والذين قالوا إنها تُضمن مطلقاً احتجوا بحديث الحسن عن سمرة الذي رواه الأربعة أنه ﵊ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (١).
стр. 142
وهذا محل بحث، ولا نريد الإطالة بذكره، لكن الصواب كما قلنا إنها تضمن بالشرط، ولهذا لم يضمنها لأبى يعلى لحُسن إسلامه ولتمكن الإسلام من قلبه، وضمنها ﵊ لصفوان بن أمية لأنه لتوّه أسلم، فدل على أنها تضمن بالشرط.
стр. 143
القاعدة الخامسة عشر لا ضرر ولا ضرار
هذه القاعدة نص حديث عنه ﵊ أنه قال: "لا ضرر ولا ضرار" (١)، وهذا الحديث بمجموع طرقه صحيح، أو صحيح لغيره لأنه رواه ابن ماجه، ورواه الدارقطني، وله طرق عن ابن عباس، وعن عبادة بن الصامت، وغيرهما، وجاء أيضًا من طرق مرسلة، ويشهد له عدة أدلة من القرآن منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُضَار كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ (٣).
فهذه القاعدة محل إجماع في الجملة، لكن في تفاصيلها خلاف، ولها فروع كثيرة منها ما سبق لنا: أن الضرورات تبيح المحظورات، وزاد بعض أهل العلم: بشرط عدم نقصانها، أي أن تكون الضرورة أشد مما أراد أن يستبيحه، ولأجل هذا لما كان أكل الميتة أيسر وأسهل من هلاك النفس جاز الأكل من الميتة، ولما كان العلاج بالخمر أو بالدواء الخبيث ضرره أشد لم يجز العلاج به لأنها ضرورة؛ من أجل أن ضرره أشد مما يستباح له الخمر.
كذلك لا يجوز أن يقدِم على قتل إنسان أُمر بقتله لأجل استبقاء نفسه؛ لأن ما
стр. 144
قدم عليه أشد مما أُجبر عليه، فلا يقتل نفسًا معصومة لأجل أن يستبقي نفسه.
كذلك من فروعها أن ما أبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها، فالذي يضطر للميتة فإنه يل بقدر ما يقيم النفس، وهذا محل تفصيل، فإذا كانت الضرورة دائمة فالصواب أنه يجوز الشبع لما روى أبو داود من حديث جابر بن سمرة أن رجلاً نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل إن ناقة لي ضلّت فإن وجدتَها فأمسكها، فوجدها فلم يجد صاحبها، فمرضت فقالت امرأته: انحرها، فأبى فنَفَقَت، فقالت: اسلخها حتى نقَدِّد شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: "هل عندك غنى يغنيك؟ " قال: لا، قال: "فكُلُوها"، قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك (١).
وجاء أيضاً عند أبى داود من حديث عقبة بن وهب بن عقبة العامري قال: سمعت أبى يحدث عن الفُجَيع العامري أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة، قال: "ما طعامكم؟ " قال: نغتبق ونصطبح، قال أبو نعيم: فسَّره لي عقبة قدح غدوة وقدح عشيةٌ: قال ذلك وأبي الجوع فأحل لهم الميتة على هذه الحال (٢)، أما إذا كانت عارضة وهي قريبة الزوال فإنه يأكل بقدر ما يسد جوعه.
стр. 145
ومنها: الضرر لا يزال بالضرر، ويدل عليها ما ذكرنا في المثال السابق من الاعتداء على غيره لأجل استبقاء نفسه.
ومنها: إذا تعارضت مفسدتان روعى أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما، وهذا أشرنا إليه، لأنه نوع ضرورة، فإذا كان هناك مفسدتان فإنه يرتكب أخفهما في دفع أعظمهما، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
والحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أم خاصة، وذكروا لهذه من الأمثلة في مسألة السَّلَمِ ومسألة الإجارة، فقالوا إن هذه حاجات تنزل منزلة الضرورة، وقالوا: إن هذه في القياس عقد على معدوم، وهذا ردّه شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله - وقالوا: إن هذا ليس بصحيح، بل إن السَّلَمَ عقد على شيء في الذمة، وليس عقدًا على معدوم، لكن هذا جار في بعض أنواع البيوع، فيجوز بيع البيت مع الجهالة في بعض الأشياء مثل الأساسات والحيطان، وكذلك نشتري أنواعًا من الفرو والملابس ولا يرى داخلها فعفي عن المجهول التابع والجهالة يسيرة؛ لأنها محل حاجات لأن هذا يحتاجه العامة والخاصة، قالوا مثل لو أن عنده إناء فانكسر فاحتاج إلى جبره بشيء من الفضة مع أنه يجد شيئاً من النحاس، فإنه يجوز أن يلحم بالفضة وإن كان يجد غير الفضة، أي لا يشترط في جبره بالفضة عدم وجود غير الفضة لأنه إذا لم يجد غير الفضة فإنه يكون في هذه الحالة ضرورة،
стр. 146
ولهذا لما انكسر إناء النبي ﵊ اتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة كما في البخاري (١).
стр. 147
القاعدة السادسة عشر العدل واجب في كل شيء، والفضل مسنون
وهذه - أيضاً - قاعدة صحيحة، بمعنى أنه يجب أداء ما كان واجباً، أما ما كان مستحباً فهو مسنون في كل أمور الشرع، مثل الوضوء فإنه يجب أداء الوضوء على الوجه الواجب، فيغسل كل عضو مرة شاملة لجميع العضو، لكن الفضل وهو الزيادة مسنونة، فيسن أن يزيد ثانية وثالثة، والتعدّي ممنوع، والنقص قد يكون محرماً.
وقد يكون خلاف السنة، فيكون النقص محرماً إذا كان نقصاً عن الواجب، وإن كان نقصاً عن المسنون مع المداومة على النقص فهو خلاف السنة، أو خلاف الأولى.
