وعن منيب المزني قال: شهدت صدقة صفية بنت حيي بدارها لبني عبدان صدقة حبساً لا تباع ولا توهب ولا تورث حتى يرث الله الأرض ومن عليها. شهد على ذلك نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ .
وأمّا شرط أبي يوسف: فعلى هلال الرّاوي تلميذ أبي يوسف في كتابٍ وقفه في باب الرجل يقف الأرض على أن يبيعها. قلت: أرأيت لو كان صدقةً موقوفةً لله إبراءً، ولم يشترط أن يبيعها، أله أن يبيعها أو يستبدل بها ما هو خيرٌ منها؟. قال: لا يكون له ذلك إلا أن يكون شَرَطَ البيع، وإلا فليس له أن يبيع. قلت: ولم لا يجوز ذلك وهو خيرٌ للوقف؟! قال: الوقف لا يطلب به التجارة ولا يطلب به الأرياح، وإنما سميت وقفاً لأنها لا تباع، وإنما جوزت ذلك إذا شرطت في غيره الوقف؛ لأنّ الواقف إنما وقف على مثل ذلك، ولو جاز له بيع الوقف بغير شرطٍ كان في أصله، كان له أن يبيع ما استبدل بالوقف، فيكون الوقف يباع في كل يومٍ، وليس هكذا. قلت: أرأيت لو كانت الأرض الموقوفة سبخةً لا ينتفع بها. قال: وإن كانت سبخةً لا ينتفع بها، ليس له أن يبيعها؛ إلا أن يشترط ذلك.
وفي الخلاصة: ثم ليس له أن يستبدل الثانية بأرضٍ ثالثةٍ؛ لأنّ هذا الحكم يثبت الشرط والشرط وجد في الأولى دون الثانية، وصرّح به في وقف الخصاف.
وذكر أنه إذا أراد ذلك أن يكون له مراراً كان له ذلك بأن يجعله شرطاً في أصل الوقف. وهكذا فعله الإمام أبو بكر الخصّاف في كتاب وقفه.
وذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأنصاري البصري صاحب زفر في كتاب وقفه، وكذا الإمام رشيد الدين سعيد في مختصره، وقال في
стр. 562
جزءٍ: إنه الأكمل ولو لم يشترط البيع في الوقف، لا يصح بيعه ولا استبداله، وإن كان الثاني خيراً من الأوّل.
وقال في الذخيرة والخلاصة وقاضي خان وغيرهم: إنّ هذا قول أبي يوسف وعليه الفتوى.
وأمّا إذا لم يشترط الواقف ذلك.
وفي أدب القاضي لأبي بكر الرازي: كان لم يشترط ذلك. قيل: للقاضي ولاية الاستبدال إذا رآه مصلحةً في رواية عن أبي يوسف. وليس لغير القاضي.
وقيل: ليس للقاضي ذلك.
وقال في الفتاوى التتارخانية (١): أما بدون شرطٍ.
أشار في السير: إلى أنه لا يملك الاستبدال إلا القاضي إذا رأى المصلحة في ذلك.
وأمّا شرط محمّد:
فقال في الذخيرة، عن محمَّدٍ: إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن الاستغلال، والقيِّمُ يجد بثمنها أرضاً أخرى أكثر ريعاً، له أن يبيع بها هذه الأرض، ويشتري بثمنها ما هو أكثر ريعاً.
وقال قاضي خان: روي عن محمَّدِ: إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن الاستغلال، والقيِّمُ يجد بثمنها أرضاً أخرى، وهي أنفع للفقراء وأكثر ريعاً، كان له أن يبيع هذه الأرض ويشتري بثمنها أرضاً أخرى (٢).
стр. 563
وعلى هذا: تواردت عبارة المصنفين.
وأمّا الرواية الأخرى عن محمّد فقال في المنتقى، عن محمد: إذا صار الوقف بحالٍ لا ينتفع به المساكين فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره. وليس ذلك إلاّ للقاضي.
وقال في شرح السير الكبير: وعن الحسن البصري: لا بأس أن يستبدل بالحبس من علةٍ بهِ. ويكره من غير علّةٍ؛ لأنّ من حبسه رضي بحبسه لا بالاستبدال.
وأمّا إذا كان بِغَلّةٍ، فإنّ قولهم: زوالها كالمرض. كره الاستبدال به عند أبي يوسف ومحمد.
وعند أبي حنيفة: لا يكره؛ لأنّ الحبس عنده غير لازمٍ حتى جاز البيع والرجوع عنه.
فكذا الاستبدال. وعندهما لازمٌ ليس لصاحبه أن يبيعه بعدما مرضَ. فكذا ليس لغيره إلَّا أن يصير بحيث لا يتوهم زوال العلّة نحو إن صار بحالٍ لا يستطاع القيام عليه أو كبرَ، فلا بأس بأن يباع ويشترى بثمنه حبساً مكانه إن أمكن تحصيلاً لغرض الحابس، وإلَّا غُري بالثمن عن صاحبه.
وأمّا أن الرواية المطلقة مقيّدة بما ذكرت، فلما صرحوا به من أنّ الوقف لا يطلب به الاسترباح، وأن ليس الوقف.
(٢٠) مَسْأَلةٌ في الوَقْتِ وَاشْتِرَاطِ النَّظَرِ لِلأَرْشَدِ فَالأَرْشَدِ
قال - رحمه الله تعالى -:
وسئلت عن واقفٍ شرط أن يكون النظر للأرشد فالأرشد من أولاده وأولاد أولاده، وأثبتت بنت الواقف أنها أرشد الموجودين.
وحكمَ لها بذلك، ثم بعد مدّةٍ أثبت ابن ابن الواقف أنه أرشد الموجودين، وحكم له أيضًا بذلك مع بقاء الحجة. فمن يستحق النظر أبنت الواقف لتقدم ثبوتها والحكم لها أو ابن ابن الواقف لوجود ثبوت الصفة المشروطة بعد ذلك؟ وهل يقاس على ما ذكره الخصّاف في أحكام الوقف؟.
قلت: فإن قال على أن ولاية هذه الصدقة إلى الأفضل فالأفضل من ولدي. وتولاها أفضلهم، ثم صار في ولده من هو أفضل من الذي تولاها الأوّل أو يشتركان. أفتونا مأجورين وابسطوا في الجواب.
فكتبت:
الحمد لله. ربّ زدني علمًا.
