العقيدة
تمهيد
إنَّ العقيدة الإسلاميَّة هي المقوم الأساس لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة، ومرتكزها الأول فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
والعقيدة الإسلاميَّة من جانب آخر متناسقة مع سنن اللَّه في الكون والحياة والنفس الإنسانية في تجريد التوحيد للَّه، والإنابة له، والتوكل عليه. ثُمَّ إنَّها سهلة المأخذ واضحة بينة بيضاء نقية، لا غموض فيها، ولا لبس ولا تعقيد، تعرض قضايا الوجود، وحقائق الحياة والموت والبعث والنشور والجزاء والحساب، والجَنَّة والنار، والصراط، وغير ذلك من مشمولات عالم الغيب وعالم الشهادة، بأسلوب حي مؤثر يعمق الإيمان باللَّه في نفس الإنسان، (ويحمله على الطَّاعة والالتزام، فيكون لهذا الإيمان أثره في نفس الفرد، وفي استقامة سلوكه، وفي الجماعة ونظام حياتها. . .) (١)، فيتحقق بذلك تميُّز الأُمَّة بهذه العقيدة الفذَّة الأصيلة دون غيرها من الأمم التي داخلت عقائدها الشكوك، والأهواء، والغموض والشركيات، وغير ذلك من التعقيدات والتناقضات الغريبة التي أشغلت تلك الأمم (بمباحث جدلية كثيرة حول حقيقة الإيمان وأجزائه. . .) (٢)، وحول قضايا الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وقضايا الكون والوجود.
* * *
стр. 247
تعريف العقيدة لغة واصطلاحًا
العقيدة لغة: مشتقة من مادة (عقد) قال ابن فارس: (العين والقاف والدال: أصلٌ واحد يدل على شدَّ، وشِدَّةِ وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها) (١).
وقال -أيضًا-: (واعتقد مالًا وأخًا؛ أي: اقتناه، وعقد قلبه على كذا فلا ينزع عنه، واعتقد الشيءُ: صلب. واعتقد الإخاء: ثبت) (٢).
وقال ابن منظور: (وتعقَّد الإخاء: استحكم مثل تذلل، عقد الشحم يعقد: انبنى وظهر. .) (٣).
وقال الراغب الأصفهاني: (العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء، ثمّ يستعار ذلك للمعاني نحو: عقدِ البيع، والعهد، وغيرهما، فيقال: عاقدته، وعقدته، وتعاقدنا، وعقدت يمينه، قال تعالى: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. . .، وقال: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. . .، ومنه قيل: لفلان عقيدة. . .) (٤).
يستخلص من هذه المعاني اللغوية أنها (تؤدي إلى مفهوم خاص، هذا
стр. 248
المفهوم الخاص منه اشتقت العقيدة، وهو مفهوم الشد والربط، ثم مفهوم التأكيد والتوثيق والتصديق الذي لا يقبل الشك) (١).
العقيدة اصطلاحًا: عرفت بتعريفات كثيرة، منها:
- (العقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده. و"في الدين": ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود اللَّه وبعثه الرسل. "وجمعها" عقائد) (٢).
- (هي الفكرة الكلية اليقينية للإسلام عن الكون والإنسان والحياة، وعمَّا قبل الحياة الدنيا وعمَّا بعدها، وعن علاقتها بما قبلها وبما بعدها) (٣).
- (ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، أو هي الجانب النظري الذي يطلب الإيمان به أولًا، إيمانًا لا يرقى إليه الشك، ولا تؤثر فيه شبهة، كعقيدة وجود اللَّه وبعثه الرسل) (٤).
- (التصديق الناشئ عن إدراك شعوري أو لا شعوري يقهر صاحبه على الإذعان لقضية ما) (٥).
- إيمان ناشئ عن مصدر لا شعوري، يكره الإنسان على التصديق
стр. 249
بقضية من القضايا من غير دليل. . . ولذلك تكون العقيدة مطابقة للواقع حينًا، وغير مطابقة له في أكثر الأحيان) (١).
هذه أبرز ما عُرِّفت به العقيدة، وهناك تعريفات أخرى ينصب بعضها على تعريف العقيدة تعريفًا فلسفيًّا (٢) وبعضها الآخر يعرف العقيدة الإسلاميَّة بخاصة (٣)، ومهما يكن الأمر فإنَّه يُمكن أن يستخلص من بعض هذه التعريفات إطلاق مسمى العقيدة على ما يضمره الإنسان في قلبه من الحق والباطل والصالح والفاسد والخير والشر (٤)، وقد يلتمس لما يذهب إليه الدليل وقد ينساق إليه بطبيعته وفطرته، وقد يكون ذلك الشعور اختياريًّا أو جبريًّا، ولكن تتميز العقيدة الإسلاميَّة بكونها ذلك (الحكم المستقر الذي لا يقبل الشك عند معتقده) (٥)، المنبثق من الكتاب والسنّة في معرفة الرب والرسول والدين، وما يقتضيه ذلك من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، والنظرة الشاملة للكون والحياة والإنسان.
وهذا المعنى هو ما دلت عليه بعض التعريفات السابقة، بيد أنه لا يتأتى
стр. 250
إلَّا في العقيدة الإسلاميَّة؛ لأنها عقيدة إلهية جاء بها أنبياء اللَّه ورسله، وكان خاتمهم محمد ﷺ : (وآراء الناس ومذاهبهم ومعتقدات البشر لا تتصف بهذه الصفة. . .) (١) لذلك كانت العقيدة الإسلاميَّة جديرة (بأن تستقر في سويداء القلب وأن تنعقد على هذا القلب انعقادًا وثيقًا كعقد الحبل؛ لأن الإنسان يعلم علم اليقين أنها من اللَّه الذي خلقه وسواه، وهو الذي يتولى أموره بدءًا ونهاية، فتكون هذه العقيدة الإلهية جديرة بأن تكون العقيدة الحقَّة أو العقيدة على وجه الإطلاق) (٢).
(فقد أوحى اللَّه إلى الأنبياء والمرسلين جميعًا طائفة من الحقائق المستقرة التي لا تقبل الشك، ولا مناص من الإيمان بها إيمانًا ثابتًا جازمًا لا يحتمل التغيير أو التساهل، فهي حقائق قد جاء منطوقها من قبل الرب إلى النبيين على اختلاف أممهم وتفاوت شرائعهم لتحمل في مضمونها جملة من المعاني والقيم الأساسية كيما تتلقاها البشرية وتقف عليها عن روية وبصيرة؛ لأنها معان وقيم تحتوي على مبادئ في التوحيد بين بني الإنسان حيثما كانوا ليعيش الناس جميعًا ضمن إطار متسع من الإخاء التام والتفاهم الأوفى وضمن مبادئ مشتركة قائمة على المساواة الإنسانية المطلقة وعلى التضامن الاجتماعي الوثيق) (٣).
وحول هذه العقيدة تكونت أُمّة واحدة تضرب في أعماق التاريخ وتستمر عبر الزمان والمكان ما دام هناك أفراد (يؤمنون بعقيدة واحدة
стр. 251
ويحسون بنوعٍ من الترابط والتقارب في أفكارهم وتصوراتهم، وهذا التقارب يجذب أفراد المجتمع إلى بعضهم ليتكوَّن منهم مجتمع قوي متماسك ينطلق من منطلقات واحدة، ويهدف لأهداف واحدة) (١).
وتختص العقيدة الإسلاميَّة بخصائص تجعلها المقوم الأساس في تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.
* * *
стр. 252
خصائص العقيدة الإسلاميَّة
ولَمَّا كانت العقيدة الإسلاميَّة من عند اللَّه فقد اختصت بخصائص فريدة. . . منها الآتي:
أ- كونها عقيدة الفطرة:
فقد فطر الإنسان على الإيمان باللَّه، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وقال الرسول ﷺ : "ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة" (١)، وهذه الفطرة منقادة لتوحيد اللَّه وإفراده بالعبادة ونفي الشرك، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].
