أثر الاستشراق في الحروب الصليبية وأثرها في الاستشراق
نشبت الحروب الصليبية ودارت رحاها بين الإسلام والنصرانية في فلسطين، واستمرت زهاء قرنين من الزمان من عام (٤٨٩ هـ الموافق ١٠٩٥ م)، إلى عام (٦٩٠ هـ الموافق ١٢٩١ م) (١)، وإنها عند التحقيق جاءت إنفاذًا لقرارات أسهم في صنعها وتغذيتها الاستشراق اللاهوتي، فلم تكن الحروب الصليبية -كما يرى نجيب العقيقي (إلا نتيجة واحدة لمقدمة واحدة هي الاستشراق) (٢).
ويذكر (ساذرن) (بأن رجالات الغرب كانوا يرقبون بقلق كيف تؤثر القيم الإسلامية على القيم المسيحية تأثيرًا مدمرًا عندما تواجهها، وقد رأى اللاهوتيون الغربيون فيما بعد أن حماية المسيحية من الإسلام لا تكون إلا بضربه عسكريًا والاستيلاء على أرضه أو إقناع معتنقيه باتخاذ المسيحية دينًا) (٣).
ويقول -أيضًا-: (إن الإسلام يمثل مشكلة بعيدة المدى بالنسبة للعالم النصراني في أوروبا على المستويات كافة، فباعتباره مشكلة عملية استدعى الأمر اتخاذ إجراءات معينة كالصليبية والدعوة إلى النصرانية والتبادل
стр. 212
التجاري، باعتباره مشكلة لاهوتية تطلب بإلحاح العديد من الإجابات على العديد من الأسئلة، وفي هذا الصدد يقتضي معرفة الحقائق التي لم يكن من السهل معرفتها، وهنا ظهرت مشكلة تاريخية صار من المتعذر حلها كما ندر إمكانية تناولها دون معرفة أدبية ولغوية يصعب اكتسابها، وصارت المشكلة أكثر تعقيدًا بسبب السرية والتعصب والرغبة القوية في عدم معرفتها خشية الدنس) (١).
إن مقولة (ساذرن) هذه وأمثالها تكشف عن موقف العالم النصراني من الإسلام وأنه انطلق في مواجهته للإسلام من خطبة مدروسة أسهم في صياغتها الاستشراق اللاهوتي، تبدو فيها الحروب الصليبية صورة من طبيعة الصراع بين الإسلام والغرب النصراني قصد بها القضاء على المسلمين عسكريًا على الرغم من وجود تيار فكري داخل أوروبا يدعو إلى سنن الحرب الثقافية بدلًا من فكرة القضاء على المسلمين عسكريًا، (وقد ظل موقف أوروبا يتذبذب بين الدعوة إلى القضاء عسكريًا على المسلمين وعدم إضاعة الوقت في أي أمر يمكن أن يعرقل هذا الهدف وبين الدعوة إلى حربهم حربًا ثقافية، وقد امتد هذا الأمر من بعد الحروب الصليبية إلى بداية ما اصطلح عليه بعصر النهضة الأوروبية) (٢).
ولكن صمود الإسلام في مواجهة أعدائه من النصارى وغيرهم كالتتار والمغول، وبعد انكفاء الحروب الصليبية منهزمة مدحورة دون تحقيق أهدافها من القضاء على الإسلام والمسلمين واجتثاثه من أصله، برزت أهمية الحرب الثقافية، وتأكدت مع مرور الزمن ولا سيما بعد نمو القوة
стр. 213
الإسلامية وتعاظمها على أيدي العثمانيين الذين طرقوا أوروبا من بوابتها الشرقية بعد فتح القسطنطينية في سنة (٨٥٧ هـ - ١٤٥٣ م)، ثم اقتحموا أوروبا إلى المجر واستولوا عليها، ومع أن الأوروبيين أصيبوا بخيبة أمل متلاحقة، ووقعوا في الإحباط إزاء إخفاق خططهم ضد الإسلام، إلَّا أن الاستشراق وقادة الصليبية قاما خلال مرحلة طويلة امتدت حتى نهاية المد الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري -الخامس عشر الميلادي- بالعمل المتواصل على تحصين الغرب النصراني ضد عقيدة الإسلام وهديه وإعاقة انتشار دعوته في شعوب العالم الغربي (١).
أما المرحلة الثانية التي تبدأ منذ توقف المد الإسلامي ثم ما تلاه من الفترة التي أخذ فيها الانحسار عن أوروبا، حيث فقد المسلمون الأندلس نهائيًا، وذلك بسقوط غرناطة عام (٨٩٧ هـ - ١٤٩٢ م) ثم ما أعقب ذلك من ضعف العثمانيين على الجبهة الشرقية، فقد شهدت هذه المرحلة تغييرًا جوهريًا في موقف كل من الحضارتين الإسلامية والغربية، وبأن الخط البياني لكل منهما يأخذ اتجاهًا معاكسًا للآخر. . . وإزاء ما حل بالمسلمين من ضعف أصبح العالم الإسلامي يواجه أوروبا متغيرة عما كانت عليه في القرون الوسطى، واقترنت نهضتها بحركة استعمارية تتسم بعداوتها للإسلام والمسلمين، ورغبتها في الهيمنة على الأمة الإسلامية واستنزافها بحيث لا يختلف هذا الموقف الغربي في العصر الحديث عن الموقف في الماضي، ولا تنفك الرؤية الجديدة فيما سمي عصر النهضة عن الرؤية الغربية التي أفرزت الحروب الصليبية لعل من أصدق ما قيل في الموقف
стр. 214
السابق واللاحق أن الحركة الاستعمارية بما مارست من ضروب العداوات على المسلمين ليست إلا حملة أخرى جديدة من الحملات الصليبية (١).
والفرق بينها وبين الحرب الصليبية فيما يخص الاستشراق أن حركة الاستعمار اعتمدت إلى حد كبير على المستشرقين، وأصبحت فكرة حرب المسلمين ثقافيًا تحتل الأولوية بعد أن ثبت للغربيين من خلال تجاربهم الحربية أنَّهُ لا يمكن الانتصار على المسلمين عسكريًا إلا بعد غزوهم فكريًا (٢)، وأدى هذا إلى مزيد من الاهتمام بالدراسات الاستشراقية والعمل على تطويرها.
وخلاصة القول: إن الحروب الصليبية كانت متأثرة بالاستشراق ومؤثرة فيه، حيث ظهرت الدعوة إلى الحروب الصليبية من وسط المستشرقين، وأسهم الاستشراق اللاهوتي في تعبئة الشعوب الغربية ضد الإسلام والمسلمين حتى بلغ الذروة في ذلك فكانت الحروب الصليبية.
