← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الَّتي جاء بها الرسول ﷺ فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له. وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]. هذا ملازم للصفة الأولى ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فِيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا فإنّه قد ضمنت لهم العصمة -في اجتماعهم- من الخطأ تشريفًا لهم، وتعظيمًا لنبيهم) (١). * * *

стр. 142

النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهليَّة تنبثق منزلة تميُّز الأمة الإسلامية من استقامتها على صراط اللَّه المستقيم، الَّذي ألزم اللَّه به عباده، وأكد عليهم انتهاجه، وذَكَّرَهُم به حتى في دعائهم، بل في كل ركعة يصلونها للَّه جلَّ وعلا؛ لئلا يزيغوا عنه، ووصفه بالاستقامة فقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وهذا الصراط الذي وصفه تعالى بأنه مستقيم، وأنه صراط المنعم عليهم، هو المنهج الذي اختاره اللَّه لعباده، وأمرهم بالسير فيه، وأن تتم عبادتهم له، واستعانتهم به، وما يتبع ذلك من أمور العبادة والعقيدة في حدوده، فينطلقون إلى اللَّه من منطلقه، ويلزمون جادَّته، ويتجهون فيه إلى غايته، وأبان اللَّه هذا المنهج لخلقه منذ آدم ﵇ وحتى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، كما بين -جلَّ وعلا- أن عباده انقسموا تجاه هذا الصراط إلى ثلاث أمم على مدى التاريخ؛ أمة عرفت الحق وتركته، (كاليهود ونحوهم) (١)، وأُمَّة زاغت عن الحق، وعبدت اللَّه بجهل وفي ضلال (كالنصارى ونحوهم) (٢)، وأمَّةٌ ثالِثَةٌ أنعم اللَّه عليها بالاستقامة على صراطه المستقيم، وهي الأمة الإسلامية. وتعني الاستقامة على الصراط المستقيم في حق أُمَّة محمد ﷺ بخاصة (لزوم الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا) (٣).

стр. 143

ومن لوازم ذلك مخالفة الأمتين الأخريين وعدم التشبه بهما (في الجملة، سواء كان ذلك عامًّا، في جميع أنواع المخالفات أو خاصًّا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب، أو أمر استحباب) (١)، لعدة أسباب منها: ١ - لأنَّهما على منهجين طرفين إمّا غلو وبدعة سببهما الجهل والضلال، وإما تحريف وانتحال وباطل سببه النكوص عن الحق ومعاداته، والأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ على منهج مستقل عن هذين المنهجين المنحرفين ذات اليمين وذات الشمال، متميِّز بما ميَّزَه اللَّه به من الحق والعلم والحكمة فوجب التمسك به ومخالفة ما عداه؛ لأنَّه الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]. ٢ - لأنَّ التشبه إذا كان فيما حذَّرَ منه الشارع يعني المتابعة في شيء من أمور العقيدة أو الشريعة أو الشعائر، ويعد ذلك هبوط من الأعلى للأدنى، وحيث إنَّ منهج الإسلام هو الحَقُّ فَإِنَّ التَّشَبه بما عليه الغير فيه متابعة للأَهواء أو الشُّبْهات أو الشهوات، وهذا مناف لمنزلة تميُّز الأمة الإسلامية، واتباعٍ لِسبيلِ غير المؤمنين، وفي ذلك وعيدٌ شديدٌ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. ٣ - ولما يفضي إليه التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية من محاذير قد تمس عقيدة الإيمان التي كان التميز من ثمارها المباركة، ومن تلك المحاذير: (المشاكلة بين المُقَلِّد والمُقَلَّد -بمعنى التناسب الشكلي والميول في القلب، والانصهار، والموافقة في الأقوال والأعمال، وهذا أمر مخل

стр. 144

بالإيمان) (١)، ومنها الإعجاب بالمناهج الأخرى في بعض عاداتها أو شعائرها أو نحو ذلك مما يورث ازدراء السنن، وازدراء الحق والهدي الَّذي جاء به الرسول ﷺ (٢)، كما أن في المشابهة محظورًا آخر وهو ما (تورثه من المحبة والموالاة بين المُتَشابهين، فَإِنَّ المُسلم إذا قلَّد الكافر لابد أن يجد في نفسه إلفة له، وهذه الإلفة لابد أن تورث المحبة، وتورث الرِّضى، والموالاةِ لِغير المُؤْمِنينَ، وَالنُّفْرَةِ من الصّالحينَ المتقين العاملين بالسنة، المستقيمين على الدين، وهذا أمر فطري ضروري، يدركه كل عاقل، خاصة إذا شعر المقلد بالغربة أو شعر؛ بما يسمى بالانهزامية النفسية) (٣)، وعندئذ تهتز ذاتية المسلم ويشعر بالمذلة والصغار؛ لأنَّ المقلِّد يكون في موقف الأَدنى والمقلَّد له صفة العظمة والعزة، وهذا شعور يتنافى مع ما أراده الإسلام لأُمَّتِهِ وَأفرادها من التميز والرفعة والعزَّةِ، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. هذه أهم أسباب النهي عن التشبه بأهل الكتاب وغير المسلمين، ولذلك قرَّر علماء الشريعة الإسلامية أنَّ النَّهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية (قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة كثيرة الشعب، واصطلاحًا جامعًا من أصولها كثير الفروع) (٤). وشدَّد بعضهم في التحريم مثل (ابن كثير وابن تيمية والمناوي والصنعاني وغيرهم) (٥).

