إلى عاصمة دولة الإسلام لإشهار إسلامهم ومبايعة الرسول ﷺ ، والانضواء تحت مظلَّة الأُمَّة الإسلاميَّة وراية لا إله إلَّا اللَّه محمد رسول اللَّه، عللوا ذلك بسبب (سقوط مكة زعيمة الشرك بأيدي الفاتحين، وهزيمة التحالف الوثني الأخير في حنين [فكان ذلك] آخر ضربتين حاسمتين للوجود الوثني في جزيرة العرب، انهار بعدها جدار الكفر، وانطلقت حركة الإسلام بخفّة وسرعة، حيث أزيلت العوائق، إلى كل مكان، وأدركت القبائل العربية التي ظلت على وثنيتها ألَّا مناص لها من تحديد موقفها من الإسلام ودولته المتفردة بالحكم والسلطان في الجزيرة كلها، وأن عنادها وتشبثها بمواقفها السابقة فقد مبرراته بدخول مكة في الإسلام، وانتماء هوازن، أكبر القبائل الوثنية، للدين الجديد، فراحت هذه القبائل تتسابق في إرسال وفودها إلى المدينة قاعدة الإسلام، مبايعة على الإسلام أو مصالحة رسول اللَّه ﷺ ، ولكثرة هذه الوفود التي انهالت على المدينة في العام التالي لفتح مكة ومطلع الذي يليه، سماه المؤرخون "عام الوفود" (١)، (٢).
وواضح أنَّ هذا يتفق مع ما ذكره ابن إسحاق مؤرخ السيرة الأول، إذ قال: (وإنَّما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول اللَّه ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوّخها الإسلام، وعرفت العرب أنَّه لا طاقة لهم بحرب رسول اللَّه ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين اللَّه كما قال اللَّه : ﴿أفواجًا﴾ يضربون إليه من كل وجه) (٣).
стр. 597
وتاريخ هذه الوفود وما اشتمل عليه من معان عميقة ودلالات ذات أبعاد واسعة، فيما يتعلق بعالمية الإسلام وأمته، مِمَّا أسهب العلماء في ذكره ودراسته وتفسير أحداثه ومتعلقاتها (١)، بيد أنَّ مِمَّا ينطوي عليه بصفة خاصَّة التأكيد على عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة، فقد وسعت قبائل وشعوب، وبلدان على الرغم مِمَّا كان بينها من الاختلافات، والتناقضات؛ على صعيد المصالح، وعلى سعيد الاتجاهات الفكريَّة، والتشريعية، والسلوكيَّة، وعلى الرغم مِمَّا تتسم به علاقاتُها من صراع واقتتال وتناحر وتناجز لأتفه الأسباب، وما كانت عليه من انحطاط، وتخلف في الثقافة والحضارة، وفي العقيدة والتصور، فإنَّ الإسلام صهرها في أُمَّة واحدة وأخرجها لتكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] بما لم يشهد له التاريخ مثيلًا، فدلَّ ذلك على خصيصة العالمية، وأنها إحدى خصائص تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة.
د- ومن بين تلك الوفود بخاصّة نصارى العرب ممن كان منهم في جنوب الجزيرة أو شمالها، فقد كان لهم مع رسول اللَّه ﷺ مواقف فيها الكثير من العبر، والدلائل على عالميَّة الإسلام والاعتراف بنبوة ﷺ وأنَّه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنَّه هو الذي بشرت به كتبهم، وإذا كانت قصة عدي بن حاتم تشتمل على شيء من ذلك فإنَّ هناك شواهد أخرى من أبرزها:
١ - ما حدث من وفد نجران من مجادلة الرسول ﷺ ومناظرته حول المسيح ﵇، وقد ذكر بعض المفسرين أن صدرًا من سورة آل عمران نزل بهذا الشأن (٢)، وجاءت فيه آية المباهلة، ولكنَّهم أحجموا عنها، واختاروا
стр. 598
لأنفسهم دفع الجزية، وكانوا -كما ذكر العلماء- أول من دفع الجزية في الإسلام (١)، وقصة ذلك مذكورة في كتب السيرة والتفسير وأسباب النزول.
قال ابن كثير: (سورة آل عمران. . . مدنية؛ لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة. . . . .) (٢)، ثُمَّ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين﴾ [آل عمران: ٦١]: (كان سبب نزول المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران: أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والإلهية، فأنزل اللَّه صدر هذه السورة ردًّا عليهم) (٣).
وبعد أن أورد ابن كثير تفاصيل ما حدث بينهم وبين الرسول ﷺ من مناظرة وجدال قال: (فأنزل اللَّه في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة اَل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. . .) (٤)، وذكر ما كان من أمر مشورتهم فيما سمعوا من القرآن الكريم، وما وقفوا عليه من حقيقة نبوة محمد ﷺ ، وأن صاحب الرأي فيهم قال: (واللَّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أنَّ محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمت أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وأنّه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإنْ كنتم أبيتم إلَّا ألف دينكم والإقامة
стр. 599
على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم) (١).
والشاهد من هذا اعتراف وفد النصارى بنبوة محمد ﷺ ، ومن المُسَلَّم به عندئذٍ الاعتراف بأصلين آخرين يتصلان بهذا الأصل؛ وهما: أنَّ محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنَّه بعث للناس كافَّة؛ لأن الاعتراف بنبوته يلزمهم أن يعترفوا بهذين الأصلين الاخرين لكون النبي لا يكذب، وهذا مِمَّا يسلمون به فلزم أن يصدقوه فيما قال من كونه آخر الأنبياء والمرسلين، وأنَّ رسالته عامَّة وشاملة (٢).
٢ - وحدث أنَّ (فروة بن عمرو الجذامي)، وكان ملك عرب الروم، وعاملًا لهم على من يليه من العرب، بعث برسوله إلى الرسول ﷺ ، معلنًا إسلامه، وأهدى للرسول ﷺ بغلة بيضاء، (وكان منزله (مَعَان) بأرض الشام، فلمَّا بلغ الروم ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فلما اجتمعت الروم لصلبه. على ماء لهم يقال له: عفراء بفلسطين قال:
بلغ سراة المسلمين بأنَّني ... سلم لربِّي أعْظُمِي ومقامي
ثُمَّ ضربوا عنقه، وصلبوه على ذلك الماء يرحمه اللَّه) (٣).
هـ - وتوافدت القبائل مرة أخرى في حجة الوداع لملاقاة الرسول ﷺ والأخذ عنه أمور الإسلام ومناسك الحج وشعائر الدين، وقد كان أناب
стр. 600
عنه في حجَّة العام التاسع للهجرة أبا بكر الصديق، وألحق به علي بن أبي طالب ﵄ لنزول سورة (براءة) لإعلانها للناس في يوم الحج الأكبر (١)، وجاءت حَجَّة الوداع وقد علت كلمة اللَّه، واكتمل الدين، فالتقت الأُمَّة الإسلاميَّة برسولها ﷺ في سورة مثاليَّة، بعد أن أصبحت مصطبغة بعقيدة التوحيد، داخلة تحت لواء الشريعة الإسلاميَّة.