هذا من ناحية تأثير الاستشراق في الحروب الصليبية، أما من ناحية تأثيرها في الاستشراق فإنها بنتائجها الواقعية التي آلت إليها كشفت للغرب عن قوة ذاتية الأمة الإسلامية وعجز الغرب عن إذابتها أو الهيمنة عليها أو إمكانية التعايش معها ندًا لند، وأدرك الغرب حقيقة أنه لا بد أن تكون الأمة الإسلامية هي الشاهدة على الأمم وما يعنيه ذلك من سيادتها وقيادتها للبشرية، عند ذلك ترجحت كفَّة حرب الأمة الإسلامية حربًا ثقافية، وهذا يعني غزوها في عقيدتها وفكرها قبل استعمارها وحربها حربًا عسكرية،
стр. 215
فإذا تَمَّ ذلك الغزو الثقافي فإن الغزو العسكري سينجح ويتحقق، وذلك ما حدث فيما بعد (١).
من هذا المنطلق كان تأثير الحروب الصليبية على الاستشراق، وفي ظل هذا الواقع تطورت حركة الاستشراق وازدهر عمل المستشرقين، وهذا ما يعالجه البحث الآتي في تناوله ما وقع للاستشراق من تطور في ظل دوافع الحركة الاستشراقية والأهداف المرتبطة بها، وما أصبحت عليه الدراسات الاستشراقية من نُمُوٍّ وتوسع.
* * *
стр. 216
تطور الاستشراق
العوامل التي ساعدت على تطور الاستشراق
كانت فكرة حرب الأمة الإسلامية حربًا ثقافية مطروحة على الفكر الغربي قبل الحروب الصليبية، ولكن كفة المواجهة العسكرية كانت الراجحة، أما بعد الحروب الصليبية فقد رجحت كفة الحرب الثقافية، وهذا يعني دعم المستشرقين ودفع الحركة الاستشراقية، وقد ساعدت عوامل عديدة على تطور الدراسات الاستشراقية حتى بلغت أوج ازدهارها في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.
وفيما يأتي إبراز لأهم تلك العوامل والتطورات:
١ - مما ساعد على تقدم الدراسات الاستشراقية في نهاية العصر الوسيط ما كان من الصلات السياسية والدبلوماسية مع الدولة العثمانية التي اتسعت رقعتها حينذاك، وكان للروابط الاقتصادية لكل من إسبانيا وإيطاليا مع كل من تركيا وسوريا ومصر أثر كبير في دفع الحركة الاستشراقية (١).
٢ - وفي القرن السادس عشر الميلادي وما بعده ساعدت ما تدعى (النزعة الإنسانية) في عصر النهضة الأوروبية على تقدم الدراسات الاستشراقية بأساليب جديدة قد تكون أقرب للموضوعية من ذي قبل، ومن جهة أخرى شجعت البابوية الرومانية على دراسات الشرق من أجل التنصير (٢).
وكان مما يرمي إليه كذلك محاولة صرف أنظار الأوروبيين عن أن تتوجه بالنقد المعادي لسلطة الكنيسة من خلال إيجاد عدو خارجي تعمل
стр. 217
على مهاجمته والتحذير منه لتغطي على عيوبها وأخطائها إبان النهضة الأوروبية وما انطوت عليه من حركات إصلاحية تمس العقيدة النصرانية وتهاجم سياسة الكنيسة ومظالمها (١)، وفي ظل هذه الظروف والتناقضات التي هزت الغرب فترة طويلة من الزمن تطور الاستشراق وراجت دراسات المستشرقين بمختلف نزعاتها وأهدافها ودوافعها، وكان لظهور الطباعة كذلك أثر بارز في دفع الاستشراق (٢).
٣ - وفي القرن السابع عشر الميلادي بدأ المستشرقون بجمع المخطوطات العربية وجلبها من بلدان الشرق (٣)، وفي القرن نفسه أنشئت كراسي اللغة العربية في أماكن مختلفة، كان أولها: كرسي اللغة العربية في (الكوليج في فرانس) في باريس، ثم تتابعت تلك الكراسي في الجامعات الغربية إنفاذًا لقرار مجمع (فينَّا الكنسي ١٣١٢ م) (٤).
وقد ارتبط إنشاء هذه الكراسي ثقافيًا بالأهداف التنصيرية؛ مما يؤكد ذلك ما جاء في قرار إنشاء كرسي اللغة العربية في جامعة (كمبردج عام ١٦٣٦ م) حيث نص على خدمة هدفين، أحدهما: تجاري، والآخر: تنصيري، فقد جاء (في خطاب مؤرخ في ٩ آذار (مارس) من سنة ١٦٣٦ م
стр. 218
موجهًا إلى مؤسس هذا الكرسي) (١): (ونحن ندرك أن لا نهدف من هذا العمل إلى الاقتراب من الأدب الجيد بإلقاء الضوء على المعرفة وهي ما تزال بعد محتبسة في نطاق هذه اللغة التي نسعى لتعلمها، ولكننا نهدف أيضًا إلى تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة عن طريق تجارتنا مع الأقطار الشرقية، وإلى تمجيد اللَّه بتوسيع حدود الكنيسة، والدعوة إلى الديانة النصرانية بين هؤلاء الذين يعيشون الآن في الظلمات) (٢).
٤ - وشهدت نهاية القرن السابع عشر اتجاهًا جديدًا في دراسات المستشرقين، واستمر ذلك الاتجاه خلال القرن الثامن عشر، وهو اتجاه يتسم -إلى حد ما- بنظرة علمية محايدة وفيها شيء من التعاطف مع الإسلام (٣) -في الظاهر- ويربط بعض الباحثين هذا بالنزعة العقلية التي بدأت تسود أوروبا في ذلك العين، وهي مخالفة في مسارها العام للكنيسة، وبتأثير من هذه النزعة تهيأت الفرصة لبعض المستشرقين كي يقف موقف الإنصاف، ويأبى الظلم والإجحاف الذي اتسمت به القرون الوسطى، وظهرت في هذا المناخ بعض المؤلفات المعتدلة في دراستها للإسلام وعقيدته وحضارته (٤).
ومن أبرز ما يمثل هذا الاتجاه:
١ - المستشرق (هادريان ريلاند) أستاذ اللغات الشرقية في جامعة (أوترشت) بهولندا، الذي أصدر كتابًا باللغة الإنجليزية عام (١٧٠٥ م)
стр. 219
عنوانه: الديانة المحمدية، ففي هذا الكتاب -كما يذكر الباحثون- عرض (هادريان) في جزء منه العقيدة الإسلامية من مصادر عربية ولاتينية، وفي جزئه الآخر قام بتصحيح الآراء الغربية التي كانت سائدة لديهم عن تعاليم الإسلام (١).
ولعل مقولة (هادريان): (دعوا المسلمين أنفسهم يصفوا لنا دينهم) من أكثر ما ورد في الكتاب إنصافًا لأنَّهُ بذلك يخط منهجًا أقرب إلى العلمية وينسف أباطيل من سبقه من (اللاهوتيين) والمرتزقة، وعلي الرغم من هذا المسلك القريب من العلمية والمنهجية فإن (هادريان) حدد قصده بذلك المسلك بقوله: (إنَّهُ يَتَحَتَّمَ على المرء أن يعرف الإسلام جيدًا لكي يستطيع أن يحاربه بطريقة فعالة) (٢).
