← Каваид фикха

Каваид фикха · id 16820

شرح القواعد السعدية

عبد المحسن الزامل

Полный текст (286 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهذا في صحيح مسلم وله شاهد من حديث جابر (١)، ومن حديث أبى هريرة وهما شاهدان جيدان، وله شواهد كثيرة تدل على أن الحق يثبت بالشاهد مع يمين

стр. 107

صاحب الحق، هذه بينة عند جماهير أهل العلم. وقال آخرون: إن البيّنة كل ما يبيّن الحق ويوضحه سواء كانت هذه الإثباتات

стр. 108

المذكورة، أو هذه البينات أو غيرها فكل ما يبين الحق فهو بيّنة. وقالوا:: إن ما ذكر في الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١) هذا ليس في القضاء بالحق إنما هو في إثبات الحق، وفرق بين القضاء في الحقوق وتمييز الحقوق وبيان أصحابها وبين إثبات الحقوق لأهلها. من أراد أن يعقد عقداً من بيع أو إجارة، أو أراد أن يسلف إنسانًا أو ما أشبه ذلك، فعليه أن يتوثق ويثبته بأعلى البينات برجلين أو رجل وامرأتين، ولكن في القضاء والحقوق، وفي الفصل في الحقوق والفصل في الخصومات قد تكون البينة أعم من هذه الأشياء، والله ذكرها في معرض إثبات الحقوق لا في معرض الفصل في الخصومات؛ لهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن البينة التي تُبيِّن الحقَّ تكون بأشياء كثيرة غير هذه الأشياء؛ ولهذا قالوا إنه في أشياء كثيرة قررت الشريعة القرائن، فإذا وجدت قرائن؛ يحلف معها صاحبها. مثال ما في القسامة وهي إذا ما ادعى قوم أن رجلاً قتل رجلًا منهم وكان هنالك شيء من العداوة بينهم، أو وُجد القتيل في هذا الحي، ورُؤي رجلٌ هارباً وهو متلطخ بالدماء ومعه آلة قتل، وإن لم يُرَ أنه قتل فإن هذه قرينة تقوّي جانب المدعي، لأجل هذا يحلفون خمسين يمينًا مع هذه القرينة، وإن لم تكن شهادة بالعين أنهم رأوه حال قتله إنما هي قرينة تبيّن أن هذا قتل أو كان وجد القتيل في مكان

стр. 109

أعداء له هذه قرينة فيحلف أولياء القتيل خمسين يميناً ويستحقون دم المتهم بالقتل، قالوا: هذا يبيّن أنّ البيّنة أعم من أن تكون بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، أو رجل ويمين طالب الحق، فإذا قوي جانب المدعى كانت اليمين معه، فلأجل هذا قالوا: إن اليمين تكون في جانب من كانت حجته قوية، وهذا الأصل أقوى، فمن كان جانبه أقوى فاليمين معه، فيحلف ويستحق ما ادّعاه، قالوا هذا الأصل الذي تقرر. فإن قالوا: ماذا تقولون في قوله ﵊: "البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر" (١) ظاهر الحديث العموم في جعل اليمين في جانب المنكِر، فالجواب عن هذا الحديث: ١) أن هذا الحديث الذي أخذ منه هذه القاعدة أنها لا تصح على العموم؛ لأنها مستندة إلى حديث لا يثبت، وفي كثير من الأحاديث ثبت اليمين في جانب المدعى إذا كان هناك قرينة تقوي جانبه. ٢) أن هذه القاعدة المأخوذة من الحديث تكون من باب العموم والخصوص، فالأصل أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر إلا ما دل الدليل على خلاف ذلك. ٣) أن هذا الحديث في الدعوى المجردة التى ليس فيها إلا مجرد الدعوى، وهذا الجواب أصح فكل من ادّعى دعوى باستحقاق شيء مثل لو قال: أنا أطلب فلاناً

стр. 110

ألف ريال، أو أن هذا البيت الذي في يد فلان لي، نقول: عليك البينة، هذا إذا كانت مجرد دعوى، وليس هناك أي قرينة تعضدها، فإذا كان المدعي ادعى وليس هناك بينة، نقول: ائت ببينة لأن جانبك ضعيف، والدعوى كل يدّعيها، فلو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى أناس دماء أقوام وأموالهم لكن البينة على المدّعي، فلذلك هذه الدعوى ضعيفة، أي شيء يبطلها هذا إذا لم يكن هناك بينة، فنقول للمدَّعَى عليه: عليك اليمين. إذن نفهم أن هذا الحديث في الدّعاوى المجردة التي لا يقويها شيء، أما اٍ ذا عضد جانب المدّعِي قرينة من القرائن فإن دعواه تعضد بيمينه ويستحق ما ادّعاه، ولأجل هذا ذهب جمع من أهل العلم إلى القضاء بالنُّكول أو بالنُّكول والردّ، واكتفوا بمجرد نكول المدّعَي عليه، وبعضهم اشترط مع النكول رد اليمين ولم يقولوا لابد من البينة من جانب المدّعِي. ومعنى هذا لو أن إنساناً ادّعى على إنسان سيارة، وأنه يملكها، أو أنه يطلب إنساناً ديناً في ذمته وليس عنده شهادة تُبيِّن حقه، في هذه الحال كما قلنا إما البينة أو يحلف الخصم، فَنَكَلُ الخصم أن يحلف، والنُّكول بمعنى الامتناع، فلما رفض أن يحلف قَويَ جانب المدّعى، في هذه الحال ماذا نعمل؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يُجبر على الحلف ويُحبس حتى يحلف، اعتماداً على هذا الأصل وهذه القاعدة، وهو أن اليمين على المدّعى عليه، وهذا قول كثير من

стр. 111

أهل العلم. القول الثاني: أنه يقضى بالنُّكول، فبمجرد امتناع المدعى عليه فتقضي بهذا المال للمدعى وتكون هذه هي البينة، وهذا هو قول أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد - رحمهما الله -. القول الثالث: أنه يقضى بالنُّكول مع رد اليمين، فإذا رفض المدّعَى عليه أن يحلف نرد اليمين على المدّعِي، فلا نقول إن الأصل أن اليمين تكون في جانب المدعى عليه، بل في الجانب الأقوى، وهذه الحال قوي جانبك أيها المدعِي فاحلف على دعواك هذه ونسلمك هذا المال. ولقد جاءت قضايا عن الصحابة تؤيد هذا الأصل عن عثمان وابن عمر ﵃ أنهم حكموا بمثل هذه القضايا، وبعض القضايا حكموا بمجرد النكول وهذا له حال وهذا له حال، المقصود أنهم جعلوا نكول الخصم وامتناعه عن الحلف بينة إضافة إلى رد اليمين على المدعِي، فلأجل هذا نقول أن البينة ما يبين الحق ويوضحه، فإذا ظهر وبان، فإن هذه هى البينة، سواءً في جانب المدعى أو المدَّعى عليه، فمن قوي جانبه حلف وهذا مثله، وهذا يؤيده قوله ﵊:"أنه قضى باليمين والشاهد" (١) لم يجعل القضاء بالحق مجرد رجلين، أو رجلاً وامرأتين بل جعله شاهداً ويميناً لأنه قَوِيَ جَانِب طالبِ الحقِّ ومدّعيه

