك إلى قاضٍ آخر لا يرى جوازه لا يبطله الثاني.
وذكر شيخ الإسلام المعروف بِخُواهر زَاذَهْ (١): هذا إذا كان القاضي الثاني يعرف أنّ الأوّل يرى جوازه بأن قال الأوّل: لا. حينئذٍ لي ذلك.
أما إذا علم أنّ الأوّل لا يرى جوازه. كان للثاني أن يبطله. وكذا وقع في أقضية الجامع. والله أعلم.
قلت: فعلمَ من هذا: أن القضاء إذا أخطأ مذهبه لغيره أن يبطل قضاءه، وإن لم يكن من مقلدي إمامه كما قاله أبو عمرو ابن الصلاح الشافعي في فتاواه (٢).
الأول: ولو كان هو المحدود في القذف فيرفع حكمه إلى قاضٍ لا يرى جوازه أبطله.
الثاني: لأن القضاء نفسه مختلفٌ فيه، وكذلك لو قضى لامرأته
стр. 542
بشهادة رجلين: لا يجوز.
وإذا قضى الأعمى في حادثةٍ، ثم رفع قضاؤه إلى من لا يرى قضاءه، فإنه يبطل قضاءه.
وفي الفصول: إذا كان الزوج غائباً فرفعت الامرأة الأمر إلى القاضي وأقامت البينة: أنّ زوجها الغائب محاجز عن النفقة، وطلبت من القاضي أن يفرق بينهما، ففرّق بينهما.
قال مشايخ سمرقند: جاز تفريقه.
قال صاحب الذخيرة: الصحيحُ: أنه لا يصحُّ قضاؤه؛ لأن العجز لا يعرف حالة الغيبة، فإن رفع هذا القضاء إلى قاضٍ آخرَ فأجاز قضاءه. والصحيح: أنه لا ينفذ؛ لأنّ هذا القضاء ليس في فصل مجتهدٍ فيه لِما ذكرنا: أنّ العجزَ لم يثبت.
قلت: فيؤخذ من هذا: أن للقاضي أن يبطل ما يقضي به بشهادة المحدودين. والله أعلم.
وذكو فيها أيضاً: إذا تزوج امرأةً عشرة أيام، فأجاز قاضٍ من القضاة جازَ؛ لأنّ عند زفرٍ: إذا تزوج امرأة إلى شهر يصحُّ ويبطل ذكر الوقت.
وفي فتاوى رشيد الدين: الثاني إذا طلّقها بعد، ثم تزوجها ثانياً وهي في العدة، ثم طلقها قبل فتزوجها الأول قبل انقضاء العدة، وحكم الحاكم بصحة هذا النكاح ينفذ؛ لأن للاجتهاد فيه مساغاً، وهو صريحٌ في النّص، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [إِذَا] نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية.
стр. 543
وهو أيضاً مذهب زفر.
قلت: لا يصح هذا من القاضي الحنفي؛ لأن الإمام إنّما ولاّه الحكم بمذهب أبي حنيفة وما نقل الأصحاب من أمثال هذا فهو فيما إذا ولّى الإمام القاضي المجتهد ولايةً مطلقةً مثل ما كان لأبي يوسف ونحوه. والله أعلم (١).
ولو قضى بشهادة الابن لأبيه، وبشهادة الأب لابنه؛ لا ينفذ عند محمّدٍ خلافاً لأبي يوسف.
قلت: الرجحان لقول محمّدٍ؛ لأن هذا قضاء مخالفٌ للسنة وهو حديث عائشة ﵁، عن النبي ﷺ قَالَ: "لاَ تَجُوزُ (٢) شَهادَةُ الْوَالِدِ لِوَلدهِ، وَلاَ الْوَلَدُ لِوَالِده" (٣).
стр. 544
وهو نحو حديث: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِشُهُودٍ" (١). والله أعلم.
ولو قضى القاضي بجواز بيع الدرهم بالدّرهمين، فلمّا آخَرَ أن يبطله.
ولو قضى بجواز بيع الشرب وحده ليس لغيره أن ينقضه. وإن نقض ليس لغيره أن يجيزه.
وفي القضاء بجواز بيع أم الولد. روايات أظهرها: أنه لا ينفذ.
