← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأما الحروف الأصلية في لفظ (استشرق استشراقًا) فهي: شَرَقَ؛ وقد ورد لدى ابن فارس في معجمه قوله: (شرق: الشين والراء والقاف: أصل واحد يدل على إضاءة وفتح، من ذلك: شرقت الشمس؛ إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. . . والشرق المشرق. . . ومن قياس هذا الباب: الشاة الشرقاء: المشقوقة الأذن، وهو من الفتح الذي وصفناه) (١). وقال الراغب الأصفهاني: (والمشرق والمغرب إذا قيلا بالإفراد فإشارة إلى ناحيتي الشرق والمغرب، وإذا قيلا بلفظ الجمع فاعتبارٌ بمطلع كل يومِ ومغربة، أو بمطلع كل فصل ومغربة) (٢)، وبعد أن يستشهد على ذلك بآيات قرآنية وردت في كل من المعاني التي ذكرها، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]: (أي: ناحية الشرق) (٣).

стр. 177

من هذه المعاني اللغوية يتبين المدلول اللُّغوي للاستشراق والمستشرقين وفقًا لما عرَّفه صاحب معجم متن اللغة بقوله: (استشرق طلب علم الشرق ولغاتهم) (١)، ويقال لمن يقول بذلك مستشرق وجمعه مستشرقون، ولما ينجزوه استشراقًا. ومما يعمق الدلالة اللّغوية للاستشراق والمستشرق كون لفظ (أشرق) يأتي بمعنى الإضاءة والفتح، وهذا المعنى له دلالة فلسفية ومعنوية: - أما الدلالة الفلسفية فهي: (ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها على الأنفس. . .) (٢) كما يقول الفلاسفة ويقولون -أيضًا-: (الحكمة المشرقية أو حكمة الإشراق باعتبار الشرق هو المنبع الرمزي لإشراق النور) (٣). - وأما الدلالة المعنوية فهي إطلاق الاستشراق بمعنى طلب الشرق على طلب علومه ومعارفه، وهذا إطلاق معنوي. وصلة الاستشراق والمستشرقين بهاتين الدلالتين شديدة ولا سيما أنه قد ورد في بعض المراجع التاريخية؛ إنه كان يطلق على طالب العلم لدى الأمم الغربية قديمًا؛ مستشرق، إما باعتباره يطلب الحكمة ونورها في الفكر والعقل ونورها هذا يسمى إشراقًا، وإما باعتباره يطلب العلم والحكمة ومنبعها الدين ومهد الأديان الشرق، فكأنه بطلبه العلم رحل إلى

стр. 178

الشرق، وفي هذا الإطلاق نقل لمعنى الشرق من الاتجاه ناحية الشرق حسًا إلى الاتجاه إلى علومه، وهو ولا شك إطلاق معنوي (١). ب- تعريفه اصطلاحًا: عرف الاستشراق بتعريفات عدة، بعضها يتناول الاستشراق من حيث موضوع دراساته أو أسلوبه في تلك الدراسات أو منطلق البحث أو غايته أو ارتباطاته الدينية والسياسية وحركته، وبعضها الآخر يتناول المستشرقين أشخاصًا وفئات. فأما الاستشراق موضوعًا وحركة وإنتاجًا ومنهجًا فقد عرف بتعريفات كثيرة من أبرزها الآتي: ١ - عرفه المستشرق الألماني (رودي بارت) بقوله: (الاستشراق هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي) (٢). ٢ - وعرفه إدوار سعيد بقوله: (الاستشراق أسلوب في الفكر قائم على تمييز. . . بين الشرق في معظم الأحيان والغرب) (٣). وقال -أيضًا-: (الاستشراق يمكن أن يناقش ويحلل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه وحكمه،

стр. 179

وبإيجاز: الاستشراق (بوصفه أسلوبًا غربيًا) للسيطرة على الشرق، واستبنائه، ولامتلاك السيادة عليه) (١). ومما قال في تعريفه أيضًا: إنه ذلك (الفرع المنظم تنظيمًا عاليًا الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبر الشرق -بل حتى- أن تنتجهُ سياسيًا، واجتماعيًا، وعسكريًا، وعقائديًا، وعلميًا، وتخيليًا، في مرحلة ما بعد عصر التنوير) (٢). ٣ - ذكر (رود نسون): أن (كلمة الاستشراق دخلت على معجم الأكاديمية الفرنسية في: (١٨٣٨ م)، وتجسدت فكرة نظام خاص مكرس لدراسة الشرق) (٣). ٤ - وعُرِّف الاستشراق بأنه: (ذلك التيار الفكري الذي تمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي والتي شملت حضارته وأديانه، وآدابه ولغاته، وثقافته، ولقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن العلم الإسلامي معبرًا عن الخلفية للصراع الحضاري بينهما) (٤). هذا عن تعريفات (الاستشراق). أما تعريفات المستشرقين فمن أبرزها الآتي: ١ - جاء في قاموس أكسفورد المستشرق هو: (من تبحر في لغات الشرق وآدابه) (٥).

стр. 180

٢ - وعرف (أنجلو جويدي) المستشرق بأنه: (من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق وبين الوقوف على القوى الروحية الأدبية التي أثرت على تكوين الثقافة الإنسانية) (١). ٣ - وعرف (ديتريش) المستشرق بقوله: (ذلك الباحث الذي يحاول دراسة الشرق وتفهمه، ولن يتأتى له الوصول إلى نتائج سليمة في هذا المضمار ما لم يتقن لغات الشرق) (٢). ٤ - ويقول إدوارد سعيد: (كل من يقوم بتدريس الشرق، أو الكتابه عنه، أو بحثه -ويسري ذلك سواء أكان المرء مختصًا بعلم الإنسان (الإنثروبولوجي)، أو بعلم الاجتماع، أو مؤرخًا، أو فقيه لغة (فيلولوجيا) - في جوانبه المحددة والعامة على حدٍّ سواء، هو مستشرق وما يقوم. . . بفعله هو استشراق) (٣).

стр. 181

في ضوء هذه التعريفات للاستشراق والمستشرقين، ومن خلال المدلول اللغوي المتقدم ذكره تتأكد أهمية تحديد المراد بالشرق ومكانة اللغة العربية والإسلام في الدراسات الاستشراقية ولدى المستشرقين. أما المراد بالشرق فإن بعض الباحثين من المستشرقين وغيرهم قد توقف عنه بغية تحديده، وفيما يأتي أبرز ما توصلوا إليه: ١ - يقول باحث غربي: (الظاهر أن اسم الشرق تعرض لتغيير في معناه، فالشرق بالقياس إلينا نحن الألمان، يعني: العالم السلافي، العالم الواقع خلف الستار الحديدي -وهذه المنطقة يختص بها علميًا بحوث شرق أوروبا osteuropaforscling ، أما الشرق الذي يختص به الاستشراق فمكانه جغرافيًا في الناحية الجنوبية الشرقية بالقياس إلينا، والمصطلح يرجع إلى العصر الوسيط، بل إلى العصور القديمة، إلى الوقت الذي كان فيه البحر المتوسط يقع كما قيل في وسط العالم، وكانت الجهات الأصلية تحدد بالنسبة إليه- فلما انتقل مركز ثقل الأحداث السياسية بعد ذلك من البحر المتوسط إلى الشمال بقي مصطلح الشرق رغم ذلك دالًّا على الدول الواقعة شرق البحر المتوسط -كذلك تعرضت لفظة (الشرق)، في أعقاب الفتوحات العربية الإسلامية لتغيير آخر في معناها أو إذا شئنا دقة أكثر؛ تعرضت لاتساع في نطاق مدلولها- فقد انطلق الفاتحون في ذلك الوقت

