← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وتحمل لواء الدعوة إلى اللَّه لتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ومجال دعوتها الأرض بجميع أقطارها والناس جميعًا مقصودون بهذه الدعوة أينما كانوا؛ لأنها رحمة للعالمين وسلم لهم. * * *

стр. 107

منزلة تميُّز الأمة الإسلامية كون التميز سنة من سنن اللَّه في خلقه يرتكز تميُّز الأمة الإسلامية على ما جاء في القرآن الكريم، وسنة المصطفى ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، وعلي واقع فهم السلف الصالح له وتحقيقه في حياتهم بصور شتى، ويبرزه مجليًا له ما درجت عليه الأمة في تاريخها عبر العصور. والمتأمل في الكتاب والسنة يدرك منزلة تميُّز الأمة الإسلامية من خلال أدلة كثيرة، تضمنت بيان كونه سنة من سنن اللَّه في خلقه، أو الأمر به والثناء على من حققه، أو التعريض بمن لم يحققه، أو النهي عن التشبه بأهل الكتاب والمشركين. وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تبين أنَّ التفاضل بين الأمم بعامة وبين بني آدم بخاصة من سنن اللَّه في الكون والحياة، ويتفاوت الناس في قدراتهم، ويتفاضلون في أقدارهم ومنازلهم في الدنيا والآخرة، وتختلف مشاربهم ومراميهم ومصائرهم وفقًا لذلك (١)؛ ويوضح ذلك تفصيلًا ما يأتي: ١ - فضَّل اللَّه بني آدم على كثير من الخلق، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وللمفسرين في تفسيرها أقوال عدة، فمما يراد بها: (جعلنا لهم كرمًا؛ أي: شرفًا وفضلًا) (٢)، وقالوا: (بأن اللَّه فضَّل بني

стр. 108

آدم على سائر الحيوانات والجن) (١). وذهب بعضهم إلى (أفضلية الجنس البشري على جنس الملائكة إذا كانوا صالحين) (٢)، واستشهدوا بالأثر: (قالت الملائكة: يا ربنا إنَّك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها وينعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة، فقال اللَّه تعالى: "وعزتي وجلالي لأجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فيكون" (٣). فهذا التكريم والتفضيل جارٍ وفق سنن اللَّه، وإن كان الناس يتفاضلون فيه وتتفاوت درجات تكريمهم إلا أن الصالحين منهم أوفر حظًّا في الدنيا والآخرة، والدليل على ذلك أن الكافر يقول يوم القيامة: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وأن اللَّه شبه بعض الناس بالأنعام بل هم أضل إذا لم يفقهوا غاية وجودهم وما هم مأمورين به، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾

стр. 109

[الرعد: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢]. ٢ - اصطفى اللَّه من بني آدم صفوة من الناس هم الأنبياء والرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]. ٣ - فضل اللَّه بعض الرسل على بعض كما في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: (يعني محمدًا ﷺ ) (١). والأدلة على ذلك من الكثرة بمكان منها قوله ﷺ : "ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن أو آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه اللَّه تعالى إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا يوم القيامة" (٢). وقوله ﷺ : "فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأُحلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النَّبِيُّون" (٣).

стр. 110

وقد أُلِّفَتْ في مناقبه ﷺ وفضائله وخصائصه مؤلفات كثيرة، وفي فصل خاص من كتاب أبي نعيم الأصبهاني: دلائل النبوة، ذكر ما فضِّل به ﷺ وأمته على سائر الأنبياء وجميع الأمم، وممَّا قال في تعليقه على بعض الأحاديث والروايات التي أوردها في ذلك قوله: (فتبين بهذا جلالة الرسول ﷺ وتعظيم أمره، وما شرع اللَّه ﷺ على لسانه من شرائع، وتنبيه عباده على وحدانيته، ودعاؤهم إلى الإيمان به. . . وهو أعز البرية وأكرم الخلقة ﷺ تسليمًا) (١). ومما ذكره ابن تيمية في هذا قوله: (فهدى اللَّه الناس ببركة نبوة محمد ﷺ وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا ولأولي العلم منهم خصوصًا، من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم، علمًا وعملًا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى) (٢).

стр. 111

٤ - أما تميُّز الأمة الإسلامية على غيره من الأمم فقد سبق بيان طرف منه، وأن هذه الأمة المتميزة هي أمة الاتباع لهديه ﷺ ، وأن لها من الشرف والكرامة في الدنيا والآخرة ما استفاضت بذكره الأدلة والحوادث التاريخية. ولعل مما يجدر ذكره في هذا ما قاله الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]: (يقول تعالى ذكره: اجتباكم وسماكم أيها المؤمنون باللَّه وآياته، من أمة محمد ﷺ مسلمين، ليكون محمد رسول اللَّه شهيدًا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذٍ على الرسل أجمعين، أنهم قد بلغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم) (١). كما أورد الطبري كذلك في تفسير هذه الآية عن قتادة قوله: (أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي، كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقال اللَّه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وكان يقال للنبي ﷺ : أنت شهيد على قومك، وقال اللَّه: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] وكان يقال للنبي ﷺ : سل تعطه، وقال اللَّه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] (٢). ومما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 112

