← Каваид фикха

Каваид фикха · id 16820

شرح القواعد السعدية

عبد المحسن الزامل

Полный текст (286 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يفسد العقد وقال البائع ليس عندنا خيار مجهول، بل العقد تام وصحيح، وليس فيه من الشروط الفاسدة، نقول القول قول البائع. أو بالعكس إذا ادعى البائع فساد العقد وقال المشتري بل العقد صحيح وتام، وليس فيه أي مفسد، نقول القول قول المشتري لأنه مدعي الصحة وليس لأنه المشتري؛ لأن الأصل في عقود المسلمين الصحة، فمن ادعى خلاف ذلك نقول عليك بالبينة التي تثبت ذلك. المسألة الثالثة: إذا اختلف المتعاملان في النقد، فقال بعضهم نحن تبايعنا بالريالات المتعامل بها، وقال الثاني: تبايعنا بالدنانير، في هذه الحالة نقول القول قول مدعي نقد البلد المتعامل به لأنه هو الجاري التعامل به وإن كانا قد يتعاملان بغيره، لكن الأغلب أن التعامل يكون بنقد البلد، والحكم في هذا يكون للأغلب ما لم يكن هنالك شيء يبين خلاف ذلك. المسألة الرابعة: إذا اختلفا في قدر الثمن واتفقا على جنسه وصفته فقال المشتري: اشتريت منك هذه السيارة بخمسين ألف ريال، وقال البائع: اشتريتَها بواحد وخمسين ألف ريال، في هذه المسألة خلاف كبير بين أهل العلم، ولا يوجد ما يرجح أحد القولين من البائع أو المشتري، فكلاهما مُدَّعٍ ومُدَّعَى عليه، فقال بعضهم إن من ادعى الزيادة فإنه يؤخذ قول المنكِر، وقيل القول قول البائع لما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: "القول قول البائع" (١)

стр. 212

لكن حديث ابن مسعود الذي روي في هذا الباب اختلفت ألفاظه، وفيه أنه.

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 214

- ﵊ قال: "إذا اختلف البيِّعان"، وفي بعضها: "والسلعة قائمة تحالفا وترادى البيع" (١)، وفي لفظ: "القول قول البائع"، والحديث فيه خلاف كثير، لكن الأحسن أن يقال إنهما يتحالفان، فيحلف البائع ويقول والله ما بعتها بخمسين إنما بعتها بواحد وخمسين، ويحلف المشتري فيقول: والله ما اشتريتها بواحد وخمسين وإنما اشتريتها بخمسين، لأن القاعدة عندنا أننا إذا قلنا القول قوله المراد مع يمينه، ثم إذا تحالفا ننظر من رضي بقول الثاني فإذا رضى البائع بقول المشتري أي أنها خمسون تم البيع على أنها خمسون، أو رضي المشتري على أنها واحد وخمسون تم البيع على أنها واحد وخمسون. والرواية التي فيها "القول قول البائع" تحمل على أنها إذا رضى المشتري؛ لأن البائع هو الذي يحلف أولًا فإذا حلف ورضي المشتري تم البيع فيكون القول قول البائع، أي لا يلزم المشتري أن يحلف، أما إذا لم يرضَ المشتري بحلف البائع نقول للمشتري احلف، فإذا حلف انفسخ البيع في نفس التحالف، وقيل: لا ينفسخ إلا عند القاضى على خلاف بين أهل العلم، لكن الذي يظهر - والله أعلم - أن البيع ينفسخ بمجرد التحالف لظاهر الحديث. المسألة الخامسة: إذا ادعى المشتري وجود عيب في المبيع فإن القول قول البائع على قول كثير من أهل العلم، فلو اشترى سيارة وبعد أيام رجع إلى البائع فقال: إن بالسيارة عيبًا، فإنه في هذه الحال إذا لم يتبين الأمر، هل هذا العيب قبل البيع أم بعده؟ فإن القول قول البائع، لأن الأصل في المبيع أن يكون سالمًا من العيوب.