فسَّرَها ابن كثير بقوله: (يخبر اللَّه تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم: أنّ اللَّه ربهم ومليكهم، وأنَّه لا إله إلَّا هو، كما أنَّه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه. . .) (٢).
ومِمَّا يستنتج من هذه الشهادة مع الفطرة تأكيد العهد والميثاق، وهو بهذا يتفق مع المدلول اللغوي للعقيدة المأخوذ من (عَقَدَ) ومنه عَقْد وعقود (والعقود أوثق العهود. . .) (٣).
وقد أشار بعض علماء الاجتماع (إلى حاجة الإنسان إلى العقيدة؛
стр. 253
لأنها تمثل الغذاء الروحي والفكري له، وتحقق له الهدوء والاستقرار النفسي، ولعل هذا هو ما يسفر سعي الإنسان المستمر للارتباط بعقيدة ما، من أجل إشباع الحاجة النفسية للعقيدة) (١)، وفي ذلك دلالة واضحة على فطرية العقيدة.
وبما أنّ عقيدة الإسلام هي عقيدة الفطرة، وهي عقيدة العهد فإنَّ (الإنسان يبقى حائرًا قلقًا مضطربًا نفسيًّا حتى يؤمن الإيمان الكامل بوجود اللَّه ووحدانيته ، فإذا وصل إلى هذه المرتبة وجد الأمن النفسي والراحة الداخلية والطمأنينة القلبيَّة) (٢).
وهذا من شواهد تميُّز الأمة الإسلاميَّة إذ تسهم العقيدة (في صياغة الشخصية المتماسكة. . وكذلك تسهم في تحقيق تماسك الجماعة Group Cohesion وتحقيق التكامل الاجتماعي Sociallnte gration على مستوى المجتمع كله، لما تحققه من الشعور بالترابط والتقارب والإلفة والقوة بين أبناء العقيدة الواحدة، نتيجة لوحدة المنطق ووحدة الهدف) (٣).
ب- الوضوح واليسر:
اختصت العقيدة الإسلاميَّة بخصيصة الوضوح واليسر (فهي عقيدة بسيطة واضحة لا غموض فيها، ولا تعقيد، ومن مظاهر بساطة العقيدة الإسلاميَّة:
- أساسها واضح قائم على التوحيد، فاللَّه واحد وهو صاحب السلطان على كل شيء.
стр. 254
- ثُمَّ إنَّ العلاقة التي تقيمها بين العبد وربه هي علاقة واضحة تقوم على عبودية العبد لربه؛ الذي يتوجه إليه بالطلب والدعاء دون واسطة أحد، أو شفاعة الآخرين، إذ لا رهبانية فيها، ولا رجال دين، ولا صكوك غفران، وجميع الخلق عند اللَّه سواء لا يفضلون بكرامة أو مقام، إلَّا بمقدار طاعتهم للَّه وعملهم الصالح.
- وبتجاوب الناس معها عبر التاريخ الطويل على مختلف أصنافهم ودرجاتهم دونما تفريق، وهذا مِمَّا ساعد على الانتشار في معظم بقاع الأرض بسرعة مذهلة وفي فترة وجيزة من غير إكراه أو إجبار أو إغراء؛ لأنها دعوة وليست تبشير، تقوم على حوافز داخلية في النفس البشرية) (١).
ولعل من أبرز ما يدل على هذا الوضوح والصفاء ما تتضمنه كلمة التوحيد التي هي شعار الإسلام وعنوانه (لا إله إلَّا اللَّه محمد رسول اللَّه) فقد نفت تأليه غير اللَّه من (بشر أو حجر، أو شيء في الأرض أو في السماء. . .، وإفراد اللَّه بالألوهية، والإقرار لمحمد ﷺ بالرسالة وما يعني ذلك من محبته التي تفضي إلى متابعته، والاقتداء بهديه، والتمسك بسنته، وجماع ذلك "تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عمَّا عنه نهى وزجر، وأن يعظم أمره ونهيه" (٢)، ولهذا كانت رسالة محمد ﷺ إلى ملوك الأرض وزعمانها: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤].
إنَّ قضية التثنية في الألوهية -إله الخير والنور وإله الشر والظلمة- وقضية التثليث في الوثنيات القديمة، أو في المسيحية المتأثرة بها (الأب
стр. 255
والابن والروح القدس)، لا تتمتع واحدة منها بالوضوح لدى المؤمنين بها، ولهذا تعتمد على الإيمان بغير برهان. . . بخلاف قضية التوحيد فهي تستند إلى العقل، وتعتمد على البرهان (فيما يدركه العقل أمَّا ما كان فوق مدرج العقل الإنساني فإنّ معرفته عن طريق الوحي)، قال تعالى للمشركين: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، ويقيم الأدلة على الوحدانية بمثل قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فالتوحيد في حد ذاته قضية واضحة في ضمير كل مسلم، ودليلها أيضًا واضح في فكره، كما أن أثرها كذلك واضح في حياته) (١).
كذلك ما يتعلق بالنظرة للحياة الآخرة، والإيمان بالوحي والرسالات وعالم الغيب فكل ذلك يعتقده المسلم وفقًا لما جاء به الرسول ﷺ وما علَّمَ به أمته، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥]، قال بعض المفسرين: (وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنَّه لا يتميز بها المسلم من الكافر، إنَّما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنَّما نؤمن به، لخبر اللَّه وخبر رسوله، فهذا الإيمان الذي يُمَيَّزُ به المسلمُ من الكافر؛ لأنَّه تصديق مجرد للَّه ورسوله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر اللَّه به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه
стр. 256
عقله وفهمه بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبيَّة؛ لأنَّ عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم، وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدي اللَّه) (١).
ويندرج تحت الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة والرسل والكتب السماويَّة واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر و (بجمع ما أخبر اللَّه به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة (وأهوالها ومشاهدها) وحقائق أوصاف اللَّه وكيفيتها، وما أخبرت به الرسل من ذلك، فيؤمنون بصفات اللَّه ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا كيفيتها (٢)، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وفي حديث جبريل ﵇، قال الرسول ﷺ في جوابه عن الإيمان: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث" (٣)، وعن علي ﵁ قال: (كنا جلوسًا مع النبي ﷺ ومعه عود ينكت في الأرض، وقال: "ما منكم من أحدٍ إلَّا قد كتب مقعده من النَّار أو من الجَنَّة" فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، اعملوا فكل ميسر" ثُمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] (٤).
стр. 257
والشاهد من هذا كله أنَّ عقيدة الإسلام التي يقوم عليها تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة عقيدة واضحة بينة لا غموض فيها ولا لبس، تنبع من الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها وأشهدهم على أنفسهم، وتعاقبت رسل اللَّه تترى لتوضح هذه العقيدة، وتعيد الناس لجادتها وتعلمهم حقائقها ومقتضياتها بغاية اليسر والوضوح، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
(هذا الوضوح المشرق في العقيدة بالنظر إلى الأنبياء عامّة، وإلى محمد ﷺ خاصَّة، يقابله غموض مطبق في العقائد الأخرى، وأبرزها المسيحيَّة التي لم يتضح لأتباعها حقيقة المسيح: ما هي؟ حتى إنّهم عقدوا المجامع تلو المجامع للبحث في طبيعة المسيح ما هي؟ أهو إله؟ أم ابن إله؟ أم بشر خالص؟ أم بشر حلَّ فيه الإله؟ أم جزء من أقانيم ثلاثة يتكون منها الإله: هي الأب، والابن، والروح القدس؟ والروح القدس نفسه اختلفوا فيه ما هو، وما علاقته بالأقنومين الآخرين؟ وأم المسيح التي ولدته ما هي أيضًا؟ وما نصيبها من اللاهوت والناسوت أو الإلهية والبشرية) (١).
