تمهيد
والوسطيَّة من خصائص تميز الأُمَّة الإسلاميَّة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ حيث صرحت الآية الكريمة (بوصف الأمَّة بالوسطيَّة وذكرت لها مفهومًا آخر يبرز جانبًا من جوانب التميُّز لهذه الأُمَّة إذا حرصت بالتزامها على هذا الانتماء الكريم، هذا المفهوم يتمثل في شهادة رسولها عليها في الوقت الذي يتخذ منها ربُّ العالمين شهداء على الناس) (١).
وهناك مواضع أخرى في القرآن الكريم قدَّمت (نماذج لتطبيق الوسطية في مجتمع المسلمين. . . تدل على أن هذه الخصيصة التي عرف بها الدين الحق، وأصبحت سمة للأمَّة الملتزمة به ينبغي أن تنظر سلوكيَّة تحكم حياة المسلم، ويعتصم بها في كل ما يأتي وما يدع؛ لأنها كفيلة بتحقيق الخير له من جميع أطرافه سواء في نفسه، أم في أسرته، أم في المجتمع الذي يعيش فيه. . . .) (٢)، وكنتيجة طبيعية لتطبيق الإسلام في حياة المسلمين، والتزامهم بعقيدته وشريعته وأخلاقه ومبادئه وقيمه تصبح الوسطيَّة صفة لهم بعد أن كانت صفةً للقيم المجردة، بل تصبح الوسطية سمةً للأُمَّة الإسلاميَّة كما هي سمة للإسلام) (٣).
* * *
стр. 632
مفهوم الوسطية
أ- الوسطيَّة في اللغة: مشتقة من مادة (وَسَطَ)، قال ابن فارس عن أصلها: (الواو والسين والطاء بناءٌ صحيح يدلُّ على العدل والنِّصف، وأعدل الشيء: أوسطه ووسطه. . .، ويقولون: ضربتُ وَسَطَ رأسه؛ بفتح السين، وَوَسْطَ القوم بسكونها، وهو أوسَطُهم حَسَبًا، إذا كان في واسطة قومه وأَرفَعِهم محلًّا) (١)، والذي يعنيه ابن فارس من قوله: (وَسَط رأسه؛ بفتح السين، وَوَسْط القوم بسكونها) (٢)، أنَّ ما كان متصل الأجزاء أطلق على وَسَطِه: لفظ (وَسَط) بفتح السين، وما كانت أجزاؤه منفصلة أطلق على وسطه: لفظ (وَسْط) بسكون السين، وهذا ما ذكره أكثر العلماء في هذين اللفظين (٣)، مع أنَّه قد يحدث خلف ذلك، ولكنه المرجوح (٤).
ذكر ذلك الفيروزآبادي، وذكر قياسًا آخر وهو أنَّ (كلَّ موضع صَلُحَ فيه بَيْنَ فهو وَسْط بالتسكين، وإلَّا فهو وَسَط بالتحريك، وقال ثعلب: الفرق بينهما أنَّ ما كان يبين جزءٌ من جزء، فهو مثل الحَلْقَة من الناس والسُّبْحَة والعِقْد، فهو وَسْطٌ بالتسكين، وما كان مصمتًا لا يبين جزءٌ من جزء فهو وسط بالتحريك. . . وقد تسكَّن السين من الوسط، وليس بجيد) (٥)، هذا عن أصل الكلمة وتصريفها.
ب- أمَّا عن معانيها فإنَّ لها معاني متقاربة غالبًا، منها: (العدل
стр. 633
والخيار، والشرف في الحسب والنسب) (١)، ومنها: (العزَّة، والقوة، والمنعة، والظهور) (٢).
ومن معاني الوسطيَّة: الموقع المتوسط بين طرفين، وقد يكون ذلك الوسط هو (القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به نحو السواء والعدل والنَّصفة) (٣)، فهذا يلحق بالمعاني السابقة من جهة الأفضلية والخيريَّة، وفيه معنى الوسط من جهة البينيَّة، والمثال على ذلك (الجود الذي هو بين البخل والسرف) (٤)، فهو وسط بين خلقين مذمومين أو هو (فضيلة بين رذيلتين) (٥)، وقد يكون ذلك الوسط وسطًا بين طرفين أحدهما مذموم والآخر محمود، فيكون أقل من الأعلى، وأعلى من الأدنى، إمَّا أن يكون بين الجيد والرديء، أو بين الخير والشر، أو وسطًا حسيًّا كوسط العصا والطريق (٦)، ومن المعاني القريبة من هذه المعاني -أيضًا- وسط الشيء بمعنى مركزه كمركز الدائرة ونحوها (٧).
وأمَّا ما نَدَّ عن تلك المعاني، واسْتُعمِلَ لصفة مذمومة فهو كقولهم:
стр. 634
(فلان وسط من الرجال تنبيهًا أنَّه قد خرج من حَدِّ الخير) (١)، حيث استعمل لفظ (وَسَط) للكناية عن صفة مرذولة (٢).
وقد وردت هذه المعاني في لفظ (وَسَط) و (وَسْط) ومشتقاتها؛ في أشعار العرب وآدابها، وورد أكثرها في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة (٣)، ولا يتسع المقام هنا لذكرها مفصلة، وإنَّما يمكن القول بأنَّ وسطيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة تعني من تلك المعاني المتعددة أن الأُمَّة الإسلاميَّة خيار الأمم في ذاتها، وأعدلها في حكمها، وأنصفها في شهادتها على الناس، وأقومها في السير على منهج اللَّه، وأحسنها رجعة إلى اللَّه وأنها الأظهر، والأمنع، والأقوى والأعز؛ إذا هي سارت على صراط اللَّه المستقيم، وتمسكت بالعروة الوثقى؛ لقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
كما أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة وسط بن الأمم من حيث الزمان والمكان (٤).
стр. 635
وتبقى الإشارة إلى وسطيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة من حيث التعريف الاصطلاحي فهو: ما اتصفت به الأُمَّة الإسلاميَّة من تسنمها موقع الوسط في العقائد والشرائع والمكان والزمان، وكون ذلك الموقع هو القمَّة السامقة، وتحيط بها الأطراف من كل جانب، وهذا الموقع يحقق لها العزَّة والمنعة والظهور، وهو في ذاته الأفضل والأحسن والأنصف والأعدل، وبعبارة موجزة: (الوسط: العدل الذي نسبة الجوانب إليه كلها على السواء، فهو خيارُ الشيء، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضَّلال عن القصد) (١).