الصلاة المفروضة واجب أداؤها بشروطها، والزيادة عليها بالصلاة قبلها أو بعدها مسنونة، لكن المداومة على ترك الرواتب عند بعض أهل العلم ممنوعة لأنه لا يمكن أن يُصِرَّ على المداومة على تركها إلا مع الإخلال بشيء من الواجبات، لكن الأصل أن أداء الصلاة المفروضة واجب، وما سواها مسنون.
كذلك الزكاة العدل فيها واجب، وهو أداء الواجب، وصدقة التطوع مسنونة ومرغّب فيها، الحج واجب بشرط الاستطاعة والزيادة عليه مسنونة،
стр. 148
وهكذا في سائر أوامر الشرع.
ولهذا قال العلماء الغسل ينقسم إلى قسمين:
غسل مجزئ وغسل كامل، الغسل المجزئ هو الواجب، فالغسل المجزئ بمعنى أن يعم البدن فهذا واجب، والزيادة عليه باتباع ما جاء في حديث عائشة وميمونة رضى الله عنهما من إزالة الأذى ثم الوضوء، ثم إفاضة الماء على سائر بدنه، هذا هو المسنون.
كذلك إذا اعتدى إنسان على آخر بالسب والشتم فرَدُّ السيئة - ما لم يكن افتراء - في مقابلها عدلٌ لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢)، والأفضل والسنة هو الفضل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٣).
فالعدل هو الرد بالمثل، فلو قال إنسان لآخر: أخزاك الله، فردّ عليه بمثل ما قال له، أي قال: بل أنت أخزاك الله، فهذا هو العدل.
والمحرم الزيادة، أي لو قال له: بل أنت أخزاك الله، بل أنت أخزاك الله، فهذا محرم، لأنهما اثنتان مقابل واحدة، والفضل هو العفو والمسامحة.
فهى على مراتب الفضل هو المسنون، والعدل هو الواجب، والظلم هو التعدي.
стр. 149
القاعدة السابعة عشر من تعجَّل شيئاً قبل أوانه، عوقب بحرمانه
هذه القاعدة ذكرها كثير من الأئمة في كتب القواعد، ونازع بعضهم في صحتها، وقالوا إنها قاعدة غير صحيحة، وإن كان يدخل تحتها مسائل، لكن الخارج منها أكثر من الداخل فيها، فهناك مسائل داخلة بلا إشكال، ومسائل خارجة بلا إشكال، ومسائل موضع خلاف بين أهل العلم، لكن لما كان الخارج منها كثيراً قالوا إن في صحتها نظر.
فمن المسائل التى تدخل فيها ومن أشهرها إذا قتل مُوَرِّثه لكى يرثه فإنّ هذا يعاقب بنقيض قصده، ويمنع من الإرث، وكذلك لو قتل الموَصَى له الموصِي، لكى تحصل له الوصية فإنه يعاقب بنقيض قصده، وذكر تقى الدين ابن تيمية ﵀ وغيره إذا قتل إنساناً ليتزوج زوجته فإنه يعاقب بنقيض قصده، فلا يُمَكَّن من الزواج منها، وقال بعضهم إنها لا تحل له أبداً.
وهناك مسائل خرجت منها كما قلنا:
فلو أن امرأة شربت دواءً لكى ينزل منها دم الحيض فإنه إذا نزل منها هذا الدم فإنها تعتبر حائضاً ولا يجوز لها أن تصلى، ولا يُقال إنها تعاقب بنقيض قصدها.
ومنها - أيضاً - لو أنه رمى بنفسه من مكان مرتفع مثلاً حتى يتألم في رجله فلا يصلى قائماً، فإنه لا يعاقب بنقيض قصده، بل يصلي جالساً وصلاته
стр. 150
صحيحة، وإن كان فعله محرمًا.
ومنها - أيضاً - لو تناول شيئاً ليمرض نفسه لكى لا يصوم رمضان فإنه - أيضاً - لا يعاقب بنقيض قصده، بل عليه أن يفطر ويقضى إذا شُفى، لكنه آثم بفعله هذا. . إلى غير ذلك.
ولأجل هذا قال بعضهم: إنه لا يدخل فيها إلا مسألة قتل الوارث لمورثه، والباقي موضع خلاف، وقد تعرّض السبكى في الأشباه والنظائر لهذه القاعدة، وأشار إلى أن في صحتها نظراً، وتكلم على قيود تُصَحّحُها، وقال ما معناه: إذا كان الأمر الذي قصد المكلف إلى مخالفته، إن كان الأمر مطلوباً للشارع، وكان مُسبَّبه يحث على سببه مثل الصلاة فهى مطلوبة من الشارع وتحقيقها فيه أجر عظيم، فالسبب وهو الصلاة يحصل مسببُه وهو الأجر العظيم في الدار الآخرة، وهكذا مثل الصوم ما يترتب عليه من الأجر العظيم، فالمكلَّف يحرص على الصوم ويحرص على الصلاة، اللذين هما سبب من أسباب الأجر فإذا تعاطى المكلف أشياء قد تمنعه من القيام بما يجب أو يشترط للعبادة، أو مثل ما لو تعرض لأذى حتى لا يستطع القيام أو تسبب في إمراض نفسه حتى لا يصوم، فإنه لا يلتفت إلى قصده ويبقى الأجر على ما كان.
وإن كان غير مطلوب للشارع قال ينظر إن كان هذا الأمر يهدم قاعدة من قواعد الشرع، فإنه لا يلتفت إلى قصده، ولا يعامل بنقيض قصده: مثل ما لو كان عنده سبب الزكاة وهو النصاب وشرطها، وهو الحول، فإيجاد النصاب
стр. 151
وإيجاد الحول، ليس تحت قدرة المكلف إنما المطلوب إذا وجد السبب والنصاب وجبت عليه الزكاة، فقال: لو تحايل في إسقاط الزكاة فإنه لا تجب عليه الزكاة.