لم نقف لعلمائنا - رحمهم الله تعالى - على كلام في ولاية الأرشد على الوقف، والرشد عنهما: صلاح المال، ولا شكٌ إذ أرشد أفعل تفضيل. وفيه: لا بد أن يكون المفضل والمفضل عليه مما يصدق عليهما الاسم بالتواطؤ. ولأحدهما الزيادة فيه. هذا لصدق الاسم. وليس بكافٍ في الشرع كما نصّ
стр. 566
عليه علماؤنا من أنه لا بد مع ما يشرط الواقف، وأنه يراه القاضي موضعًا للولاية على الوقف. وليس ما ذكره الخصاف مما يثبت بالشهادة اليوم؛ لأنّ الذي ذكره الخصاف مصرّح بأن الثاني مشارك الأول في الزيادة التي كان لها أفضل وزاد عليه، أو أنّ الأول عرض له ما صار به مفضولاً.
وأمّا الشهادة اليوم فليس فيها، وإنما يحكم بها من غير إفصاحٍ، فلا يتأتّى العمل بها إلاّ على قول بعض متأخري الشافعية من أن حكم الأول مستصحب إلى صدور الثانية، فيعارضها الثانية إلى آخرها.
قال: وإنما قلت: بأنه يحكم بالشهادة من غير إفصاحٍ؛ لأنّ الشهادة بالأرشدية يحتاج أن يكون الأولاد وأولاد الأولاد محصورين معلومين حتى يكون المشهود له أرشد من باقيهم.
ومن شرط الدعوى: سماع البينة في وجه الخصم. فالخصم قد يكون أجنبيًا لمطالبته بالأجرة ونحوها. فلا يكون إثبات الأرشدية بكون الخصم أحد الأولاد وأولاد الأولاد، فيكون إثبات الأرشدية والنظر متصور ولتقديمه على قرابته المشاركة له في الولاية. فإذا قامت بينة أخرى بالأرشدية لغيره فلا بد من تصريحها بأن هذا أمر تجدد وحينئذٍ يصير كما قال الخصاف. والله أعلم.
* صورة سؤال ورد على الشيخ ﵀ من دمشق:
الوقف في الشرع ما يباع في كلّ يومٍ عند وجود ما هو أصلح منه، ولما سمعت من عدم جواز بيع حبس به علةً يرجى زوالها إلخ.
وقال في الفتاوى الظهيرية: سئل شمس الأئمة الحلواني عن أوقاف
стр. 567
المساجد، إذا تعطلت وتعذّر استغلالها، هل للمتولي أن يبيعها ويشتري بثمنها مكانها أخرى؟ قال: نعم (١).
قيل: إن لم يتعطل، ولكن يوجد بثمنها ما هو خيرٌ منها، هل له أن يبيعها؟ قال: لا.
قال: ومن المشايخ من لم يجوز بيع الوقف تعطل أو لم يتعطل، ولم يجوز الاستبدال. وهكذا حكي عن شمس الأئمة السرخسي. وإليه رجع الظهير.
ويؤيد صحّة هذا: ما ذكر قاضي القضاة فخر الدين أبو عمر عثمان بن إبراهيم التركماني النفي في جواز الاستبدال، فإني وإن كنت أعتقد صحّته حين يتعطل الوقف أو يؤل إليه لو ترك على حاله لما فيه من إحيائه وإبقائه مع استقرار البيع للموقوف عليهم، وتحصيل غرض الواقف.
اعلم: أن بهذا الحق يتوصلون إلى الباطل. انتهى.
فصار الحاصل المنع، والجواز بشرط أن يشترطه أو حصول خللٍ لا ينجبر بما ذكر من عمارته بأنه بمال من له المنفعة أو بإجارته أو استدامة لا وجود راغبٍ بما هو أنفع من غير ضرورة في الوقف. فقد صح أن ما اعتمده في الاستبدال مسوّغًا ليس بمسوغّ عند من يرى صحة الاستبدال، وحيث لم يوجد المسوغ بطل ما ابتنى عليه. وقد وجهوا المنع بظاهر الحديث المتقدم.
والجواز عند الاشتراط بما قال في المحيط: قال أبو يوسف: إن اشتراط
стр. 568
الاستبدال شرطٌ يقتضيه العقد؛ لأنه ريما تقع الضرورة إليه؛ لأن الأرض ريما لا يخرج منها بما لا يفضل من المُؤنِ فيؤدي إلى أن لا يصل في الموقوف عليهم شيءٌ لفسادٍ يحدث في الأرض وتكون الأرض الأخرى أصلح وأنفع للموقوف عليهم. فلهذه الضرورة جوّزنا شرط الاستبدال في الوقف.
ومحمّدٌ جرى على أصله: من أنّ اشتراط شيءٍ للوقفِ يمنع الخلوص على ما عرف في موضعه، فلم يعتبر هذا الشرط، ووجه له: بأنّ في بيع ما ضعف من الوقف واستبداله بغيره عين مصلحته، ومراعاة بقائه، وإن أخّر حتى انعدمت منفعته بالكلية، ريما لا يرغب أحدٌ في شرائه ألبتّة، فيؤدي إلى استهلاكه وتعطيل منافعه. وفيه: إضاعة المال المنهي عنه شرعًا.
فإن قلت: النصوص المتقدمة مطلقة، والمطلق يجري على إطلاقه.
قلت: راوي الأصل قد أجاز النقل.
فروى صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، ومن جهته: رواه الخلال.
وعنه: رواه أبو بكر، عن القاسم قال: لما قَدِمَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وكان سَعْدُ بنُ مالكٍ قَدْ بَنَى القَصْرَ، واتّخذ مسجدًا عند أصحاب التَّمْرِ (١)، قَالَ: فَنَقِبَ بَيْتُ المَالِ، فَأخذَ الرّجلَ الّذي نقِبَهُ. فكتبَ إلى عمرَ ابن الخطّاب، فكتب عمر: أن لا يقطع الرّجل، وانقلِ المسجدَ، واجعل بيت المالِ في قبلته، فإنّه لا يزال في المسجد مصل. فَنَقَلَهُ عبدُ اللهِ، فَخَطّ له لهذه الخطة (٢).
стр. 569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 571
فإن قلت في هذا: إنه أمرَ بنقل المسجد، ولم يكن متعطلاً، فينفذ ما يدّعيه بعض الحنابلة.
قلت: بل فيه إشارة إلى تعطيله، فإنه علل بأنه لا يزال في المسجد مُصَلٍّ.
فلو كان الأوّل كالثاني لما صحَّ هذا التعطيل، غير أن التعطيل قد يكون من الجماعة وإن كان باقيًا على أصل بينته.
وقد يكون بسبب خراب بعضه أو غير ذلك. والله أعلم.