حدث هذا الغموض في المسيحية عندما تأثرت بالأمم الأخرى المجاورة لها، وفقدت تميُّزَها المتمثل في العقيدة الحقة التي جاء بها عيسى ﵇ من عند اللَّه (٢).
стр. 258
ج- استقلال منهجها في الاستدلال عن الطرائق الفلسفيَّة:
تعتمد الفلسفة في استدلالها على قضايا الوجود على اصطلاحات فلسفية لا تصلح إلَّا لنخبة من العلماء الذين درسوها وحصلوا علومها، ومع ذلك فإنَّ هذا الضرب من الفكر يخالطه الشك والارتياب ويقبل الرفض والطعن (١)، وعن هذا قال الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل: (صحيح أن المتكلمين قد اخترعوا أدلة يُمكن أن يقال عنها إنها منطقية، ومثبتة لوجود اللَّه، وهذه الأدلة وما شابهها قد أقرها الفلاسفة الكبار، ولكن المنطق الذي تستند عليه هذه الأدلة هو منطق أرسطو، الذي قد رفضه -عمليًا- كل علماء المنطق باستثناء رجال الدين) (٢).
أمَّا منهج العقيدة الإسلاميَّة في الاستدلال على قضايا الكون والحياة والإنسان وعلاقة ذلك بموجد الوجود كلَّه فإنَّه يقوم على أدلّة سهلة المأخذ ميسورة لجميع الناس، ولعل هذه الخصيصة كانت السبب في زعم بعض المفكرين (بأن القرآن يصلح. . . للعامة، والفلسفة تصلح للخاصة من الناس) (٣)، أو كما قيل: (الديانة هي فلسفة الشعوب والجماهير. . . والفلسفة هي ديانة الأفذاذ الممتازين) (٤).
стр. 259
وقد قام أحد الباحثين بدراسة أنواع الأدلة في القرآن الكريم وقسمها على النحو الآتي:
١ - أدلة كونية.
٢ - أدلة نفسية.
٣ - أدلة عقلية (١).
فالأدلة الكونية: تعنى بالنظر في الكائنات للتدليل (على وجود اللَّه تعالى ووحدانيته، وسعة قدرته، وعظيم حكمته، وعلى يسر البعث عليه عز شأنه. . . وقد اتخذ هذا الاستدلال كل زوايا الكائنات وجهة له، كوجود الكون بعد العدم، وسعة هذا الوجود، وعظمته، وعجائبه، وكانتظامه على قوانين مطردة، ونواميس محكمة، وابتنائه على الحكمة وحسن التدبير، والتكامل العجيب بين أجزائه، والعناية بكل أحيائه، عناية تبلغ غاية الإعجاز. . . وفي كل هذا يتجه القرآن إلى عقل الإنسان وفكره، ووجدانه وحسه، وإلى تجاربه وملاحظاته، وعلومه ومعارفه، بل يتجه إلى مشاهداته العادية المبنيَّة على الحس، لينتقل من ملاحظاتها في أوضاعها المختلفة إلى ما وراءها، وليدرك من هذه المقومات البدهيَّة، نتائجها الجازمة فيدور الدليل بين البصر والنظر، والسمع والفكر. . . وهذا اللون على سهولته أقوى أنواع الأدلة، وأقربها إلى النفولس والإقناع، والجزم واليقين، لدلالته على المطلوب بذاته، ومن أقصر سبيل، حيث يعتمد على المسلمات البدهيّة المحسوسة أو المعقولة، بخلاف أدلة المتفلسفين، التي تدل على المطلوب دلالة ناقصة، وتحتاج مقدماتها غالبًا إلى برهنة، ودليل ثالث خارج عنها، كاستدلالهم بحدوث العالم على أنّ له محدثًا، لكن من هو؟!
стр. 260
فهذا يحتاج إلى دليل آخر خارج عن علومهم ومعارفهم، فضلًا عن معرفة صفات هذا الموجد وحقوقه ، بل قد تحتاج النتيجة ذاتها إلى استدلال عليها) (١).
والأدلة النفسية: (تثير الجانب النفسي في الإنسان، ليتأمل من داخله، ويستدل بشعوره، وليتواءم مع هذه الفطرة المنقدحة في حناياه، بأن هذا الكون حق، وأن وراءه حكمة وقصدًا عظيمًا، وهذه الأدلة بالغة الأهمية للإنسان، وفي قضية الإيمان بالذات، التي لا تعتمد على مجرد المعرفة العقليَّة، وإنَّما لا بُدَّ أن تتشابك فيها عناصر هذا الكيان الإنساني البديع، لتستقر وتأنس، وتنفعل وتتحرك. . . وماذا تغني المعارف والحواس إذا كان وراءها قلب خرب لا يتجاوب مع ما يحفل به هذا الكون من جمال وجلال وإبداع يدل على عظمة صانعه ومبدعه جلَّ شأنه) (٢).
والأدلة العقليَّة: (تقوم على عمليات فكريَّة، كترتيب المقدمات واستخراج نتائجها، حسب ضوابط وقوانين وراء بداهة الحس، ومشاعر النفس، وإن كان الإدراك في الجميع راجع إلى النقل، والأدلة العقليَّة أوسع مدى من أشكال المنطق اليوناني، وضروبه؛ لذلك لم يتقيد القرآن الكريم به، وإنَّما جاء على نمط خاص في الاستدلال العقلي، واستخرج منه العلماء أنواعًا كثيرة. . . ولا يزال القرآن الكريم حمَّالًا لمزيد من الأوجه، التي يتسع لها العقل البشري الفاحص المتأمل. . . وهو كما بذَّ طرق العرب رغم نزوله بلغتهم، فهو كذلك يبذ طرق الفلاسفة وأصحاب المنطق اليوناني وأضرابهم، وقد حاول أقوام من المتفلسفين والمتكلمين المسلمين، أن ينزلوا الأدلة القرآنية على طرائق الفكر البشري، وموازينه في
стр. 261
المنطق الأرسطي، وهذه المحاولة حبس للأدلة القرآنية في نطاق آخر محلي محدود، تخبو فيه أنوار الفطرة الإنسانية وراء الحدود والقيود، ولا يسلم في كل حال من الخلل والعلل) (١).
وإذا كانت الطرائق الفلسفية قد أودت بأصحابها في كثير من الأحوال إلى الشك والجدل العقيم والحيرة ورُبَّما إلى الإلحاد، فإنَّ منهج العقيدة الإسلاميَّة في الاستدلال على وجود اللَّه ووحدانيته وفي رؤيتها للكون والحياة والنفس الإنسانية قد أثارت (كوامن النفس العربية، وبعثت العرب إلى الإيمان واليقين، وأقنعتهم إقناعًا أخرجهم من ديارهم وأموالهم. . . دفاعًا عن هذا الحق الذي آمنوا به، واستخراجًا للناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ولا تزال آثاره، ودلائله حيَّة نابضة. . .) (٢).
وبناء على ذلك فإنَّ هذه العقيدة الفذَّة مقومٌ أساس من مقومات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.
د- الانضباط وملازمة الحق والانتصار له:
ومن خصائص العقيدة الإسلاميَّة أنَّها عقيدة منضبطة بضوابط شرعيَّة وقيود أخلاقيَّة ملازمة للحق ومناصرة له، فقد أثبتت الدراسات الاجتماعية بأنَّ العقيدة (تعد الموجه الأساس لسلوك الفرد، حيث تتحول إلى موجَّهَات قيمية Valueorientions تترجم إلى واقع سلوكي، فالمعتقدات هي التي تحكم وتصبغ وتحدد القيم، وهذه الأخيرة، هي التي تحدد مسارات السلوك وتضبطه وتحكمه وتوجهه) (٣).