* * *
стр. 636
وسطية الأُمَّة في مجال العقيدة والعبادة
تتميَّز الأُمَّة الإسلاميَّة من بين سائر الأمم بالوسطيَّة في عقيدتها وفي عباداتها، وهذه الوسطيَّة لا تعني الموقف الوسط بالمنطوق الرياضي (١)، بل تعني الأفضليَّة المرتبطة بالوسط وهي بذلك كما وصفها أحد المفكرين: (إنَّها الحق، بين باطلين. . والعدل بين ظلمين، والاعتدال بين تطرفين، والموقف العادل الجامع لأطراف الحق والعدل والاعتدال، الرافض للغلو -إفراطًا أو تفريطًا- لأن الغلو الذي يتنكب الوسطية، هو انحياز من الغلاة إلى أحد قطبي الظاهرة، ووقوف عند إحدى كفتي الميزان، يفتقر إلى توسط الوسطية الإسلاميَّة الجامعة. . والوسطيَّة الإسلاميَّة الجامعة ليست ما يحسبه العامَّة، من المتعلمين والمثقفين: انعدام الموقف الواضح والمحدد أمام المشكلات و (القضايا) المشكلة. . لأنها هي الموقف الأصعب الذي لا ينحاز الانحياز السهل إلى أحد القطبين فقط. . فهي بريئة من المعاني. . التي شاعت عن دلالات مصطلحها بين العوام، وهي كذلك ليست (الوسطية الأرسطية) (٢) كما يحسب كثيرٌ من المثقفين ودارسي
стр. 637
الفلسفة الغربية وطلابها. . . إنها في التصور الإسلامي: موقف ثالث، حقًّا. . . ولذلك فإنَّها كموقف ثالث. . إنَّما يتمثل تميُّزها. . . في أنَّها تجمع وتؤلف ما يُمكن جمعه وتأليفه -كنسق غير متنافر ولا ملفق- والوسطية هي العدل بين ظلمين لا يعتدل ميزانه بتجاهل كفتيه والانفراد دونهما، كما أنَّه لا يعتدل ميزانه بالانحياز إلى إحدى الكفتين، وإنَّما يعتدل بالوسطية التي تجمع الحكم العادل من حقائق ووقائع وحجج وبينات الفريقين المختصمين -ككفتي الميزان- ولهذا كان قول الرسول ﷺ : "الوسط: العدل. . جعلناكم أُمَّة وسطًا" (١). . والعدل هنا، وبهذا المعنى هو أبعد ما يكون عن الاعتدال، عندما يراد به الاستسلام للواقع إذا كان جائرًا، بل إن الوسط العدل في المفهوم الإسلامي. . . الاعتدال الرافض لغلو الإفراط والتفريط، فلا الرهبانية المسيحية، والنسك الأعجمي، ولا الحيوانية الشهوانية والتحلل من التكاليف) (٢).
ولاستجلاء سمات الوسطية في جانب العقيدة والعبادة بوصفها من خصائص تميز الأُمَّة الإسلاميَّة يتناولها البحث في الآتي:
أولًا: في الجانب العقدي:
تتضح الوسطية في الجانب العقدي من تميز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال
стр. 638
مقارنته بمعتقدات الأمم الأُخرى، وهذا الجانب مبسوط في كتب الملل والنحل، بعامَّة، وفيما كتبه علماء الأُمَّة الإسلاميَّة لبيان مناقب الإسلام وفضله على غيره من الأديان، بخاصَّة؛ وللمثال على ذلك عقد أبو الحسن العامري مقارنات متنوعة بين الإسلام وغيره من الأديان الأخرى في ضوء منهج علمي يتسم بالموضوعية والإنصاف، إذ قال: (إنَّ تبيان فضيلة الشيء على الشيء بحسب المقابلات بينهما قد يكون صوابًا وقد يكون خطأ، وصورة الصواب معلَّقة بشيئين:
أحدهما: ألَّا يوقع المقايسة إلَّا بين الأشكال المتجانسة، أعني ألَّا يعمد إلى أشرف ما في هذا فيقيسه بأرذل ما في صاحبه، ويعمد إلى أصل من أصول هذا فيقابله بفرع من فروع ذاك.
والآخر: ألَّا يعمد إلى خَلَّة موصوفة في فرقة من الفرق، غير مستفيضة في كافَّتها، فينسبها إلى جملة طبقاتها.
ومتى حافظ العقل في المقابلة بين الأشياء على هذين المعنيين فقد سهل عليه المأخذ في توفية حظوظ المتقابلات، وكان ملازمًا للصواب في أمره) (١).
وفي ضوء هذا المنهج عقد (العامري) مقارنة بين عقيدة الأُمَّة الإسلاميَّة وبين عقائد الأمم الأخرى في أركان الإيمان (الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) (٢).
وقال في سياق مقارنته وتقيده بالأسس الموضوعيَّة التي وضعها لنفسه والتزم بها في مقارنته: (علينا أن نقابل كلَّ واحد مِمَّا أسسته الملَّة الحنيفيَّة منها بنظيره من الأديان؛ ليتضح به شرف الإسلام عليها. . . وأن نبدأ أولًا
стр. 639
بإثبات الصانع فنقول: إنَّا لم نجد أهل دين من الأديان عنوا بتقديم المقدمات العقليَّة، لاستخراج النتائج النظريَّة، في استخلاص توحيد اللَّه تعالى من شبهات المعاندين، ومغالطات المغالطين -ما عُنيَ به متكلمو الإسلام فإنَّهم بلغوا فيه مبلغًا شهد المعنيون بالفلسفة، والمحققون من ذوي الحكمة، على تقدم شَأْوِهم في تحصيل الحق منه، وسلامتهم عن التشبيه الذي اعتقده اليهود، والتثليث الذي اعتقده النصارى، والضد (١) الذي اعتقده المجوس، والشرك الذي اعتقده عبدة الأوثان، حتى جردوا القول بالتصريح فقالوا: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ثُمَّ أُجْروا كلمة الإخلاص في دعائهم، حتى إنك تجد العملة، والصنَّاع، والمحاربة، والحرَّاثين يتنادون بها في البر والبحر، والسهل والجبل، ليلًا ونهارًا، ومساءً وصباحًا مصدقين به لما وصفوا في الكتب المنزَّلة بأنَّهم يملؤون الأرض تهليلًا، وتسبيحًا، وتكبيرًا، وتحميدًا، وأهل سائر الأديان لا يذكرونها إلَّا بالفرط النادر، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦] (٢).
إنَّ نتيجة هذه المقارنة التي أجراها العامري في إيمان الأُمَّة الإسلاميَّة باللَّه، وإيمان الأمم الأخرى؛ يبين خيريَّة الأُمَّة الإسلاميَّة وأفضليتها دون سائر الأمم، وإلى جانب هذه الخيريَّة والأفضليَّة فهي وسط بين الأمم في
стр. 640
هذا الإيمان، وتوسطها بين الأمم يعني (الوسط: العدل الذي نسبة الجوانب إليه كلها على السواء، فهو خيارُ الشيء، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد) (١).
وعلى هذا المنوال يمضي (العامري) في بيان وسطيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة في جميع أركان الإيمان، ويقول عن إثبات الرسل: (إنَّ أحدًا من أهل الأديان الستة لم يسلم في طرفي الغلو والتقصير في شأنهم إلَّا الإسلاميون: أمَّا الغلو فما ادعته النصارى في عيسى، وأمَّا التقصير فبجحود اليهود نبوة إبراهيم. . .) (٢).
ثُمَّ يقول: (وأهل الإسلام سَلِمُوا عن ذلك، وقالوا في الأنبياء كلهم: إنهم عباد اللَّه مصطفون وخيار معصومون، ثُمَّ رُؤوا تجمع كلمة الشهادة وصف نبيهم بالعبودية والرسالة، تحرزًا عن أبواب الزلل. . . بل جردوا القول فيهم بأن قالوا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (٣).
وذكر توسط الأُمَّة الإسلاميَّة في اعتقادها بأن الملائكة عباد اللَّه ﴿مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، وتوسطها في الإيمان بالكتب، وأنَّها كلَّها جليلة القدر، بيد أن القرآن
стр. 641
الكريم أفضلها لما (استجمعه القرآن من الفضيلة في صورة الخطاب، ومن الفضيلة في نظم الألفاظ، ومن الفضيلة في تأليف المعاني) (١).
ففيما يتعلق بخطابه ولفظه صدر عن اللَّه بلفظه ومعناه بطريقة معجزة تدل على أنَّه صادر عن إله مقتدر يخاطب عباده بعزائم أمره ونهيه، ووعظه وزجره، ووعده ووعيده (٢).