يقول أحد المؤرخين عن هذه الصورة الجليَّة للأُمَّة الإسلاميَّة في حجة الوداع وعن دولة الرسول ﷺ : (حَجَّ في العام العاشر حجَّته الأخيرة على النظام الإسلامي، وحجَّ معه فيها ما يزيد على مئة ألف (٢) لم يكن من بينهم مشرك واحد، وفي الفترة التي تقع بين إعلان (البراءة من المشركين) ووفاة الرسول ﷺ طبق الرسول (أمر البراءة) بحذر شديد وكياسة سياسية بارعة، وتجنب الاصطدام بالقبائل، ولذلك كان يكتفي من وفودها بإعلان إسلامهم، ويرسل معهم عند عودتهم مسلمين يعلمونهم الإسلام في بلادهم، والواقع أن (إعلان البراءة) بوقف الوثنيَّة نهائيًّا، أمر لا يُمكن إدراك أبعاده، إلَّا إذا نظرنا إلى المسألة من جانبها الحضاري و (الاستراتيجي) كضرورتين يرتبط بعضها ببعض، وتسوقان إلى اتخاذ إجراء حاسم كهذا.
فأمَّا أولاهما: فهي أنَّ الوثنية، على خلف سائر الأديان الأخرى، تمثل الدرك الأسفل في موقف الإنسان الديني من الكون، موقف يشده إلى الحجارة، ويصده عن التقدم إلى الإمام، ويحجب عن بصيرته الرؤية الشاملة لدور الإنسان في الأرض وعلاقته بالقوى الأخرى في الوجود، ولو بقي
стр. 601
العربي على وثنيته لظل بحكم موقفه هذا أسير جهله وتأخره، وسجين عالم تضيق آفاقه، ثُمَّ ما تلبث أن تعزله عن العالم وتحصره في قلب الصحراء.
وأمَّا ثانيتهما: فتقوم على أن الدولة (العقيدية) التي أنشئت في قلب المنطقة العربية، وامتد نفوذها السياسي إلى كافة أرجاء الجزيرة، وبدأت تحشد قواها وطاقاتها الجهادية للانتقال صوب الخطوة التالية في التحرك إلى العالم المحيط كله، هذه الدولة كان عليها أن تعتمد (استراتيجية) صارمة، واضحة المعالم من أجل أن تحمي وجودها في شبه الجزيرة العربية، من جيوب الوثنية العربية، ومراكز القوى الجاهليَّة، وأن تحيط مركز انطلاقها إلى العالم بسياج الوحدة العقيدية والسياسية على السواء، لئلا تضرب من الخلف وهي تمارس صراعها مع القوى الخارجيَّة، حاشدة له جل طاقاتها.
وهكذا يجيءُ إعلان (البراءة) نصرًا حضاريًّا واستراتيجيًا لدولة الإسلام، وهي تتهيأ للخطوة التالية في (تحضير) العالم و (جهاد) قياداته (الكافرة) جميعًا من أجل منح حريَّة الاعتقاد للإنسان حيثما كان) (١).
ورُبَّما يصدق هذا الوصف على مظهر الدولة الإسلاميَّة في عهد الرسول ﷺ وفي عهودها الأخرى، حينما يُنْظَرُ إليها من خارج الأحداث، وتفسر بطريقة فلسفية، ولكن من ينعم النظر في طبيعة التشريع الإسلامي؛ في جوانبه العقدية، والسياسيَّة، والأخلاقيَّة، وغيرها؛ يلحظ أنَّ مجرى الأحداث فيه، تختلف عن تلك التفسيرات، التي رُبَّما تستقيم من وجه، ولكنها لا تستقيم من كل وجه؛ ذلك أنَّ الرسول ﷺ أبلغ رسالات ربه، وفعل ما أُمِر به، وبالنظر إلى قضية (البراءة من المشركين)؛ يدرك الناظر أن الرسول ﷺ ؛ أمَّرَ أبا بكر الصديق على الحج في السنة
стр. 602
التاسعة، وبعد أن انطلق إلى حيث أمره، نزل أول سورة (براءة)، فألحق الرسول ﷺ به عليًّا ﵄، مِمَّا يدل على عدم التخطيط المسبق من قبل الرسول ﷺ ، وإنَّما نزل الوحي بأمر جديد، وأسرع المصطفى ﷺ في تنفيذه، كعادته في إجابة أمر ربه القائل: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكان ﷺ يتلقى أمر ربه فيهتدي به، ويسير في ضوئه منذُ بعثه اللَّه وحتى توفاه إليه، ولعل ما فعله ﷺ في مبرك ناقته حين نزوله في المدينة، وقوله: "خلوا سبيلها فإنَّها مأمورة" (١) من الشواهد على ذلك؛ صحيح أنَّه ﷺ يخبر عن أحداث ستقع ويعلم من الغيب ما علَّمَهُ اللَّه، ولكن لا يعني ذلك أن تفسير أحداث السيرة على نحو يصبغها بالعبقرية والسياسة وأساليب الحنكة والدهاء، وحقيقة تلك الأحداث مرتبط بالنبوة ومقتضياتها.
وما حدث من ردَّة بعض قبائل العرب عقب وفاة الرسول ﷺ ، وموقف أبي بكر الصديق منها وعدم مهادنته لهم، أو النظر إليها من منطلق الموازنة بين قدرة دولة الإسلام على مواجهتهم، والتغاضي عن بعض ما أوجبه عليهم الإسلام، بل التمسك بالمبدأ، مهما آلت إليه الأوضاع، ومهما
стр. 603
كانت النتائج، على الرَّغم مِمَّا أشار به عمر بن الخطاب، من التدرج معهم، ومهادنتهم (١)، إنَّ هذا الموقف مِمَّا يعزز ما سبقت الإشارة إليه من كون طبيعة الأحداث والمواقف في تاريخ الإسلام لها خصوصيتها ومنطلقها المشدود برباط الربانيَّة، والنظر في المستجدات وبحثها وفقًا للبحث عن مراد اللَّه فيها.
غير أنَّه يُمكن القول بأنَّ ما أشار إليه الباحث في قوله السابق يؤكد منطلق عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال الناحيتين اللتين ذكرهما، وهما الوحدة العقيدية والوحدة السياسيَّة باعتبارهما أساس عالميَّة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وهذا ما أكده تطور الأحداث وامتدادها.
وبالنظر لتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة منذُ أنْ أخرجها اللَّه للناس لتكون خير أُمَّة تؤمن باللَّه وتعلي كلمته وتطبق شرعه وتدعو لوحدانيته وطاعته، وجعلها بذلك شاهدة على الناس، انداحت دائرة امتدادها في مشارق الأرض ومغاربها من ذلك الحين وحتى العصر الراهن وإلى ما شاء اللَّه، وفي عهد الرسول ﷺ تكونت الأُمَّة الإسلاميَّة من أفراد من العرب والروم والفرس والحبشة -كما سبق الإشارة إلى ذلك- ثُمَّ خرجت دعوتها إلى نطاق عالمي، إذ وصلت إلى (آذان) المسؤولين في الدولتين الكبيرتين في آسيا وأوروبا، وإلى الحبشة ومصر وإفريقية) (٢).
стр. 604
وفي غضون بضعة عقود أصبحت الأُمَّة الإسلاميَّة؛ هي الأُمَّة العالميَّة التي دان لها الشرق والغرب أو كاد، واستظلت البشرية بحضارتها الزاهرة ردحًا من الزمن، تحررت فيها الضمائر والعقول، وراجت العلوم والمعارف، ثُمَّ دالت دولتها بسببٍ من ذاتها، وبسبب مكائد القوى المعادية لها، وما نالت من سيادتها، حتى تراجعت إلى الوراء، وغُلِبَتْ على أمرها، وفرض عليها التخلف والحرمان، إلى درجة غير معقولة، ومع ذلك (فإنَّ الإسلام بمبادئه السامية، وتشريعاته الملائمة وجد له أعوانًا وأنصارًا وقلوبًا في كل جهات العالم، وأن البيئات التي وجدوا فيها لم تكن حائلة دون تطبيق تعاليمه، وأن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم لم تقف حائلًا دون اعتناق هذا الدين، والتفاعل مع مبادئه، كان له في بعضها تاريخًا قديمًا لازمها قرونًا عدَّة لم تزده الأيام إلَّا قوة في نفوسهم واعتزازًا به، وهذا من أكبر الأدلة على عالميَّة الإسلام وحيويته واتفاقه مع جميع الحاجات البشرية، فكل الجماعات الإنسانية التي جاء لينظمها ويسمو بها، دون النظر إلى الحواجز التي أقامها الناس فكانت سببًا في متاعبهم وآلامهم التي لن تنتهي إلَّا إذا عادوا إلى الأوضاع الصحيحة التي فطر اللَّه الإنسان عليها) (١).
