الإسلامي تبدو متشابهة تمامًا في الروايات المعاصرة، وسواء وصف العرب والمسلمون بالتخلف أو الجشع، أو الشهوانية، أو الشيطان وعدم الإنسانية، فإنَّه كبش الفداء في جميع الروايات المعاصرة التي تتناول موضوعات عن الشرق الأوسط تقريبًا) (١).
ومِمَّا لحظته أيضًا أن هناك حشدًا هائلًا من الروايات تدور أحداثها حول فكرة أن المسلمين إرهابيون يهددون حياة البرآء من الناس، وأنَّ هذه الروايات تبرز تعاون المخابرات والحكومات الغربية مع (الأبطال الإسرائيليين) في مقاومتهم للإرهاب العربي) (٢).
وتخلص (تيري) إلى القول: (بأنَّ صورة العالم العربي في الروايات المعاصرة مشحونة بكراهية ما هو عربي وإسلامي، ويُصوّر العرب بشكل مستمر في الروايات بأحقر أنواع القذف العنصري، فهم يصورون على أنهم لا إنسانيون، جبناء، معادون للمرأة والأطفال، ويصور الإسلام في صورة سلبيَّة للغاية، ولا تجد في تلك الروايات ولو إشارة إلى الجوانب والإسهامات الإيجابية للعرب وللحضارة الإسلاميَّة) (٣).
ب- أمَّا المؤلفات العلمية فإنَّها تطفح بالتجني على الأُمَّة الإسلاميَّة وحقائق الإسلام بما يكشف البون الشاسع بين ما يكتبه عامَّة المستشرقين وبين وسطية الإسلام، وكون هذه الوسطية من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة.
стр. 667
وإذا كانت المعاجم والموسوعات من أبرز مظاهر العناية بالعلم والمعرفة، وألصقها بالمنهجيَّة والعلمية والتجرد، فإنَّ معظم المعاجم والموسوعات الحديثة في أوروبا وأمريكا وروسيا درجت على تناول الإسلام من خلال وجهة النظر الصهيونية وبأيدي مستشرقين إن لم يكونوا يهودًا فهم في خدمة اليهود والصهيونيَّة العالميَّة، وبناءً على ذلك فإنَّ ما كتب عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة جاء في الغالب موجهًا في هذا السياق، وتحت هذا التأثير (١).
وقد أجرى بعض الباحثين دراسة نقدية للموسوعة البريطانية، والفرنسية، والسوفيتية، واليهودية (٢)، وخرج بنتيجة مفادها أنَّ هذه الموسوعات (تغافلت عن تتبع الجانب التاريخي المُشَكِّل للوجود والهويَّة العربية الإسلاميَّة) (٣)، وأنَّ دائرة المعارف البريطانية في سياق تشويهها للإسلام والعرب عمدت إلى القول: (أنَّ محمدًا زعم أنَّه نبي مرسل من اللَّه وأنَّه أعظم الأنبياء وخاتمهم وأن المسلمين يعبدون محمدًا، ويعتقدون أن الكون خلق من نور محمد) (٤).
стр. 668
أمَّا دائرة المعارف الفرنسية فتقول كما سبق الإشارة إلى ذلك: أنَّ الرسول ﷺ (قاتل دجَّال، وخاطف نساء، وأكبر عدو للعقل الحر) (١).
وزعمت دائرة المعارف السوفيتية أن الإسلام (يؤدي دورًا رجعيًّا، إذ أصبح أداة في أيدي الطبقات المستغلة لكبح الطبقة العاملة روحيًّا) (٢)، وزعمت أن القرآن (مجموعة من المواد المذهبية والأسطورية والقانونية) (٣).
ويذهب قاموس التاريخ العالمي البريطاني إلى القول بأنَّ (عصابة المافيا الإجرامية العالمية تمتد جذورها إلى أصول عربية، ويؤكد القاموس أن طبيعة العرب الإجرامية التي لا تقف عن السطو والقتل تؤكد هذه المقولة) (٤).
ج- تؤكد الدراسات التي أجريت على المناهج الدراسيَّة في الغرب بأنَّ تلك المناهج قد صيغت على نحوٍ لم تظهر من خلاله وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة بل أظهرتها بأوصاف من أهمها؛ (أن الإسلام ولد بين بدو الجزيرة العربية الذين هم (أميون) كليًّا، والذين يتخذون من غزو القوافل تسلية يعتزون بها) (٥)، وأن المسلمين نشروا دينهم عن طريق العنف، وتركز تلك المنهج
стр. 669
على مسألة الرق في الإسلام، وتعدد الزوجات، ووضع النساء في المجتمع الإسلامي وأنهنَّ في منزلة دونيَّة بالنسبة للرجال والأبناء (١)، وتذكر بعض كتب التاريخ التي تُدرَّس في المدارس الفرنسية بأنَّ العرب (لم يكونوا إلَّا غزاة غلاظًا متزمتين ومتعصبين، فرضوا دينهم بحد السيف، وأن الدول أو الشعوب التي قبلت باعتناق الإسلام إنَّما فعلت ذلك كي لا تدفع الجزية الباهضة التي فرضها المسلمون على الذين لا يدخلون في دينهم) (٢).
ويتناول (مارسيل بوازار) دراسة علميَّة حديثة العهد وهي رسالة ماجستير نوقشت عام ١٩٨٠ م في جامعة (تولون) بفرنسا. . عن الكتب المدرسية من ١٩٤٥ م إلى ١٩٧١ م، ويقول (بوازار): (إنَّ النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة بالغة الدلالة؛ فمن جهة لم تحظ الحضارة الإسلاميَّة إلَّا بنصيب ضئيل من الكتب المدرسية لا يتجاوز ٤% من مضمون هذه الكتب، ومن جهة أخرى اتسم وصفها للإسلام بجمود كبير بالرغم من اكتشافات الدراسات التاريخية المعاصرة) (٣).
ومن النماذج التي عرضها (بوازار) الزعم المبثوث في هذه المناهج بأن الرسول ﷺ منذُ (أُخْرِجَ من مكة ظلَّ مشغولًا باسترجاعها، ومنذُ البداية التجأ للعنف، ومكنه فنه في قيادة الجموع من توحيد أنصاره الذين زرع فيهم روح التعصب، ووعدهم بالجنة إذا ماتوا في سبيل الحرب المقدسة (٤).
стр. 670
يلحظ (بوازار) من خلال تلك الدراسات (١) جملة ملحوظات في مقدمتها ملحوظتان في غاية الأهمية:
أولاهما: (أنَّ الملامح الجوهرية للدين الإسلامي ونبيه تؤكد على (الحرب المقدسة) التبشيرية لإجبار العالم على اعتناق الإسلام، وعلى هذه الصورة التي هي أثر من آثار القرون الوسطى يقدم الإسلام على أنَّه ثقافة عدوانية من خلال نصوص حكمها وقدمها فكر عدواني في أساسه، تحرص على عرض العلاقات بين الإسلام والغرب بعبارات العنف والعداء، حتى يصبح التشويه هو معالم الإسلام الأساسية) (٢).
وأخراهما: المشكلة الفلسطينيَّة إذ (إنَّ المشكلة الفلسطينية ليست درسًا من التاريخ المعاصر، وإنَّما هي خطاب سياسي ومذهبي لئيم وشرير، تعرض باللون الأبيض والأسود وبصورة تبسيطية، كأبطال رواية في العصر الحاضر) (٣).
على أنَّ هناك تطورًا بطيئًا يتخذ طريقة لتصحيح تلك المناهج في أوروبا
стр. 671
وأمريكا (ولن تكون النتائج مرئية إلَّا خلال بضعة عقود؛ لأنَّ الإعلام المبتور والقوالب المضحكة حول الإسلام ما تزال هي الرائجة) (١).
