← Каваид фикха

Каваид фикха · id 16820

شرح القواعد السعدية

عبد المحسن الزامل

Полный текст (286 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القاعدة السابعة التكليف وهو البلوغ، والعقل شرط لوجوب العبادات، والتمييز شرط لصحتها إلا الحج والعمرة، ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد، ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك هذه القاعدة كما قال المصنف ﵀ التكليف وهو البلوغ، والعقل شرط لوجوب العبادات. أولًا: قال المصنف ﵀ "التكليف هو البلوغ والعقل" كأنه يريد أن تعريف التكليف، وأن حد التكليف هو البلوغ والعقل، وهذا قد يكون تعريفًا للشيء بشرطه، أو بلازمه؛ لأن التكليف ليس هو البلوغ والعقل، وقد اختلف أهل العلم في معناه، قيل: هو إلزام خطاب الشرع، أو ما جاء من الشرع بالأمر والنهي، وقيل: هو إلزام مقتضى خطاب الشرع، وهذا صححه جمع من علماء الأصول، وقالوا إنه أقرب التعاريف وأحسنها وأسلمها من الاعتراض، والانتقاض هو إلزام مقتضى خطاب الشرع وخطاب الشرع أمر ونهي وإباحة، فهذا التعريف يشمل جميع الأحكام الخمسة فهو يدخل فيه الأمر وهو الوجوب والاستحباب، فما كان واجبًا فهو مأمور به، وما كان مستحبًا فهو مأمور به، والنهى ما كان حرامًا فهو منهيٌ عنه، وما كان مكروهًا فهو منهي عنه، والمباح أيضًا هو أن يُخيّر المكلف بين الإقدام على الفعل والترك، والمعنى أنه يعتقد إباحة ذلك الشيء وهذا هو خطاب الشرع، وأنه ليس بحرام ترك الإقدام عليه فهذا هو

стр. 72

معنى التكليف. أما البلوغ والعقل فهما شرطان للتكليف، وهما ليسا التكليف، بل هما شرطان للتكليف. وقد يقول قائل: إن المباح ليس لازمًا، وإنما اللازم هما الأمر إن كان على جهة الوجوب أو الاستحباب، والنهى إن كان على جهة التحريم أو الكراهة، أما المباح فهو مخير بين الفعل والترك، فكيف نقول إن التكليف هو إلزام مقتضى خطاب الشرع والمباح ليس لازمًا؟ نقول كما قال كثير من أهل العلم: إن المراد هنا هو اعتقاد أنه مباح، وهذا الاعتقاد هو الإلزام المذكور في حد التكليف؛ لأنه لا يجوز أن تعتقد أن المباح يجب فعله، أو يجب تركه، فهذا هو المراد من إلزام مقتضى خطاب الشرع. فمن رحمة الله أنه لم يوجب التكاليف الشرعية على كل إنسان بل جعل لها علامات تدل عليها، وجعل لها وقتًا يكون المأمور قابلًا للفعل وقابلًا للترك، أي قابلًا لخطاب الشرع من جهة الفعل ومن جهة الترك، فيختلف حال الإنسان في حال الصغر بل يختلف حينما كان جَنينًا في بطن أمه، ثم بعد ذلك إذا وُلد وهو صغير، ثم إذا بلغ سن التمييز، ثم إذا بلغ الحُلم، فهذا له أحوال، فمن رحمة الله أن جعل التكليف له علامات محدّدة، بها يلزم التكليف، قبل ذلك لا حرج عليه لأنه غير ملزم بخطاب الشرع، هذا من حيث العموم،

стр. 73

ولهذا جَعَلَ البلوغ والعقلَ شرطين للتكليف، فلابد من هذين الشرطين: أن يكون له قدرة في بدنه وقدرة في عقله، البلوغ يتعلق بقدرة البدن، والعقل يتعلق بقدرة الفهم، فقبل هذين الشرطين هو غير مكلف، فلابد من هاتين القدرتين، أي لابد من اجتماعهما حتى يكون مكلفًا. والإنسان إذا كان صغيرًا ولم يكن مُتهيئًا لخطاب الشرع فإنه غير قابل للأمر والنهي؛ لأنه لا يفهم خطاب الشرع، ولو فرض أنه فهم فإنه لا يقدر لضعفه وعدم قدرة بدنه، لكنهما في الغالب متلازمان، وقد ينفك أحدهما عن الآخر في حق المعتوه مثلًا، فإنه قد يكون قوي البدن لكنه غير قادر على الفهم، وكذلك المجنون من باب أولى، والمراد بالخطاب هنا أن يكون مخاطبًا بالأحكام التكليفية لا الأحكام الوضعية، والأحكام التكليفة هي: الوجوب والتحريم والإباحة والاستحباب والكراهة. أما الأحكام الوضعية فهي: الأسباب والشروط والموانع وغيرها، فهذه أمور معلقة على أسباب وعلى شروط وعلى موانع، فمتى ما وُجدت ربط الشرع أحكامه على أسبابها، فمثلًا: الصبي إذا كان عنده مال فإنه تجب فيه الزكاة، وكذلك المجنون على الصحيح من قولي العلماء، كما هو قول جمهور أهل العلم. فإذا بلغ التكليف وكان عاقلًا غير معتوه ولا مجنون في هذه الحال يكون مكلفًا، ويكون لديه أهلية الأداء الكامل، فيعلق به حكم الشرع من جهة التكليف، فيكون مأمورًا منهيًا ولديه أهلية تامة للأداء، ولديه استعداد للإلزام

стр. 74

والالتزام، ويتعلق به جميع أحكام الشرع. هذه المسألة الأولى المتعلقة بأهلية المكلف حتى يبلغ الأهلية التامة. يقول المصنف ﵀: "البلوغ": البلوغ له علامات بها يكون مكلفًا مع الشرط الآخر، وهما متلازمان، وأول علامات البلوغ: ١ - الاحتلام: وهو محل إجماع من أهل العلم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (١)، وجاء في هذا عدة أخبار منها "لا يُتْمَ بعد احتلام" (٢)،

стр. 75

وقالت عائشة ﵂: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة" (١). ويثبت البلوغ بإقراره أو بالبينة بشرط أن يكون في وقت الإمكان، فلو ادعى

стр. 76

البلوغ قبل وقت الإمكان لا يُقبل لأنه مخالف للواقع، ولا يكون البلوغ في حق الذكر والأنثى قبل تسع سنين، فلو ادعى البلوغ أحد منهما قبل تسع سنين لا يقبل. ٢ - استكمال خمس عشرة سنة: وهذا موضع خلاف، ذهب جمهور أهل العلم إلى ذلك، وقال آخرون لا يكون بلوغًا، وبعضهم قال: يكون بلوغًا في حق الكافر فيآخذ بأحكام الشرع، وبعضهم حدّه بسبع عشرة سنة، وبعضهم بثمان عشرة سنة. لكن الصواب: أن البلوغ يكون باستكمال خمس عشرة سنة؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أنه أراد الغزو مع النبي ﷺ في غزوة أحد فلم يجزه فلما كان في غزوة الأحزاب أجازه، وكان عمره خمس عشرة سنة (١). وفي لفظ صحيح عند البيهقي وغيره أنه لما ردّه في غزوة أحد قال: ولم يرني بلغت. والمراد بالبلوغ في هذا السنن ما لم تأت علامة قبله، وإلا ولو أتت علامة قبله فإنه يحكم له بالبلوغ، ولو لم يبلغ سن الخامسة عشرة، وهذه العلامة وهي بلوغ