وتبقى جوانب أخرى تعد من دلائل عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة يأتي الحديث عنها في:
* * *
стр. 605
دلائل عالمية الأُمَّة الإسلاميَّة، من العقيدة والنظم
تناول البحث في النقاط السابقة دلائل عالميَّة الإسلام وأمته من خلال نصوص الكتاب والسُّنَّة، وبعض أحداث السيرة النبويَّة والتاريخ الإسلامي، وهناك دلائل أخرى لها أهميتها في عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة، وتعد بمثابة الموجّهات الذَّاتيَّة لتلك العالمية باعتبارها من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، من أبرزها الآتي:
أ- تلك العقيدة الميسورة التي ترتكز على فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، وكانت قدرًا مشتركًا في بني آدم بعامَّة، وما تشتمل عليه من هداية وعلم وسعادة دونما تعقيد فلسفي ولا وسائط بين العبد وربه فهي عقيدة (عامَّة وشاملة وواضحة، تراعي في الإنسان فطرته وقدراته وإمكاناته، وتسعى لتوجيهه في حياته كفرد، ولتوجيهه إلى كيفية التعامل مع بني جنسه، ومع جميع مظاهر الكون الأُخرى حتى تتحقق في النهاية سعادة الإنسانية أفرادًا وجماعات، فالعقيدة يجب أن توضح للإنسان فكرة الوجود؛ وجود الخالق ووجود المخلوق حتى تلبي حاجة الإنسان الملحة في معرفة خالقه، والتي تساءل الإنسان عنها منذ خلق، كذلك يجب أن تهتم العقيدة الموصوفة بالشموليَّة بجميع جوانب الإنسان الروحيَّة والماديَّة. . وإذا كان المراد من العقيدة هو الاهتمام بالإنسان وضبطها لسلوكه؛ فإن أهم ميزة يجب أن تنعت بها هي ألا تكون نظرية بحتة لا تتصل بالواقع ولا تتفاعل معه؛ لأن ذلك يجعلها بعيدة عن الواقع العملي وغير ميسورة التطبيق، واعتمادًا على ما تقدم يُمكن أن نقرر أن العقيدة الإسلاميَّة هي عقيدة شاملة وعامَّة، ذلك لأنها تخاطب في الإنسان فطرته التي خلق عليها، وحققت له
стр. 606
نظامًا دقيقًا لحياته، وأجابت عن كل تساؤلاته الروحيَّة والعقلية، واهتمت بتربية عقله وفكره ووجدانه) (١).
بل إنَّها حررت الإنسان من الخرافات والوهم، وربطته بربه في ضوء منهج أصيل يغذي عقله وروحه ويزكيه، ويضع عنه أغلال الجهل والشر والشقاء، لذلك كانت العقيدة الإسلاميَّة المرتكزة على الفطرة والتوحيد والإيمان والإحسان عقيدة غير محصورة في جنس أو زمان أو مكان، وإنَّما هي مرتكز لوحدة عالميَّة تتسع جميع المكلفين (٢).
ب- وتلك الشريعة الربانيَّة الغراء التي جاءت نظامًا عالميًّا شاملًا عامًّا: (أتى بالمبادئ التشريعية والخلقيَّة التي تسمو بالإنسان إلى أعلى درجات الكمال، جاء من عند اللَّه عامًّا لكل أجناس البشر جنّهم وإنسهم، لا يختص بقوم دون قوم، أو جيل دون جيل، موجه إلى الناس كافَّة باعتبار إنسانيتهم التي ميَّزهم اللَّه بها عن سائر الحيوان، يحقق مصالحهم في كل عصر ومصر، ويفي بحاجاتهم، ولا يضيق بها، ولا يتخلف عن أيِّ مستوى عال يبلغه أيُّ مجتمع من المجتمعات، ومع عموميَّة التشريع الإسلامي فإنَّه شامل كذلك لكل جوانب الحياة، ومناحي الاجتماع، لم يترك شاردة ولا واردة إلَّا ذكر فيها خبرًا أو شملها حكمًا، أو أدرجها تحت أصل أو قاعدة، فالشريعة الإسلاميَّة منذُ نشأتها الأولى كذلك رسالة للعالمين طبيعتها عالميَّة شاملة، ووسائلها وسائل إنسانية كاملة، وغايتها نقل هذه
стр. 607
البشرية كلها من عهد إلى عهد، ومن نهج إلى نهج عن طريق مصدرين أساسين هما: القرآن الكريم، وسنّة النبي ﷺ (١).
وخلاصة القول: أنَّ من أهم خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة خصيصة العالميَّة، وهي ما درج العلماء على تسميته (بالعموم والشمول)، وهو ما أجمله ابن قيم في قوله: (وعموم رسالته ﷺ في كل ما يحتاج إليه العباد، في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنَّه لم يحوج أمته إلى أحدٍ بعده، وإنَّما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة للمُرْسَل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بُعث إليه في أصول الدين وفروعه؛ فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلَّا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأُمَّة في علومها وأعمالها عمَّا جاء به) (٢).
* * *
стр. 608
موقف المستشرقين من خصيصة العالَمِيَّة
تختلف آراء المستشرقين ومواقفهم حول هذه الخصيصة من خصائص تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة، فمنهم من أقرَّ بها، مثل (جولدزيهر) (١) و (سيرتوماس أرنولد) وغيرهما (٢)، ومنهم من أنكرها، ومنهم من أقرَّ بها، ولكنه نفى أن يكون الرسول ﷺ فكر فيها أو عمل لها، وإنَّما أفضت إليها حركة الأمَّة الإسلاميَّة التاريخية، ومنهم من تأرجح بشأنها، قائلًا: لا يُمكن إثباتها أو نفيها، فهناك نصوص تثبتها ودلائل تؤكدها، وهناك نصوص أخرى تدل على عكس ذلك.
ويعرض هذا المطلب بعض آراء منكري هذه الخصيصة واستدلالاتهم سواء الذين أنكروها البتَّة، أو أنكروها كخصيصة تميّز بها الإسلام من حيث المبدأ وطبيعته الذَّاتيَّة، أو تأرجحوا بشأنها.
أمَّا الذين اعترفوا بها فسيجري الاستشهاد بأقوالهم في سياق الردود على المنكرين، وتفصيلُ ذلك وفق الآتي:
أولًا: موقف المنكرين لخصيصة العالَمِيَّة وأدلة إنكارهم مع الرد عليها:
أ- زعم (فنسك): (أن دعوة الإسلام خاصة بالعرب)، وحُجَّتُه في ذلك أنَّ (الرسول عربي، وظهر في جزيرة العرب، والقرآن عربي، وأحكامه عربية، ويجري العمل به في بلاد العرب، والدعوة ظهرت في
стр. 609
بلاد العرب) (١)، ويخلص من هذا إلى نتيجة محدَّدة هي (أنَّ الإسلام خاصٌّ بالعرب) (٢).