٥ - على الرغم مِمَّا اتسمت به الدراسات الاستشراقية وسار عليه معظم المستشرقين من نفي لوسطية الأُمَّة الإسلاميَّة بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فإنَّ هناك من المستشرقين من اعترف بتلك الوسطية وأظهرها بطريقة مباشرة أو ضمنية. . وتفصيل ذلك في النماذج الآتية:
أ- يقول المستشرق (جورج سارطون): (وكان الإيمان في الإسلام بسيطًا، كريمًا، معتدلًا، ومع ذلك فقد كان بالإمكان أن تشيع فيه الحماسة حين البأس إلى حد بعيد فينقلب المجاهدون حيئنذٍ ذوي حميَّة إمَّا أن يبلغوا بها الظفر وأن يسقطوا دونه شهداء) (٢).
ففي قول (جورج سارطون) ما يبين وسطية الإسلام واعتداله، وأنه يتسم بالتسامح والكرم والبساطة، وقد تبلغ الحماسة فيه حين البأس إلى حد الاستشهاد أو الظفر، وقد علَّق عمر فروخ على مقولة (سارطون) هذه بمقارنة بينها وبين ما ذهب إليه (توماس أرنولد) من مبالغة في وصفه للتسامح في الإسلام إلى درجة قد تؤثر على مشروعية الجهاد وقال: (وهكذا يستطيع الإنسان فيما يتعلق بالتسامح أن يظهر المسلمين في صورة وضاءة (كما فعل أرنولد) أو في صورة حالكة شديدة (الظلمة) (٣)، ولا شك أن الأُمَّة الإسلاميَّة وسط بين طرفين).
стр. 672
ب- ما قاله أحد المستشرقين من (أنَّ القرآن الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأُخرى، وقد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب، وحرَّم محمدٌ قتل الرهبان لعكوفهم على العبادات، ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس) (١)، ويشير مستشرق آخر إلى ما فعله الصليبيون حينما دخلوا القدس قائلًا: (بعد أن سقطت المدينة، وقعت المذبحة، إذ ذبح كل المسلمين رجالًا ونساءً وأطفالًا. . . وفي معبد سليمان وحوله؛ خاضت الجياد في الدم حتى الركب بل وحتى اللجام. . أمَّا بالنسبة ليهود القدس فحين اجتمعوا في معبدهم الرئيسي أضرمت فيه النيران وحرقوا جميعًا أحياء) (٢).
وإذا كانت هذه الأقوال تنصب على جانب واحد من جوانب الوسطيَّة كخصيصة من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة، صاحبت انتشار الإسلام، واتسمت بها علاقاتها مع الأمم الأخرى، فإنَّ هناك أقوالًا أخرى بينت الوسطية كخصيصة من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة في جانب العقائد وجانب العبادات، ولكنَّها تأتي ضمنًا في تلك الأقوال إذا أُخذَ في الاعتبار ما عليه الأمم الأخرى في تلك الجوانب.
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره بعض المستشرقين عن هذه الوسطية:
أ- يقول (فرانز روزنثال): (وعندما ظهر الرسول ﷺ كانت اليهودية والنصرانية منتشرتين في الجزيرة، ولهما آراء متشابهة في التفسير التاريخي
стр. 673
للحياة الإنسانية، غير أن الدين الإسلامي الذي بشر به الرسول ﷺ كان يتميز بالوضوح والقدرة على تفهم أسس الوجود بصورة واضحة جدًّا ومن غير تعسف، والواقع أنَّ مفاهيم الإسلام أوضح وأقل جمودًا من ناحية العقيدة، من مفاهيم اليهود والنصارى الدينية) (١).
ب- ويقول (جاك ريسلر): (أمَّا الإسلام المسكون بهاجس وحدانية اللَّه وتوحيده، فقد رفض في سياق بحثه عن المطلق عقيدة الأقانيم الثلاثة، وابتعد بذلك عن المسيحية التي كان يتهمها بنوع من الشرك في تصورها لأُلوهيةٍ ذات ثلاثة أشخاص، ولكن الإسلام كان يعترف، بوفاءٍ نادرٍ جدًّا في تاريخ الأديان بأنَّ الكتب العبرانية أو المسيحية كانت منزلة (قبل أن يمسها التحريف)، وكان يتقبل قصص التوراة اليهوديَّة - المسيحية. وكبرهان على رسالته الإلهية، يعترف النبي ويحتج حتى بالتوافق القائم بين القرآن والتوراة،. . . ويدعو اليهود بتسامح وبتعقل في آن إلى طاعة شريعتهم، ويدعو المسيحيين إلى احترام أناجيلهم، ولكن من المؤكد أنَّ عليهم التسليم بالقرآن بصفته آخر كلام اللَّه، ودينه المنزل المميَّز) (٢).
ج- ويتحدث (آرثركين) الفيلسوف الأمريكي المسلم، عن سبب إسلامه؛ قائلًا: (لقد بحثت طويلًا في سر الوجود وتعمقت في أبحاثي بحكم دراستي للفلسفة وعلم النفس، ورأيتُ أن الإسلام هو أقرب الأديان إلى السماء وإلى النفس الإنسانية، فتأكد يقيني بأنَّه الدين الكريم الذي أرتضيه وأؤمن به. . .) (٣).
стр. 674
د- وعن العبادات في الإسلام قال (أميل درمنغم): إن الإسلام (يرى كمال العبادة في نيل الجسم حقه الشرعي) (١)، وقال بعد ذلك: (كان الكثير من المسلمين يكثرون من التوبة والاستغفار والصلاة والصوم، فرأى محمد أن القصد أولى من الإفراط. . . وأشار بالاعتدال في التقشف، وبترك كلِّ ما يميتُ النفس) (٢).
ولعل (أميل درمنغم) يشير بقوله هذا إلى النفر الثلاثة الذين جاؤوا إلى الرسول ﷺ فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أصلي ولا أنام، وقال الثالث: وأمَّا أنا فلا أتزوج النساء. فنهاهم الرسول ﷺ عن ذلك، وقال: "أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٣).
وعلى أيِّ حال فقد تحدث (أميل درمنغم) عن خصيصة الوسطية في جانب العبادات، وله -أيضًا- أقوالٌ أخرى عن وسطية المجتمع الإسلامي فيما يتعلق بمبادئ العقيدة والتشريع والنظرة إلى الدنيا والآخرة، إذ قال: (على ما تراه في دعوة النبي من المبادئ الأخروية لم يأل النبي جهدًا في تنظيم المجتمع الإسلامي تنظيمًا عمليًّا، فكان القرآن كتاب شريعة كما كان مثل كتاب التنبيه والزبور) (٤).
وله بعد ذلك أقوال في مشروعية الأذان ومقاصد العبادات في الإسلام (٥) تأتي في مكان آخر إن شاء اللَّه.
* * *
стр. 675
الإيجابية الخيرة وموقف المستشرقين منها
• تمهيد.
• مفهوم الإيجابية الخيرة.
• جوانب مفهوم إيجابية الأمة الإسلامية.
• موقف المستشرقين من خصيصة إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة.
стр. 676
تمهيد
الإيجابيَّة الخيِّرَة هي تلك الخصيصة الأخرى من خصائص تميز الأمَّة الإسلاميَّة، وهي السِّمَة البيِّنة التي اتصفت بها الأُمَّة الإسلاميَّة، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، فالسبق والمسارعة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وليس ذلك السبق، وتلك المسارعة لذاتهما، وإنَّما هما في الحقيقة إيجابيَّة خيِّرَة اختصت بها الأُمَّة الإسلاميَّة لتحقق من خلالها الخير والسعادة للإنسانية قاطبة، ولا تقتصر نظرتها في ذلك على العاجل فحسب في الدار الدنيا، بل تتجاوز نظرتها هذه الحياة الأولى إلى الحياة الآخرة، وتعمل للعاجلة والآجلة بهدي من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧].
وتتجلى إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة في جوانب كثيرة، سأتناول جانبين من أهم تلك الجوانب، ولكن قبل ذلك أبين مفهوم المسارعة والسبق.