وإن كان الذي تسبب المكلف في إسقاطه لا يهدم قاعدة من قواعد الشرع فإنه يعامل بنقيض قصده، مثل ما لو قتل مُورِّثه لكي يرثه فإن هذا لا يهدم قاعدة من قواعد الشرع فيُحرَم من الميراث؛ لأن الميراث قد يسقط بين القريبين بسبب اختلاف دين أو بين الغرقى، إذا لم يعلم أولهما، المقصود أنه ذكر كلاماً نحو هذا، وكلامه هذا كله موضع نظر، وكثير من أمثلته التي أوردها ليقيّد بها هذه القاعدة لما يوافق مذهبه - عفا الله عنه -.
وزاد بعضهم فيها قيداً، وهذا القيد يُدخِل كثيراً مما استثنى، قال: من تعجّل شيئاَ قبل أوانه ولم تكن المصلحة في وجوده، عوقب بحرمانه، فهذا قيد جيد، وقد يرد عليه أشياء، وبهذا تكون قاعدة أغلبية، فقد يخرج منها بعض المسائل ولا حرج لأن هذا هو شأن القواعد أو معظمها.
فمثلًا المسائل التي أشرنا إليها: مسألة سقوط الركن من الصلاة، وعدم وجوب الصوم عليه وجواز الفطر، فهذه أمور لا يُقَال إنه يعاقب بنقيض قصده، لأن هذه الأشياء مطلوب وجودها والمصلحة في وجودها ومأمور العبد بتحقيقها، ولا يُقال كما أشار إليه السبكى ﵀ وهو أن يُفرّق بين ما إذا كان يهدم قاعدة من قواعد الشرع، وبين ما لا يهدم قاعدة من قواعد الشرع؛ لأن هذا فيه خلاف؛ لأن من تحايل في إسقاط الزكاة ذهب كثير من أهل العلم إلى وجوب الزكاة عليه،
стр. 152
فيعامل بنقيض قصده، لكن على القول بعدم وجوب الزكاة هو جار على قول كثير من أهل العلم، من الأحناف والشافعية، لأنه لم يوجد شرط الزكاة وهو الحول، وإن كان الصواب هو وجوب الزكاة ويدخل تحت هذه القاعدة.
ومما يدخل فيها ما أشار إليه المصنف ﵀ وذكرها أيضاً تقى الدين ابن تيمية وغيره: أن المكلف إذا تعجّل بعض الأمور في الدنيا قد يحصل له حرمان ومنع لها في الآخرة بحسب ما تعرض له، فالكفار بما هم عليه من كفرهم وضلالهم وتعجُّل طيباتهم في حياتهم الدنيا، مصيرهم إلى النار، فتعحلهم للطيبات هو مما يزيدهم الله به عذابًا في النار.
وأهل الإسلام بحسب مراتبهم، فمن تعجّل كثيراً من الطيبات فإن هذا يكون نقصًا في نعيمه من حيث الجملة، وقد يكون ليس نقصاً بحسب قصده ونيته.
المقصود أنه كلما كان أدخل في الشبهات والتوسع في المباحات، كلما كان تعرضًا للنقص في الدار الآخرة، فهذه القاعدة كما قلنا في بعض أمثلتها شيء صحيح وواضح، وإذا زيدَ هذا القيد في قوله: (ولم تكن المصلحة في وجوده) كانت قاعدة أغلبية.
стр. 153
القاعدة الثامنة عشر تضمن المثليات بمثلها، والمتقوِّمات بقيمتها
هذه القاعدة قالها الفقهاء في سائر المذاهب، وهي تكاد تكون محل إجماع منهم، لكن خلافهم في المثلى والمتقوَّم، بعضهم قال: إن المثلى هو كل مكيل، أو موزون، فمن أتلف لإنسان شيئاً مكيلًا، أو موزوناً، أو ثبت في ذمته شيء مكيل، أو موزون بقرض، أو نحوه وجب عليه مثله، فمن استسلف من إنسان مائة صاع من البرّ مثلاً وجب عليه في ذمته مائة صاع من البرّ، ومن استسلف شيئاً موزوناً مثل لحم فإنه وجب في ذمته، ويجب ردُّ مثله، وهذا في القرض ما لم يتراضوا على شيء يوم التقابض، وإلا يجوز أن يعطيه غير ما استسلف إذا تراضوا على شيء وأن يجعله بدلاً عن قرضه، والمشهور في المذهب أن المثلي هو كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السَّلَمُ فيه.
فقولهم: "كل مكيل وموزون ": يخرج ما لم يكن مكيلاً أو موزونًا من المعدودات المذروعات.
وقولهم: "لا صناعة فيه مباحة": يخرج الموزون إذا خرج عن الوزن بالصناعة، مثل أنواع الآنية من قدور وغيرها، مما أصلها الوزن لأنها من الحديد أو غيره مما يوزن من نحاس وغيره، فهذه وإن كان الأصل فيها الوزن لكن خرجت بالصناعة عن الوزن، فهذه تضمن لكن لا تضْمَنُ بمثلها لأنها خرجت من المثلية بالصناعة،
стр. 154
فلا مثل لها فتضمن بقيمتها، ومنه أيضاً الحلي وإن كان أصله الوزن لكنه خرج عن الوزن بالصناعة، فيضمن بقيمته.
وقوله "مباحة": يخرج الصناعة المحرمة، فإذا أتلف على إنسان إبريق من الذهب أومن الفضة أو ملاعق من الذهب أو من الفضة فإنها لا تضمن بقيمتها، بل تضمن قيمتها بوزنها، أي كم يساوي هذا الإبريق وزناً، وكم تساوي هذه الملعقة وزناً؟ لأنها بالصناعة زادت قيمتها؟ ولأجل هذا الذهب إذا كان تبراً له قيمة وإذا كان مصنوعاً له قيمة، فلذلك قالوا إنها لا تضمن بقيمتها لأن الصنعة محرمة ولا قيمة لها في الشرع، وإن كان لها قيمة عند الناس لكنها في الشرع ليس لها قيمة، فتهدر ولا تُحسب، وتحسب قيمتها غير مصنوعة.