قوله: (. . عن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ النبي ﷺ قال: "إنِّي وأمتي لعلى كومٍ يوم القيامة، مشرفين على الخلائق، ما أحد من الأمم إلا وُدَّ أنَّه منها أيتها الأمة، وما من نبي كذَّبه قومه إلا نحن شهداؤه يوم القيامة أنَّه قد بلغ رسالات ربه ونصح لهم" (١)، وأورد البغوي كذلك في تفسيره لهذه الآية نحوًا من ذلك ثمَّ قال -في نهاية ما رواه عن ابن جريج-: (ثمَّ يُؤْتَى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم) (٢). ولا شك أن من يحوز على هذا الفضل والمكانة المرموقة في الدنيا والآخرة من أمة محمد ﷺ هي أمة الاتباع -كما سبق الإشارة إليه- الملتزمون بهدي الإسلام المقتدون بالرسول ﷺ في جميع شؤونهم؛ الذين اصطبغوا بصبغة الإسلام مضمونًا وشعارًا فتميزوا به ونسبوا إليه. قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]: (من اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا المدح كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها رأى من الناس دعة فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: "من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤدِّ شرط اللَّه فيها") (٣). أما ما أورده بعض العلماء والمفكرين عن سبب اختيار اللَّه العرب لحمل هذه الرسالة فذلك: الأنهم امتازوا من بين سائر الأمم -يومئذٍ- باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم وتلك هي: جودة الأذهان، وقوة الحوافظ، وبساطة الحضارة والتشريع، والبعد

стр. 113

عن الاختلاط ببقية أمم العالم) (١)؛ فإن لذلك أهميته في مكانة الأمة الإسلامية وخيار أصلها وعنصرها وبخاصة ولاة أمرها، ولكن هذا لا يعول عليه ولا يعتدّ به إلا بشرط اعتناق الإسلام والاعتزاز يه والخضوع لحكمه واتباع منهجه في الحياة والنهوض بصدق وإخلاص بحمل رسالته. ومما يدل على ذلك قول الرسول ﷺ : "تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". (٢)، ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: "إنا قوم أعزنا اللَّه بالإسلام فلن نلتمس العزّ بغيره" (٣)، وورد لدى الحاكم بلفظ: "كنتم أقل الناس فأعزكم اللَّه بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره أذلكم اللَّه" (٤). ومما يؤيد ذلك أيضًا أن ما تميز به العرب قبل الإسلام من صفات تدل على ما فيهم من صفات المروءة والشجاعة والكرم، وغير ذلك لم تمنعهم من معاداتهم للرسول ﷺ ، ويشير محمد رشيد رضا بعد تناوله مزايا قريش وقوم الرسول وعترته إلى هذا الأمر فيقول: (ولكن هذه المعنوية كلها وجِّهت لمعاداته عليه أفضل الصلاة والسلام) (٥)، في بداية الأمر ثم

стр. 114

دخلوا في دين اللَّه أفواجًا وحملوا راية الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وتحقق فيهم قول الرسول ﷺ : "تجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه" (١). مما سبق يتضح أن مناط الخيرية مرتبط بتحقيق التميز ودال على منزلته، وأن العبرة في علو المنزلة وشرف المكانة لا يتأتى إلا بصبغة الإسلام ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]. ويرى ابن تيمية بأنَّ العرب قد (اجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم. والكمال الذي أنزل اللَّه إليهم) (٢)، و (أن اللَّه تعالى خصَّ العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها. ثم خصَّ قريشًا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص. ثمَّ خصَّ بني هاشم بتحريم الصدقة واستحقاق قسط من الفيء إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى اللَّه سبحانه كل درجة من الفضل بحسبها) (٣). ويرى (أن بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر؛ ومقتضاه: أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان. . وسبب هذا التفضيل -واللَّه أعلم- ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم) (٤). وبعد أن يفصل القول في ذلك يقول: (لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطلة عن فعله ليس عندهم علم منزل من

стр. 115

السماء ولا شريعة موروثة عن نبي، ولا هم أيضًا مشتغلون ببعض العلوم العقلية المحضة، كالطب والحساب ونحوهما. إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم: من الشعر، والخطب، وما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، وما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم أو من الحروب، فلما بعث اللَّه محمدًا ﷺ بالهدى -الذي ما جعل اللَّه في الأرض، ولا يجعل منه أعظم قدرًا- وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم من تلك العادات الجاهلية، والظلمات الفكريّة؛ التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدي العظيم زالت تلك الريون عن قلوبهم، واستنارت بهدي اللَّه الذي أنزله على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجيدة) (١). وأضاف أنه (اجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل اللَّه إليهم) (٢). وقبل ذلك ذكر أسباب التفضيل وأنَّه إنَّما يكون بالعلم النافع أو العمل الصالح، والعلم يحتاج إلى (قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم. . وقوة المنطق الذي هو البيان والعبارة) (٣). وعلي هذا فإنَّ العرب أكثر تميُّزًا من غيرهم في ذلك، (فهم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة. .) (٤)، وحيث إن العمل (مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس) (٥) فإنَّ العرب يتميزون على غيرهم في هذه الناحية كذلك لأن (غرائزهم أطوع للخير من غيرهم.

стр. 116

فهم أقرب للسخاء والحلم، والشجاعة والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة) (١). ثم يشبه العرب من حيث الخصائص بالأرض الخصبة التي كانت (معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاة والعوسج، وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب، و [ازدرع] فيها أفضل الحبوب والثمار: جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله، فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق اللَّه بعد الأنبياء. وصار أفضل الناس بعدهم من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة من العرب والعجم) (٢). ويكشف التمثيل عما يمتاز به العرب من فطرية وصلاح وقابلية لحمل رسالة الإسلام، ويتفق هذا مع قول الرسول ﷺ الآنف الذكر: "تجدون الناس معادن. . . " الحديث، ويوافق شيخ الإسلام في ذلك جمهور من العلماء والمفكرين المسلمين في ماضي هذه الأمة الإسلامية وحاضرها (٣). والمعول عليه في هذا ما ذكره ﷺ في تمام الحديث ". . . خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".