واستدل (فنسك) على دعواه بعدّة آيات من القرآن الكريم زعم أنها تؤكد ما ذكر، منها قول اللَّه -جَلَّ وعَلَا-: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].
فهذه الآيات من وجهة نظره تؤكد خصوصية الإسلام لكون القرآن الكريم نزل باللغة العربية موجهًا إلى أم القرى ومن حولها، ويستدل بآيات أخرى يرى أنها تدل من وجهة نظره على أن الرسول ﷺ عربي وبعث في أُمَّة عربية، منها قول الحق ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، وقوله جَلَّ وعلا: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
أمَّا الرد على هذا الزعم الذي قرره (فنسك) فمن وجوه عِدَّة من أبرزها الآتي:
١ - هناك آياتٌ أخرى وأحاديث كثيرة تدل على عالمية الإسلام، كقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقوله تعالى: ﴿قُل
стр. 610
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١)، فهذه الآيات وغيرها ذكر ابن كثير أنها: (خطاب للناس جميعًا الأحمر والأسود، العربي والعجمي، وهذا من شرفه وعظمته ﷺ ؛ لأنه خاتم النبيين، وأنّه مبعوث إلى الناس كافة) (٢).
وقال الألوسي في ذلك: (أمر ﷺ بأن يصدع بما فيه تكبيت لليهود الذين حرموا أتباعه، وتنبيه لسائر الناس على افتراء من زعم منهم أنّه ﷺ مرسل إلى العرب خاصة. . ببيان عموم رسالته ﷺ وهي عامَّة للثقلين) (٣).
ومن الأحاديث الشريفة قوله ﷺ : "أعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي" (٤) وذكر منها: "وبعثتُ إلى الناس عامَّة"، ومنها قوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمَّة يهودي ولا نصراني، ثمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به إلَّا كان من أصحاب النار" (٥).
يقول الشوكاني في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ الآية: (بعث اللَّه محمدًا ﵌ إلى الأحمر والأسود، فقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ والأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا المعنى مشهورة) (٦).
ومن السنَّة -أيضًا- ما رواه البخاري عن عدي بن حاتم قال: (بينا أنا
стр. 611
عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثُمَّ أتاه آخر فشكا قطع السبيل، فقال: "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ " قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: "فإنْ طالت بك حياة، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ ترتحلُ من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلَّا اللَّه" -قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّارُ طيءٍ الذين قد سعروا البلاد- "ولئن طالت بك حياة لتفتحنَّ كنوزُ كسرى". قلتُ: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لَتَرَيَنَّ الرجلَ يخرجُ ملءَ كفه من ذهب أو فضَّة، يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه، ولَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أحدُكم يومَ يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولنَّ: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك، فيقول: بلى. . . " الحديث (١).
٢ - وإلى جانب هذه النصوص من الكتاب والسنّة وغيرها هناك دلائل متنوعة منها ما يتعلق بطبيعة الإسلام من حيث عقيدته وشريعته وأخلاقه وقيمه التي تميّزت بالعالميَّة، ومنها تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة المجيد الذي كانت العالميَّة من الخصائص المميِّزة لهذه الأُمَّة فقد اشتملت على جميع الأجناس ومختلف الفئات وانتشرت في أصقاع المعمورة، واستمرت مع كر الجديدين متألقة متفردة (٢).
فكيف ساغ لـ (فنسك) وأضرابه أن ينسوا كلَّ هذه الحقائق، ويحصروا أنفسهم في دائرة الاجتزاء وإغفال هذا الواقع الذي لا يحتاج إلى دليل.
وليس يصح في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل (٣)
стр. 612
٣ - ومن ناحية أخرى فإنَّ ما استدلَّ به (فنسك) من آيات موجَّهة إلى العرب فيما بدا له من ظاهرها عالميَّة الإسلام؛ وفي هذا يقول العقاد: (وإذا كان عرب الجاهليَّة قومًا لم يأتهم نذير من قبل فالدين الذي جاء به صاحب الدعوة المحمديَّة يعم المتدينين الذين سبقت إليهم الرسل، ويقوم النبي العربي بالدعوة إليه ليظهره على الأمر كله) (١)، ثُمَّ يستشهد يقول اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩].
كذلك مهما كان القول في اللغة التي خاطب بها الرسول ﷺ الناس فإنَّ العبرة بكونه خاطب الناس كافَّة، أم القرى ومن حولها، ولا يُمكن أن تعزل الهداية عن غير أهل أم القرى (٢).
وعن هذا قال العقاد أيضًا: (إذا كان خطاب الناس كافَّة يمنع أن يكون الخطاب مقصورًا على أمِّ القرى ومن حولها، فإنَّ خطاب أم القرى ومن حولها لا يمنع أن يعم الناس أجمعين) (٣).
٤ - وثَمَّة ناحيةٌ ثالثة قد لا يسَلِّمُ بها بعض المستشرقين ولكنها حُجَّة عقليَّة دامغة، وهي: (كيف يسيغ العقل أن يكون صاحب الدعوة المحمديَّة خاتم النبيين إذا كانت رسالته مقصورة على قوم لم يأتهم من قبل من نذير) (٤).
٥ - وإذا كان بعض المستشرقين يعترف بأن محمدًا ﷺ مرسلٌ إلى
стр. 613
العرب فإنَّه (يلزم من تصديقهم بذلك أن يصدقوا ما جاء به من دعوة عامَّة وشاملة للعالمين) (١).
ب- وبلغ الأمر ببعض المستشرقين بقصد نفي عالميَّة الإسلام أن يعمَدَ إلى التحريف في الآيات القرانية التي وجَّهت الخطاب إلى الناس بعامة، وللمثال على ذلك فإنَّ (جورج سيل) ترجم قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ بقوله: (يا أهل مكة) (٢).
ولا شك أن مثل هذا العمل ينم عن مجافاة واضحة للمنهجية والموضوعية والعلميَّة لدى (جورج سيل) وأمثاله من المستشرقين، ويؤكد ما ذكر من أن المنهجيَّة الاستشراقية في دراستها للإسلام تحدد الفكرة ابتداءً ثُمَّ تبحث عن أدلة تؤيدها، فإذا لم تجد لجأت إلى التحريف والتبديل، وليس قول (جورج سيل) هذا إلَّا أحد الشواهد الدّالّة على ذلك (٣).
ج- وعَمَدَ بعض المستشرقين لتقرير دعواهم إنكار عالميَّة الإسلام إلى إنكار رسل النبي ﷺ ورسائله إلى الملوك والعظماء في عصره المجاورين لدولة الإسلام من الأكاسرة والأقباط والروم وغيرهم، (ولقد اتكأ بعضهم في إنكاره على ما في الروايات ونصوص الرسائل المرويَّة من ثغرات) (٤).
ولعل مِمَّا أُخِذَ على (توماس أرنولد) -الذي يعترف بعالمية الإسلام-
стр. 614
أنَّه رُبَّمَا تأثر بهذه الثغرات إذ عبَّر في سياق استشهاده بتلك الرسائل على عالميَّة الإسلام بقوله: (لم تكن رسالة الإسلام مقصورة على بلاد العرب، بل إن للعالم أجمع نصيبًا فيها. . . ولكي تكون هذه الدعوة عامة، وتحدث أثرها المنشود في جميع الناس وفي جميع الشعوب، نراها تتخذ صورة عمليَّة في الكتب التي قيل أن محمدًا بعث بها في السنة السادسة من الهجرة) (١)، فقد عبَّر (توماس أرنولد) بقوله: (قيل) التي تفيد التضعيف أو التشكيك، مع أنّه مقرٌّ بعالمية الإسلام وردَّ ردًّا قويًّا على منكري عالمية الإسلام بما ذكره في سياق كلامه.