وقولهم "يصح السَّلم فيه": يخرج الموزون الذي لا يصح السَّلم فيه كالجواهر واللؤلؤ وما أشبه ذلك من أنواع الجواهر، قالوا هذه وإن كانت موزونة فليست مثلية.
فلو قال: أعطيك مائة ألف ريال في جوهرة تأتي بها إلى مدة شهر صفتها كذا، ولونها كذا، وحجمها كذا، فهذه قالوا لا تصح لأن هذا لا يمكن ضبطه، والجواهر تختلف اختلافاً عظيماً، فقالوا كما أنه لا يصح السلم فيِها لأنها لا تنضبط فكذلك لا تكون مثلية لعدم انضباطها، وهذا هو تعريف المثلي في المذهب وهو المشهور عندهم، ولا شك أن هذا لا يدخل فيه إلا أشياء يسيرة ويخرج منه أشياء كثيرة.
стр. 155
القول الآخر في هذه المسألة:
أن المثلي ما له مثل يماثله أو يقاربه، وهذا هو أصح الأقوال وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ ونصَره ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين، وقاله جمع من أهل العلم، وهذا القول هو الذي يدل عليه القرآن والسنة والآثار عن الصحابة - رضى الله عنهم -، والقياس والقضاء الصحيح.
ولهذا يضمن الصيد إذا أتلفه بمثله أو ما يقاربه، فقضى الصحابة ﵃ في البعير بالنعامة، مع أن الفرق بينهما عظيم لكنها تشابهها في بعض الأشياء مثل طول الرقبة والجسم، وقضوا في الشاة بحمامة مع الفرق بينهما لكن لأنها تشبهها من جهة مص الماء - والله أعلم -، فالصحابة ﵃ هم أفقه الأمة وأعلمها، ومع هذا قضوا في مثل هذا بالمثل بما يشابهه من بعض الوجوه.
وقد صحَّ عنه ﵊ أنه استلف بَكراً فقضى رباعياً (١)، فدل على أن الإبل مثلية، وإلا لرد القيمة، ولهذا يقولون في القرض يُردُّ مثله،
стр. 156
واستثنى بعضهم القرض في مثل هذه الأشياء وهو قول الجمهور، والأحناف يقولون أن الإبل ليست مثليه فلو اقترض شيئًا من الإبل لا يرد شيئًا لأنه ليس له مثل بل يرد قيمته، واختلفوا ما هي القيمة الواجبة، هل هي قيمته يوم القبض أو يوم الرد. . إلى غير ذلك، المقصود أن الإبل مثليه كما قلنا.
وقد ذكر الله عن داود ﵇ قال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١) وهذه القصة ذكرها أهل العلم، فداود ﵇ قضى بحكم وخالفه ابنه سليمان، فهؤلاء القوم لهم غنم وقوم لهم بستان فنفشت هذه الغنم، والنفش هو الإفساد ليلًا، فقضى سليمان لأهل الزرع بأن يقوم أهل الغنم بإصلاح البستان، والبستان فيه الأشجار والثمار والحيطان التى تبنى، وهو قضي بإرجاع البستان كما كان، وهذا لا شك عند جماهير أهل العلم ليس مثليًا، فلما قضى بهذا أثنى عليه الله بالفهم، وأن الله فهَّمه، ومن عدله ﵊ حكمه أن يأخذ أهل البستان الغنم فيستفيدوا منها في مدة إصلاح البستان، فجعل نماء هذه الغنم في هذه المدة مقابلًا للنماء الذي يستفيدونه من البستان لأنه فات عليهم في هذه المدة، وهذا بلا شك أقرب للعدل. . فعلى هذا كل شيء يماثل شيئًا فهو مثلي.
والأواني على الصحيح نقول إنها مثلية لأنها تماثلها، والسيارات التى تتماثل
стр. 157
تكون مثلية، لكن هذا كما قلنا عند الجمهور ليست مثليه والثياب أيضًا عندهم ليست مثلية، بل قيمية لأنها ليست مكيلًا ولا موزونًا لأن الثياب خرجت عن الوزن بالصناعة، والصواب أنها مثلية، بل المشابهة في الأوانى قد تكون أعظم من المشابهة بين حبة بُر وحبة بُر، لأن الحب قد يكون بعضه صغيراً وبعضه كبيراً.
فالقول المختار كل ما له مثيل فهو مثلى، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأخبار، وهو أيضًا ظاهر اختيار البخاري ﵀ في صحيحه، وقد بوّب بابًا في صحيحه وقال: باب من هدم جداراً بنى مثله، وليس المراد بهذا أنه يلزمه المراد إذا اختلفوا، وإلا لو تراضوا على شيء جاز، فلو تراضوا على شيء في المثليات على القيمة جاز ذلك، لكن هذا يلزم إذا اختلفوا أو أرادوا أن يرجعوا إلى حكم الشرع الواجب عليهم، فعلى هذا إذا عُدم المثلى أو شق وجوده أو العثور عليه نرجع إلى القيمة.
ومن الأدلة - أيضاً - التي تدل على القول الصحيح في مسألة المثلى القصة المشهورة التى جاءت في حديث عائشة وحديث أنس أنه ﵊ كان عند إحدى أزواجه وكانتا تصلح طعاماً له ولأصحابه، فجاءت إحدى أمهات المؤمنين بطعام، وجاء في بعض الروايات أنها عائشة وأن التى صنعت الطعام هي زينب بنت جحش، فجاءت فكسرت تلك الصحفة، فقال ﵊: "غارت أُمكُم"، وجاء في صحيح البخاري أنه ﵊ حبس الصحفة المكسورة في بيت الكاسرة وردّ الصحيحة إلى
стр. 158
بيت من كُسِرَت صحفتها. فهذا ظاهره أنه قضى، ففعله ﵊ من تضمين الكاسرة من إبقاء الصحفة المكسورة في بيتها وأخذ الصحيحة وجعلها لمن كسرت صحفتها يدل على أن المثل ماله مثل، لأن الصحفة عند الجمهور ليست مثلية لأنها خرجت بالصنعة عن كونها مثلية.