стр. 215

القاعدة الثامنة والثلاثون إذا عاد التحريم إلى نفس العبادة، أو إلى شرطها فسدت، وإذا عاد إلى أمر خارج لم تفسد، وكذلك المعاوضات، فرجوع التحريم إلى نفس العبادة أو إلى شرطها: إما إلى ذاتها أو ماهيتها أو ركن من أركانها مثاله: صوم يوم العيد: لو أن إنسانًا صام يوم العيد، وقد صحت الأخبار في النهي عن صيام أيام العيد نقول هذا الصوم باطل؛ لأن النهي عائد إلى ذات المنهي عنه، وهو صوم يوم العيد. فصومه هو عين المخالفة لنهيه ﵊ (١) فهو باطل، لأنه راجع إلى ذات الصوم فلم يَنْهَ عن الصوم في يوم العيد لأجل شيء تعلق به لكن ينهى عنه في يوم العيد خصوصًا فلا يصح الصوم، والصوم باطل هذا قول جماهير أهل العلم. ومنه - أيضًا - النهي عن الصلاة في أوقات النهي، فالصلاة بلا سبب باطلة لأن النهى يعود إلى نفس الصلاة، وأن هذا الوقت ليس محلًا للصلاة أصلًا بمعنى أنه لا يجوز ابتداء النافلة فيها بغير سبب في هذه الحالة نقول الصلاة باطلة، هذا إذا عاد إلى ذات العبادة أو إلى ركن من أركانها، هذا هو القسم الأول.

стр. 216

القسم الثاني: إذا عاد إلى شرط في العبادة على وجه يختص بها كاجتناب النجاسة وترك السترة (١) في الصلاة هذا النهي عن الصلاة بالنجاسة جاء بخصوص الصلاة والأمر بالسترة جاء بخصوص الصلاة فهو عائد إلى شرط العبادة على وجه يختص بها، وذهب إلى هذا كثير من أهل العلم إلى أنها لا تصح، وفصّل بعضهم في مسألة النجاسة بين الذُّكر والنسيان، قالوا في حال الذُّكر تبطل، وفي حال النسيان لا تبطل، وبعضهم عمّم، والمسألة فيها خلاف فإذا كان ذاكرًا قادرًا على إزالتها فلا شك أنها باطلة، أما إذا كان جاهلًا أو ناسيًا فالصحيح أنها لا تبطل. أما السترة إن كان ذاكرًا فالصلاة باطلة، وإن كان عادمًا لها فالصلاة صحيحة، أما على المذهب فالصلاة باطلة في كل حال، وإن كان لعدمها فالصلاة صحيحة. وهنالك أشياء من الشروط تكون الصلاة باطلة بلا خلاف سواء كان ذاكرًا أو ناسيًا كفقد شرطها وهو الوضوء، فإن الصلاة باطلة كما قال ﵊: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٢)، فهذه التقاسيم

стр. 217

تختلف حسب أقوال أهل العلم، وفيها ما يكون باطلًا بلا خلاف، وفيها ما يكون صحيحًا على قول الجماهير وفيها ما يختلف به الترجيح. من المسائل المشهورة في هذا الباب: إذا عاد النهي إلى شرطها على وجه لا يختص بالصلاة لأن اجتناب هذا الشرط منهي عنه في الصلاة وفي غير الصلاة، كالصلاة في الثوب المغصوب والأرض المغصوبة، فهذا الشرط لا يختص بالصلاة؛ لأن الغصب منهي عنه سواءً كان متلبسًا بالصلاة أم لم يكن متلبسًا بها فيجب عليه رد المغصوب إلى صاحبه فيحرم عليه إمساكه كذلك السترة المغصوبة، وألحق به - أيضًا - الماء المغصوب والإناء المغصوب على الفرق في الإناء إذا كان الوضوء من إناء مغصوب والماء غير مغصوب، أو الوضوء من ماء مغصوب والإناء غير المغصوب، أو الوضوء من إناء ذهب أو فضة، فهذه المسائل كلها فيها خلاف بين أهل العلم وفيها تفاصيل طويلة ذكروها. وكثير من أهل العلم رجح صحة الصلاة مطلقًا في جميع هذه المسائل وقالوا: إن النهى لا يعود إلى خصوص الصلاة فالغصب منهي عنه في الصلاة وغير الصلاة، والجهة إذا انفكت كان مأمورًا بها من جهة، ومنهيًا عنها من جهة فلا يكون النهي عائدًا إلى ذات المنهى عنه ولا إلى شرطه، ففى هذه الحال هو مأمور بالصلاة منهي عن الغصب، فمن صلى في الأرض المغصوبة فنفس الوجود في الأرض منهي عنه والصلاة نفسها مأمورٌ بها، فهو مأمورٌ من وجه بالصلاة منهي عن الغصب، فإذا كان ليس منهيًا من كل وجه فالصلاة صحيحة بخلاف الصلاة في وقت النهي فهو