وفيما يتعلق بمعانيه جاءت شاملة لجميع أبواب الاعتقاد والمعاملات والفضائل والأخلاق وتاريخ الكون والحياة وقصص الأمم الماضية (٣)، وجاءت هذه المضامين في (بلاغة مُيسَّرة للذكر، ووجازة مُسَهِّلة للحفظ، ومعانٍ لو بسطت لاستغرقت الأخلاد والطوامير) (٤).
وذكر -أيضًا- عقيدة الأُمَّة الإسلاميَّة في إثبات المعاد، وأنَّه (متى أضيف إلى سائر ما يعتقده أهل الأديان، وحكَّم العقل فيه ظهر فضله) (٥)، وقد أفرد هذا الجانب بكتاب أسماه: (الأمد على الأبد) (٦) تناول اعتقاد الأُمَّة الإسلاميَّة في اليوم الآخر وما يتصل به من الأمور الغيبيَّة، وفيما أورده من بيان لمعتقدات الأُمَّة الإسلاميَّة ورد على (شبهات الملحدين، واعتراضات الطبيعيين، وشكوك المتكلمين، ومطاعن أعداء الدين) (٧)،
стр. 642
ما يجلي وسطية الأُمَّة في هذا الباب ولاسيما أنّه قارنها بمعتقدات الأمم الأخرى التي تقف على أطراف منحرفة عن الحق كقوله: (فإنَّ بعضًا منهم يعتقدون القول بالتناسخ وبعضهم يعتقد أن انقلاب النفس إلى حالة الضياء والنور هو الثواب، وانقلابها إلى ضده هو العقاب، وبعضهم يعتقد أن تخلص الأرواح من الأجساد هو الثواب، وضده هو العقاب) (١).
ثُمَّ يعقب على ذلك بقوله: (ثُمَّ الذي بني عليه الإسلام هو: أن العالم منقض بالساعة التي هي آتية لا ريب فيها، وأن اللَّه تعالى يعيد الأرواح إلى أجساد الموتى، على تركيب تتحد به قُوَّتَا: الحس والعقل، فتعرف الأنفس بقوة العقل أحوالها التي مضت عليها في حال الدنيا، وما اكتسبت من حسنة وسيئة، وتدرك بقوة الحس اللذات التي تتمتع بها، والآلام التي تتعذب بها، وأن الثواب لا محالة يقع في جنس المُلِذِّ، والعقاب في جنس المؤلم، وأن كيفيتها لن تدرك إلَّا بأن يجعل لها عيارٌ مهما شهدته الحواس من أجناس المُلذّات والمؤلمات) (٢).
стр. 643
وقبل ذلك بين ما عليه الآخرون من اعتقادات باطلة في الملائكة، وأنها تقع على طرفي نقيض، إذ يعتقد بعضهم أنهم بنات اللَّه، ويعتقد بعضهم الآخر أنهم آلهة (١)، وبهذا يتضح أن الوسطيَّة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة بصفة تجمع بين الوسط بمعنى البينيَّة من تلك الأقوال، والعدل والخيريَّة والأفضلية حيث كانت تلك العقيدة عين الحقيقة وجوهر الصواب، وما عداها فهو باطل.
وإذا كانت هذه وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة في مجال الاعتقاد بين الأمم، فإنَّ تلك الوسطيَّة تتركز في عمقها وجوهرها وقمة الفضل والخيريَّة في أمَّة الاتباع (أهل السنة والجماعة)، وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (كما أنَّ الأُمَّة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في باب صفات اللَّه بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال اللَّه بين الجبريَّة والقدريَّة وغيرهم، وفي باب وعيد اللَّه بين المرجئة والوعيديَّة من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورَّية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهميَّة، وفي باب أصحاب رسول اللَّه ﷺ بين الرافضة.
ثانيًا: في جانب العبادة:
أمَّا العبادة فقد حدَّد الإسلام لها منهجًا وسطًا لا يقلل من أهميتها أو
стр. 644
يلغيها، ولا يبالغ في الانقطاع لها وترك ما سواها، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسُّنَّة؛ قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
قال ابن العربي في تفسيرها: (فيها مسألتان؛ المسألة الأولى في معنى النصيب، وفيه ثلاثة أقوال: الأول: لا تنس حظك من الدنيا للآخرة كما قال ابن عمر: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، الثاني: أمسك ما يبلغك، فذلك حظ الدنيا، وأنفق الفضل، فذلك حظ الآخرة، الثالث: لا تغفل شكر ما أنعم اللَّه عليك. المسألة الثانية: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ذُكر فيها أقوال كثيرة، جماعها: اسْتَعمِلْ نِعَمَ اللَّه في طاعته، وقال مالك: معناها تعيش وتأكل وتشرب غير مضيق عليك في رأي، قال القاضي: أرى مالكًا أراد الردَّ على من يرى من الغالين في العبادة التقشُّف، والتقصُّف، والبأساء؛ فإنَّ النبي ﷺ كان يأكل الحلوى، ويشرب العسل، ويستعمل الشواء، ويشرب الماء البارد) (١).
والشاهد من هذه الأقوال ما علَّلَ به القاضي رأي مالك حيث يتضح منه وسطيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة في عبادتها مع أنَّها غاية الخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ومِمَّا يوضح هذه الوسطيَّة، ما ورد عنه ﷺ في شأن الثلاثة الذين اندفعوا نحو الترهب والتزيد في العبادة فذكر أحدهم أنَّه يريد أن يقوم الليل بمعنى أنه يحييه كلَّه بالصلاة دون أن ينام، وأراد الآخر أن يواصل الصيام فيصوم الدهر ولا يفطر، وعزم الثالث على أن يعتزل النساء فلا يتزوج، وكانوا قد تشاوروا في هذا المسلك بعد أن سألوا عن عبادة الرسول ﷺ : (فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر اللَّه ما تقدم من ذنبه وما
стр. 645
تأخر) (١)، ولَمَّا علم الرسول ﷺ بقصدهم قال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢).
إنَّ مِمَّا يستفاد من هذا الحديث رسمه ﷺ منهج الوسطيَّة في العبادة، وأنَّه المنهج الذي يحقق التقوى والخشية للَّه تعالى؛ لأن هذا المنهج ليس خاصًا بالرسول ﷺ بل هو المشرع والقدوة في هذا لأمته، مِمَّا يعني أن الوسطيَّة هي الخيار، وهي الوسط، وأن ما سواها منحرفٌ عن الجادة ومنهي عنه (٣).
стр. 646
وسطية الأُمَّة في مجال التشريع والأخلاق
أولًا: في مجال التشريع:
أمَّا الوسطيَّة في مجال التشريع فإنَّ الشريعة إجمالًا كما قال الشاطبي: (جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال كتكاليف الصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة، وغير ذلك مِمَّا شرع ابتداءً على غير سبب ظاهر اقتضى ذلك، أو لسبب يرجع إلى عدم العلم بطريق العمل. . . فإنْ كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين، كان التشريع رادًّا إلى الوسط الأعدل) (١).
ويستمر الشاطبي في بيان الوسطية في التشريعات الإسلاميَّة، وأنَّها تتخذ نوعًا من المرونة ومراعاة الأحوال والظروف، وما سلكته في سبيل ذلك من أساليب متنوعة صاحبت تاريخ التشريع الإسلامي، ثُمَّ يصل إلى القول: (فإذا نظرت في كليَّة شرعيَّة فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيتَ ميلًا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر، فطرف التشديد -وعامَّة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين، وطرف التخفيف -وعامَّة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحًا، ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه) (٢).
стр. 647
وقد ألمح الشاطبي في نهاية هذه المسألة إلى أن (التوسط يعرف بالشرع، وقد يعرف بالعوائد، وما يشهد به معظم العقلاء، كما في الإسراف والإقتار في النفقات) (١).