стр. 117

وخلاصة القول في كون التميز سنة من سنن اللَّه في خلقه يوضحه ما يأتي: - التفاضل بين جميع الخلق. . وكون بني آدم فضلوا على كثير من خلق اللَّه. - تفاضل بني آدم بعضهم على بعض والصفوة منهم هم الأنبياء والرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. - يتفاضل الأنبياء والمرسلون وأفضلهم محمد بن عبد اللَّه سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ ، وعلي سائر الأنبياء والمرسلين. - يتفاضل أفراد الناس بعضهم على بعض، وكذلك الأمم والأمة الإسلامية أفضل هذه الأمم، والمقصود بها أتباع الرسل بعامة وأتباع محمد ﷺ بخاصة. - هذه الأمة (أمة الاتباع من أمة محمد ﷺ ) هي أفضل الأمم ببركة نبيها، وبما خصها اللَّه به من مضاعفة الأجر وإجابة دعوتها وشهادتها على الناس وقيامها بالحق إلى أن يأتي أمر اللَّه. - وأفضل هذه الأمة بعد نبيها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم أفضل خلق اللَّه بعد الأنبياء، ثم أفضل الناس بعدهم من تبعهم بإحسَّان إلى يوم القيامة من العرب والعجم (١). وهذا كله داخل ضمن سنن اللَّه في خلقه. * * *

стр. 118

الأمر به والثناء على من حققه والوعد المترتب عليه يكاد تميُّز الأمة الإسلامية أن يكون المحور الأساس الذي تدور حوله آيات العقيدة، والأحكام، والآداب، بل حتى القصص القرآني في مغزاه القريب والبعيد، وكذلك تطبيقات الرسول ﷺ وأمره لأصحابه بسمت معين يميزهم في العقائد والشعائر والعبادات والسلوك أمرًا به وثناءً على المتصفين بصفاتٍ لازمها التميز والحث على ذلك وذكر الوعد المترتب عليه، وتفصيل ذلك في الآتي: ١ - في سورة الفاتحة (وهي أم القرآن المتضمن لجميع علومه) (١) تميُّز الطريق بين طريقين يدل عليه أوضح دلالة قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. قال بعض المفسرين: الصراط المستقيم كتاب اللَّه، وقال بعضهم: هو الدين. وقال بعضهم الآخر: إنَّه الرسول ﷺ ، وجمع ابن كثير بين هذه الأقوال بقوله: (وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإنَّ من اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين بعده، أبي بكر وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب اللَّه، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضًا وللَّه الحمد) (٢)، وقبل ذلك قال: (اختلفت عبارات المفسرين من

стр. 119

السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد؛ وهو المتابعة لله وللرسول) (١). وذلك هو الطريق الذي يؤم ويقصد، وواضح أنَّ للذين يؤمُّونه ويقصدونه -وهم المنعم عليهم- صفات وخصائص تميزهم عن غيرهم، وهي صفات وخصائص تتجلى في كثير من سور القرآن وآياته تفصيلًا لما أجمل في الفاتحة، من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٣ - ٥]. ومن اللطائف في هذا ما ذكره بعض المفسرين في إشارة إلى المناسبة بين سورة البقرة والفاتحة، قال: (إنَّه لما شرع -جلَّ وعلا- في الفاتحة طلب الهداية لصراطه المستقيم الذي هو صراط المنعم عليهم، ناسب أن يبين من هم المنعم عليهم، فذكر من صفاتهم، وأنهم المتقون، وبين طريقتهم، وهو الإيمان والعمل الصالح) (٢)، وهذا ما يميزهم، وقد رتَّب عليه الفلاح والهداية. يقول ابن قيم الجوزية: (كأنه قيل: وما يحصل لهؤلاء الموصوفين بهذه الصفات، فقيل: إنَّهم على هدى من ربهم وإنهم مفلحون) (٣).

стр. 120

ومما يزيد هذا الأمر وضوحًا ما جاء بعد هذه الآيات من آيات تذكر من حال الكفَّار والمنافقين ما يُظْهِرُ تميُّز الأمة الإسلامية، ولعل هذا مما جعل بعض المفسرين يلحظ من قوله تعالى في وصف المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] معنًى لطيفًا يدل على منزلة التميز، وقد عبَّر عنه بقوله: (نقف أمام حقيقة كبيرة، وأمام تفضل من اللَّه كريم. . تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائمًا ويقررها، وهي حقيقة الصلة بين اللَّه والمؤمنين إنَّه يجعل صفهم صفَّه، وأمرهم أمره، وشأنهم شأنه، وهذا هو التفضل العلوي الكريم. . الذي يرفع مقام المؤمنين، وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق. . وهذه الحقيقة. . جديرة أن يتدبرها المؤمنون ليطمئنوا، ويثبتوا، ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين، ولا خداع الخادعين، ولا أذى الشريرين) (١). ٢ - على المنوال نفسه تتعانق المعاني والصور في القرآن الكريم من أوله إلى آخره بما يبرز منزلة تميُّز الأمة الإسلامية باعتباره من لوازم الصراط المستقيم من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. ويقول ﵎: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] ويقول: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا

стр. 121

الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦، ١٢٧]، ويقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وروي عن جابر بن عبد اللَّه قال: (كنَّا عند النبي ﷺ فخطَّ خطًّا، وخطَّ خطَّين عن يمينه وخطَّ خطَّين عن يساره، ثمَّ وضع يده في الخط الأوسط فقال: "هذا سبيل اللَّه"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١)، ومما روي عن عبد اللَّه بن عباس في تفسيرها وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣] ونحو هذا مما في كتاب اللَّه قوله: (أمر اللَّه المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنَّما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين اللَّه) (٢). ٣ - ومن الآيات في هذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥، ٢٦].

стр. 122

قال ابن قيم الجوزية في تفسيرها: (فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجهه الكريم. هكذا فسرها الرسول ﷺ ) (١)، ثم أورد قوله ﷺ فيما روي عن صهيب: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول اللَّه ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟، ألم تدخلنا الجنَّة وتنجينا من النار؟. قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " (٢). وقوله لعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]. وقوله: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٤١ - ٤٣]. قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآيات: (قال عمر بن الخطاب: معناه هذا صراط يستقيم بصاحبه حتى يهجم به على الجنة. .) (٣)، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: هؤلاء الذين هداهم اللَّه واجتباهم واختارهم واصطفاهم) (٤). ٤ - ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا

стр. 123

حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٣، ٢٤]. قال الطبري في تفسير هاتين الآيتين: (يقول تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا باللَّه ورسوله فأطاعوهما بما أمرهم اللَّه به من صالح الأعمال، فإن اللَّه يدخلهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، فيحليهم فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا) وقال -أيضًا-: (وقوله: ﴿الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ دين الإسلام الذي شرعه لخلقه وأمرهم أن يسلكوه) (١). ٥ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]. قال القرطبي: (ضرب اللَّه مثلًا للمؤمن والكافر) (٢). وقال السعدي: (أي: أي الرجلين أهدى؟ من كان تائهًا في الضلال، غارقًا في الكفر قد انتكس قلبه فصار الحق عنده باطلًا، والباطل حقًّا، أو من كان عالمًا بالحق، مؤثرًا له، عاملًا به، يمشي على الصراط المستقيم، في أقواله وأعماله وجميع أحواله، فبمجرد النظر إلى الحالين يعلم الفرق بينهما) (٣). وقال ابن كثير: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق واضح بين وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة، هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويًا على صراط مستقيم مفضٍ به الجنة الفيحاء، وأما الكفر فإنّه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم) (٤).

стр. 124

٦ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. وقال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥]. قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] (١). وقال ابن قيم الجوزية في تفسيرها -أيضًا-: (فجعل الصديقية معطوفة على درجة النبوة، وهؤلاء هم الربانيون وهم الراسخون في العلم وهم الوسائط بين الرسول وأمته، فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه، وهم المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللَّه تعالى وهم على ذلك) (٢). ٧ - ومما ذكره السعدي -في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآية- قوله: (ثم رتَّب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به وهو أربعة أمور: أحدهما: الخيرية في قوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي لكانوا من الأخيار

стр. 125

المتصفين بأوصافهم، من أفعال الخير، التي أمروا بها، وانتفى عنهم بذلك صفة الأشرار؛ لأنَّ ثبوت الشيء، يستلزم نفي ضده. الثاني: حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإنَّ اللَّه يثبت الذين آمَنُوا بِسبب ما قامُوا به من الإيمان، الَّذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا، عند ورود الفتن في الأوامر، والنواهي، والمصائب، فيحصل لهم ثبات، يوفقون به لفعل الأوامر، وترك الزواجر، التي تقتضي النفس فعلها، وعن حلول المصائب التي يكرهها العبد. فيوفق للتثبيت بالتوفيق والصبر أو للرضا، أو الشكر، فينزل عليه معونة من اللَّه، للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين عند الموت وفي القبر. وأيضًا فإن العبد القائم بما أُمِرَ بِهِ، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها، ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات. الثالث: قوله: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧]. أي: في العاجل والآجل، الذي يكون للروح والقلب، والبدن، ومن النعيم المقيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الرابع: الهداية إلى صراطٍ مستقيم. وهذا عموم بعد خصوص، لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم، من كونها متضمنة للعلم بالحق، ومحبته وإيثاره به، والعمل به وتوفق السعادة والفلاح على ذلك، فمن هُدِيَ إلى صراط مستقيم فقد وفق لكل خير واندفع عنه كل شر وضير؛ أي: كل من أطاع اللَّه ورسوله -على حسب حاله، وقدر الواجب عليه، من ذكر وأنثى وصغير وكبير ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]. أي: النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة (١).

стр. 126

ثم يفسر قوله تَعالَى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. (بالاجتماع بهم، في جنات النعيم، والأنس بقربهم، في جوار رب العالمين) (١). ٨ - تتحقق الاستقامة على الصراط المستقيم بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ولتلك الاستقامة التي أمر اللَّه بها وأمر بها رسوله ﷺ لازم (ولازم الحق كما قال العلماء حق؛ لأَنَّ اللَّه تعالى عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله ﷺ فيكون مرادًا) (٢). أما لازم تلك الاستقامة فهو التميُّز والاستقامة مردودها على المستقيمين من الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ في الدنيا والآخرة وهو نفسه مردود التميُّز، وما يترتب على الإيمان والعمل الصالح من موعودٍ إلهي في الدنيا والآخرة يبين بجلاءٍ ووضوح منزلة تَمَيَّزُ الأُمَّة الإسلامِيَّة عن غيرها من الأمم. . وقد اتضحت فيما سبق منزلة تميُّز الأمة الإسلامية في الآخرة بخاصة. أَمَّا منزلة تميُّز هذه الأمة في الحياة الدنيا -وعلي وجه الأرض بالذَّات- فمن الأدلة على ذلك ما يأتي: الأولى: تحقق الأمن والرخاء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. قال ابن عطية في تفسيرها: (والثواب والعقاب متعلق بكسب البشر) (٣)، وقد ربط اللَّه الحياة الكريمة للأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ بالإيمان والتقوى إذا تحققا في الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ تَوفر لها الأمن النفسي والاجتماعي والأمن السياسي والعسكري، وتوفر لها الرخاء في المعيشة، وذلك بإنزال