стр. 218

منهي عن الصلاة من كل وجه، أما الصلاة في الأرض المغصوبة ونفس الصلاة مأمور بها أما شغل البقعة فإنه منهي عنه ومنهى عن لبس الثوب المغصوب، فلأجل هذا قال أهل العلم: إن الجهة إذا انفكت فكان مأمورًا من وجه منهيًا من وجه صحت الصلاة؛ لأن النهي لا يعود إلى شرط العبادة ولا إلى ركنها، وهو لا شك عاصٍ بفعله هذا ولا يجوز له، فهو مثل من صلى وهو يلبس الحرير، فلبس الحرير منهى عنه في الصلاة وخارج الصلاة، ومن صلى وهو لابس لخاتم ذهب قالوا: إن الصلاة ليست باطلة؟ لأن نفس لبس الخاتم من ذهب منهي عنه سواء كان داخل الصلاة أو خارج الصلاة فقالوا إن الصلاة صحيحة.

стр. 219

القاعدة التاسعة والثلاثون لا يجوز تقديم العبادة على سبب الوجوب، ويجوز تقديمها بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحققه هذا في جميع أنواع العبادات، سواء كانت مالية أم بدنية أم مركبة منهما. فالبدنية: كالصلاة، والمالية: كالزكاة، والمركبة منهما: كالحج، فلا تجوز الصلاة قبل دخول الوقت، لأن سبب الوجوب هو زوال الشمس لصلاة الظهر مثلًا، أما بعد السبب وقبل الشرط فإنه يجوز فعل العبادة بعد سببها وقبل وجود شرطها. مثاله: الطهارة سببها وجود الحدث، فإذا أحدث فإنه لا يجوز له أن يصلي إلا بالطهارة، وشرط وجوبها فعل الصلاة، فإذا أحدث جاز له أن يتطهر ولا نقول أنه لا يجوز له أن يتطهر حتى تجب عليه الصلاة، بل يشرع له تقديم الطهارة، فيجوز تقديم العبادة قبل شرطها وبعد سبب وجوبها، ومما يوضحه أيضًا الزكاة لها سبب وشرط، فسببها وجود النصاب، وشرط وجوبها تمام الحول، لو أنه أدى الزكاة في أول الحول وشرط الوجوب لم ينعقد بعد إنما وجد سبب الوجوب وهو النصاب، في هذه الحال نقول إن الزكاة مجزئة على القول الصحيح كما عند أحمد ﵀ وجماعة من أهل العلم، لحديث العباس (١) ﵁،

стр. 220

وجاء في معناه حديث علي - رضى الله عنه -.