стр. 77

خمس عشرة سنة علامة مشتركة بين الذكر والأنثى. ٣ - نبوت الشعر الحسين حول القُبُل: لما ثبت في حديث عطة القُرظي في قصة قتل بني قريظة أنه كان يكشف عن مآزرهم، فمن أثبت قُتل، ومن لم ينبت لم يُقتل (١)، وهذا العلامة - أيضًا - مشتركة بين الذكر والأنثى. هناك علامتان تختصان بالأنثى: الأولى: الحيض، فإذا رأت الدم في سن الإمكان وهو استكمال تسع سنين فإنها تكون بالغة، أما إذا رأته قبل ذلك فإنه يكون دم فساد، وحكى بعض العلماء الإجماع على هذا. الثانية: الحمل؛ لأنه لا يكون إلا بإنزال المنى. قال ﵀: "والعقل": فلو بلغ وهو معتوه أو مجنون لا يكون مكلفًا، وهذا هو قول جماهير أهل العلم فيما يتعلق بالبلوغ مع العقل، قال بعض أهل العلم إنه إذا فهم الخطاب وقد قارب البلوغ فإنه يكون مكلفًا وهو رواية عن الإِمام أحمد ﵀، وقال أنه إذا بلغ سن الثانية عشر وقد فهم الخطاب فإنه يكون مكلفًا، ويرى أنه لو لم

стр. 78

يصل يقتل لكن لا يقتل على أنه كافر، واستدل بقوله ﵊: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر" (١)، وليس فوق الضرب إلا القتل. وقالوا: إنه يؤمر بالصوم ويكون مكلفًا إذا فَهِمَ الخطاب وعَقَلَهُ، وإن لم يبلُغ، والجمهور على أنه لابد من حقيقة البلوغ ولا يكتفي بمظنة البلوغ،

стр. 79

وأنه في هذه الحال قريب من البلوغ، وهذا هو الصحيح للأدلة السابقة. قال ﵀: "والبلوغ شرط لوجوب العبادات": - هذان أيضًا شرط لوجوب العبادات، فمن لم يبلغ لا يجب عليه أداء الصلاة، ولا الصيام ولا الحج، أما وجوب الزكاة فهو من باب الأسباب، لا من باب خطاب التكليف، بل هو من باب خطاب الوضع، وخطاب الوضع كما قلنا متعلق بوجود بالأسباب والشروط وغيرها. وقال: "أو التمييز شرط لصحتها": - عندنا شرط وجوب وشرط صحة، فالعبادة قد تكون غير واجبة لكن تصح من المكلف، إذا كان الصبى غير مميز في سن الثالثة أو الرابعة أو الخامسة ولم يميز فتوضأ وصلى وهو غير مميز لا يعرف الوضوء ولا يعرف ما هي الصلاة، فهذا لو صلى لا تصح صلاته، ولو صام لا يصح صومه لأنه فاقد لشرط الصحة، وهو التمييز؛ ولأن هذه العبادات لابد من القصد إليها ولو كان بنية فيها شيء من الضعف من جهة كونه صبيًا، ولا يتأتى القصد من غير المميز، فإذا كان مميزًا صحت منه الصلاة وصح منه الصوم، وصح منه الحج وسائر العبادات، وليس بواجب، وثوابه له على الصحيح، وقول من قال إنه لوالديه لا يصح، واستثنى ﵀ الحج والعمرة، فالحج والعمرة يصحان من الصبى وإن لم يكن مميزًا، فهذه العبادة مستثناة، والأصل عندنا أنه لابد من التمييز لصحة العبادات لكن لما استثنى الحج والعمرة فلابد من دليل، وهو حديث ابن عباس

стр. 80

- ﵄ أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيًا فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر"، والعمرة في معنى الحج (١). فأثبت ﵊ له الحج بقوله: "نعم، ولك أجر"، فالصبي ولو كان لتوه وُلِد يصح منه الحج والعمرة إذا نوى عنه من يلي أمره، ولو فرض أنه تعمد بعض محظورات الإحرام فعمده في حكم الخطأ، فالمقصود أنه لا يشترط له التمييز لهذا الحديث، ولعله - والله أعلم - أن الحج ليس كغيره من العبادات، وقد يرغب الإنسان في أن يحج هو وأولاده والحج فيه كلفة ليس كغيره من العبادة تحتاج إلى شيء من الاستعداد، فكان من رحمة الله أن يسّر أمره وخففه، ولم يحرم منه هذا الصبي الذي لم يميز فيحصل على أجر الحج والعمرة. بقي أن نعرف ما هو التمييز؟ وبماذا يحصل؟. التمييز: اختلف أهل العلم بماذا يحصل التمييز؟. فجمهور أهل العلم على أن التمييز يحصل باستكمال سبع سنين، واستدلو بقوله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة لسبع" (٢)، أي باستكمال سبع، استكمل سبعًا ودخل في الثامنة، وقالوا: إن هذا هو سن التمييز لهذا الحديث. وقال آخرون: إن التمييز ليس له سن معين؛ بل هو يختلف باختلاف الصبيان حسب ذكائهم وقدراتهم، وحسب نمو أجسامهم وقدرتهم وحسب البلاد

стр. 81

والأمكنة، وهذا هو الصحيح. لكن في الغالب أن التمييز يكون عند هذا السنن، وقد يحصل قبل السابعة، فقد يكون بعض الصبيان يميز إذا استكمل الخمس في قوة فهمه وذكائه. وقد جاءت روايات عن بعض السلف في مثل هذا، وأنه كان لهم صبيان لديهم قوة في الفهم، وقوة في الحفظ وهم لم يستكملوا خمس سنين. وذكر الخطيب البغدادي وغيره أشياء في مثل هذا في صبيان لديهم قوة فهم، فالأظهر - والله أعلم - أنه لا يُحكم به في سن معين، لكن لا شك أنه لا يمكن أن يكون في سن صغيرة جدًا بل لابد أن يكون في سن يقبل فيها ويمكنه فيها الفهم، فالصحيح أنه ليس محددًا بسنوات معينة، فقد يميز إذا استكمل الخمس، وقد يميز إذا استكمل الست، وقد يميز إذا استكمل السبع - والله أعلم -. قال المصنف ﵀: "ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد": ظاهر كلام المصنف أن التكليف والرشد شرط لصحة التصرف، وقد سبق أن شرط التكليف العقل والبلوغ، فإذن يكون شرط التصرف البلوغ والعقل والرشد، فهذه الأشياء الثلاثة شرط لصحة التصرف. والعبارة هنا فيها إجمال، فإن التصرف يختلف فإن كان التصرف لحظ الصبى، فالأظهر أنه لا يشترط فيه التكليف؛ لأن التصرفات قد تكون نفعًا محضًا للصبي، وظاهر عبارة المصنف أن جميع أنواع التصرفات لابد من التكليف فيها،