* * *
стр. 677
مفهوم الإيجابية الخيرة
مفهوم المسارعة والسبق:
أ- المسارعة: مشتقة من الفعل الثلاثي (سَرُع) يقال: (سَرُعَ، يَسْرُعُ سرعة وسِرْعًا، فهو سَرعٌ وسريعٌ، والأُنثى: سَرْعى) (١) بمعنى (خَفَّ وعجل. تسرَّع بالأمر: بادر به. المتسرع: المبادر إلى الشر. المسرع: السَّريع إلى خير أو شر) (٢).
والمسارعة فيها مبالغة ومفاعلة من السُّرعة، وتختلف عن العجلة، وعن الفرق بينهما قال الرازي: (فإن قيل: أليس العجلة مذمومة. . . "العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن" (٣) فما الفرق بين السرعة وبين العجلة؟ قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدِّين؛ لأنَّ من رغب في الأمر آثر الفور على التراخي، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وأيضًا العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]) (٤).
стр. 678
كما أن المسارعة ليست ممدوحة على الإطلاق؛ فإن اللَّه وصف بها الكفار والذين في قلوبهم مرض، وأنَّهم يسارعون كذلك في الكفر وفي الإثم والعدوان، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] (١)، وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]، وكقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢].
والشاهد في هذه الآيات أنَّ صفة المسارعة قد تكون مذمومة كما أنَّها صفةٌ ممدوحة، والذي يحدد ذلك الغاية التي ترتبط هذه الصفة بها، فإن كانت في الخير والبر والمعروف، فهي صفة إيجابيَّة خيِّرة، وإن كانت المسارعة في الكفر والإثم والعدوان، وفيما نهى اللَّه عنه بعامَّة؛ فهي صفة ذمٍّ ونقيصة.
ب- السبق: مشتقة من الفعل الثلاثي (سَبَقَ)، قال ابن فارس: (السين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدل على التقدم، يقال: سَبَق يسبق سبقًا، فأمَّا السَّبْق فهو الخطر الذي يأخذه السَّابق) (٢)، ولعل ابن فارس يريد بقوله: (الخطر الذي يأخذه الفارس) إمَّا القدر والمكانة وهو أحد معاني الخطر (٣)، أو يريد بقوله هذا (ما يُجْعَلُ من المال رهنًا على المسابقة) (٤).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾
стр. 679
[المؤمنون: ٦١]، قال بعض المفسرين: (ينافسون فيها، وقيل: يسابقون. . . ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. . .: هم سابقون الناس لأجلها) (١).
ويُمكن القول أنَّ مفهوم المسارعة والسبق في ضوء هذه المعاني يشكل المضمون الحقيقي لخصيصة الإيجابيَّة الخيِّرة بصفتها إحدى خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.
* * *
стр. 680
جوانب مفهوم إيجابية الأمة الإسلامية
هذه الخصيصة لها جوانب كثيرة لا يتسع المجال لاستقصائها والإلمام بجميعها، ويتناول هنا جانبان منها؛ أحدهما يبين تلك الخصيصة على مستوى الأفراد من خلال نماذج اتسمت بالمسارعة في الخير وأعمال البر وحققت السبق في ذلك، والآخر يبين تلك الخصيصة على مستوى الأُمَّة، وبعض مظاهر تلك الإيجابيَّة في نطاق العرب والشرق، والعالم بعامَّة.
فأمَّا الجانب الأول فإنَّ له شواهد عدَّة تمثلت فيما أقدم عليه أفراد من الصحابة من البذل والعطاء والجود بالأنفس والمال والأولاد في سبيل اللَّه بعد أن تمكن الإيمان في قلوبهم، وامتلأت نفوسهم بمحبَّة اللَّه ومحبة رسوله ﷺ ، وصَغُرت الدنيا في أعينهم بما فيها من لذَّات ومطامع ومكاسب وزخارف، واشتاقوا للقاء اللَّه وما عنده من الثواب، فكان منهم من يقذف بالتمرات مسرعًا إلى الاستشهاد في سبيل اللَّه والسبق إلى الشهادة، ويرى أن الوقت الذي يمضيه في أكل تلك التمرات يؤخره عن لقاء ربه، وكان منهم من قدّم ماله في سبيل اللَّه ولم يترك منه شيئًا، وكان منهم من أخرج نفسه من أعز ما يملك لينال البر ويتقرب بذلك إلى اللَّه ؛ وقصة هذه النماذج في الآتي:
أ- ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ أن الرسول ﷺ قال في غزوة بدر: "قوموا إلى جنَّة عرضها السموات والأرض" (١)، فقال عمير بن الحُمام الأنصاري: يا رسول اللَّه! جنَّة عرضها السموات والأرض. قال: "نعم" قال: بخ بخ، فقال الرسول ﷺ : "ما يحملك على قولك: بخ بخ" قال: لا، واللَّه يا رسول اللَّه إلَّا رجاءه أن
стр. 681
أكون من أهلها. قال: "فإنَّك من أهلها" فأخرج تمرات من قَرَنِه فجعل يأكل منهنَّ ثُمَّ قال: لئن حييت حتى آكل هذه إنَّها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر. ثمَّ قاتلهم (أي: مشركي قريش) حتى قتل) (١).
ب- وأخرج الترمذي: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك مالًا، فقلتُ: اليوم أسبقُ أبا بكر، إنْ سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال: "يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيتُ لهم اللَّه ورسوله، قلت: واللَّه لا أسبقه إلى شيء أبدًا) (٢).
ج- وحينما نزل قول الحق ﵎: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، جاء أبو طلحة إلى الرسول ﷺ يقول له: (يا رسول اللَّه، إنَّ اللَّه ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاء، وإنَّها صدقة للَّه، أرجو برَّها وذخرها عند اللَّه، فضعها يا رسول اللَّه، حيثُ أراك اللَّه) (٣) قال راوي الحديث أنس بن مالك
стр. 682
-﵁: (فقال الرسول ﷺ : "بَخْ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول اللَّه، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) (١).
تبين هذه النماذج الثلاثة -وهي غيض من فيض مِمَّا كان عليه السلف الصالح (٢) - أنَّ المسارعة في أعمال البر والإحسان والسبق إليها من أهم خصائص تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وأنَّ هذه الخصيصة تأتي منسجمة مع خصائص أخرى امتدح اللَّه الأُمَّة الإسلاميَّة بها، وميَّزها بها عن غيرها، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]، فقد بينت الآيات الكريمة جوانب كثيرة لهذه الإيجابيَّة الخيّرَة للأُمَّة الإسلاميَّة، إذ هي إيجابيَّة نحو ربها جلَّ وعلا: تتمثل في خشيته تعالى، والشفقة منه تعالى والإيمان بآياته، وعدم الإشراك به، ومن الإيمان بآياته الإيمان برسوله ﷺ وما جاء به من الآيات والذكر الحكيم، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، وما يتبع ذلك من وجوب طاعته ومحبته ومناصرته والرضى بحكمه، وهذه إيجابيَّة نحو رسول الأُمَّة محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، وإيجابيَّة نحو الناس تتمثل في الصدقة والنفقة والإحسان، ونحو ذلك من وجوه البر.
ثُمَّ إنَّ هذه الإيجابيَّة لا تبعث على الركون إلى العمل والاغترار به، بل يمارس المؤمن تلك الإيجابيَّة الخيِّرَة وهو متواضع للَّه، يرجو رحمته ويخاف
стр. 683
عقابه، وقلبه (يستشعر يد اللَّه عليه، ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة. . . ومن ثمَّ يستصغر كل عباداته وشمتقل كل طاعاته، إلى جانب آلاء اللَّه ونعمائه. . . ومن ثَمَّ يشعر بالهيبة ويشعر بالوجل، ويشفق أن يلقى اللَّه وهو مقصر في حقه، لم يوفه حقه عبادة وطاعة، ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكرًا) (١).