стр. 112

بشاهده، فنجعل الشهادة إثباتاً، ونضيف إليها اليمين فيقضى له بالحق، وهذا الأصل هو الذي تدل عليه الآثار المنقولة عن الصحابة ﵃، بل والأخبار المنقولة عن النبي ﷺ في هذا الباب، وأن الجواب عن هذا الحديث هو ما سبق الإشارة إليه، وأن أحسن الأجوبة فيه أن هذا في الدعوى المجردة التي لا يسندها شيء، فنقول: إذا كانت مجرد دعوى لا يسندها شيء، ولا يؤيدها شيء فالبينة على المدّعى واليمين على من أنكر، كما في هذه القاعدة التى دلَّ عليها حديث ابن عباس ﵁. قوله: "في جميع الدعاوى والحقوق وغيرها": الدعاوى: هى طلب استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته. إنسان يدعى أنه يستحق هذا البيت في يد رجل، أو هذا البستان، أو هذه الأرض، أو حقاً من الحقوق، أو أنه يدّعي حقاً في وقف، أو أن له مالاً في ذمة الرجل، هذه هي الدعاوى. وظاهر عبارة المصنف: أن البينة على المدّعى واليمين على من أنكر في جميع الدعاوى والحقوق، وأن كل من ادّعى دعوى فعليه إثبات البينة، أو يحلف من ادعى عليه عند عدم البيّنة. وهذه المسألة فيها خلاف كثير لأهل العلم ليس هذا محل ذكرها، ولكن مجرد إشارة إلى هذه القاعدة نشير إلى شيء يسير يوضح كلام المصنف ﵀ وذلك أن بعض أهل العلم قال: إن في بعض الدعاوى لا يُحلَّف المدَّعَى عليه،

стр. 113

واختلفوا في هذه الأشياء، مذهب الإمام أحمد ﵀ قالوا: إن كثيراً من الدعاوى لا يُحلّف فيها مثل النكاح والطلاق والإيلاء وذكروا أشياء كثيرة وقالوا: إنه لا يحلَّف فيها، فمن ادّعى نكاح امرأة وأنه تزوجها وأنكرت المرأة لا يقال أنها تحلف، وإذا ادّعت المرأة على زوجها أنه طلقها وأنكر قالوا: لا يمين عليه، وأن اليمين لا تجري في الطلاق والنكاح، وكذلك إذا ادعت المرأة أنه استرجعها وأنكر ذلك، قالوا: لا يدخلها اليمين، أو ادعت أنه آلى منها، وحلف ألاّ يجامعها فإنه لا يحلَّف إذا أنكر، وذكروا أشياء كثيرة نحو تسعة أشياء واختلفوا في بعضها، وبعضهم قال: إنه يحلَّف في مثل هذه الأشياء، وهذا محل خلاف بينهم. المقصود أن بعضهم قال يُحلَّف في جميع الدعاوى والبينات لعموم القاعدة في هذا الباب المستندة لهذا الحديث، وأن كل دعوى ينكرها المدَّعى عليه فعليه اليمين لعموم هذا الحديث. وبعضهم قال لا يحلَّف في هذه الأشياء، فهناك أشياء اتفق على أنه لا يحلَّف فيها، منها أمور العبادات، وهناك أشياء اختلف فيها وهناك أشياء محل اتفاق من أهل العلم في هذه المسألة. وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يُحلّف في جميع الدعاوى والحقوق لعموم هذا الحديث، وذكروا أدلة أخرى عليه، ولا شك أن هذا القول له قوته، وقد فصّله أهل العلم في أبواب الفقه.

стр. 114

المقصود أن هذه القاعدة ملَخّصها أنّ كلّ من ادّعى دعوى فعليه البيِّنة، حتى في العقود والفسوخ.

стр. 115

القاعدة الحادية عشر الأصل بقاء ما كان على ما كان، واليقين لا يزول بالشك هذه القاعدة أصل عظيم في أبواب الفقه، وهى من أعظم القواعد عند أهل الفقه، وتدخل في غالب أبواب العلم، أو ثلالة أرباعه، كما قال بعضهم، وأصلها ما في الصحيحين عن عبد الله بن زيد قال: شكى إلى النبى ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً" (١)، وجاء في معناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة، وهذا أصل عظيم أن من استيقن شيئاً فإنه لا يزول عن هذا اليقين إلا بيقين مثله، واليقين لا يزيله الشك، بل اليقين لا يزيله إلا اليقين. فمن استيقن الطهارة فالأصل بقاء الطهارة وصحة الطهارة، حتى تزول بيقين الحدث، ومن تيقن طهارة الثوب فهو طاهر حتى يزول اليقين بوقوع النجاسة عليه وعكسه أيضاً، فمن تيقن الحدث فإنه لا يحكم له بالطهارة حتى يتيقن من الطهارة، فمن علم أنه أحدث فالأصل بقاء الحدث. فمن أحدث قبل الصلاة فشك هل هو توضأ أم لا؟ فالحدث قائم حتى يتيقن أن الحدث زال بالطهارة، كما قلت في المثال السابق لو أنه تطهر للصلاة أو غيرها