стр. 182

من شبه الجزيرة العربية إلى ناحية الشمال والشرق فحسب، بل إلى ناحية الغرب كذلك، وزحفوا في غضون عشرات من السنين، إلى مصر وشمال إفريقية حتى بلغوا المحيط الأطلسي، واستوطن الإسلام قطاع بلدان شمال إفريقية دينًا، وتعرب السكان تدريجيًا، وهم الأقباط في مصر والبربر غربها- ومنذ ذلك العين تعتبر مصر وبلدان شمال إفريقية ضمن الشرق، ويختص الاستشراق حتى بشمال غرب إفريقية الذي يسمى بالمغرب أي بلد غروب الشمس، وإن كان اسمه- الاستشراق- يفترض أَنَّهُ يختص بالبلدان الشرقية دون غيرها- ومهما يكن من أمر فإن الاسم لا يبين بوضوح مستقيم المقصود منه بالضبط، والمهم هو الموضوع ذاته) (١). ٢ - ويقول أحد الباحثين العرب: (إن مفهوم هذه الكلمة (الشرق) يتغير تبعًا لاختلاف المكان، وتبعًا لتغير الأزمان، فالشرق يختلف بالنسبة للياباني أو العربي أو الألماني أو الإنجليزي أو الأمريكي - والشرق يختلف بالنسبة لأهالي العصور القديمة والوسطى، أو للبشر في تاريخنا الحديث والمعاصر، وخاصة بعد اكتشاف الأمريكيتين) (٢). ٣ - ويقول أحد المستشرقين في ذلك: (ليس استعمال كلمة الشرق في تاريخ الحضارة متفقًا مع معناها الجغرافي تمامًا؛ فإن بلدان الشرق الأدنى المتحضرة كان يجب تسميتها في روسيا بالجنوب -وكذلك إفريقية الشمالية التي تعد جزءًا من الشرق الإسلامي، جنوبية بالنسبة إلى أوربا- ابتدأ استعمال كلمة الشرق بمعنى البلاد المتحضرة مقابلًا للغرب في عصر

стр. 183

الإمبراطورية الرومانية- ولم يكن يوجد في نظر اليونان إلا الجنوب الحار المتحضر والشمال البارد موطن المتوحشين، وكانوا في تقسيمهم العالم إلى أقسامه المختلفة يسيرون على هذا الأساس نفسه، فيجعلون أوروبا شمالي آسيا وإفريقية معًا؛ فلو كانت سيبيريا معلومة لهم لعدت قسمًا من أوروبا) (١). ٤ - ويعالج باحث عربي هذه المسألة قائلًا: (أما الغرب فهو اصطلاح حديث جرينا فيه على ما اصطلح عليه الأوروبيون في عصور الاستعمار من تقسيم العالم إلى شرق وغرب، يعنون بالغرب أنفسهم، ويعنون بالشرق أهل آسيا وإفريقية الذين كانوا موضع استعبادهم واستغلالهم، وجرينا نحن على هذا الاستعمال، والكلمة وإن كانت حديثه اصطلاحيًا واستعمالًا فيه قديمة في مفهومها ودلالتها، فقد كان في العالم من زمن قديم قوتان تصطرعان وتتنازعان السيادة إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب، تمثل ذلك في الصراع بين الفرس والروم، ثم في الصراع بين المسلمين والروم، ثم في الصراع بين المسلمين والصليبيين، ثم في الصراع بين العثمانيين والأوروبيين مدًا وجزرًا، ثم كان آخر فصول هذه الملحمة الصلات بين الشرق ممثلًا في آسيا وإفريقية، وبين الغرب ممثلًا في أوروبا وأمريكا) (٢). * * *

стр. 184

مسلمات حول مفهوم الاستشراق والمستشرقين وملحوظات: يتضح من التعريفات السابقة للاستشراق والمستشرقين، ما تبعها من آراء وأقوال حول مسمى (الشرق)، أن في تلك الاراء مُسَلَّمَات من الناحيتين الجغرافية والموضوعية، ويرد عليها بعض الاعتراضات في بعض القضايا وبخاصة ما يتعلق منها بمدلول الشرق والغرب في الإسلام، وعلي الرغم من ذلك فإن نطاق الاستشراق والمستشرقين قد (اتسع مع الأيام في ناحية وضاق في ناحية أخرى؛ اتسع في الناحية الجغرافية إذ ضمَّ إلى دراسة المشرق العربي دراسة المغرب العربي، وضاق في الناحية اللغوية والدينية؛ إذ انصب اهتمام معظم المستشرقين على دراسة الإسلام في عقيدته وشريعته وتاريخه، وانصب اهتمامهم كذلك على دراسة اللغة العربية بعد أن درس معظمهم عدة لغات شرقية من هندية وصينية وغيرهما بلهجاتها المتنوعة (١)، مما يدل دلالة واضحة على أن هدف الاستشراق والمستشرقين هو الإسلام ومفتاحه اللغة العربية، ولا غير في ذلك فإن الإسلام هو مصدر عزة الشرق وقوته المعنوية والحسية؛ ولأنَّ (الإسلام هو صلب الشرق، فإذا وهن الإسلام وهن الشرق كله) (٢). ولعل أكثر ما يهم في هذا البحث هو ما قام به بعض المستشرقين من

стр. 185

دراسات عن الإسلام والأمة الإسلامية، تهدف في مجملها إلى توهين ذاتية الأُمَّة الإسلاميَّةِ، وإذابة تميزها في ثقافات الأمم الأخرى. أما المسلمات المشار إليها آنفًا فهي: - كون الأرض من حيث طبيعتها الجغرافية التي فطرها اللَّه عليها مقسومة إلى شطرين شطر تشرق منه الشمس ويسمى المشرق أو الشرق، وشطرها الآخر تغرب فيه الشمس ويسمى المغرب أو الغرب (١)، ومن المسلم به لدى العالم أجمع كون أيام الأسبوع والشهر تبدأ من شرق آسيا وتنتهي بأمريكا (٢). - ومن ناحية أخرى فإن التمايز الحضاري والثقافي بين الأمم الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط والأمم الواقعة غربه من المسلمات فقد تشكلت حضارة وثقافة ترتكز على الإسلام في جملتها في الشعوب والأمم الواقعة شرق البحر المذكور، وسادت ثقافة واحدة وحضارة واحدة في الجملة في شعوب أوروبا وأمريكا وحتى روسيا (٣). وكون التقسيم يعتمد على الثقافة والحضارة فهذا مُسَلَّمٌ به، ولكن مصطلح الشرق والغرب في هذه الناحية الموضوعية ليس مُسَلَّمًا به بل الأولى تغييره إلى الغرب والإسلام (٤).