وفي الخانية: إذا راجع الرجل امرأته بغير رضاها، ورفع الأمر إلى قاضٍ يرى أن رضا المرأة شرطٌ وأبطل الرجعة.
قيل: ينبغي أن لا ينفذ قضاؤه. وأصحابنا يدّعون الإجماع في أنّ رضا المرأة ليس بشرطٍ بصحة الرّجعة. ويمنع أصحاب الشافعي. وهذا لا يُصَيِّر المحل مجتهداً فيه، فلا ينفذ قضاؤه.
رجلان يشهدا على إقرار امرأة بأنّ زوجها بريء من كل شيءٍ كان لها عليه، فطلّقها. فقضى القاضي بأن الطلاقَ بائنٌ. قال: لا ينفذ. وهذا الحاكم جاهلٌ.
وفي قضاء الجامع: أنه يتوقف على إمضاء قاضٍ آخر إن أمضى ذلك القاضي نفذ، كان أبطل بطل. وهذا أوجه الأقاويل، وإن كان أبرأ القاضي وصي
стр. 545
اليتيم لم يجز قضاؤه له في أمر اليتيم؛ لأنّ حقّ القبض فيما يقضي به لليتيم يثبت للوصي، فيكون بمنزلة قضائه لابنه، ولو وَكَّلَ (١) رجل القاضي وقال له: ما صنعت من شيءٍ فهو جائز، فوكل القاضي وكيلاً يخاصم إليه، جاز التوكل؛ لأن الموكل أجاز صنعه على العموم، ولكن لا يجوز قضاءه للوكيل؛ لأنه يكون ذلك كقضائه لنفسه من وجهٍ؛ لأنه وكيله. وكذلك لو كان وكيل ابنه بعض من لا يجوّز شهادة له.
ولو أنّ رجلاً أوصى للقاضي بثلث ماله أو أوصى إلى رجلٍ لم يجز قضاء القاضي لذلك الميت بشيءٍ من الأشياء؛ لأنّ له نصيباً فيما يقضي به للميت. وكذلك إذا كان القاضي أحد الورثة للميت؛ لأنه قضاء لنفسه. وكما لا يجوز أن يقضي عند دعوى القاضي، وكذلك عند دعوى الوكيل من الوصي. وكذلك إذا كان الموصى لابن القاضي أو امرأته.
ألا ترى: أنه لا يصح (٢) للشهادة فيما يدّعي للميت، فكذلك لا يصلح القضاء.
وكذلك إذا كان للقاضي على الميت دينٌ؛ لأنّ بهذا القضاء يمهد محل حقّه.
وفي الجامع الكبير: رجلٌ ماتَ وله على القاضي دَينٌ أو امرأته أو بعض أقاربه ممن لا يقبل شهادة القاضي له دينٌ وله وصيُّ فدفع مَنْ عليه الدين للوصي، ثم ادّعى الوصي الوصاية، وشهد رجلانٍ: أنّ الميت أوصى إليه فقضى
стр. 546
بالوصاية. لا ينفذ، ولا يبرأ.
فلو مات القاضي أو عُزلَ فجحدت الورثة الوصاية، فقامت البينة على القضاء بها، أبطل الثاني القضاء الأوَّل، وأخذ المال من القاضي أو ابنه.
قال في التحرير (١): سوّى محمّد في الجامع في الجواب بين القاضي وبين امرأته وابنه.
وقال مشايخنا: يجب أن يكون الجواب في امرأته وابنه خلاف الجواب في نفسه؛ لأن قضاء القاضي لنفسه باطلٌ بالإجماع، فلا يتوقف نفاذه على قضاء قاضٍ آخرَ.
وأمّا قضاؤه لابنه وامرأته فمختلفٌ فيه، فمتوقفٌ على قضاء قاضٍ آخَرَ.
ولو ادّعى رجلٌ: أنه ابن الميت ووارثه، لا وارث له غيره، فأمضى القاضي الدين، ثم قضى بالنسب بعد ذلك، لم يجز.
ولو أمضى هذا القضاء قاضٍ آخرَ، لا ينفذ؛ لأنه قضى لنفسه والأمة مجمعة على بطلانه. وكذا لو كان الوارث غائبًا، ولم يدع وصياً، فدفع القاضي الدين للرجل، ثم نصبه وصياً.