стр. 116

فهو تيقن الطهارة ثم بعد ذلك شك هل أحدث أم لم يحدث؟ نقول الأصل بقاء الطهارة، أو لم يشك حصل عنده غلبة ظن، قال: أنا متيقن للطهارة لكن يغلب علي ظنى أنى محدث، نقول لا يزول اليقين بغلبة الظن، ومسألة غلبة الظن مع اليقين فيها تفصيل - أيضاً -، في بعض الأحيان قد يترك اليقين إذا قوي الظن وضعف اليقين، وقد يقوى الظن ويزداد حتى يضعف الأصل، فإذا ضعف الأصل لم يكن يقيناً، لكن المقصود أنه ما دام يقينه موجوداً بوجود الطهارة أو موجوداً بوجود الحدث، فالأصل بقاءه في طهارة الثوب من النجس أو البقعة أو غيره، فلو أراد أن يصلي في هذه البقعة، وقال يمكن أنه بال عليها إنسان أو حيوان غير مأكول اللحم، وقال: سوف اجتنب هذا المكان، نقول له: بل صلِّ في هذا المكان، ولا تجتنبه بمجرد الشك، فالأصل بقاء طهارة هذه البقعة، وطهارة هذا المكان حتى تتيقن نجاسته إما برؤيتك، أو بإخبار من يُقبَل خبره بأن هذا نجس، المقصود أن هذا الأصل باقٍ واليقين لا يزول بالشك. كذلك لو أن شخصاً أصابه ماء في طريق أو وطئ بقدميه ماءً، فقال: يمكن أن هذا الماء فيه نجاسة، سوف أحكم بنجاسته وسوف أغسل قدمي، نقول له: لا تغسل قدميك؛ لأن الأصل الطهارة، إلا إذا قامت قرينة تدل على ضعف الأصل، مثل أن يكون هذا الماء فيه رائحة نجاسة، أو أن هذا الماء يجري من موضع نجاسة، أو عرف أن هذا المكان تجري معه النجاسات، فهذا الأصل يزول أو يضعف فيُعمَل بالدليل أو القرينة التى دلّت على ضعف هذا الأصل.

стр. 117

المقصود أن هذا أصل عظيم في بقاء ما كان على ما كان، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة ذكرها أهل العلم، ومن أهم فروعها: ١) إذا تعارض الأصل والظاهر فهو قسمان: الأول: إذا كان الظاهر حجة يجب قبولها وجب تقديمه على الأصل. مثال: الأصل براءة الإنسان من الدَّيْن، فلو قال إنسان: أنا أطلب فلاناً شيئًا من المال، نقول: الأصل براءته، وإذا أنكر يحلف، فإذا قال: عندي شاهدان وهذه بيّنة تزيل هذا الأصل، في هذه الحالة هل يُلتَفت إلى الأصل، أو يترك؟، نقول: لا يُلتَفت إليه، فإذا كان الظاهر حجة يجب قبولها فإنه مقدَّم على الأصل بالإجماع، فلا نقول الأصل بقاء ما كان. هذا الأصل الذي استصحبناه زال؛ فنقدم هذه الحجة عليه ونبطله فلا يعتبر؛ لوجود الدليل على ذهاب هذا الأصل الذى استصحبناه. الثاني: إذا لم يكن الظاهر حجة شرعية لا يجب قبولها فإننا في هذه الحال نقدم الأصل تارة، وتارة نقدم الظاهر، وتارة يُخَرّج في ذلك روايتان، مثاله فيما أشرنا إليه قبلُ في تقديم الأصل إذا تعارض الأصل والظاهر، فلو شك إنسان في طهارة ماء، هل هو نجس أم لا؟، الأصل الطهارة، ولا نلتفت إلى هذا الشك وإن كان هذا الماء قد يقع عندنا شك أنه ترده الكلاب، لكن لم نقطع بهذا، إنما عندنا شك فلا نلتفت إلى هذا الظاهر بل نلغيه؛ لأنه ظاهر ضعيف لا يعتمد عليه، فنلتفت إلى الأصل.

стр. 118

ويقدم الظاهر على الأصل، مثاله: إنسان لما فرغ من صلاته حصل عنده شك بعد السلام، هل صلى ثلاثاً أم أربعاً في الظهر؟، وقد يقوى الشك بالقرائن، أنه زاد فيها، نقول: الأصل في هذه الحالة بقاء الصلاة في ذمته، والأصل أن الصلاة لم تصح، أو أنها لم تتم، ولكن الأصل هذا لا يتلفت إليه بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن الظاهر من المصلى أنه أدى الصلاة على الوجه المطلوب، وما دام هذا الشك لم يعرض له إلا بعد الفراغ من الصلاة فلا يلتفت إليه. مثال آخر: إنسان صائم، وعنده قرائن تدل أن دخول وقت المغرب قد حان، فنقول اعمل بهذه الظواهر فأفطر، وإن كان الأصل أن الشمس لم تغرب، ولكن هذا الأصل تركناه لهذا الظاهر الذي قوته هذه القرائن، وإذا تعارض الأصل والظاهر يخرج فيها روايتان كما قال أهل العلم، فمنهم من قال يقدم الأصل، ومنهم من قال يقدم الظاهر. مثال: مثل ما ذكرنا في المثال السابق، المياه الجارية في الشوارع هل هى نجسة أم لا؟، قال بعضهم: أنه يخرّج فيه روايتان، وقال بعضهم: إن الأصل طهارته. ومثال آخر: ثياب وأواني الكفار هل هي نجسة أم طاهرة؟ فبعضهم قال إنها طاهرة؛ لأن الأصل الطهارة، وبعضهم قال: هى نجسة لأن الكافر لا يتورع عن النجاسات في بدنه وثيابه، وبعضهم فَصَّل فقال: يُفرّق بين الثياب التى تلى عوراتهم فيُحكَم بنجاستها لأنه يَقْوَى الظاهر، ويغلب على الظن بنجاستها،

стр. 119

وما لم تلِ عورأتهم فإنها طاهرة، فلذلك نقول إذا علم نجاسته كان نجساً، وإذا علم طهارته كان طاهراً، وإذا شك فإنه لا عبرة بالشك حتى يزول الشك باليقين، هذه تفاصيل قاعدة تعارض الأصل مع الظاهر.

стр. 120

القاعدة الثانية عشر لابد من التراضي في عقود المعاوضات والتبرعات والفسوخ الاختيارية وهذا الأصل محل إجماع من أهل العلم في جملة أحكامه وأن التراضى لابد منه، وأنه لا تصح العقود والفسوخ إلا إذا كانت عن اختيار، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقال ﷺ : "إنما البيع عن تراض" (٢)، وهذا محل إجماع كما سبق، لكن اختلفوا في بعض مسائله وهو ما يتعلق بالتراضى، فجمهور أهل العلم يقولون لابد من الرضا في جميع العقود، فالمكرَه الذي أكره على عقد من العقود لا يصح، فإن كان الإكراه في عقود مالية فهذا محل اتفاق، فمن أكره على