стр. 82

فلو أن رجلًا أهدى لصبى هدية بغير إذن وليه، أو أوصى له بشيء من المال، أو وقف عليه وقفًا مثلًا، أو تصدق عليه بصدقة، فإنه يصح القبول له في مثل هذا، ولا يشترط له التكليف؛ لأنه نفع محض إما في دنياه أو في آخرته أو فيهما جميعًا. والتصرفات على ثلاثة أنواع: تصرّفٌ هو نفعٌ محض في حق الصبي. وتصرّفٌ هو ضررٌ محض في حق الصبى. وتصرّفٌ هو مترددٌ بينهما وهو موضع الخلاف بين أهل العلم. أما التصرف الذي هو ضررٌ محض حق الصبى والذي هو متردد بينهما فلابد من التكليف مع الرشد فإنه لا يصح من الصبى، وهذا واضح وهما يدخلان في كلام المصنف. ويدخل في كلام المصنف - أيضًا - نوع من التصرف هو نفعٌ محض في حق الصبي، والأظهر في مثل هذا أنه تصرف صحيح، فلو أن صبيًا قبل هدية أو صدقة مثلًا، أو أوصى له إنسان بشيء، أو أوقف عليه وقفًا، فهذا نفع محض فيصح قبوله ويصح رده. لكن لو فرض أن له وليًا يقوم عليه فإن شاء قبل هذا وإن شاء رده، ولو قبله صحَّ لأنه نفع محض. ومثل ما يقع من بعض الناس أن يعطي صبيًا شيئًا من المال، أو هدية لنجاحه مثلًا، أو ما أشبه ذلك، ظاهر كلام المصنف أنه لا يصح، ويترتب عليه أحكام

стр. 83

من جهة ضمانه. المقصود أن مثل هذه الأشياء إذا كانت نفعًا محضًا فإنها تصح لأنه لا ضرر فيها، يقابله ما كان ضررًا محضًا وهو ما إذا كان لصبي شيء من المال، وأهدى هدية أو وهب هبة، أو أعطى عطية، أو ما أشبه ذلك فهذا لا يصح بلا شك؛ لأنه ضرر محض والصبي يجب النظر في ماله بالأحظ له، حتى لو نفذها الوصى، فلو أن صبيًا له وليّ يقوم على شؤونه فصار يتصدق من ماله أو يهدي لا يصح ولا يجوز له فعل ذلك، فمن باب أولى أن لا يصح ولا يجوز من الصبى أي إذا كان لا يصح من الوصي عليه والولي عليه فهو من الصبى لا يصح ولا يجوز من باب أولى. نوع ثالث من أنواع التصرف: تصرفٌ مترددٌ بينهما وهو البيع والشراء، صبي يميز يبيع ويشتري، هذا موضع خلاف، قيل: لا يصح مطلقًا، وقيل: يصح إذا كان بإذن وليّه، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١)، قال بعض أهل العلم إنه لا يمكن أن يعرف رشده إلا بأن يجرب قبل البلوغ؛ لأنه إذا بلغ انتهى الأمر، فلابد أن يجرب قبل البلوغ. فيجرب في البيع والشراء وكل بحسب ما يحسنه، فإذا كان هذا الصبى يحسن هذا الشيء فيجرب فيه ويبيع ويشتري، فإذا باع واشترى بإذن وليه في الأشياء

стр. 84

التي لا يترتب عليها مضرة صح، وهذا أظهر؛ لأنه أمر بابتلائهم وهو اختبارهم، واختبارهم لا يكون إلا قبل البلوغ حتى إذا بلغ يكون محكمًا لهذه الأشياء عارفًا بها. ويشترط لصحة التصرف: التكليف والرشد، وبقي أن نعرف الرشد، ما هو الرشد؟، اختلف أهل العلم في الرشد. ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الرشد هو الصلاح في المال بمعنى أنه يعرف كيف يتصرف في المال، ويعرف البيع والشراء، فلا يُغبَن ولا يُغلَب، وهذا كل بحسب ما يعمله هذا الصبى، فقد يكون بعض الصبيان المميزين يحسنون أنواعًا من البيع، ولا يحسنون غيرها، فإذا أحسن هذا الشيء الذي يمارسه ويعالجه مثلًا يكون راشدًا. وقال الشافعية: إن الرشد هو الصلاح في الدِّين والمال، وليست العدالة شرطًا فيها فإذا صلح تصرفه في المال وأحسن التصرف فيه يكون راشدًا، ويُعطى ماله ويُسلّم إليه. فيما يتعلق بالرشد قلنا إنه يُجَرّب حتى يعرف إدراكه ومعرفته لهذه الأشياء، فإذا أحسن هذه الأشياء كان أهلًا، لكن أهليته حتى الآن ليست أهلية كاملة ولا تكون كاملة حتى يبلغ، فإذا بلغ يكون قد بلغ الأهلية الكاملة، والأهلية الكاملة هى الأهلية للإلزام والالتزام، وقد أشرنا إلى أن الإنسان له أحوال لأهليته، قد تكون أهلية كاملة، وقد تكون أهلية قاصرة، والشرع ربط الأحكام قبل أن يولد الصبى، فتتعلق به أحكام كثيرة، وإن كان في بطن أمه.

стр. 85

وقد ذكر أهل العلم أن الأهلية نوعان: ١ - أهلية وجوب. ٢ - أهلية أداء. وأهلية الوجوب تسبق أهلية الأداء، والصبي له أهلية وجوب، وهي على نوعين: ١ - إذا كان في بطن أمه فله أهلية وجوب قاصرة فيرث بشرطه، وتصح الوصية للحمل، ويصح الوقف عليه عند جمع من أهل العلم، فهو أهل لهذه الأشياء. ٢ - فإذا وُلد كملت أهلية الوجوب، وكان له ذمة صحيحة كاملة، فيجب عليه أمور مثل: وجوب الزكاة عليه إذا كان له نصاب بشروطه، أمور تتعلق بالنسب وغيرها. وهنالك أهلية أداء، وهي على نوعين - أيضًا -: ١ - أهلية أداء قاصرة. ٢ - أهلية أداء كاملة. أهلية الأداء القاصرة: من سن التمييز وهي السن التي يُختبر فيها هل يحسن التصرف أو لا يحسن التصرف؟ فإذا علم منه شيء من الرشد في المال فله أهلية أداء قاصرة، ولهذا يصح منه أداء العبادات كالصلاة والصوم وغيرها، ويصح منه على الصحيح التصرف بإذن وليه لكنها ليست أهلية أداء كاملة بل هى أهلية أداء قاصرة. فإذا بلغ وعقل وكان أهلًا للتكليف كَمُلت فيه أهلية الأداء وكانت أهليته

стр. 86

أهلية أداء كاملة، فعلى هذا يعرف أن الأهلية على نوعين: أهلية وجوب، وأهلية أداء. أهلية الوجوب على نوعين، وأهلية الأداء على نوعين. ١ - أهلية وجوب قاصرة: وهو حمل في بطن أمه. ٢ - أهلية وجوب كاملة: وهو بعد ولادته إلى سن التمييز. ١) وأهلية أداء قاصرة: وهو قبل التكليف. ٢) وأهلية أداء كاملة: وهو بعد التكليف، فإذا كُلِّف كان أهلًا للإلزام والالتزام. ولصحة التبرع: التكليف والرشد والملك، والتبرع هو ما كان بلا عوض، والتكليف كما سبق هو البلوغ والعقل والملك، فنفهم من هذا أنه إذا لم يكن مكلفًا لم يصح تبرعه، وقد أشرنا إليه لأن هذا ضرر محض بحق الصبي في الحياة الدنيا؛ لأنه لا يدرك هذه الأشياء.