ولعل ما بينه الشاطبي عن وسطية الشريعة الإسلاميَّة يتضمن وصفًا بالغ الأهمية يضفي على الوسطيَّة في الإسلام نوعًا من المرونة، ومسايرة الأحداث بما يفي بحاجة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة إلى الاستمرار والحركة الإيجابيَّة إزاء ما يجد في حياتها من قضايا ونظم (٢)، على أنَّ الإسلام قد حدَّد مسلك الوسط في جميع تشريعاته في العبادات وفي المعاملات وفي الحلال والحرام، وأمر الحق ﵎ الأُمَّة أن تلتزم بذلك المسلك ولا تتجاوز حدوده، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقد جاءت هذه الآية بعد أن بين اللَّه أحكامًا كثيرة تناولت جوانب متنوعة على صعيد الأسرة، والنفقة، وبعض القضايا السياسيَّة والاجتماعية، والشعائر الدينية، وقال الرسول ﷺ : "إنَّ اللَّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرَّم حرمات فلا تنتهكوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها" (٣).
стр. 648
شرح ابن رجب ﵀ هذا الحديث، وبين طرقه في كتب السُّنَّة وما قيل عنه، وشواهده من طرق أخرى، وأفاض في شرحه بما تضمن إيضاح خصيصة الوسطية في التشريعات الإسلاميَّة وبيانها، وساق من الأدلة من القرآن الكريم والسنّة وفهم سلف الأُمَّة وتطبيقاتهم في عباداتهم ومعاملاتهم ما فيه جلاء هذه الخصيصة، ولعل من أجمع ما يبين ذلك قوله: (ضرب النبي ﷺ مثل الإسلام بصراط مستقيم، وهو الطريق السهل الواسع الموصل سالكه إلى مطلوبه، وهو مع هذا مستقيم لا عوج فيه، فيقتضي ذلك قربه وسهولته، وعلى جنبتي الصراط؛ يمنة ويسرة سوران؛ وهما حدود اللَّه، وكما أنَّ السور يمنع من كان داخله من تعديه ومجاوزته، فكذلك الإسلام يمنع من دخل فيه من الخروج عن حدوده ومجاوزتها، وليس وراء ما حدَّ اللَّه من المأذون فيه إلَّا ما نهى عنه، ولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده، وذم من لا يعرف حد الحلال من الحرام) (١).
فالوسطيَّة في هذه الأحكام والتشريعات سمة بارزة تؤكدها دلائل كثيرة من أهمها:
• الآيات والأحاديث التي تؤكد يسر الشريعة ورفع الحرج في تشريعاتها كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وفيما ذكره العلماء في مجمل تفسير هذه
стр. 649
الآيات، ما يدل على وسطيَّة التشريعات في الإسلام في جميع مجالات الحياة؛ مِمَّا كان له الأثر العميق في تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة واتسامه بالوسطيَّة.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ. . .﴾ الآية؛ قال ابن كثير: (أي: يحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام، ونحو ذلك، مِمَّا كانوا ضيقوا به على أنفسهم، ويحرم عليهم الخبائث. . . كلحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المأكل التي حرمها اللَّه تعالى) (١).
وجاء في الحديث عنه ﷺ أنَّه قال: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (٢)، وقال ﷺ : "إنَّ الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلَّا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا" (٣)، حيث دلَّ هذا الحديث والذي قبله، ونحوهما على يسر التشريعات الإسلاميَّة، وبالتالي فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة بالنظر لهذه التشريعات، وبالنظر إلى ما كانت عليه الأمم من قبلها تتسم بالوسطية العادلة الخيِّرَة.
• ومِمَّا يؤكد هذه الوسطيَّة ما كانت عليه الأمم من قبلها إذ إنَّها حادت عن هذه الوسطيَّة، وعلى سبيل المثال فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة كانت وسطًا (في
стр. 650
التحليل والتحريم بين اليهوديَّة التي أسرفت في التحريم وكثرت فيها المحرمات، مِمَّا حرمه إسرائيل على نفسه، ومِمَّا حرمه اللَّه على اليهود، جزاء بغيهم وظلمهم كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]، وبين المسيحية التي أسرفت في الإباحة، حتى أحلت الأشياء المنصوص على تحريمها في التوراة، مع أنَّ الإنجيل يعلن أن المسيح لم يجئ لينقض ناموس التوراة، بل ليكمله، ومع هذا أعلن رجال المسيحية أن كل شيء طاهر للطاهرين، فالإسلام قد أحل وحرم، ولكنه لم يجعل التحليل ولا التحريم من حق بشر، بل من حق اللَّه وحده، ولم يحرم إلَّا الخبيث الضار، كما لم يحل إلَّا الطيب النافع، ولهذا كان من أوصاف الرسول عند أهل الكتاب أنَّه: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (١).
ثانيًا: في مجال الأخلاق:
وتتجلى الوسطيَّة كخصيصة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في مجال الأخلاق والفضائل والآداب، ولعلماء الأُمَّة الإسلاميَّة أقوال عدَّة تبين مسلك الأُمَّة الإسلاميَّة في هذا المجال، ولا غرو في ذلك فالقرآن الكريم وسنة سيد المرسلين وسيرته الطَّاهرة ومسلك السلف الصالح تؤكد هذه الوسطية وتجليها في أنصع صورة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
стр. 651
[الفرقان: ٦٧]، حيث دلت هذه الآيات على خصيصة الوسطية في الأقوال والأفعال.
وجاءت بعض الآثار تؤكد ذلك، فقد ورد في الأثر: "خير الأمور أوسطها" (١) قال ابن الأثير: (كلُّ خصلة محمودة فلها طرفان مذمومان، فإنَّ السخاء وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم، وتجنبه بالتعري منه والبعد عنه، وكلما ازداد منه بعدًا ازداد منه تعرِّيًا، وأبعد الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين وسطهما، وهو غاية البعد عنهما، فإذا كان الوسط فقد بعد عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان) (٢).
والأخلاق الإسلاميَّة متسمة بالوسطيَّة، وكل خلق منها يُعَدُّ فضيلة بين رذيلتين، وعن ذلك قال الرازي: (إنَّ الخلق الفاضل إنَّما سُمِّيَ وسطًا لا من حيث إنَّه خلق فاضل، بل من حيث إنَّه يكون متوسطًا بين رذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط، مثل الشجاعة فإنَّها خلق فاضل، وهي متوسطة بين الجبن والتهور، فيرجع حاصل الأمر إلى أنَّ لفظ التوسط حقيقة فيما يكون وسطًا بحسب العدد، ومجازًا في الخلق الحسن، والفعل الحسن، من حيث إنَّه من شأنه أن يكون متوسطًا بين الطرفين اللَّذين ذكرناهما) (٣).
стр. 652
ويتناول أحد العلماء الوسطيَّة في الأخلاق الإسلاميَّة بإحاطة وشمول فيقول: (وكل الفضائل منحصرة في التوسط بين الإفراط والتفريط، فإنَّ رؤوس الفضائل؛ الحكمة والعفَّة والشجاعة والعدالة، فالحكمة نتيجة تكميل القوة العقليَّة، وهي متوسطة بين (الجربزة) (١) والغباوة، فتوسطه أن تنتهي القوة العقليَّة إلى حد يُمكن للعقل الوصول إليه، ولا يتجاوز عن الحد الذي وجب أن يتوقف عليه، ولا يتعمق فيما ليس من شأنه التعمق، كالتفكير في المتشابهات والتفتيش في مسألة القضاء والقدر، والشروع بمجرد العقل في المبدأ والمعاد كما هو دأب الفلاسفة والعفَّة هي نتيجة تهذيب القوة الشهوانيَّة، وهي متوسطة بين الخلاعة والجمود، والشجاعة نتيجة تهذيب القوة الغضبيَّة وهي متوسطة بين التهور والجبن، وإنَّما يحمد فيها التوسط؛ لأن النفس الحيوانية هي مركب للروح الإنسانية، فلا بد من توسطها لئلا تضعف عن السير، ولا تجمع بل تنقاد للروح، ثُمَّ التوسط في هذا المجموع أي الحكمة والعفة والشجاعة هي العدالة،. . . فلهذا فسر الوساطة بالعدالة، فالعدالة تقتضي الرسوخ على الصراط المستقيم، وتنفي الزيغ عن سواء السبيل) (٢).