ولو غاب رب الدين وادّعى رجلٌ: أنه وكّله بقبض ديونه التي له بالكوفة. أو قال: يقبض ديونه التي له على القاضي أو على أحدٍ من قرابته وأقام البينة. وقضى القاضي بالوكالة، لم ينفذ قضاؤه، ولم يبرأ من الدين إذا دفع إليه.
ولو مات أو عزل، ثم رفع ذلك إلى قاضٍ آخر، أبطل ذلك.
стр. 547
فلو قضى بالوكالة، ثم دفع الدين، ثم رفع الأمر إلى قاضٍ آخر، فأمضاه وجؤزه، ثم رفع إلى قاضٍ آخر ثالث يرى القضاء الأوّل باطلاً، فإنه يجيز ما أمضاه القاضي الثاني، وليس له أن يبطله.
علل في الكتاب فقال: لأنه أمضى فعلاً مختلفاً فيه.
أشار بذلك إلى أن من الفقهاء من يجيز القضاء بالوكالة، كما يجيز بالوصاية؛ لأنّ الوصيّ كالوكيل بعد الوفاة. والوكيل قبل الوفاة وبعد الوفاة سواء، فإذا أمضى الثاني فقد أجاز قضاءً مختلفاً فيه بعد قضائه، فإذا رفع إلى ثالثٍ ليس له أن يبطله كان لم يكن مختلفاً فيه، فهو في محلّ الاجتهاد ليس بخلافه نصٌّ، ولا إجماعٌ، فينفذ على الكل، ولو كان القاضي الثاني أبطل القضاء الأول، لا يكون لغيره أن يجيزه بعد ذلك؛ لأنه أبطل فصلاً مجتهداً فيه، فينفذ على الكل.
ولو أنه قضى الدين أوّلاً، ثم قضى بالوكالةِ، ثم رفع ذلك إلى قاضٍ آخر وأمضاه ورآه جائزاً، ثم رفع إلى قاضٍ ثالثٍ يرى ذلك باطلاً، فإنه يبطل ذلك كله ويرده؛ لأنّ الثاني أجاز قضاءً باطلاً؛ لأنّ القاضي قضى لنفسه من كلّ وجهٍ، فإنه مجتهدٌ فيه، وأنَّه باطل بالإجماع، فلم يصحّ إمضاؤه.
فأمّا في الفصل الأوّل: لم يكن القضاء لنفسه من كل وجهٍ، فإنه مجتهدٌ فيه كالثاني أمضى قضاءً مجتهداً فيه. انتهى بتحرير التحرير على الجامع الكبير.
وفي الخانية: القاضي إذا قضى بأقضيةٍ يختلف فيها الناس، أو قضى لرجلٍ على رجلٍ بحقٍّ وأشهد على قضائه شهوداً ولم يبين بأيّ وجهٍ قضى، ثم رفع ذلك إلى قاضٍ آخر فقال: اشهدوا أني قد أبطلت ما قضى فلان بن فلانٍ القاضي على فلانٍ بن فلان، ونقضت قضاءه للأمر. تحقق عندي إبطاله وقال:
стр. 548
اشهدوا أني قد أبطلت ما قضى فلانٌ على فلانٍ ولم يدل على ذلك شيءٌ، ثم رفع ذلك إلى قاضٍ ثالث، فإن الثالث ينقض الثاني، ويبطل ما أبطله الثاني.
قال محمّد: والاثنان في ذلك سواء.
وفي الينابيع: قاله أبو يوسف.
وفي نوادر هشام: إذا كان الجور من القاضي غالباً ردت قضاياه وشهادته، وإن كان الغالب منه الخير، لم أرد.
وقال أبو حنيفة: لو قضى القاضي زماناً بين الناس وأنفذ قضايا كثيرة، ثم علم أنه كان فاسقاً مرتشياً لم يرد ذلك منذ ولي القضاء.
ينبغي للقاضي الذي يختصمون إليه أن يبطل كل قضية قضى بها.
وفي التتارخانية (١)، عن التتمة (٢): القاضي المقلّد إذا قضى على خلاف مذهبه لا ينفذ قضاؤه.
стр. 549
ولله الحمد على ما أنعم وأولى في الآخرة والأولى.