стр. 87

القاعدة الثامنة الأحكام الأصولية والفروعية لا تتم إلا بأمرين وجود الشروط وانتفاء الموانع هذه قاعدة عظيمة - أيضًا - وهي "الأحكام الأصولية والفروعية". فجميع أحكام الشرع سواء كانت أصولًا أم فروعًا لابد من وجود شروطها وانتفاء موانعها، فلو وجد شرط لكن هناك مانع لا يصح. من ذلك مثلًا: آيات الوعيد هى في حق من ارتكب أمورًا محرمة فهو أهل لما جاء في النصوص من الوعيد، لكن قد يكون هناك مانع من العقاب كالتوبة أو استغفار المؤمنين أو مصائب. مثاله: قد يوجد مثلًا شرط قد الإرث فيكون هناك مانع من رق أو قتل أو اختلاف دين، فإنه إن وجد شرطه قد يكون هناك مانع يمنع من الإرث، وهكذا في سائر الأحكام لابد من وجود الشروط، فالصلاة لابد لها من وجود شرطها وهو الوضوء، فمن أراد الصلاة بلا وضوء لا تصح لأنه لابد من وجود شرطها وهو الوضوء، فأحكام الشرع الأصولية والفروعية لابد من وجود شروطها وانتفاء موانعها، وهذا أصل عظيم في جميع الأمور. والشرع أصول وفروع، وهذا صحيح، وبعض الناس يشكل عليه مسألة الأصول والفروع، وقد يستنكر ويقول إنه ليس هناك أصول وفروع، وهذا ليس

стр. 88

بصحيح، بل ظاهر كلام أهل العلم ويكاد يكون إجماعًا منهم، وكلهم يحكون أن هناك أصولًا وفروعًا. واختلف في مسألة الأصول والفروع، وقد يقرأ بعضهم من كلام شيخ الإِسلام ﵀ أن أصل هذا التقسيم من المعتزلة، ويسأل عنه مثلًا ويورد هذا الإشكال ويسمع جوابًا قد يكون فيه شيء من الغموض وليس واضحًا ويقرأ مثلًا كلامًا له ولغيره يقول: الشرع أصول وفروع فيشكل عليه هذا الأمر. فالشرع أصول وفروع لكن ما جاء من كلام أهل العلم في الأصول والفروع وأنه أصل من أصول المعتزلة الذي حكاه شيخ الإِسلام وغيره، هم أرادوا نفيها في مسائل التكفير فهذا لا شك أن أصله من الاعتزال وأصله من تقاسيم المعتزلة. فالمعتزلة يقولون الشرع أصول يُكفَّر بإنكارها، وفروع لا يُكفَّر بإنكارها، وهذا لا شك تقسيم باطل، أما نفس أحكام الشرع ففيها أصول وفروع، لكن المنكر هو أن نقسِّمها إلى أصول يكفر من أنكرها، وإلى فروع لا يكفر من أنكرها، وهذا كما قلنا تقسيم باطل ولا يصح. وإذا قيل لهم ما هي الأصول والفروع؟. قالوا: الأصول الأشياء العلمية، والفروع الأشياء العملية، فالصلاة والزكاة أشياء عملية، والأصول الأشياء العلمية الاعتقادية فيما يتعلق في أحكام التوحيد والعقيدة وأسماء الله وصفاته في مسألة رؤية الله وكذلك أنواع القراءات، يقال لهم هذا منتقض طردًا وعكسًا.

стр. 89

إذن يعلم أن هذا التقسيم لا يصح، فمن قسَّمها إلى هذا التقسيم وقال إنها أصول يكفر منكرها وفروع لا يكفر منكرها نقول: هذا التقسيم باطل. فالصلاة بإجماع أهل العلم يكفر منكرها، وكذلك الزكاة والصوم وغيرها من الفرائض، وأنتم - أيها المعتزلة - تقولون إنها من الفروع ولا يكفر منكرها، كما تزعمون، وقد يقولون: إن هذه فيها شيء من الاعتقاد من جهة اعتقاد وجوبها، لكن القصد أن هذا التقسيم غير صحيح وغير منضبط. يقال لهم - أيضًا -: أنتم تقولون أن من أنكر أمرًا علميًا فهو كافر. نسألهم: رؤية النبي ﷺ لربه ليلة الإسراء والمعراج، ماذا تقولون من باب العلم أم العمل؟. يقولون: من باب العلم الذي يجب اعتقاده. نقول: اختلف أهل العلم من الصحابة وغيرهم هل رأى النبي ﷺ ربه أم لم يره؟ وبإجماع أهل العلم أنه لا تكفير في هذا، وهي مسألة علمية والكلام أنه لا يكفر من خالف في مثل هذا الأصل. فهذا التقسيم الذي جاء به المعتزلة باطل، ومن أراد أن يقسم أصول الدين إلى أصول يكفر منكرها وفروع لا يكفر منكرها، فإن هذا التقسيم لا يصح، أما تقسيمها من هذه الجهة أن فيها أصولًا تختلف عن أحكام الأصول فهذا لا بأس به وهو صحيح.

стр. 90

فهناك أمور وأصول في باب الإيمان بالله وملائكته والكتب والنبيين وما أشبه ذلك وما سواها قد يكون شيء منه أصولًا، وشيء منه فروعًا، وكذلك الاعتقاد في أسماء الله وصفاته كلها أصول في هذا الباب، لكن لا نقسم ونقول هذا أصل وهذا فرع، هذا يكفر منكره، وهذا لا يكفر منكره، فهذا لا يصح، والمقصود أنه لابد من وجود الشروط وانتفاء الموانع في أحكام الشرع، وهذا عام حتى في اجتهادات أهل العلم. فقد يخالف رجل من أهل العلم في مسألة من السائل ويكون اجتهاده مخالفًا للدليل، ويبيح أمرًا محرمًا، أو يوجب أمرًا مباحًا، ومع هذا لا نقول أن هذا الرجل متوعد، وأنه آثم بهذا الفعل حتى وإن كان غيره يأثم. فابن عباس ﵄ يجيز ربا الفضل، يجيز الدرهم بدرهمين إذا كان يدًا بيد، كما هو مشهور عنه، وقيل إنه رجع عن ذلك، وكذلك جاء عن جع من التابعين أنه يجيزون بيع الطعام الصاع بصاعين، إذا كان يدًا بيد، ومع هذا أجمع أهل العلم بأنهم غير متوعدين. والرسول ﷺ قال: "لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه" (١) وهذا وعيد شديد لمن أكله، ومعلوم أن من أجازه يجيز أكله، ولا يمكن أن نقول إن هذا الوعيد لاحق بابن عباس وبطاوس أو غيره من التابعين.