стр. 186

وأما مدلول الشرق والغرب في الإسلام فإن الذي يحدده جزيرة العرب مهد الإسلام ومهبط الوحي، فما كان شرقها فهو المشرق والشرق، وما كان غربها فهو المغرب أو الغرب، وهذا ما درجت عليه الأمة الإسلامية في تاريخها القديم والحديث (١)، إلا أَنَّه شاع في العصر الحاضر (مصطلح الشرق الأوسط كمصطلح جغرافي وسياسي حتى شعوب العالم الإسلامي اعتادت هذه التسمية التي أطلقها عليهم الآخرون، مع أن المقصود بها وبالشرق الأدنى والشرق الأقصى تقسيم العالم الشرقي إلى أقسام حسب البعد والقرب من أوروبا. . . والذي يتحكم في تحديد هذه المسميات هي المصالح الغربية والمطامع السياسية وفقًا للظروف التاريخية ومراكز القوى الدولية) (٢). ويؤكد بعض الباحثين أن مصطلح الشرق الأوسط يراد به (العالم الإسلامي منطقة جغرافية استراتيجية خاضعة لنفوذهم (أي: الغرب ومن خلفهم الصهيونية العالمية) مجردة من المقومات الذاتية للأمة الوسط أي الأمة الإسلامية، والتي تنبع من الإسلام ذاته عقيدةً وتاريخًا وحضارةً) (٣).

стр. 187

ويمكن القول: إن الاستشراق: حركة فكرية ركزت دراساتها وأبحاثها في مجملها على اللغة العربية والدين الإسلامي للتمكن من احتواء الأمة الإسلامية، ونفي تميزها، وتحقيق سيادة الغرب وهيمنته على العالم الإسلامي بخاصة. * * *

стр. 188

لمحة موجزة عن تاريخه جذور نشأة الاستشراق تعددت آراء الذين أرَّخُوا لنشأة الاستشراق، وقد صنفها بعض الباحثين في أحد عشر رأيًا (١)، وربما زادت على ذلك، ويمكن إجمال أبرز هذه الآراء فيما يأتي: ١ - يرجع بعض الباحثين نشأة الاستشراق إلى (الأحداث السياسية والثقافية التي واجهت الغرب بالشرق منذ الحرب الفارسية اليونانية، مرورًا بالفتوحات الإغريقية التي أدَّت إلى وصول الإغريق والرومان إلى هذه الأصقاع التي استعمروها سياسيًا وحضاريًا) (٢) حيث تخلل الاستشراق تلك الأحداث، وتمثل في أعمال ثقافية منها: أ- المعلومات التي سجلها المؤرخ اليوناني الشهير (هيردوتس) عن مصر والشام وبلاد الرافدين والجزيرة العربية. ب- تقارير البعثات الاستطلاعية التي رافقت اجتياح الإسكندر المقدوني لبلاد الشرق. ج- الألواح التي أرسلها (الإسكندر)، من بابل إلى اليونان، وقام العلماء اليونانيون بترجمتها وأفادوا منها في علوم الفلك وتقويم البلدان. د- إنشاء المدارس اليونانية في بعض المدن الشرقية مثل

стр. 189

(الإسكندرية، والرها، وحران، وجند يسابور) وما كان لها من آثار فكرية وكذا الفلاسفة الذين قصدوا تلك المراكز في الشرق. هـ - إخفاق الحملة الرومانية على الجزيرة العربية في عهد (يوليوس قيصر) وما أحدثه من أخبار وقصص ووصف للجزيرة العربية أذكى روح التعلق بالبحث وارتياد المجهول مما أسهم في نشأة الاستشراق. و- مكانة الإسكندرية بوصفها مركزًا ثقافيًا زاخرًا بالفلاسفة والمفكرين وكذلك مكتبتها الشهيرة، وقد شكل ذلك مددًا استشراقيًا للإمبراطورية الرومانية) (١). ٢ - يربط بعض الباحثين نشأة الاستشراق بتاريخ الإسلام وأحداثه. . .؛ ومن أبرزها الآتي: ١ - بعثة الرسول ﷺ بمكة المكرمة، وما كان لها من إرهاصات وأنباء وأحداث، شكلت جذورًا تاريخية للاستشراق. ب- ما أثارته هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، من بعض التساؤلات عن الإسلام، وما تخللتها بوادر المناظرات والمجادلة مع أهل الكتاب. ج- هجرته ﷺ إلى المدينة، وظهور الأمة الإسلامية على ساحة الأحداث الإقليمية والعالمية. د- احتكاك هذه الأمة الوليدة باليهود في المدينة المنورة، ثم

стр. 190

بالنصارى في أطراف الجزيرة، دعوةً وجهادًا، ثم ما أعقب ذلك من فتوحات إسلامية وانتشار للإسلام في أرجاء المعمورة. هـ - غزوة (مؤتة) وغزوة (تبوك) حيث فرضتا -من وجهة نظر بعض الباحثين- المواجهة العسكرية بين المسلمين والروم (١)، مما اضطر (الحكومات أن تتعرف على هذا القادم الجيد، وأن تعطي عنه صورًا تشجع على قتاله والوقوف في وجهه) (٢). و- وما اتخذته الكنيسة من موقف عقدي يرتكز على العداء للإسلام باعتباره يهدد عقيدتها ونفوذها وتطلعاتها (٣). لذلك كانت الحاجة إلى الاستشراق -لديهم- من الضرورات العقديّة والسياسية وغيرها؛ للرد على الإسلام والمسلمين ولمواجهة هذا الواقع، مما كان له أثر كبير في نشأة الاستشراق. ٣ - توافر عدد من الباحثين على القول: بأن حركة الاستشراق نشأت في أوروبا في القرن الثامن الميلادي انطلاقًا من الأندلس وصقلية (حينما التقى الأوروبيون بالثقافة الإسلامية المتفوقة على حضارتهم، وظلت حركة

стр. 191

الاستشراق تنمو وتزدهر حتى استطاعت تكوين صرحها العلمى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) (١). ومنذ القرن الثامن الميلادي حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظلت الآراء تتوافر لمعرفة بداية الحركة الاستشراقية في أوروبا وتحديد ما عسى أن يكون تاريخًا لهذه البداية، ومن أبرز الآراء في ذلك: أ- تركيز بعض الباحثين على القرن العاشر الميلادي بوصفه ظرفًا تاريخيًا لبداية الحركة الاستشراقية حيث (أدرك الغرب تلك المعجزة الحضارية التي شادها العرب فاندفعوا إليها ليتعلموها، ويتسلحوا بها، ويستفيدوا منها فأخذوا يدرسون لغتها وآدابها ويترجمون كتبها وينقلون علومها إلى بلادهم) (٢)، وابْتُعِثَ الطلاب من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإنجلترا إلى الأندلس للدرس والتحصيل (٣). ب- تحديد بعض الباحثين القرن الثاني عشر الميلادي بداية للاستشراق لما تمَّ فيه للمرة الأولى من ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية عام: (١١٤٣ م)، ولما جرى فيه كذلك من تأليف أول قاموس لاتيني عربي (٤).