стр. 262
ومِمَّا يؤكد ذلك ويشهد به ما يلاحظ في واقع البشر وتاريخ الإنسان من (إقدام أصحاب العقيدة إلى التضحية بأنفسهم في سبيل عقيدتهم -سواء أكانت عقيدة صحيحة أم فاسدة) (١)، وقد تخرج هذه التضحية من دائرة العرف والمألوف لتصبح نوعًا من الفوضى والهمجيَّة والحماسة الطائشة كالذي تفعله (بعض فرق البوذية في جنوب شرق آسيا (حيث تقدم) على الانتحار الجماعي بالحرق، تنفيذًا لبعض تعاليم البوذيَّة) (٢)، بيد أنَّ العقيدة الإسلاميَّة وهي عقيدة الفطرة والعقل والحق والفضيلة والخير والمعروف تتسم بالانضباط وملازمة الحق ومناصرته، وإذا كان الجهاد في سبيل اللَّه وهو ذروة سنام الإسلام من أعظم الأدلة على فاعليَّة العقيدة الإسلاميَّة، حيث يقدم المسلم على الاستشهاد في سبيل اللَّه، ويستعذب الموت دفاعًا عن دينه (٣)، فإنَّ لذلك ضوابط شرعيَّة تفرضها عقيدة الإسلام على الأُمَّة الإسلاميَّة، وقد أثبت التاريخ التزام الأُمَّة الإسلاميَّة في مجمل تاريخها بتلك الضوابط.
وعلى سبيل المثال فإنَّ قتال الكفَّار في الفتوحات الإسلاميَّة كان آخر ما تلجأ إليه الأمَّة بعد الدعوة إلى الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، فإذا لم يتحقق ذلك وأصبح القتال هو الحل الوحيد، فإنَّه مقيد أيضًا بأخلاقيات إنسانية سامية شهد بها المنصفون وسجلها التاريخ، من مثل قول (بيجي رودريك): (قوانين الحرب في الإسلام تعتبر أكثر القوانين إنسانيَّة ورأفة، فهي تضمن السلامة التامَّة للنساء والولدان والشيوخ وجميع غير المحاربين، فليس هناك في نظر الإسلام أبشع من جريمة قصف
стр. 263
المستشفيات والمدارس وأماكن العبادة ومساكن المدنيين في المنطقة المعادية، وإنَّما يجعل الإسلام لهذه المرافق الإنسانية قدسيتها ويحذر من المساس بها، فهذه الوصيَّة التي كان يوصي بها الرسول ﷺ قادة المسلمين، وكذلك كان موقف الخلفاء الراشدين من بعده (﵃) بل لقد ظلت هذه سمة بارزة في جميع الحروب الإسلاميَّة على مرّ العصور) (١).
إنَّ ما تتسم به العقيدة الإسلاميَّة من أخلاق وانضباط راجع إلى مصادرها الأصلية، كتاب اللَّه وسنة المصطفى ﷺ قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، والشاهد من هذه الآية أنَّها حددت ضوابط القتال بـ (أن يكون القتال في سبيل اللَّه أي لنصرة الحق لا في نزوات شخصية أو عنصريَّة. . . وأن يكون مقصورًا على من يقاتل المسلمين. . . وأن لا يكون اعتداءً وتجاوزًا. . كقتل الشيوخ والنساء والذريَّة والضعفاء والرهبان المعتزلين في خلواتهم أو بيوتهم، والترهيب من الاعتداء بعد النهي عنه، بأن اللَّه لا يحب المعتدين) (٢).
ومن السنَّة المطهرة تلك الوصايا الخالدة عن الرسول ﷺ لأمراء جيوشه إذ كان يوصيهم بوصايا متنوعة، منها:
- قوله ﷺ : "اغزوا جميعًا في سبيل اللَّه، فقاتلوا من كفر باللَّه،
стр. 264
ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداَّ، فهذا عهد رسول اللَّه منتشر فيكم" (١).
- وقوله ﷺ : "من قتل صغيرًا أو حرق نخلًا أو قطع شجرة مثمرة، أو ذبح شاة لإهابها لم يرجع كفافًا" (٢).
- وروى الشيخان عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن قتل النساء والصبيان" (٣).
- وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث جيوشه، قال: "اخرجوا باسم اللَّه فقاتلوا في سبيل اللَّه، من كفر باللَّه ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" (٤).
وسار الخلفاء الراشدون على هدي الرسول ﷺ ومن بعدهم سلف
стр. 265
الأُمَّة الصالح، واستمرت الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها القديم والحديث منضبطة بضوابط هذه العقيدة ولم يند عن هذا المسار إلَّا حالات نادرة وشاذَّة، رُبَّمَا أظهرت معالجة المسلمين لآثارها: قيمة العدل والإحسان، التي تميَّزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة في سيادتها على غيرها من الأمم، وأعني بذلك -كمثال- حادثة فتح (سمرقند) حينما فتحها المسلمون -كما تذكر المراجع التاريخيَّة- دون تخيير أهلها في (الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال) وما إنْ رفع أهل سمرقند أمرهم إلى خليفة المسلمين حتى أوكل ذلك لأحد قضاة المسلمين فحكم بالآتي:
أولًا: خروج المسلمين من سمرقند.
ثانيًا: دفع تعويضات من خزانة الدولة الإسلامية لأهل (سمرقند) مقابل ما نزل بهم من أضرار من جراء دخول المسلمين بلادهم دخولًا مخالفًا لمنهج الدعوة.
ثالثًا: تعاد دعوتهم إلى الإسلام فإن أبوا خُيِّرُوا بين الصلح وبين القتال.
ولكن أهل (سمرقند) تنازلوا عن شكواهم بعدما لمسوا من الروح الطيبة والخلق الكريم، والسلوك الجميل من المسلمين الفاتحين) (١).
وإذا كانت هذه الضوابط التي ضبطت بها العقيدة الإسلاميَّة تحجبها عن إيذاء الآخرين، وعن الإفساد في الأرض وعن إهلاك الحرث والنسل حينما يبلغ بها الاندفاع أقصاه ممثلًا في قتال الكُفَّار، فإنَّ هناك ضوابط
стр. 266
أخرى تكفل المحافظة على الفرد نفسه داخل كيان الأُمَّة الإسلاميَّة، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، قال بعض المفسرين: (والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: لترك ما أمر اللَّه به العبد، إذا كان تركه موجبًا أو مقاربًا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة. . . ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة، أو سفر مخوف، أو محل مسبعة (أرض يكثر فيها السباع) أو حيَّات، أو يصعد شجرًا، أو بنيانًا خطرًا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك) (١).
وينطبق ذلك على الأُمَّة الإسلاميَّة حيث جاء الأمر في الآية بصيغة الجمع.
وبهذه الخصوصية يتضح أن العقيدة الإسلامية ليست (موجة عاطفة تهز القلوب وتثير المشاعر فحسب، بل هي قوة عقليَّة ووجدانية معًا) (٢) تُسَلِّمُ قيادها للَّه رب العالمين في جميع ما تأتي وتذر، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
ويطول البحث في الإحاطة بخصائص العقيدة الإسلاميَّة، وحسب الباحث أن تناول منها ما يبرز تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في الجوانب العقدية المتصلة به (٣).