стр. 91

وهكذا غيره قد يخالف في مسألة فيجيزون بعض الأمور الممنوعة وبعض الأمور المحرمة، وكان طلحة بن عبيد الله يجيز أكل البَرَد وهو صائم، ومعلوم أن فطر يوم من رمضان أمر منكر ومحرم فهل يقال إنه يلحق به الوعيد في إجازته، وكان ابن عمر وابن عباس يمنعون التطيب للمُحْرِم بعد التحلل الأول، وهو سنة واضحة، فهل يقال في ذلك إنهم خالفوا؟ وقد قيل إنهم رجعوا عن ذلك. وكان بعضهم يُلزم الحائض بالبقاء حتى تطوف للوداع، ولم تبلغه السنة في هذا، وأن المرأة إذا طافت للإفاضة وحاضت لا وداع عليها. إذًا هذه الأمور في اجتهادات العلماء لا يمكن أن يقال إنه يلحقهم الوعيد؛ لأن من شرط الوعيد وجود الشروط وانتفاء الموانع. وهذا وُجد شرطه مثلًا وهو كونه قال بهذا الشيء لكن يمتنع لحوق الوعيد به لمانع، والموانع كثيرة تعرض لها شيخ الإِسلام ﵀ في رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وأنه يرتفع الوعيد بأشياء كثيرة عن من وقع في هذا الأمر وخالف النص، قد يكون لكونه لم يبلغه النص أو بلغه فتأوله. ابن عباس ﵁ لما قيل له في ذلك وسئل احتج بحديث قال: إن أسامة بن زيد حدثني، قال: إنه ﵊ قال: "إنما الربا في النسيئة" (١)، و (إنما) للحصر ففهم منه أنه لا ربا فضل، وجاء عنه أنه رجع كما أسلفنا.

стр. 92

المقصود أنه لابد من وجود الأسباب، ولابد من وجود الشروط وانتفاء الموانع، فعلى هذا من أخطأ خطأً في أمور الشرع وهو من أهل النظر لا يجوز إلحاق الوعيد به، وأنه آثم لأنه خالف النصوص؛ ولأنه أفتى بهذا الشيء، فهذا لا يجوز والسبب أنه معذور بهذا الاعتقاد - والله أعلم -.

стр. 93

القاعدة التاسعة العرف والعادة يرجع إليه في كل حُكمٍ حَكَم الشارع به ولم يَحدّه هذه القاعدة فروعها كثيرة ومنتشرة في باب الفقه، وقد أجمع العلماء عليها في الجملة، وأن العرف محكِّم، أو كما يقول كثير من الفقهاء إن العادة محكِّمة، وهي قاعدة من قواعد الفقه التي يعملون بها في الأحكام كلها فإذا اختلفوا في شيء رجعوا إلى العرف في هذا فيما يتعارفه الناس بينهم وهنا ذكر المصنف ﵀ العرف والعادة. والعرف هو ما يتكرر بين الناس ويقبلونه من الأقوال والأفعال، فإذا تكرر شيء بين جماعة من الناس، أو أهل بلد واعتادوه بمنهم كان عرفًا معمولًا به بينهم. والعرف على نوعين: عرف صحيح، وعرف فاسد. فالعرف الصحيح هو العرف الذي يتعارفه الناس مما لا يخالف نصًا أو دليلًا من أدلة الشرع بحيث لا نقول إنه يجب أن يكون مطابقًا للشرع بل يكفي أن لا يكون مخالفًا له؛ لأن الغالب أن الأعراف ينشئها الناس بينهم وذلك أن الناس لابد أن يكون بينهم أعراف وعادات وأمور يعتادونها. وهناك عرف فاسد وهو ما خالف النصوص الشرعية مثل لو اعتاد الناس شرب الخمر أو الربا مثلًا، فإن هذا عرف فاسد لا يلتفت إليه ولا يجوز العمل به

стр. 94

لمخالفته النصوص وإن اعتاده الناس بينهم. والمصنف ﵀ عطف العادة على العرف وظاهر كلامه أنهما شيء واحد، وقد اختلف هل العرف والعادة شيء واحد، أم هما شيئان؟. قيل: إن العرف والعادة شيء واحد، وذلك أن العادة هي العرف والعرف هى العادة. وقيل: العرف ما يختص بالأقوال، والعادة تختص بالأفعال. وقيل: إن العادة أعمّ من العرف، والعرف أخص من العادة. وعلى هذا يكون قول المصنف والعادة من باب عطف العام على الخاص، وهذا أظهر أن العادة أعم من العرف. فعلى هذا يكون كل عرف عادة، وليس كل عادة عرفًا؛ لأن العادة أعم من العرف، فكلما وجدتَ عرفًا فاحكم عليه بأنه عادة، وليست كل عادة عرفًا، فقد تكون العادة عرفًا وقد تكون العادة ليست عرفًا؛ لأن العرف هو ما يعتاده جاعة من الناس ويتعارفونه فيما بينهم في البيع والشراء والنكاح وما أشبه ذلك من الأمور التي يعتادونها. أما العادة فهي الأمر المتكرر سواء كان لجماعة أم لفرد، فيكون في هذه الحال مباينًا من هذا الوجه للعرف، فهو قد يكون عادة لجماعة، وقد يكون عادة لفرد، أما العرف فلا يكون عادة لفرد بل يكون عادة للجماعة فقط، وبين العرف والعادة كما يقول الأصوليون عموم وخصوص مطلق.