стр. 192

ويرى أحد المستشرقين البارزين أن بداية الاستشراق كان في ذلك القرن، حيث أسهم بعض الفلاسفة في نشر العلوم العربية في الغرب، وذكر منهم شخصين هما: (إبراهيم بن عزرا وتوماس برون) (١). ج- ويرى باحث إسلامي معروف (إنَّ الاستشراق بدأ في بعض البلدان الأوربية في القرن الثالث عشر الميلادي، مع وجود محاولات فردية قبل ذلك) (٢). ويذكر أن المؤرخين يكادون يتفقون على نشأته بصورة جدية بعد الإصلاح الديني الذي قام به (مارتن لوثر) وغيره في أوروبا (٣). د- يذكر أحد المهتمين بدراسة الاستشراق أن الغرب المسيحي يؤرخ لبدء وجود الاستشراق الرسمي بصدور قرار مجمع فينا الكنسي عام: (١٣١٢ م)، بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في العربية واليونانية والعبرية والسريانية، وفي جامعات باريس، وأكسفورد، وبولونيا، وأفينيون، وسلامانكا) (٤). هـ - من الباحثين من يرى أن القرن السادس عشر الميلادي قد شهد ولادة الاستشراق الفعلية، حيث أنشئ أول كرسي للغة العربية في باريس عام: (١٥٣٩ م)، في الكوليج في فرانس) (٥)، (وشغل هذا الكرسي (جيوم

стр. 193

بوستل (ت ١٥٨١ م)، الذي يعد أول المستشرقين الحقيقيين، وقد أسهم كثيرًا في إثراء دراسة اللغات والشعوب الشرقية في أوروبا، وجمع في الوقت نفسه وهو في الشرق مجموعة مهمة من المخطوطات) (١)، وتتابعت الجامعات الأوروبية في إنشاء مثل ذلك. و- وهناك من يرى أن مفهوم الاستشراق والمستشرقين لم يظهر في أوروبا إلا في نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر (فقد ظهر أولًا في إنجلترا عام (١٧٧٩ م)، وظهر في فرنسا عام: (١٧٩٩ م)، ثم أدرج مفهوم (الاستشراق في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام: (١٨٣٨ م) (٢). ٤ - يذهب بعض الباحثين إلى القول بأن الاستشراق (انبثق من الحروب الصليبية التي لم تكن سوى أحد عناصر التحول في تاريخ الشرق) (٣)، حيث ارتفعت بسبب ما وقع لها من انتكاسات حربية صيحات تدعو إلى نقل المعركة من ساحات الحرب إلى مجالات الفكر (٤).

стр. 194

ومن هنا نشأت حركة الاستشراق لتحقيق الآتي: أ- الرد على الإسلام؛ لأنَّه وقف سدًا في وجه النصرانية. ب- إعادة تشكيل العالم الإسلامي وصياغة أوضاعه ليوائم التصورات الغربية وأغراضها من خلال الدراسات الاستشراقية، ومحاولة احتواء الشخصية الإسلامية من خلال ممارسات ثقافية وتربوية متواصلة احتواءً يتم به فصم العلاقة بين المسلم وبين ذاته وبينه وبين مجتمعه وبينه وبين تراثه (١) عن طريق التشكيك في العقيدة الإسلامية والأخلاق الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وتوهين هذه المقومات والمقومات الأخرى كاللغة العربية والتقاليد والعادات في المجتمعات الإسلامية، ووصم هذه المقومات جميعًا بالقصور والتخلف والتطرف والجمود في حين تمجد قيم الحضارة الغربية الجمالية والثقافية وأنماطها الحياتية (٢). ج- معرفة أحوال الشرق الإسلامي وأهله ودراستها دراسة شاملة وعميقة، والتوسل بهذه المعرفة للتأثير وممارسة النفوذ والهيمنة على الشرق الإسلامي وأهله من نواحٍ شتى تحركها نوازع سياسية وعسكرية واقتصادية ودينية وثقافية (٣).

стр. 195

الاستنتاجات والملحوظات حول نشأة الاستشراق: تم فيما سبق عرض مجمل لأبرز الآراء في نشأة الاستشراق وظروفها، ومهما تعددت الآراء واختلفت الأقوال حول هذه النشأة وظروفها بعامة، أو في محاولة تحديد بداية واضحة ودقيقة يمكن أن تُعَدَّ البداية الحقيقية لتاريخ الاستشراق بخاصة، فإن المسار التاريخي لهذه الحركة يستوعب تلك الآراء والأقوال؛ لأنها إما أن تكون أسبابًا لنشوء الحركة أو ظروفًا أحاطت بنشأتها أو مظاهر لنشاطها، أو مرتكزات لأطوارها ومراحلها التاريخية. ولعل مما يوضح الصورة ويكشف ملامح الحقيقة وما يتصل بتلك الآراء والأقوال من بعض الاستنتاجات والملحوظات، ويمكن في ضوء ذلك محاولة معرفة ما يمكن أن يطلق عليه البداية الرسمية والبداية غير الرسمية للاستشراق: أولًا: لعل تاريخ البداية الرسمية للاستشراق -كما ذكر إدوارد سعيد فيما تقدم- كان بصدور قرار مجمع فينا الكنسي عام: (٧١٢ هـ)، الموافق: (١٣١٢ م)، بإنشاء عدد من كراسي اللغة العربية في عدد من الجامعات الأوروبية (١)، ومن الملحوظ في هذه البداية: - أنها كانت مرتبطة بالتنصير، وذلك أنه (حينما بدا للبابوات أن ينشئوا الرهبنات لبث الدعوة الدينية في الشرق لزم من أجل ذلك تعلم اللغات. . . وبخاصة العربية فأسسوا لهذا الغرض الدروس العربية في باريس وأكسفورد. . . ليتعلم الرهبان لغات الشرق ويدرسوا الطب في كتب العرب) (٢). ومنذ ذلك التاريخ حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ظل الاستشراق

стр. 196

مرتبطًا بالتنصير، ولم يظهر مفهوم الاستشراق منفصلًا عن التنصير في أوروبا إلَّا مع نهاية القرن الثامن عشر حيث ظهر في إنجلترا عام: (١١٩٣ هـ الموافق ١٧٧٩ م)، وفي فرنسا عام: (١٢١٤ هـ الموافق ١٧٩٩ م)، كما أدرج في الأكاديمية الفرنسية عام (١٢٥٤ هـ الموافق ١٨٣٨ م) (١). - (ومع أن الاستشراق أصبح من الناحية الأكاديمية منفصلًا عن التنصير إلَّا إِنَّهُ لم يزل التحالف بينها مستمرًا حتى العصر الحاضر) (٢)، وظل التجاوب بين الاستشراق والتنصير متبادلًا وإن لم يكن التماثل بين المستشرق الأكاديمي والمبشر الإنجيلي ظاهرًا بشكل واضح (٣). ثانيًا: أما البداية غير الرسمية للاستشراق فهي قد تمثلت في أعمال فردية قام بها أشخاص يعدون طلائع المستشرقين (٤)، وكانوا مدفوعين للاستشراق إمَّا بعقيدة معينة أو بغرض محدد أو رغبة شخصية، سواء كان الدافع ذاتيًا أو كانت تقف من ورائهم جهات رسمية، وتمخضت تلك البدايات والأعمال الفردية عن البداية الرسمية -المشار إليها سابقًا- ويمكن القول إنَّ هذه الأعمال ونحوها تعد بمثابة الجذور التاريخية

стр. 197

للاستشراق في العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب، ويمكن استعراض أبرز ما فيها في الآتي: ١ - حينما اجتاح (الإسكندر المقدوني) بلاد الشرق عام: (٣٣٠ ق. م)، خضعت تلك البلاد لأوروبا مدة قاربت ألف عام إلى عام (٦٣٢ م) (١)، ويذكر المؤرخون بأن الغربيين اهتموا بالعرب، وكان اهتمامهم موجهًا إلى اليمن والسواحل بعامة، ولكن هذا الاهتمام كان اقتصاديًا وتخلَّلته بعض الاهتمامات الثقافية (٢). ومما يلحظ في هذا الواقع أن شعوب الشرق كانت طيلة تلك المدة في ربقة طغيان الغرب إلى أن جاء الإسلام رحمة من اللَّه أنقذ به البشرية بعامة وشعوب الشرق خاصة حين حررها من ذلك الطغيان ورد عنها عادية الروم، وأصبح الإسلام القوة العظمى، وأصبحت كلمة اللَّه هي العليا وشعر الغرب إثر ذلك بالهلع وبالهوان ودعاه ذلك إلى التكفير بالواقع الجديد، وبدأ يخطط لتعبئة قواه وحشد إمكاناته لمحاولة القضاء على الإسلام.