وصلى الله على سيدنا محمّد خاتم النبيين والمرسلين وآله وصحبه أجمعين.
تمت عن خط من نسخة من نسخة الموفق (١) - رحمه الله تعالى -.
стр. 550
مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا
[١٩]
تَحْرِيرُ الأَقْوَالِ في مَسْأَلَةِ الاسْتِبْدَالِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 551
(١٩) تَحْرِيرُ الأَقْوَالِ في مَسْأَلَةِ الاسْتِبْدَالِ
قال - رحمه الله تعالى -:
قد رفع إلي بعض أهل سؤالًا صورته في ناظر شرعيٍّ على قرية، والقرية وقفٌ على جهاتٍ معينة، في كتاب وقفه، فاستبدل القرية المذكورة بقطعةِ أرضٍ، على أنّ القطعة المذكورة أكثر غلّة وأقرب استغلالاً، وأن الغبطة والحظ والمصلحة لمستحقي ريع القرية المذكورة في استبدال القرية بالقطعة الأرض.
وثبت ذلك على حاكمٍ يرى صحّة الاستبدال، وجواز العمل به على الوجه المشروح فيه، ونفذ ذلك الحكم على نصيحة المذاهب الثلاثة، ثم بعد ذلك تبين: أن القطعة المذكورة لم تكن أكثر غلّة، ولا أقرب استغلالاً، ولا غبطة، ولا مصلحةً لمستحقي ريع القرية المذكورة، وأنّ بعض القطعة المذكورة غرسٌ. وبعضها خوارٌ لا ينتفع بذلك. ولها عادة قديمة بنزول الجند فيها، يصلح فيها للزراعة، وزرعه من غير أجرةٍ. واستمرار ذلك بأيديهم بطريق الشوكة، وعادتهم المستقرة لهم في عرف الإطلاق.
والقطعة المذكورة معروفة قديماً بأناسي، بمقتضى أنها منزلة باسمهم ووقفاً مجلياً عليهم في ديوان الاحتباس، شهد لهم بذلك الديوان والتواقيع التي بأيديهم إلى الآن، وكل وقتٍ ينازعون واضع اليد على القطعة المذكورة
стр. 552
ويشكونه من أبواب الأمر أو غيرهم، فهل يكون هذا الاستبدال والحالة ما ذكر، وأنّ القرية المذكورة هي التي أكثر غلّة وأقرب استغلالاً باطلاً غير صحيح. ولا يعول عليه، ولو حكم به ونفّذ، وللنّاظر ومستحقي القرية المذكورة طلب الفسخ إذا أرادوا ذلك في الاستبدال المذكور واسترجاع القرية المذكورة، وردّ القطعة المذكورة أو طلب عوضٍ في مقابلة ذلك من أرضٍ أو بناءٍ أو ما يقوم مقام ذلك من النفع القائم مقام القرية المذكورة أم لا؟.
فكتبت له ما صورته:
الحمد لله. ربِّ زدني علماً.
هذا الاستبدال باطلٌ لو كانت القطعة الأرض المذكورة أكثر غلّة وأقرب استغلالاً، وأقلّ كلفة، وأكثر خراجاً، وملكاً خاصًّا للمستبدل، إذ ليس شيء من ذلك مسوّغاً للاستبدال عند من يراه من علمائنا، وإنما يعتمد ذلك مسوّغاً جهلاً أو تلبيساً، ولا أثر للحكم بذلك، ولا للثناء فيه، ولا تحتاج إلى طلب الفسخ، بل القرية الموقوفة وقفاً على ما كانت عليه، ولا يصح طلب العوض عنها بوجهٍ، وعلى كلّ حاكمٍ رفع إليه هذا الأمر، رفع الأيدي عن القرية الوقف واسترجاع الأجر لمدةِ هذا الاستبدال الباطل إقامةً للقسط الذي أمر الله به بإجراء الأحكام الشرعية على وجهها، ورفع الأيدي المبطلة عن ملك الله . وتحصيل مقاصد الواقفين الذين صاروا إلى الله تعالى مفتقرين إلى ما يصل إليهم من ثواب ما قدّمت أيديهم، وثواب الفقراء المستحقين للريع، وتخليص المستبدل من أكل الحرام على ظنّ الحلال إن كان لا يعلم بحقيقة الحال، إلى غير ذلك من الوجوه التي ترتب عليها قوله ﷺ : "إن الْمُقْسِطِينَ فِي الدُّنْيا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نوُرٍ عَنْ يَمِينِ الرّحمَنِ، وكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ
الشَّك من هشيم (١).