стр. 95

والعموم والخصوص المطلق يعني أن أحدهما أعَمُّ مطلقًا، والآخر أخص مطلقًا، فالعرف أخص مطلقًا، والعادة أعمّ مطلقًا، وتصوّر مثلًا في دائرتين دائرة كبيرة ودائرة صغيرة فالعادة هي الدائرة الكبيرة، والعرف هو الدائرة الصغيرة، فكل عرف عادة، وليس كل عادة عرفًا. وهذا مثل الإيمان والإِسلام، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، وهكذا في مسائل كثيرة، هذا هو العموم والخصوص المطلق، بخلاف العموم والخصوص الوجهي بأن يكون كل منهما أخص من وجه، وأعم من وجه، فيوافق كل منهما الآخر في وجه من الوجوه، ويخالفه في وجه آخر. والعرف أيضًا على نوعين: عرف قولي وعرف فعلي: العرف القولي: كأن يعتاد الناس بينهم في بيعهم وشرائهم صيغة معينة يعتادونها في الإيجاب والقبول، وعليه يحمل عرف الناس، مثل أن يقول الله يربحك أو يقول: (نصيبك) أو ما أشبه ذلك. العرف الفعلي أو العملي: هو ما يعتاده الناس بينهم عن طريق العادة المتكررة أو عن طريق العمل، وهو في الغالب يكون أقل رتبة من العرف القولي؛ لأن العرف القولي صريح في إرادة هذا الشيء. فالعرف القولي تطابق النية مع القول، والعرف العملى تطابق النية مع العمل. ولاشك أن النية مع العمل أشبه بالقرينة بأنه يريد هذا الشيء، أما القول مع النية أشبه بالتصريح، فهذا يشبه النص، وذاك يشبه دليلًا من جهة الظاهر أو من

стр. 96

جهة القرينة وهو أقوى. فإذا تعارف الناس أمرًا من الأمور بينهم من جهة الأفعال يعمل بها، مثل أن الأصل أن الإنسان لا يدخل مكان غيره أو مسكن غيره إلا بإذن، لكن اعتاد الناس أن يدخلوا محلات البيع والشراء بدون إذن والمحلات العامة كمحلات القضاء والمكاتب وما أشبه ذلك، فهذه أمور لا يحتاجون فيها للإذن؛ لأنه معروف أنه ليس هناك موضع للإذن فيها فتعارفها الناس فيما بينهم. أوضح من هذا: إنسان يذهب للغسال يعطيه الثياب ويناوله إياها ويعرف أنه يريد غسلها، فبدون أن يكون بينهما عقد بصريح القول بل يكفي أن يعطيه إياها، وهكذا كل ما جرى معرفته من جهة الفعل يكفى فيه الفعل، وليس هنالك حاجة للتصريح بالقول؛ لأن العرف في هذه الحال يكفى. العرف - أيضًا - على نوعين من جهة عمومه وخصوصه، عام وخاص. عالم: يعمل به أهل البلاد كلهم. خاص: يعمل به مجموعة من الناس. العرف العام: أن يتوارثه الناس في البلاد كلها. والعرف الخاص: في بلد معين، والعرف العام بلا شك موضع اتفاق من الفقهاء أنه يعمل به، وأنه يحكم به بين الناس في سائر معاملاتهم، وأنه لو ادعى أحد من الناس أنه لا يريد العرف بعد عقد العقد فإنه لا يقبل قوله؛ لأن الأصل أن تحمل

стр. 97

معاملات الناس على العرف الجاري بينهم، وهذا هو العرف العام، وهو موضع اتفاق بين أهل العلم بالعمل به. عرف خاص لأهل بلد، مثلًا أن يعتاد أهل الرياض عرفًا، ويعتاد أهل القصيم عرفًا، ويعتاد أهل الغربية عرفًا، وأهل الشرقية عرفًا، وأهل مكة عرفًا دون غيرهم من أهل جدة، أو الدمام دون غيرهم من أهل الشرقية يعتادون عرفًا، إذا اعتادوا عرفًا يعمل به على الصحيح - أيضًا - ثم إن من قال إنه لا يعمل به لا يكاد يطبقه في الواقع بل كما قال العلاّمة ابن القيم ﵀: "إن من ينكر بعض أنواع الأعراف التي تجري بين الناس لا يعمل به في الواقع بل يتبعه ويعمل به، وإن خالفه قولًا فهو يوافق فعلًا, فهذا هو العرف الخاص"، فإذا جرى بين الناس عرف خاص فإنه يعمل به في هذه الحال. مثال للعرف العام: إذا اتفق رجل مع دلاّل في مسألة بيع أرض مثلًا، أو بيت، أو سيارة، فإن العرف بين الناس أن المشتري هو الذي يدفع السعي لذلك الوسيط، ولا يصح أن يمتنع عن الدفع، وإذا امتنع أُجبر بالدفع لأنه عرف عام بين الناس ما لم يكن هناك شرط بينهما يخالف ذلك العرف فيعمل به. مثال العرف الخاص: قد يكون لبعض الناس عرف بينهم يختلف عن غيرهم، مثلًا لأهل الرياض عرف يختلف عن أهل القصيم، قد يكون لهم عرف خاص بينهم في البيع والشراء مثلًا، يمكن أن يقال مثلًا من باب التوضيح في المسألة التي ذكرنا: لو كان بعض أهل البلاد عندهم أن السعى على البائع عرفٌ بينهم بخلاف

стр. 98

لعرف أهل البلاد هل يعمل به لأنه عرف خاص أم لا يعمل به؟ الصحيح أنه يعمل به ولو خالف العرف العام, لأنهم محمولون على الأعراف التي تجري بينهم. ننتقل إلى مسألة أخرى في العرف: العرف له شروط، فليس كل عرف مقبولًا، وقد أشرنا إليه في بداية البحث؛ بل إن منها ما هو مردود لفقد شرط من الشروط أو غير ملزم مثلًا. الشرط الأول: أن يكون العرف مُطَّرِدًا: أي معروفًا ومتكررًا وظاهرًا بين الناس، فليس أيُّ عادة تجري بين الناس تكون عرفًا، قد يكون هذا عادة ليس عرفًا، وقد يكون أمرًا خاصًا لأناس معينين، فلابد أن يكون أمرًا مطردًا متكررًا بين الناس معروفًا بينهم. الشرط الثاني: أن يكون عامًا: وهذا موضع خلاف كما أشرنا، لكن إذا فسر العموم بأنه لكل أهل بلد فلا بأس، أما إذا كان عرفًا بين بعض الناس في أهل هذا البلد دون غيرهم، أو معروفًا في حارة من الحارات دون غيرها من حارات هذا البلد، فهو لا يصح؛ لأنه لابد أن يكون عامًا وهو شرط من شروط العرف إلا إذا كان بين هؤلاء القوم جاريًا مجرى الشرط فيعمل به، وإدن لم يكن عامًا في البلد. والعرف دلت عليه أدلة في أنه يُحكَّم كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)،

стр. 99

وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (١) وهذه الآية احتج بها جمع من أهل العلم على أن العرف مُحَكَّم، وقال بعضهم إنها لا تدل، وظاهر كلام كثير من المفسرين أنها ليست دالة على العرف؛ لأن العرف المراد به المعروف، وهو ما أمر الله به من محاسن الأخلاق والأعمال، فلا تكون دليلًا على العرف المتعارف عليه، وكذلك ثبت في الصحيحين أنه ﵊ قال لهند بنت عتبة: "خذي ما يكفيك أنت وولدك بالمعروف" (٢)، فأرجعها إلى الأمر المعروف، وهناك أدلة أخرى على حجية العرف ذكروها في هذا الباب. الشرط الثالث: أنه لا يخالف نصاً شرعياً: فلو خالف نصًا شرعيًا لِكون عرفًا فاسداً، فلو أن الناس تعارفوا بينهم أنواعًا من الأعراف الفاسدة، مثل الأمور المحرمة فإن هذا لا يجوز أن يكون محلًا للقبول، أو جواز هذا الشيء؛ لأن العرف كما قلنا ما يتعارفه الناس مما لا يخالف نصًا شرعيًا، فإذا خالف النصوص الشرعية فيكون باطلاً مردوداً. الشرط الرابع: أنا لا يكون طارئاً: لو أن إنسانًا عَقَد عَقْدَ مبايعة مع إنسان آخر وكان هناك عرف، ولكنه لم