وخلاصة القول: أن الوسطيَّة تعد من خصائص تميز الأُمَّة الإسلاميَّة،
стр. 653
لازمت مسيرتها بمفهومها الشامل المرتكز على معنى الخيريَّة والعدالة، واستمدتها من منهج الإسلام ونظامه، وهو منهج الوسط والاعتدال والتوازن (١)، الذي اختاره اللَّه شعارًا مميزًا لهذه الأُمَّة التي هي آخر الأمم، وللرسالة التي ختمت بها الرسالات، فحملته بتوفيق اللَّه، وعن ذلك قال الشاطبي: (إنَّ الحمل على التوسط هو الموافق لقصد الشارع، وهو الذي كان عليه السلف الصالح) (٢).
* * *
стр. 654
موقف المستشرقين من خصيصة الوسطية
إنَّ الوسطية هي إحدى خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة كما تدل على ذلك النصوص الثابتة من الكتاب والسنة، والشواهد التاريخية، ولكن المستشرقين -المتحاملين على الإسلام- يصدرون في هذا الموضوع عن زعم باطل وحكم ظالم جائر؛ فقاموس الاستشراق حافل بمسميات وألقاب من مثل البربريَّة والهمجيَّة والرجعيَّة، وأخيرًا الأصوليَّة والتطرف.
وعلى هذا فإنَّ مفهوم وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة كان أبعد من أن يدركه الغرب بعامة وينكره المستشرقون في الأعم الأغلب على الرغم من معرفتهم لأدلته وشواهده، ويتضح هذا الموقف في إنتاجهم الفكري في مجال الإسلام والدراسات العربية الإسلاميَّة، وللتدليل على ذلك أورد ملامح من الصورة التي تشكلت عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة في الفكر الغربي في العصور الوسطى وما تلا ذلك حتى العصر الحديث:
١ - يكاد يجمع المستشرقون وغيرهم ممن كتب عن الإسلام والغرب بأنَّ مفهوم الإسلام في العصور الوسطى قد تشكل على نحو عدائي، وأنَّ صورة الأُمَّة الإسلاميَّة قد رسخت في الفكر الغربي مشوهةً كريهة؛ يقول (مونتغمري وات): (والنقاط الأربع الرئيسية التي تختلف بصددها صورة الإسلام في العصور الوسطى عنها في الدراسات الموضوعية الحديثة، هي:
أ- أنَّ الدين الإسلامي أكذوبة وتشويه متعمد للحقيقة.
ب- أنَّه دين العنف والسيف.
ج- أنه دين يطلق لشهوات المرء العنان.
د- أنَّ محمدًا هو المسيح الدجال) (١).
стр. 655
ثُمَّ يورد (مونتغمري وات) تحت هذه النقاط الأربع جملة من الأقوال لمشاهير مفكري القرون الوسطى من أمثال (توما الأكويني) الذي وصفه بأنَّه كان من بين أكثر مفكري القرن الثالث عشر اعتدالًا، ومع ذلك فإنَّه كان يتحدث عن الإسلام تحت ما أسماه بالفِرَق، وأنَّه (أي: الإسلام) كان يبيح المتع الجسديَّة التي تجذب الناس إليه، وأنَّ الأدلة والحجج التي جاء بها محمد ﷺ ساذجة، وأنَّه خلط الحق بالباطل في القصص التي جاء بها، وليس لها سند من التاريخ، وأنَّ تعاليم الإسلام زائغة، ويفتقر إلى المعجزات التي تؤيد مزاعمه، ثُمَّ يصف الأُمَّة الإسلاميَّة بأنها تعيش في الصحراء حياة أقرب إلى حياة الحيوانات، وكانوا من الكثرة بحيث تمكنوا من إجبار الآخرين بالقوة العسكرية على اعتناق الإسلام، وأن النظرة المدققة توضح أن الرسول ﷺ كما يزعم (توما الأكويني) - (حرَّف كل شواهد العهدين القديم والجديد) (١).
ومِمَّا ذكره (مونتغمري وات) في النقطة الثانية: (أنَّه بلغ الأمر بأحد المتحمسين المدافعين عن الحروب الصليبية وهو (humbert of romans) إلى حد قوله: (إن المسلمين شديدو الحماسة لدينهم لدرجة أنَّهُم يقطعون دون رحمة رأس أي مخلوق يهاجم هذا الدين في أيِّ إقليم يسيطرون عليه) (٢).
وقد نفى (مونتغمري وات) هذا الزعم بقوله: (والواقع أن الصورة
стр. 656
الأوروبية للإسلام هي أبعد ما تكون عن الحقيقة) (١)، ويقول: (إنَّ اليهود والنصارى وأتباع الديانات الأُخرى التي يعترف بها الإسلام لم يخيَّروا بين الإسلام والسيف، وأن الذين خيروا بينهما هم عبدة الأوثان وحدهم) (٢).
ويواصل قائلًا: (ولم نسمع الكثير عن حدوث هذا خارج شبه جزيرة العرب، أمَّا النشاط الحربي للمسلمين، وهو الذي يملأ خبرُه كتب التاريخ، فإنَّما أدى إلى توسع سياسي، وجاء اعتناق الإسلام نتيجة للدعوة إليه، أو نتيجة الضغط الاجتماعي) (٣).
وبعد نفيه لتلك المقولة أشار إلى الهدف منها بقوله: (وفي تلك الصور للإسلام باعتباره دين عنف ما يُراد به الإيحاء بأنَّه مخالفٌ تمامًا لصورة المسيحية باعتبارها دين سلام انتشر عن طريق الإقناع) (٤)، ويلفت (مونتغمري وات) النظر إلى التناقض الشديد بين دعوى الصليبيين بأنهم أصحاب ديانة تدعو إلى السلم والمثالية وبين واقعهم التاريخي المخزي فيقول: (وقد أدرك بعض الكتاب أن مفهوم دين السلام مثالي لا علاقة كبيرة بينه وبين الواقع، وذهبوا إلى أنَّ عدم مراعاة المسيحيين السيئين لهذا المثل الأعلى لا يشكل اعتراضًا مقبولًا على المسيحية، ويبدو أنَّهم فسروا هذا التناقض بذكرهم أنَّ الغرض من الحروب الصليبية لم يكن إجبار العدو على اعتناق المسيحية بالقوة، وإنَّما كان -على حد تعبير (توما الأكويني) فيما بعد- منع الكفار من الوقوف حجر عثرة في سبيل العقيدة المسيحية، ورُبَّما كانوا يعنون أيضًا استرداد أراضٍ يرون أنَّها من حق المسيحيين) (٥).