стр. 127

الغيث من السماء وإنبات الزرع، ولا تستقيم الحياة إلا في ظل هذين البعدين (١)، الأمن الشامل والرخاء العام؛ ولذلك جاء بعد هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. وجاء هذا الوعيد الشديد بعد قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]. الثَّانية: النصر والعزة والتمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. قال بعض المفسرين: (هذا من وعوده الصادقة، التي شُوهِدَ تأويلها ومخْبَرُها، وأن يُمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فإن الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأُمَّة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شعائره الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان، وسائر الكفار، مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم أمنًا من بعد خوفهم، حيث كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدًا، بالنسبة لغيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغوا لهم الغوائل، فوعدهم اللَّه هذه الأمور، وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون اللَّه ولا يشركون به شيئًا، ولا يخافون أحدًا إلَّا اللَّه، فقام صدر هذه الأُمَّة، من

стр. 128

الإيمان والعمل الصالح بما يفوق غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام، والتمكين التام، فهذا من آيات اللَّه العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح فلا بد أن يوجد ما وعدهم اللَّه (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. قال ابن كثير في تفسيرها: (فرقانًا: مخرجًا، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، وفي رواية ابن عباس (فرقانًا)، نجاة (٢). وفي رواية عنه، نصرًا، وقال محمد بن إسحاق: (فرقانًا)؛ أي: فصلًا بين الحق والباطل. وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم، وهو يستلزم ذلك كله فإنَّ من اتقى اللَّه لفعل أوامره وترك زواجره وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة (٣). وقال الطبري في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ. . .﴾ [النور: ٥٥] الآية: (يقول تعالى: ليورثنهم اللَّه أرض المشركين من العرب

стр. 129

والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها. . .، وليوطئن لهم دينهم يعني ملتهم التي ارتضاها لهم، فأمرهم بها (١). وأورد في سبب نزولها عن أبي العالية قال: (مكث رسول اللَّه ﷺ عشر سنين خائفًا، يدعو إلى اللَّه سرًّا وعلانية،. . . ثمَّ أُمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها هو وأصحابه خائفون يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح، فقال النبي ﷺ : "لا تغبرون (أي: لن تلبثوا) إلَّا يسيرًا، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا فيه ليس فيه حديدة، فأنزل اللَّه هذه الآية" (٢). ومما تُعْلَمُ بهِ منزلة تميُّز الأمة الإسلامية وآثاره العظيمة ما أشار إليه ابن قيم الجوزية بقوله: (عزيزٌ غالبٌ مؤيدٌ منصورٌ، مكفيٌّ، مدفوع عنه بالذّات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بتحقيق الإيمان وواجباته، ظاهرًا وباطنًا. وقد قال اللَّه تعالى للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. فهذا الضمان إنَّما هو بإيمانهم وأعمالهم التي هي جند من جنود اللَّه يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يتر الكافرين والمنافقين أعمالهم إذا كانت لغيره، ولم تكن موافقة لأمره (٣)، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ

стр. 130

فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]. * * *

стр. 131

التعريض بمن لم يرعَ التميُّز والوعيد المترتب على عدم تحقيقه مما لا ريب فيه أن التَّميز رافق تاريخ الأُمَّةِ الإسلامِيَّةِ الَّذي يضرب بجذوره في أعماق الزمان من حين كان الإشهاد على خلقهم وإقرارهم عليه، وقد رافق هذا التميز جميع أطوار هذا التاريخ كله، ذلك أَنّهُ صَبْغَةُ هَذه الأُمَّةِ صَبَغَها اللَّهُ بِهِ وَأَلزمها بتحقيقه، وكلما ظهر انحراف عن هذا التميز في أي طور من أطوارها توجَّه إليها بسبب ذلك -مع النهي والتعريض- اللوم والتوبيخ والوعيد الشديد من اللَّه . ولعل مما يوضح ذلك بعض الأدلة الآتية: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. ذكر المفسرون في صاحب هذه القصة أقوالًا كثيرة، نقدها بعض الباحثين بقوله: (لا يأمن الذي تمرس بالإسرائيليات الكثيرة المدسوسة في كتب التفاسير أن يكون واحدة منها، ولا يطمئن لكل تفصيلاته التي ورد فيها، ثُمَّ إِنَّ في هذه الروايات من الاختلاف والاضطراب ما يدعو إلى زيادة الحذر. . وبما أنه ليس من النص القرآني منه شيء، ولم يرد من المرفوع إلى رسول اللَّه ﷺ عنه شيء: (فإننا) نأخذ من النبأ ما وراءه فهو يمثل حال الذين يكذبون بآيات اللَّه بعد أن تبين لهم فيعرفوها ثم لا يستقيموا عليها وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر. . فهو مثل لا ينقطع وروده ووجوده، وما هو محصور في قصة وقعت، في جيل من الزمان (١).