وهاهنا مسألةٌ مهمّةٌ وهي: ما إذا وجد مسوّغ البيع والاستبدال فباعه بثمنٍ يتغابن الناس فيه جازَ البيع، وإن كان لا يتغابن الناس فيه، فالبيع باطلٌ نصّ عليه في التتارخانية (١) وغيرها.
وهاهنا مسألة أخرى: قال في القُنْيَة للعلامة (٢) نجم الأئمة البخاري: مبادلة دار الوقف بدارٍ أخرى إنَّما يصحُّ إذا كانتا في محلَّةٍ واحدةٍ، أو يكون محلُّهُ المملوك خيرًا من محلِّهِ الموقوف، وعلى عكسه لا يجوز، وإن كانت المملوكة أكثر مساحةً وأكثر قيمةً وأجرةً لاحتمال خرابها في أدوَنِ المحلَّتين لدناءتها وقلَّة رغبات النَّاس فيها (٣).
стр. 572
ومسألة أخرى: وهي ما شرط الواقف أن لا يباع ولا يستبدل به، ولا يناقل إلخ.
فعلى قول من لا يجوّز الاستبدال هاهنا من باب أولى.
وكذا على قول من لا يجوّز إلاّ إذا شرطه.
وأمّا على قول محمّدٍ: فينبغي أن يجوّز الاستبدال؛ لأنه تعارض فيه شرط الواقف ومصلحة الوقف. ومصلحته مقدّمٌ، كما إذا شرط أن لا يؤجّر أكثر من سنةٍ أو شَرَط أن لا يخرج عن النّاظر، وطرأ (١) عليه ما يوجب إخراجه.
نصّ على الأوّل في الفتاوى الفيريقية، وعلى الثاني الكافي. والله أعلم.
ثم أوقفني على أجرته أهل العصر من علمائنا الحنفية، فأجرها صورته هكذا:
الاستبدالات الواقعة في هذا العصر لا يكاد يوجد فيها في شيءٌ من الشروط عند من يرى جوازها لا سيما بخبر المقوّمين الذين لا ينظرون إلى البدل والمبدل عنه، فضلاً عن تقويم منفعته، ورعاية جانب الوقف.
وإذا تبيّن أن لا غبطة في الاستبدال حين وقوعه ببينةٍ معدّلةٍ سرًا وجهرًا عارضه لذلك نظر في أمر البينة المسوّغة لوقوعه.
ومما يقوي النظر في أمرهم مما ذكر من الموانع الواقعة في البدل المفضية إلى سلب الانتفاع رأسًا.
هذا ولا يمنع المستحقين الطلب واسترجاع حكم الحاكم.
وعند تعذّر العقد يراعى المقصود من ذلك بما يحصل به لجهة الوقف
стр. 573
ريعٌ مستمرٌّ ولا يضرُّ. والحالة هذه.
ثانيهما: إذا تبينَ وتحقق بالشهادة المفيدة للعلم، وتصور القطعة الأرض عن قيمة المُقَرّ به وتفاوت ما بينهما التفاوت الفاحش الذي لا يختلف فيه المقومون، ولا يتوقف فيه النّاظرون. فهذا دليلٌ على كذب المقوم في تلبيسهم الأمر على الحاكم الذي حكم بالغبطة فلا يعمل بتلك الشهادة، ولا بما يترتب عليها، وإنما ينشأ من التقصير بعدم الاستقصاء بطل شروط الحكم أو بالاجتراء مع العلم بفوات الشروط أو بعضها فيجب على من تحقق ذلك أن يبني الأمر على ما حقق وحصل به لإنفاذه لا على ما ليس وقرّه به على الحاكم أو حصل به الاجتراء في الأحكام.
ثالثها: عبارته: بطلان هذا الاستبدال إذا ثبت ما ذكر من عدم الغبطة والحظ والمصلحة على مذهب من لا يرى جواز الاستبدال في الوقف ظاهرٌ.
أمّا على مذهب من يراه، وكذلك لانتفاء شرط صحته عنده، فالواجب على من ثبت ذلك عنده من الحاكم إبطال هذا الحكم، وإعادة الوقف إلى أهله بطريق الشرع، فيثاب بذلك الثواب الجزيل. والله أعلم.
رابعها: هذا الاستبدال باطلٌ من وجوهٍ:
الأوّل: عدم المسوّغ فيه على قول من يقول بذلك.
الثاني: من جهة استهتار الشهود فيه.
الثالث: من جهة استهتار القاضي الذي حكم به.
الرابع: من جهة رغبة المستبدل فيه من حيث قال: إن القطعة التي هي البدل هي أكثر غلّةٌ وأقرب استبدالًا. فإذا كان كذلك فما الفائدة فيه: أن يعطي
стр. 574
بدلًا أكثر من ريع المستبدل. فهذا يدل على أنّ غرضه تلك القرية بهذه الحيازة.
الخامس: أن الملكية في البدل لم تثبت.
السّادس: أن المستفتي ذكر أن البدل كان مرصدًا في ديوان الأحباس. والذي يرصد في ديوان الأحباس على شرف الزوال، فلا يجوز جعله وقفًا، ولا يبدل وقفٌ إلاّ بعد الشكر من بيت المال على الوجه الشرعي.
السّابع: أن الاستبدال في المقر به ليس كالاستبدال في الدور؛ لأنّ الاستبدال في الدور على قول من يرى بذلك، خوفًا من أن يؤل إلى الخراب، أو كان فيه بعض خرابٍ، والقرية ليس كذلك. فإِنّ أرضها لا تخرب أصلًا.
الثامن: ظهور على المقر به أكثر من البدل. يدلّ على تكذيب الشهود وتهوير الحاكم.
التاسع: ظهور بعض القطعة المذكورة خرسًا، فإنّ هذا أيضًا من أقوى الوجوه ليبطل هذا الاستبدال.
العاشر: نزول الظلمة من الأجناد على القطعة المذكورة، وزرعهم فيها من غير أجرةٍ. فهذا الاستبدال باطلٌ من عشرة وجوه.
فالحكم فيه: أن ترد القرية المذكورة إلى وقفية واقفها، ويلغى ما ذكر في ذلك من الحظ والمصلحة، فلا حظّ ولا مصلحة في ذلك. وأمّا ريعها الذي حصل، فإنه مضمونٌ. والله أعلم.
خامسها: نعم هذا الاستبدال غير صحيحٍ. ولو حكم به، فإنّ الاستبدال في الوقف لا يصحُّ على المذهب إلاّ في رواية عن أبي يوسف بشرط حصول الغبطة للوقف وأن يكون برأي القاضي وتدبيره.