وأصرح منه ما رواه الترمذي بسند صحيح أنه بعد ما فعل هذا ﵊ قال: "إناءٌ بإناءٍ، وطعامٌ بطعامٍ " (١)، وقد رواه الترمذي بسند على شرط الشيخين، وقد رواه - أيضاً - أبو داود والنسائي من طريق جسرة بنت
стр. 159
دجاجة عن عائشة ﵂ أنه ﵊ قال: "إناءٌ باناءٍ، وطعامٌ بطعامٍ"، فهذان شاهدان لما جاء في البخاري، ويرد على من قال إن هذا على سبيل المكارمة، وليس على سبيل القضاء، وأنه من باب العقوبة للكاسرة، وأن هذا من ماله ﵊ ولا يخرج من بيته وهن أزواجه ﵊، لكن قوله إناء بإناء قاعدة عامة، وجاء في لفظ آخر ذكره الحافظ ابن حجر عند ابن أبي حاتم أنه قال من كسر شيئاً فهو له وعليه مثله، وهذا قانون عام في هذه المسائل.
وقوله: "المتقوّمات بقيمتها": هذه واضحة تتضح من المثلي، وأن ما لم يكن مثلياً أو كان مثلياً وعُدم فيرجع إلى قيمته.
стр. 160
القاعدة التاسعة عشر إذا تعذّر المسمّى رجِع إلى القيمة
الأصل أنه يجبِ المسمى، فإذا تبايع رجلان بيتاً بمائة ألف ريال، أو تبايعا سيارة بخمسين ألف ريال أو ما أشبه ذلك، فالأصل أنه يجب المسمى أو نكح على شيء من المال، فإنه يجب المسمى الذي سمّي في العقد لأنه يجب الوفاء بالعقود والشروط.
ومن أعظمها الثمن المسمى، فإذا تعذّر المسمى لسبب من الأسباب لفساد التسمية أو لفساد العقد قالوا يرجع إلى القيمة، بقى أن نعرف الفرق بين المسمى والقيمة.
المسمّى: هو الثمن الذي اتفق عليه المتعاقدان، سواء كان قيمة للشئ أم أقل من قيمته، أم أكثر، فإذا اشترى إنسان بيتاً وقيمته مائة ألف فاشتراه بخمسين ألف أو العكس بأن يكون قيمته مائة ألف ريال فيشتريه بمائة وخمسين ألف ريال.
القيمة: هي سعر العادة الغالبة في السوق، ولهذا قال المصنف: إذا تعذّر المسمى رُجع إلى القيمة.
ولو قال: رُجع إلى عِوَض المثل لكانت أشمل وأكثر فائدة، حتى يدخل فيها أجرة المثل وقيمة المثل ومهر المثل، أما القيمة فإنها في الغالب تطلق على الشيء المبيع، والإجارة يُطلق عليها أجرة، والمهر يطلق عليه مهر، ولهذا لو قيل رُجع
стр. 161
إلى عوض المثل لكان أحسن لأنه يدخل فيه جميع أنواع العقود.
وهذه القاعدة يستفاد منها في أشياء كثيرة، منها:
مثلاً: إنسان أخذ من إنسان سلعة لكي يشاور أهله في ذلك فتلفت هذه السلعة بتفريطه وهم لم يتفقوا على ثمنها، فأردنا أن نرجع إلى ثمنها، كم تساوي في السوق، ومثله أيضًا المغصوب فلو أن إنسانًا غصب من إنسان سيارة أو شاة، أو أواني، فتلفت أو تصرف فيها بالبيع على القول بتصحيح تصرفات الغاصب، فأردنا إرجاع هذا المغصوب إلى صاحبه والمغصوب كما قلنا قد تلف فما الواجب على الغاصب؟، إن كان مثليًا رجعنا إلى مثله، وإن لم يكن له مثل فإننا نرجع إلى قيمته على الخلاف في تقدير قيمته، لكن على قول كثير من أهل العلم أن القيمة تكون بالغة ما بلغت، فإذا غصب أرضًا وحكم عليه القاضي بتسليم الثمن قال كثير من أهل العلم إنه يسلم أعلى ما بلغت قيمتها، فلو كانت قيمة هذه الأرض عندما غصبها مائة ألف ثم ارتفعت فصارت قيمتها مائتى ألف ريال ثم نزلت قيمتها فصارت تساوي خمسين ألف ريال، فإنه يدفع أعلى ما بلغت أي مائتى ألف ريال، وقيل إنه يدفع قيمتها يوم التلف، المقصود أنه يجب عليه القيمة، أما لو نكح امرأة وسمى لها مهراً مائة ألف ريال مثلًا، وعادة الناس أن المهر خمسون ألف ريال مثلًا، فإن الواجب لها المسمى، هذا هو الصواب كما هو قول الجمهور، وقال الشافعى وجماعة: يعطها مهر مثلها، لكن الصواب كما سبق أن لها المسمى.
стр. 162
القاعدة العشرون إذا تعذر معرفة من له الحق، جُعِل كالمعدوم
وهذه القاعدة أصلها حديث اللُّقطة، وأنه ﵊ قال: "إن جاء صاحبها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء" (١)، وفي لفظ: "فشأنك بها". أي الزم شأنك فلك أن تتصرف فيها.