стр. 100

يحدث إلا منذ فترة يسيرة ولم يشتهر بعد، فقال المشتري: أنا أحاكمك على العرف، وقال البائع: أنا لم أسمع بهذا العرف، فقال المشتري: بل موجود عند أهل المكاتب يعملون به، وعند سؤال أهل المكاتب قالوا: هذا صحيح عند فلان عن فلان ولكن نحن لا نعمل به. نقول: هذا عرف طارئ، وننتظر حتى يشتهر وينتشر ويكون مستقراً تألفه النفوس ويقبلونه، فنعمل به، أما ما دام أنه طارئ لتوّه لم يشتهر ولم ينتشر فإنه لا يكون ملزمًا؛ لأن العرف ما تألفه النفوس، وهذا غير معروف، وفي هذه الحال لا يكون مقبولًا. الشرط الخامس: أنا لا يعارضه تصريح: مثاله: لو أن هناك عرفًا بين الناس في السعي للدلال (الوسيط بين البائع والمشتري) فلو قال المشتري: السعي عليك، أو قال له: أنا أشتري هذه السلعة صافي، في هذا الحال نقول: عارضَ العُرفَ صريحُ القَولِ، فلا يكون ملزمًا، وكذلك مسألة العرف في النكاح، لو أن إنسانًا لما تزوج قال: أنا سأدفع نصف المهر أو ربعه معجلًا والباقى مؤخراً، قالوا: لكن هذا العرف ليس عندنا، فهم لا يلزمون بهذا لأنه ليس عرفًا موجوداً لأهل هذه البلاد. فنقول في هذه المسألة: أن لا يعارضه تصريح فالعرف مثلًا في هذه البلاد أن المهر يكون معجلًا لا يؤجل منه شيء، وبهذا يعمل بالعرف وهو تعجيل المهر كله، لكن لو قال الزوج: سوف أعطيكم نصف المهر مثلًا، والباقى مؤجلًا.

стр. 101

فوافقوا فيكون خالف العرفُ صريحَ القولِ، فإنه في هذه الحال لا بأس به، ومما ينبغى أن يعلم أن العرف إذا استكمل هذه الشروط فإنه لا يشترط ذكره بل يكفي إطلاق القول، فإذا أطلق العقد حمل على عرف الناس بشروطه هذه. هناك مسألة أخرى تتعلق بمعارضة العرف للنص، نحن ذكرنا في الشروط بأن لا يخالف نصًا، لكن هنا إذا كان فيه معارضة، فالعرف يخالف النص، فهل يرد العرف مطلقًا؟ نقول: فيه تفصيل. العرف إذا خالف النص أو خالف دليلًا من أدلة الشرع ينظر، إن كان العرف خاصًا، والنص عامًا، فلا معارضة، فيعمل بالعرف في الخصوص، ويعمل بما سواه في العموم. مثاله: لو حلف أن لا يأكل اللحم، وهو يقصد لحم السمك، فأكل لحم الغنم، هل يحنث لأنه يسمي لحمًا في القرآن، ولغة يسمى لحمًا؟. نقول: لا يحنث؛ لأنه لا معارضة بين العرف والنص في هذه الحال، فيعمل بالعرف فيما سوى الخصوص، لكن بشرط أن لا يكون للنص حكم شرعى، أما إذا كان للنص حكم شرعى فلا يقبل العرف في هذه الحال، فيعمل بالعرف في الخصوص، وأنه يعمل على ما تعارفه الناس بينهم في اللحم. مثال آخر: قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) أي أن جميع ما على

стр. 102

الأرض دواب، لكن المتعارف بين الناس أن الدابة هى التى تكون لها أربع قوائم لتمشي عليها، فلو حلف إنسان أن لا يركب دابة، فهل يحنث إذا ركب فيما سوى ذوات الأربع. نقول: عرف الناس أنه خاص بذوات الأربع، فلا يحنث إلا إذا ركب ذوات الأربع، ولأنه ليس لهذا النص حكم في الشرع، أي في مسألة الدواب، أما إذا كان النص له حكم في الشرع فإنه لا يعمل بالعرف في هذه الحال، مثلًا الصلاة جاءت بمعنى الدعاء، ولو كان في عرف الناس أنه الدعاء فقال: والله لا أصلى، ولا شَكَّ أن الصلاة في عرف الشرع أنها هي ذات الركوع والسجود، لكن عندما حلف أن لا يصلي ثم سبح وذكر الله هل يحنث؟ نقول: لا يحنث حتى يصلى صلاة ذات ركوع وسجود. فإذا كان له حكم شرعي فإنه يعمل به كما قلنا. ومن مسائل العرف - أيضًا - معارضة اللغة للعرف، في هذه الحالة تقدم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، إلا إذا كانت الحقيقة اللغوية أعم أو مساوية، وإذا كانت الحقيقة العرفية هي العامة وهى المشتهرة فيعمل بها، أما إذا لم يكن هناك حقيقة عرفية فيعمل بالحقيقة اللغوية. مثاله: لو قال مثلًا: والله لا آكل شُواء - الشُّواء في اللغة كل ما شوي من لحم أو بيض، أو خبز خلط به شيء، أو بعض الخضروات التى تشوى فهى في اللغة تسمى شواء، لكن في العرف معلوم أن الشواء هو شواء اللحم خاصة، فبهذا

стр. 103

لا يحنث ويحمل على العرف، ونعلم أن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة الشرعية إلا إذا كانت الحقيقة الشرعية فيها حكم من جهة الشرع فإنه يعمل بها، أو كانت الحقيقة اللغوية أعم والحقيقة العرفية غير واضحة.