стр. 575
فأيّ غبطةٍ في هذه الصورة المنصوصة أعلاه المشتملة على فاحش الغبن، بل على إعدام جهة الوقف. فالقرية واقعة على حكم الوقف ولا عبرة بمثل هذا الاستبدال ولا معوّل عليه.
ولو حكم به مع اختلال شروطه، وكذب شهوده، وعدم القرية للاستبدال بمثل هذا البدل خصوصًا مع احتمال وقفيته فيتعين. ويجب على النّاظر السعي في رفع هذه المفسدة برفع أمره إلى الحكام وولاة أمور الاستبدال. ويتعين عليهم: إزالةُ هذا المنكر الشنيع، ويثابون على ذلك الثواب الجزيل ويصيرون شركاء الواقف في الأجر بالمساعدة في استرجاع القرية إلى مستحقيها.
وليس للنّاظر طلب عوضٍ عن القطعة المذكورة من أرضٍ أو بناءٍ أو ما يقوم مقام ذلك، ففيه تقريرٌ للفساد. والله الموفق للعباد.
سادسها: إذا ظهر يقينًا كون البدل دون الوقف، ظهر أنْ (١) لا أثرَ لذلك الحكم، كما لو حكم بموتِ رجلٍ، فجاء حيًّا، وإن لم يظهر الغبن فيه، فإن كان الواقف شرط أن يستبدل به إذا شاء المتولي أو كانت القرية ضعف نزلها وتوجه إليها الخراب جاز الاستبدال وإن لم يكن واحدًا إلا من أمرين لم يجز، وعلى النّاظر أن يخاصم في رفع ذلك. والله أعلم.
وقال: ظاهر الأوّل: أنه يكتفي بشهادةٍ إذا كانوا عدولًا ولا عارفين في أنّ المبدل له أكثر قيمة ويكون ثبوت هذا مسوّغًا وهو خلاف ما نقلته لي من الكتب الذي سميت، فمن أين هذا؟.
قلت: لا أعلم إلا ما نقلت لك. وعليك من تتبع الكتب وعندك من
стр. 576
الأهلية ما يكفيك في معرفة الحق.
قال: وظاهر قوله: وإذا تبين أن لا غبطةَ ببينة معدلة إلى آخره.
إنّ طريق إبطال هذا الاستبدال معارضة البينة التي حكم بها في الاستبدال ببينةٍ أخرى يشهد أن لا غبطة. وترجّح هذه البينة بثبوت ما ذكر في السؤال وهو خلاف قواعد الشرع من أنّها شهادة في معارضة إثبات مؤيدة بحكمٍ. فكيف تسمع، ثم يطلب ترجيحها.
وأيضًا: وإذا ثبتت الموانع التي أشار إليها أثبت كذب الشهود المسوّغ. وبطل الحكم المبني عليها، فأيّ حاجةٍ بعد ذلك إلى بينةٍ لا تسمع في الشرع.
قال: وقوله: عند تعذّر العود. كيف يتصوّر هذا التعذّر فيما ذكر.
قلت: ولا أنازع أهل الفتوى في معلوماتهم، وإنّما أذكر ما أعلمه.
قال: وقول الثاني: إذا تبين إلخ. ظاهرٌ في أنّ طريق إبطال هذا الاستبدال أن يحمل القاضي إلى القطعة المستبدل بها ليشاهدها ويكون من أهل الخبرة بقيمة الأراضي، ثم يقضي بعلمه أن هذه دون تلك يبطلان هذا الاستبدال مع معارضة هذا للحكم المتقدّم المعتمد على البينة المقبولة عند الحاكم.
وترجّح هذا. وفي هذا خلاف قواعد الشرع وعسر ظاهرٌ.
وقد لا يرضى القاضي بذلك فيضيع الحق، ثم هو مخالفٌ لقول المفتي الأوّل: إذا ثبت بالبينة مع كونهما مقلدي إمامٍ واحدٍ، ثم هو مخالفٌ لما نقلت لي من الكتب الذي سميت: أنّ الشرط ما ذكرت.
قلت: تقدم جوابي في مثل هذا، وأنت غنيٌّ عن إعادته.
قال: فما معنى قوله: وإنّما ينشأ ذلك. . . إلخ؟.
стр. 577
قلت: علمي وعلمك فيه سواء، بل ينبغي أن تكون أجد مني بعلم ذلك، فإنّك قد باشرت الأحكام زمانًا مع دوام الدروس والمطالعة.
قال: وما الحاجة إلى قول الثالث ببطلان هذا الاستبدال إلى قوله: أمّا على مذهب من يراه، فكذلك؟.
قلت: تقدّم جوابي عن مثل هذا في الجواب الأوّل.
قال: وقوله: لانتفاء شرط صحّته عنده ظاهرٌ في أنّه لو كان حكم القطعة كما ذكر شهود الاستبدال كان صحيحًا، وهو خلاف ما نقلت لي من الكتب التي سميت.
قلت: تقدّم الجواب. والله أعلم بالصّواب.
قال: فما معنى قوله: إبطال هذا الحكم؟.
قلت: أن يحكم بأن ذلك باطلٌ لعدم شرط صحّته.
قال: فما معنى قوله: وإعادته إلى أهله بالطريق الشرعي؟.
قلت: تمكينهم منه بسبب حكمه وإبطال الحكم الأوّل.
قال: قول الرابع هذا الاستبدال باطل الأول، عدم مسوّغٍ فيه.
يدلُّ على أنه لو كانت القطعة المذكورة، كما ذكر الشهود.
ويصح الاستبدال وهو خلاف ما نقلت لي من الكتب التي سمّيت.
قلت: قد علمت جوابي، ولا أزيد عليه.
قال: قوله الثاني من جهته استهتار القاضي ما معناه.
قلت: الإفصاح على ما في كلٍّ جرى مما يقع للناس، فتح باب معاداتهم، ولا حاجة لي في ذلك، بل لم أزل سلمًا للكل. والله أعلم.
стр. 578
قال: قوله الرابع: من جهة رغبة المستبدل إلى آخره.
يقتضي: أن أحدًا لا يستبدل وقفًا بما هو أنفع منه. فكيف نصّ الفقهاء على ما لم يقع.
قلت: أنت خبيرٌ بعدم حصر القرض في الاسترباح، فلا يحتاج إلى الجواب عن مثل هذا.
قال: فما الفرق بين الخامس والسادس؟.
قلت: هو مثل ما بين الأوّل والثاني.