ويقولون: المجهول كالمعدوم إذا يُئس من الوقوف عليه أو شق اعتباره، فلو أن إنساناً عنده أموال من غصب أو سرقة، ثم تاب منها ولا يعلم أصحابها فهذا عليه التوبة الصادقة، وأصحاب الأموال المغصوبة أو المسروقة يرضيهم الله يوم القيامة، لكن هذه الأموال ماذا نعمل بها؟، من رحمة الله أن جعل المجهول كالمعدوم أي كأن هذه الأموال لا مالك لها فتُصرف في أبواب الخير، فعليه أن يتصدق بها عن صاحبها ثم لو جاء صاحبها يوماً من الأيام ضمنها له، فهذه الأموال التي لا يعرف أصحابها يقول العلماء: إما أن تُحفظ دائماً ولا تصرف، أو يتصدق بها عن صاحبها، أو تُؤكل، ولا شك أن بقاءها يعرضها للخطر، فكان من المصلحة هو التصرف فيها، فلو
стр. 163
تصدق بها ثم جاء صاحبها يقول له: إننى تصدقت بها، هل تمضي الصدقة أو أضمن لك مقابلها؟.
стр. 164
القاعدة الحادية والعشرون الغرر والميسر محرّم في المعاوضات والمغالبات
الغرر يكون في البيع وغيره، وهو محرم، والرسول ﵊ نهى عن بيع الغرر، وهو الذي لا تعلم عاقبته، فالمجهول فيه شيء من الغرر، وكذلك الميسر، والميسر كل شيء فيه قمار مثل النرد والشطرنج وما أشبه ذلك.
وقوله: "في المعاوضات والمغالبات" أي كله محرم، ولا يجوز منها إلا ثلاثة كما جاء في الحديث "لا سبق إلا في نَصْل، أو خُف، أو حافر" (١)، أو ما ألحق بها على قول آخر لأهل العلم.
والمعاوضات منها ما يحرم بالإجماع، كبذل المال في اللعب كالنرد والشطرنج، إذا كان بعِوَض، أو يصدّ عن ذكر الله، أو في شتم أو سباب، فهذا محرم بالإجماع وإن كان خالياً من هذه الأشياء فهو محرم عند جاهير أهل العلم بل حكى جمع من أهل العلم إجماع الصحابة على تحريمه وأنه لم يأتِ عن أحد
стр. 165
منهم حلّه، ومنها ما هو جائز بجُعل وبدون جُعل، وهي الأشياء الثلاثة التى ذكرت في الحديث السابق: "لا سبق إلا في نصل أو خُف، أو حافر"، والنصل: السهام، والخف: الإبل، والحافر: الخيل، على خلاف بين أهل العلم: هل يلحق بها شيء؟، فكثير من أهل العلم ألحق بها المسابقة في أبواب العلم لأنها نوع من أنواع الجهاد، وجاءت أدلة تدل على هذا المعنى في مراهنة أبي بكر الصديق رضى الله عنه، والصواب أنها ثابتة وغير منسوخة، وهذا القول رجَّحه صاحب الإنصاف وغيره، وهو قول في المذهب، واختاره - أيضًا - جمع من أهل العلم.
ومنها ما يجوز بلا جُعل ولا يجوز بجُعل مثل أنواع السباقات التي تكون على الأقدام وعلى السفن، ما لم يترتب عليها مفسدة أو مضرة أو يقترن بها أمر محرم، أما لو اقترن بها أمر محرم أو ترتب عليها أمر محرم، أو أفضت غالبًا إلى أمر محرم حرمت وإن لم يكن فيها جعل.
стр. 166
القاعدة الثانية والعشرون الصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحاً أحلّ حراماً، أو حرّم حلالاً
هذه القاعدة نص حديث جاء عن النبي ﷺ من عدة طرق من حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود، ومن حديث عمرو بن عوف المزني من رواية حفيده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده (١)، ولها أيضاً
стр. 167
شاهد آخر بلفظ قريب من هذا عن حديث رافع بن خديج، وجاء - أيضًا - عن عدة من الصحابة، وبعض طرق هذا الحديث من باب الحسن لغيره وبعضها ضعيف جداً مثل حديث عمرو بن عوف المُزني، وبعضها ضعفها يسير،
стр. 168
فبمجموع طرقها تنجبر وتكون من باب الحسن لغيره، وقد ترتفع لدرجة الصحيح لغيره لكثرة طرقها، خاصة أن بعض طرقها مقارب ولا بأس بها كرواية أبى داود عن أبى هريرة، وهذا الحديث أصل في باب الصلح، وأن الصلح جائز بين المسلمين.
وكان ﵊ يشير بالصلح في بعض القضايا، وقد ثبت في البخاري وغيره أنه لما تخاصم ابن أبى حَدْرَد وأبى بن كعب في مال بينهما وارتفعت أصواتها جعل الرسول ﷺ يُشير إلى صاحب المال أن ضع الشطر فرضى فوضع الشطر (١).
وثبت - أيضًا - في الصحيحين من حديث جابر ﵁ أنه كان على أبيه دين فطلب منهم أن يُنظِروه فأبوا، فطلب منهم أن يأخذوا ثمر حائطه فأبوا، فطلب من النبي ﷺ أن يشفع له، لكنهم على عادتهم، وهم قوم من اليهود وهم قوم بُهتٍ وكذبٍ فلم يقبلوا، فجاء ﵊ على التمر فأمر جابراً أن يضعه بيادر كل بيدر على حدة، أي أن يأخذ التمر ويضعه في أماكنه لحفظه، فجاء ﵊ فدار على أعظمهم بَيدراً فجعل يقضيهم
стр. 169
منه فقضاهم، وكأن البيدر لم ينقص (١) والبيادر الأخرى على حالها، وكان هذا ببركته ﵊.
وجاء - أيضًا - عند أبى داود عن أم سلمة، أن رجلين اختصما في مواريث بينهما قد درست، فأمرهم ﵊ أن يسقط كل منهما ماله على صاحبه، وأن يحلل كل منهما صاحبه، فأشار ﵊ بالصلح (٢).