стр. 104

القاعدة العاشرة البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر في جميع الدعاوي والحقوق وغيرها هذا الأصل محل إجماع من أهل العلم في جملة أحكامه، وبينهم خلاف في تفاصيله، وهذا الأصل الذي قرره المصنف رحمه الله تعالى دل عليه قوله ﵊: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، وهذا اللفظ عند البيهقي وغيره، وهو في الصحيحين بلفظ: "لو يُعطى أناس بدعواهم، لادعى قوم دماء أُناس وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (١) وزاد البيهقى: "البينة على المدعي". وقوله: "البينة على المدعي": لها أيضاً في الصحيحين شواهد تلد عليها، منها حديث الأشعث بن قيس أنه ﵊ قال له لما اختلف هو ورجل في خصومة قال:"شاهداك أو يمينه" (٢)، وجاء معناه في صحيح مسلم من

стр. 105

حديث وائل بن حجر أنه قال: "ألك بينة؟ "، ثم يحلف قال: إنه رجل فاجر لا يبالي بما حلف عليه، قال: "ليس لك إلا ذلك" (١)، وفي أحايث أخرى جاءت تقرر هذا الأصل. المسألة الأولى في هذه القاعدة: وهي قوله "البينة على المدعي": والبينة حصرها بعض أهل العلم في جملة أشياء تثبت الحق، فقالوا: البينة هى رجلان، أو رجل وامرأتان، أو شاهد مع يمين صاحب الحق، فإذا ادعى رجل على رجل حقًا من الحقوق في يده أو في ذمته فإن عليه البينة، يقال ما بينتك، فإذا كانت البينة رجلين أو رجلًا وامرأتين ثبت الحق، كذلك في المال وما يؤول إلى المال على خلاف لأهل العلم في هذا الأصل، أما الرجلان أو رجل وامرأتان هذا إجماع من أهل العلم، فإذا كانت البينة شاهداً واحدً في دعوى بيت أو أرض أو مال في يد غيره، أو ما أشبه ذلك من سائر الحقوق قال: ما عندي إلا شاهداً واحداً، نقول له احلف مع شاهدك هذا ويكون شاهدك دليلًا لك، واليمين تعضدها وتؤيدها، وذهب إلى هذا جمهور أهل العلم إلى أن المدعى يحلف مع شاهده لما في حديث ابن عباس أنه ﵊ قضى باليمين والشاهد، وفي لفظ قضى باليمين لطالب الحق مع شاهده (٢).

стр. 106

وهذا في صحيح مسلم وله شاهد من حديث جابر (١)، ومن حديث أبى هريرة وهما شاهدان جيدان، وله شواهد كثيرة تدل على أن الحق يثبت بالشاهد مع يمين

стр. 107

صاحب الحق، هذه بينة عند جماهير أهل العلم. وقال آخرون: إن البيّنة كل ما يبيّن الحق ويوضحه سواء كانت هذه الإثباتات

стр. 108

المذكورة، أو هذه البينات أو غيرها فكل ما يبين الحق فهو بيّنة. وقالوا:: إن ما ذكر في الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١) هذا ليس في القضاء بالحق إنما هو في إثبات الحق، وفرق بين القضاء في الحقوق وتمييز الحقوق وبيان أصحابها وبين إثبات الحقوق لأهلها. من أراد أن يعقد عقداً من بيع أو إجارة، أو أراد أن يسلف إنسانًا أو ما أشبه ذلك، فعليه أن يتوثق ويثبته بأعلى البينات برجلين أو رجل وامرأتين، ولكن في القضاء والحقوق، وفي الفصل في الحقوق والفصل في الخصومات قد تكون البينة أعم من هذه الأشياء، والله ذكرها في معرض إثبات الحقوق لا في معرض الفصل في الخصومات؛ لهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن البينة التي تُبيِّن الحقَّ تكون بأشياء كثيرة غير هذه الأشياء؛ ولهذا قالوا إنه في أشياء كثيرة قررت الشريعة القرائن، فإذا وجدت قرائن؛ يحلف معها صاحبها. مثال ما في القسامة وهي إذا ما ادعى قوم أن رجلاً قتل رجلًا منهم وكان هنالك شيء من العداوة بينهم، أو وُجد القتيل في هذا الحي، ورُؤي رجلٌ هارباً وهو متلطخ بالدماء ومعه آلة قتل، وإن لم يُرَ أنه قتل فإن هذه قرينة تقوّي جانب المدعي، لأجل هذا يحلفون خمسين يمينًا مع هذه القرينة، وإن لم تكن شهادة بالعين أنهم رأوه حال قتله إنما هي قرينة تبيّن أن هذا قتل أو كان وجد القتيل في مكان

стр. 109

أعداء له هذه قرينة فيحلف أولياء القتيل خمسين يميناً ويستحقون دم المتهم بالقتل، قالوا: هذا يبيّن أنّ البيّنة أعم من أن تكون بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، أو رجل ويمين طالب الحق، فإذا قوي جانب المدعى كانت اليمين معه، فلأجل هذا قالوا: إن اليمين تكون في جانب من كانت حجته قوية، وهذا الأصل أقوى، فمن كان جانبه أقوى فاليمين معه، فيحلف ويستحق ما ادّعاه، قالوا هذا الأصل الذي تقرر. فإن قالوا: ماذا تقولون في قوله ﵊: "البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر" (١) ظاهر الحديث العموم في جعل اليمين في جانب المنكِر، فالجواب عن هذا الحديث: ١) أن هذا الحديث الذي أخذ منه هذه القاعدة أنها لا تصح على العموم؛ لأنها مستندة إلى حديث لا يثبت، وفي كثير من الأحاديث ثبت اليمين في جانب المدعى إذا كان هناك قرينة تقوي جانبه. ٢) أن هذه القاعدة المأخوذة من الحديث تكون من باب العموم والخصوص، فالأصل أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر إلا ما دل الدليل على خلاف ذلك. ٣) أن هذا الحديث في الدعوى المجردة التى ليس فيها إلا مجرد الدعوى، وهذا الجواب أصح فكل من ادّعى دعوى باستحقاق شيء مثل لو قال: أنا أطلب فلاناً

стр. 110

ألف ريال، أو أن هذا البيت الذي في يد فلان لي، نقول: عليك البينة، هذا إذا كانت مجرد دعوى، وليس هناك أي قرينة تعضدها، فإذا كان المدعي ادعى وليس هناك بينة، نقول: ائت ببينة لأن جانبك ضعيف، والدعوى كل يدّعيها، فلو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى أناس دماء أقوام وأموالهم لكن البينة على المدّعي، فلذلك هذه الدعوى ضعيفة، أي شيء يبطلها هذا إذا لم يكن هناك بينة، فنقول للمدَّعَى عليه: عليك اليمين. إذن نفهم أن هذا الحديث في الدّعاوى المجردة التي لا يقويها شيء، أما اٍ ذا عضد جانب المدّعِي قرينة من القرائن فإن دعواه تعضد بيمينه ويستحق ما ادّعاه، ولأجل هذا ذهب جمع من أهل العلم إلى القضاء بالنُّكول أو بالنُّكول والردّ، واكتفوا بمجرد نكول المدّعَي عليه، وبعضهم اشترط مع النكول رد اليمين ولم يقولوا لابد من البينة من جانب المدّعِي. ومعنى هذا لو أن إنساناً ادّعى على إنسان سيارة، وأنه يملكها، أو أنه يطلب إنساناً ديناً في ذمته وليس عنده شهادة تُبيِّن حقه، في هذه الحال كما قلنا إما البينة أو يحلف الخصم، فَنَكَلُ الخصم أن يحلف، والنُّكول بمعنى الامتناع، فلما رفض أن يحلف قَويَ جانب المدّعى، في هذه الحال ماذا نعمل؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يُجبر على الحلف ويُحبس حتى يحلف، اعتماداً على هذا الأصل وهذه القاعدة، وهو أن اليمين على المدّعى عليه، وهذا قول كثير من
следующие страницы →