стр. 267
أثر العقيدة في الأُمَّة الإسلاميَّة
إنَّ للخصائص التي سبق بحثها أثرًا عميقًا في الأُمَّة الإسلاميَّة حيث حدَّدت هويتها عبر تاريخ البشرية: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، فالأمة الإسلاميَّة منذ وجدت (تشترك في تصور واحد للوجود والكون، فقد ثبت في عقولها ونفوسها أنَّ لهذا الكون الرحب العظيم خلقًا واحدًا حكيمًا قديرًا، وأن الإنسان أحد مخلوقات اللَّه وأكرمها، وأن هذا الإنسان مخلوق للَّه وعبد للَّه، وهو في الوقت نفسه ذو سلطان على هذا الكون الذي سخَّره اللَّه له، وذلك كما ينص القرآن الكريم، وأن للإنسان حياتين: الأولى: للعمل وتحمل أعباء الأمانة، والثانية: للجزاء وتحمل نتائج المسؤولية، وأنَّه يصل إلى الحقائق الحسيَّة بما وهبه اللَّه من هبات البصر والسمع والحواس والعقل، وإلى الحقائق غير الماديَّة بهداية الرسل، وخاتمهم هو محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، ورسالته خاتمة الرسالات وأعمها وأبقاها، وقد أنزل اللَّه عليه كتابًا خالدًا محفوظًا، تضمن هذه الرسالة، وهو القرآن الكريم، وهو ﵊ المكلف بتبليغه وتبيينه للناس وتفصيله فيما اصطلح على تسميته (بالسنة)، هذه العقيدة التي توجز في عبارة جامعة هي (لا إله إلَّا اللَّه محمد رسول اللَّه)، عميقة الأثر في نفوس المؤمنين بها، ويتفرع عن هذه العقيدة مبادئ ومفاهيم وأفكار وعواطف، وتولد عنها نتائج مهمة كان ولا يزال لها أثر في مجرى تاريخ هذه الشعوب وفي حياتها، تتجلى هذه العقيدة وتلك المبادئ في أبسط مظاهر الحياة الاجتماعية، في السلام والتحيَّة، وفي مناسبات الحياة من ولادة وموت، وانتصار وهزيمة، وتتجلى في ألوان من الشعور أصبحت في حياة المسلمين أشبه بالغرائز، كالشعور بالمساواة بين العروق والألوان، وفقدان التمييز العنصري في ضمير هذه الشعوب، مِمَّا
стр. 268
لا نظير (له) في الشعوب التي تعد اليوم أرقى الشعوب، إنَّ تعبيرات بني آدم وآدمي وإنسان وناس أصبحت تعبيرات أساسيَّة ورائجة عند المسلمين جميعًا، وهي تصور هذا الشعور بوحدة الإنسانية) (١).
ويُمكن رصد بعض آثار العقيدة في الأُمَّة الإسلاميَّة في الآتي:
أ- حررت العقول والنفوس من الخرافات والأوهام والمخاوف ومسببات الذل والهوان بما غرست في النفوس من (قناعات أكيدة في أن النافع والضار والمحيي والمميت هو اللَّه تعالى، وبذلك فهي تمنع الإنسان عن كل ما فيه استعانة ولجوء إلى غير اللَّه) (٢)، أو خوف أو ذل أو رهبة يفضي لصرف نوعٍ من العبادة لغير اللَّه، و (اللَّه وحده الخالق الذي يسمو في عظمته وفي وجوده فوق مستوى البشر، والناس كلهم بالنسبة إليه مخلوقاته وعباده، فكلهم على ما بينهم من تفاوت في الذكاء والعلم والغنى والنسب والعرق متساوون في طبيعة خلقهم، متساوون بالنسبة إلى عظمة اللَّه. . . وقد أورد القرآن فرعون مثالًا للبشر المتأله على الناس بتعاظمه واستبداده ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. يفرض على الناس آراءه، وتوجيهاته فرضًا ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] وكانت عاقبة أمره الهلاك) (٣).
ومن هذا المثل -وغيره كثير في كتاب اللَّه تحرر الناس من كل ولاء لغير اللَّه ومن الخوف ممن يدعو الناس لعبادته من دون اللَّه، واتجهت قلوبهم وعقولهم إلى فاطرهم ورازقهم وناصرهم لا يخافون غيره ولا يرجون سواه، فأصبحت الأُمَّة الأسلاميَّة بذلك أُمَّة فاعلة (غيرت مجرى
стр. 269
التاريخ، وبدلت معالم الحضارة، وأحدثت في حياة الإنسانية الاجتماعية والفكريَّة انقلابات رائعة، ونشرت مفاهيم جديدة للحياة، وأقامت على أساسها حضارة إنسانية رائعة كان القرآن دستورها والعربية لغتها، ومبادئ المساواة والعدل والإنسانية أساسها. ذلك أن الإسلام أبرز في الإنسان صفة الإنسانية أولًا وقبل كل شيء، وجعل مكان الإنسان في هذا الكون هو مكان المخلوق المكرم من مخلوقات اللَّه، وتلك الصفة المشرفة التي تتجلى فيها خصائصه الكريمة ومزاياه الأصلية هو كونه عبدًا للَّه) (١).
ب- أقامت كيان الأُمَّة الإسلاميَّة على أساس حقق لها الوحدة الشاملة، وهو التوحيد الخالص للَّه (فالرب واحد، والرسول واحد، والرسالة واحدة، والقبلة واحدة، واللغة واحدة، والأهداف والآمال واحدة فلا بُدَّ معها أن تكون الأُمَّة واحدة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، والتوحيد في الاعتقاد يؤدي إلى تجانس مشاعر الأفراد؛ مِمَّا يجعلهم قوة متماسكة متضافرة متكافلة) (٢).
وهذا ما أطلق عليه (ستودارد) (الجامعة الإسلاميَّة) إذ قال: (الجامعة الإسلاميَّة بمعناها الشامل ومفهومها العام إنَّما هي الشعور بالوحدة العامة والعروة الوثقى لا انفصام لها في جميع المؤمنين في المعمور الإسلامي، وهي قديمة بأصلها ومنشئها منذ عهد صاحب الرسالة ﷺ أي: منذ شرع الرسول يجاهد فالتف حوله المهاجرون والأنصار معتصبين معه بعصبة الإسلام لقتال المشتركين، وقد أدرك محمد ﷺ خطورة الجامعة وعلو منزلتها في المسلمين حق الإدراك، وعلم كل العلم ما لها من عظم
стр. 270
الشأن. . فغرس غريستها بيديه في نفوسهم، فنمت وتغلغلت، وامتدت جذورها، وبسقت أغصانها. . فقد كرَّ عليها أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فما أوهن كرور هذه القرون من الجامعة الإسلاميَّة جانبًا، ولا ضعضع لها كيانًا، بل كلما تقادم عليها العهد ازدادت شدّة وقوة ومنعة واعتزازًا. حقًّا إن الجامعة اليوم بين المسلم والمسلم لأقوى منها بين النصراني والنصراني. . ومن أحب أن يقف حق الوقوف على ما أراده الإسلام من غرض الجامعة وغايتها فلينظر إلى حال المسلمين اليوم وإلى تيار هذا التعاطف والتشاكي يعلم سرّ الجامعة ومكانتها في نفوس المسلمين وفي الواقع، ليس من دين الدنيا جامع لأبنائه بعضهم مع بعض موحد لشعورهم دافع بهم نحو الجامعة العامَّة والاستمساك بعروتها كدين الإسلام) (١).
وهذا الرابط أو المرتكز للجامعة الإسلاميَّة لا يرفض جنسًا من البشر، أو يحرم فئة من الناس من الانتساب إليه في هذه الوحدة الشاملة لجميع البشر كما هو الشأن في الروابط الأخرى من القوميات ونحوها التي مزَّقت بني الإنسان، وجعلت مشا عرهم متنافرة، وولاءاتهم متناقضة، وبالتالي تشتتوا وتناجزوا ورُبَّما تناحروا، وإنَّما ألَّفَت عقيدة التوحيد مجتمعًا عالميًّا يضم جميع الأجناس ويتسع لكل الأعراق، ويقبل جميع الألوان البشرية مهما اختلفت ديارهم وأعراقهم وأجناسهم طالما كانت عقيدة التوحيد مرتكزهم الأساس، وبهذا تميزت الأُمَّة الإسلاميَّة دون سائر الأمم الاخرى.
ج- نظَّمَت العقيدة حياة الأُمَّة الإسلاميَّة تنظيمًا شاملًا، وأوجدت مجتمعات يسودها العدل والإنصاف في علاقاتها وروابطها، وتتسم
стр. 271
بالإحسان في معاملاتها لما يتصف به أفراد المسلمين من صفات تحلَّوا بها إجابة لهدي تلك العقيدة، منها:
- الصدق في القول والفعل والأخذ والعطاء، والإخلاص في ذلك كله.