ومهما يكن السبب في قوله هذا، سواءً أكان الخوف من سلطة الكنيسة وغضب جماهيرها من اتخاذه أسلوبًا يهدف للناحية العلمية فهو لذلك يجاملها بهذا القول، أو إنه كان يريد فعلًا تغيير الأساليب القديمة ويقصد الوصول إلى فهم الإسلام فهمًا صحيحًا ممهدًا بذلك السبيل إلى محاربته من جانب النصرانية بطريقة أفضل من ذي قبل، مهما يكن الأمر فإن التاريخ أثبت أن (صورة العصور الوسطى النصرانية للإسلام ظلت في جوهرها دون تغيير، وإنما نفضت عنها الثياب القديمة لأجل أن تضع عليها ثيابًا جديدة أقرب إلى العصر) (٣).
стр. 220
ب- المستشرق (يوهان جيه رايسكه) الذي كان واحدًا من أبرز علماء العربية في عصره في ألمانيا، ويذكر أن هذا المستشرق قد تحرر من الأفكار اللاهوتية، ومجَّد الإسلام ورسوله، وإليه يرجع السبق في إيجاد مكان بارز للدراسات العربية في ألمانيا، ولكنه حورب وأوذي وعزل عن عصره ومعاصريه (١).
٥ - ويعد القرنان التاسع عشر والعشرون الميلاديان عصر الازدهار الحقيقي للحركة الاستشراقية، حيث تعززت مدارسه، وتأسست الجمعيات الاستشراقية، وأصبح لها إصدارات ومجلات، وعقدت مؤتمرات المستشرقين الإقليمية والدولية، وبرزت مظاهر النشاط الاستشراقي في أعمال عديدة بأساليب متنوعة ووسائل مختلفة.
وفيما يأتي توضيح لأبرز هذه المستجدات:
أ - إنشاء مدرسة اللغات الحية في باريس في (شهر (آذار) مارس ١٧٩٥ م) في ظل الثورة الفرنسية، ومن خلال هذه المدرسة تقدمت الدراسات الاستشراقية، واتسمت بطابع علمي إلى حد ما، وقد اشتهر (سلفستردي ساسي توفي ١٨٣٨ م) بنشاطه الاستشراقي، وأصبح إمام المستشرقين في عصره، وإليه يرجع القول بأن باريس غدت مركزًا للدراسات العربية وقبلة يؤمها التلاميذ والعلماء من مختلف البلاد الأوروبية ليتعلموا على يديه، وكانت جهوده منصبة على الدراسات العربية من نحو وشعر وأدب، وكانت مدرسة اللغات الحية في عهده تعد أنموذجًا لمؤسسة الاستشراق العلمي وخاصة بعد أن انفصل الاستشراق في ذلك العين عن التنصير، ولكن (سلسفتر دي ساسي) كان مرتبطًا بدوائر الاستعمار (٢) ولئن
стр. 221
ظهر الاستشراق منفكًا عن التنصير -في الظاهر (١) - إلا أنه ارتبط بالاستعمار مسايرة للظروف التاريخية، كما سيأتي بيان ذلك.
ب- بدأ المستشرقون في النصف الأول من القرن التاسع عشر في مختلف بلدان أوروبا وأمريكا بإنشاء جمعيات لمتابعة الدراسات الاستشراقية، ونشأت هذه الجمعيات في إصدار المجلات والمطبوعات المختلفة (٢)، فقد تأسست أولًا الجمعية الآسيوية في باريس عام (١٨٢٢ م)، ثم الجمعية الملكية الآسيوية في بريطانيا عام (١٨٢٣ م)، وتأسست الجمعية الشرقية الأمريكية عام (١٨٤٢ م)، والجمعية الألمانية عام (١٨٤٥ م) (٣).
ج- وشهد القرن التاسع عشر -أيضًا- بداية المؤتمرات الدولية للمستشرقين، حيث أتاحت هذه المؤتمرات للمستشرقين في كل مكان الفرصة للتنسيق وتوثيق أواصر التعاون والتفاهم، والتعرف بصورة مباشرة على أعمال بعضهم بعضًا، وتجنب ازدواجية العمل وتكراره حرصًا على الإفادة من الوقت والجهد معًا (٤).
وقد عقد أول مؤتمر دولي للمستشرقين في عام (١٨٧٣ م) وتتابعت المؤتمرات الدولية حتى بلغت ما يزيد على ثلاثة وثلاثين مؤتمرًا (٥)، وإلى
стр. 222
جانب هذه المؤتمرات فإن هناك اجتماعات وندوات ولقاءات -يصعب حصرها- منها المحلي ومنها الإقليمي (١).
د- إذا كان الاستعمار في حقيقته عودة للحروب الصليبية بأسلوب جديد يواجه بها الغربيون العالم الإسلامي فإن هذه المواجهة تذرعت بسلاح الفكر والمعرفة، وقد ارتبط الاستشراق بهذا ارتباطًا قويًا، بحيث كان كما قال أحد المفكرين: (عين الاستعمار التي بها يبصر ويحدق، ويده التي بها يحيى ويبطش، ورجله. . .) (٢) إلخ.
وكما أفاد الاستعمار من التراث الاستشراقي فقد أفاد الاستشراق كذلك من الاستعمار، فأصبح الاستشراق في ظل الاستعمار (شبكة ضخمة من المؤسسات الأكاديمية الممثلة في الجامعات والمعاهد والجمعيات الاستشراقية والجغرافية والدوريات ودور النشر، وهذه الشبكة متعاونة فكريًا وسياسيًا مع الاستعمار لإحكام قبضته على كل أسباب الحياة للأمة الإسلامية (٣)، ونشأت رابطة رسمية وثيقة بين الاستشراق والاستعمار خدم الاستشراق من خلالها الاستعمار قبل دخوله بلاد المسلمين وأثناء ذلك وبعده. فأما قبل دخوله بلاد المسلمين فإن الاستشراق كان بمثابة دليل وهاد للاستعمار في مناطق الشرق على اختلاف المواقع بدءًا بالرحلات
стр. 223
الاستكشافية، ومن خلال الشركات الغربية التي عملت في بلاد الشرق، ووصولًا لتلك الدراسات الاستشراقية التي تضفي طابع التبرير العقلي على المبدأ الاستعماري (١).
وأما في الفترة الاستعمارية وبعد استيلاء عدد من دول الاستعمار على البلاد الإسلامية وسيطرتها عليها عسكريًا وسياسيًا، فقد عمل المستشرقون دائبين على محاولة إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين وتشكيكهم في معتقداتهم وتراثهم حتى يتم للاستعمار -من جانب- إخضاعهم للحضارة الغربية وثقافتها، ويتاح للمستعمرين -من جانب آخر- مزيدًا من معرفة تلك الشعوب التي يستعمرونها، ومن المؤكد أن (مزيدًا من المعرفة يؤدي إلى مزيد من القوة) (٢).