قال: فما قوله بعد الشراء من بيت المال فيما هو وقفٌ محبس على معنى؟.
قلت: مثلك لا يسأل عن معنى هذا أو صورته إذا مات يستحقه من ديوان الأحباس. وعادت الأرض إلى بيت المال، ثم ثبت والعياذ بالله حاجة بيت المال إلى بيع هذه الأرض فاشتراها، استحقوا، ثم لما ملكها تستبدل بها وقفًا.
قال: قوله: الاستبدال في القرية ليس كالاستبدال في الدور. إنّ الاستبدال في الدور خوفًا من أن تؤول إلى الخراب.
والقرية ليست كذلك؛ لأنّ أرضها لا تخرب أصلًا مخالفٌ لما نقلت لي عن محمّدٍ من قوله: وإذا ضعفت الأرض الموقوفةُ عن الاستغلال. إلخ.
ولما في السؤال من قوله: في الأرض البدل بعضها خرسٌ إلى غير ذلك. فكيف قال هذا.
قلت: - والله أعلم - بما يصوّره من معنى خراب الأرض.
стр. 579
قال: قوله: التاسع: ظهور بعض القطعة المذكورة خرسًا كيف يكون هذا الظّهور؟.
قلت: على قول المعنى الأوّل بالبيّنة على قول المفتي الثاني بالمشاهدة وظاهرها مشاهدة الحاكمِ.
قال: قوله: إن نزول الظَلَمَة في الأرض وزرعهم إياها بغير أجرةٍ كيف مبطلاً للاستبدال؟.
قلت: لعلّه أراد: أن بهذا يمتنع تسليم البدل. والله أعلم.
فالأبعد: التسليم. وهي مما يصح الاستبدال بها، لا يبطل الحكم بسبب تعدي متعدٍّ على ذلك.
قال: فما معنى قوله: فالحكم فيه: أن ترد القرية إلى وقفية واقفها. وأنت قلت: فالقرية المذكورة وقفٌ على ما كانت عليه.
قلت: معناه: أن يجري عليها حكم الوقف. والله أعلم.
قال: وقول الخامس: الاستبدال لا يصحّ علي إلا في رواية عن أبي يوسف بشرط حصول الغبطة. إلخ. مخالفٌ لما نقلت لي عن قول أبي يوسف من الكتب التي سميت.
قلت: لا. بل هو مطابقٌ بالمعنى لظاهر الرواية التي نسبت لأبي يوسف وهي التي نقلتها لك عن قاضي خان حيث قال:
وأمّا بدون الشرط: أشار في السير إلى أنه لا يملك الاستبدال إلا القاضي إذا رأى المصلحة في ذلك. وهي التي نقلها أبو بكر الرازي في أدب القضاء حيث قال: وإن لم يشرط. قيل: للقاضي ولاية الاستبدال إذا رآه مصلحةً في
стр. 580
روايةٍ عن أبي يوسف. وقد علمت: أن أحدًا من أهل هذا القطر لا يشترط الاستبدال في وقفه بل ربما ينص على عدمه. فلهذا قال المفتي: إنه لا يصح إلا على رواية عن أبي يوسف إلخ.
لكن هذا إذا حصل في الوقف خلل كما قدمت لك، فهذه الرواية في المعنى مطابقةً لرواية هشام عن محمد كما نقلته لك عن المنتقى. والله أعلم.
قال: وأمّا الحاجة إلى قول السّادس: إذا ظهرَ يقينًا كون البدل دون الوقف ظهر أَنْ لا أثرَ لذلك الحكم مع قوله: وإن لم يظهر الغبن فيه، فإن كان الواقف شرط أن يستبدل به إذا شاء المتولي أو كانت القرية ضعف نزلها، وتوجه إليها الخراب. جاز الاستبدال وإن لم يكن واحد من الأمرين، لم يجز. فإنّ في هذا تصريحات شرط الاستبدال كما ذكر. وهو مفقود فيما اعتمده الحاكم بصحة الاستبدال.
قلت: ذكر ذلك ليطابق السؤال، فإنّ في السؤال أنه تبين كذا وكذا. فقال: إن كان هذا صحيحًا كان الحكم كذا. ثم أفاد من قبل نفسه تبرعًا في الجواب: أنه إن لم يكن ما ذكر في السؤال صحيحًا أو تعذر ثبوته. فينظر: هل المسوّغ للاستبدال في نفس الأمر ثابتٌ أم لا؟ وأفاد ما هو المسوّغ في نفس الأمر وهو اشتراط الاستبدال عند أبي يوسف أو ضعف الوقف عما عليه من الريع والمُؤن، وتسارع الخراب على قول محمد. فهذا الجواب هو المشتمل على إصابة الصواب. والله أعلم.
стр. 581
مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا
[٢١]
صُورَةُ سُؤَالَاتٍ وَأَجْوِبَةٍ عَنْهَا
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 582
(٢١) صُورَةُ سُؤَالَاتٍ وَأَجْوِبَةٍ عَنْهَا
ورد على الشيخ - رحمه الله تعالى - من دمشقٍ:
مَا تقولُ السّادة العلماء الحنفية أئمة الدين، وعلماء المسلمين ﵃ أجمعين في رجلٍ شافعي المذهب، عالمٍ بالفرائض، يرجع إليه في ذلك في بلده يقول: إنّ فرائض الحنفية ناقصة كثيرًا مما نصن عليه الجمهور من العلماء.
من ذلك: أنهم لم يذكروا في باب الموانع: أنّ الدور الحكمي مانعٌ أم لا؟ وقد نصّ عليه الجمهور.
ولم يذكروا في باب الردّ ما إذا كان في الورثة خنثى كأمّ وأختٍ لأبوين وخنثى لأب وزوجة وولد ابنٍ خنثى وأم أختٍ لأبوين، وأختٍ وخنثى وأمّ وولديها وأختٍ وخنثى لأب.
ولم يذكروا في باب العول (١) ما إذا كان في الورثة خنثى مع مخالفة أبي يوسف لأبي حنيفة ومحمّد في صوابه.
ولم يذكروا في باب المناسخات اختصارها وهو من المهمّات.
ولا في باب الحمل ما إذا اختلف حال الحمل ومورثه في الدين ككافرٍ ماتَ عن كافرةٍ حاملٍ أو من غيره كزوجةِ ابنه، ثم أسلمت قبل الوضع.
стр. 583
ولا ما استهل أحد التوأمين وماتا ولم يعرف المستهل. وفيه تفصيلٌ وله أحكامٌ.
ولا من مسائل الجهل بالسابق موتًا ما لو علمَ، ثم نسيَ.