وفي الحديث أن أم المؤمنين عائشة ﵁: (سألت الرسول ﷺ عن هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة: هُمُ الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أنْ لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات" (٢).
وأمَّا الجانب الآخر من إيجابيَّة الأُمَّة الاسلاميَّة، على مستوى العالم من حولها بدءًا بالعرب ثُمَّ بمن جاورهم من الأمم الأخرى ثُمَّ العالم أجمع، فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة انطلقت وهي تحمل عقيدة التوحيد وشريعة اللَّه، وما انبثق عنهما من قيم وأخلاق ومبادئ ومثل، في حركة إيجابيَّة خيِّرَة نال من خيرها العرب في الجزيرة العربيَّة، واتسع نطاقها شرقًا وغربًا حتى بلغت المحيط الأطلسي غربًا، إلى بلاد الهند والصين شرقًا، وفي خلال هذا الانتشار والفتح أسهمت الأُمَّة الإسلاميَّة: (في بناء حضارة جديدة ضخمة، قدر لها أن تصبح أعظم حضارة عرفها العالم أجمع طوال العصور الوسطى، وهي الحضارة الإسلاميَّة العربية، وكما يتضح من الاسم المركب لهذه الحضارة، فإنَّها استمدت عظمتها من مبادئ الإسلام ومثله وروحه، ومن المهد الذي ولدت فيه، وحسب العرب في عهدهم الجديد،
стр. 684
أنَّهم أحسوا بكونهم بناة الدولة وحماتها، ودعاة الإسلام وحاملو رسالته، والمبشرون بعقيدته في مختلف أرجاء الأرض) (١)، ولكي تُعْرَفَ خصيصة الإيجابيَّة الخيِّرَة في محيط العرب بخاصة، ثُمَّ في محيط الأمم الأخرى بعامَّة، ينبغي أن يُنْظَرَ في حال هؤلاء وأولئك قبل الإسلام، ثُمَّ في حالهم بعد ظهوره وانتشاره.
أ- فأمَّا العرب فقد كانوا قبل الإسلام: (في جاهليَّة جهلاء، وفي ضلالة عمياء، يسفكون الدماء، ويخيفون الطرق، وينتهبون الأموال، ويتعاطون كبائر الآثام، ليس لهم مَلِكٌ يَنْظم بَدْوَهم، ولا سائسٌ يقيم أَوَدَهم، فرزقوا رسولًا من اللَّه تعالى، مبعوثًا بالحق والهدى؛ ليعلمهم الكتاب والحكمة، ويأمرهم بالعدل والإحسان، وينهاهم عن الفحشاء والمنكر، ويدعوهم إلى ترك العصبيَّة، وحميَّة الجاهليَّة. فآواهم وأيدهم بنصره، ومكَّنهم من الممالك، بعد أن كانوا قنعوا من أربابها بالسلامة من سطوتهم، فضلًا عن الاستيلاء على خططهم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦]، فأصبحوا بمكان هذه الدعوة أصنافًا ثلاثة:
صنف منهم ملوك أَعزَّة، وولاة المنابر والأسرة، قد نفذ حكمهم على الأقربين والأبعدين؛ لتحصيلهم الرياسة في الدين، وتوسعهم في معرفة أحكامه، والتفقه في حلاله وحرامه، فسعدوا بأشرف خطوة، وأجل أُكْرُومة.
وصنف منهم توجهوا إلى الآفاق في المغازي، فسهَّل اللَّه لهم فتح البلاد، وذلَّل لهم رقاب العباد، فتقابلوا في النواحي التي فتحت لهم، وحازوا فيها نعمًا جسيمة، وأملاكًا عريضة، بعد أن كانوا مَمْنُوِّين في جاهليتهم بضيق الحال، وضنك العيش.
стр. 685
وصنف منهم -وهم الجمهور من أفناء العرب، المقيمون في ديارهم- قد اقتنوا بالنسبة التي جمعت بينهم وبين صاحب الدعوة شرفًا لا يجهل أن يقال لهذا الدين في رفعته وجلاله: "دين العرب" (١): ويقال لهذا الملك في اتساع رقعته، وعلو مكانه: "ملك العرب" (٢)، فهذه مجامع ما سَعِدَ به جيل العرب في أيام هذا الدين) (٣).
ب- وأمَّا الأمم المجاورة للجزيرة العربيَّة فإنَّها نالت من إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة الخيِّرة ما حرَّرَها من العقائد الفاسدة والمظالم المستحكمة، وأخذ بها في مدارج الرفعة والشرف، وللمثال على ذلك فإن الفرس وهم إحدى الأمم المجاورة للعرب والسابقة لهم في الميدان الحضاري، كانت على حالٍ قبل الإسلام ثُمَّ تحولت بدخولها الإسلام إلى حال آخر؛ ولمعرفة ما كانت عليه قبل الإسلام وما صارت إليه بعده، أنقل ما ذكره أبو الحسن العامري في قوله: (وأمَّا العجم فإنَّهم -مع ما كانوا رزقوا في أيام الأكاسرة من الأَبْنِيَات الحميدة، والآداب المنقولة، والعناية الصادقة بحفظ رسوم العمارة. . . ابتلوا بمحنتين عظيمتين، لا يدانيهما شيءٌ من المحن الدنيويَّة في الفظاعة والنُّكر:
إحداهما: عَوْقُ المَوَابَذَة - (جمع موبذان وهو مثل (البابا) عند النصارى) (٤) - لدهمائهم -بالقهر- عن اقتناء الحكمة الإلهية، التي بها
стр. 686
يُتَوَصَّلُ إلى كمال الإنسانيَّة، وباقتنائها تستحق الرتبة الروحانيَّة، وكان سببه أن (زرادشت) المتنبئ لَمَّا أسَّسَ لهم في الأبواب الاعتقاديَّة تلك الأصول الدَّالة على نزارة حظه من الحكمة النظريَّة: نحو كون العالم من قديمين، وحصول جبلَّته من امتزاج الضدين، وأنواع هذيانه في العفاريت والشياطين، وخطئه الفاحش في شكل الأرض، وتخطيط الأفلاك -صيرهم بالمأخذ التقليدي مزجورين عن الحكمة الإلهية، تحرزًا من أن يتنبه الناظر فيها، والمتحقق لبراهينها، على سخافة دعاوية، فابْتُلِيَ أَلِبَّاءُ العجم لمكان الدعوة المجوسيَّة -مع أفهامها الزكيَّة، وعقولها السريَّة- بالمنع القادح عن أشرف أبواب الحكمة، بل ثكلوا روح اليقين بالحقائق البرهانية.
والأخرى: أن طبقاتهم بأسرهم كانوا مضطهدين بسياسة الاستعباد، وإيالة الاستخوال؛ إذ كان ملوكهم وسَمُوا أنفسهم بسمة (الخُذَايكانية) (١)، ووسموا كافَّة من سواهم بسمة (الدهكانية) (٢).
وليس يُشكُّ أن تسخير العاقل الحر بالقهر والغلبة على المنزلة الواحدة، وزجره عن اكتساب المحامد بالهمَّة العليَّة، والتمني باجتهاد سعيه إلى ما يتمناه من الجاه والمَعْلُوَة -في الغاية في الاتِّضَاع والخسَّة- وهي النهاية في الاستسلام للغضاضة.
وإذْ وجدت المحنتان مطبقتين على العجم: إحداهما من جهة ملوكهم، والأخرى من جهة مَوَابِذَتِهم -فمن الواجب أن نعلم أنَّ مجيء الإسلام قد أفادهم بشرفه واستعلاء مكانه عوائد ثلاث:
стр. 687
إحداها: إفادة السلامة عن التسخير للعبوديَّة، وإزالة الحجر عنهم في التطلب للرفعة، إذ قيل لهم: "إن الناس كلهم لآدم، وآدم من تراب" (١) و ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، و"المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" (٢).