стр. 132

ومما يؤيد هذا النقد والاختيار قول بعض المفسرين عن صاحب القصة: (يحتمل أنَّ المراد شخص معين، قد كان منه ما ذكره اللَّه، فقص اللَّه قصة تبينها للعباد، ويحتمل أنَّ المراد بذلك، أَنَّه اسم جنس، وأَنَّه شامل لكل من أتاه اللَّه آياته، فانسلخ منها (١)، ومهما اختلفت الأقوال في صاحب القصة فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٢)، وفي ذلك قال الرازي: (المثل في السورة وإن ضرب لبلعام (٣)، ولكن أريد به كفار مكَّة كلهم؛ لأنهم صنعوا مع النَّبِيِّ ﷺ بسبب ميلهم إلى الدنيا وشهواتها من الكيد والمكر ما يشبه فعل بلعام مع موسى ﵊ (٤). والشاهد من هذه الآية؛ حيث ذم اللَّه تعالى ذلك الشخص الذي آتاه اللَّه آياته، فانسلخ منها، وسواءً كان المراد شخصًا بعينه، أو اسم جنس لكل من أتاه اللَّه آياته فانسلخ منها، فإن ذكر قصته وتلاوتها على من بلغ، فيها التعريض بمن لم يحقق مراد اللَّه فيه؛ من العمل الصالح والالتزام بالهدي واتباع الحق وإيثاره. قال ابن قيم الجوزية في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾

стр. 133

[الأعراف: ٧٦]: (أخبر سبحانه أنَّ الرفعة عنده ليست بمجرد العلم،. . . وإنما هي باتباع الحق وإيثاره، وقصد مرضاة اللَّه. . . والمعنى: لو شئنا فصّلناه وشرفناه ورفعناه قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه (١). وحاصل ذلك أن الشرف والرفعة وعلو المنزلة تكمن في الالتزام بمنهج الإسلام، وما يتصل بذلك التميُّز من لوازم، فإذا لم يتحقق ذلك فإنَّ مثل من بلغه الإسلام ولم يرفع به رأسًا ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. ومما يؤيد هذا الاستنتاج أيضًا؛ النظر في سياق الآية إذا جاءت عقب قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فقد رسمت هذه الآيات خطًا واضحًا متميزًا ألزم اللَّه جلَّ وعلا النّاس بسلوكه وانتهاجه وعاب عليهم الاحتجاج بصنيع الآباء إذا كان باطلًا ومخالفًا للعهد والميثاق الذي عاهدهم عليه وواثقهم به؛ سواء (حين كانوا في عالم كالذر أو إشارة إلى ما أودع في فطرهم من الاستسلام والخضوع للَّه جَلَّ وعلا والإيمان به) (٢). المهم أنَّ من خرج عن هذه السنة لحقه اللوم والتوبيخ؛ لأنَّ ذلك انتكاس عن الفطرة ونكثٌ للعهد ينزل بصاحبه إلى أسفل سافلين. ثم أعقب الآيات محل الشاهد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].

стр. 134

وفي مجمل هذه الآيات دليل بين على التعريض بمن لم يحقق التميُّز على صعيد الفرد، وعلي صعيد الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ عَلى امتداد تاريخها كله. ٢ - والقصص القرآني يشتمل على أساليب عدة فيها من التعريض بمن زاغ عن منهج الإسلام، وفيها من الدم والوعيد الشديد ما يكفل الحذر من الوقوع في مثل ذلك وأخذ العبرة مما حلَّ به، فردًا كان أو أُمَّةً، وفي قصص بني إسرائيل العبرة الكافية للدلالة على التميز من هذه الناحية، فقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تصور تاريخهم (وهم يمرون بحالاتٍ ثلاثٍ: حالة المن والعطاء، وحالة الجحود والإباء، وحالة الانتقام والجزاء، وذلك ليكون في قصصهم عبرة وعظة، تهدي الناس إلى أن يقوموا نحو خالقهم بواجب العبادة والشكر، حتى لا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل من عقوبات) (١). قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، تجاوزت هاتان الآيتان بظلالهما التهديد والوعيد الشديد لمن خالف أمر اللَّه وعصاه في الماضي وحلَّت به العقوبة إلى التعريض بمن يخالف سبيل الرشد إلى سبيل الغي ويتكبر في الأرض ويكذب بآيات اللَّه ويغفل عنها، وفي ذلك يقول الطبراني: (وإنَّما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] كما يقول

стр. 135

القائل لمن يخاطبه: سأريك غدًا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره) (١). والحقيقة أنَّ هذا التعريض ببني إسرائيل جاء في قمة ما أنعم اللَّه به عليهم من التكريم والاختيار والنصر والعزّة والعفو عنهم، ولكن بدت منهم علامات الزيغ والانحراف ومقابلة نعم اللَّه عليهم بالجحود والإنكار والطمع وقساوة القلب حتى بلغ بهم الأمر مبلغًا سلبهم اللَّه بسببه نعمة الاختيار والتفضيل والتكريم، وضرب عليهم الذِّلَّة والمسكنة واللَّعنة، وباؤوا بغضب من اللَّه، وجعل منهم القردة والخنازير، وتأذن ليبعثنّ عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، وهذه جملة من الآيات تبين الحالات الثلاث التي سبق الإشارة إليها: الحالة الأولى: حالة المن والعطاء: - قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٢٩ - ٣٢]. - وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف: ١٣٧] - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [يونس: ٩٣].