وأما بعد رحيل الاستعمار عن بلاد العرب والمسلمين فإن خدمات الاستشراق للاستعمار تمثلت في طرح الخطط المدروسة والدراسات العميقة التي أنجزها المستشرقون، وتبنتها دوائر الاستعمار ومؤسساته لفرض السيطرة على الشرق وإخضاع شعوبه وإذلالها بأساليب ظاهرها التحرر والانعتاق من الاستعمار، وحقيقتها أشد وطأة على الأمة الإسلامية من الاستعمار نفسه وأخف كلفة على المستعمر، كذلك فإن تلك الخطط تهدف إلى إضعاف العالم الإسلامي وإبعاد الأمة عن مقوماتها وإذابة ذاتيتها في حضارة الآخر وثقافته، ومنع أي محاولة من شأنها جمع شمل المسلمين مرةً أخرى.
ولعل هذه المهمة أو هذا الطور الذي خطط له الاستشراق لخدمة
стр. 224
الاستعمار استهدف من أبناء المسلمين من تتلمذ على أيدي المستشرقين وتشرب أفكارهم وتورط في حمل دعوتهم إلى تطوير الإسلام أو إصلاحه أو نحو ذلك من الدعوات التي فتَّت في عضد الأمة وأسلمتها للتمزق والتشرذم والضياع (١)، تحقيقًا للمثل الغربي القائل: (ينبغي أن يقطع الشجرة بعض أغصانها) (٢).
* * *
стр. 225
دوافع الاستشراق ومظاهر نشاطه
يتضح من تاريخ الاستشراق، في جذوره الضاربة في أعماق تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب، وما حدث له من تطور، وعلاقات متنوعة؛ جملة من الدوافع، ولكل دافع منها أهداف يسعى لتحقيقها، وأن الاستشراق اتخذ وسائل وأساليب كثيرة، وعمل في مجالات واسعة، ظهر من خلالها نشاط المستشرقين؛ وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: الدوافع الاستشراقية:
يمكن بيان هذه الدوافع (وما ترمي إليه من أهداف) على النحو الآتي:
١ - دوافع دينية.
٢ - دوافع سياسية.
٣ - دوافع اقتصادية.
٤ - دوافع علمية.
ولكل دافع من هذه الدوافع أهداف، وقد تنوعت كتابات الباحثين في تحديد هذه الدوافع والأهداف، واختلفت مسمياتها لديهم وتقسيماتهم لها (١)، ومهما كان الأمر فإن (الدوافع تلتقي مع الأهداف، باعتبار أن
стр. 226
الدافع يمثل المحرض النفسي لاتخاذ الوسائل التي توصل إلى الأهداف الغائية من العمل) (١)، والدافع الديني هو أهم هذه الدوافع (٢)، ثم يليه الدافع السياسي ثم الاقتصادي، ويأتي الدافع العلمي متأخرًا، وضئيلًا بالنسبة للدوافع الأخرى، وفيما يأتي توضيح لهذه الدوافع وأهدافها:
١ - الدافع الديني:
هو المحور الأساس الذي ارتكزت عليه الحركة الاستشراقية، وقد تبين من استعراض تاريخ الاستشراق بأنه نما وترعرع في أحضان الكنيسة وكانت بدايته على أيدي الرهبان النصارى، وأنه استمر في خدمة التنصير ولم ينفصل عنه إلا نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وكان ذلك الانفصال شكليًا، أما واقع الأمر فإنه يصعب التفريق بين المستشرق والمنصر حتى في العصر الحديث، وكان لهذا الدافع عدة أهداف من أبرزها:
أ - حماية النصارى والشعوب التابعة للكنيسة من الدخول في الإسلام.
ب- الحد من انتشار الإسلام على حساب امتداد النصرانية ونشرها.
جـ- التعرف على الإسلام ولغته بهدف تشكيك المسلمين به ومحاولة تنصيرهم.
د- معرفة اللغة العربية ودين الإسلام بهدف التعمق عن طريقهما في العهد القديم (التوراة) للاعتقاد بوجود التشابه بين اللغة العربية واللغة
стр. 227
العبرية، بل ذهب أحد المستشرقين وهو (دوزي) إلى دعوى التشابه بين لغة اليهود ولغة قريش (١)، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنهم يزعمون أن الإسلام مقتبس من اليهودية فلزم لذلك أن يدرسوا اللغة العربية والإسلام للتعمق في العهد القديم باعتباره جزءًا من الكتاب المقدس، وباعتبار الإسلام ولغته اللغة العربية يخدمان بطريق غير مباشر هذا الهدف الديني للاستشراق.
وقد أكد هذا الهدف (شولتنس) بقوله: (لم يدرسوا اللغة العربية لقيمتها الأدبية أو للتعمق في تاريخ الإسلام أو لدرس تطور الأدب عند المسلمين، بل لاستعمالها وسيلة درس العهد القديم واللغة العبرانية) (٢).
هـ - إشغال الشعوب الغربية عن الهجوم على الكنيسة ومعتقداتها بالهجوم على الإسلام، وتوجيه الأنظار إليه باعتباره عدوًّا للكنيسة والشعوب الغربية (٣).
٢ - الدافع السياسي:
ما برح هذا الدافع ملازمًا للحركة الاستشراقية في كثير من مراحلها وأطوارها إذ انبرى نفر من المستشرقين لتقديم دراسات تتناول الأمة الإسلامية جغرافيًا وسياسيًا (فاتجهوا إلى دراسة هذه البلاد في كل شؤونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات ليتعرفوا إلى مواطن القوة فيها
стр. 228
فيضعفوها وإلى مواطن الضعف فيغتنموها) (١)، ومن خلال تاريخ الاستشراق تبين كذلك أن المسار العام للحركة الاستشراقية قد تلوّن في مرحلة الاستعمار بما يتناسب معها، وتكونت بسبب ذلك (رابطة رسمية بين الاستشراق والاستعمار، وانساق في هذا التيار عدد من المستشرقين الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكون عملهم وسيلة لإذلال المسلمين وإضعاف شأن الإسلام وقيمه (٢). . .).
وتبين أن الاستشراق خدم الاستعمار قبل دخوله بلاد المسلمين وأثناء دخوله وبعد خروجه، وجاء ليحقق في تلك المراحل الثلاث جملة من الأهداف السياسية من أبرزها:
أ- تبرير نزعة الاستعمار ودعمها بوساطة الكشف للمستعمرين عن مواطن الضعف في المجتمعات الإسلامية لاستغلالها في السيطرة والنفوذ والكشف عن مواطن القوة للعمل على إضعافها.
ب- إضعاف روح المقاومة لدى الشعوب التي سيطر عليها المستعمرون وإخضاعهم لسلطة المستعمر وثقافته وحضارته.