стр. 170
والصلح من الأبواب العظيمة في الشريعة التى جاء الشرع بالحث عليها، حتى جاءت الأدلة في جواز الإصلاح بين المتخاصمين من رجلين أو قبيلتين ولو بالكذب لأنه يرتب عليه مصالح عظيمة، أعظم وأكبر من هذه المفسدة التى هي الكذب، وهذا من باب المصالح والمفاسد التي تُقدَّم فيها المصالح العظيمة على المفاسد اليسيرة.
فالأصل صحة الصلح لعموم الأدلة في هذا، إلا ما دلّ الدليل على استثنائه، أي على أن هذا الصلح لا يصح، ولهذا يصح الصلح مع الإقرار ومع الإنكار، فالصلح مع الإقرار جائز عند الجميع وذلك أن يدعى عليه مالاً أو عيناً فيُقر بها المدَّعى عليه لكن يصالحه على شيء لكونها ليست عنده، فلو كان عليه ألف ريال مثلاً فصالحه على خمسمائة ريال ويبرئه من الباقي لصحّ، ثم على الصحيح أنه سواء جرى بلفظ الصلح أو بغيره أي بلفظ الإبراء أو الهبة، أما إذا كان إسقاطه بالشرط فلا يجوز مثلاً أن يقول لا أسَلِّم لك إلا بشرط أن تسقط عنى خمسمائة ريال فهذا الصلح لا يصح؛ لأنه أكل للمال بالباطل؛ ولأنه إجبار لصاحب الحق على ترك حقه بدون رضاه، فله أن يأخذ ما أعطي من حقه، والصلح لا يلزمه في حكم الشرع، أي أنه لو أراد أن يطالبه بالباقي مرة أخرى فله ذلك.
стр. 171
وكذلك الصلح على الدِّية أي لو ادعوا عليهم دية قتيل فاعترفوا به قالوا إنه لا يجوز الصلح على الدية بأكثر منها، فإذا كانت الدية مائة من الإبل فارادوا أن يصالحوهم على أكثر منها قالوا إنه لا يجوز؛ لأنه حق ثابت في الذمة فلا يجوز بأكثر منه هذا هو القول الأول.
القول الثاني: الجواز سواء كان دية خطأ أم دية عمد، وهذا هو الصواب، ومنها - أيضًا - ما ذكروه في المتلفات المتقوّمة على الخلاف الذي ذكرناه، فإذا كان هذا الذي أتلف مُتَقَوَّمًا ليس مثليًا أي لو كان قيمة هذا الذي أتلف ألف ريال مثلًا وصالحه على ألف وخمسمائة ريال قالوا لا يجوز أن يصالح في المتقَوَّم على أكثر من قيمته لأنه هكذا ثبت في الذمة، هذا هو القول الأول.
القول الثاني: الجواز إذا تراضوا على ذلك كما نقول في جوازه في البيع أي لو أنها كانت موجودة وأراد أن يبيعها جاز أن يبيعها بأكثر من قيمتها وهذا هو الصواب، هذا هو النوع الأول من الصلح وهو صلح الإقرار.
والنوع الثاني من الصلح: هو صلح الإنكار:
وهذا قال به الجمهور غير الشافعي، وهو أن يدّعي عليه مالًا أو عينًا، فأنكر المدعى عليه لكن قال لأجل قطع الدعوى والنزاع قال المدَّعَى عليه سوف أصالحك، فصالحه على شيء، جاز في هذه الحال، فالصلح جائز بنوعيه، إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرّم حلالًا.
стр. 172
القاعدة الثالثة والعشرون المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحلّ حراماً، أو حرّم حلالاً
هذه القاعدة في نفس الحديث الذي سبق ذكره، ففي نهاية الحديث قال: "والمسلمون على شروطهم " (١)، وجاءت الأدلة بوجوب الوفاء بالعقود والعهود، وكان ﵊ يعاهد ويكتب شروطًا بينه وبين أعدائه، فَيَفِي بها ﵊، فالأصل في الشروط والصلح الصحة بين المسلمين، وبين المسلمين والكفار، والحديث الذي جاء فيه "الصلح جائز بين المسلمين " (٢) للأعم الأغلب؛ لأنه في الغالب أن هذه الشروط وأنواع الصلح تجري بين المسلمين، مع إن الشروط وأنواع الصلح تجري بين المسلمين والكفار إما في الصلح المتعلق بوضع الحرب، أو تكون في معاملة بين مسلم وكافر، فالأصل هو وجوب الوفاء بالشروط، ثم الأصل في الشروط الصحة وهذا هو قول جاهير أهل العلم.
وقال بعضهم: الأصل في الشروط البطلان، لكن الصواب القول الأول وهو أن الأصل في الشروط الصحة للحديث السابق، ولما جاء من سيرته ﵊ أنه كان يشترط ويُشترط عليه ﵊.
стр. 173
وقال ﵊ في حديث عائشة في قصة بَريرَة: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط " (١).
وقال ﵊: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)، وهذا المراد به الشروط المخالفة لكتاب الله، فقول: "كل شرط ليس في كتاب الله" المراد به أي المخالف لكتاب الله، فكل شرط مخالف لكتاب الله فهو باطل.
والشروط على ثلاثة أنواع:
الأول: أن تكون موافقة للأدلة، فهذه محل اتفاق بجوازها ووجوب الالتزام بها.
الثاني: شروطاً سكتت عنها النصوص، فهذه - أيضاً - الأصل فيها الصحة.
الثالث: أن تكون شروطاً مخالفة للنصوص، وهذه لا تجوز.
والشروط قد تكون من مقتضى العقود، فهذه جاء الكتاب بالأمر بالوفاء بها، فيجب الوفاء بها ولو لم تشترط، مثل لو باع بيته أو سيارته فمن مقتضى العقد صحة تصرفه بأنواع التصرفات، فلا يجوز أن يشترط عليه ألا يبيعه أو يوقفه أو يهبه.