стр. 136

- وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]. هذه الآيات الكريمة تبين حالة المن والعطاء التي أنعم اللَّه بها على بني إسرائيل، وأنها جاءت إكرامًا من اللَّه لهم بما صبروا على ظلم فرعون وقومه لهم، وأنَّ اللَّه اختارهم على علم على العالمين، وفضلهم على من سواهم من الأمم بالنصر أولًا على عدوهم، وإكرامهم بالكتاب المنزل عليهم وهو التوراة والحكم والنبوة والرزق، وبهذا تميزوا على غيرهم تَمَيُّزًا ربانيًا بلغ قمته، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، فقد نجاهم اللَّه من بطش فرعون وظلمه، واختارهم على عالم زمانهم، فبعث فيهم أنبياء كثيرين، وآتاهم على يد موسى من الدلائل ما فيه اختبار ظاهر لهم، ولكنهم -ولحكمة يعلمها اللَّه- قابلوا هذا التفضيل وذلك التكريم بنوعٍ من الجهالة والإخفاق في تحمل مسؤولية ذلك التميُّز، وهذا واضح في كثير من مواقفهم التي قصها القرآن الكريم في مواضع كثيرة إلى جانب ما ذكر هنا (١). الحالة الثانية: حالة الجحود، أو موقف بني إسرائيل من هذا المن ومن ذلك العطاء: ويلمح في سياق الدلائل التي أظهرها اللَّه لبني إسرائيل على يد نبيهم موسى ﵇، والنعم التي أولاهم إياها إرهاصًا، وابتلاءً يتراوح بين العفو عنهم عندما ينحرفون عن الجادَّة، وتظهر منهم علامات كفران النِّعمَةِ، ودعوتهم لِتَجْديد التوبة وملازَمَةِ صراط اللَّه المستقيم، وعرض الفتن بمختلف صورها على صعيد العقيدة والشريعة والأخلاق

стр. 137

والسلوك، حتى انكشفت النفسية اليهودية في مسارها العام حيال هذا المن والعطاء، وأنها قابلته (بالظلم، والتبديل، والاعتداء، والفسق، والتناسي، استهانة بالحق، واستخفافًا بنذر العذاب الشديد) (١). - قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢ - ١٠١]. - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١].

стр. 138

الحالة الثالثة: حالة الانتقام والجزاء: بعد هذا الإلحاد في آيات اللَّه، والخروج عن منهجه، وعدم تحقيق التميُّز الذي يستوجبه ذلك المن والعطاء والاختيار والتكريم صدر الحكم الإلهي العادل والقضاء الماضي. . وهذه عدة آيات تبين ذلك: - قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]. - وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. - وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠]. - وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]. - وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ

стр. 139

الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]. - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. هذه الحالات الثلاث التي اتسم بها تاريخ بني إسرائيل يكشف عن منزلة التميُّز، وأَنَّهُ من لوازم سبيل الرشد والطريق المستقيم، وأَنَّ المن والعطاء الذي أحاط ببني إسرائيل كان من أجل حمل رسالة الدين والاستقامة على منهج اللَّه، وإذ لم يحققوا ذلك وتنكبوا طريقه سلبهم اللَّه ما أنعم به عليهم، واصطفى لحمل رسالته قومًا آخرين. يقول أحد الباحثين: (ولقد اختارهم اللَّه حقًا ذات يوم وكانوا شعب اللَّه المختار. . . ولكنهم عند الابتلاء سقطوا وجحدوا تلك النعمة فلم يرعوها حق رعايتها (وكانت) صفحتهم سوداء. . . أدت إلى نزع العهد منهم ورفع الاختيار عنهم ومنحه لأُمَّةٍ سواهم. . هي التي قال لها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) [آل عمران: ١١٠]. إن هذا المصير الذي آلت إليه اليهود ينطبق على كلِّ من هذا حَذْوهم بدءًا بالنَّصارى الَّذين قال اللَّه عنهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]. وينطبق ذلك على المشركين كافَّة وعلي المنافقين وعلي المبتدعين بقدر

стр. 140

بدعتهم، كما قال بعض الباحثين: (ما من طائفة من طوائف الأُمَّة خرجت عن السنة إلَّا وقعت في شيء من سنن الأُمم الهالِكَةِ. . وفيها شبه بالكفّار يقل أو يكثر) (١). ومما يروي عن بعض السلف أَنَّهُ كان يقول: (من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النَّصارى) (٢). ولعل ممَّا يتناسب مع هذا ما روي عن غضيف بن الحارث الثُّمالي أَنَّ النبي ﷺ قال: "ما أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُها مِن السُّنة" (٣). وبالجملة فإنَّ من لم يحقق التميُّز يدخل فيما سبق من التعريض والذَّم والوعيد الشديد في الدنيا والآخرة، ولعل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. لعل في هذه الآية من الإطلاق ما يتناول كل من لم يحقق التميُّز الذي هو نتيجة لاتباع سبيل المؤمنين، ولازم من لوازم ذلك. قال ابن كثير في معنى هذه الآية: (أي: ومن سلك غير طريق الشريعة

стр. 141

الَّتي جاء بها الرسول ﷺ فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له. وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]. هذا ملازم للصفة الأولى ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فِيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا فإنّه قد ضمنت لهم العصمة -في اجتماعهم- من الخطأ تشريفًا لهم، وتعظيمًا لنبيهم) (١). * * *

стр. 142

النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهليَّة تنبثق منزلة تميُّز الأمة الإسلامية من استقامتها على صراط اللَّه المستقيم، الَّذي ألزم اللَّه به عباده، وأكد عليهم انتهاجه، وذَكَّرَهُم به حتى في دعائهم، بل في كل ركعة يصلونها للَّه جلَّ وعلا؛ لئلا يزيغوا عنه، ووصفه بالاستقامة فقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وهذا الصراط الذي وصفه تعالى بأنه مستقيم، وأنه صراط المنعم عليهم، هو المنهج الذي اختاره اللَّه لعباده، وأمرهم بالسير فيه، وأن تتم عبادتهم له، واستعانتهم به، وما يتبع ذلك من أمور العبادة والعقيدة في حدوده، فينطلقون إلى اللَّه من منطلقه، ويلزمون جادَّته، ويتجهون فيه إلى غايته، وأبان اللَّه هذا المنهج لخلقه منذ آدم ﵇ وحتى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، كما بين -جلَّ وعلا- أن عباده انقسموا تجاه هذا الصراط إلى ثلاث أمم على مدى التاريخ؛ أمة عرفت الحق وتركته، (كاليهود ونحوهم) (١)، وأُمَّة زاغت عن الحق، وعبدت اللَّه بجهل وفي ضلال (كالنصارى ونحوهم) (٢)، وأمَّةٌ ثالِثَةٌ أنعم اللَّه عليها بالاستقامة على صراطه المستقيم، وهي الأمة الإسلامية. وتعني الاستقامة على الصراط المستقيم في حق أُمَّة محمد ﷺ بخاصة (لزوم الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا) (٣).