الثانية: الهداية للحكمة الإلهية، وتحقيق مبادئها بالأدلة، ليقتنوا باقتباسها والتوسع في معالمها فضيلة روحانية، وغبطة نفسانيَّة، فتجلَّ بها مراتبهم عند الخلق، ويبقى لهم الذكرُ في العواقب.
الثالثة: فتح الطريق لهم إلى التفيُّؤ بظل هذه الدولة الميمونة، وقصد الأمم المصاقبة لهم باستخلاصها على شرائط الجهاد، ليعمروا بلادهم بما يفيدونه من الفيء، وينقلوا ذراريهم إلى أكناف ديارهم، فيأخذونهم بالآداب الحسنة، ويروضونهم على الأخلاق الحميدة، حتى إذا استحكمت دربتهم فيها، واستولت مِرَّاتهم عليها، منَّوا عليهم بالإعتاق، وأكرموهم بالإفضال، فيصيرون بذلك قائلين على الدوام: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، فهذه هي عوائد جيل العجم في أيام هذا الدين) (٣).
ج- وأمَّا إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة الخيِّرَة على العالم، فإنَّها من المسلمات التاريخيّة لدى كثير من الباحثين المحققين، والمفكرين المنصفين، وقد تمثلت في مظاهر عدَّة من أبرزها:
стр. 688
أولًا: الإقبال على العلم والمعرفة، فتعلم المسلمون (القراءة والكتابة، لينشروا دينهم ولغتهم، وتعلموا لغات أعدائهم، ليأمنوا مكرهم وشرهم، وبحثوا عن أيِّ علم يفيدهم وينفعهم؛ لأنَّهم يعلمون أن هذا جهاد في سبيل البشرية كالجهاد بالسيف لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، (حيث يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء يوم القيامة) (١)، ومن هنا انطلق المسلمون يبحثون عن تراث الأقدمين، وعن علمهم في الأمم اللاهيَّة، التي لم تستطع الاستفادة أو الإفادة منه، ويجب أن يعلم أن العلوم التي اتصل بها المسلمون واستفادوا منها، كانت بعيدة عن العقائد والعبادات وعلوم الشريعة؛ لأنَّ هذه كانت لها مصادرها الموثوقة عند المسلمين، التي لا تقبل الإضافة أو التبديل أو التغيير، وإنَّما هي العلوم التي تدخل تحت قول الرسول ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢)، وانطلق المسلمون يأخذون كل مفيد، ويتعلمون كل نافع، فترجموا كتب الأقدمين في الطب، والهندسة، والكيمياء، والفلك، والحكمة، والجغرافيا، والحيوان، والنباتات، وكانت معرفتهم معرفة تمحيص وليست معرفة تبعيَّة أو تقليد) (٣)، وسلكوا في أخذها والعلم بها منهجًا علميًّا يعتمد على الانتقاء والتجربة والتمحيص، وإعمال العقل والفكر، متأثرين في ذلك المنهج بما جاء به الإسلام من رؤية للكون والحياة والإنسان،
стр. 689
فكانت حركتهم العلميَّة في هذا المضمار حركة إيجابيَّة أفادت منها البشريَّة، ولعل المنهج التجريبي الذي شقَّ طريقه إلى الغرب، وأسهم في قيام الحضارة الحديثة، والنهضة الأوروبيَّة، يعد من فضائل الأُمَّة الإسلاميَّة على العالم، وهذا ما يعترف به المنصفون من مؤرخي الغرب ومفكريه.
يقول (جوليفة كستلو) (jolivet castelot) في كتابه (قانون التاريخ) (Lal oli de l'Histoire) (كان التقدم العربي بعد وفاة الرسول عظيمًا، جرى على أسرع ما يكون، وكان الزمان مستعدًّا لانتشار الإسلام، فنشأت المدنيَّة الإسلاميَّة باهرة، قامت في كل مكان مع الفتوحات بذكاء غريب، ظهر أثره في الفنون والآداب، والشعر والعلوم، وقبض العرب بأيديهم خلال عِدَّة قرون، مشعل النور العقلي، وتمثلوا جميع المعارف البشريَّة التي لها مساس بالفلسفة، والفلك، والكيمياء، والطب، والعلوم الروحيَّة، فأصبحوا سادة الفكر مبدعين ومخترعين، لا بالمعنى المعروف، بل بما أحرزوا من أساليب العلم التي استخدموها بقريحة وقَّادة للغاية) (١).
ويواصل قوله عن فضل الأُمَّة الإسلاميَّة على أوروبا في مجال العلم والمعرفة فيقول: (وإنَّ أوروبا لمدينة للحضارة العربية بما كتب لها من ارتقاء من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، وعنها أخذت. . .، وأوروبا تدين بالهواء النافع الذي تمتعت به في تلك العصور للأفكار العربية، وقد انقضت أربعة قرون ولا حضارة فيها غير الحضارة العربية وعلماؤها هم حملة لوائها الخفاق) (٢).
ويصحح (غوستاف لوبون) الخطأ الذي ارتكب في التاريخ الحضاري
стр. 690
عندما ينسب المنهج التجريبي إلى (باكون (Baconfrancis)) فيقول: (ينسب الناس إلى "باكون" قاعدة التجربة والملاحظة والمنطق الاستقرائي، وهما الأصل في أساس البحث العلمي الحديث، بيد أن الواجب أن يُعْتَرف اليوم أنَّ هذه الطريقة كلها هي من مبتدعات العرب) (١).
ومِمَّا ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد أن الأُمَّة الإسلاميَّة كانت ملتزمة في تلك المعارف والعلوم إلى حدَّ كبير بمبادئ الإسلام وقيمه وضوابطه الأخلاقيَّة، أمَّا مفكرو الغرب فقد انطلقوا بالعلوم والمعارف التي اقتبسوها من الأُمَّة الإسلاميَّة، وتتلمذوا في بداية الأمر على علماء الأُمَّة الإسلاميَّة؛ انطلقوا بتلك المعارف والعلوم نحو (نظريات غير ملتزمة بالأخلاق الإنسانية في بعض جوانبها، ومتعارضة معها في بعضها الآخر) (٢)، مِمَّا كان له الأثر البالغ على الإنسانية، فبقدر ما نالت من معطيات العلم ومكتشفاته، شقيت بتلك النظريات غير الملتزمة بالمبادئ الدينيَّة والأخلاقية، وما حملت من الشرور والمخاوف، التي لم تكن لتحدث لو أنَّ التطور العلمي سار وفقًا للمنهج الإسلامي الملتزم بالأخلاق والمبادئ والقيم.
ثانيًا: ومن مظاهر إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة الخيِّرَة على العالم،
стр. 691
ما اضطلعت به من إنقاذ الناس من فساد المعتقدات، وظلم بعضهم لبعضهم الآخر، ورد المسار البشري العام إلى صراط اللَّه المستقيم، والإسهام في إصلاح أوضاع البشريَّة وإرشادها، والنهوض بها في مجال الأخلاق والاجتماع وفي المجال الحضاري بعامَّة، وقد ظهرت آثار تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة وإيجابياته الخيِّرَة في جميع هذه المجالات.
كتب أبو الحسن الندوي؛ تحت عنوان (عشر معطيات هامَّة ومنح أساسيَّة) (١): (إذا كان لا بُدَّ من تحديد جوانب ومجالات في حياة الأمم والشعوب والحضارة، ظهرت فيها التأثيرات الإسلاميَّة في أجلى أشكالها، نحددها -على سبيل الاختصار والاختيار- في عشرة من المعطيات الهامَّة والمنح الأساسية الغالية، التي كان لها الدور الأكبر في توجيه النوع البشري وإصلاحه وإرشاده، ونهضته وازدهاره، والتي خلَّفت عالمًا مشرقًا جديدًا لا يشبه العالم الشاحب القديم في شيء، وهي كما يلي:
١ - عقيدة التوحيد النقية الواضحة.
٢ - مبدأ الوحدة الإنسانية والمساواة البشرية.