وقوله ﷺ : "يَوْمٌ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً" (٢).
وقوله ﷺ : "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ" (٣) الحديث.
فلما وقف على هذا، سألني عن حجتي على ما أجبته به، فكتبت له:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:
стр. 555
فيقول راجي عفو ربه الكريم قاسم بن قطلوبغا الحنفي:
إنّك قد سألتني عن مستندي فيما كتبته لك من جواب فتياك في إبطال استبدال الأرض التي اعتمد الحاكم في جواز استبدالها على قول المشهور: إن المستبدل به أكثر غلّةً، وأيسر استغلالاً. . . إلخ.
فأقول مستعينا بالله، إنه حسبي ونعم الوكيل:
لا خلاف بين العلماء: أن هذه المسألة لا تتأتّى على قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يرى لزوم الوقف، وإنما الجواب على قول صاحبيه.
وقد اتفق فقهاء المذهب: على أنّ الأصل في الوقف: أن لا يوهبه، ولا يورث أصلاً، ولا يباع، ولا يستبدل به إلاّ بشرط الواقف ذلك لنفسه أو لغيره مرةً أو مراراً عند أبي يوسف، كان لم يشترط ذلك، ودعت الحالة إلى الاستبدال، وظهرت المصلحة فيه.
قيل: روي عن أبي يوسف: أنّ ذلك جائز للحاكم.
وعند محمّدٍ: لا عبرة بهذا الشرط، ولا يجوز الاستبدال إلا أن يكون بالعين الموقوفة خللٌ ظاهرٌ، وتظهر المصلحة في الاستبدال.
ثم اختلفت الرواية عنه: هل يملك ذلك النّاظر والواقف أم الحاكم.
وما قيل: إنّ للحاكم الاستبدال إذا رآه مصلحةً. فمعناه: عند حصول الخلل.
ودليلي على هذه المسألة من المنقول: المذهبية والآثار السنية.
ما قاله في الهداية وعامة الكتب: الوقف في الشرع على قولهما: حبس العين على حكم ملك الله تعالى، فيزول ملك الواقف إلى الله تعالى على وجهٍ
стр. 556
تعود منفعته إلى العباد، فيلزم ولا يباع ولا يورث.
ثم قال: وإذا صحّ الوقف، لم يجز بيعه، ولا تمليكه.
ثم قال: الواجب: أن يبدأ من ارتفاع الوقف بعمارته شرط ذلك الواقف أو لم يشترط؛ لأنّ قصد الواقف صرف الغلّة مؤبداً، ولا تبقى قائمة إلا بالعمارة ثم قال: إن كان الوقف على الفقراء؛ لأنه لا يظفر بهم، وأقرب أموالهم هذه الغلة، فيجب فيها، وإن كان الوقف على رجلٍ بعينه وآخره للفقراء فهو في ماله إن شاء في حال حياته، ولا يؤخذ من الغلة؛ لأنه معين يمكن مطالبته، وإنما يستحقّ العمارة عليه بقدر ما يبقى الموقوف على الصفة التي وقفه، فإن خرب يبنى على ذلك الوصف، ثم قال: فإن وقف داراً على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى، فإن امتنع عن ذلك أو كان فقيراً أجّرها الحاكم وعمّرها بأجرتها. ثم قال: ولا يجبر الممتنع ولا يكون امتناعه رضاءً منه ببطلان حقه. ثم قال: وما انهدم من بناءِ الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارةٍ إن احتاج، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارةٍ فيصرفه فيها؛ لأنه لا بد من العمارة لتبقى على التأبيد فيحصل مقصود الواقف. وعلى هذا تواترت عباراتهم في عامّة الكتب.
وقال هلالٌ في وقفه: قلت: أرأيت الصرفة إذا احتاجت إلى العمارة، ولم يكن عند القائم بها ما يعمرها. أترى له أن يستدين عليها؟.
قال: لا.