جـ- تحقيق غايات سياسية متنوعة تفرضها المراحل المتعاقبة وما تحيط بها من الظروف والأوضاع المختلفة التي ترمي في النهاية إلى احتواء الأمة الإسلامية من كل الجوانب، والتحكم في مصيرها، وفرض التبعية على أبنائها.
стр. 229
٣ - الدافع الاقتصادي:
ومن الدوافع لدراسات المستشرقين دافع اقتصادي يُعنَي بوسائل كسب الأموال وتنميتها وفتح أسواق للصناعات الغربية في الشرق والحصول على المواد الخام منه، وهذه المصالح دفعت إلى دراسات عدة قام بها المستشرقون عن الشرق وأهله وعاداتهم وطبائعهم وطرائق معيشتهم، وأدى هذا الدافع من جانب آخر إلى البحث عن مصادر المواد الخام والطاقة ونحوها، وإذا كانت مثل هذه الدراسات الاقتصادية تهدف من حيث الأصل إلى الانتفاع بها في أسلوب التعامل مع شعوب العالم الإسلامي في مجالات التبادل التجاري والصناعي والتنمية دون ربط ذلك بالأغراض السياسية إلا أن الاستشراق تجاوز ذلك كله، وانطلق في هذا المجال بروح عنصرية طاغية وأساليب سياسية ملتوية، وقد عبر أحد المفكرين المسلمين عن ذلك بقوله: (ومن الدوافع التي كان لها أثرها في تنشيط الاستشراق، رغبة الغربيين في التعامل معنا لترويج بضائعهم، وشراء مواردنا الطبيعية الخام بأبخس الأثمان ولقتل صناعتنا المحلية التي كان لها مصانع قائمة مزدهرة في مختلف بلاد العرب والمسلمين) (١).
٤ - الدافع العلمي:
لا يمكن للباحث في الاستشراق أن يتجاهل الدافع العلمي النزيه لدى نفر من المستشرقين توافروا على دراسة الإسلام ولغته بغية معرفة الحقيقة والتجرد من كل مؤثر، ولكن المناخ الاستشراقي العام في مسار حركته الطويلة لا يساعد هؤلاء على الظهور والانتشار.
وأقصى ما يتحقق في هذا أن يبرز أفراد اتسمت دراساتهم أن بعضها بالتجرد ووصلت إلى نتائج أقرب لحقيقة الإسلام وأكثر إنصافًا للمسلمين،
стр. 230
وربما أسلم بعضهم. . . وثمة أسباب جعلت هذا الدافع ضعيفًا وغير منتج في تاريخ الاستشراق والمستشرقين، ومن أبرزها:
أ- العداء الشديد للإسلام الذي سيطر على الشعور العام في الغرب عبر مراحله التاريخية، وقد أسهم الاستشراق فيه بقدر كبير، فإذا ظهر بين الحين والآخر من ينصف الإسلام فإن بحوثه لا تجد (رواجًا لا عند رجال الدين ولا عند رجال السياسة ولا عند عامة الباحثين) (١).
بل رُبَّما أدَّى ذلك إلى أن يعني ذلك المستشرق صنوفًا من الأذى والمتاعب (٢).
стр. 231
ب- عدم توافر الأموال اللازمة التي تحتاجها مثل تلك الدراسات والبحوث؛ لأن جهات الدعم سواء كانت الكنيسة ومؤسساتها أو الهيئات السياسية أو المؤسسات الإعلامية، أو غيرها من دوائر العداء للإسلام والمسلمين، إن كل أولئك لا يبذلون الأموال في العادة إلا لخدمة أهداف محددة تسعى لتشويه الإسلام وتسيء لأمته.
ج- هناك سبب آخر وهو تأثر المستشرق -مهما كان متجردًا ونزيهًا- ببيئته وثقافة مجتمعه ولغته الأصلية ومعطيات الحضارة الغربية، وعندما يدرس الإسلام لا بد أن تعترض دراسته عقبات متنوعة تؤثر على منهجه وما يصل إليه من نتائج (١).
ولعل الهدف الغائي لهذا الدافع هو (إشباع نهم علمي متجرد، وتحصيل معرفة صحيحة تتصل بأمَّة) (٢) ذات شخصية متميزة لها مبادئ وقيم وعادات وأعراف وتاريخ وعلم وحضارة.
ومما ينبغي التفطن إليه هو ظهور بعض الدراسات الاستشراقية بمظهر علمي، ولكن يتذرع بها لأهداف مشبوهة وعندئذٍ يخرج هذا عن الدافع العلمي؛ لأنه أصبح غاية أو وسيلة لغاية غير نزيهة، وقد ألمح إليه بعض الباحثين المسلمين في قوله: (ومهما كان حسن الظن متوافرًا في كثير من تكلم الدراسات إلا أن ما كان منها نتيجة غاية علمية، كدراسة بلاشير لتاريخ الأدب العربي، خدمت بطريق مباشر أو غير مباشر غايات عاطفية وعصبية) (٣).
стр. 232
ثانيًا: مظاهر النشاط الاستشراقي:
ظهر نشاط المستشرقين على مدى تاريخهم الطويل في مجالات مختلفة، واستخدموا وسائل متنوعة للوصول إلى أهدافهم، فأنشؤوا المؤسسات التعليمية ذات المستوى العلمي المتميز من معاهد وأقسام علمية، ومراكز بحث في الجامعات الغربية وفي بعض جامعات الشرق الإسلامي، واهتموا بالمخطوطات الإسلامية وجلبوها من مظانها بطرق مشروعة وغير مشروعة (١).
ثم خدموا هذه المخطوطات من نواحٍ فنية وعلمية، وأفادوا منها، وقاموا بالتحقيق والنشر والترجمة، وفي مقدمة ما قاموا بترجمته معاني القرآن الكريم إلى عدد من اللغات الأوربية (٢)، وألفوا العديد من الكتب، في العقيدة والشريعة واللغة والتاريخ والأدب، وغيرها، وأعدوا بعض دوائر المعارف للعلوم الإسلامية، وأنجزوا بعض المعاجم اللغوية (٣).
стр. 233
وأسسوا كذلك جمعيات استشراقية وأصدروا المجلات والدوريات ونحوها، وعقدوا عددًا من المؤتمرات إقليمية ودولية. . . ويمكن بيان مظاهر هذا النشاط وما اتخذ من الوسائل والمجالات فيما يأتي:
١ - التدريس الجامعي (١).
٢ - جمع المخطوطات (٢).
٣ - التحقيق والنشر (٣).
٤ - الترجمة (٤).
٥ - التأليف (٥).
٦ - تأسيس الجمعيات (٦).
٧ - إصدار المجلات (٧).
حاضر الاستشراق ومستقبله وعوامل قوته واستمراره
تكاد آراء الباحثين في تاريخ الاستشراق والمستشرقين تجمع على أن الاستشراق عاش فترة ازدهار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين (أي: في فترة ما بين: ١٨٥٠ - ١٩٥٠ م)، ولكن أهم آرائهم تختلف حول حاضر الاستشراق ومستقبله مثلما حدث الاختلاف كذلك في تحديد بدايته الأولى.