٣ - إعلان كرامة الإنسان وسموه.
٤ - رد الاعتبار إلى المرأة ومنحها حقوقها وحظوظها.
٥ - محاربة اليأس والتشاؤم، وبعث الأمل والرجاء، والثقة والاعتزاز في نفس الإنسان.
٦ - الجمع بين الدين والدنيا، وتوحيد الصفوف المتنافرة والمعسكرات المتحاربة.
стр. 692
٧ - إيجاد الرباط المقدس الدائم بين الدين والعلم، وربط مصير أحدهما بالآخر، وتفخيم شأن العلم، والحث عليه، وتوجيهه إلى علم هادف نافع موصل إلى اللَّه.
٨ - استخدام العقل والانتفاع به حتى في القضايا الدينيَّة، والحث على النظر في الأنفس والآفاق.
٩ - حمل الأُمَّة الإسلاميَّة على قبول مسؤولية الوصاية على العالم، والحسبة على الأخلاق، والاتجاهات، وسلوك الأفراد والأمم، وتحمل مسؤوليَّة القيام بالقسط والشهادة للَّه.
١٠ - الوحدة العقائدية الحضارية العالميَّة) (١).
ثُمَّ شرع المؤلف في شرح هذه المعطيات، في مقارنة لطيفة بين ما جاء به الإسلام وما كانت عليه الأمم من شرك ووثنيَّة، وتأثير الأُمَّة الإسلاميَّة على تلك الأمم في مجال التوحيد (٢)، والأُخُوَّة الإسلاميَّة والإنسانية، وإقرار مبدأ المساواة البشرية، وأثره العالمي، كذلك إعلان كرامة الإنسان وسموه، وشرف الإنسانية وعلو قدرها، ورد الاعتبار للمرأة وإعطاؤها حقوقها وحظوظها والنظرة العادلة إليها من غير إفراط ولا تفريط، مع بيان ما كانت تعانيه في ظل العقائد والشرائع الأخرى من امتهان وحرمان، وبيَّن ما أحاق بالإنسان في ظل العقائد الفاسدة مثل العقائد القديمة في الهند التي دانت بعقيدة التناسخ وفلسفتها، والنصرانية
стр. 693
وعقيدة الخطيئة والصلب والفداء والتثليث، ونحو ذلك من العقائد المنحرفة، حيث أصيب الإنسان تحت وطأتها باليأس من رحمة اللَّه وبسوء الظن بفطرته الإنسانية السليمة، فجاء الإسلام ليعيد للإنسان ثقته بفطرته السليمة، ومواهبه الطبيعية، إذْ (أعلن النبي ﷺ بكل قوة وصراحة أن فطرة الإنسان هي كاللوح الصافي، الذي لم يكتب عليه بعد، ويُمكن أن ينقش فيه أروع نقش، ويحرر فيه أجمل تحرير، وأن الإنسان يستهل حياته بنفسه، ويستحق الثواب والعقاب والجنَّة والنار بعمله، وهو غير مسؤول عن عمل غيره، فقد ذكر القرآن في مواضع كثيرة أن الإنسان مسؤول عن عمله فحسب، وأنه مثاب ومشكور على سعيه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٤١] (١).
وتحدث عن إيجابيَّة أخرى اضطلعت بها الأُمَّة الإسلاميَّة على غير مثال سابق؛ إذ يقول: (إنَّ مِمَّا شهد به التاريخ الإنساني الطويل وعلم النفس والأخلاق، أن الغايات والتعاليم الفاضلة والنماذج العملية الرفيعة، لا تقوم -وإذا قامت لا تدوم- إلَّا إذا كانت وراءها جماعة من البشر -وبالأصح أُمَّة من الناس- تحمل دعوتها، وترفع رايتها، وتجاهد في سبيلها وتمثلها عمليًّا) (٢).
وبعد أن يستعرض ما آلت إليه تعاليم بعض الرسل صلوات اللَّه عليهم، وأنها لم تعش طويلًا لعدم وجود الأُمَّة التي تحمل تلك التعاليم وتمثلها في حياتها (٣)، يؤكد خصيصة الأُمَّة الإسلاميَّة وإيجابية تميُّزها الخيِّرَة في هذا
стр. 694
المضمار؛ حيث أخرج اللَّه الأُمَّة الإسلاميَّة وربطها ببعثة محمد ﷺ لأنَّه آخر الأنبياء والمرسلين ورسالته الرسالة الخاتمة، (فكانت البعثة المحمَّديَّة بعثة مقرونة؛ بعثة نبي مرتبطة ببعثة أُمَّة، فإنَّ اللَّه يصف أمته بصفات لا تنطبق إلَّا على مبعوث -من غير نبوة- مأمور من اللَّه فيقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ويقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]،. . . وجاء في الحديث: "إنَّما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (١). . . وقد نيطت بهذه الأُمَّة مسؤولية الوصاية على العالم، والحسبة والأخلاق، والاتجاهات، وسلوك الأفراد والأمم، ومسؤولية القيام بالقسط والشهادة للَّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبار نفسها أُمَّة تسأل يوم القيامة عن مدى قيامها بهذا الواجب) (٢).
ثالثًا: ومِمَّا اكتسبه العالم من الأُمَّة الإسلاميَّة خلق الرفق والرحمة والتسامح، بعد أن حرَّرَ أممه من القهر والظلم والطغيان، وقد تبين في نقطة سابقة ما ناله الشرق وبخاصَّة الفرس من الخير والعدل والإحسان إبَّان حكم الأُمَّة الإسلاميَّة لهم وانتشار الإسلام فيهم، والآن تحسن الإشارة إلى بعض ما نالته الشعوب المحرَّرة من ربقة الاستعباد الرومي والبيزنطي من إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة الخَيِّرَة، في مجال التسامح الديني، على سبيل
стр. 695
المثال فحسب، فمن المعروف: أنَّ تلك الشعوب كانت -كما قال أحد الباحثين- في حالة من (الذعر والقهر والعسف، والاضطهادات التي تعرضت لها. . . على أيدي الرومان، وطبقة رجال (الإكليروس). . . في الشرق وفي أوروبا) (١).
وذكر أنَّ هذا الاضطهاد اصطبغ بقداسة دينيَّة، واستشهد على ذلك بمقولة (بولس): (باركوا على الذين يضطهدونكم باركوا ولا تلعنوا) (٢)، وبلغ الأمر بهذه التعاليم ونحوها أن اعتنقها رجال الكنيسة ومن بعدهم رجال (الإكليروس)، وتمسك بها الملوك والإقطاعيون (٣)، (وتعاونت طبقة رجال الدين مع الملوك والأمراء على إخضاع الجماهير وإذلالها، واستغلالها أبشع استغلال) (٤).
وعندما سادت الأُمَّة الإسلاميَّة وسطع نورها على آفاق الدنيا بما فيها أوروبا (انتهت موجة الذعر والقهر والعسف والاضطهادات. . . وحلَّ محلها عصر جديد. . . من التسامح. . .، تلك الروح التي كانت هاديًا ومنارًا في عصور كثيرة للشعوب الأوروبية، والتي انبثقت منها روح التسامح في صورتها الحديثة، فالعرب كانوا في الحقيقة أول غزاة طبعوا حضارتهم بروح من العدل والتسامح -النسبي- أثارت إعجاب الشعوب التي اختلطوا بها) (٥).
وقد شهد كثيرٌ من مؤرخي الغرب بعدل المسلمين وتسامحهم مع
стр. 696
أصحاب الديانات الأخرى وفق ضوابط شرعيَّة من شأنها إعلاء كلمة اللَّه، وإرساء قواعد العدل والخير والإحسان، وممن تحدث عن هذا الجانب المؤرخ (ول ديورانت) إذ قال: (كان أهل الذِّمَّة المسيحيون، والزردشتيون، واليهود، والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأمويَّة بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم. . . وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم) (١).