стр. 121

بيع شيء أو أُكره على إجارة شيء فلا يصح العقد وهو باطل؛ لأنه عن غير تراض، ولا يجوز أخذ المال بغير طيب نفس صاحبه، أو إخراج الحق من غير طيب نفس صاحبه، فهذا عقد يجب إبطاله، هذا ما يتعلق بالعقود المالية وهو محل اتفاق من أهل العلم. أما غير العقود المالية فقد ذهب الجمهور - أيضاً - إلى أنها لا تصح إلا بالتراضى، فمن أجبر على النكاح أو على الطلاق أو على ارتجاع زوجته أو أي مسألة لا يجري فيها المال، وكذلك لو أجبرت المرأة على نكاح رجل، فإنه على الصحيح لا يجوز إجبارها كما هو مذهب جمهور أهل العلم إلا إذا كانت ما صغيرة دون التسع فإنه لا إذن لها، فيجوز لأبيها أن يُنكِحها من هو كفؤٌ لها؛ لأنه لا يجوز له أن ينكحها من ليس كفؤاً لها، أما إذا بلغت التسع فالصحيح أنه لا يجوز إلا بإذنها. والأحناف يقولون في مسألة الطلاق أنه من أكره على طلاق أو رجعة أنه يصح أن يعامل بالظاهر، ولا يلتفت إلى إرادته ولا نيته، لكن الصواب هو قول الجمهور كما سبق، وهذه القاعدة عامة في جميع العقود والفسوخ الاختيارية. مسألة أخرى تتعلق بالرضا، الرضا يعرف بطرق منها: ١) اللفظ: فكيف نعرف رضا البائع والمشتري؟، نعرف رضاهما بالإيجاب والقبول، يقول البائع: بعتك، ويقول المشتري: اشتريت أو نحوها، فلا يُعلم الرضا إلا باللفظ؛ لأن الرضا أمر خفى لا يعلم، وهذا هو أعلى الطرق وأوضحها، واللفظ على الصحيح ليس محصوراً بلفظ معين، فكل ما اتفق عليه

стр. 122

الناس وعَدُّوه بيعاً يكون بيعاً، فلا يشترط فيه صِيغٌ خاصة في الإيجاب والقبول، وهذا هو ظاهر مذهب جمهور السلف - رحمة الله عليهم - وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀، وهو مذهب الإمام مالك ﵀ وهو أن العقود تكون بكل ما يدل على التراضى، لأن المقصود هو رضا المتعاقدين، ورضاهما لا ينحصر في شيء معين، وعقود الناس تختلف، فالعربي يكون بلغته، والأعجمى يكون بلغته، فدل على أنه لو كان هناك صيغة معينة لوجب على الأعجمي أن يتعلمها فيكون من باب التعبد، ولا شك في أن العقود ليست من باب التعبد بل هي معقولة المعنى، فإذا تعارف الناس على صيغ معينة صح العقد بها لأن المقصود هو الرضا، فإذا ظهر الرضا تم العقد. ٢) الفعل: وهذا يبين ويؤيد ما أشرنا إليه وهو أنه لا يشترط أن يكون بالقول، وعلى هذا يصح البيع بالمعاطاة، وبه نعلم رضا المتبايعين، والمعاطاة هي مجرد فعل، واختلف أهل العلم فيها، ذهب بعضهم إلى أنه لا يصح البيع بالمعاطاة مطلقًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵀، فمن أتى إلى الخبّاز مثلاً وأعطاه ريالًا فأعطاه خبزاً بدون أن يلفظا بالعقد، فقول كثير من أهل العلم أن هذا البيع لا يصح، وقالوا لأن هذا ليس فيه دلالة على الرضا، بل هو مجرد فعل ومعاطاة، هذا هو القول الأول. القول الثاني: أنه يصح إذا كان الفعل من أحدهما والقول من الآخر، مثل لو قال البائع: خذ هذه السلعة بكذا، فأخذها فسلّم المشتري المبلغ.

стр. 123

القول الثالث: أنه يصح مطلقًا، وهذا هو الصواب، فيصح بالمعاطاة منهما بدون أن يتلفظا بالعقد. القول الرابع: أن المعاطاة تصح في المحقَّرات، أي في الأشياء التى يكثر فيها التعامل، فقالوا هذه من الأشياء اليسيرة التى تكون دائمًا، فتصح فيها المعاطاة. لكن الصواب كما قلنا إن المعاطاة تصح في جميع العقود، سواء كانت من المحقَّرات أم من الأشياء الكبيرة، لأنه إذا علم الرضا بالقرائن الدالة عليه حصل المقصود من العقد، ولأجل هذا كان الصواب في مسألة النكاح أنه ليس خاصًا بلفظ أنكحتك، ويقول الزوج قبلت أو رضيت، أو ما أشبه ذلك، فبعض الناس قد يقول جوزتك بدل زوجتك، فهم يقولون لا يصح، لابد أن يقول زوجتك، وهذا لا شك أنه قول ضعيف، والصواب أنه يصح بكل لفظ يدل على الرضا، ويقولون أيضًا في مسألة الهبة لا يكفى فيها مجرد التسليم، فلو أن شخصًا أعطى شخصًا كتابًا وعَلِمَ الآخذ أنه يريد أن يهبه إياه، قالوا: لا تصح هذه الهبة ولا زال الكتاب على ملك الواهب، فلو أراد أن يستردّه له ذلك؛ لأن العقد لم يصح ولو أنه ضاع لضمنه؛ لأنه أشبه بالمغصوب فهو أمانة عنده، لكن المقصود كما قلنا أنه يُكتفى فيها بما يدل على الرضا في جميع أنواع القعود. ٣) الكتابة: فإذا كتب العقد بيده برضاه فإنه يدل على الرضا. ٤) الإشارة: يكتفى بها في حق الأخرس، أما غير الأخرس ففي مسألة

стр. 124

النكاح لا يُكتفى بالإشارة بل لابد من شيء واضح، لأن الإشارة ليست من الدلالات التى تدل على الرضا، وفي البيع اختلفوا فيها، هل يكتفى بالإشارة أو لا يكتفي بالإشارة؟ محل خلاف ٥) السكوت: مثل سكوت المرأة البِكر إذا زُوجت، كما ثبت في الصحيحين: "إذنها سكوتها"، وفي لفظ "إذنها صُماتها" (١)، لكن قد يقول قائل: أليس من القواعد الفقهية: "لا يُنسب إلى ساكت قول"، نقول صحيح لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض البيان حجة، فسكوتها في هذه الحال حجة لأنها لو لم ترض لم تسكت، لأننا نطلب منها أن تُبيّن، فإذا سكتت كان حجة كما سبق. المسألة الأخيرة في هذا الباب، وهي أن هناك أشياء لا يشترط رضا الإنسان فيها، وهي العقود التى يجبر عليها، مثل أن يجبر على سداد الدَّين الذي عليه،