стр. 198

٢ - من المؤكد أن الغرب قد تعرف على الإسلام وعالمه في وقت مبكر، ولذلك دلائل تاريخية متعددة لعل من أشهرها قصة أبي سفيان التي أوردها البخاري في صحيحه عن عبد اللَّه بن عباس ﵄: (أن أبا سفيان بن حرب أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام، في المدة التي كان رسول اللَّه ﷺ مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش (أي صالحهم على ترك القتال فيها)، فأتوه وهم بإيلياء (بيت المقدس)، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعا بترجمانه. . .) (١) الحديث. وخلاصة القصة أن هرقل سأل عن أخلاق الرسول ﷺ ، وعن سيرته في قومه ودعوته إياهم، وأجابه أبو سفيان بغاية الصدق رغم جاهليته آنذاك، وبعد أن سمع هرقل أجوبة أبي سفيان قال في الرسول ﷺ قولًا حسنًا وقرأ كتاب الرسول ﷺ الذي دعاه فيه إلى الإسلام قال أبو سفيان -كما جاء في الحديث المذكور- (فلمَّا قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، أكثر عنده الصخَبُ وارْتَفَعت الأصوات وأُخْرِجْنا، فقلت لأصحابي حين أُخْرِجْنا: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة، (أي: عظم شأنه، ويقصد بابن أبي كبشة الرسول ﷺ انتقاصًا وغمزًا)، إنَّهُ يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنًا أنَّه سيظهر حتى أدخل اللَّه عليَّ الإسلام) (٢). وفي هذه القصة دلالةً واضحة على اهتمام الروم بالإسلام ومراقبة حركته وجمع المعلومات عنه منذ زمن مبكر (٣)، ولا غرابة في ذلك لأن

стр. 199

كتب أهل الكتاب تبشر برسول يأتي من بعد عيسى عليه وعلي نبينا محمد أفضل الصلاة والتسليم (١)، وعلي ضوء بشارتها وفدت بعض القبائل من أهل الكتاب إلى أطراف الجزيرة وبالقرب من المدينة انتظارًا لمبعثه. كذلك أرسل الرسول ﷺ إلى الملوك والعظماء في زمانه (٢) ومنهم (هرقل)؛ إن مثل هذا ونحوه دعا إلى الاهتمام بأمر الإسلام ورسوله ﷺ ، ولكن مكمن الغرابة في موقفهم من الإسلام حيث كان عدائيًا منذ البداية، (ومن ذلك الحين تحددت نظرة الغربيين إلى الإسلام في الأعم الأغلب، هي نظرة عداء وحسد تمثلت في موقف البيزنطيين الغاضب من الإسلام ورسوله وهو موقف عقدي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا أو نحوه، ثم جاءت الفتوحات الإسلامية ووقعت الحروب بين البيزنطيين والمسلمين، وتأجج عداء نصارى أوروبا للإسلام ذلك العداء الذي بلغ ذروته في الحروب الصليبية) (٣).

стр. 200

ومما يعكس تلك الروح العدائية اضطلاع البيزنطيين والغربيين من بعدهم بمجادلة الإسلام، ويذكر بعض المؤرخين أن البيزنطيين هم الذين بدؤوا العداء (١)، وانعكس ذلك في مجادلتهم الإسلام لصرف إخوانهم النصارى عنه أولًا، ثم بقصد تشويه الإسلام ونسبته إلى اليهود والنصارى ودعوى أنه مجرد تلفيق متناقض للديانتين. ومن أبرز هؤلاء المجادلين العالم النصراني يوحنا الدمشقي: (٥٦ - ١٣١ هـ الموافق ٦٧٦ - ٧٤٩ م) الذي أظهر اهتمامًا بدراسة الإسلام من ذلك الوقت المبكر، وتمثل ذلك في مؤلفات من أهمها (محاورة مع مسلم)، و (إرشادات النصارى في جدل المسلمين)، قصد بها صرف إخوانه النصارى عن الدخول في الإسلام (٢)، ومما يذكره بعض المؤرخين عنه أنه (يعد ممهد الجادة للمستشرقين المعروفين بتحاملهم على الإسلام، فأكثر ما يزعمونه ويفترونه عليه، هو مما كان قد قاله ودوَّنهُ قبلهم بما يزيد على ألف عام) (٣). ويورد جواد علي بعد ذلك جملة من كتب الجدل والمناظرات المؤلفة في الرد على المسلمين يثبت من خلالها تحاملها على الإسلام من ناحية، وارتباطها بدوائر العداء له من ناحية أخرى (٤).

стр. 201

الصلات الثقافية بين الإسلام والغرب في الأندلس وصقيلية تمخضت الصلات الثقافية في الأندلس، وما جرى من الصراع بين العالمين الإسلامي والنصراني فيها وفي صقيلية عن ضروب من الدراسات الاستشراقية، وأنتجت هذه الفترة حركة فكرية ذات شقين: الشق الأول: التركيز على تشويه الإسلام عقيدة وسلوكًا، والزراية -حقدًا وكراهية- برسول اللَّه ﷺ ، ويخال الاستشراق أنه بصنيعه هذا يهدف إلى تحصين الغرب النصراني من المد الإسلامي، ويعمل على الحيلولة دون انتشار الإسلام وعقيدته على حساب النصرانية، ومن أجل هذا لم تألُ الكنيسة جهدًا في تشويه الإسلام، من خلال الدس والتزوير والافتراء وانتهجت في ذلك المجادلات البيزنطية، التي واجهت بها الكنيسة الشرقية الإسلام (١). وهي مساوئ واحتقارات هاجموا بها العرب والمسلمين، ولم تكن -في حقيقتها- سوى تهم باطلة، ودعاوى زائفة، وآراء متناقضة، صدرت عن بعض الكتاب والشعراء المرتزقة (٢)، وضمت جهودهم إلى جهود