وعلي الرغم من تعدد الآراء وتشعبها في هذه المسألة؛ فإن من الملفت للنظر في هذا الأمر ما يظهره الساسة الغربيون وتشيعه دوائر الاستشراق من صحافة وإعلام وبعض المستشرقين من أن عصر الاستشراق قد انتهى، وأن صفحته قد طويت بينما يرى الباحث بأن الاستشراق لا زال حيًا قويًا. . . ولا زال المستشرقون يتوافرون على دراسة الإسلام والمسلمين عقيدةً وتاريخًا حاضرًا وماضيًا.
ولبيان هذه الوجهة وحقيقة الأمر فيها كما يرى الباحث تجري المناقشة في النقاط الآتية:
١ - نقد الساسة الغربيين للاستشراق والمستشرقين وموقف المستشرقين من ذلك.
٢ - وجهة نظر الباحث حول حاضر الاستشراق والمستشرقين ومستقبلهم.
٣ - عوامل قوة الحركة الاستشراقية واستمرار المستشرقين.
١ - نقد الساسة الغربيين للاستشراق والمستشرقين:
يتفق الساسة الغربيون والمستشرقون على نقد الاستشراق والمستشرقين، بل يتجاوزون ذلك إلى الإعلان عن أفول شمس الاستشراق وانتهاء عصره، ومن الأمثلة على ذلك الآتي:
стр. 236
أ - ما قاله أحد الساسة الألمان: (بأنه آن الأوان كي يبتعد المستشرقون باهتماماتهم عن اللهجات العربية، وأن يكونوا بمثابة احتياطيين للقيام بمهمة الترجمة) (١).
ب- يعترف المستشرقون بالقصور في جوانب مختلفة كانت مثار انتقادات حادة من جهات عديدة؛ وقد أجملها بعض المستشرقين في قوله: (لقد اتهمنا بأننا متخلفون. . . وأنا وصفيون نقليون ولسنا تحليليين، وإذا كنا نقدر أنفسنا حق التقدير فما علينا سوى الاعتراف بأن هذا النقد صحيح إلى حدٍّ بعيد) (٢).
ج- يتجاوز المستشرقون هذا النقد والاعتراف إلى الإعلان عن نهاية الاستشراق، فقد أُعلنَ في مؤتمر المستشرقين التاسع والعشرين عن تغيير مسمى الاستشراق، وأنه تقرر أن يطلق على مؤتمرهم الثلاثين مسمى (مؤتمر العلوم الإنسانية) (٣)، ومع أن التغيير ينصب على الاسم فقط فقد أشاعت الصحافة وعدَّ بعض المستشرقين هذا التحول نهاية للاستشراق والمستشرقين؛ وللمثال على ذلك فقد:
- وصفت جريدة (لومند) الفرنسية هذا التحول بأنه موت الاستشراق.
- وورد على لسان (جاك بيرك) وهو أحد المستشرقين الفرنسيين القول: (بانتهاء زمن الاستشراق) (٤).
стр. 237
٢ - وجهة نظر الباحث حول حاضر الاستشراق والمستشرقين ومستقبلهم:
تلخص هذه الوجهة في الأمور الآتية:
أ - لا يعني تغيير مسمى الاستشراق نهاية حركته وتوقف المستشرقين عن دراسة الإسلام وتاريخ الأمة الإسلامية، كما لا يعني تغيير مسماه تغيير تلك الروح العدائية التي لازمت المسار العام للحركة الاستشراقية وكتابات المستشرقين للإسلام وأمته، بل غير الاستشراق جلده ليدخل مرحلةً جديدة.
ب- الخطر في المرحلة الجديدة ربما يصبح أشد خطورة وأكثر عمقًا، ولا سيما أن الاستشراق تحول إلى ميدان العلوم الإنسانية (١).
ج- على الرغم من أن الفترة التي عاش الاستشراق فيها أوجه وازدهاره هي الفترة ما بين (١٨٥٠ - ١٩٥٠ م) وقد شهدت جهابذة المستشرقين من أمثال (جولدزيهر) و (يوسف شاخت) و (كارل بروكلمان) وغيرهم إلَّا أنَّه يوجد في الحاضر والمستشرقين من يترسم خطى السابقين ويسير على دروبهم بل ويتفوق عليهم في العداء للإسلام والأمة الإسلامية، من مثال (برنارد لويس) الذي أنجز أبحاثًا تعادي العرب والمسلمين وتعزز معتقدات اليهود وسياستهم إزاء قضايا الأمة الإسلامية، وقد أعلنت الدولة الإسرائيلية عن تكريمه من أجل بحوثه ودراساته تلك (٢).
د- مما يفسح للاستشراق مجالًا واسعًا ويفتح له طورًا جديدًا الأطماع الصهيونية في بلاد العرب والمسلمين والمخططات المرسومة لإذابة ذاتية الأمة الإسلامية وإضعافها والهيمنة عليها، وإذا كان اليهود قد دخلوا
стр. 238
الحركة الاستشراقية منذ نشأتها بصفتهم الغربية لا بصفتهم اليهودية لأسباب دينية وسياسية حققوا من أهدافه القريبة والبعيدة ما حققوا فإنه يوجد اليوم جناح ضخم من الاستشراق الصهيوني قوامه (ردنسون) و (برنارد لويس)، يركز هذا النوع من الاستشراق اهتماماته بقضايا زرع الأمة اليهودية في قلب العالم الإسلامي، وما يتطلب ذلك من دراسات وأبحاث وبرامج وخطط لإضعاف الأمة الإسلامية وإذابة تميزها، ومن ثم إسكات تاريخها واحتوائها والتحكم في حاضرها ومستقبلها.
ومن أبرز هذه القضايا البحث والدراسة في تاريخ فلسطين والأنبياء ﵈ (إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق) وتاريخ القدس والعرب واليهود، وتفسير هذا التاريخ بما يتفق والمطامع الصهيونية والعقائد اليهودية (١).
هـ - على الرغم من ظهور دراسات معتدلة وظهور النزعة العلمية في دراسات بعض المستشرقين مثل (أنا ماري شميل) و (جاك بيرك) وغيرهما، إلا أن هذا الاتجاه وتلك النزعة تنحصر في أفراد قلائل من ناحية وفي مسائل محدودة من ناحية أخرى.
أما المسار العام للحركة الاستشراقية وكتابات المستشرقين فإنه لا زال معاديًا للإسلام.
و- مهما ضعف الاستشراق ومهما قيل عن تراجع دراسات المستشرقين أو توقفها فإن ما تم إنجازه عبر قرون من الزمان يعد ذلك -في حد ذاته بصرف النظر عن التحولات في مسار الدراسات الاستشراقية- مرجعية فكرية للغرب يصدر عنها في مواجهة الأمة الإسلامية وقضاياها، ويعتمد عليها وقت الحاجة بشتى الطرق وعلي جميع الأصعدة.