وأمّا فلم يتعرضوا فيما إذا أوصى بمثل النصيب وكان في الورثة خنثى أو خناثى ولا دوريات الأقرار ولا دوريات الوصايا ولا العين (١) والدين، ولا ما إذا اجتمع وصيّته لوارثٍ ولغير وارثٍ في جنسٍ مع إطناب السلف والخلف في كيفية القسمة في أمثال لذلك مما نصّ عليه المصنفون من أرباب المذاهب. وطالعت الكثير فلم أجد عينًا ولا أثرًا وراجعت الكثير، فلم أجد حسًّا ولا خبرًا، بل غايته كلام لا نقل ولا تخريج.
هذا حاصل الكلام، وإن كانت العبارات مختلفة حتى اشتدّ بعض الناس.
ألا يا تابعي النعمان نوحوا ... على علمائكم وأبدوا انتحابا
فمنهم قد خلا شام ومصر ... فمعهد فضلكم أضحى خرابا
أجاب الشيخ - رحمه الله تعالى -:
الحمد لله، ربّ زدني علمًا.
ليس الأمر كما زعم من نقص فرائضنا، وما ذكر من المسائل فموجودٌ في كتب علمائنا تنصيصًا وتأصيلًا، وغالب ما يوجد في كتب أئمة هذا القائل
стр. 584
فمبلغ علمائنا وهم السّابقون إلى استنباط الفقه، وتدوينه. وعنهم أخذ واقتفى.
فقد دوّن الفقه عن إملاء أبي يوسف من قبل سنة ١٨١ إحدى وثمانين ومئة.
ودوّن الحسن بن زياد كتاب المقالات في حساب الوصايا وأعمال الدّور، وإخراج المجهولات في هذا التاريخ.
ودوّن عن إملاء محمد والحسن: كتاب الخنثى، وكتاب فرائض الخنثى، وكتاب الدّور، وكتاب حساب الوصايا، قبل ١٨٩ تسعٍ وثمانين ومئة.
وروينا في تاريخ الخطيب (١)، عن الشافعي أنه قال: أخذت عن محمّد ابن الحسن، وَقْرَ [بُخْتي] كتبًا (٢).
ورويناه في طبقات ابن سعدٍ (٣)، عن الربيع وسليمان عنه
стр. 585
ورويناه في بيان المنتظم.
وقرأته على حافظ العصر أحمد بن علي بن حجر في كتاب الإنباء (١) من تصنيفه، وأجازني به في سابع عشر شهر رجب سنة خمسين وثلاثين وثمان مئة.
وروينا في تاريخ الخطيب (٢)، عن إبراهيم الحربي (٣): قلت لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقاق؟ قال: من كتب محمد بن الحسن.
وكذلك رواه ابن الجوزي في المنتظم (٤)، وفيه: رويناه من طريق الخطيب هذا.
стр. 586
وأما النقل بالمسائل المذكورة، فقال محمَّدٌ في الإملاء: ولو كانت للرَّجل عمَّةٌ أو مولى نعمةٍ (١)، فأقرَّت العمَّة أو مولى النِّعمة (٢) بأخٍ للميِّت من أبيه أو بأُمِّه أو بعمٍّ أو بابن عمٍّ، أخذ المقَرُّ [له] الميراث كلَّه، لأنّ الوارث المعروف أقرَّ بأنَّه (٣) مقدَّمٌ عليه في استحقاق ماله، وإقراره حجَّةٌ على نفسه. انتهى.
فلمَّا لم يكن في هذا دورٌ عندنا لم يذكر في الموانع وذكر في بابه (٤).
حتى ذكر في الملقبات: قال في الإسفار: ومنها أدخلني أخرجك. فذكر هذه المسألة.
وأمّا إذا كان مع الجد أخوة وفيهم خنثى فهذه المسألة مأخوذٌ حكمها مما أصّل الأئمة.
стр. 587
فأبو حنيفة يحجب الأخوة بالجد، فلا يتوجه على قوله سؤال.
وعلى قولهما: إذا كانت المقاسمة خيرًا للجد فكان حينئدٍ.
وكذا إذا استوى الثلث والقسامة.
وإن كان الثلث خيرًا للجد فله الثلث. والباقي للأخوة كأن لم يكن جد، فإن كان معهم صاحب فرضٍ فله فرضه. والباقي على الحكم المعلوم بأن كان ثلث الباقي خيرًا له. فله ذلك. والباقي بينهم، كأن لم يكن جد. وإن كانت القسامة خيرًا فكما مرّ وإلاّ فله السدس الباقي. والباقي بينهم كأن لم يكن جد.
وأمّا باب العول: فالنّقل فيه عن علمائنا في شرح العلامة محمود، عن الصّدر سليمان، مما أصّله عن محمد في الإملاء بلفظ: لو كان في مسائل الخنثي عولٌ كأبوين وبنتين وزوجة وهي المنبرية وأحد البنتين خنثى تعتبر الخنثى أنثى على قول أبي حنيفة؛ لأنه في حقّه ببابه أصلها على تقدير المذكورة من أربعة وعشرين. وتصحّ من اثنين وسبعين للأنثى منها ثلاثة عشر.
وعلى تقدير الأنوثة لها ثمانية من سبعة وعشرين وهي أقل من الأولى وعلى قولهما. تصحّ من أربع مئة واثنين وثلاثين للخنثى مئة واثنان وأربعون؛ لأنه لو كان ذكرًا أخذ مئة وستة وخمسين.
ولو كان أنثى أخذ مئة وثمانية وعشرين. وذلك مئتان وأربعة وثمانون ونصفها ما ذكرناه. هذا نصّه.
وأمّا باب الرّدّ فنصّه فيه: لو كان في مسألةٍ ردٌّ كأخ لأم وولد أب وأم خنثى وولد أب على قول أبي حنيفة لولد الأب والأم النصف بيقين. ولولد الأم السدس بيقين، ثم إنّ ولد الأم يقول: إنمّا اثنتان والمال مورود على خمسة
стр. 588
ولي خمس المال ومعي السدس. يبقى لي ما بين السدس والخمس وهو ثلاثة عشر سهم من ثلاثين. فهذا السهم يدعيه الثلاثة فيكون بينهم أثلاثًا يبقى من المال خمس وعشر. وذلك تسعة لا دعوى فيها لولد الأم، ويدّعيها ولد الأب والأم وولد الأب فيكون بينهما نصفين. فقد حصل مع ولد الأم خمس وثلث من ثلاثين ومع ولد الأب والأم تسعة عشر ونصف وثلث. ومع ولد الأب أربعة ونصف فاضرب مخرج الثلث والنصف في الثلاثين يكن مئة وثمانين. انتهى.