стр. 657
وتحت النقطة الثالثة تحدث (مونتغمري وات) عن نظرة الغرب إلى الإسلام بالادعاء أنَّه دين يطلق لشهوات المرء العنان، من خلال مزاعم عدَّة، منها:
• حديثهم عن الزواج في الإسلام، وتعدد الزوجات، وأنَّه بلغ بهم الأمر أن يفسروا بعض آيات القرآن الكريم بما يبيح الزنى، إلى أن يقول: (وقيل: إن أشكالًا حيوانية وغير طبيعية للاتصال الجنسي بين الأزواج يمارسها المسلمون بكثرة، ويحثون عليها، بل ذهبوا إلى أنَّ القرآن يبيح الشذوذ الجنسي، ورأى بعضهم أن ذروة الإباحية الجنسية الإسلاميَّة في التصوير القرآني للجنة، وتحدثوا طويلًا عن الحور العين اللواتي سيكنَّ من نصيب المؤمنين فيها، ووجدوا في ذلك فضيحة أيّما فضيحة، كذلك انتقدوا بشدة حياة محمد الزوجية، وإنْ كانوا كثيرًا ما بنوا انتقاداتهم على مبالغات أو مزاعم كاذبة) (١).
• ومنها قوله: (وزعموا أن القرآن يعلم الناس أن ينقضوا عهودهم متى كان في نقضها مصلحة لهم) (٢).
أمَّا في النقطة الرابعة وهي قولهم: (إنَّ محمدًا هو المسيح الدجال) (٣) يقول (مونتغمري وات): (وكان جوهر التفكير المسيحي في هذا الصدد هو أنَّه حيث إنَّ محمدًا ليس بنبي، وحيث إنَّه أسس مع ذلك دينًا جديدًا فلا بُدَّ
стр. 658
أنَّه ساهم إيجابيًّا في مساندة قوى الشر، ولا بُدَّ أنَّه كان إمَّا أداة للشيطان أو عميلًا له، وبهذا جعلوا الإسلام والمسيحية على طرفي نقيض) (١).
وقبل ذلك أشار إلى ما عرضه (بطرس المكرم) من أفكار علماء اللاهوت اليونانيين الذين زعموا أن الإسلام (هرطقة مسيحية، وذهبوا إلى أن الإسلام أسوأ من هذا، وأنَّه من الواجب اعتبار المسلمين كفرة، وأنَّ القرآن يحتوي الكثير من الكذب، وأنَّ محمدًا ليس بنبي) (٢).
وإلى جانب ما ذكره (مونتغمري وات) يجد الباحث الحشد الهائل من مثل تلك المزاعم التي صدرت عن: (الكتاب والشعراء والمرتزقة في الغرب في قرونهم الوسطى ليهاجموا بها الإسلام، وتضافرت جهودهم مع جهود اللاهوتيين في ترسيخ تلك الصورة المشوهة للإسلام ونبيه وحملته، وهي التي يظهر الإسلام من خلالها على أنَّه عقيدة وثنيَّة، وأنَّ المسلمين يعبدون ثلاثة آلهة أو أكثر، أوصلها بعضهم إلى ثلاثين إلهًا) (٣)، وأظهر الرسول ﷺ على أنَّه المسيح الدجال، وأنَّه الأمارة لليوم الآخر، وأنَّ حملة الإسلام إرهابيون وحشيون، وأُمَّته مجموعة من (الوحوش وأبناء الشياطين، وأهل لواط، ومشركون يعبدون مجمعًا من الأصنام الذي يضم الآلهة: جوبيتر، آبولو، دايانا، أفلاطون، والمسيح الدجال) (٤).
стр. 659
وقد استمرت هذه الصور البشعة التي اختلقها اللاهوتيون وقتًا طويلًا تسيطر على الشعوب الأوربية ولا زالت تتأكد في العصر الراهن بجهود الصهيونية وتأثيراتها على الدراسات الاستشراقية، وهيمنتها على الدوائر السياسية ووسائل الإعلام الغربية، وإذا كانت أصوات بعض المستشرقين وتلاميذهم تحاول نفي هذه الصورة عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة في الدراسات الاستشراقية الحديثة فإنَّ الاختلاف بين تلك الصورة المشار إليها وبين الدراسات الاستشراقية الحديثة وقع في أساليب العرض وطرق التناول فحسب، أمَّا المنطلق والغاية بين هذه وتلك فإنَّه لا يكاد يتغيَّر، ولم يحدث بصددها إلَّا تعديل طفيف لا يمس جوهر القضية (١).
ومِمَّا لا شك فيه أنَّ هناك آراء اتسمت بالنزاهة والإنصاف وأظهرت بطريقة ضمنية أو مباشرة وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة، وقد وردت هذه الآراء في كتابات بعض المستشرقين، وسيجري بحثها لاحقًا.
٢ - على الرغم مِمَّا حدث في التاريخ الغربي عقب القرون الوسطى؛ من حركات دينيَّة، وتطورات سياسيَّة، وما صاحب ذلك من التحولات الفكرية، وما كان لها من آثار على العلم والمعرفة، إلَّا أنَّ موقف الغرب بعامة والمستشرقين بخاصة -في مسار الحركة الاستشراقية العام- من وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة كان موقفًا أقرب إلى الإنكار والجحود منه إلى فهم هذه الخصيصة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.
стр. 660
يقول: (إدوارد روز): (إنَّ المعرفة بالمحمديَّة (يعني الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة) التي تملكها أوروبا منذ قُرون قائمة على أساس التقارير المشوهة والمغلوطة كليًّا، التي أعدها المسيحيون، وهذا هو الأمر الذي أدَّى إلى نشر الأكاذيب والافتراءات المتنوعة حول المحمديَّة فكل خير وجدوه في المحمديَّة أخفوه تمامًا، وكلَّ شيء لم يكن محمودًا في عين أوروبا كبروه وبالغوا في بيانه أو شوهوا صورته في التعبير عنه) (١).
ويقول باحث آخر: (إنَّ الحضارة الأوروبية المعاصرة تستند في تكوينها العقلي إلى حدٍّ كبير على حركات فكريَّة تتابعت في تاريخها الحديث مثل (النهضة الأوروبية) و (الإصلاح الديني) و (حركة التنوير)، وقد زادت هذه الحركات من رسوخ ملامح الصورة المشوهة التي كونتها أوروبا عن الإسلام في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وذلك كنتيجة لترديد التهم الباطلة التي ألصقت بالإسلام ونبيه وكتابه المقدس) (٢).
ويستشهد على ذلك بعدّة أعمال أنجزها رواد الفكر والمعرفة في الغرب عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة، وكانت متأثرة بتلك الثقافة اللَّاهوتية المشوهة الشائنة، منها:
أ- ما قام به (دانتي) الذي قال عنه: (فدانتي الشاعر الإيطالي المشهور، وأحد أعمدة حركة النهضة، صور الرسول ﵊، وقد أُلقِيَ في الدرك الثامن والعشرين من جهنَّم، وقد شطر إلى نصفين من رأسه إلى منتصفه، وصوره وهو ينهش بيديه في جسمه، عقابًا له على ما اقترف من فظائع وآثام، وسبب من شقاق؛ ولأنَّه في رأيه تجسيد
стр. 661
كامل للروح الشريرة، وصور الإسلام كمن سبقوه زندقة أنتجت ظلًّا مخيفًا خيَّم على العالم كلِّه) (١).
ب- ويورد مثالًا آخر فيقول: (وأكد "بوليدور فيرجيل" -الذي يعتبر هو الآخر واحدًا من أكبر أركان النهضة- ما ذكره سابقوه من تهم وزاد عليها؛ فزعم أنَّ الإسلام نسيجٌ مشوه مستقى من مصادر مسيحية، وأن الرسول كان مصابًا بالصرع، وأن الإسلام انتشر بحد السيف، وشيوعية المرأة) (٢).