أمَّا غالبية المستشرقين فإنهم لتأكيد إنكارهم عالمية الإسلام أنكروا أن يكون الرسول ﷺ قد بعث برسله ورسائله إلى الملوك والأمراء خارج الجزيرة، ومنهم (مرجليوث) الذي (ادعى أن الرسول لم يوجه أي كتاب للملوك والأمراء خارج الجزيرة) (٢)، و (موير) فإنَّه يقول: (لم يوجه الرسول دعوته منذُ بعث إلى أن مات إلَّا للعرب دون غيرهم) (٣).
وأنكر (برنارد لويس) في كتابه: السياسة والحرب في الإسلام: (أن يكون الرسول ﷺ قد أرسل الكتب والرسائل إلى الأمراء والملوك الذين عاصروه بحجة عدم العثور على ما يدل على شيء من ذلك في الوثائق التي خلفها هؤلاء) (٤).
стр. 615
ويرد على هذه الأقوال من وجوه أبرزها:
١ - إن تلك الكتب أو الرسائل والرسل التي بعث بها الرسول ﷺ إلى الملوك والأمراء المجاورين لدولة الإسلام، سواء في داخل الجزيرة أو مخارجها حدث تاريخي (مدون في أقدم كتب السيرة التي وصلت إلينا ولم يكن هناك أيَّة ضرورة دينيّة أو سياسيّة تحمل أحدًا في القرن الأول والثاني على اختراع خبر هذا الحادث وروايته وتدوينه) (١).
وقد اعترف بها بعض المستشرقين مثل (إميل درمنغم) في قوله: (ثُمَّ بعث النبي السرايا فدانت للإسلام قبائل كثيرة، ثُمَّ أرسل الكتب إلى الملوك والأمراء الأجانب) (٢).
وكتب المستشرق (د، م، دنلوب) إلى محمد حميد اللَّه الحيدرآبادي بأنَّه ظفر بأصل الكتاب الذي بعثه الرسول ﷺ إلى (النجاشي)، وأنَّه سينشر
стр. 616
صورته الشمسية في مجلة الجمعية الملكية الآسيائية (GRAS) الإنجليزية (١).
إنَّ مثل هذه الشواهد والتحقيقات تسقط حجّة (برنارد لويس) التي تنفي العثور على ما يدل على شيء من تلك الرسائل التي بعثها الرسول ﷺ إلى الملوك والأمراء الذين عاصروه، وتكشف دخل تلك المنهجيَّة الاستشراقية التي تنفي حقائق التاريخ ومسلماته بالآراء العارية عن الأدلة الناصعة، والتي لا تعدو كونها مجرد الاحتكام للأهواء والتعصب الأعمى.
٢ - ويتصل بما سبق ما جرى من أحداث أخرى مثل توجيه الرسول ﷺ سريَّة (زيد بن حارثة) (٢) لقتال بني جذام لما حدث منهم (لدحية الكلبي) وهو في طريق عودته من هرقل (٣).
ومثل تجييش الرسول ﷺ جيش مؤتة بقيادة (زيد بن حارثة) أيضًا لما حدث من (عمرو بن شرحبيل) إذ قتل (الحارث بن عمير) رسول اللَّه رسول ﷺ إلى ملك (بصرى) (٤).
(ومثل قدوم (مارية القبطية) وأختها من مصر هدية من المقوقس، وقد تسرى النبي بأولاهما وأولدها ابنه إبراهيم، وهذه حقيقة يقينيَّة) (٥).
ومثل (إسلام (باذان) عامل كسرى على اليمن. . .) (٦).
стр. 617
وما ورد حول هذه الأحداث التاريخية ونحوها من قصص تؤكد عالميَّة الإسلام، وكونها من خصائص تميز الأُمَّة الإسلاميَّة (ومهما أحاط بها من زيادة أو نقصان في سياق الروايات وتفاصيلها وتواريخها ونصوصها وأسماء أعلامها، فإنَّ كل ذلك لا ينهض لتكذيب الحادث، بل الثابت أن الرسول ﷺ عقب هدنة الحديبية مع قريش وما أعقبه من انتصارات على اليهود، ونزول بعض الآيات التي أمرت الرسول ﷺ بنشر دعوته في الناس) (١) كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وعلى الرغم مِمَّا أورده المفسرون حول زمن نزول هذه الآية إلَّا أن ابن كثير رجَّحَ أنها مدنية ومن أواخر ما نزل بالمدينة، إذ قال: (والصحيح أنّ هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، واللَّه أعلم) (٢).
فمن الثابت أن الرسول ﷺ (بادر إلى إبلاغ دعوته ورسالته إلى من هم خارج بيئته الخاصة) (٣)، والمرجح أن ذلك حدث عقب (صلح الحديبية مع قريش وما أعقبه من انتصارات على اليهود) (٤)، وكان الوقتُ مناسبًا لإبلاغ الناس بعامّة رسالة الإسلام، ولعل في قول اللَّه تعالى في نهاية الآية السابقة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] ما يدلّ على صحة ما تقدم ذكره، وقد قال ابن كثير في تفسيرها: (وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: بلغ أنت واللَّه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء) (٥).
стр. 618
من هذا كلّه تتضح عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة من حيث مبادئها ومن حيث تاريخها، وأنَّ خصيصة العالميَّة ملازمة لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة في جميع أطوارها.
ثانيًا: موقف من نفى خصيصة العالمية من حيد حونها من المبادئ التي تميزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة على الرغم من الإقرار بها تاريخيًّا بسبب ما أفضى إليها تطور الأمَّة، وتدل على هذا الموقف آراء بعض المستشرقين، كما يتضح مِمَّا يأتي:
أ- ادعى (موير) بأنَّ عالميَّة الإسلام (قد جاءت فيما بعد، وأنَّ هذه الفكرة على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها، لم يفكر فيها محمد نفسه، وعلى فرض أنَّه فكر فيها، فقد كانت الفكرة غامضة، فإنَّ عالمه الذي كان يفكر فيه إنَّما كان بلاد العرب، كما أن هذا الدين الجديد لم يهيأ إلَّا لها) (١).
ويواصل مزاعمه قائلًا: (نرى أن نواة عالمية الإسلام قد غرست ولكنها إذا كانت قد اختمرت ونمت بعد ذلك، فإنَّما يرجع هذا إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والمناهج) (٢).
أمَّا الرد على (موير) فإنَّه من وجوه كثيرة، من أبرزها النصوص والأدلة التي ذكرتُ سابقًا، ويضاف إليها الآتي:
١ - إن قول (موير) بأنَّ نواة العالمية قد غرست يناقض ما ذهب إليه من قوله بأن محمدًا ﷺ لم يفكر فيها، وهذا الزعم يناقضه أيضًا اعترافه
стр. 619
بالآيات الكثيرة، وكذلك الأحاديث الكثيرة التي تؤيدها، فإذا كان الرسول ﷺ المبلغ عن اللَّه هو الذي نطق بالآيات والأحاديث المؤيدة للعالميَّة فكيف يتسنّى لـ (موير) أو غيره أن ينفي عن الرسول ﷺ كونه فكَّرَ في عالمية الإسلام (١).
إنَّ مثل هذه الآراء لا تقوم بها حُجَّة ولا يقبلها العقل والمنطق.