стр. 174
وفي بعض أنواع هذه الشروط خلاف، فقال بعض أهل العلم تجوز مثل هذه الشروط لعموم الأدلة في صحة الشروط خاصة مع ظهور المصلحة في اشتراط الشرط لأحدهما، هذا هو النوع الأول.
النوع الثاني: ما كان من مصلحة العقد، فهذا إذا سُكِت عنه فالأصل عدَمُه وعدم وجوبه إلا أن يُشترط، كالرهن والضمين والكفيل، وكذلك اشتراط نفع في المبيع أو اشتراط نفع البائع فهذه الشروط من مصلحة المتعاقدين أو أحدهما، كالرهن من مصلحة المتعاقدين جميعاً، وشرط نفع المبيع مثل إنسان باع بيتاً واشترط أن يسكن فيه سنة مثلاً، وهذا الشرط الصواب جوازه خلافاً لمن منعه، وقد باع جابر ﵁ النبى ﵊ جملاً واشترط حِملانه عنه إلى المدينة (١)، وكذلك لو اشترط نفعاً في البائع مثل أن يشتري منه ما يحتاج إلى حمل، فيشترط أن يحمله إلى بيته فهذا لا بأس به.
فالأصل في الشروط الصحة ووجوب الالتزام إلا ما دلّ الدليل على تحريمه، فلا واجب إلا ما أوجبه الله والرسول، ولا حرام إلا ما حرّمه الله ورسوله، ولا مستحب إلا ما استحبه الله ورسوله، ولا مكروه إلا ما كرهه الله ورسوله، ولا مباح إلا ما أباحه الله ورسوله ﵊.
стр. 175
فمن قال أن هذا لا يجوز فعليه الدليل؛ لأن الأصل الجواز، ومن قال إن هذا واجب، فعليه الدليل؛ لأن الأصل عدم الوجوب، وهكذا في المستحبات والمكروهات والمباحات، فكل هذه الأشياء داخلة في ضمن هذه القاعدة وأنه يجوز اشتراط مثل هذه الشروط في جميع أنواع العقود، وكذلك الشروط في الأوقاف وما أشبهها، فالأصل فيها الصحة إلا أن تكون مخالفة لكتاب الله، .
стр. 176
القاعدة الرابعة والعشرون من سبق إلى المباحات فهو أحق بها من غيره
هذه جاء فيها حديث, أنه ﵊ قال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" (١). رواه أبو داود، والحديث ضعيف، وهو من رواية أسمر بن مضرس ﵁، لكن الأصل في المباحات أن من سبق فهو أحق
стр. 177
بها؛ لأنها مباحة في الأصل ولا يملكها أحد، فمن ادّعى ملكها أو أخذها لم تقبل دعواه، لأن الأصل في المباحات أن من سبق فهو أحق بها كما قلنا، وهذا الأصل مجمع عليه في الجملة، وهذا يشمل أشياء كثيرة، فمن سبق إلى إحياء أرض ميتة فهى له للأخبار الصحيحة التى جاءت في هذا من حديث جابر، ومن حديث عائشة، ومن حديث سمرة، على تفصيل مذكور في باب إحياء الموات الذي ذكره أهل العلم، وما هو الإحياء وكيفية الإحياء إلى غير ذلك، لكن الأصل هو ما دل عليه قوله ﵊: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" (١)، ويشترط آخذ
стр. 178
الأرض أن يكون قادراً على إحيائها كما فعل عمر - رضى الله عنه - حينما أخذ من أحد الصحابة ما لم يستطع إحياءه، ومنعه منه ومكَّن المسلمين من إحيائه.
ومنها - أيضاً - السبق إلى الأماكن العامة والبيع والشراء فيها.
ومنها - أيضاً - السبق إلى حلق العلم للجلوس فيها، فمن سبق لما مكان فهو أحق به ما لم يقم منه، إلا إن كان يريد الرجوع فهو أحق به، وكذلك الأماكن في الصلاة من سبق فهو أحق بها.
وكذلك لو كان هناك نهر صغير ولا يتأتى إلى أن يكون لأحدهما فمن سبق فهو أحق به، فإذا فرغ منه وشرب وروى لنفسه أو لبهيمته أو لبستانه فعليه أن يجريه إلى جاره، هذا هو الأصل في المباحات.
ومنها أشياء لا اختصاص فيها، فالناس شركاء فيها: "الماء والنار والكلأ" (١)،
стр. 179
لأنها يخرج عامة وتوجد في كل مكان، وهذا الحديث قال بعض أهل العلم إنه ورد في الماء الذي يكون في الأرض المملوكة أو في الأرض المحياة، وكذلك النار والكلأ، وهذا أظهر، لأن هذه الأشياء إذا كانت ليست مملوكة لأحد، أي إذا كانت فى الصحارى والبراري فالناس شركاء فيهما وهذا ليس فيه إشكال، لكن في هذا الحديث أرادوا نوعاً خاصاً وهو ما إذا ملك أرضاً بالإحياء أي أحياها بنوع خاص بأن أحاطها بحائط، وأجرى فيها شيئاً من الماء وفيها أماكن نبت فيها شيء من النبات فهذا يجوز رعيه ولا يجوز منحه إذا كان مستغنياً عنه.
فإذا كان ليس عليه ضرر في الدخول عليه مثل أن لا يكون بستاناً ولا نخلاً ولا
стр. 180
زراعةً فلا يجوز منع من أراد رعيها والشرب من مائها أو أراد أن يوقد ناراً، أما إذا كان في الدخول مَضرّة ولم يكن فاضلًا عن حاجته فهذا لا يجب بذل شيء منه، ولا شك أن ما كان مُضراً في بذله من الماء أو النبات فإنه لا يجب بذله ويجب إزالة الضرر، لكن إن كان يفضل عن حاجته والدخول مؤذٍ فهذا أيضًا لا يجوز بذله؛ بل يجب تمكين المحتاج إليه بلا ضرر.