ج- كذلك قال: (أمَّا "فولتير ١٦٩٤ - ١٧٧٨ م" الذي يعتبر من أبرز رواد حركة التنوير فقد وصف الرسول ﷺ بأنه مثير فتن ودجَّال، يدعي كذبًا المناجاة مع روح القدس، ويزعم أنَّه صاحب رسالة كلُّ سطر فيها ينم عن السخف الذي يناقض مبادئ العقل الأولي) (٣).
د- ويذكر هنا أيضًا ما ورد في الموسوعة الفرنسية عن الرسول ﷺ (فقد وصف (ديدرد) -وهو الآخر من رجال التنوير الفرنسي، ومن كتّاب الموسوعة الفرنسية- الرسول ﷺ بأنَّه: (قاتل رجال، وخاطف نساء، وأكبر عدو للعقل الحر) (٤).
من هذا يتبين أن الصورة المشوهة للإسلام وأُمَّته في الفكر الغربي، قد ازدادت مع مرور الزمن سعة ورسوخًا.
٣ - رُبَّمَا أوحت عبارة (مونتغمري وات) المشار إليها فيما سبق بأنَّ
стр. 662
تلك الصورة المشوهة للأُمَّة الإسلاميَّة لم تكن من عمل المستشرقين المحدثين، وذلك إذ يقول: (والنقاط الأربع الرئيسة التي تختلف بصددها صورة الإسلام في العصور الوسطى عنها في الدراسات الموضوعية الحديثة. . .) (١).
لكن هذا القول وإن كان يصح على النزر اليسير من الدراسات الاستشراقية التي قام بها أفراد قلائل وفي فترات تاريخية متباعدة، فإنَّه لا ينطبق بحال على معظم المستشرقين الذين وصفهم أحد المفكرين بقوله: (إنَّ المستشرقين جميعًا فيهم قدر مشترك من هذا الخصام المتجني، والتفاوت -إنْ وجد بينهم- إنَّما هو في الدرجة فقط، فبعضهم أكثر تعصبًا ضد الإسلام، وعداوته له من البعض الآخر، ولكن يصدق عليهم جميعًا أنَّهم أعداء. وإذا كان الاستشراق قد قام على أكتاف الرهبان والمبشرين في أول الأمر، ثُمَّ اتصل من بعد ذلك بالمستعمرين- فإنَّه ما زال حتى اليوم يعتمد على هؤلاء وأولئك، ولو أنَّ أكثرهم يكرهون أن تنكشف حقيقتهم، ويؤثرون أن يختفوا وراء مختلف العناوين والأسماء) (٢).
والحقيقة أنَّ هذا ينطبق على أكثرهم حتى (مونتغمري وأت) على الرغم مِمَّا اتسمت به بعض دراساته من الموضوعية والإنصاف، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام عن خصيصة الربانية، وما أظهره (مونتغمري وات) من نفي لها في تناوله سيرة المصطفى ﷺ (٣).
стр. 663
وإذا كانت الأبحاث الاستشراقية، ودراسات المستشرقين المتنوعة قد انتشرت في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وتناولت الإسلام وتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة وادعى أصحابها أو معظمهم بأنَّها دراسات متجردة، وتتسم بالنزاهة والبحث العلمي المجرد عن التعصب الديني، وما يمليه من الهوى، والمحاباة العاطفية (١) (إلَّا أنَّ نظرة تحليلية في هذه الدراسات تثبت نقيض ما يدعي أصحابها، فالصورة المشوهة القاتمة للإسلام لا زالت كذلك في كلياتها، وإن طرأ تغير جزئي على بعض تفاصيلها، والدراسة التي تنتكب الموضوعية والنزاهة لا زالت هي السائدة الغالبة على هذا الحقل، وإن كان ثمة تغير فذلك مِمَّا تحتمه القاعدة المشهورة (اختلاف الأحكام باختلاف المصالح والأزمان) (٢).
إنَّ النظرة التحليلية الشاملة تدرك بأن دراسات المستشرقين لا تزال تدور في فلك تلك (الأفكار الجامحة التي كونتها أوروبا في فجر ولادتها الفكرية) (٣)، ومن الأمثلة على ذلك؛ ما قاله عدد من المستشرقين في الإسلام والقرآن والرسول وبخاصة فيما يتعلق بالنظرة الاستشراقية إلى وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة:
أ- يقول (بروكلمان) عن الرسول ﷺ وعن القرآن الكريم: (أعلن ما ظنَّ أنَّه سمعه كوحي من عند اللَّه) (٤).
ب- ويقول (توراندريه): (إن أفكار محمد غير متجانسة، وغير
стр. 664
منسجمة، ومضطربة أشد الاضطراب) (١)، ويقول أيضًا: (يبدو محمد في القرآن بصورة حالم ضال ينشد الحقيقة، فيشكل آراءَه ومثله استنادًا إلى ما تلقاه من تعليمات تصله اتفاقًا من غير أن يقيمها على حقائق ثابتة وحيَّة) (٢).
ج- ويقول (جولدزيهر): (من العسير أن نستخلص من القرآن نفسه مذهبًا عقيديًّا موحدًا متجانسًا وخاليًا من التناقضات، ولم يصلنا من المعارف الدينية الأكثر أهمية وخطرًا إلَّا آثارٌ عامّة نجد فيها إذا بحثنا في تفاصيلها أحيانًا تعاليم متناقضة) (٣).
ويقول أيضًا: (كان وحي النبي حتى في حياته معرضًا لحكم النقاد الذين كانوا يحاولون البحث عما فيه من نقص، وكان عدم الاستقرار والطابع المتناقض البادي في تعاليمه موقع ملاحظات ساخرة) (٤).
د- ولعل موقف المستشرقين من وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة يتضح بصورة جلية في قول (يوليوس فلهوزن): (يبرز في القرآن شأن القدرة الإلهيَّة تارة وشأن العدل الإلهي تارة أخرى، وذلك بحسب ما كان يحس به النبي دون مراعاة للتوازن بين الطرفين، ولا يشعر محمد بما في ذلك "من تناقض؛ لأنَّه لم يكن فيلسوفًا ولا واضعًا لمذهب نظري في العقائد" (٥).
стр. 665
ويبرز كذلك في قول (دي بوير): (قبل الرعيل الأول من المؤمنين ما في القرآن من تناقض، وهو الذي نعلله نحن بتقلب الظروف التي عاش فيها النبي وباختلاف أحواله النفسية) (١).
ولكلٍّ من (نيكلسون) و (مكدونالد) و (سنوك هورغرونيه) و (شاخت)، وغيرهم من أعلام الاستشراق أقوالٌ مشابهة لما قاله (جولدزيهر) و (بروكلمان) و (توراندريه) و (فلهوزن) و (دي بوير)، المشار إليها فيما تقدم (٢).
وعلى ذلك فإنَّ خصيصة وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة محجوبة خلف تلك الأقوال، ولا يُمكن الباحث أن يجد في كتابات معظم المستشرقين إلَّا النزر اليسير مِمَّا يشير إلى تلك الوسطية. . . سيتطرق البحث إليه فيما بعد.
٤ - وفي العصر الراهن تهز حمَّى الصهيونية أوصال الشعوب الغربية من خلال وسائل الإعلام المختلفة بهذه المزاعم والافتراءات، مضيفة إليها بريق الدعاية وفنون الخداع، وطرائق المكر السيئ بما تملك تلك الوسائل (من قدرة على الانتشار، وقوة الجذب والتأثير، من أن تجعل الصورة المشوهة عن الإسلام وأمته ضمن اهتمامات الفرد الغربي حتى أصبحت حديث المجالس والمنتديات الشعبية) (٣)، وتجاوزت ذلك إلى أنحاء واسعة من أصقاع المعمورة في ظل تطور الإعلام الغربي وهيمنته الدوليَّة (٤).