стр. 221

أيضًا في مسألة الكفارات فإنها تجوز بعد سبب الوجوب وقبل شرط الوجوب. مثاله: إنسان حلف يمينًا أن لا يزور فلانًا، أو أن لا يبر رحمه، نقول هذه يمين آثمة ولا يجوز الوفاء بها، فإذا كانت اليمين على ترك واجب فإنه يلزمه الحنث وعليه الكفارة، فلو قال: هل يجوز أن أخرج الكفارة قبل أن أزور قريبى أو بعد أن أزوره؟، نقول: يجوز أن تخرجها قبل أن تزوره، لهذا قال ﵊: "والله إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفّرت عن يمينى وأتيت الذي هو خير" (١)، فأخبر النبي ﵊ أنه يكفِّر عن يمينه أولًا، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الكفارات لا تجزئ قبل شرط الوجوب وهو قول مرجوح، لكن لو أنه أراد أن يكفّر قبل سبب الوجوب فإنها لا تصح، وهي على ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون قبل السبب وقبل الشرط، في هذه الحال الكفارة لا تصح عند الجميع.

стр. 222

مثاله: إنسان قال سأكفِّر كفّارة. قلنا: لماذا؟، قال: يمكن أن أحلف في يوم من الأيام، فلو حلفت كانت كفارة لها، نقول: إنها لا تجزئ وتكون صدقة؛ لأن سبب الوجوب وهو الحلف لم يوجد. الحالة الثانية: أن يكون بعد سبب الوجوب وقبل شرط الوجوب، فهذا مجزئ عند جماهير أهل العلم لظاهر ما في الصحيحين، وجاء عند أبي داود - أيضًا - نص في هذا. الحالة الثالثة: أن يكون بعدهما جميعًا فهذا مجزئ بلا خلاف.

стр. 223

القاعدة الأربعون يجب فعل المأمور به كله، فإنه قدر على بعض وعجز عن باقيه فعل ما قدر عليه هذه القاعدة فيها تفصيل من حيث المقدور عليه، والمراد بالمأمور به من جهة الشرع، فإذا كان الإنسان مأمورًا بعدة واجبات وقدر على بعضها ولم يقدر على الباقى فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما لم يقدر عليه، وهذا له أحوال: الحالة الأولى: أن يكون المقدور عليه ليس مقصودًا في نفسه إنما هو وسيلة إلى المقصود، مثاله: الإنسان مأمور بتحريك لسانه أثناء قراءة الفاتحة وهي واجبة ولا يكون إلا بتحريك اللسان وإلا كان إمرارًا في خاطره وليست قراءة، فإذا كان لا يقدر على الفاتحة أصلًا ولا يعرفها فهل نأمره بتحريك لسانه، فهذا إنسان أعجمي أو إنسان لا يحسن شيئًا والواجب القراءة والتحريك، فهل نأمره بتحريك لسانه لأنه غير قادر على الفاتحة أو لا نأمره؟ الصواب: أن هذا التحريك لا يكون واجبًا؛ لأن التحريك ليس مقصودًا في نفسه إنما هو وسيلة محضة للقراءة. مثاله: أيضًا إمرار الموسى على الرأس في الحج والعمرة إذا لم يكن عليه شعر هل هو واجب أم مستحب؟ ذهب بعضهم إلى أنه يجب إمرار الموسى، والصواب أنه لا يجب لأنه وسيلة وليس مقصورًا في نفسه، والذي ذهب إليه جماهير أهل العلم إلى أنه مستحب ومنهم من حكم على ذلك الإجماع، لأنه لما سقط المقصود سقط ما هو وسيلة له