стр. 145

يقول ابن تيمية: (دلَّت دلائل الكتاب والسنَّة والإجماع والآثار والاعتبار على أن مخالفة الكفار في هديهم مشروعة والتشبه بهم منهي عنه) (١). ولتوضيح ما يتصل بمنزلة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ يمكن استعراض ما قَرَّرَهُ عُلَماءُ الأُمَّةِ في النهي عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم بإيجاز، في النقاط الآتية: ١ - المراد بالتشبه المنهي عنه . ٢ - النهي عن التشبه في مجال العقيدة. ٣ - النهي عن التشبه في مجال العبادة. ٤ - النهي عن التشبه في مجال الشعائر والمظهر العام. ١ - المراد بالتشبه المنهي عنه: من أجل معرفة التشبه المنهي عنه لا بدَّ من التَّعَرف على مفهوم التَّشَبه في معناه اللُّغَوي، ثم تحديد التَّشَبه المَنْهِي عَنهُ، فأمّا معنى التشبه اللغوي، فهو مأخوذ من: (الشِّبْه والشَّبه والشَّبيه) (٢) وتعني: (المماثلة من جهة الكيفية، كاللون والطعم، كالعدالة والظلم) (٣)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] قال الراغب: (أي في الغَيِّ والجَهالَةِ) (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا

стр. 146

مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]: (يعني ما يشبه بعضه بعضًا في الأحكام، والحكمة، واستقامة النظم) (١)، وفي (التشبه)، معنى زائد على المماثلة وهو (المحاكاة والتقليد) (٢). وأما التشبه المنهي عنه فإنه: (مماثلة الكافرين بشتى أصنافهم في عقائدهم، أو عباداتهم أو عاداتهم، أو في أنماط السلوك التي هي من خصائصهم) (٣). ويخرج من دائرة النهي (ما لم يكن من خصائص الكفَّار، ولا من عقائدهم، ولا من عاداتهم، ولا من عباداتهم، ولم يعارض نصًّا أو أصلًا شرعيًا، ولم يترتب عليه مفسدة، فإِنَّه لا يكون من التشبه، وهذه قاعدة مجملة) (٤)، وكذلك ما كان مشروعًا في الإسلام وفعله السلف الصالح،

стр. 147

إذا انتهج غير المسلمين شيئًا من ذلك واعتادوه وظهروا به فلا كلام فيه (١). ومما ينبغي الإشارة إليه في هذا السياق التفريق بين أمرين اتسم بهما تميُّز الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، وانطبعت عليهما شخصية الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ في علاقتها بِغَيرها مِنْ أَهل الكتابِ وأَهْلِ الجاهِلِيَّةِ، الأَمر الأول ما يوجبه الإسلام من البراء من أولئك والحذر منهم والنهي عن التشبه بهم، فيما يتصل بعقيدة الإسلام وشريعته وهديه، والأمر الآخر صلات البر وحسن المعاملة، والبعد عن ظلمهم، أو الاعتداء عليهم، وهو جانب تميَّزت به الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّةُ فِي تعاملها مَعَهُمْ، وشهد لها المنصفون بذلك، وبما اتسمت به حضاراتها وثقافتها من التسامح معهم، والبر بهم، والإحسان إليهم عبر التاريخ تحقيقًا لقول الحق ﵎: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] وقول الرسول ﷺ : "إنِّي لم أبعث لعانًا وإنما بُعثتُ رحمة" (٢)، وقول اللَّه -جلَّ وعلا- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وهذا الأمر وما يندرج تحته من الصلات الإنسانيَّة والمعاملات المتصلة بشؤون العمران والحضارة لا يدخل في النهي؛ وهذا ما قرَّره علماء الأُمَّة، وذكروا أن النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية إلا يعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة، والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم. فالنَّبِيُّ ﷺ استأجر ابن أريقط (٣) اللَّيثيَّ ليدله على الطريق وهو كافر

стр. 148

واستدان من بعض اليهود (١)، وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات من الكفار، وهذا من باب الشراء منهم بالثمن. . . وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم، فإنَّ اللَّه أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم) (٢). ٢ - النهي عن التشبه في مجال العقيدة: استفاضت الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وفهم سلف الأُمَّة في النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية في مسائل عدة من مسائل العقيدة من أبرزها: الغلو في الدين، والاختلاف فيه والرهبانية، وتعطيل الحدود، واتخاذ القبور مساجد، والمغالاة في الأنبياء والصالحين، وبعض الشركيات الأخرى؛ التي نهى النبي ﷺ أُمَّتَهُ أن تسلُك فيها مَسْلَكَ اليهود والنصارى والفرس والروم وغيرهم مما يطلق عليه في الإسلام مسمى الجاهلية. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى

стр. 149

شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٦ - ١٩]. حيث بينت الآية ما فضل اللَّه به بني إسرائيل وما أنعم به عليهم من نعم، وما حدث منهم من اختلاف، ثُمَّ ربطت ذلك بما آل إليه الأمر من كون الرسالة نُزعت منهم، وجعلت في محمد ﷺ من وأُمَّتِهِ، وَأَنَّهُم مأمورون باتباع ما شرعه اللَّه لهم ومنهيون عن متابعة أهواء الذين لا يعلمون (ويدخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعة الإسلام) (١)، ويدخل في أهوائهم: (هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم يهوونه؛ وموافقتهم فيه: أتباع لما يهوونه. . . ولو فرض أنْ ليس الفعل من أتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك تكون أحسم لمادة متابعتهم، وأعون على حصول مرضاة اللَّه في تركها) (٢). وقد جاءت هذه الآية عامَّة في النهي عن أتباع أهواء الَّذين لا يعلمون، ومعنى الهوى: ما خالف الحق ومال بصاحبه إلى شهوة وسقط به من علوٍّ إلى سفل (٣)، وقد جاء في الآية (بلفظ الجمع تنبيهًا على أنَّ لكل واحدٍ هوى غير هوى الآخر، ثُمَّ هوى كل واحدٍ لا يتناهى، فإذًا اتباع أهوائهم نهاية الضلال والحيرة) (٤). وإذا كان النهي في هذه الآية وأمثالها عام، فإنّه قد ورد من الآيات والأحاديث وأقوال السلف ما ينص على مسائل معينة وأمور محددة من ذلك الآتي:

стр. 150

أ - حادثة تحويل القبلة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، نقل ابن كثير في تفسيرها عن كثير من السلف قولهم: (معناه لِئَلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع اللَّه بمخالفتهم في القبلة هذه الحجَّة) (١). ب- ما حدث من بعض الصحابة من منازعة في القدر، ونهي الرسول ﷺ عن ذلك، وأنه كان سبب هلاك الأمم السابقة، وفي هذا نهي عن التشبه بغير المسلمين في الخوض في المسائل التي تحدث الخلاف وتضرب بعض الدين ببعضه الآخر وتكون سببًا لهلاك الأُمَّة، فَقدْ (خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر. . . فقال لهم: "ما لكم تضربون كتاب اللَّه بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم") (٢). ج- حادثة السدرة التي كان المشركون يعكفون عليها، وينوطون بها أسلحتهم، وعندما مَرَّ المسلمون بها في خروجهم مع الرسول ﷺ إلى حنين، طلبوا من الرسول أن يجعل لهم ذات أَنواط، فغضب الرسول ﷺ وكبَّر اللَّه ولام المسلمين على ذلك، وَذكر لهم أنهم ساروا بطلبهم هذا على سنن أهل الكتاب من قبلهم، حيث قال اليهود لموسى ﵇ بعد أن أنجاهم اللَّه من فرعون، وأغرقه في اليم وجنده، ومروا على قوم يعبدون

стр. 151

صنمًا- ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١) [الأعراف: ١٣٨]، وقد ورد في ذلك عن أبي واقد اللَّيثيِّ أنَّ رسول اللَّه ﷺ لما خرج إلى خيبر مَرَّ بِشَجرةٍ للمشركين، يقالُ لها: ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا: يا رسول اللَّه، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : "سبحان اللَّه هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم" (٢). ومن هذا الحديث يتضح أن من سنن اللَّه في خلقه ميل الإنسان بمقتضى الطبع إلى المحاكاة والمماثلة (٣)، ومع أن الإسلام يقر الجانب الفطري عند الإنسان إلّا أَنَّهُ في مثل هذهِ الحال ينهى؛ لأن الميل هنا فيه محذور على العقيدة، ويأتي مندرجًا تحت ميل النفس إلى الفجور كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. كما أن إخبار الرسول ﷺ بما حدث في بني إسرائيل يتضمن النهي عن مشابهتهم والسير في منهجهم، فقد قَرَّرَ علماء أصول الفقه أن الإخبار من صيغ الأمر (٤).

стр. 152

٣ - النهي عن التشبه في مجال العبادة: وبالنظر إلى العبادات في الإسلام من صلاة وصيام وحج وغيرها من العبادات الأخرى يُلْحظُ بأن (الدين في مقاصده وتشريعاته وموقفه من أعدائه يقف موقف الخصوصية ورفض الباطل) (١) والبدعة، وينتهج منهجًا ربانيًا محددًا في منطلقاته وغاياته، ومن هنا تنبثق منزلة تميُّز الأمة الإسلامية -كما سبق الإشارة إليه- وفي مجالس. العبادة بخاصة جاءت تشريعات الرسول ﷺ لأُمَّتِهِ مخالِفَةً لِما كان عليه أَهل الكتاب وأهل الجاهلية وغيرهم من الأعاجم سواء في مسائل الطهارة، أو الصلاة، أو الإمامة، أو الصيام، وتنهى عن مشابهتهم، وترسم للأُمَّةِ الإسلاميَّةِ مَنْهجًا مُتَمَيِّزًا في أداء عباداتها، مما يجلي ذلك الأحاديث الآتية: - حديث أنس ﵁: (إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فقال الرسول ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلّا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. . .) (٢) الحديث. قال ابن تيمية: (فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه اللَّه لنبيه من مخالفة اليهود، بل على أَنَّه خالفهم في عامَّة أُمورِهم حتى قالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه) (٣). ويدل قولهم هذا على

стр. 153

أَنَّهم تيَقَنُوا من تَمَيُّزِ الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ عَنْهُمْ تَمَيُّزًا صريحًا واضحًا (١). - حديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ ﵁ أَنَّ الرَّسولَ ﷺ قالَ: "لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيرٍ (أو قال: على الفطرة) ما لم يُوَخِّرُوا المغرب إلى أن تشتبك النجوم" (٢)، وفي رواية أخرى: "لن تزال أمتي في مسكةٍ ما لم يعملوا بثلاث، ما لم يؤخروا المغرب بانتظار الإظلام، مضاهاة اليهود، وما لم يؤخروا الفجر إمحاق النجوم: مضاهاة النصرانية، وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها" (٣). - حديث جابر ﵁ قال: ". . . إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها" (٤)، في رواية مسلم: "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس

стр. 154

والروم" إلى قوله: "فلا تفعلوا" (١). قال ابن تيمية: (ففي هذا الحديث: أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلَّل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود. . . وهذا تشديد في النهي عن القيام للرجل القاعد. . . فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية) (٢). - حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا يزال الدين ظاهرًا ما عجَّلَ الناسُ الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يوخرون" (٣). قال ابن تيمية: (وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى، وإذا كان مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين اللَّه على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة) (٤). هذه من أبرز الأحاديث التي وردت في النهي عن التشبه بالكفار في مسائل العبادات، وهناك أحاديث كثيرة غيرها تعزز ذلك النهي، وتتناول جزئيات كثيرة تتعلق بالصلاة والطهارة والأذان والصيام والإفطار والسحور