ويقول -أيضًا-: (وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطَّة، اعتنق الدين الجديد معظم المسيحيين، وجميع الزردشتيين والوثنيين إلَّا عددًا قليلًا جدًا منهم، وكثيرون من اليهود. . . . وحيث عجزت (الهلينية) عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي، في هذه الأقاليم كلها انتشرت فيها العقائد والعبادات الإسلاميَّة، وآمن السكان بالدين الجديد، وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله؛ إخلاصًا واستمساكًا أنسياهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدَّة من الصين وإلى مراكش والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث فيهم آمالًا تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعها، وأوحى إليهم العزَّة والأنفة، حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به
стр. 697
في هذه الأيام (نحو ثلاثمئة وخمسين مليونًا) من الأنفس، يوحد هذا الدين بينهم، ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسيَّة) (١).
يتضح من هذا وما سبق الحديث عنه فيما قبله أن خصيصة الإيجابيَّة الخيِّرَة إحدى خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة نال من خيرها ونفعها العرب في المقام الأول، ثُمَّ جاورهم من الشعوب والأمم التي وصلها الفتح الإسلامي وانتشر فيها الإسلام، بل ونال من خيرها ونفعها العالم أجمع، وهي في ذلك كله موصولة باللَّه لأن هذه الإيجابيَّة الخيِّرَة جاءت ضمنًا؛ من خلال سير الأُمَّة الإسلاميَّة إلى ربها، إجابة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩].
* * *
стр. 698
موقف المستشرقين من خصيصة إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة
إذا كانت الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال تميّزها قد شيدت صروح المجد والحضارة، وأسهمت في رقي البشرية، والنهوض بعزيمة الشعوب والأفراد، وبالعمل الصالح، والإصلاح الشامل، وما تنطوي عليه رسالة الإسلام من قيم إيجابيَّة خيِّرَة استظلت الإنسانية بها ردحًا من الزمن، وتدرجت بها في معارج العلم والمعرفة والنور، ودفعت بعجلة التنمية الشاملة أشواطًا كبرى لم يشهد التاريخ لها مثيلًا، رعاية لحقوق الإنسان، وحفاظًا على مكانته، وإسعادًا له أنَّى كان، فإنَّ معظم المستشرقين -من خلال دراساتهم وأبحاثهم التي يروج لها بأنَّها علمية وتوصف بالنزاهة والمنهجية- قد درجوا على القول بأن الأمَّة الإسلاميَّة أُمَّة خاملة تفرض عليها قيمها الدينية -من خلال ما زعموا من الجبر في عقيدتها- واقعًا متخلفًا تهبط معه الهمم، وتستسلم بسببه لأيِّ مصير، ولا تحسن إلَّا الجمود والكسل والخمول والتهالك على الملذات الجسديَّة والدنيويَّة التي يفترون على الإسلام بأنَّه دعا إليها.
(فهذا "رينان" المستشرق الفرنسي يصور عقيدة التوحيد في الإسلام بأنَّها عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم، كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك، على حين أنَّ عقيدة التوحيد مزيَّة الإسلام، وآية على أنَّه الرسالة الكاملة الواضحة لخالق الكون في كونه، كما أنَّها الطريق السليم والوحيد إلى رفع شأن الإنسان وتكريمه؛ لأن صاحب هذه العقيدة لا يخضع في حياته لغير اللَّه، ولا يتوجه في طلب العون إلى غير اللَّه (١).
стр. 699
يقول (رينان) عن عقيدة القدر والاختيار: (المسائل الأساسية في كل دين هي التي ترتبط بالقدر، والمغفرة، والحساب، وهي كلمات ثلاث مصبوغة بصبغة دينيَّة تلقي في النفس الاعتقاد بوعورة المسالك في تفهمها. . . وقد ظهرت على أطلال العالم القديم بعد خمسمئة عام من انقضائه ديانتان: إحداهما ربانية، والثانية بشرية، تمثلان ذينك المذهبين المتناقضين، ولكن بتلطيف في التناقض. . . أمَّا الأولى (الديانة الربانية) -ويقصد بها النصرانية- ومن خصائص هذه الديانة ترقية شأن الإنسان بتقريبه من الحضرة الإلهية، على حين أن الديانة الثانية البشرية: وهي الإسلام المشوبة بتأثير مذهب الساميَّة، تنحط بالإنسان إلى أسفل درك، وترفع الإله عنه في علاء لا نهاية له) (١).
ويقول عن العقل الباطن في ظل الإسلام، وعن عقلية الأُمَّة المسلمة: (إنَّ الدين الإسلامي أخر العقل البشري، وحجبه عن التأمل في حقائق الأشياء بنفوذ زاد مفعول تأثيره عن الأديان الأُخرى، حتى جعل بعض البلاد التي انتشر فيها كميدان لا يعبر البحث عن حقائق الأشياء الذي به يتسع العقل، وزد على ذلك أن عقول أهل هذه البلاد قاصرة من نفسها، وما يتميز به المسلم هو بغضه للعلوم،، واعتقاده أن البحث كفر وقلة عقل لا فائدة فيه) (٢).
стр. 700
وقبل هذا قال عن عقول المسلمين: (كل من ذهب معنا إلى المشرق أو إلى إفريقية رأى أنَّ عقولهم بلغت من الحمق غايته، حتى كأنَّ دينهم صار كنانًا على قلوبهم فحجبها عن أن تعي شيئًا من العلوم والأفكار الجديدة، فلا ترى إلَّا القليل من أولادهم من تشاهد فيه النباهة، لكن إذا بلغ العشر أو الاثنتي عشرة سنة وتعلم العقائد صار متعصبًا في الدين، وأخذ يختال حمقًا على غيره ظانًّا أنَّ هذا هو الحق فيعد نفسه سعيدًا بما اختصه مِمَّا هو في الحقيقة سببًا لانحطاطه) (١).
ولهذا المستشرق (رينان) أقوال كثيرة تحامل فيها على الإسلام وعلى الأمَّة الإسلاميَّة، وحاول أن يحجب بأقواله هذه إيجابيتها الخيِّرة التي شهد بها المنصفون من أبناء جنسه، وكتبوا فيها كتابات مشهورة، وقد يصعب الرد التفصيلي على ما ورد في أقواله من أفكار واتهامات التي إن صدقت على بعض البيئات الإسلاميَّة أو على بعض الفئات أو بعض المراحل التاريخيَّة في حياة الأُمَّة الإسلاميَّة فإنَّها لا تصدق على الإسلام بحال من حيث العقيدة والتشريع والأخلاق والنظام، وهي تتنافى مع تميز الأُمَّة الإسلاميَّة وما اختصَّ به من إيجابية خيِّرة أثبتها التاريخ، وسطَّرتها الأقلام المنصفة، وسيرد بعد قليل ما يوضح ذلك، ويُمكن أن يشار هنا بيانًا لموقف (رينان) وأمثاله إلى ما ذكره (غوستاف لبون) في مؤلفه (حضارة العرب) عن غالبيَّة المستشرقين حينما يكتبون عن الإسلام وتاريخ أُمَّته فكان مِمَّا قال: (نجد المقابلة مدهشة بين الإسلام وسائر المعتقدات التي تزعم مع هذا أنها أسمى منه. .، ورُبَّما تساءل القارئ: لماذا غمط اليوم حق
стр. 701
العرب وتأثيرهم، وأنكر حسناتهم علماء عرفوا باستقلال أفكارهم، وكانوا بحسب الظاهر بمعزل عن الأوهام الدينيَّة، وهذا السؤال قد سألته نفسي، وأرى أن الجواب عليه غير ما أنا كاتب ذلك أن استقلال آرائنا هو في الواقع صوري أكثر مِمَّا هو حقيقي؛ ونحن لسنا أحرارًا على ما نريد في خوض بعض الموضوعات، وهذا لأن فينا أحد رجلين: الرجل الحديث الذي صاغته دروس التهذيب، وعملت البيئة الأدبية والمعنويَّة في تنشئته، والرجل القديم المجبول على الزمن بخميرة الأجداد، وبروح لا يعرف قراره يتألف من ماضٍ طويل؛ وهذا الروح اللاشعوري هو وحده الذي ينطق في معظم الرجال، ويبدو في أنفسهم بمظاهر مختلفة، يؤيد فيهم المعتقدات التي اعتقدوها، ويملي عليهم آراءهم، وتظهر هذه الآراء بالغة حدًّا عظيمًا من الحريَّة في الظاهر فتحترم) (١).