стр. 125

وهو ملئ، وقد حَلَّ الدَّين، على تفصيل مذكور في كتب الفقه. ومنها أيضًا القسمة إذا كانت قسمة إجبار، مثل أن يكون هناك عقارٌ مشتركٌ بين رجلين، وقسمة الإجبار هي التى لا رد فيها ولا تعديل، مثل أن يقسم هذا البيت أو هذه الأرض يدون أن يكون هناك ضرر على أحدهما، لكن لو كان هناك ضرر فهي قسمة تراضٍ ليست قسمة إجبار، ولا يُجبر على القسمة بل لابد من رضاهما. أما إذا كان فيها تعديل مثل أن تكون الأرض غير مستوية، وبعضها أحسن من بعض، أو بستان، وفي جهة من جهاته بئر، فجعلنا ثلثي البستان من هنا، والثلث الذي فيه البئر من هنا، فجعلنا زيادة الثلث مقابل ما فيها من البئر، فهذه فيها تعديل، فلا يكون هذا إلا بالرضا لأنه قد يرضى وقد لا يرضى أو كان فيه رد، مثل أن تكون هذه الأرض جزءٌ منها يساوي مائة ألف، والجزء الآخر يساوي خمسين ألفًا فيدفع هذا الزيادة لعدم التكافؤ، فهذه أيضًا ليست قسمة إجبار بل هى تراض لأن فيها ردًّا. المقصود أنه إذا كانت قسمة إجبار فإنه لا يشترط رضاه في العقد بل يجبر على

стр. 126

القاعدة الثالثة عشر الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي وهذا شامل لإتلاف النفوس المحترمة والأموال والحقوق، فمن أتلف شيئًا من ذلك من غير حق فهو مضمون سواء كان متعمداً أو جاهلًا أو ناسيًا. الإتلاف: هو التعدي على مال الغير بمباشرة أو تسبب، وقد يكون خطأ، وقد يكون عمداً. وهذا يكون بفعل الإنسان بخلاف التلف فإنه أعم كما سيأتي في القاعدة التى بعدها، فإن التلف قد يكون بفعل المكلف أي يفعله مباشرة، ويكون بفعل الله كآفة سماوية، والأصل في حكم الإتلاف التحريم وأنه لا يجوز إتلاف النفوس المحرّمة مسلمًا كان أم كافراً بخلاف الحربي، وهذا هو القسم الأول من أنواع الإتلاف. القسم الثاني: الأموال المحترمة، فإنها أيضاً لا يجوز إتلافها، ولكن حرمة دم المسلم وماله أعظم إلا ما أذن به الشارع، وقد يكون واجباً كإتلاف الخنزير، وكذلك العقوبة المالية، لكن ليست واجبة بل هي حسب المصلحة، ثم هو إتلاف مستحب وهو على الصحيح لم ينسخ خلافاً لقول الجمهور أن العقوبة المالية منسوخة، فمن تجاوز بعض الحدود الشرعية يجوز عقابه بإتلاف شيء من ماله،

стр. 127

والأدلة على ذلك كثيرة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهي نحو خمسة عشر دليلاً منها: ما جاء في حديث بهز بن حكيم: "إنَّا آخذوها وشطر ماله" (١).

стр. 128

ومنها - أيضًا - ما جاء في حديث عمر - رضى الله عنه - في إحراقه بيت رويشد الثقفى الذى كان يبيع فيه الخمر (١)، وما جاء عنه أيضًا - رضى الله عنه - أنه أمر بإحراق قصر الإمارة بالكوفة لسعد بن أبى وقاص (٢)، وكذلك إحراق موسى

стр. 129

- ﵊ لعجل السامري، إلى غير ذلك، المقصود أنه غير منسوخ بل هو مشروع. وكذلك إتلاف الخمر وآلات الملاهى عند جماهير أهل العلم وهو أنه يشرع إتلافها ويجب في بعض الأحيان، والصواب أن الخمر ليس فيها شيء محترم. ثالثاً: مما يتعلق بالإتلاف إتلاف في حال المخمصة: مثل إنسان حصلت له مخمصة وجوع شديد، ووجد مال مسلم ولم يستأذن صاحبه لأنه غير موجود، فإنه في هذه الحال له أن يأكل من هذا المال ولا يشترط إذنه، فله إتلافه بالأكل لأنها ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، فيجوز له أكله، ويجب عليه البدل وقيمة ما أتلف إن كان قيماً أو متَقَوَّماً، أو مثله إن كان مثلياً على قول الأئمة الأربعة، وفي قول المالكية أنه لا يجب عليه ضمانه بل أن يأكل؛ لأن الأكل واجب في هذه الحال لدفع الأذى والقاعدة: أنه لا يؤخذ للواجب أجرٌ. رابعاً: إتلاف مال العدو إذا غزا المسلمون الكفار فغنموا منهم أموالاً منقولة أو غير منقولة، ثم لم يستطيعوا نقلها إلى بلاد المسلمين لكثرتها أو خشية أن يلحق بهم العدو، فيجوز في هذه الحال أن يتلف المال أو يحرق حتى لا ينتفع به العدو فيتقوى به على المسلمين، فيجوز إتلافه بل قد يجب إذا علم أنهم يتقوون به على المسلمين

стр. 130

ويعيدون الكَرَّة عليهم، فلو كان فيها شئٌ من المواشى جاز ذبحها ثم بعد ذلك إحراقها حتى لا ينتفعوا بأكلها، وإن كانت أموالاً غير ذلك مما لا روح فيه جاز تحريقه مباشرة، المقصود أنه يشرع إتلافها إذا لم يمكن نقلها. خامساً: الإتلاف قد يكون مباشرة، وقد يكون بالتسبب، الإتلاف بالمباشرة كالإحراق، فإذا أتلف مال غيره أي أحرقه، فلو أحرق ماله، أو أحرق بستانه، أو أحرق ملابسه وما أشبه ذلك، أو بالقتل، فلو قتل بهيمة له أو اعتدى على معصوم فقتله فهذا كله إتلاف بالمباشرة. وهناك نوع آخر من الإتلاف وهو الإتلاف بالتسبب، مثل أن يسلط سَبُعاً على بهيمة فيقتلها، أو يسلط على صبى سبعاً فيقتله، فإنه في هذه الحالة يكون قاتلاً بالتسبب لا بالمباشرة، ومثل ما لو حفر بئراً في طرق المسلمين فسقط فيها إنسان فإنه يكون ضامناً وعليه الدية لأنه قتل بالتسبب، ومثل ما لو كان له ماشية ففتح الباب فخرجت ثم هلكت وضلت ولم توجد فإنه ضامن، لأنه معتاد أنها لا تخرج، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه إتلاف بالتسبب، فهذا كله محل للضمان، لكن إذا اجتمعت المباشرة والسبب قُدِّمت المباشرة على السبب، مثل ما لو أن إنساناً حفر بئراً ومر به إنسان فدفعه آخر فيها فإنه يقدَّم المباشر على المتسبب. سادساً: الضمان في باب الإتلاف له شروط: ١ - أن يكون المتلَف مالاً: فلو أتلف ميتة أو دماً فلا ضمان عليه، فإذا كان لإنسان شاة ميتة، فأحرقها أو رمى بها في مكان فأتلفها فإنه لا ضمان فيها؛ لأنها