стр. 224

ولأن الوسيلة غير مقصودة فإذا سقط الأصل سقط التبّع. الحالة الثانية: ما وجب تَبعًا لغيره، وهذا على قسمين: القسم الأول: ما كان وجوبه احتياطًا مثل غسل رأس المرفق، فإذا توضأ الإنسان وغسل يديه إلى المرفق فإنه لابد أن يكون الماء تجاوز رأس المرفق الذي في الذراع إلى رأس المرفق الذي في العضد أي تجاوز محاذاته، فلو قطعت يده من المرفق وبقى رأس العضد، هل يجب غسل رأس العضد لأنه وجب احتياطًا أو لا يجب؟، هذا فيه خلاف والصحيح أنه لا يجب؛ لأنه لما سقط وجوب غسل اليد سقط وجوب غسل العضد. القسم الثاني: ما وجب على جهة التكميل، مثل رمي الجمار والمبيت بمنى الليالي الثلاث، فلو أن إنسانًا فاته الوقوف بعرفة في هذه الحال هل نقول له إنه يلزمك أن تذهب إلى منى وترمى جمرة العقبة وتبيت بها ثلاث ليال، أو نقول إنه لا يجب لأنه لما فات الحج سقط ما هو من لواحقه، والصواب أنه لا يجب لأنه لما فات الحج لم يجب عليه ما هو من لواحقه. الحالة الثالثة: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه. مثاله: إنسان لا يستطع الصوم من رمضان لكنه يستطيع أن يمسك إلى الظهر فهل يلزمه هذا؟ نقول: هذا لا يلزمه بلا خلاف. الحالة الرابعة: ما هو جزء عبادة وهو عبادة في نفسه، وهذا هو الذي يحمل عليه كلام المصنف في هذه القاعدة، أما الأنواع الثلاثة السابقة غير لازمة، إنما يُحمل ما جاء في القاعدة على ما كان من عبادة في نفسه.

стр. 225

مثاله: إنسان يستطيع القيام في الصلاة لكن لا يستطيع قراءة الفاتحة، نقول يجب عليه القيام لأن القيام ركن مقصود في نفسه، ومنه - أيضًا - من يستطيع قراءة بعض الفاتحة، في هذه الحال نقول إنه يلزمه أن يقرأ ما استطاع من الفاتحة، ومنه أيضًا غسل الجنابة، مثاله: إنسان لا يستطيع أن يغسل جميع بدنه أو عنده ماء قليل لا يكفى أن يغسل بدنه كله، فهل يلزمه أن يغسل بعض البدن أو لا يلزمه؟ سبق لنا أن قلنا إن غسل بعض البدن من الجنابة جزء عبادة فعلى هذا يلزمه أن يغسل بعض بدنه؛ لأن الوضوء يخفف الجنابة، ولأنه يشرع عند الأكل - أيضًا - وعند الشرب، فتبين أن غسل بعض البدن عبادة، وجاء عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتوضأون ويجلسون في المسجد مع وجود الجنابة، فهو عبادة في نفسه فكان مقصودًا وكذلك الوضوء فإذا وجد الماء لبعض أعضائه إنْ قلنا إنّ بعضه مأمورٌ به دخل في القاعدة، وإنْ قلنا إنه جزء عبادة وليس عبادة في نفسه فإنه غير داخل، وهذا سبق أن أشرنا إليه. ومنه - أيضًا - السجود فلو أن إنسانًا لا يستطيع السجود على الجبهة لكنه يستطع أن يسجد على أنفه، فقول كثير من أهل العلم وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ﵀ أنه يسقط عنه السجود على سائر الأعضاء. وقال بعضهم إن السجود على بقية الأعضاء مأمور به مقصودٌ في نفسه فيجب عليه وهذا أصح.

стр. 226

القاعدة الحادية والأربعون إذا اجمتعت عبادتان من جنس واحد تداخلت أفعالها واكتفى عنهما بفعل واحد إذا كان المقصود واحدًا هذه القاعدة تجري في أبواب العبادات وفي غير أبواب العبادات كالحدود والجنايات، وهى قاعدة متفق على جملة من أحكامها في الغالب وفي بعض فروعها خلاف بين أهل العلم. مثاله: الطهارة: إذا تكررت أسبابها، وكانت متماثلة، فإذا جامع ثم جامع مرة ثانية قبل الغسل فإنه يكفي لهما غسل واحد. وكذلك لو أحدث ثم أحدث مرة ثانية فإنه يكفى لهما وضوءٌ واحدٌ، ولو تعددت الأحداث، وكذلك أيضًا لو كانت صورة الفعل لرفع الحدث غير واحدة وغير متماثلة كالجنابة والحيض فإنهما يرتفعان على الصحيح بغسل واحد. وتدخل هذه القاعدة - أيضًا - في الصلاة، فإذا دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإن صلاة الفرض تكفي عن تحية المسجد، وكذلك إذا دخل المسجد وصلى الراتبة فإنه لا تلزمه تحية المسجد، وهل يحصل له بصورة الفعل التحية والراتبة؟. هذا موضع خلاف بين أهل العلم، منهم من قال يشرع له أن يصلي تحية المسجد، وليس بواجب عليه ثم بعد ذلك يصلى الراتبة، وقال بعضهم إنه بمجرد الفعل يحصل المقصود وهو فضل التحية وتدخل ضمن صلاة الراتبة، وهذا