وإذا كان (موير) يقصد من قوله هذا؛ إنَّ دعوة الإسلام مرت بمراحل لم تظهر العالميَّة في بدايتها، فإنَّ ذلك أمر طبيعي تقتضيه السنن الكونية والاجتماعية، ولكنه فسَّرَ هذا بأنه (يرجع إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والبرامج) (٢)، وهنا يلحظ البون الشاسع بين هذا المستشرق
стр. 620
وبين طبيعة الإسلام وخطوات الرسول ﷺ في تبليغه، إذ ينطلق -هذا المستشرق- في تفسيره للإسلام من بيئته هو وكأنه يتحدث عن رئيس حزب أو جمعيَّة أو نحو ذلك، وليس عن نبي مرسل يحكمه الوحي في كل خطوة يخطوها، ويجلّي ذلك ما في الكتاب والسنة في حجة الوداع، فقد نزل فيها قول اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وخطب فيها الرسول ﷺ قائلًا: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلَّا بالتقوى، أبلغتُ؟ قالوا: بلغ رسول اللَّه ﷺ . . إلى أن قال: ليبلغ الشاهد الغائب" (١).
إنَّ من ينظر في هذا يجد أنَّ دعوة الرسول ﷺ قد سارت (حسب الطريق الذي رسمه له رب العزّة والجلال، في تبليغ دعوته، حيث إنَّه بدأ بدعوة أقرب الناس إليه، ثُمَّ أخذ يتدرج، فبعد أن دعا قريشًا قام بدعوة من جاورها، وذلك عندما ذهب إلى الطائف لدعوة أهلها، بعد أن أبت قريش الاستجابة له ومناصرته، وبعد عودته من الطائف أخذ (يعرض دعوته) على جميع القبائل التي تحضر الحج، وتجتمع في أسواق مكة، ثمَّ نقل دعوته إلى المدينة بعد أن هيأ اللَّه الأسباب لذلك، وفي المدينة سارت الدعوة في طريقها (إلى العالم أجمع) وراح الرسول ﷺ يزيل العقبات التي تعترض
стр. 621
طريقها، ثُمَّ قام بمكاتبة الملوك ودعوتهم إلى الإسلام، وهكذا تدرجت الدعوة حتى بلغت لأهل الأرض) (١).
والسؤال هنا ألا يجد (موير) في هذا التاريخ وفي هذه السيرة معنى للخطط والبرامج قد يختلف معه المؤمنون في أصل الإيمان بأنَّ هذا كله مكتوب بما يفي بالخطط والبرامج التي يقصدها، ولكن ذلك في اللوح المحفوظ، وأجراه اللَّه في واقع التاريخ على يد سيد الخلق وصفوة الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد بن عبد اللَّه ﷺ .
٢ - إن هناك دلائل أخرى صاحبت سيرة الرسول ﷺ منذُ البعثة وحتى انتقل إلى الرفيق الأعلى تدل على عالميَّة الإسلام، وإذا كان (موير) ينفي تلك العالميَّة استنادًا إلى سيرة الرسول ﷺ قبل الهجرة وبعدها إلى حين صلح الحديبيَّة أو ما أعقب ذلك من انتشار الإسلام، فإنَّ من أبرز الدلائل على عالميَّة الإسلام وقبل أن يهاجر الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة القصص التاريخية الواردة في كتب السيرة (٢) والتاريخ كقصة (ورقة بن نوفل) و (النجاشي) ملك الحبشة، والراهب (بحيرى) و (نسطورا) و (عدَّاس)، فلكل واحدٍ من هؤلاء مع الرسول ﷺ أو مع خبر بعثته قصة تدل على عالمية رسالته ﷺ وكانت كلها قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة (٣).
وبعد أن هاجر حدثت له قصصٌ أخرى مثل إسلام (سلمان الفارسي)
стр. 622
وإسلام (عبد اللَّه بن سلام) وقصة (مخيريق) ونحو ذلك مِمَّا هو مبسوط في المصادر الإسلاميَّة (١)، وفي هذا دلالة صريحة على أن الرسول ﷺ كان يعلم بأنَّه مرسل إلى الناس كافَّة بل إلى الثقلين الجن والإنس، وكان عندما يعرض نفسه على القبائل يعلنها صريحة (بأنَّه مرسل إلى الناس كافَّة) (٢)، بل ورد ذلك في خطبته الأولى في الإسلام حينما أمره اللَّه بالجهر بالدعوة فقال: "واللَّه الذي لا إله إلَّا هو، إني رسول اللَّه إليكم خاصة وإلى الناس كافَّة" (٣).
ب- زعم (يوليوس فلهوزن) بأنَّ الإسلام يرتكز على رابطة قوميَّة تتسم بالعصبية والضيق ولا تتسع في غير حدود رابطة الدم. . إذ قال: (لقد كان في وسع محمد عن طريق عقيدة تتجاوز دائرة معتنقيها الدائرة التي ترسمها رابطة الدم، أن يحطم رابطة الدم هذه لأنها لم تكن بريئة من العصبية وضيقها، ولا كانت ذات صفة خارجية عارضة، هذا هو الذي جعلها لا تتسع لقبول عنصر غريب عنها ولكن محمدًا لم ير ذلك، ومن الجائز أيضًا أنَّه لم يكن يستطيع أن يتصور إمكانية رابطة دينيَّة في غير حدود رابطة الدم) (٤).
стр. 623
ويرد على هذا الزعم من ناحيتين:
الأولى: طبيعة العقيدة الإسلاميَّة وما امتازت به، فهي عقيدة منفكَّة عن رابطة الدم والعنصر، وأي رابطة أخرى غير التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]، وفي الحديث النبوي الشريف جاء قوله ﷺ : "يا أيها الناس، إنَّ اللَّه قد أذهب عنكم عُبْيَة (١) الجاهليَّة وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على اللَّه ، وفاجر شقي هين على اللَّه ، والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من تراب (٢)، قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية".
وفي حديث آخر أنه ﷺ سئل أيَّ الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند اللَّه أتقاهم" (٣).
وقد أورد ابن كثير جملة من الروايات التي تبين بجلاء أنَّ رابطة الإسلام هي رابطة التقوى عند تفسيره للآية السالفة وقال: (فجميع الناس
стр. 624
في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء ﵇ سواء، وإنَّما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة اللَّه تعالى ومتابعة رسوله ﷺ ) (١).
وبهذا يتضح أنَّ رابطة العالميَّة في الإسلام رابطة دينيَّة لا وجود للتفاضل فيها إلَّا بالتقوى والعمل الصالح، ورُبَّمَا دعا (فلهوزن) إلى مقولته هذه بحثه فيما أسماه الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأمويَّة، ولعله استنتج من بحثه هذا قصر الإسلام على العرب، إن لم يكن حدَّدّ النتيجة سلفًا كما يظهر من عنوان مؤلفه (٢)، ولا شك أن هذا استنتاج خاطئ؛ لأن دولة الإسلام عندما كانت بقيادة العرب لا يستلزم من ذلك كون رسالة الإسلام خاصة بهم.
الثانية: إنَّ الناظر في مبادئ الإسلام وتعاليمه من ناحية، وفي الأُمَّة التي حملت تلك المبادئ والتعاليم من ناحية أخرى يجد أجناسًا عدّة، وشعوبًا شتى، قد دخلت الإسلام وحملت دعوته، وتكونت منها جميعًا أُمَّته، ولم يحدّها زمان ولا مكان، ولا اختصت بقوم دون آخر، بل كانت دعوةً عالميَّة شاملة للبشرية أجمع.