стр. 131

ليست مالاً، ولا قيمة لها في الشرع، أو أتلف خمراً فإنه لا ضمان فيه لأنه لا قيمة له. ٢ - أن يكون متقوماً: أي يكون له قيمة في نظر الشرع؛ فلا يضمن الخمر والخنزير لأنه وإن كان متقوماً فهو مال وله قيمة عند بعض الناس، وقد يباع ويشترى فهو فيه نوع من المالية، لكن هذه المالية مهدرة في الشرع، ولا قيمة لها فلا يُلتفت إليها فلا يضمن. ٣ - أن يكون المُتْلِفُ من أهل الوجوب: فلا ضمان على بهيمة فلو أن بهيمة لإنسان أتلفت مال إنسان، مثلاً أتلفت زرعه لا ضمان على البهيمة، ولا ضمان على صاحبها لأننا إذا قلنا لا ضمان على البهيمة فلا ضمان على صاحبها إلا أن يكون مفرِّطاً أو يكون معها، على تفصيل من إتلاف البهيمة، لكن الأصل كما قلنا أنه لا ضمان على البهيمة. ٤ - أن يكون في الضمان، فائدة: وهو أن يكون المتلف تحت ولاية المسلمين وتحت حكمهم فلا ضمان على الحربي، ولا على الباغي إذا أتلف، فلو أن المسلمين قاتلوا الكفار فأتلفوا على المسلمين بعض النفوس وقتلوا منهم من قتلوا أو أفسدوا بعض الأموال، فلو استولى المسلمون على بلادهم وأسلموا فإنهم لا يضمنون بإجماع أهل العلم لأنهم في حال القتال لا ولاية عليهم، ثم إن هذا من محاسن الشرع أنه لا يضمن أهل الحرب ترغيباً لهم في الإسلام. كذلك الباغى، فلو أن فئة باغية أو معتدية وقاتلهم المسلمون فلا يُضمَنُ أهل

стр. 132

البغى، أي لو أنهم قتلوا بعض النفوس أو اعتدوا على بعض الأموال فأتلفوها فلا ضمان على البغاة؛ لأنهم ليسوا تحت ولاية المسلمين، وكذلك لا يضمن المبغي عليهم، وكذلك أيضًا في حال الحرب مع المسلمين لا يضمن أحد الطرفين الآخر أي مال وأي نفس، هذه جملة الأحكام المتعلقة بالإتلاف. وأشار المصنف ﵀ إلى أنه يستوي فيه الجاهل والناسى، أي لا فرق في الإتلاف بين الناسى والجاهل، فلو أن إنساناً أتلف مال إنسان يظنه ماله، أو أتلف ما يظنه مالاً إنسان حربى، أو قتل إنساناً يظنه حربياً، فإنه في هذه الحال يضمن وعليه الدية لأنه في حكم قتل الخطأ، وكذلك الناسى، ولأجل هذا يضمن الصبي والمجنون من مالهما، أي لا يشترط فيه التكليف، فلو أن مجنوناً أتلف نفساً أو صبياً أتلف مال إنسان، فإنه يضمنه من ماله وعمده يكون من باب الخطأ، أي لا حكم لعمده، هذا هو الأصل في هذا. في باب الحج لو أن إنسانًا قص أظافره ناسياً أو قطع من شعره ناسياً، أو جاهلاً للحكم، جمهور الفقهاء يقولون عليه فدية الأذى لقوله تعالى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١)، وفسَّرها في حديث كعب بن عجرة، فالصيام ثلاثة أيام، والطعام إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك ذبح شاة فهو مُخَيّرٌ بين هذه الثلاثة (٢)، والجمهور على أن هذا إتلاف يستوي فيه الناسي

стр. 133

والجاهل، فعليه فدية الأذى، وهذا هو قول الأئمة الأربعة. والقول الثاني: أن هذا الإتلاف لا حكم له، واختاره العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين وهو أحد القولين لأهل العلم في هذه المسألة، وهذا أقرب للصواب لأن هذا ليس من الإتلاف لأن الإتلاف من شرطه أن يكون مالاً، وأن يكون ذا قيمة، وهذا الإتلاف في قص الأظافر لا قيمة له، وليس له مالية فيقوّم، كذلك قص الشعر فالصحيح أنه لا فدية عليه إذا كان ناسياً، أو جاهلاً للحكم. كذلك ذهب الجمهور إلى أن قتل الصيد يجب فيه الجزاء لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١)، فقالوا إنه يضمنه سواء كان متعمداً أم مخطئاً، ولهم في ذكر التعمد في الآية عدة تأويلات، وأن هذا لا مفهوم له إلى غير ذلك، هذا هو القول الأول. القول الثاني: أن من كان مخطئاً فلا ضمان عليه لظاهر الآية، وهذا أصح، وقد صحّ عن عمر - رضى الله عنه - بسند لا بأس به كما ذكره ابن جرير

стр. 134

الطبري، وأنه وافقه بعض الصحابة ﵃ (١).