стр. 155

والوصال وصيام عاشوراء، ونحو ذلك مما شرعه الرسول ﷺ مخالفًا لأعمال اليهود والنصارى والمشركين وكافة أمور الجاهلية (١). ومما يدل على مخالفة الرسول ﷺ لما كان عليه أهل الجاهليَّة ما حدث منه في حجَّة الوداع، فقد أَخَّرَ بعض المناسك كنفرة الحجيج من عرفة، وعجل الإفاضة من مزدلفة، وعمل أعمالًا أخرى على خلاف ما كان عليه أهل الجاهليَّةِ، وَنَصَّ على كون عمله -ذلك- جاء مخالفة لما عليه أهل الجاهليَّةِ من حيث كونهم اعتادوه، وجاءت مخالفَتُهُ لهم إحياء لمناسك الحجِّ على ما كانت عليهِ الحنيفيَّة السمحاء من ناحيةٍ وأخذًا بها إلى التمام والكمال من ناحية أخرى، وكان الرسول ﷺ يرمي الجمرات يوم النحر وهو على راحلته ويقول: "لتأخذوا مناسككم" (٢). ٤ - النهي عن التشبه في مجال الشعائر والمظهر العام: أما ما يتعلق بالشعائر الدينية مثل الناقوس والبوق ورفع الصوت في الحرب والذكر والجنائز والقيام لها والشق في القبر. . . أو ما يتعلق بالمظهر العام والعادات، مثل الاحتفال بالأعياد، وما يصحبها من بدع ومنكرات، وقص الشعر، ولبس الحرير والذهب، وكذلك استعمال آنية الذهب والفضة، والزيِّ واللِّباس، ونحو ذلك من العادات والمظاهر التي يحدث فيها التشبه. . . فقد وردت جملة من الأحاديث تنهى عن ذلك، منها: - الأحاديث الواردة في مشروعية الأذان، ومنها ما ورد في الصحيحين

стр. 156

عن ابن عمر ﵁ قال: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنًا مثل قرن اليهودِ. فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا بلال قم فنادِ للصَّلاةِ" (١). قال ابن تيمية: (ما يتعلق بهذا الحديث من شرع الأذان. . . ليس هذا موضع ذكره وذكر الجواب عما يستشكل منه، وإنَّما الغرض هنا: أن النَّبِيَّ ﷺ كره بوق اليهود المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد، علَّلَ هذه بأَنَّهُ من أمر اليهود، وعلَّلَ هذا بِأَنَّهُ من أمر النصارى. . وهذا يقتضي نهيه عما هو من أمر اليهود والنصارى. . . وإنَّما شعار الدين الحنيف الأذان المتضمن الإعلان بذكر اللَّه؛ الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب الشياطين، وتنزل الرحمة) (٢). - ما أثر عن الصحابة أنهم (كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر، وعند القتال وعند الجنائز) (٣).

стр. 157

قال ابن تيمية: (وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر اللَّه، وإجلاله وإكرامه، كما أن حالهم في الصلاة كذلك، وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاث من عادة أهل الكتاب، والأعاجم) (١). - ما ورد عن القيام للجنازة وعن الشق في القبر. . . ومن ذلك ما روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان أهل الجاهلية يقومون لها، يقولون إذا رأوها: كنت في أهلك ما كنت مرتين) (٢)، وما رواه أهل السنن الأربعة عن جرير بن عبد اللَّه ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "اللَّحدُ لنا والشَّقُ لِغيرنا" (٣). قال ابن تيمية: (وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب، حتى في وضع الميت في أسفل القبر) (٤). - الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن التشبيه بهم في المزي واللِّباس، واستعمال الآنية، وقص الشعر، والأمر بصبغ الشيب لمخالفتهم

стр. 158

والأمر بمخالفتهم في عامة الأمور الظاهرة (١)، وقد استفاضت الأدلة من السنة بذلك، ومنها ما يأتي: - ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال الرسول ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" (٢). - ما ورد في الصحيحين -أيضًا- عن ابن عمر ﵄، قال: (قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب" (٣)، وفي رواية أخرى لدى مسلم: "جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس" (٤). - ما رُويَ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: (قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهليَّةِ") (٥). - ما روي عن عبد اللَّه بن عمرو أنه قال: "من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة" (٦).

стр. 159

- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "فرق ما بيننا وبين المشركين: العمائم والقلانس" (١). - وعن وصل الشعر أخرج البخاري: (أن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عنه. . . ويقول: "إنما هلكت فهو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم" (٢). - وعن لبس الثياب ما رواه نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ أو قال: قال عمر: "إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلَّا ثوب فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود" (٣)، وما رواه مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: (رأى رسول اللَّه ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" (٤). والقاعدة الشاملة في الزي واللباس كما قررها علماء الشريعة هي مخالفة الأمم الأخرى غير الإسلامية من اليهود والنصارى والمجوس وأهل الجاهلية وغيرهم والنهي عن التشبه بهم، مستدلين بمثل ما رواه ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن التشبه بالأعاجم، وقال: "من تشبه بقوم فهو منهم" (٥)،

стр. 160

(وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين) (١). - وعن لبس الحرير والذهب واستعمال آنية غير المسلمين، وردت عدَّة أحاديث منها؛ حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (٢)؛ ولذلك (كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة، تشبهًا بالكفار) (٣). - وعن الأعياد وأنواعها وما يصاحبها من البدع والشركيات عند الأمم الأخرى من غير الأمة الإسلامية، ساق العلماء -وبخاصة ابن تيمية- كثيرًا من الأدلة النقلية والعقلية، وتوسعوا في شرحها ومناقشتها وبحثها، وتقصي جزئياتها، وخلصوا إلى القول بأن الأعياد: (من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر) (٤)، وأنه لا يجوز التشبه في ذلك بغير المسلمين من الأمم الأخرى سواء اليهود أو النصارى أو الروم أو الفرس أو غيرهم، ولا تجوز مشاركتهم فيها؛ لأن ذلك يندرج تحت قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]، (فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج. . . كالقبلة والصلاة والصيام) (٥)، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا

стр. 161

بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. قال بعض المفسرين: (لا يشهدون الزور: أعياد المشركين) (١)، وعن أنس ﵁ قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟ " قال: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال الرسول ﷺ : "إن اللَّه تعالى قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر" (٢). وفي هذا الحديث ما يؤكد تميُّز الأمة الإسلامية حتى في الشعائر ومظاهر الفرح وموجبات ذلك وغاياته وارتباطاته بما يجعلها ذات هوية مستقلة غاية الاستقلال عن متابعة الآخرين وتقليدهم، ولضمان هذه المنزلة لتَمَيُّز الأُمَّة الإسلامية، وبالنظر لمقاصد الشريعة الإسلامية أكد العلماء بأن (استقراء الشريعة في مواردها ومصادرها دال على أن ما أفضى إلى الكفر -غالبًا- مُحرَّم، وما أفضى إليه على وجه خفي حُرِّمَ) (٣)، (وما أفضى إليه

стр. 162

في الجملة ولا حاجة تدعو إليه حُرِّمَ) وفي هذا محافظة تامة على هوية الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ، ووصف دقيق لمنزلة تميزها. ومما ينبغي الإشارة إليه في ختام هذا المطلب أن تَميُّز الأمة الإسلامية كان محل إجماع سلف الأمة قولًا وعملًا بعد أن أرسى الرسول ﷺ مقوماته في حياة الأمة، ورسخ خصائصه، وحدد أهدافه ووسائل تحقيقه، وسار الخلفاء الراشدون على هديه ﷺ ومن تبعهم في القرون المفضَّلة، وعلي الرغم مما حدث بعد ذلك من افتراق في مناهج الأمة أثر على تميزها، فإن التميز سيستمر فيها وذلك بثبات طائفة منها على ذلك، دون تردد أو مداهنة للمخالفين حتى يأتي أمر اللَّه، وقد دلت على ذلك نصوص عدة وسجلتها كثير من الوقائع التاريخية المقرِّرة، التي توضح فهم الأمة الإسلامية لتميزها وتطبيقها التاريخي له. ومن أمثلة ذلك ما يأتي: - ما ورد عن أبي بكر ﵁ حين رأى امرأة لا تتكلم وسأل عنها (قالوا: حجَّت مصمتة، قال لها: (تكلَّمي، فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية) (١)، وهذا دليل على حرص أبي بكر على تميُّز الأمة، ونهيه عن أي مظهر من مظاهر غير المسلمين (٢). - واتخذ عمر بن الخطاب ﵁ من التدابير والسياسات ما يؤكد منزلة

стр. 163

التميز وأهميته وبخاصة فيما يتعلق بأهل الذمة، ومما يوضح ذلك شروطه مع أهل الذمة (١) فإنه لم يكتف فيها (بأصل التمييز) بل بالتميز في عامة الهدي على تفاصيل معروفة في هذا الموضع) (٢). - وسار الخليفة الراشد عثمان ﵁ ومن بعده الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ على ما شرطه عمر بن الخطاب ﵁ على أهل الذمة، ووافقه عليه المؤمنون (٣) (وسار العلماء بعدهم، ومن وفقه اللَّه تعالى من ولاة الأمور على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئًا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين) (٤). وخلاصة القول في ذلك: إن منزلة تميُّز الأمة الإسلاميَّةِ محل إجماع المسلمين، مما يحدد هذه المنزلة إجماعهم على النهي عن التشبه بغير المسلمين، ولزوم مخالفتهم (في الجملة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض الفروع، إما لاعتقاد بعضهم أنه ليس من هدي الكفار، أو لاعتقاده أن فيه دليلًا راجحًا، أو لغير ذلك، كما أنهم مجمعون على أتباع الكتاب والسنة، وإن كان قد يخالف بعضهم شيئًا من ذلك لنوع تأويل، واللَّه سبحانه أعلم) (٥). * * *

стр. 164

ضرورة إبراز ذاتية الأمة الإسلامية وصقلها وإظهار سمتها وسماتها مما سبق تبينت منزلة تميُّز الأمة الإسلامية، وأن هذه المنزلة تعد قدرًا إلهيًا، واختيارًا ربانيًا، وتفضيلًا وتكريمًا من الحكيم الخبير، وبقدر هذه المنزلة السامقة تعظم المسؤولية، وهي حمل رسالة الإسلام وتحقيق هديه في العقيدة والشريعة والأخلاق والسلوك في منطلقات الأمة وغاياتها وأهدافها ووسائلها وأساليبها، وبقدر عظم تلك المنزلة وهذه المسؤولية تظهر ضرورة التميز واقترانها بمنزلته، إذ لابد من تحقيقه في حياة الأمة لتنهض بحمل مسؤوليتها وتنال موعود اللَّه، وهذا ما ألمح إليه عمر بن الخطاب ﵁ في مقولته التي سبق الإشارة إليها: (من سرَّهُ أن يكون من تلك الأُمَّة فليُؤَدّ شرط اللَّه فيها) (١)، وضرورة التميز تتجلى في جوانب كثيرة منها؛ إبراز ذاتية الأمة الإسلامية وصقلها وإظهار سمتها وسماتها، وتجسيد القدوة في تلك الذاتية وإظهارها للإنسانية، وبناء قدرة الأمة الإسلامية على مواجهة الصراع الفكري. فأما إبراز ذاتية الأمة وصقلها وإظهار سمتها وسماتها، فقد اقتضت حكمة اللَّه أن تكون الأمة الإسلامية أمة متميزة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧].

стр. 165

- في الآية الأولى: نصَّ تعالى على تميُّز الأمة الإسلامية في الدنيا، وفي الآية الأخرى نص جَلَّ وعلا على تميزها في الآخرة -كما ذكر المفسرون- وتكاد هاتان الآيتان أن تكونا النص الصريح على تميُّز الأمة الإسلامية في القرآن الكريم وفيما عداهما جاء التميز ضمنًا (١)، أو بدلالة الاستلزام (٢). ومما جاء في تفسير ابن قيم الجوزية للآية الأولى قوله: (هذه الآية من كنوز القرآن، نبه فيها على حكمته تعالى المقتضية تمييز الخبيث من الطيب، وأن ذلك التمييز لا يقع إلَّا برسله، فاجتبى منهم من شاء وأرسله إلى عباده، فيتميز برسالتهم الخبيث من الطيب، والولي من العدو، ومن يصلح لمجاورته وقربه وكرامته ممن لا يصلح إلَّا للوقود، وفي هذا تنبيه على الحكمة في إرسال الرسل، وأنَّهُ لا بد منه. . . فتأمل هذا الموضع حق التأمل، وأعطه حظه من التفكير، فلو لم يكن هذا الكتاب سواه لكان من أجل ما يستفاد) (٣). وقال السدي وابن كثير: (يخرج المؤمن من الكافر) (٤)، وقال ابن عباس: (يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة) (٥).