قال في الذخيرة بعد هذا:
وعن الفقيه أبي جعفر: أن القياس هذا. لكن يترك القياس فيما فيه ضرورة نحو أن يكون في أرض الوقف زرعٌ فكلها الجراد، ويحتاج القسم إلى النفقة
стр. 557
لجمع الزرع أو طالبه السلطان جاز له الاستدانة؛ لأن القياس يترك بالضرورة.
قال: والأحوط في هذه الضرورة: أن يكون بأمر الحاكم؛ لأن ولاية الحاكم أعمّ في مصالح المسلمين.
ومن السنة والآثار:
ما روى الجماعة (١)، عن ابن عمر: أَنْ عُمَرَ أَصَابَ أَرضاً مِنْ أَرضِ خَيْبَرَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَصَبْتُ أَرضاً بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تأمُرُنِي؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصلَها، وتَصَدَّقْتَ بِها". فَتَصَدَّقَ بِها عُمَرُ عَلَى أَنْ لا تُبَاعَ وَلاَ تُوهبُ وَلا تُورَثُ، [وَتَصَدَّقَ بِها] فِي الْفُقَرَاءِ، وَذِي الْقُرْبَى، وَ [فِي] الرّقَابِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، لا (٢) جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَها أَنْ يَكلَ مِنْها بِالْمَعرُوفِ، ويطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ (٣). وفي لفظٍ (٤): غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ (٥) مَالاً.
وفي لفظٍ: أنَّ النبي ﷺ قال له: "احْبِس أَصلَها، وَسَبِّلْ ثَمَرتها". رواه
стр. 558
النسائي (١)، وابن ماجه (٢).
وعزي للفظ البخاري (٣): "تَصَدّق بأصلِهِ، لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوْهبُ، وَلاَ يُوْرَثُ، وَلَكِنْ يُنْفِقُ ثَمَرة (٤) ". فتصدّق به عمر.
وما روى الإمام أبو بكر الخصاف في كتاب الوقف (٥) بإسناده نحو هذا.
وما أخرج عن عنبسة (٦) قال: تصدّق عثمان بن عفان لنا في أمواله على صدقة عمر.
وما أخرج من طريق فروة بن أذينة قال: رأيت كتاباً عند عبد الرحمن ابن أبان فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذا ما تصدّق به عثمان بن عفان في حياته، تصدّق بماله الذي بخيبر يدعا مال ابن أبي الحقيق على ابنه أبان بن عثمان صدقة بثلثه، لا يشتري أصلاً أبداً، ولا يوهب، ولا يورث. شهد علي ابن أبي طالب وأسامة بن زيد وكتب.
وما أخرج، عن طريق عبد العزيز بن محمد، عن أبيه، عن علي بن [أبي] طالبٍ: أنّه تصدّق بما أقطعه عمر بن الخطاب مع ما اشتراه هو على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الله وابن السبيل، القريب والبعيد، في السلم والحرب،
стр. 559
ليصرف الله النار بها عن وجهه، يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه.
وأخرجه من طريقٍ آخرَ: أنه تصدّق بأرضٍ له بإبلاً بيقي بها وجهه من جهنم، على مثل عمر. غير أنه لم يستثن منها للوالي شيئاً كما استثناه عمر.
وما أخرجه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام: أنه جعل دوره على بنيه، لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، وأن للمردودةِ من بناته أن تسكن غير مضرّةٍ ولا مضرّ بها، فإذا استغنت بزوجٍ فليس لها حقٌّ (١).
وما أخرجه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكٍ وأبي قتادة قال: كان معاذ بن جبلٍ أوسع أنصاري بالمدينة ريعاً، فتصدق بداره التي يقال لها دار الأنصار اليوم، وكتب صدقته وذكر القصة.
وما أخرجه عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لم نرض خيراً للميت ولا للحي من هذه الحُبُس الموقوفة. أنها الميت: فيجري أجرها عليه. وأمّا الحي: فتحبس عليه لا تباع ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها. وإنّ زيد بن ثابتٍ جعل صدقته التي وقفها على بنيه صدقة عمر بن الخطاب، وكتب كتاباً على كتابه.
стр. 560
وما أخرج عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: صدقة أبي حَبْسٌ لا تباع ولا توهب ولا تورث، وإن للمردودة من ولده أن تسكن غير مضرّة ولا مضرٍّ بها حتى تستغنِي. الحديث.