ولي فيه بحثٌ بيّنته في شرح مقدمة الفرائض للسيد.
ثم قال: وعلى القول بالأحوال لو كانا ذكرين، كانت من ستة، ولو كانا اثنين كانت من خمسة، فاضرب خمسة في ستة تكن ثلاثين، ثم في اثنين تصير ستين لولد الأم في حالة السدس.
وفي حالة الخمس خمسة وستة إحدى عشر من ستين والباقي لولد الأب والأم؛ لأنّ له في حالة خمس أسداس. وفي حالة: ثلاثة أخماس.
وإن اجتمع مع من يرد عليه كامرأة وولد وخنثى وولد ابن خنثي فصَحِّحْ مسألة الخنثيين، واعرف قسمة المال بينهما، ثم اجعل قسمة المال من ثمانيةٍ لثمن المرأة، فأعطها منها واحدًا يبقى سبعة أقسمٍ على ما صحّت منه مسألة الخنثيين. انتهى.
فإذا عرفت نصوص علمائنا وطريق العمل عندهم خرجت المسائل التي مثل بها السائل على ذلك.
فالأولى: من خمسة عند الإمام. ومن اثنين وأربعين عند أبي يوسف.
والثانية: من ثمانية بلا خلاف.
стр. 589
والثالثة: من ستة.
والرابعة: كذلك عند الإمام، وعليه الفتوى.
ولا يخفى طريق العمل بعد تقدير الأصول.
وأمّا اختصار المناسخة: فبعض علمائنا فيها لفظه.
وأمّا قطع المناسخة وهي: أن تطلب الموافقة بين نصيب كل جنسٍ من ورثة الأموات جمعًا، فإن وجدت فخذ جزء الموافقة من نصيبه قبل القطع.
مثاله: مات وترك زوجة وأختًا لأبٍ وأم وجدّة وعمًّا، ثم الجدة ماتت وتركت ابنًا الذي هو عم الميت فصار للعم ثلاثة وللزوجة ثلاثة وبين الثلاثة والستة موافقة بالثلث فصار للأخت سهمان وللعم سهمٌ، وللزوجة سهمٌ.
وأمّا إذا اختلف حال الحمل ومورثه في الدين فنصّ علماؤنا في ذلك المرتدة في ذلك وجاءت بولدٍ لأكثر من ستة أشهر إلى ستين ورث.
وإن ولدت لأكثر منها لم يرث، فإنّ ارتدا معًا فولدت لأقل من ستة أشهر من حين الردة، ثم قبل الأب على الردة، ورث الصبي منه. وكذا لو مات المسلم عن امرأته الحامل فارتدت ولحقت بالدار وولدت فتبين أنه كان موجودًا قبل، تبين الدين ورث وإلاّ لا.
وأمّا استهلال أحد التوأمين فنصّ علماؤنا فيه.
مات عن ابن وامرأةٍ حامل فولدت ابنًا وبنتًا أحدهما ميّت والآخر استهلّ، ولا يدرى أيّهما استهلّ فللمرأة الثمن وللابن النصف ما بقي. وللمستهلّ ثلث ما بقي، وما زاد على الثلث إلى النصف بينهما.
ولي في فيها بحثٌ جليل. . . . .
стр. 590
مع السَّجاوَندي (١) والسّرخسي وحيدر (٢)، أوردته في شرحي لمقدمة الفرائض للسير، فمن أراد الوقوف عليه فليطالعه ثمّة.
وأمّا إذا علم السّابق موتًا في نحو المتوفّى، ثم علم، فنصّ علماؤنا فيه:
وإذا مات متوارثان أو أكثر في غرقٍ أو هدمٍ أو ازدحامٍ أو طاعونٍ أو تردٍّ أو قتالٍ ولم يعلم أيّ المتوارثين مات أوّلًا، وادّعت ورثة كلّ ميتٍ أنّ الآخرَ هو السّابق بالموت أو تعارضت بيّنتان أو مات أحدهما قبل الآخر أو أشكل السّابق أو علّمناه، ثم جهلناه، جعلوا كأنهم ماتوا معًا فمال كلّ واحدٍ لورثته إِلاّ حيًّا. ولا يرث بعض الأموات من بعضٍ.
وأمّا إذا أوصى بمثل نصيب أحد الورثة، وفيهم خنثى أو خناثى، فيعلم بما أصّلوه في ذلك وهو: أن يجعل الموصى له، إمّا زائدًا على بني الميت حتى إذا كانوا ثلاثة كان له الربع، وقد ذكروا في هذا ما هو بالعطف. وما هو بالاستثناء في شرح الزيادات وغيره.
وأمّا دوريات الإقرار: فقال في الإسعاد: ويلتحق بالوصايا الأقارير.
стр. 591
ويحتاج إلى معرفة ما فوق الكبير وما تحته إلى آخر الباب.
وأمّا دوريات الوصايا، فقد صنّف محمّدٌ فيه ونصّه: باب العين والدين: وإذا مات الرّجل وترك ابنين له على أحدهما دين عشرة دراهم وترك عشرة دراهم عينًا ولا مال له غير ذلك، ولا وارث له غيرهما، فأوصى بالثلث، فإنّ الفريضة من ثلاثة إلى آخره وهو جزءٌ لطيفٌ.
وأمّا اجتماع الوصيين في الحبس فنقول (١): على أن الحبس إن خرج من الثلث فما أصاب الوارث مما جعله له المحبس، قسم عليه وعلى بقية الورثة على قدر مواريثهم. وما أصاب غير الورثة سلم له، فإذا مات الوارث سلمت لمن ليس بوارثٍ على ما شرط المحبس.
وإذا كانت لا تخرج من الثلث يكون ثلثاها ميراثًا. والثلث على ما تقدّم. والله أعلم.
وأنشد الشيخ قاسم - رحمه الله تعالى -:
الله أحمدُ إذْ أَبقى لنا كتبًا ... حوت علوم سراج الأمة الوسط
هي الأوائل في التدوين قد برزت ... من حوز فكرته المأمونة الغلط
منها استمد الذي قد جاء بعد كذا ... في كتبهم تُليت بالحرف والنّقط
стр. 592
فمعهد الفضل معمور بها وبمن ... قد حازها صدره حفظًا على النمط
فلا ينوح بلا شكرٍ لبارئنا ... ونكثر الرّحمة السّحّاء على الفَرَط
والله أعلمُ.