стр. 239
٣ - عوامل قوة الحركة الاستشراقية واستمرار المستشرقين:
توجد عدة عوامل تؤكد قوة الحركة الاستشراقية وحاجة الغرب إلى دراسات المستشرقين وأبحاثهم في الحاضر والمستقبل، من أبرزها الآتي:
أ - تغلغل المصالح الغربية في بلدان العالم الإسلامي وبخاصة ما يطلق عليه الشرق الأوسط، وواقع هذه المصالح يحتم على الغرب دعم المستشرقين لإنجاز دراسات مختلفة عن تلك البلدان، ولا بد أن تفرض عليه تلك المصالح مساندة الحركة الاستشراقية وتنشيطها.
ومما يدل على هذا العامل وأثره في قوة الحركة الاستشراقية واستمرار المستشرقين، ما قاله (بارت): (نعترف شاكرين بأن المجتمع ممثلًا في الحكومات والمجالس النيابية يضع تحت تصرفنا الإمكانات اللازمة لإجراء بحوث الاستشراق وللمحافظة على نشاطنا التعليمي في هذا المضمار. . .) (١).
وإذا كان بارت يعترف بذلك الدعم وتلك المساندة فإن مستشرقًا آخر يعترف بأن الجهات التي تنفق على دراساتهم وتساندهم لا تفعل ذلك خدمة للبحث العلمي، أو استجابة لمظاهر حضارية راقية، بل توجه مسار تلك البحوث وتتدخل في نتائجها، وهذا صريح من قوله: (طبعًا هناك أيضًا الضغط الملح من قبل أولئك الذين يقدمون الأموال لدعم النتائج التي تؤدي إلى احتواء العالم الإسلامي والتشبث به حيث تكمن اهتمامات الغرب ومصالحه) (٢)، وهذا (التشبث بهذه المصالح حقيقية واقعية تؤكدها جميع الشواهد وما دام الأمر كذلك فإن الحاجة إلى الاستشراق في الغرب
стр. 240
ستظل قائمة، بل ستزداد إلحاحًا، وليس هناك أي بارقة تلوح في الأفق توحي بأن الغرب على استعدد للتخلي عن هذه المصالح) (١).
ب- اعتماد بعض الهيئات العالمية على المستشرقين للكتابة عن الإسلام وتاريخه وقضايا الأمة الإسلامية، ونحو ذلك مما يتصل بالرسول ﷺ والقرآن الكريم والعلوم الإسلامية وللمثال على ذلك فإن (اليونسكو) وهي هيئة دولية تشترك فيها الدول الإسلامية استكتبت في موسوعتها عن الجنس البشري فيما يخص الإسلام وتاريخه ونبيه وحملته نفرًا من المستشرقين، وقد أثارت كتاباتهم حفيظة المسلمين وكتب بعضهم (٢) احتجاجًا على تلك الهيئة التي لم تحترم -على الأقل- عضوية الدول الإسلامية فيها، وجاءت كتابات المستشرقين في موسعتها تطفح بالتهم والتهجم على نبي الإسلام، ومما يؤكد استمرار المستشرقين في اجترار الروح الصليبية، ويؤكد من جهة أخرى استمرار الاعتماد على خطابهم عن الإسلام والمسلمين (٣).
جـ- لعدد مجالات الاختصاص لدى المستشرقين، وهذا يعني إثراء الدراسات الاستشراقية لا القضاء عليها (٤).
стр. 241
د- اعتماد وسائل الإعلام في كثير من موادها الإعلامية على الاستشراق، وقد أثبت بعض الباحثين وجود صلة وثيقة بين الإعلام الغربي والدراسات الاستشراقية، وذكر بأن نتائج دراساته تؤكد تطابق وجهات نظر الخبراء في الدراسات الشرقية والإسلامية الذين تستعين بهم الدوائر السياسية في الغرب وبين الطريقة التي تعالج بها وسائل الإعلام الغربي أمور الشرق والإسلام، وأن الطرفين ينطلقان من فكرة أن الإسلام لا يمثل منافسًا رهيبًا للغرب فحسب بل إنه يمثل كذلك تحديًا متأخرًا للمسيحية (١).
ويؤكد باحث آخر بأن التراث الاستشراقي يغذي وسائل الإعلام الغربية، وتعتمد عليه إلى حدٍّ كبير في تشويه صورة الإسلام دينًا وحضارة وتشويه صورة العرب عنصرًا وقيمة، وعلى ذلك فإن دول العالم الإسلامي تتعرض لتدفق إعلامي يتسم بالاختلاق وتتلقى سيلًّا من الهجمات الإعلامية الحاقدة (٢).
فإذا نُظِرَ إلى هذا الجانب من واقع أثر الإعلام في العصر الراهن بما يملكه من قوة التأثير وشدة الجاذبية وسعة الانتشار (٣)، وأنه يعتمد إلى حد كبير على دراسات المستشرقين فيما يخص الإسلام والأمة الإسلامية تبين من ذلك كله استمرار المستشرقين ونشاط حركتهم لتلبية هذا الجانب.
وخلاصة القول: إن الحركة الاستشراقية لا تزال قوية ومتماسكة ومنظمة، ولا تزال جمعيات المستشرقين قائمة تمارس نشاطاتها
стр. 242
وإصداراتها من دوريات ومجلات وكتب وأبحاث وكذلك مؤتمراتهم الإقليمية والدولية، وقد عقد مؤتمرهم الثالث والثلاثون الدولي (بكندا) في شهر أغسطس: (١٩٩٠ م)، وكان موضوعه الأساس (الاتصال بين الثقافات) (١) ولا تزال معاهد الاستشراق تعمل في الوقت الراهن وتخرج المستشرقين في أغلب جامعات الغرب وستظل الحاجة إلى الاستشراق قائمة، بل ستزداد إلحاحًا تلبية لحاجات الدوائر السياسية والإعلامية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وليس هناك بارقة أمل تلوح في الأفق وتوحي بأن شمس الاستشراق تدنو للمغيب، وأن نجمه يقترب من الأُفُول (٢).
* * *
стр. 243
دراسات فِي تميز الْأمة الإسلامية وموقف المستشرقين مِنْهُ
تأليف: د. إِسْحَاق بن عبد اللَّه السَّعْدِيّ
الكتاب الثاني
٢/ ٥
مقومات تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منها
• خارطة ذهنية توضيحية.
• العقيدة وموقف المستشرقين منها.
• الشريعة وموقف المستشرقين منها.
• الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة وموقف المستشرقين منها.
стр. 244
[مخطط]
стр. 245
العقيدة
• تمهيد.
• تعريف العقيدة لغة واصطلاحًا.
• خصائص العقيدة الإسلاميَّة.
• أثر العقيدة في الأُمَّة الإسلاميَّة.
• موقف المستشرقين من العقيدة.