ويواصل قوله: (لا جرم أن أشياع محمد كانوا خلال قرون طويلة من أخوف الأعداء الذين عرفتهم أوروبا، فكانوا بتهديدهم الغرب بسلاحهم في عهد شارل مارتيل، وفي الحروب الصليبية، وبعد استيلائهم على الآستانة، يذلوننا بمدنيتهم الساميَّة الساحقة، وإلى أمس الدابر لم ننج من تأثيراتهم، ولقد تراكمت الأوهام الموروثة المتسلطة علينا، والنقمة على الإسلام وأشياعه في عدة قرون، حتى أصبحت جزءًا من نظامنا، وكانت هذه الأوهام طبيعة متأصلة فيها، كالبغض الدوي المستتر أبدًا في أعماق قلوب النصارى لليهود، وإذا أضفنا إلى أوهامنا الموروثة في إنكار فضل المسلمين هذا الوهم الموروث أيضًا النامي في كل جيل، بفعل تربيتنا المدرسية الممقوتة، ودعوانا أن جميع العلوم والآداب الماضية أتتنا من
стр. 702
اليونان واللاتين فقط، ندرك على أيسر سبيل أن تأثير العرب البليغ في تاريخ مدنية أوروبا قد عم تجاهله) (١).
ويؤكد (لوبون) (أنَّه كان للمدنية الإسلاميَّة تأثير عظيم في العالم، وتم لها هذا التأثير بفضل العرب، بل بصنع العناصر المختلفة التي دانت بالإسلام، وبنفوذهم الأدبي هذبوا الشعوب البربرية التي قضت على الإمبراطورية الرومانية، وبتأثيرهم العقلي فتحوا لأوروبا عالم المعارف العلميَّة والأدبيَّة والفلسفية، وهذا ما كانت تجهله، وعلى ذلك كان العرب ممدّنينا وأساتذتنا مدّة ستمئة سنة) (٢).
وكان ثمة رد آخر خص به (غوستاف لوبون) المستشرقون (إرنست رينان) مفندًا زعمه أن الإسلام كان يقيم عائقًا حيال تقدم العلوم! ففي محاضرة ألقاها (رينان) في (السوربون) في ٢٩ آذار (مارس) ١٨٨٣ م، وضمنها فيما بعد كتابه: (الإسلام والعلم)، المطبوع في باريس سنة ١٨٨٣ م، أراد إثبات مناقضة الإسلام للعلوم، ولكنه لم يستطع أن ينكر ما اتفق للعلوم من ازدهار في البلدان الإسلاميَّة في قرون كثيرة، وبما كان لمفكري الإسلام من نفوذ دائم مارسوه في أوروبا في القرون الوسطى، ولكنه عزا ذلك التقدم والنفوذ إلى تقصير البيزنطيين في حفظ التراث العلمي، وإهمالهم له بباعث من تدينهم القائم على الجهل، فحالوا بذلك دون نفوذ الحضارة القديمة التي كانوا مؤتمنين عليها فى الغرب مباشرة. ولو كانوا حفظةً على هذه الحضارة علمًا بها وفهمًا لها وحرصًا على الاستفادة منها؛ لما كان هنالك اضطرار إلى تلك (الدورة العربيَّة) التي
стр. 703
وصل العلم اليوناني بها إلينا في القرن الثاني عشر مارًا من سورية وبغداد وقرطبة وطليطلة.
وكان مِمَّا رد به (غوستاف لوبون) على رينان قوله: (أراد مسيو رينان أن يثبت -في محاضرته- عجز العرب، ولكن ترهاته كانت تنقض بما يجيء في الصفحة التي تليها.
فبعد أن قال مثلًا: إن تقدم العلوم مدين للعرب وحدهم مدة ستمئة سنة؛ عاد فزعم أن الإسلام اضطهد العلم والفلسفة، وقضى على الروح في البلاد التي دانت له،. . .) (١).
ويرى بعض المستشرقين بأنَّ الأمَّة الإسلاميَّة بحكم سلبيتها ورجعيتها لا تصلح إلَّا أن تقاد، وقد كان الاستشراق وراء نشر هذا المبدأ الاستعماري، وفرض التبعيَّة للحضارة الغربية عليها يقول (جيب): (إنَّ العالم الإسلامي له حق الاختيار في تحديد طبيعته في الحياة، ولكن بعد أن يتابع الفكر الغربي، ويخضع لقوانينه الوضعية) (٢).
стр. 704
وحيث إن من المستشرقين من تصدى للكتابة عن إيجابية الأُمَّة الإسلاميَّة، وأبرز جوانب الريادة والسيادة فيها، وأنصف تاريخها في الإسهام الحضاري ونشر العلم والمعرفة وتنمية الحياة البشرية على خير وجه، فقد جاءت مثل هذه الكتابات ردًا مفحمًا -باستخدام المناهج الاستشراقية نفسها- على المتحاملين على الإسلام وأمجاده وتاريخ الأمَّة الإسلاميَّة وحضارتها ويذكر هنا نموذجان (١) -فقط- من المؤلفات التي عالجت هذا الجانب:
النموذج الأول:
كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) (٢) لمؤلفته (زيغريد هونكة)، وقد حاز هذا الكتاب شهرة واسعة ما بين مادح له وقادح فيه؛ حيث انبرى عددٌ من النقاد الأوروبيين لمهاجمة المؤلفة وكتابها واتهامها بالتعصب
стр. 705
للعرب والتحيز لهم، وفي مقابل ذلك انبرى آخرون للدفاع عنها، وتأييد ما توصلت إليه من نتائج، وقررته من ثناء على الحضارة العربية.
بينت المؤلفة في مقدمة كتابها: أنها تود: إنصاف الحضارة العربية بعد أن تعرضت لظلم الدارسين الغربيين، وأن أقصى ما اعترفوا به: (أنَّ العرب نقلوا كنوز القدامى إلى بلاد الغرب) (١)، ورأت أنَّ هذه المقولة لا تعدو أن تجعل للعرب في الواقع دور (ساعي البريد فقط)، وأنها تقلل من قدر دورهم الحضاري، وتطمس الكثير من حقائق تاريخهم.
والحقيقة كما تقول المؤلفة: (أنَّ هذا الشعب رائدٌ لغيره من الشعوب في أنحاء الدنيا في غضون سبعمئة وخمسين عامًا، وحاملٌ مشعل الثقافة ردحًا جاوز عصر الإغريق الذهبي بضعفيه أكثر من أي شعب آخر، كما بينت (فضل الحضارة العربية على الإنسانية، وتميزها عن الحضارات السابقة بعدد من الصفات النبيلة) (٢)، وأوضحت: (مدى تأثُّر الحضارة الغربية بالحضارة العربية، ودورها في حفظ التراث الحضاري للإنسانية جمعاء، وإبداع العلماء في ظل هذه الحضارة في تصحيح عددٍ كبير من المفاهيم الثقافية والحضارية، وما أضافوا من إنجازات مهمَّة في خدمة الإنسانية، ظلت تُدَرَّس في أوروبا إلى عهد قريب. . .) (٣).
ومِمَّا عنت به كذلك دراسة المراكز العلمية للاتصال بين الحضارتين مثل الأندلس وصقلية والبندقية وجنوب فرنسا وإيطاليا، وكذا الأحداث التاريخية التي سببت الاحتكاك الحضاري وبخاصة الحروب الصليبية (٤).