وفي بداية الإسلام كانت أُمَّة الإسلام تتكون من بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، إلى جانب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد بن الوليد، يرتصون في الصلاة خلف الرسول ﷺ صفًا واحدًا متحاذي المناكب والأقدام، يتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعبدون إلهًا واحدًا مقتدين في ذلك بمحمد ﷺ ، وفي هذا المظهر البديع دلالة على تلك الرابطة العقديَّة التي ترتكز عليها العالمية في الإسلام، والتي تتجاوز رابطة
стр. 625
الدم والجنس واللون والقوم إلى رابطة التقوى وعقيدة التوحيد، وقد اعترف بتفرد الإسلام في هذا بعض المستشرقين قائلًا: (كان محمد ﷺ رسول اللَّه إلى الشعوب الأخرى، كما كان رسول اللَّه إلى العرب) (١)، وقبل ذلك أشاد بما أحدثه الإسلام في المجتمع العربي من تغيير جوهري، جاء على مفهوم القبيلة والأسرة المعروف آنذاك، فمحا عنه النزعة الفردية الشخصية (GENTES)، والموالاة، والجماعات المتحالفة، وأقام بدل ذلك صرحًا اجتماعيًا جديدًا، يرتكز على عقيدة الإيمان باللَّه، وينشئ روابطه كلها، ومنها رابطة القرابة والأسرة على أساس من عقيدة دين الإسلام ووفق مبادئه وقيمه (٢).
ثالثًا: موقف المتشككين في عالمية الإسلام:
إذا كان بعض المستشرقين قد أقر بعالمية الإسلام وبعضهم الآخر أنكرها فإنَّ هناك رأيًا آخر شكك فيها، وممن عبَّر عن هذا الموقف المستشرق النيوزيلاندي (سوندرس) الذي يقول: (إن هناك أدلَّة تفيد أن محمدًا قد أراد بدينه أن ينشر على الناس، كما أن هناك أدلة أخرى تفيد أنَّه لم يفعل ذلك، فهي إذًا مسألة من مسائل الشك لا يقطع فيها بأي القولين) (٣).
وبعد أن يستشهد بآيات ظاهرها التعارض من وجهة نظره بين عالميَّة
стр. 626
الإسلام وخاصيَّته بالعرب، يعقب على ذلك بقوله: (إنَّ الأوروبيين المتخصصين بالإسلاميات ينقسمون انقسامًا شديدًا في هذه المسألة، فإنَّ (موير) يرى أنَّ الدعوة من البداية إلى النهاية كانت دعوة للعرب ولم يدع بها أحد غيرهم. . . ولكن (ولدكه) و (جولدزيهر) و (أرنولد) -وكلهم ثقات- يقولون: إنَّ محمدًا أراد بدينه منذُ أوائل الدعوة أن يكون عالميًّا ولم يرد به أن يكون مجرد عقيدة وطنيَّة محليَّة) (١).
ولم تقنع هذا المستشرق بعالميَّة الإسلام دلائلها من القرآن الكريم والسنّة النبوية والسيرة المطهرة، وهي الدلائل القوية الثابتة القائمة على النصوص الموثقة التي لا يعتريها الشك، بل كان يود أن يرى مصداق ذلك في وقائع تاريخيَّة تخرجه، ومن سار على أثره من دائرة الشك في عالميَّة الإسلام إلى دائرة الاعتراف بهذه العالمية مثل كتب الرسول ﷺ ورسله إلى الملوك والعظماء في عصره، فيقول: (إنَّه لو كان قد ثبت أنَّه كتب إلى هرقل، وملك الفرس وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى الإسلام لانتفى الشك بالواقع، ولكن آراء الباحثين -مع الأسف- لا تميل إلى قبول هذه الأخبار، و (مونتغمري وات) يقول: (إنَّ هذه القصَّة لا يُمكن أن تقبل على حسب هذه الروايات) (٢).
أمَّا الرد على هذا وأضرابه ممن يُمكن أن يندرجوا مع المنكرين لأدلة عالميَّة الإسلام النقليَّة والعقليَّة والواقعيَّة، فيوضحه بعض من تصدَّى للرد على (سوندرس) في إنكاره أو شكه في هذه الأدلة وذلك بقوله: (بالنظر إلى القرآن الكريم وحده هناك أكثر من أربعين آية يُذكرُ فيها اللَّه
стр. 627
باسم رب العالمين، وهذا عدا الآيات التي ذكر فيها بالنص الواضح أنَّه ﵇ قد أرسل إلى الناس كافَّة، وأن القرآن قد تنزل عليه ليقرأ على الناس) (١).
أمَّا الأدلة العقليَّة فمنها ما أشار إليه العقاد بقوله: (بأنَّ القرآن الكريم جاء خطابًا من اللَّه على لسان المصطفى ﷺ لعباد اللَّه، ويستحيل أن يكون أبناء الجزيرة العربية دون غيرهم من البشر في جميع البلدان هم عباد اللَّه) (٢).
ومِمَّا يذكر في الرد -أيضًا- أنَّ (سوندرس): (كان منساقًا مع إغراء المقارنة في غير موضع للمقارنة. . من حصر الدعوة الإسلاميَّة بين أبناء الجزيرة العربيَّة التماسًا لوجوه الشبه -التي لا وجود لها- بين الدعوة إلى الموسويَّة والدعوة المسيحية والدعوة إلى الإسلام، فإنَّ أتباع موسى ﵇ قد دخلوا أرض الميعاد بعد وفاته، وأتباع عيسى ﵇ هم الذين قاموا بتوجيه الدعوة إلى العالم بعد حصرها في بني إسرائيل، فينبغي على هذا القياس ذهابًا مع شهوة المقارنة بين الأديان في غير موضع للمقارنة أن يكون خلفاء النبي ﷺ هم الذين نشروا الإسلام بين الأمم غير العربيَّة، ولم يكن ذلك من برنامج محمد ﵊ ولا من أصول رسالته إلى قومه) (٣).
ومِمَّا يكشف حقيقة مقولة (سوندرس) وأبعادها أنَّ رأيه في عالمية الإسلام جاء في سياق حديثه في مقال بعنوان: "الخليفة عمر المستعمر العربي" (٤)، ولكي يجري المقارنة بين انتشار الإسلام وانتشار اليهودية والنصرانية عمَد إلى التشكيك في عالمية الإسلام، بل قاده هواه وغرضه إلى نفيها.
стр. 628
وقد تنبه العقاد إلى هدف آخر يرنو إليه (سوندرس) من خلال مقولته تلك عبَّر عنه بقوله: (أمَّا إذا ساءت النية، وما أكثر الدواعي إلى سوء النية في كتابة تاريخ فلسطين. . فقد يفهم من كلام الكاتب أنَّ دخول الإسلام إلى فلسطين إنَّما كان عملًا من أعمال الاستعمار العربي، ولم يكن هداية دينية خالصة لوجه اللَّه) (١)، وعزَّز العقاد هذا الاستنتاج بقرينة صاحبت ذلك المقال، إذ قال: (ويرد هذا المخاطر -قسرًا- إذا اطلع القارئ في العدد نفسه على مقال مسهب عن دخول اليهود إلى فلسطين، ليتخذوها مأوى لهم وموطنًا موعودًا من عهد الخليل إبراهيم) (٢). .