стр. 202

اللاهوتيين (رجال الكنيسة) في محاولات ترمي إلى تشويه حقيقة الإسلام والطعن في الرسول ﷺ وصحابته وحملة رسالته. ومن أشد ما قالوه في الإسلام ورسوله من تفاهات ساقطة أنه عقيدة وثنية، وأن المسلمين يعبدون ثلاثة آلهة (تيرماغان، محمد، وأبو للو) (١)، وقالوا في الرسول محمد ﷺ أنه المسيح الدجال، وأنه الأمارة لليوم الآخر، وأن جنود الإسلام وحملته إرهابيون وحشيون، وقد استمر هذا التشويه البشع الذي مارسه المستشرقون من اللاهوتيين وغيرهم زمنًا طويلًا في السيطرة على الشعوب الأوروبية (٢)، وما تزال هذه الممارسات العدائية الحاقدة تشتد وتتأكد في العصر الحاضر بسبب حقد الصهيونية، وعداوتها الشديدة للإسلام والمسلمين وتأثيره على الدراسات الاستشراقية ووسائل الإعلام. ومن أبرز ما حمل هؤلاء على تشويه صورة الإسلام عوامل عدة، منها: ١ - ما اتسمت به الفتوحات الإسلامية من سرعة وانتصار وبخاصة فتوحات الإسلام الأولى (٣) التي أدهشتهم، وجعلت ما لم يكن معقولًا بالنسبة لحروب أي أمة هو المعقول بالنسبة للمسلمين، وقد شكل الفارون

стр. 203

من هذه الفتوحات مصدر شائعات كان لها تأثير كبير في تشكيل الموقف العدائي المضاد لدعوة الإسلام (١). ومن الأمثلة لذلك: أن بطرك بيت المقدس خرج مع كثير من مشهوري الصليبيين وفرسانهم حين فتح صلاح الدين بيت المقدس، ولبسوا السواد، وأظهروا الحزن على ذهاب بيت المقدس من أيديهم، ودخلوا بلاد الإفرنج يطوفونها ويستنجدون بأهلها، ويستجيرون بهم، ويحثونهم على الأخذ بثأر بيت المقدس، وصوروا المسيح وأمامه رجل عربي ينهال عليه ضربًا، وجعلوا الدماء تسيل على وجه المسيح وصدره، وكتبوا في شرح هذه الصورة: (هذا المسيح يضربه محمد نبي المسلمين وقد جرحه وقتله) (٢). ومن الأمثلة على صنيعهم هذا أنهم صوروا قبر المسيح وصوروا عليه فارسًا مسلمًا يطؤه بحوافر جواده وهو يبول عليه، وقد وزعوا هذه الصورة في أسواق بلادهم ومجامعها، حيث كان القسس يحملونها ورؤوسهم مكشوفة وعليهم المسوح وهم ينادون بالويل والثبور (٣). وواضح أن هذه الوسائل التي تثير الحفائظ وتعمق الحقد والكراهية للإسلام وأهله، كانت تهدف إلى محاولة تحصين المجتمع الغربي -المرتكز على عقيدة التثليث- من التأثر بدعوة الإسلام المرتكزة على عقيدة التوحيد وما تعنيه من مناقضة لما تقدمه الكنيسة من العقائد المنحرفة (٤). ٢ - ومن العوامل التي جعلت الأوروبيين يغرقون في محاولتهم تشويه

стр. 204

عقيدة الإسلام والانتقاص من الرسول ﷺ ووصم المسلمين بالوحشية، أن الفتوحات الإسلامية توافقت مع غزوات الونداليين (وهم قبائل وثنية كانت تغير بوحشية وضراوة على أوروبا) مما جعلهم يلصقون أعمال (الوندال) الوحشية وعقيدتهم الوثنية بالمسلمين؛ حتى لقد شاع بين الغربيين أن المسلمين ونداليون، وقد خلا الجو للقساوسة -وهم طلائع الاستشراق آنذاك- الذين كانوا يدركون حقيقة الإسلام وغايته وما فيه من خير ونور واستقامة وتقدم، للعمل من خلال موقفهم المديني ومنهجهم الاسشراقي على المحافظة على عقيدتهم مستغلين جهالة جماهيرهم التي لم تكن تعرف لغة المسلمين، ولم يكن المسلمون كذلك يعرفون اللغة اللاتينية، وقد استغل القساوسة ورجال (اللاهوت) هذا المناخ وتلك الفرصة ليس لصرف الناس عن الإسلام فحسب، بل قاموا يعاونهم في ذلك الشعراء والقصاص، بمهمة التعبئة العارمة ضد الإسلام وإعداد الناس لحرب المسلمين (١). ٣ - ومن العوامل التي غذت حملتهم في تشويه صورة الإسلام ورسوله وحملته، ما كان لديهم من نظرة الاستعلاء والغرور التي (دأبت الشعوب الأوروبية على تنمية إحساسها المفرط بها، وما ترتب على ذلك من جهلها بالأمم الأخرى، حتى لقد ظلُّوا إلى عصور متأخرة وربما إلى العصر الحاضر يحسبون أن الأرض مخلوقة لهم، وأن على أطرافها من بعيد

стр. 205

وربما من خارجها تنبري لهم بين العين والآخر أمم عارضة وغامضة أطلقوا عليهم اسم الوثنيين تارة. . . وأتباع المسيح الدجال تارة أخرى) (١). الشق الثاني: أما الشق الثاني من تلك الحركة الفكرية التي تمخضت عن احتكاك الغرب بالإسلام (فإنها تشبه إلى حد ما الحركة التي قامت في العالم الإسلامي في عهد المأمون ومن سبقه لترجمة العلوم اليونانية وغيرها إلى العربية، فقد أدى هذا الاحتكاك إلى توافر عدد من العلماء النصارى في أوروبا بدءًا من العام (١١٣٠ م) للعمل بدأب على ترجمة الكتب العربية في الفلسفة والعلوم، وكان لرئيس أساقفة طليطلة وغيره الفضل في إخراج ترجمات مبكرة لبعض الكتب العلمية العربية بعد الاقتناع بأن العرب يملكون مفاتيح قدر عظيم من تراث العالم الكلاسيكي) (٢). وإذا كانت الحركة التي قامت في عهد المأمون خدمت الحياة الإنسانية وأسهمت في بناء الحضارة ونشر العلم والرقي الثقافي لدى الشعب فإنها -من جانب آخر- قد خلطت إلى حد ما بين الفلسفة اليونانية والعلوم مما كان له آثار سلبية على عقيدة المسلمين وفكرهم، وقد تولت الدراسات المتخصصة في هذا الجانب نقد تلك الآثار وبيان وجه الصواب فيها. أما حركة الترجمة والنقل إلى اللاتينية التي قام بها الغربيون فقد حرصت على أن تحافظ في مجملها على الشخصية الغربية من أن تذوب في حضارة المسلمين، وحرصت على فصل العقيدة عن العلوم التطبيقية،

стр. 206

ولم تكتف بترك ما له صلة بالعقيدة الإسلامية وعزله عن تلك الحركة الفكرية، بل بادرت في أول أمرها إلى تشويهه بدعوى تحصين الغربيين من التأثر به، كما سبق بيان ذلك- وأما العلوم التطبيقية فإن الغرب نقل عن المسلمين هذه العلوم والمعارف من طب وذلك ونحوهما، ويقرر كثير من المستشرقين أن أوروبا قد توجهت في ذلك العصر شطر المسلمين الذين كانوا أئمة العلم وحدهم للاغتراف من بحار علومهم وفنونهم (١). وقد اعترف المستشرق الفرنسي (لوبون) بالفرق الهائل بين حضارة المسلمين وهمجية الغرب الأوروبي في القرون الوسطى، ويعترف أيضًا بأن أوروبا الغربية لكي ترفع عن نفسها أكفان الجهل الثقيل توجهت شطر المسلمين في الأندلس وصقلية - وتوافد إليهما الدارسون من الأقطار المجاورة لهما؛ إيطاليا. . . فرنسا. . . إنجلترا. . . ألمانيا، واصطبغ بلاط صقلية النورمندي بصبغة عربية، وشاركت في عهدها الإسلامي إسبانيا في تلقي الوافدين الأوروبيين لدراسة علوم العربية وحضارة الإسلام (٢). ومما يلحظه الباحثون في مسار هذه الحركة التي تولت نقل العلوم إلى الغرب ما يأتي: أ - لم ينصف هؤلاء الناقلون المسلمين فيما نقلوه عنهم، بل إن نقولهم لم تتصف بالموضوعية والعلمية - فروجر بيكون (٦١١ - ٦٩٣ هـ/ ١٢١٤ - ١٢٩٤ م) الإنجليزي الذي تلقى تعليمه في أكسفورد وباريس، ونال