* فائدة:
ذكر في النوادر في باب الغصب: المعتوه: من كان قليل الفهم، مختلط الكلام فاسد التَّدبير، إلاَّ أنَّه لا يَضْرِب ولا يشتم كما يفعل المجنون (١).
قيل في الحدّ الفاصل بين (٢) المعتوه والمجنون والعاقل (٣):
إنَّ العاقل: من يستقيم كلامه وأفعاله، وغيره نادرٌ، والمجنون ضدُّه، والمعتوه: من يخالط كلامه وأفعاله، فيكون هذا غالبًا، وذاك غالبًا، فكانا سواء.
قيل: المجنون من يفعل هذه الأفعال لا عن قصدٍ، والعاقلُ [قد] يفعل
стр. 593
ما يفعله المجانينُ في الأحايين، لكن لا عن قصدٍ - يعني: يفعلُ على ظنِّ الصَّلاح، والمعتوه من يفعلُ ما يفعلهُ المجانينُ في الأحايين، لكن لا عن قصدٍ - يعني: يقصد فعله مع ظهور الفسادِ -. والله أعلم.
стр. 594
مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا
[٢٢]
مَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ الطَّلاَق بِالنِّكاحِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 595
(٢٢) مَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ الطَّلاَق بِالنِّكاحِ
قال - رحمه الله تعالى -:
هذا تعليقٌ على مسألة تعليق الطلاق بالنكاح لما سأصرّح به من إشكال بعض المصنفين، وخبط بعض العصريين إلى غير ذلك مما توهّم من عبارة بعض المشايخ. والله ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال علماؤنا: إذا قال الرّجل لامرأةٍ إن تزوجتك فأنت طالقٌ.
أو قال: إن تزوجت امرأةً فهي طالقٌ، أو كلّ امرأةِ تزوجتها فهي طالقٌ، أو كلّما تزوجت امرأة فهي طالقٌ. وقع الطّلاقُ عقيب النكاح. وهذا قول طائفةٍ من السلف.
روى ابن أبي شيبة في مصنّفه، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والقاسم بن محمّد، وعمر بن عبد العزيز (١)،. . . . .
стр. 596
وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي (١)، والأسود (٢)، وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عبد الرحمن (٣)، والزهري (٤)، ومكحول الشامي (٥)، في رجلٍ قال: إن تزوّجت فلانةً فهي طالقٌ، أو يوم أزوّجها فهي طالقٌ، أو كل امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ. قالوا: هو كما قال. وفي لفظٍ: يجوز عليه ذلك.
стр. 597
وقال الشافعي: لا يصحّ هذا التعليق، ولا يقع عليه الطلاق (١).
لنا: أنّ هذا تعليقٌ لما يصحّ تعليقه، وهو الطلاق، فيلزم كالعتق والوكالة والإبراء، ولأنّ التعليق بالشرط يمنع اتصال الحكم بمحله. وبدون الاتصال بالمحلّ لا ينعقد سببًا.
واستدلّ الشافعي:
بما رواه أبو داود، والترمذي وحسّنه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا نذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ عِتْقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ طَلاَقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ" (٢).
стр. 598
وما في معناه.
وأُجِيبَ: بأنّ هذا محمولٌ على نفي التخيير؛ لأنه هو الطّلاق لا تعليقه، فإنه لا يفهمه أهل اللغة ولا العرف ولا الشرع لما روى مالكٌ في موطئه (١): أنَّ سَعِيدَ بنَ عَمْرِو (٢) بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَأَلَ الْقَاسِم (٣) بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُل طَلَّقَ امْرَأَةً إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا؟ فَقَالَ الْقَاسِم (٤): إِنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ (٥).
وروى عبد الرزاق عن (٦) معمر، عن الزهري أنه قال في رجلٍ: كل امرأةٍ
стр. 599
أتزوّجها فهيَ طالقٌ، وكلّ أمةٍ اشتريتها فهي حرّة. هو كما [قال]. قال له معمر: أو ليس قد جاء: "لاَ طَلاَقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلاَ عِتْقٍ إِلاَّ بَعْدَ ملكٍ"؟ قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلانٍ طالقٌ، وعبدُ فلانٍ حرٌّ (١).
قال الشيخ عبد اللطيف بن فرشته في شرح المنار: ولقائلٍ أن يقول: يشكل تعليق الطلاق والعتاق بالملك، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنّه خطبَ امرأةً، فأبَوا أن يزوّجَهَا إِلاَّ بِزِيَادَةِ صَدَاقٍ. فَقَالَ: إِن تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلاثًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النِّكاحِ" (٢).
فإن الحديث مُفَسّرٌ لا يقبل التأويل، فلا بد أن يبيّن نسخه أو عدم صحّته. انتهى.
وسئل عن هذا الشيخ محيى الدين الكَافِيَجي (٣)، فأجاب:
стр. 600
الحمدُ لله الهادي للصّواب، الحديثُ محمولٌ على نفي تخيير الطلاق قبل النكاح. كذا ذكره أئمة الحديث والفقهاء على أنّه: لا يكون حجّةً علينا. لا ينفي التعليق كما ترى، فيكون نصب الدليل في غير محلّ النزاع، فإن قلت: الواقعة تشهد له بظاهرها، فلا يعدل عنه إلاّ بدليل، ولا دليل هنا.
قلت: قول النبي ﷺ : "لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النكِّاحِ".
شاهدٌ لنا عليه، فلا بُدّ من صرفِ الواقعة عن ظاهرها بقرينةِ الجواب، كما هو المقرر في موضعه.
فإن قلت: فليحمل قوله ﷺ على نفي التعليق بقرينة الحادثة السابقة، كما هو المتبادر.
قلت: حمل الكلام على حقيقةٍ واجبٌ مهما أمكنَ، لا سيما في كلام النبي ﷺ .
والحاصل: أنّ كلامه نصٌّ لا يقبل التّأويل. والكلام في الواقعة ظاهرٌ يقبل، فوجب تأويلها دونه من غايةٍ لقانون الشرع والأدب وترجيحًا لكلامه على كلام غيره، واكتفاء بتأويل كلام غيره عن تأويل كلامه، إذ لا ضرورة إليه. والحالة كذا. والله أعلم بالصّواب. كتبه محمد بن سليمان الكافيَجي الحنفي - عفى الله عنهما -.
قلت: قد دخل على الذي أخذ منه ابن فرشته حديث في حديث.
وذلك: أن الذي في كتب السنة وهو المحفوظ عند أهلها من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، هو ما قدمته في الاستدلال للشافعي من عند