- البعد عن الظلم والغدر والخيانة وأنانيات النفوس وشهواتها وأهوائها.
- الانضباط والشعور بالمسؤولية والمحاسبة على ما يأتي الفرد ويذر، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
قال بعض المفسرين: (كان بالمدينة رجلان أحدهما لا يبالي عن الصغائر يرتكبها، وكان الآخر يريد أن يتصدق فلا يجد إلَّا اليسير فيستحيي من الصدقة فنزلت الآية فيهما) (١).
- صفاء النفس وسلامتها من الأحقاد والضغائن والغل، ونحو ذلك من النقائص التي تلوث حياة الناس وتكدر عيشهم.
- سمو الفكر وتحرره من الضلال والخرافة والجهل وإعطاؤه المجال الأرحب ليفكر ويبدع ويعي ما حوله دون حجر أو تعويق (٢).
ومن مجموع أفراد الأُمَّة ومن خلال هذه الصفات وما يلحق بها من
стр. 272
الفضائل ومكارم الأخلاق وعلو الهمَّة والشعور بالعزّة والكرامة والثقة في اللَّه الرازق القادر المعز المذل الواهب اللطيف الخبير تكونت الأُمَّة المتميزة القادرة على العطاء القويَّة في بنائها، المتماسكة في نظامها، و (هذه الميزات التي يتصف بها مجتمع العقيدة النظيف المستقيم، تفتقر إليها المجتمعات الأُخرى، مجتمعات الغاب التي يسودها المخلب والناب، وتكون فيها العلاقات كما بين ابن آوى والأسد. . . فهي مجتمعات سوء التوزيع والكبت والحرمان والقمع والإرهاب والخوف والانحلال النفسي والخلقي والقلق العصبي والتوتر النفسي والشذوذ. . . والجريمة المنظمة بكل ما تحمله من معنى) (١).
د- جعلتها قادرة على الفعل وإيجابيته السريعة، وللمثال على هذا الأثر العميق، أورد ما ذكره أحد الباحثين من مقارنة بين تأثير العقيدة الإسلاميَّة على الأُمَّة الإسلاميَّة في تحريم الخمر، وبين القوانين الوضعية، مستشهدًا برأي (توينبي)، وخلاصته: (إن أحد عوامل إعجابه بقدرة الإسلام الفذة على الفعل والتغيير هو تمكنه من تخليص أُمَّة بأسرها من ظاهرة تعاطي الخمر، تلك الظاهرة تمتد جذورها آلاف السنين، وهو ما لم يستطع قانون أو دين أو نظام أن يفعله كما فعله الإسلام) (٢).
وفي سياق هذه المقارنة قال الباحث -أيضًا-: (أقرأتم عن المعجزة نفسها كيف تحققت؟، ثلاث آيات من القرآن فحسب تحسم الموقف لصالح الإنسان. . . لا أطنان من الأوراق. . . ولا مئات الملايين من الدنانير. . . ولا عشرات الألوف من المعتقلين. . . ولا مئات من المؤشرات الإحصائية والبيانات العلمية والمنحنيات!!. ثلاث آيات من
стр. 273
القرآن فحسب. . والمفتاح يكمن في العقيدة. . لقد أعطى الإسلام أتباعه عقيدة جادَّة تغلغلت في عقولهم وشرايينهم، حتى أصبحت الهواء الذي يتنفسون، والدم الذي يجري في العروق. . وحينذاك كان بمقدور الرسول ﵇، وهو يتلقى أمر اللَّه، أن يقول للمسلمين: (إنَّ اللَّه يأمركم أن تكفوا عن شرب الخمر) (١). . ويومها فقط شوهدت دِنَانُ الخمر وهي تكسَّر. . والصهباء وهي تنساب على الأرض مختلطة بترابها ووحلها. . وشوهدت بعض من دخل الخمر جوفه قبل دقائق أو ساعات يسعى جاهدًا إلى تفريغ جوفه من الدنس. . لكي يتطهر كما أراد اللَّه له أن يكون. . . ومرة أخرى. . العقيدة أولًا. . وبدونها. . فإنَّ ألفًا من محاولات الإحصاء لن تفعل سوى أن تصف الظواهر وتصنفها. . أمَّا الناس فإنَّهم سيظلون -في الطرف الآخر- ليسوا سعداء!!) (٢).
وما يقال عن سرعة إجابة الأُمَّة الإسلاميَّة في الكف عن تعاطي الخمر
стр. 274
يقال في أمور كثيرة كالحجاب والنفور للجهاد وسائر المأمورات والمنهيات، فما إنْ يصدر الأمر أو النهي حتّى تبادر الأُمَّة الإسلاميَّة في الاستجابة تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] قال بعض المفسرين في ذلك: (يأمر تعالى عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان منهم، وهو: الاستجابة للَّه وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به، والمبادرة إلى ذلك، والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه، والنهي عنه) (١).
إذًا فعقيدة الأُمَّة الإسلاميَّة عقيدة مثمرة في واقع الحياة؛ لأنها (ماثلة في الذهن، حاضرة في النفس، حيَّة في القلب، تنبض بها العروق وتتحرك بها الإرادة والجوارح) (٢)، أمَّا غيرها من العقائد الفلسفية فإنها (نظرية في الفكر وفلسفة يقلبها العقل بين يديه ويناقشها ثم يقبلها) (٣)، وتبقى (آراء يتلهى العقل بمناقشتها) (٤)، وليس لها أثر ملموس في واقع الحياة إلَّا من الناحية السلبيَّة، (فهل نفعت نظريات أرسطو وآراء أفلاطون، وهل غيَّرت شيئًا كثيرًا من معالم مجتمعه فضلًا عن حياة البشر والحضارة الإنسانية) (٥).
* * *
стр. 275
موقف المستشرقين من العقيدة الإسلامية
توافر عددٌ من المستشرقين على دراسة العقيدة الإسلاميَّة من خلال دراسة القرآن الكريم والسنّة النبوية والسيرة والتاريخ الإسلامي، وزعموا (عدم أصالة الإسلام واعتماده على الأديان السابقة) (١)، وأصبحت هذه النتيجة كما قال أحد المستشرقين: (موضة) بين عموم المستشرقين) (٢)، ولكي يصلوا إلى هذه النتيجة قاموا بتجزئة أمور العقيدة الإسلاميَّة إلى أجزاء متناثرة، وحاولوا إرجاعها إلى مصادر أخرى في الأديان السابقة، ولاشك أنّ هذا المسلك محاولة لنفي تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وذلك بزعم نسبة عقيدتها إلى أخلاطٍ من اليهودية والنصرانية والوثنية، ويتناول البحث هنا الأمور الآتية:
١ - صورة العقيدة الإسلاميَّة في العصور الوسطى عند الغرب.
٢ - نماذج من آراء المستشرقين في زعمهم تأثر العقيدة الإسلاميَّة بالديانتين اليهودية والنصرانية، وتأثرها كذلك بالوثنية.
٣ - مناقشة تلك الآراء والرد عليها.
أولًا: صورة العقيدة الإسلاميَّة لدى الغرب في العصور الوسطى:
برزت هذه الصورة لدى الغربيين في العصور الوسطى من خلال اللاهوت الذي فرضته الكنيسة على النصارى بما كان لديها من سلطة قاهرة مدعمة بالسلطة الزمنية آنذاك، وسبق مِمَّا دَلَّ عليه تاريخ الاستشراق أن
стр. 276
الحركة الفكرية التي نشطت في الأندلس إبَّان الحضارة الإسلاميَّة التي احتكت بالغرب قد انقسمت إلى شطرين:
أولهما: عمل على تشويه العقيدة الإسلاميَّة لتحصين الغرب النصراني من انتشار الإسلام فيه.