стр. 166

ومما يدل على أن هذه الآية تنص على ضرورة تميُّز الأمة الإسلامية في الدنيا ما أورده المفسرون من أسباب لنزولها وتفسير لمدلولها، ومن ذلك قول ابن كثير: (ميز بينهم بالجهاد والهجرة) (١)، وقال: (يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن اللَّه به المؤمنين، فظهر به إيمانُهم وصبرُهم وجَلَدهم وثباتهمْ وطاعَتهم للَّهِ ورسولهِ ﷺ ، وهتك به أستار المنافقين، فأظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم للَّه ولرسول ﷺ ) (٢). - أما الآية الأخرى: فذكر المفسرون في معناها: (إن اللَّه يحشر الكافرين إلى جهنم ليميز الكافرين من المؤمنين) (٣)؛ لأن اللَّه يريد (أن يميز الخبيث من الطيب، ويجعل كل واحد على حدة، وفي دار تخصه، فيجعل الخبيث بعضه على بعض؛ من الأعمال والأموال والأشخاص ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧] الذين خسروا أنفسهم، وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين) (٤). وأوضحت الآيتان السابقتان ضرورة التميز بين أهل السعادة والشقاوة، والمسلمين والكفار، وأولياء اللَّه وأعدائه، وبين حزب اللَّه وحزب الشيطان، وأن اللَّه (لابد أن يعقد شيئًا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفضح عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر) (٥). ولولا هذا الصقل لذاتية الأمة والابتلاء والامتحان - (بالأسباب

стр. 167

الكاشفة لذلك) (١) - التي تحتم التميز، وتظهر ضرورته لحدث الخلط واستشرى الخبث وصار مشاعًا، لا يعرف معه للأمة ذات متميزة بسمتها وسماتها الخاصة. * * *

стр. 168

تجسيد القدوة في ذاتية الأمة الإسلامية وإظهارها للإنسانية والمقصود بهذا أن الأمة الإسلامية بحكم خيريتها وشهادتها على الأمم وحملها رسالة اللَّه لا بد أن تحقق في نفسها مبادئ الإسلام وقيمه وأخلاقه، وأن تصطبغ بصبغة اللَّه لتكون قدوة للإنسانية، وهذا الأمر يحتم التميز ويظهر ضرورته. قال الشيخ السعدي عند تفسيره لقول الحق ﵎: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]: (إذا أردت أن تعرف نموذجًا يبين لك الفرق بين صبغة اللَّه وبين غيرها من الصبغ فقس الشيء بضده) (١). ثم أجرى هو القياس وقال فيه: (كيف ترى في عبد آمن بربه إيمانًا صحيحًا، وأثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزل يتحلى بكل وصف حسن، وفعل جميل، وخلق كامل، ونعت جليل، ويتخلى من كل وصف قبيح ورذيلة وعيب. فوصفه الصدق في قوله وفعله، والصبر والحلم، والعفة والشجاعة، والإحسان القولي والفعلي، ومحبة اللَّه وخشيته، وخوفه، ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود، والإحسان لعبيده أي عبيد المعبود وهم خلق اللَّه، فقسه بعبد كفر بربه وشرد عنه، وأقبل على غيره من المخلوقين، فاتصف بالصفات القبيحة من الكفر، والشرك، والكذب، والخيانة، والمكر، والخداع، وعدم العفة، والإساءة إلى الخلق، في أقواله، وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود، ولا إحسان إلى عبيده) (٢).

стр. 169

ونتيجة لهذا القياس (فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما، ويتبين لك أنه لا أحسن من صبغة اللَّه، وفي ضمنه أنه لا أقبح ممن انصبغ بغير دينه) (١). ويظهر بعد آخر من هذا القياس والمقارنة وهو ضرورة التميز في شخصية الأمة الإسلامية والاتصاف بتلك الصفات الكريمة والخلال الحميدة والبعد عن مرذولات الأخلاق ومساوئ الصفات لكي تجسد الأمة الإسلامية القدوة الحسنة في نفسها، ويتضح للآخرين من حالها ما يجذبهم إليها، ويجعلهم يقصدونها، ويأتمون بها. إذن فتميز الأمة الإسلامية بالغ الضرورة لتجسيد القدوة وإظهارها للبشرية قاطبة. . ذلك التميز الشمولي المتكامل في مظهرها، وفي مضمونها وفي سمتها، وفي سلوكها. يقول عمر عودة الخطيب في ذلك: (إن المسلمين الذين اختصهم اللَّه برحمته، ومنّ عليهم بفضله العظيم، فكانوا حملة الأمانة الإلهية، والأمة الوسط الشهداء على الناس مدعوون -دائمًا- إلى أن يلتزموا المنهج الإسلامي الكامل في العقيدة والفكر، والقول والعمل، والاجتماع والأخلاق، وكل شأن من شؤون الحياة. . . مدعوون -بحكم هذا المنهج- أن يعتصموا بحبل اللَّه، ويتبعوا هداه ويعتزوا بشخصيتهم الإسلامية الفريدة التي بها سادوا، وبها يسودون) (٢). ولعل في سؤال الرجل الذي قال للنبي ﷺ : (يا رسول اللَّه كيف يرفع العلم وقد أُثْبِتَ في الكتاب ووعته القلوب؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن كنت

стр. 170

لأحسبك من أفقه أهل المدينة"، ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب اللَّه) (١). لعل في سؤال الرجل وجواب الرسول ﷺ له ما يبين أهمية القدرة وضرورة أن يكون التميز واقعًا ملموسًا في حياة الأمة، وأن يتجسد في قدوة صالحة تدعو الناس بفعلها قبل أن تدعوهم بقولها. * * *