стр. 135

القاعدة الرابعة عشر التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد أو يفرّط، وفي يد الظالم مضمون مطلقاً أو يقال ما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون، والعكس بالعكس التلف أعم من الإتلاف، فكل إتلاف تلف، وليس كل تلف إتلافاً، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فالتلف يكون بفعل الإنسان مباشرة، ويكون بفعل الله كآفة سماوية من مطر وغيره، ويتعلق بهذه القاعدة عدة مسائل: المسألة الأولى: عقود الأمانات كثيرة منها الوكالة، والشركة وعقود المضاربات، والوديعة والرهن، والأمانات المقبوضة على ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما قبضه لمصلحة نفسه، كالعارية، مثل إنسان يستعير من إنسان سيارة أو كتابًا، فهذا قبض لمصلحة المستعير أما المعير فهو محسن في إعارته. النوع الثاني: ما قبضه لمصلحة مالكه، كالوديعة، مثل أن يكون لإنسان مالٌ فيعطيه إنساناً آخر لكى يحفظه له كالوديعة، فهذا قبض في مصلحة المودِع، أما المودَع فهو محسن في حفظه للأمانة. النوع الثالث: ما قبضه لمصلحتهما جميعاً، لمصلحة المعطى ولمصلحة الآخذ كالرهن، مثلاً إنسان اشترى من إنسان بيتاً وبقى شيء من المال أو لم يسلّمه شيئاً من المال فقال: أريد رهنًا، فأعطاه سيارة أو أرضاً أو بيتاً أو ما أشبه ذلك، فهذا

стр. 136

قبض لمصلحتهما جميعاً، فكل منهما منتفع، الراهن انتفع بإعطاء الرهن ليتمكن من قبض المبيع، والمرتهِن انتفع من جهة أنه يريد حفظ ماله الباقي حتى يتمكن من استيفائه. المسألة الثانية: هل يقبل قول الأمين في الرد والتلف أو لا يقبل؛. هو منقسم حسب التقسيمات الثلاث في الأمناء التى ذكرنا قبل: النوع الأول: وهى الأمانات من قبض الشيء لمصلحة المعطي، وهذا هو أعلى الأمانات، لأن هذا ليس فيه مصلحة إلا التبرع بإمساكها والإحسان في قبضها، فهى أمانة محضة لا يشوبها شيء، وهى قبضه الشيء لمصلحة مالكه، وهي الوديعة، فإذا وضع إنسان عند آخر وديعة يحفظها، فهذا قوله مقبول في الرد والتلف، ومعنى الرد أي لو أن صاحب الوديعة طلبها فقال المودَع إننى أرجعتها إليك فإن قوله مقبول في الرد بيمينه. والقاعدة: أن كل من قيل إن قوله مقبول أي بيمينه، فيحلف أنه أرجعها ولا يحتاج أن نقول ائت ببيّنة، وكذلك لو قال إنها تلفت فإن قوله مقبول، هذا هو الأصل في الأمناء، إلا أن يتعدى وهذا واضح، فلو أودع عنده مثلاً بهيمة فضربها حتى هلكت، أو لم يحفظها في مكان آمن فإنه في هذه الحال يخرج عن الأمانة لأنه متعدٍ. النوع الثاني: من قبض الشيء لمصلحتهما، فهذا في الدرجة الثانية، كعقود الشركات والرهن والمضاربات، فهذا - أيضاً - على الصحيح أن قوله مقبول؛

стр. 137

لأنه أمين في الجملة وهذا هو المذهب، وهو قول كثير من أهل العلم، ما لم يتعدَّ كالنوع الأول. النوع الثالث: المستعير، المذهب أنه ضامن مطلقاً، ولو تلفت بغير تعدٍّ منه، فلو استعار كتاباً فتلف هذا الكتاب أو ضاع، أو تمزق في غير ما استعمل له، أما لو تمزق بسبب استعماله، ومثله قد يحصل له التمزق فهذا لا يُعتبر تعدّ، مثله أيضاً لو استعار سيارة فتلفت العجلات بسبب الاستعمال فإنه لا يضمنه؛ لأن الإذن في الشيء إذنٌ لما تولَّد عنه، وهو ما أشار إليه المصنف ﵀ في قوله "ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون" في المذهب كما قلنا إنه يضمن مطلقاً، هذا هو القول الأول. والقول الثاني: وهو الصحيح أنها لا تُضمن. المسألة الثالثة: وهى الضمان مع التفريط من عدمه، فإذا فرّط الأمين فإنه يخرج عن الأمانة في هذه الحال فلا يكون أميناً فيكون ضامناً ويجب عليه الرد، وهذا سبقت الإشارة إليه. المسألة الرابعة: الظالم ضمامن في كل حال، ويشمل الغاصب والخائن، والذي طُلِب منه إرجاع المال فأبى أن يرجعه فإنه يكون ظالماً وضامنًا، ومسألة الضمان لها تفاصيل كثيرة يذكرونها في باب الغصب. المسألة الخامسة: عقود الأمانات وهي الأنواع الثلاثة هل تنفسخ بالتعدي أم لا تنفسخ؟.

стр. 138

مثل: إنسان استؤمن فأعطي مالاً أمانة، فتعدى عليه بأن فرّط في حفظه أو أستؤمن على سيارة لكى يحفظها فصار يستخدمها، هذا إذا استعمله بدون إذنه يكون خائنًا ولا يجوز له ذلك، لكن في هذه الحالة هل تنفسخ الأمانة بالتعدي فيها أو لا تنفسخ؟. هذا فيه تفصيل: إن كانت أمانة محضة فإنها تنفسخ كالوديعة، فهذه إذا تعدى فيها انفسخت، ويُعتبر خائناً، ويجب عليه الرد ولا يُمسكها إلا بإذن جديد، أي إنه يخبره بالوضع فإذا أذن له فإنه يكون عقداً جديداً فيكون أميناً. أما استدامة قبضها فلا يجوز، إذن إذا كانت أمانة محضة لحفظ الشيء فهذه تنفسخ بالتعدي، ويجب إرجاعها، ثم بعد ذلك لصاحبها الحق في إبقائها عنده فيكون عقدًا جديداً، هذا هو النوع الأول من أنواع الأمانات. النوع الثاني: أن تكون أمانة مشوبة ليست أمانة محضة، كالوكالة، مثل: إنسان وكيل لإنسان، فوكله على بيع عقاره أو بيع سيارته، فهذه أمانة وفيها إذن بالتصرف فتجمع أمرين: ١ - استئمانه. ٢ - الإذن في التصرف. فهذه لا تنفسخ لأنه إذا بطل أحد الأمرين لا يبطل الآخر، يبطل كونه أميناً، ويبقى الإذن في التصرف فيجوز له التصرف لكن يكون ضامناً لو تلفت أو حصل فساد أو خراب في الشيء الذي أمر ببيعه، مثل أن يكون جهازاً أو آلة فإنه يكون ضامناً له ويجوز له أن يتصرف فيه بالشيء الذي أمر به بعد ضمانه ما أتلف منه،