وفيما يأتي بعض النماذج على ذلك:
أ- تقول (جانيس تيري): (إنَّ صورًا للمجتمع العربي والعالم
стр. 666
الإسلامي تبدو متشابهة تمامًا في الروايات المعاصرة، وسواء وصف العرب والمسلمون بالتخلف أو الجشع، أو الشهوانية، أو الشيطان وعدم الإنسانية، فإنَّه كبش الفداء في جميع الروايات المعاصرة التي تتناول موضوعات عن الشرق الأوسط تقريبًا) (١).
ومِمَّا لحظته أيضًا أن هناك حشدًا هائلًا من الروايات تدور أحداثها حول فكرة أن المسلمين إرهابيون يهددون حياة البرآء من الناس، وأنَّ هذه الروايات تبرز تعاون المخابرات والحكومات الغربية مع (الأبطال الإسرائيليين) في مقاومتهم للإرهاب العربي) (٢).
وتخلص (تيري) إلى القول: (بأنَّ صورة العالم العربي في الروايات المعاصرة مشحونة بكراهية ما هو عربي وإسلامي، ويُصوّر العرب بشكل مستمر في الروايات بأحقر أنواع القذف العنصري، فهم يصورون على أنهم لا إنسانيون، جبناء، معادون للمرأة والأطفال، ويصور الإسلام في صورة سلبيَّة للغاية، ولا تجد في تلك الروايات ولو إشارة إلى الجوانب والإسهامات الإيجابية للعرب وللحضارة الإسلاميَّة) (٣).
ب- أمَّا المؤلفات العلمية فإنَّها تطفح بالتجني على الأُمَّة الإسلاميَّة وحقائق الإسلام بما يكشف البون الشاسع بين ما يكتبه عامَّة المستشرقين وبين وسطية الإسلام، وكون هذه الوسطية من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة.
стр. 667
وإذا كانت المعاجم والموسوعات من أبرز مظاهر العناية بالعلم والمعرفة، وألصقها بالمنهجيَّة والعلمية والتجرد، فإنَّ معظم المعاجم والموسوعات الحديثة في أوروبا وأمريكا وروسيا درجت على تناول الإسلام من خلال وجهة النظر الصهيونية وبأيدي مستشرقين إن لم يكونوا يهودًا فهم في خدمة اليهود والصهيونيَّة العالميَّة، وبناءً على ذلك فإنَّ ما كتب عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة جاء في الغالب موجهًا في هذا السياق، وتحت هذا التأثير (١).
وقد أجرى بعض الباحثين دراسة نقدية للموسوعة البريطانية، والفرنسية، والسوفيتية، واليهودية (٢)، وخرج بنتيجة مفادها أنَّ هذه الموسوعات (تغافلت عن تتبع الجانب التاريخي المُشَكِّل للوجود والهويَّة العربية الإسلاميَّة) (٣)، وأنَّ دائرة المعارف البريطانية في سياق تشويهها للإسلام والعرب عمدت إلى القول: (أنَّ محمدًا زعم أنَّه نبي مرسل من اللَّه وأنَّه أعظم الأنبياء وخاتمهم وأن المسلمين يعبدون محمدًا، ويعتقدون أن الكون خلق من نور محمد) (٤).
стр. 668
أمَّا دائرة المعارف الفرنسية فتقول كما سبق الإشارة إلى ذلك: أنَّ الرسول ﷺ (قاتل دجَّال، وخاطف نساء، وأكبر عدو للعقل الحر) (١).
وزعمت دائرة المعارف السوفيتية أن الإسلام (يؤدي دورًا رجعيًّا، إذ أصبح أداة في أيدي الطبقات المستغلة لكبح الطبقة العاملة روحيًّا) (٢)، وزعمت أن القرآن (مجموعة من المواد المذهبية والأسطورية والقانونية) (٣).
ويذهب قاموس التاريخ العالمي البريطاني إلى القول بأنَّ (عصابة المافيا الإجرامية العالمية تمتد جذورها إلى أصول عربية، ويؤكد القاموس أن طبيعة العرب الإجرامية التي لا تقف عن السطو والقتل تؤكد هذه المقولة) (٤).
ج- تؤكد الدراسات التي أجريت على المناهج الدراسيَّة في الغرب بأنَّ تلك المناهج قد صيغت على نحوٍ لم تظهر من خلاله وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة بل أظهرتها بأوصاف من أهمها؛ (أن الإسلام ولد بين بدو الجزيرة العربية الذين هم (أميون) كليًّا، والذين يتخذون من غزو القوافل تسلية يعتزون بها) (٥)، وأن المسلمين نشروا دينهم عن طريق العنف، وتركز تلك المنهج
стр. 669
على مسألة الرق في الإسلام، وتعدد الزوجات، ووضع النساء في المجتمع الإسلامي وأنهنَّ في منزلة دونيَّة بالنسبة للرجال والأبناء (١)، وتذكر بعض كتب التاريخ التي تُدرَّس في المدارس الفرنسية بأنَّ العرب (لم يكونوا إلَّا غزاة غلاظًا متزمتين ومتعصبين، فرضوا دينهم بحد السيف، وأن الدول أو الشعوب التي قبلت باعتناق الإسلام إنَّما فعلت ذلك كي لا تدفع الجزية الباهضة التي فرضها المسلمون على الذين لا يدخلون في دينهم) (٢).
ويتناول (مارسيل بوازار) دراسة علميَّة حديثة العهد وهي رسالة ماجستير نوقشت عام ١٩٨٠ م في جامعة (تولون) بفرنسا. . عن الكتب المدرسية من ١٩٤٥ م إلى ١٩٧١ م، ويقول (بوازار): (إنَّ النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة بالغة الدلالة؛ فمن جهة لم تحظ الحضارة الإسلاميَّة إلَّا بنصيب ضئيل من الكتب المدرسية لا يتجاوز ٤% من مضمون هذه الكتب، ومن جهة أخرى اتسم وصفها للإسلام بجمود كبير بالرغم من اكتشافات الدراسات التاريخية المعاصرة) (٣).
ومن النماذج التي عرضها (بوازار) الزعم المبثوث في هذه المناهج بأن الرسول ﷺ منذُ (أُخْرِجَ من مكة ظلَّ مشغولًا باسترجاعها، ومنذُ البداية التجأ للعنف، ومكنه فنه في قيادة الجموع من توحيد أنصاره الذين زرع فيهم روح التعصب، ووعدهم بالجنة إذا ماتوا في سبيل الحرب المقدسة (٤).
стр. 670
يلحظ (بوازار) من خلال تلك الدراسات (١) جملة ملحوظات في مقدمتها ملحوظتان في غاية الأهمية:
أولاهما: (أنَّ الملامح الجوهرية للدين الإسلامي ونبيه تؤكد على (الحرب المقدسة) التبشيرية لإجبار العالم على اعتناق الإسلام، وعلى هذه الصورة التي هي أثر من آثار القرون الوسطى يقدم الإسلام على أنَّه ثقافة عدوانية من خلال نصوص حكمها وقدمها فكر عدواني في أساسه، تحرص على عرض العلاقات بين الإسلام والغرب بعبارات العنف والعداء، حتى يصبح التشويه هو معالم الإسلام الأساسية) (٢).
وأخراهما: المشكلة الفلسطينيَّة إذ (إنَّ المشكلة الفلسطينية ليست درسًا من التاريخ المعاصر، وإنَّما هي خطاب سياسي ومذهبي لئيم وشرير، تعرض باللون الأبيض والأسود وبصورة تبسيطية، كأبطال رواية في العصر الحاضر) (٣).
على أنَّ هناك تطورًا بطيئًا يتخذ طريقة لتصحيح تلك المناهج في أوروبا