وما أخرج عن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه: أن خالد بن الوليد حبس داره بالمدينة: لا تباع ولا تورث.
وما أخرج عن يحيى بن عبد العزيز، عن أهله: أن سعد بن عبادة تصدق بصدقة عن أمه فيها سقي الماء، ثم حبس عليها مالاً من أمواله على أصله، لا تباع ولا توهب ولا تورث.
وما أخرج عن أبي سعاد الجهني قال: شهدت عقبة بن عامرٍ الجهني على دارٍ تصدّق بها حبساً، ولا تباع ولا توهب ولا تورث على ولده وولد ولده، فإن اقترضوا فعلى أقرب الناس مني حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وما أخرج عن أبي سودة قال: شهدت أبا أروى الدينوري تصدّق بأرضه، لا تباع ولا تورث أبداً.
وما أخرج عن أسماء بنت أبي بكرٍ: أنها تصدقت بدارها صدقةَ حبسٍ لا تباع، ولا توهب، ولا تورث.
وما أخرج عن موسى بن يعقوب، عن عمته، عن أمها قالت: شهدت صدقة أم سلمة زوج النبي ﷺ صدقة حبساً لا تباع ولا توهب.
وما أخرج عن عبد الله بن بسر قال: قرأت صدقة أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ التي بالغابة، أنها تصدقت على مواليها وعلى أعقابها وأعقاب أعقابهم حبسٌ لا يباع ولا يوهب ولا يورث.
стр. 561
وعن منيب المزني قال: شهدت صدقة صفية بنت حيي بدارها لبني عبدان صدقة حبساً لا تباع ولا توهب ولا تورث حتى يرث الله الأرض ومن عليها. شهد على ذلك نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ .
وأمّا شرط أبي يوسف: فعلى هلال الرّاوي تلميذ أبي يوسف في كتابٍ وقفه في باب الرجل يقف الأرض على أن يبيعها. قلت: أرأيت لو كان صدقةً موقوفةً لله إبراءً، ولم يشترط أن يبيعها، أله أن يبيعها أو يستبدل بها ما هو خيرٌ منها؟. قال: لا يكون له ذلك إلا أن يكون شَرَطَ البيع، وإلا فليس له أن يبيع. قلت: ولم لا يجوز ذلك وهو خيرٌ للوقف؟! قال: الوقف لا يطلب به التجارة ولا يطلب به الأرياح، وإنما سميت وقفاً لأنها لا تباع، وإنما جوزت ذلك إذا شرطت في غيره الوقف؛ لأنّ الواقف إنما وقف على مثل ذلك، ولو جاز له بيع الوقف بغير شرطٍ كان في أصله، كان له أن يبيع ما استبدل بالوقف، فيكون الوقف يباع في كل يومٍ، وليس هكذا. قلت: أرأيت لو كانت الأرض الموقوفة سبخةً لا ينتفع بها. قال: وإن كانت سبخةً لا ينتفع بها، ليس له أن يبيعها؛ إلا أن يشترط ذلك.
وفي الخلاصة: ثم ليس له أن يستبدل الثانية بأرضٍ ثالثةٍ؛ لأنّ هذا الحكم يثبت الشرط والشرط وجد في الأولى دون الثانية، وصرّح به في وقف الخصاف.
وذكر أنه إذا أراد ذلك أن يكون له مراراً كان له ذلك بأن يجعله شرطاً في أصل الوقف. وهكذا فعله الإمام أبو بكر الخصّاف في كتاب وقفه.
وذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأنصاري البصري صاحب زفر في كتاب وقفه، وكذا الإمام رشيد الدين سعيد في مختصره، وقال في
стр. 562
جزءٍ: إنه الأكمل ولو لم يشترط البيع في الوقف، لا يصح بيعه ولا استبداله، وإن كان الثاني خيراً من الأوّل.
وقال في الذخيرة والخلاصة وقاضي خان وغيرهم: إنّ هذا قول أبي يوسف وعليه الفتوى.
وأمّا إذا لم يشترط الواقف ذلك.