стр. 227

أظهر؛ لأن المقصود من التحية شغل البقعة بالصلاة، وقد حصل بصلاة الراتبة. ومنها سجود التلاوة فلو سمع سجدة تلاوة من شخصين يقرآن وكان يستمع لقراءتهما فإنه يكفيه سجدة واحدة، أو كرر قراءة آية فيها سجدة التلاوة في مجلس واحد فإنه يكفيه سجدة واحدة. ومن ذلك - أيضًا - تعدد السهو في الصلاة، فلو سها في الركعة الأولى ثم سها في الركعة الثانية وتكرر له السهو في الصلاة فإنه يكفيه سجود واحد على الصحيح، سواء كان السجود قبل السلام أو بعده فإنه يكفيه سجود واحد لكن يجعله قبل السلام. كذلك أيضًا التداخل في أبواب الكفارات، وهذا له أمثلة كثيرة: مثاله في الحج: لو قلّم ظفره في اليد ثم قلم ظفر رجله وتكرر التقليم فإنه على الصحيح يكفيه كفارة واحدة كفارة أذى، سواء تكرر هذا في مجالس أم لم يتكرر، كذلك ولو لبس مخيطًا ثم خلعه ثم لبسه مرة ثانية، فإنه يكفيه كفارة واحدة. كذلك في كفارات الأيمان إذا حلف على شيء أيمانًا متعددة ولو تفرقت في مجالس، فإذا قال: والله لا أزور فلانًا، والله لا أسافر هذا اليوم، ثم كرر هذا اليمين سواء كرره في مجلس واحد أو كرره في يوم آخر، ولم يكفِّر ثم أراد الحنث إذا كان الحنث مشروعًا فإنه يكفيه كفارة واحدة، أما لو كفَّر عن الأول فإنه يجب عليه أن يكفِّر عن الثانية بلا خلاف، وكذلك تجري هذه القاعدة في أبواب الحدود، وهو تداخل الحدود وهذا على ثلاثة أقسام:

стр. 228

القسم الأول: أن تكون الحدود خالصة لله تعالى أي محض حق لله تعالى: كالزنا وقطع اليد في السرقة والقتل للردة فهذه يجب إقامتها، وليست حقًا للآدمى إذا عفا عنها سقطت، لكن هى قد تسقط بأشياء كما هو معلوم، فتسقط بالتوبة على الصحيح، وإلا فالأصل أنها لا تسقط. فحدود الله على قسمين: الأول: أنا لا يكون فيها قتل: مثاله: إنسان شرب الخمر، والخمر حدّ عند جماهير أهل العلم، وذهب آخرون إلى أنه ليس حدًا مقدرًا، المقصود أنه لو شرب الخمر وزنى وسرق فكل هذه حدود ومحض حق لله تعالى، فهذه الحدود لا تتداخل بمعنى أننا لا نقول نقيم حدًا فيها ونسقط الباقى بل يجب إقامتها جميعًا، فيجلد لشرب الخمر، ثم يجلد للزنى إذا كان بكرًا، ثم تقطع يده للسرقة، وترتيبها يبدًا بالأخف على سبيل الاستحباب، وهذه الحدود يجب إقامتها بلا خلاف كما قاله صاحب المغنى ﵀. الثاني: أنا يكون فيها قتل: مثاله: إنسان شرب الخمر وزنى وهو محصن وسرق، أو ثبت عليه حد الردة مثلًا، فهذه فيها حدود حدها القتل، وفيها حدود حدها دون القتل، فهذه ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا كان قتلٌ فإن القتل يحيط بها ويسقط سائر الحدود، وذهب الشافعى ﵀ إلى وجوب إقامة الجميع. لكن الجمهور احتجوا بآثار عن ابن مسعود وعن غيره وجاء عن التابعين في هذا آثار، وقالوا إن القصد من حدود الله هو الزجر والردع بخلاف الحدود التي هي حق للآدميين، فالقصد التشفّي والانتقام، وهذا لا يحصل إلا بإقامتها جميعًا، فقالوا