стр. 171

بناء قدرة الأمة الإسلامية على مواجهة الصراع الحضاري لكل أمة من الأمم ذات وفاعلية حضارية ترتكز على عقائد وقيم ومفاهيم وتقاليد وعادات (وتسعى كل أمة سعيًا دَائبًا على أن تكون مفاهيمها واضحة الدلالة في ذاتها، مرعية الجانب لدى أبنائها، واسعة الانتشار والتداول لدى غيرها، وتتخذ لتحقيق ذلك وسائل شتى، فتؤلف الكتب، وتعقد المؤتمرات، وتقوم بالدراسات، وتصدر النشرات، وتضع مناهج التربية والتعليم، وتستخدم -بوجه عام- كل وسائل الإعلام والتوجيه لتوضيح هذه المفاهيم وشرحها، وبيان أسسها وخصائصها وتفصيل وجه النفع فيها) (١). ولا بد من أن تدور رحى الصراع بين أمة وأخرى في بعض هذه المجالات مما يستوجب وعي كل أمة بذاتها وبناء قدرتها لمواجهة ذلك الصراع الحضاري، وإلا فإن الأمة المتراخية عن شيء من مقومات ذاتيتها وسمتها وخصائصها ستكون معرضة بقدر تهاونها وتراخيها لغزو الأمة الأخرى؛ ولذلك فإن بناء قدرة الأمة الإسلامية على مواجهة الصراع الحضاري مع الأمم الأخرى يعتمد في بعض الجوانب على تميزها؛ مما يؤكد ضرورة التميز في الكيان والاتجاه والهدف والتصور والشعار والانتماء. يقول سيد قطب عن ضرورة التميز: (والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبله مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه، إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة، فالمكان أو الجهة ليس سوى

стр. 172

رمز، رمز للتميز والاختصاص، تميز التصور، وتميز الشخصية، وتميز الهدف، وتميز الاهتمامات، وتميز الكيان. والأمة المسلمة -اليوم- بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعًا، وبين شتّى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعًا، وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعًا، وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعًا. . . الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تلتبس بشخصيات الجاهلية السائدة، والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يلتبس بتصورات الجاهلية السائدة، والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور، والتميز براية خاصة تحمل اسم اللَّه وحده فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها اللَّه للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها. إن هذه العقيدة منهج حياة كامل، وهذا المنهج يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة، الشهيدة على الناس، المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى اللَّه. . . وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان، وفي الأهداف والاهتمامات، وفي الراية والعلامة. وهو الذي يمنحها مكان القيادة الَّذي خلقت له، وأخرجت للناس من أجله، وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار، مبهمة الملامح، مجهولة السمات، مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام (١). إن ضرورة تميز الأمة الإسلامية تزداد كما تقارب الزمان، وتقدمت وسائل الاتصال، واختلطت أمم الأرض بمناهجها وثقافاتها سارت البشرية نحو العالمية في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها لئلا

стр. 173

تذوب الأمة الإسلامية في ثقافة أو أخرى أو تتراجع عن رسالتها في الحياة أمام حضارة غير حضارتها تنطلق من أسس أخرى، وتهدف إلى مقاصد وغايات تغاير مقاصد الأمة الإسلامية وغاياتها، (فقد أخرج اللَّه الأمة المسلمة لتؤدي دورًا كونيًا كبيرًا، ولتحمل منهجًا إلهيًا عظيمًا، ولتنشئ في الأرض واقعًا فريدًا، ونظامًا جديدًا. . . وهذا الدور الكبير يقتضي التجرد والصفاء والتميز والتماسك. . . وبتعبير مختصر يقتضي أن تكون طبيعة هذه الأمة من العظمة بحيث تسامي عظمة الدور الذي قدره اللَّه لها في هذه الحياة، وتسامي المكانة التي أعدها اللَّه لها في الآخرة) (١). * * *

стр. 174

الفصل الثانى الاستشراق والمستشرقين - مفهوم الاستشراق والمستشرقين: تعريف الاستشراق. مسلمات حول مفهوم الاستشراق والمستشرقين وملحوظاتهم. - لمحة موجزة عن تاريخه: جذور نشأة الاستشراق. الصلات الثقافية بين الإسلام والغرب في الأندلس وصقلية. أثر الاستشراق في الحروب الصليبية وأثرها في الاستشراق. تطور الاستشراق. العوامل التي ساعدت على تطور الاستشراق. حاضر الاستشراق ومستقبله وعوامل قوته واستمراره. دوافع الاستشراق ومظاهر نشاطه.

стр. 175

الاستشراق والمستشرقين مفهوم الاستشراق والمستشرقين تعريف الاستشراق: أ- تعريفه لغة: الاستشراق لغة: مصدر الفعل (استشرق)، وقد ذكر صاحب معجم متن اللغة: أنها (مولدة عصرية) (١)، ولكن إذا أُمعن النظر في هذا الفعل وجد أن بعض حروفه مزيد وبعضها أصلي. أما المزيد فهي همزة الوصل والسين والتاء، وزيادة همزة الوصل لئلا تُبْدَأ اللفْظَةُ بساكن (لأنَّ الابْتداءِ بالساكِنِ مُمْتَنِع) (٢)، وأما السين والتاء فتستعملان للطلب، كقولهم: استخرج استخراجًا، والاستخراج: طلب الخروج، واستصحب استصحابًا والاستصحاب لطلب الصحبة. . . وتستعملان بمعنى التحول والانتقال كقولهم: استحجر الطين؛ أي: صار حجرًا، وكقولهم: (استنوق الجمل، استيست الشاة؛ أي: صار الجمل كالناقة في طباعها، وصارت الشاة كالتيس، ومنه المثل: (إن البغاث بأرضنا يستنسر) (٣) (٤).