وفي أدب القاضي لأبي بكر الرازي: كان لم يشترط ذلك. قيل: للقاضي ولاية الاستبدال إذا رآه مصلحةً في رواية عن أبي يوسف. وليس لغير القاضي.
وقيل: ليس للقاضي ذلك.
وقال في الفتاوى التتارخانية (١): أما بدون شرطٍ.
أشار في السير: إلى أنه لا يملك الاستبدال إلا القاضي إذا رأى المصلحة في ذلك.
وأمّا شرط محمّد:
فقال في الذخيرة، عن محمَّدٍ: إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن الاستغلال، والقيِّمُ يجد بثمنها أرضاً أخرى أكثر ريعاً، له أن يبيع بها هذه الأرض، ويشتري بثمنها ما هو أكثر ريعاً.
وقال قاضي خان: روي عن محمَّدِ: إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن الاستغلال، والقيِّمُ يجد بثمنها أرضاً أخرى، وهي أنفع للفقراء وأكثر ريعاً، كان له أن يبيع هذه الأرض ويشتري بثمنها أرضاً أخرى (٢).
стр. 563
وعلى هذا: تواردت عبارة المصنفين.
وأمّا الرواية الأخرى عن محمّد فقال في المنتقى، عن محمد: إذا صار الوقف بحالٍ لا ينتفع به المساكين فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره. وليس ذلك إلاّ للقاضي.
وقال في شرح السير الكبير: وعن الحسن البصري: لا بأس أن يستبدل بالحبس من علةٍ بهِ. ويكره من غير علّةٍ؛ لأنّ من حبسه رضي بحبسه لا بالاستبدال.
وأمّا إذا كان بِغَلّةٍ، فإنّ قولهم: زوالها كالمرض. كره الاستبدال به عند أبي يوسف ومحمد.
وعند أبي حنيفة: لا يكره؛ لأنّ الحبس عنده غير لازمٍ حتى جاز البيع والرجوع عنه.
فكذا الاستبدال. وعندهما لازمٌ ليس لصاحبه أن يبيعه بعدما مرضَ. فكذا ليس لغيره إلَّا أن يصير بحيث لا يتوهم زوال العلّة نحو إن صار بحالٍ لا يستطاع القيام عليه أو كبرَ، فلا بأس بأن يباع ويشترى بثمنه حبساً مكانه إن أمكن تحصيلاً لغرض الحابس، وإلَّا غُري بالثمن عن صاحبه.
وأمّا أن الرواية المطلقة مقيّدة بما ذكرت، فلما صرحوا به من أنّ الوقف لا يطلب به الاسترباح، وأن ليس الوقف.
(٢٠) مَسْأَلةٌ في الوَقْتِ وَاشْتِرَاطِ النَّظَرِ لِلأَرْشَدِ فَالأَرْشَدِ
قال - رحمه الله تعالى -:
وسئلت عن واقفٍ شرط أن يكون النظر للأرشد فالأرشد من أولاده وأولاد أولاده، وأثبتت بنت الواقف أنها أرشد الموجودين.
وحكمَ لها بذلك، ثم بعد مدّةٍ أثبت ابن ابن الواقف أنه أرشد الموجودين، وحكم له أيضًا بذلك مع بقاء الحجة. فمن يستحق النظر أبنت الواقف لتقدم ثبوتها والحكم لها أو ابن ابن الواقف لوجود ثبوت الصفة المشروطة بعد ذلك؟ وهل يقاس على ما ذكره الخصّاف في أحكام الوقف؟.
قلت: فإن قال على أن ولاية هذه الصدقة إلى الأفضل فالأفضل من ولدي. وتولاها أفضلهم، ثم صار في ولده من هو أفضل من الذي تولاها الأوّل أو يشتركان. أفتونا مأجورين وابسطوا في الجواب.
فكتبت:
الحمد لله. ربّ زدني علمًا.
لم نقف لعلمائنا - رحمهم الله تعالى - على كلام في ولاية الأرشد على الوقف، والرشد عنهما: صلاح المال، ولا شكٌ إذ أرشد أفعل تفضيل. وفيه: لا بد أن يكون المفضل والمفضل عليه مما يصدق عليهما الاسم بالتواطؤ. ولأحدهما الزيادة فيه. هذا لصدق الاسم. وليس بكافٍ في الشرع كما نصّ