стр. 207

الدكتوراه في (اللاهوت)، ترجم عن العربية كتاب مرآة الكيمياء ونسبها إلى نفسه، على الرغم من أنَّه كان تلميذًا للمسلمين حيث تلقى أفكارهم كما تلقى عنهم الطريقة التجريبية التي ابتكروها ونقلها إلى أوروبا المسيحية، (وظل (بيكون) يعترف بهذا دون ملل، وكان يؤكد أن علوم المسلمين كانت له ولمعاصريه الطريقة الوحيدة للثقافة الصحيحة) (١). كذلك (جيراردي كريموني ٥٠٨ - ٥٨٣ هـ/ ١١١٤ - ١١٨٧ م) الإيطالي الذي قصد طليطلة، وترجم ما لا يقل عن ٨٧ مصنفًا في الطب والفلك وغيرهما (٢). وعلي مثل هذا سارت حركة الترجمة والنقل والتأليف في الأعم الأغلب، فالقوم ترجموا العلوم التي أسسوا عليها حضارتهم دون أن ينصفوا المسلمين فيما نقلوه عنهم، والسبب في ذلك هو التخطيط المسبق وما يرتكز عليه من العداء للإسلام والمسلمين والأحقاد والمخاوف التي كانت تحدد اتجاهات المعرفة (٣).

стр. 208

ب- إن طائفة من أولئك المستشرقين الذين اتصلوا بالحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية كانوا يضمرون العداء للمسلمين على الرغم من تتلمذهم على أيديهم ودراستهم في الجامعات الإسلامية في الأندلس كما سبق ذكر اعتراف (روجر بيكون) بذلك، فمن أوساط هؤلاء جاءت الدعوات للقضاء على الإسلام والمسلمين عسكريًا. ومن الأمثلة على ذلك أن (جربردي أورلياك ٣٢٧ - ٣٩٤ هـ/ ٩٣٨ - ١٠٠٣ م)، هو من طلائع المستشرقين قصد الأندلس قرأ على أساتذتها ثم انتخب بعد عودته حبرًا أعظم باسم (سلفستر الثاني ٣٨٩ - ٣٩٤ هـ/ ٩٩٩ - ١٠٠٣ م) وكان بذلك أول بابا فرنسي، ويروى أَنَّهُ أول من دعا إلى الحروب الصليبية لإبادة المسلمين والقضاء على الإسلام (١)، ودعا بدعوته (بطرس الناسك) فيما بعد عندما عقد مجمع كليرمون (١٠٩٥ م) (٢).

стр. 209

ج- لم تكن هذه الحركة التي تعد عميقة الصلة علميًا بحضارة المسلمين ذات أثر في تصحيح رؤية الغرب لعقيدة الإسلام وتاريخه ولأخلاق المسلمين وسلوكهم ولحضارة الإسلام وثقافته، بل كانت هي الأخرى ماكرة في عدائها، شديدة الوطأة على الإسلام والمسلمين، فقد أسفرت عن مسلك جديد في محاربة الإسلام قاده القس (بطرس المبجل ت ١١٥٦ م) وهو رئيس رهبان دير كلوني، حيث تمثل مسلكه هذا في تشكيل جماعة من المترجمين في إسبانيا يعملون بصفة فريق واحد من أجل الحصول على معرفة علمية موضوعية عن الإسلام بدءًا بإنجاز ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية وهي الترجمة الأولى التي تمت عام (١١٤٣ م) التي ظهرت باسم العالم الإنجليزي (روبرت أوف كيتون) (١). وظهر -من تحقيق بعض الباحثين- أن بطرس المبجل هذا كلف اليهودي المتنصر - (بطرس أوبيدرو الفرنسي أو العبري أو الطليطلي الذي تنصر عام (١١٠٦ م) في إسبانيا- أن يترجم القرآن إلى اللاتينية (٢)، ومما فعله (بطرس المبجل) أيضًا أنه صرف (روبرت أمه كيتون) الذي نسبت إليه ترجمة القرآن الكريم الأولى إلى اللاتينية، وزميله (هرمان الألماني) -وهما راهبان- عن دراسة الفلك إلى ترجمة معاني القرآن الكريم (٣) إلى اللاتينية، وكان قصده من ذلك دحض الإسلام وتنصير المسلمين، وممّا يدل على ذلك ما ذكره سببًا لترجمة القرآن الكريم إلى اللاتينية إذ قال: (فإذا لم يكن بهذا الطريق إعادة المسلمين إلى المسيحية الصحيحة، فلا أقل من أن

стр. 210

يستفيد العلماء المسيحيون من عملنا في مجال دعم إيمان المسيحيين السذَّج الذين يمكن أن تضير هذه الصغائر عقيدتهم) (١)، وكان (يعتقد أن العقل والإقناع ورحمة الأناجيل هي خير الوسائل لجلب الخصم إلى في من الحق) (٢). وعلي الرغم من أن بعض الباحثين يرى أن (بطرس المبجل)، كان يرى التخلص من خطر المسلمين بتنصيرهم (٣)، إلَّا أن باحثين آخرين (توقفوا عند حادثة مجمع دير كلوني حيث عقد هذا المجمع في سنة (٤٨٨ هـ - ١٠٩٥ م)، بعد سقوط طليطلة بعشر سنوات، وأقر حرب المسلمين في الأندلس وفلسطين، ورأت هذه الحركة التي تزعمها رهبان (دير كلوني) في توسع الإسلام غضبًا إلهيًا يجب التكفير عنه بالدَّعوة إلى حرب المسلمين، وكان رهبان هذا الدير يرافقون الجيش الصليبي في الأندلس لتحطيم شعائر المسلمين والتركيز على شعائر روما) (٤). * * *

стр. 211

أثر الاستشراق في الحروب الصليبية وأثرها في الاستشراق نشبت الحروب الصليبية ودارت رحاها بين الإسلام والنصرانية في فلسطين، واستمرت زهاء قرنين من الزمان من عام (٤٨٩ هـ الموافق ١٠٩٥ م)، إلى عام (٦٩٠ هـ الموافق ١٢٩١ م) (١)، وإنها عند التحقيق جاءت إنفاذًا لقرارات أسهم في صنعها وتغذيتها الاستشراق اللاهوتي، فلم تكن الحروب الصليبية -كما يرى نجيب العقيقي (إلا نتيجة واحدة لمقدمة واحدة هي الاستشراق) (٢). ويذكر (ساذرن) (بأن رجالات الغرب كانوا يرقبون بقلق كيف تؤثر القيم الإسلامية على القيم المسيحية تأثيرًا مدمرًا عندما تواجهها، وقد رأى اللاهوتيون الغربيون فيما بعد أن حماية المسيحية من الإسلام لا تكون إلا بضربه عسكريًا والاستيلاء على أرضه أو إقناع معتنقيه باتخاذ المسيحية دينًا) (٣). ويقول -أيضًا-: (إن الإسلام يمثل مشكلة بعيدة المدى بالنسبة للعالم النصراني في أوروبا على المستويات كافة، فباعتباره مشكلة عملية استدعى الأمر اتخاذ إجراءات معينة كالصليبية والدعوة إلى النصرانية والتبادل