أمَّا الشطر الآخر: فقد عنى بعلوم المسلمين في الطب والفلك ونحوهما، وحرصًا منه على الإفادة منها تولى نقلها إلى اللغات الأوروبية، وتوافر على دراستها.
ومِمَّا تبيَّن -أيضًا- أنَّ تلك الحركة الفكرية اتسمت بشطريها بالعداء للإسلام وعقيدته، وقد وضَّح هذه الحقيقة أحد المستشرقين بقوله: (صحيح أنَّه كان ثمة بعض الإحاطة بالإسلام من قبل، سواء بفضل المصادر البيزنطية، أو بفضل صلات المسيحيين بالمسلمين في إسبانيا، غير أن تلك المعارف السائدة وقتذاك كانت مشوبة إلى حدٍّ رهيب بالأوهام والأخطاء، فقد نُظِرَ إلى العرب باعتبارهم وثنيين يعبدون محمدًا، ونظر إلى محمد باعتباره ساحرًا بل الشيطان بعينه) (١).
ويقول مستشرق آخر: (ظل محمد زمنًا طويلًا معروفًا فى الغرب معرفة سيئة، فلا تكاد توجد خرافة ولا فظاظة إلَّا نسبوها إليه) (٢).
وأستعرضُ فيما يأتي بعض المرتكزات لهذه الصورة من أقوال
стр. 277
ومواقف حدَّدَت صورة العقيدة الإسلامية لدى الغرب في العصور الوسطى:
- زعم (يوحَنَّا الدمشقي): (أن الإسلام زندقة مسيحيَّة نسطورية الأصل والمضمون، وأنَّ محمدًا لم يكن نبيًّا مرسلًا، بل صاحب نبوة منتحلة مبتدعة: Pseudo - Prophentes جاء العرب من قومه بكتاب مُخْتَلَقٍ، جمع أشتات مادته من راهب من أتباع آريوس المنشق عن الكنيسة، وإنه إنَّما ملك قلوب أتباعه بما كان يصطنع من ورع وتقوى كاذبة " Feigning Piety " (١) .
ويُعدُّ (يوحنَّا الدمشقي) من أوائل من (دَشَّنَ حملات الإفك والافتراء) (٢) وألَّفَ في ذلك كتبًا -سبق الإشارة إليها- قصد بها حماية النصارى من عقيدة الإسلام وكان منطلقها وما جاء من بعدها (الإثارة والتحريض والتحريف ونشر المفتريات واختلاق الأكاذيب، انطلاقًا وتأسيسًا على تصور غريب ذاع وانتشر في الغرب مفاده: أن العدو الذي لا تستطيع مغالبته بالقوة الماديَّة، فليس من سبيل إلى مقاومته إلَّا بالاستغراق في عالم من الخيال الماجن، والجهل الخدوع الذي يصور العدو على غير صورته وحقيقته؛ درءًا لخطره واستبعادًا لشروره، واستهزاءً بدوره التاريخي وقيمه ومآثره) (٣).
وكما سبق ذكره، فإنَّ (يوحنَّا الدمشقي) بمؤلفاته وحملاته على عقيدة الإسلام يُعَدُّ -أيضًا- ممهد الجادّة للمستشرقين المتحاملين على عقيدة
стр. 278
الإسلام ورسوله وأمته، وما كتبوه عن الإسلام سبقهم إليه بما يزيد على ألف عام (١).
- ألَّفَ (ثيوفانس) المؤرخ البيزنطي الشهير (٢) كتابًا عن حياة محمد؛ عُدَّ من بعده مرجعًا معتمدًا وموثقًا يستمد اللاحقون منه مادتهم عن الإسلام، جاء فيه: (. . . توفي عام ٦٣٢ للميلاد حاكم العرب ونبيهم الكذَّاب (ماومود - Mouamed) الذي أضلَّ بمكره وسحره في أول أمره جمعًا من اليهود الذين اعتقدوه باطلًا بأنَّه المسيح المخلص الذي ينتظرونه، فآمن به عدد من أحبار اليهود، ودخلوا في عقيدته، وارتدوا عن دين موسى الذي كانوا عليه) (٣).
وعلى هذا النحو أظهر محمد ﷺ في الغرب في القرون الوسطى حتى (إذا أشرقت شمس "القسطنطينية" على السقوط تحت سنابك خيل محمد الفاتح وقواته ازدادت هذه الخيالات المختلفة إسرافًا، فنقرأ في مؤلف لكاتب مجهول قوله: "إن راهبًا من النحلة الآريوسيَّة لما تحقق أن العرب قوم سخفاء سذج وبسطاء؛ قرر في نفسه أنْ يضع لهم كتابًا في الدين والعقيدة، كما فعل من قبل آريوس المنشق عن الكنيسة والدين الصحيح فاختلى إلى نفسه، واختلق كتابًا أسماه القرآن ضمَّنَهُ جملة العقائد المخالفة للمسيحية. . . ثُمَّ أعطاه لأحد تلامذته المسمى محمدًا الذي زعم لأتباعه أن الكتاب كان محفوظًا في اللوح مع جبريل. فآمنوا بدعواه وصدقوه، وهكذا تأسس هذا الدين المزعوم") (٤).
стр. 279
- وصُوِّر الرسول ﷺ على أنَّه الصنم المعبود عند أتباعه، وصُوِّر كذلك المسلمون (كوثنيين يعبدون مجمعًا من الأوثان المعبودة مشخصة في صور تماثيل مصنوعة من الذهب والفضة يتقرب إليها وتعبد وفق تقاليد وطقوس معينة، ويستثار رضاها ويلتمس عونها في الحروب والقتال ضد النصارى، حتى إذا فشل العرب في القتال، وغالب أمرهم أن يفشلوا، لعنت الآلهة وشتمت ودست في التراب) (١).
هذه نبذة مختصرة عن صورة العقيدة الإسلاميَّة لدى الغرب في عصورهم الوسطى، اختصرت القول فيها؛ لأنها أصبحت مرفوضة في أعراف المستشرقين في العصر الحديث، ووجهوا لها انتقادات حادَّة ووصفوها بالتعصب والجهل والحماقة، ولكن السؤال هل جاءت الدراسات الاستشراقيَّة فيما بعد أقرب إلى الإنصاف والبحث العلمي المجرد عن الأحقاد التاريخيَّة الموروثة، والتعصب الديني الأعمى؟! هذا ما سيجري بحثه في النقطة الآتية:
ثانيًا: نماذج من آراء المستشرقين في العقيدة الإسلاميَّة:
١ - زعم بعض المستشرقين أن محمدًا ﷺ أخذ أسس التوحيد من اليهود والنصارى، ويقول (ستوبرت) في ذلك: (لقد تأثر محمد ﷺ بمعتنقي ديانتي التوحيد: اليهودية والمسيحية، إذ لم يبخل عليه الأحبار والرهبان بالمعلومات التي تتعلق بهاتين الديانتين، وتشهد بذلك كتب السيرة عند المسلمين أنفسهم) (٢).
стр. 280
٢ - عقد إميل در منغم في كتابه (حياة محمد) فصلًا بعنوان: النصرانية والإسلام، تطرَّق فيه إلى القول: (استطاع محمد أن يتعوف بعدد غير قليل من النصارى بمكة كالموالي الذين كان أكثرهم من الأحباش وبأناس من الروم والأقباط وعرب القبائل النصرانية، وكان يجلس في الغالب بالقرب من جَبْر الرومي (١)، الذي كان يصنع هو ورفيقه يَسَار الرومي السيوف) (٢).