هذا إضافة لما سبق ذكره من الأدلة النقلية والعقلية والواقعية التي تثبت عالميَّة الإسلام وعالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة، ولكن هذا المستشرق وأمثاله من الذين وصفهم العقاد بأنَّهُم: (يقرؤون الكتاب المبين ولا يستبينون منه أظهر معانيه، بل أظهر كلماته، التي لا تحتاج إلى مراجعة من أخبار الإسلام أو أخبار التواريخ) (٣)، وصدق القائل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، والقائل جل وعلا: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤].
وخلاصة القول في آراء (سوندرس) وغيره من المستشرقين الذين شككوا في عالميَّة الإسلام وفي كونها خصيصة تميَّزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة
стр. 629
على سائر الأمم؛ أن آراءهم تلك اراء أقرب إلى الجهل والغرض والحقد على الإسلام وأمته منها إلى العلم والمنهج النزيه.
والعالميَّة خصيصة من خصائص تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة ثابتة بالنص والعقل والتاريخ (١).
* * *
стр. 630
الوسطية وموقف المستشرقين منها
• تمهيد.
• مفهوم الوسطية.
• وسطية الأُمَّة في مجال العقيدة والعبادة.
• وسطية الأُمَّة في مجال التشريع والأخلاق.
• موقف المستشرقين من خصيصة الوسطية.
стр. 631
تمهيد
والوسطيَّة من خصائص تميز الأُمَّة الإسلاميَّة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ حيث صرحت الآية الكريمة (بوصف الأمَّة بالوسطيَّة وذكرت لها مفهومًا آخر يبرز جانبًا من جوانب التميُّز لهذه الأُمَّة إذا حرصت بالتزامها على هذا الانتماء الكريم، هذا المفهوم يتمثل في شهادة رسولها عليها في الوقت الذي يتخذ منها ربُّ العالمين شهداء على الناس) (١).
وهناك مواضع أخرى في القرآن الكريم قدَّمت (نماذج لتطبيق الوسطية في مجتمع المسلمين. . . تدل على أن هذه الخصيصة التي عرف بها الدين الحق، وأصبحت سمة للأمَّة الملتزمة به ينبغي أن تنظر سلوكيَّة تحكم حياة المسلم، ويعتصم بها في كل ما يأتي وما يدع؛ لأنها كفيلة بتحقيق الخير له من جميع أطرافه سواء في نفسه، أم في أسرته، أم في المجتمع الذي يعيش فيه. . . .) (٢)، وكنتيجة طبيعية لتطبيق الإسلام في حياة المسلمين، والتزامهم بعقيدته وشريعته وأخلاقه ومبادئه وقيمه تصبح الوسطيَّة صفة لهم بعد أن كانت صفةً للقيم المجردة، بل تصبح الوسطية سمةً للأُمَّة الإسلاميَّة كما هي سمة للإسلام) (٣).
* * *
стр. 632
مفهوم الوسطية
أ- الوسطيَّة في اللغة: مشتقة من مادة (وَسَطَ)، قال ابن فارس عن أصلها: (الواو والسين والطاء بناءٌ صحيح يدلُّ على العدل والنِّصف، وأعدل الشيء: أوسطه ووسطه. . .، ويقولون: ضربتُ وَسَطَ رأسه؛ بفتح السين، وَوَسْطَ القوم بسكونها، وهو أوسَطُهم حَسَبًا، إذا كان في واسطة قومه وأَرفَعِهم محلًّا) (١)، والذي يعنيه ابن فارس من قوله: (وَسَط رأسه؛ بفتح السين، وَوَسْط القوم بسكونها) (٢)، أنَّ ما كان متصل الأجزاء أطلق على وَسَطِه: لفظ (وَسَط) بفتح السين، وما كانت أجزاؤه منفصلة أطلق على وسطه: لفظ (وَسْط) بسكون السين، وهذا ما ذكره أكثر العلماء في هذين اللفظين (٣)، مع أنَّه قد يحدث خلف ذلك، ولكنه المرجوح (٤).
ذكر ذلك الفيروزآبادي، وذكر قياسًا آخر وهو أنَّ (كلَّ موضع صَلُحَ فيه بَيْنَ فهو وَسْط بالتسكين، وإلَّا فهو وَسَط بالتحريك، وقال ثعلب: الفرق بينهما أنَّ ما كان يبين جزءٌ من جزء، فهو مثل الحَلْقَة من الناس والسُّبْحَة والعِقْد، فهو وَسْطٌ بالتسكين، وما كان مصمتًا لا يبين جزءٌ من جزء فهو وسط بالتحريك. . . وقد تسكَّن السين من الوسط، وليس بجيد) (٥)، هذا عن أصل الكلمة وتصريفها.
ب- أمَّا عن معانيها فإنَّ لها معاني متقاربة غالبًا، منها: (العدل
стр. 633
والخيار، والشرف في الحسب والنسب) (١)، ومنها: (العزَّة، والقوة، والمنعة، والظهور) (٢).
ومن معاني الوسطيَّة: الموقع المتوسط بين طرفين، وقد يكون ذلك الوسط هو (القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به نحو السواء والعدل والنَّصفة) (٣)، فهذا يلحق بالمعاني السابقة من جهة الأفضلية والخيريَّة، وفيه معنى الوسط من جهة البينيَّة، والمثال على ذلك (الجود الذي هو بين البخل والسرف) (٤)، فهو وسط بين خلقين مذمومين أو هو (فضيلة بين رذيلتين) (٥)، وقد يكون ذلك الوسط وسطًا بين طرفين أحدهما مذموم والآخر محمود، فيكون أقل من الأعلى، وأعلى من الأدنى، إمَّا أن يكون بين الجيد والرديء، أو بين الخير والشر، أو وسطًا حسيًّا كوسط العصا والطريق (٦)، ومن المعاني القريبة من هذه المعاني -أيضًا- وسط الشيء بمعنى مركزه كمركز الدائرة ونحوها (٧).
وأمَّا ما نَدَّ عن تلك المعاني، واسْتُعمِلَ لصفة مذمومة فهو كقولهم:
стр. 634
(فلان وسط من الرجال تنبيهًا أنَّه قد خرج من حَدِّ الخير) (١)، حيث استعمل لفظ (وَسَط) للكناية عن صفة مرذولة (٢).
وقد وردت هذه المعاني في لفظ (وَسَط) و (وَسْط) ومشتقاتها؛ في أشعار العرب وآدابها، وورد أكثرها في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة (٣)، ولا يتسع المقام هنا لذكرها مفصلة، وإنَّما يمكن القول بأنَّ وسطيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة تعني من تلك المعاني المتعددة أن الأُمَّة الإسلاميَّة خيار الأمم في ذاتها، وأعدلها في حكمها، وأنصفها في شهادتها على الناس، وأقومها في السير على منهج اللَّه، وأحسنها رجعة إلى اللَّه وأنها الأظهر، والأمنع، والأقوى والأعز؛ إذا هي سارت على صراط اللَّه المستقيم، وتمسكت بالعروة الوثقى؛ لقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
كما أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة وسط بن الأمم من حيث الزمان والمكان (٤).
стр. 635
وتبقى الإشارة إلى وسطيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة من حيث التعريف الاصطلاحي فهو: ما اتصفت به الأُمَّة الإسلاميَّة من تسنمها موقع الوسط في العقائد والشرائع والمكان والزمان، وكون ذلك الموقع هو القمَّة السامقة، وتحيط بها الأطراف من كل جانب، وهذا الموقع يحقق لها العزَّة والمنعة والظهور، وهو في ذاته الأفضل والأحسن والأنصف والأعدل، وبعبارة موجزة: (الوسط: العدل الذي نسبة الجوانب إليه كلها على السواء، فهو خيارُ الشيء، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضَّلال عن القصد) (١).
* * *