стр. 176

وأما الحروف الأصلية في لفظ (استشرق استشراقًا) فهي: شَرَقَ؛ وقد ورد لدى ابن فارس في معجمه قوله: (شرق: الشين والراء والقاف: أصل واحد يدل على إضاءة وفتح، من ذلك: شرقت الشمس؛ إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. . . والشرق المشرق. . . ومن قياس هذا الباب: الشاة الشرقاء: المشقوقة الأذن، وهو من الفتح الذي وصفناه) (١). وقال الراغب الأصفهاني: (والمشرق والمغرب إذا قيلا بالإفراد فإشارة إلى ناحيتي الشرق والمغرب، وإذا قيلا بلفظ الجمع فاعتبارٌ بمطلع كل يومِ ومغربة، أو بمطلع كل فصل ومغربة) (٢)، وبعد أن يستشهد على ذلك بآيات قرآنية وردت في كل من المعاني التي ذكرها، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]: (أي: ناحية الشرق) (٣).

стр. 177

من هذه المعاني اللغوية يتبين المدلول اللُّغوي للاستشراق والمستشرقين وفقًا لما عرَّفه صاحب معجم متن اللغة بقوله: (استشرق طلب علم الشرق ولغاتهم) (١)، ويقال لمن يقول بذلك مستشرق وجمعه مستشرقون، ولما ينجزوه استشراقًا. ومما يعمق الدلالة اللّغوية للاستشراق والمستشرق كون لفظ (أشرق) يأتي بمعنى الإضاءة والفتح، وهذا المعنى له دلالة فلسفية ومعنوية: - أما الدلالة الفلسفية فهي: (ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها على الأنفس. . .) (٢) كما يقول الفلاسفة ويقولون -أيضًا-: (الحكمة المشرقية أو حكمة الإشراق باعتبار الشرق هو المنبع الرمزي لإشراق النور) (٣). - وأما الدلالة المعنوية فهي إطلاق الاستشراق بمعنى طلب الشرق على طلب علومه ومعارفه، وهذا إطلاق معنوي. وصلة الاستشراق والمستشرقين بهاتين الدلالتين شديدة ولا سيما أنه قد ورد في بعض المراجع التاريخية؛ إنه كان يطلق على طالب العلم لدى الأمم الغربية قديمًا؛ مستشرق، إما باعتباره يطلب الحكمة ونورها في الفكر والعقل ونورها هذا يسمى إشراقًا، وإما باعتباره يطلب العلم والحكمة ومنبعها الدين ومهد الأديان الشرق، فكأنه بطلبه العلم رحل إلى

стр. 178

الشرق، وفي هذا الإطلاق نقل لمعنى الشرق من الاتجاه ناحية الشرق حسًا إلى الاتجاه إلى علومه، وهو ولا شك إطلاق معنوي (١). ب- تعريفه اصطلاحًا: عرف الاستشراق بتعريفات عدة، بعضها يتناول الاستشراق من حيث موضوع دراساته أو أسلوبه في تلك الدراسات أو منطلق البحث أو غايته أو ارتباطاته الدينية والسياسية وحركته، وبعضها الآخر يتناول المستشرقين أشخاصًا وفئات. فأما الاستشراق موضوعًا وحركة وإنتاجًا ومنهجًا فقد عرف بتعريفات كثيرة من أبرزها الآتي: ١ - عرفه المستشرق الألماني (رودي بارت) بقوله: (الاستشراق هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي) (٢). ٢ - وعرفه إدوار سعيد بقوله: (الاستشراق أسلوب في الفكر قائم على تمييز. . . بين الشرق في معظم الأحيان والغرب) (٣). وقال -أيضًا-: (الاستشراق يمكن أن يناقش ويحلل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه وحكمه،

стр. 179

وبإيجاز: الاستشراق (بوصفه أسلوبًا غربيًا) للسيطرة على الشرق، واستبنائه، ولامتلاك السيادة عليه) (١). ومما قال في تعريفه أيضًا: إنه ذلك (الفرع المنظم تنظيمًا عاليًا الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبر الشرق -بل حتى- أن تنتجهُ سياسيًا، واجتماعيًا، وعسكريًا، وعقائديًا، وعلميًا، وتخيليًا، في مرحلة ما بعد عصر التنوير) (٢). ٣ - ذكر (رود نسون): أن (كلمة الاستشراق دخلت على معجم الأكاديمية الفرنسية في: (١٨٣٨ م)، وتجسدت فكرة نظام خاص مكرس لدراسة الشرق) (٣). ٤ - وعُرِّف الاستشراق بأنه: (ذلك التيار الفكري الذي تمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي والتي شملت حضارته وأديانه، وآدابه ولغاته، وثقافته، ولقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن العلم الإسلامي معبرًا عن الخلفية للصراع الحضاري بينهما) (٤). هذا عن تعريفات (الاستشراق). أما تعريفات المستشرقين فمن أبرزها الآتي: ١ - جاء في قاموس أكسفورد المستشرق هو: (من تبحر في لغات الشرق وآدابه) (٥).

стр. 180

٢ - وعرف (أنجلو جويدي) المستشرق بأنه: (من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق وبين الوقوف على القوى الروحية الأدبية التي أثرت على تكوين الثقافة الإنسانية) (١). ٣ - وعرف (ديتريش) المستشرق بقوله: (ذلك الباحث الذي يحاول دراسة الشرق وتفهمه، ولن يتأتى له الوصول إلى نتائج سليمة في هذا المضمار ما لم يتقن لغات الشرق) (٢). ٤ - ويقول إدوارد سعيد: (كل من يقوم بتدريس الشرق، أو الكتابه عنه، أو بحثه -ويسري ذلك سواء أكان المرء مختصًا بعلم الإنسان (الإنثروبولوجي)، أو بعلم الاجتماع، أو مؤرخًا، أو فقيه لغة (فيلولوجيا) - في جوانبه المحددة والعامة على حدٍّ سواء، هو مستشرق وما يقوم. . . بفعله هو استشراق) (٣).
следующие страницы →