стр. 212

التجاري، باعتباره مشكلة لاهوتية تطلب بإلحاح العديد من الإجابات على العديد من الأسئلة، وفي هذا الصدد يقتضي معرفة الحقائق التي لم يكن من السهل معرفتها، وهنا ظهرت مشكلة تاريخية صار من المتعذر حلها كما ندر إمكانية تناولها دون معرفة أدبية ولغوية يصعب اكتسابها، وصارت المشكلة أكثر تعقيدًا بسبب السرية والتعصب والرغبة القوية في عدم معرفتها خشية الدنس) (١). إن مقولة (ساذرن) هذه وأمثالها تكشف عن موقف العالم النصراني من الإسلام وأنه انطلق في مواجهته للإسلام من خطبة مدروسة أسهم في صياغتها الاستشراق اللاهوتي، تبدو فيها الحروب الصليبية صورة من طبيعة الصراع بين الإسلام والغرب النصراني قصد بها القضاء على المسلمين عسكريًا على الرغم من وجود تيار فكري داخل أوروبا يدعو إلى سنن الحرب الثقافية بدلًا من فكرة القضاء على المسلمين عسكريًا، (وقد ظل موقف أوروبا يتذبذب بين الدعوة إلى القضاء عسكريًا على المسلمين وعدم إضاعة الوقت في أي أمر يمكن أن يعرقل هذا الهدف وبين الدعوة إلى حربهم حربًا ثقافية، وقد امتد هذا الأمر من بعد الحروب الصليبية إلى بداية ما اصطلح عليه بعصر النهضة الأوروبية) (٢). ولكن صمود الإسلام في مواجهة أعدائه من النصارى وغيرهم كالتتار والمغول، وبعد انكفاء الحروب الصليبية منهزمة مدحورة دون تحقيق أهدافها من القضاء على الإسلام والمسلمين واجتثاثه من أصله، برزت أهمية الحرب الثقافية، وتأكدت مع مرور الزمن ولا سيما بعد نمو القوة

стр. 213

الإسلامية وتعاظمها على أيدي العثمانيين الذين طرقوا أوروبا من بوابتها الشرقية بعد فتح القسطنطينية في سنة (٨٥٧ هـ - ١٤٥٣ م)، ثم اقتحموا أوروبا إلى المجر واستولوا عليها، ومع أن الأوروبيين أصيبوا بخيبة أمل متلاحقة، ووقعوا في الإحباط إزاء إخفاق خططهم ضد الإسلام، إلَّا أن الاستشراق وقادة الصليبية قاما خلال مرحلة طويلة امتدت حتى نهاية المد الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري -الخامس عشر الميلادي- بالعمل المتواصل على تحصين الغرب النصراني ضد عقيدة الإسلام وهديه وإعاقة انتشار دعوته في شعوب العالم الغربي (١). أما المرحلة الثانية التي تبدأ منذ توقف المد الإسلامي ثم ما تلاه من الفترة التي أخذ فيها الانحسار عن أوروبا، حيث فقد المسلمون الأندلس نهائيًا، وذلك بسقوط غرناطة عام (٨٩٧ هـ - ١٤٩٢ م) ثم ما أعقب ذلك من ضعف العثمانيين على الجبهة الشرقية، فقد شهدت هذه المرحلة تغييرًا جوهريًا في موقف كل من الحضارتين الإسلامية والغربية، وبأن الخط البياني لكل منهما يأخذ اتجاهًا معاكسًا للآخر. . . وإزاء ما حل بالمسلمين من ضعف أصبح العالم الإسلامي يواجه أوروبا متغيرة عما كانت عليه في القرون الوسطى، واقترنت نهضتها بحركة استعمارية تتسم بعداوتها للإسلام والمسلمين، ورغبتها في الهيمنة على الأمة الإسلامية واستنزافها بحيث لا يختلف هذا الموقف الغربي في العصر الحديث عن الموقف في الماضي، ولا تنفك الرؤية الجديدة فيما سمي عصر النهضة عن الرؤية الغربية التي أفرزت الحروب الصليبية لعل من أصدق ما قيل في الموقف

стр. 214

السابق واللاحق أن الحركة الاستعمارية بما مارست من ضروب العداوات على المسلمين ليست إلا حملة أخرى جديدة من الحملات الصليبية (١). والفرق بينها وبين الحرب الصليبية فيما يخص الاستشراق أن حركة الاستعمار اعتمدت إلى حد كبير على المستشرقين، وأصبحت فكرة حرب المسلمين ثقافيًا تحتل الأولوية بعد أن ثبت للغربيين من خلال تجاربهم الحربية أنَّهُ لا يمكن الانتصار على المسلمين عسكريًا إلا بعد غزوهم فكريًا (٢)، وأدى هذا إلى مزيد من الاهتمام بالدراسات الاستشراقية والعمل على تطويرها. وخلاصة القول: إن الحروب الصليبية كانت متأثرة بالاستشراق ومؤثرة فيه، حيث ظهرت الدعوة إلى الحروب الصليبية من وسط المستشرقين، وأسهم الاستشراق اللاهوتي في تعبئة الشعوب الغربية ضد الإسلام والمسلمين حتى بلغ الذروة في ذلك فكانت الحروب الصليبية. هذا من ناحية تأثير الاستشراق في الحروب الصليبية، أما من ناحية تأثيرها في الاستشراق فإنها بنتائجها الواقعية التي آلت إليها كشفت للغرب عن قوة ذاتية الأمة الإسلامية وعجز الغرب عن إذابتها أو الهيمنة عليها أو إمكانية التعايش معها ندًا لند، وأدرك الغرب حقيقة أنه لا بد أن تكون الأمة الإسلامية هي الشاهدة على الأمم وما يعنيه ذلك من سيادتها وقيادتها للبشرية، عند ذلك ترجحت كفَّة حرب الأمة الإسلامية حربًا ثقافية، وهذا يعني غزوها في عقيدتها وفكرها قبل استعمارها وحربها حربًا عسكرية،

стр. 215

فإذا تَمَّ ذلك الغزو الثقافي فإن الغزو العسكري سينجح ويتحقق، وذلك ما حدث فيما بعد (١). من هذا المنطلق كان تأثير الحروب الصليبية على الاستشراق، وفي ظل هذا الواقع تطورت حركة الاستشراق وازدهر عمل المستشرقين، وهذا ما يعالجه البحث الآتي في تناوله ما وقع للاستشراق من تطور في ظل دوافع الحركة الاستشراقية والأهداف المرتبطة بها، وما أصبحت عليه الدراسات الاستشراقية من نُمُوٍّ وتوسع. * * *
следующие страницы →