стр. 143

ومن لوازم ذلك مخالفة الأمتين الأخريين وعدم التشبه بهما (في الجملة، سواء كان ذلك عامًّا، في جميع أنواع المخالفات أو خاصًّا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب، أو أمر استحباب) (١)، لعدة أسباب منها: ١ - لأنَّهما على منهجين طرفين إمّا غلو وبدعة سببهما الجهل والضلال، وإما تحريف وانتحال وباطل سببه النكوص عن الحق ومعاداته، والأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ على منهج مستقل عن هذين المنهجين المنحرفين ذات اليمين وذات الشمال، متميِّز بما ميَّزَه اللَّه به من الحق والعلم والحكمة فوجب التمسك به ومخالفة ما عداه؛ لأنَّه الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]. ٢ - لأنَّ التشبه إذا كان فيما حذَّرَ منه الشارع يعني المتابعة في شيء من أمور العقيدة أو الشريعة أو الشعائر، ويعد ذلك هبوط من الأعلى للأدنى، وحيث إنَّ منهج الإسلام هو الحَقُّ فَإِنَّ التَّشَبه بما عليه الغير فيه متابعة للأَهواء أو الشُّبْهات أو الشهوات، وهذا مناف لمنزلة تميُّز الأمة الإسلامية، واتباعٍ لِسبيلِ غير المؤمنين، وفي ذلك وعيدٌ شديدٌ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. ٣ - ولما يفضي إليه التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية من محاذير قد تمس عقيدة الإيمان التي كان التميز من ثمارها المباركة، ومن تلك المحاذير: (المشاكلة بين المُقَلِّد والمُقَلَّد -بمعنى التناسب الشكلي والميول في القلب، والانصهار، والموافقة في الأقوال والأعمال، وهذا أمر مخل

стр. 144

بالإيمان) (١)، ومنها الإعجاب بالمناهج الأخرى في بعض عاداتها أو شعائرها أو نحو ذلك مما يورث ازدراء السنن، وازدراء الحق والهدي الَّذي جاء به الرسول ﷺ (٢)، كما أن في المشابهة محظورًا آخر وهو ما (تورثه من المحبة والموالاة بين المُتَشابهين، فَإِنَّ المُسلم إذا قلَّد الكافر لابد أن يجد في نفسه إلفة له، وهذه الإلفة لابد أن تورث المحبة، وتورث الرِّضى، والموالاةِ لِغير المُؤْمِنينَ، وَالنُّفْرَةِ من الصّالحينَ المتقين العاملين بالسنة، المستقيمين على الدين، وهذا أمر فطري ضروري، يدركه كل عاقل، خاصة إذا شعر المقلد بالغربة أو شعر؛ بما يسمى بالانهزامية النفسية) (٣)، وعندئذ تهتز ذاتية المسلم ويشعر بالمذلة والصغار؛ لأنَّ المقلِّد يكون في موقف الأَدنى والمقلَّد له صفة العظمة والعزة، وهذا شعور يتنافى مع ما أراده الإسلام لأُمَّتِهِ وَأفرادها من التميز والرفعة والعزَّةِ، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. هذه أهم أسباب النهي عن التشبه بأهل الكتاب وغير المسلمين، ولذلك قرَّر علماء الشريعة الإسلامية أنَّ النَّهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية (قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة كثيرة الشعب، واصطلاحًا جامعًا من أصولها كثير الفروع) (٤). وشدَّد بعضهم في التحريم مثل (ابن كثير وابن تيمية والمناوي والصنعاني وغيرهم) (٥).

стр. 145

يقول ابن تيمية: (دلَّت دلائل الكتاب والسنَّة والإجماع والآثار والاعتبار على أن مخالفة الكفار في هديهم مشروعة والتشبه بهم منهي عنه) (١). ولتوضيح ما يتصل بمنزلة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ يمكن استعراض ما قَرَّرَهُ عُلَماءُ الأُمَّةِ في النهي عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم بإيجاز، في النقاط الآتية: ١ - المراد بالتشبه المنهي عنه . ٢ - النهي عن التشبه في مجال العقيدة. ٣ - النهي عن التشبه في مجال العبادة. ٤ - النهي عن التشبه في مجال الشعائر والمظهر العام. ١ - المراد بالتشبه المنهي عنه: من أجل معرفة التشبه المنهي عنه لا بدَّ من التَّعَرف على مفهوم التَّشَبه في معناه اللُّغَوي، ثم تحديد التَّشَبه المَنْهِي عَنهُ، فأمّا معنى التشبه اللغوي، فهو مأخوذ من: (الشِّبْه والشَّبه والشَّبيه) (٢) وتعني: (المماثلة من جهة الكيفية، كاللون والطعم، كالعدالة والظلم) (٣)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] قال الراغب: (أي في الغَيِّ والجَهالَةِ) (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا
следующие страницы →