стр. 139

وسبق إن قلنا أن الوكيل والشريك ليسا ضامنين، مثل أن يكون شريكاً لآخر، فتعدّى أحدهما في مال الشركة فصار يأخذ منه بغير إذن صاحبه؛ فإنه في هذه الحال يخرج عن الأمانة، ولو تلف شيء من المال فإنه يكون ضامناً له، أما إذا باع سيارة الشركة أو باع شيئاً يملكونه في الشركة فإن البيع صحيح؛ لأننا نقول إنها لا تنفسخ الشركة، ولو قلنا إنها تنفسخ بالتعدّي لصار العقد باطلاً ولا يصح في نصيب صاحبه، لكن كما قلنا إنها لا تنفسخ لأنها تجمع إذناً بالتصرف والأمانة، فإذا بطل أحدهما لا بطل الآخر. المسألة السادسة: هل يضمن الأمين بالشرط أولا يضمن؟: إن كانت أمانة محضة فلا يضمن، شرط الضمان في الأمانة المحضة لا يصح، فلو أن إنسانًا استأمن إنساناً، وأعطاه مالاً وديعة وقال له بشرط أن تضمنه فلو ضاع أو تلف بغير تفريط، لا يضمن لأنها مبنية على عدم الضمان مطلقاً، أما إذا كانت ليست أمانة محضة كالعين المعارة فهذه تضمن مطلقاً على المذهب. وقيل: تضمن مع الشرط، وهذا أصح الأقوال، فلو أعاره سيارة مثلاً قال: بشرط أن تضمنها سواء تعديت أم لم تتعد، نقول: هذا الشرط صحيح، والمسلمون على شروطهم؛ لأن المُعير قد يريد نفع صاحبه بالإعارة ويخشى على العين المعارة، فله أن يشترط ضمانها، ولهذا قال ﵊ ليعلى بن أمية أنه قال: "عارية مضمونة أم عارية مؤداة؟ " قال: "بل

стр. 140

عارية مؤداة" (١)، وقال صفوان بن أمية للنبي ﷺ : أتغصبها غصباً؟. قال ﵊: "بل عارية مضمونة" (٢).

стр. 141

والذين قالوا إنها تُضمن مطلقاً احتجوا بحديث الحسن عن سمرة الذي رواه الأربعة أنه ﵊ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (١).

стр. 142

وهذا محل بحث، ولا نريد الإطالة بذكره، لكن الصواب كما قلنا إنها تضمن بالشرط، ولهذا لم يضمنها لأبى يعلى لحُسن إسلامه ولتمكن الإسلام من قلبه، وضمنها ﵊ لصفوان بن أمية لأنه لتوّه أسلم، فدل على أنها تضمن بالشرط.

стр. 143

القاعدة الخامسة عشر لا ضرر ولا ضرار هذه القاعدة نص حديث عنه ﵊ أنه قال: "لا ضرر ولا ضرار" (١)، وهذا الحديث بمجموع طرقه صحيح، أو صحيح لغيره لأنه رواه ابن ماجه، ورواه الدارقطني، وله طرق عن ابن عباس، وعن عبادة بن الصامت، وغيرهما، وجاء أيضًا من طرق مرسلة، ويشهد له عدة أدلة من القرآن منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُضَار كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ (٣). فهذه القاعدة محل إجماع في الجملة، لكن في تفاصيلها خلاف، ولها فروع كثيرة منها ما سبق لنا: أن الضرورات تبيح المحظورات، وزاد بعض أهل العلم: بشرط عدم نقصانها، أي أن تكون الضرورة أشد مما أراد أن يستبيحه، ولأجل هذا لما كان أكل الميتة أيسر وأسهل من هلاك النفس جاز الأكل من الميتة، ولما كان العلاج بالخمر أو بالدواء الخبيث ضرره أشد لم يجز العلاج به لأنها ضرورة؛ من أجل أن ضرره أشد مما يستباح له الخمر. كذلك لا يجوز أن يقدِم على قتل إنسان أُمر بقتله لأجل استبقاء نفسه؛ لأن ما

стр. 144

قدم عليه أشد مما أُجبر عليه، فلا يقتل نفسًا معصومة لأجل أن يستبقي نفسه. كذلك من فروعها أن ما أبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها، فالذي يضطر للميتة فإنه يل بقدر ما يقيم النفس، وهذا محل تفصيل، فإذا كانت الضرورة دائمة فالصواب أنه يجوز الشبع لما روى أبو داود من حديث جابر بن سمرة أن رجلاً نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل إن ناقة لي ضلّت فإن وجدتَها فأمسكها، فوجدها فلم يجد صاحبها، فمرضت فقالت امرأته: انحرها، فأبى فنَفَقَت، فقالت: اسلخها حتى نقَدِّد شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: "هل عندك غنى يغنيك؟ " قال: لا، قال: "فكُلُوها"، قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك (١). وجاء أيضاً عند أبى داود من حديث عقبة بن وهب بن عقبة العامري قال: سمعت أبى يحدث عن الفُجَيع العامري أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة، قال: "ما طعامكم؟ " قال: نغتبق ونصطبح، قال أبو نعيم: فسَّره لي عقبة قدح غدوة وقدح عشيةٌ: قال ذلك وأبي الجوع فأحل لهم الميتة على هذه الحال (٢)، أما إذا كانت عارضة وهي قريبة الزوال فإنه يأكل بقدر ما يسد جوعه.

стр. 145

ومنها: الضرر لا يزال بالضرر، ويدل عليها ما ذكرنا في المثال السابق من الاعتداء على غيره لأجل استبقاء نفسه. ومنها: إذا تعارضت مفسدتان روعى أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما، وهذا أشرنا إليه، لأنه نوع ضرورة، فإذا كان هناك مفسدتان فإنه يرتكب أخفهما في دفع أعظمهما، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. والحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أم خاصة، وذكروا لهذه من الأمثلة في مسألة السَّلَمِ ومسألة الإجارة، فقالوا إن هذه حاجات تنزل منزلة الضرورة، وقالوا: إن هذه في القياس عقد على معدوم، وهذا ردّه شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله - وقالوا: إن هذا ليس بصحيح، بل إن السَّلَمَ عقد على شيء في الذمة، وليس عقدًا على معدوم، لكن هذا جار في بعض أنواع البيوع، فيجوز بيع البيت مع الجهالة في بعض الأشياء مثل الأساسات والحيطان، وكذلك نشتري أنواعًا من الفرو والملابس ولا يرى داخلها فعفي عن المجهول التابع والجهالة يسيرة؛ لأنها محل حاجات لأن هذا يحتاجه العامة والخاصة، قالوا مثل لو أن عنده إناء فانكسر فاحتاج إلى جبره بشيء من الفضة مع أنه يجد شيئاً من النحاس، فإنه يجوز أن يلحم بالفضة وإن كان يجد غير الفضة، أي لا يشترط في جبره بالفضة عدم وجود غير الفضة لأنه إذا لم يجد غير الفضة فإنه يكون في هذه الحالة ضرورة،
следующие страницы →