стр. 246
العقيدة
تمهيد
إنَّ العقيدة الإسلاميَّة هي المقوم الأساس لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة، ومرتكزها الأول فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
والعقيدة الإسلاميَّة من جانب آخر متناسقة مع سنن اللَّه في الكون والحياة والنفس الإنسانية في تجريد التوحيد للَّه، والإنابة له، والتوكل عليه. ثُمَّ إنَّها سهلة المأخذ واضحة بينة بيضاء نقية، لا غموض فيها، ولا لبس ولا تعقيد، تعرض قضايا الوجود، وحقائق الحياة والموت والبعث والنشور والجزاء والحساب، والجَنَّة والنار، والصراط، وغير ذلك من مشمولات عالم الغيب وعالم الشهادة، بأسلوب حي مؤثر يعمق الإيمان باللَّه في نفس الإنسان، (ويحمله على الطَّاعة والالتزام، فيكون لهذا الإيمان أثره في نفس الفرد، وفي استقامة سلوكه، وفي الجماعة ونظام حياتها. . .) (١)، فيتحقق بذلك تميُّز الأُمَّة بهذه العقيدة الفذَّة الأصيلة دون غيرها من الأمم التي داخلت عقائدها الشكوك، والأهواء، والغموض والشركيات، وغير ذلك من التعقيدات والتناقضات الغريبة التي أشغلت تلك الأمم (بمباحث جدلية كثيرة حول حقيقة الإيمان وأجزائه. . .) (٢)، وحول قضايا الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وقضايا الكون والوجود.
* * *
стр. 247
تعريف العقيدة لغة واصطلاحًا
العقيدة لغة: مشتقة من مادة (عقد) قال ابن فارس: (العين والقاف والدال: أصلٌ واحد يدل على شدَّ، وشِدَّةِ وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها) (١).
وقال -أيضًا-: (واعتقد مالًا وأخًا؛ أي: اقتناه، وعقد قلبه على كذا فلا ينزع عنه، واعتقد الشيءُ: صلب. واعتقد الإخاء: ثبت) (٢).
وقال ابن منظور: (وتعقَّد الإخاء: استحكم مثل تذلل، عقد الشحم يعقد: انبنى وظهر. .) (٣).
وقال الراغب الأصفهاني: (العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء، ثمّ يستعار ذلك للمعاني نحو: عقدِ البيع، والعهد، وغيرهما، فيقال: عاقدته، وعقدته، وتعاقدنا، وعقدت يمينه، قال تعالى: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. . .، وقال: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. . .، ومنه قيل: لفلان عقيدة. . .) (٤).
يستخلص من هذه المعاني اللغوية أنها (تؤدي إلى مفهوم خاص، هذا
стр. 248
المفهوم الخاص منه اشتقت العقيدة، وهو مفهوم الشد والربط، ثم مفهوم التأكيد والتوثيق والتصديق الذي لا يقبل الشك) (١).
العقيدة اصطلاحًا: عرفت بتعريفات كثيرة، منها:
- (العقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده. و"في الدين": ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود اللَّه وبعثه الرسل. "وجمعها" عقائد) (٢).
- (هي الفكرة الكلية اليقينية للإسلام عن الكون والإنسان والحياة، وعمَّا قبل الحياة الدنيا وعمَّا بعدها، وعن علاقتها بما قبلها وبما بعدها) (٣).
- (ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، أو هي الجانب النظري الذي يطلب الإيمان به أولًا، إيمانًا لا يرقى إليه الشك، ولا تؤثر فيه شبهة، كعقيدة وجود اللَّه وبعثه الرسل) (٤).
- (التصديق الناشئ عن إدراك شعوري أو لا شعوري يقهر صاحبه على الإذعان لقضية ما) (٥).
- إيمان ناشئ عن مصدر لا شعوري، يكره الإنسان على التصديق
стр. 249
بقضية من القضايا من غير دليل. . . ولذلك تكون العقيدة مطابقة للواقع حينًا، وغير مطابقة له في أكثر الأحيان) (١).
هذه أبرز ما عُرِّفت به العقيدة، وهناك تعريفات أخرى ينصب بعضها على تعريف العقيدة تعريفًا فلسفيًّا (٢) وبعضها الآخر يعرف العقيدة الإسلاميَّة بخاصة (٣)، ومهما يكن الأمر فإنَّه يُمكن أن يستخلص من بعض هذه التعريفات إطلاق مسمى العقيدة على ما يضمره الإنسان في قلبه من الحق والباطل والصالح والفاسد والخير والشر (٤)، وقد يلتمس لما يذهب إليه الدليل وقد ينساق إليه بطبيعته وفطرته، وقد يكون ذلك الشعور اختياريًّا أو جبريًّا، ولكن تتميز العقيدة الإسلاميَّة بكونها ذلك (الحكم المستقر الذي لا يقبل الشك عند معتقده) (٥)، المنبثق من الكتاب والسنّة في معرفة الرب والرسول والدين، وما يقتضيه ذلك من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، والنظرة الشاملة للكون والحياة والإنسان.
وهذا المعنى هو ما دلت عليه بعض التعريفات السابقة، بيد أنه لا يتأتى
стр. 250
إلَّا في العقيدة الإسلاميَّة؛ لأنها عقيدة إلهية جاء بها أنبياء اللَّه ورسله، وكان خاتمهم محمد ﷺ : (وآراء الناس ومذاهبهم ومعتقدات البشر لا تتصف بهذه الصفة. . .) (١) لذلك كانت العقيدة الإسلاميَّة جديرة (بأن تستقر في سويداء القلب وأن تنعقد على هذا القلب انعقادًا وثيقًا كعقد الحبل؛ لأن الإنسان يعلم علم اليقين أنها من اللَّه الذي خلقه وسواه، وهو الذي يتولى أموره بدءًا ونهاية، فتكون هذه العقيدة الإلهية جديرة بأن تكون العقيدة الحقَّة أو العقيدة على وجه الإطلاق) (٢).
(فقد أوحى اللَّه إلى الأنبياء والمرسلين جميعًا طائفة من الحقائق المستقرة التي لا تقبل الشك، ولا مناص من الإيمان بها إيمانًا ثابتًا جازمًا لا يحتمل التغيير أو التساهل، فهي حقائق قد جاء منطوقها من قبل الرب إلى النبيين على اختلاف أممهم وتفاوت شرائعهم لتحمل في مضمونها جملة من المعاني والقيم الأساسية كيما تتلقاها البشرية وتقف عليها عن روية وبصيرة؛ لأنها معان وقيم تحتوي على مبادئ في التوحيد بين بني الإنسان حيثما كانوا ليعيش الناس جميعًا ضمن إطار متسع من الإخاء التام والتفاهم الأوفى وضمن مبادئ مشتركة قائمة على المساواة الإنسانية المطلقة وعلى التضامن الاجتماعي الوثيق) (٣).
وحول هذه العقيدة تكونت أُمّة واحدة تضرب في أعماق التاريخ وتستمر عبر الزمان والمكان ما دام هناك أفراد (يؤمنون بعقيدة واحدة