ثم يحاول أن يستقصي منافذ النصرانية إلى مكة المكرمة، وكأنه بأسلوب غير مباشر يود أن يشكل إطارًا لتأثر الرسول ﷺ بالعقائد النصرانية، ويتوغل في هذا الإيحاء بقوله: (. . . وفرق النصرانية الضالة هي التي كان محمد شاهدًا عليها، وهو الذي لم يعرف غيرها، والمسائل الكثيرة المشكوك فيها كان مصدرها ما أدخله اليهود إلى التلمود وغيره مِمَّا عرفه (حضريو) جزيرة العرب وأعرابها وشعراء صحرائها، وفي القرآن مطابقة لرؤيا آدم وكهف الكنوز وكتاب أخنوخ (إدريس) وإنجيل يعقوب الأول وقصص القديسين وإنجيل برنابا وقصة خلق عيسى الصبي للطير من الطين، ولابد أن يكون ورقة بن نوفل وأمثاله على علم بهذا الأدب المشكوك فيه) (٣).
стр. 281
وفي سياق آخر يقول: (والحق أن النصرانية تشمل الإسلام وتضيف إليه بعض الشيء، وأنَّه لا تناقض بين هاتين الديانتين، فعلى الأديان أن تتنافس في العبادة والفضائل بدلًا من أن تتناجز، والغرور والأثرة الضيقة يجعلان معظم الناس عاملين على ما فيه اختلافهم عن الآخرين أكثر مِمَّا يعملون على تمجيد اللَّه، والتعصب هو الذي يحول حماسة المرء لدين إلى الحقد على الأديان الأخرى، ومن يدري أن اللَّه لم يرد نوعًا من التمايز الذي هو خلاف التعصب كما في عالم السياسة) (١).
وقال أيضًا: (وبين محمد ومن تقدمه من أنبياء بني إسرائيل شبه قوي، فكان وهو نبي بمكة، كإشعياء في إسرائيل، وكان وهو حاكم بالمدينة كيشوع في كنعان وتسمَّى بمحمد، وحامل هذا الاسم هو من ينتظره اليهود فأبوا أن يدعوه بغير أبي القاسم) (٢).
٣ - ولكارل بروكلمان أقوال متناثرة في كتابيه؛ تاريخ الأدب العربي وتاريخ الشعوب الإسلاميَّة. . منها قوله في كتابه الأول: (ولا حاجة هنا إلى ذكر تاريخ دعوته التي ضاهى بها في مكة أسلوب الدعوة النصرانية، ولعله كان يعرف هذه الدعوة من طريق المبشرين النساطرة (٣).
ومنها قوله: (واستخدم محمد في دعوته أساليب الكاهن) (٤) أو قوله: (تأخذ طابع سجع الكهان) (٥) في وصفه للآيات القرآنية التي نزلت بمكة.
ومِمَّا قال أيضًا: (رجح توراندرية أن أسلوب محمد قد تأثر بموعظة
стр. 282
التبشير المسيحي على لسان المبشرين العرب من جنوبي الجزيرة، حيث ازداد نفوذ الكنيسة النسطورية تحت سيادة الفرس) (١).
وقال أيضًا: (كان جديرًا بالنظر حقًّا ما اقترح "بل" -برغم الصعوبة الصوتية- وهو القول باشتقاق لفظ سورة من الكلمة السريانية: صورتا (نصُّ) وذلك لوضوح التأثير النصراني في لغة النبي باطراد) (٢).
ومِمَّا جاء في كتابه الآخر قوله: (وفي وسط مكة تقوم الكعبة، وهي بناء ذو أربع زوايا. . يحتضن في إحداها الحجر الأسود، ولعله أقدم وثن عبد في تلك الديار) (٣)، وعن الحجر الأسود يقول أيضًا: (وعندما بلغ محمد الكعبة طاف بها سبعًا على راحلته، لامسًا الحجر الأسود بعصاه في كل مرة. وبذلك ضم هذا الطقس الوثني إلى دينه) (٤).
ويقول -أيضًا-: (تذهب الروايات إلى أنه اتصل في رحلاته ببعض اليهود والنصارى، أمَّا في مكة نفسها فلعلَّه اتصل بجماعات من النصارى كانت معرفتهم بالتوراة والإنجيل هزيلة) (٥).
стр. 283
٤ - و (لجولدزيهر) في كتابيه؛ العقيدة والشريعة (١)، ومذاهب التفسير الإسلامي (٢)، أقوالٌ تمس تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال تشكيكه في عقيدتها وشريعتها وتاريخها. . وفي كتابه الأول تركزت تلك الأقوال على أربع مزاعم، هي:
أ- إن القرآن من صنع محمد.
ب- إن الحديث النبوي من صناعة الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية.
ج- التشريع الإسلامي مستمد من القانون الروماني.
د- إن الجيوش الإسلاميَّة. . . لم يكن باعثها الإيمان، وإنَّما الذي أخرجها من الجزيرة العربية القحط والجوع) (٣).
ومِمَّا يخص مجال العقيدة زعمه بأن الإسلام (ليس إلَّا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية عرفها (محمد ﷺ ) بفضل اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية) (٤)، وأنه لم يأتِ بجديد (٥).
وفي كتابه الآخر لا يقتصر على مس العقيدة الإسلاميَّة من حيث كونها
стр. 284
مبدأ وتعاليم جاء بها الرسول ﷺ ، وإنَّما يمتد بمزاعمه وتشكيكاته إلى تاريخ العقيدة الإسلاميَّة في واقع الأُمَّة ويخاط بين أهل الزيغ وأُمَّة الاتباع.
ومِمَّا قاله في هذا المجال: (وكما تقدم تعاليم الإسلام حتى في مرحلته البدائية، صورة من مذهبي الانتخاب والمزج -من اليهودية والنصرانية وديانة فارس وغيرها- كذلك عملت آثار أجنبية، من التجارب التعليمية النافذة من المحيط الخارجي، في تنمية ما جدّ بعد ذلك من المسائل، كما يبدو في مسائل الخلاف العقدية التي كانت تؤدى في أوقات الهدوء المعترضة إلى صياغة قواعد مركزة متبلورة. وقد أمكن في وقت مبكر إثبات أن الأنظار، والمسائل العقدية التي كانت محل الاعتبار في القرنين الأولين عند علماء الكلام الإسلاميين، قد برزت تحت تأثير النشاط العقدي داخل الكنائس والفرق المسيحية الشرقية) (١).
٥ - يكاد هذا الموقف إزاء عقيدة الأُمَّة الإسلاميَّة الذي ينكر تميزها أن يكون متأصلًا في دراسات معظم المستشرقين (٢)، وهناك نماذج كثيرة تؤكد ذلك وردت في كتابات الكثير من المستشرقين، ولكن الذي يبين هذا الموقف
стр. 285
بجلاء ويدل على رسوخه في الدراسات الاستشراقية، وتعمد المنهج الاستشراقي الإصرار على ذلك هو ما ورد في دوائر المعارف، ومن أمثلة ذلك:
أ- تقول دائرة المعارف الإسلاميَّة تحت مادة (السامرة): (وما من أحد يشك في تعدد مصدر الأصول التي استقى محمد منها معارفه، وكثيرًا ما جرى القول بتأثير اليهودية والنصرانية فيه، وازدياد المعرفة بهذه الأصول يؤيد مثل هذه النتائج، في حين أن الجهل التام بالمسائل السامرية يجوز لنا التحيز للعرب) (١).
ب- جاء في دائرة المعارف البريطانية: (إنَّ صورة اللَّه التي تتداخل فيها صفات القوة والعدل والرحمة ذات صلة بالتراث اليهودي المسيحي، حيث استمدت منه بعد أن طرأ عليها بعض التعديلات، وكذلك تتصل بالوثنية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية) (٢).
ج- وجاء في موسوعة الحضارة التي أصدرتها هيئة اليونسكو: (الإسلام تركيب ملفق من اليهودية والنصرانية ورواسب الوثنية) (٣).
ثالثًا: الرد على أقوالهم:
يتضح من الأقوال السابقة موقف عامّة المستشرقين في استهدافهم تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال محاولاتهم تشويه عقيدتها، وذلك بنسبتها إلى اليهودية أو النصرانية أو إلصاق الوثنية في عقيدتها، وهذه وتلك برزت