стр. 229

إن سائر الحدود تدخل في القتل فلا يقام غير القتل. هذا هو النوع الأول من حقوق الله على القسمين المذكورين. القسم الثاني: إذا كانت محض حق الآدميين: مثاله: إنسانٌ قذف إنسانًا، ثم اعتدى عليه وقطع أحد أطرافه، قطع يده أو رجله، ثم بعد ذلك اعتدى عليه وقتله، أو اعتدى على شخص آخر فقتله، فهذه يجب إقامتها جميعًا ولا يقوم شيء منها مقام الآخر، فهذه الحدود التي في المثال السابق مختلفة سواء كانت على إنسان معين أو لجماعة من الناس، فيُجلد للقذف ثمانين جلدة، ثم بعد ذلك يقطع طرفه يده أو رجله أو غير ذلك مما اعتدى فيه، وهذا بشروطه على خلاف في بعضها، ثم بعد ذلك يقتل، ولا يُقال إن القتل يحيط بها وليس هناك حاجة للجلد والقطع؛ بل تقام جميعها كما سبق؛ لأنها محض حق لآدمي والقصد منها التشفِّي والانتقام، وهذا لا يحصل إلا بإقامة الجميع. القسم الثالث: أن تجتمع حدود الله وحقوق الآدميين: وهذا على ثلاثة على أقسام: الأول: أن لا يكون فيها قتل فيُستَوفَى الجميع: مثاله: إنسان قذف إنسانًا وشرب الخمر، فالقذف حق آدمى كما هو قول كثير من أهل العلم، وبعضهم قال إنه ليس حق آدمى، لكن هو فيه شائبة حق الله وشائبة حق لآدمى، والمراد بحق الآدمي أنه الذي يجوز أن يتنازل عنه وإلا ما من حق إلا فيه حق لله ؛ ولأجل هذا يُحرم مثل هذا، فإذا قذف إنسانًا وشرب الخمر فإنه يُجلد للقذف أولًا لأنه حق لآدمى وهو أولى؛ لأن الآدميين مبنى على المشاحة وعدم المسامحة، ثم بعد ذلك يُجلد

стр. 230

لشرب الخمر؛ لأن ما هو حق لله مبني على المسامحة والعفو ولا يُقال يُكتفَى بأحدهما أي يجلد للقذف ولا يجلد لشرب الخمر؛ بل يجلد للقذف ثم يجلد لشرب الخمر، كما هو قول جماهير أهل العلم خلافًا لمالك ﵀. الثاني: أن تجتمع كالأول ولكن فيها قتل: مثاله: إنسان زنى وشرب الخمر وثبت عليه الحد قصاصًا وقذف إنسانًا فما كان حقًا لله وهو غير القتل فإنه يدخل في القتل فلا يُقام، فحدُّ الزنى للبكر لا يقام وحدّ شرب الخمر لا يُقام، وهذه الحدود لا تُقام لأن فيها قصاصًا وقتلًا، فيقام القصاص والتى فيها غير القتل تدخل في القتل، أما الحدّ الذي ليس حق لله كالقطع فإنه يُقام. المقصود أن حدود الله التى غير القتل تسقط بالقتل سواء كان القتل حقًا لله أو حقًا لآدمي. الثالث: أن يتفق الحدّان في المحل ويكون تفويتًا كالقتل والقطع: مثاله: إنسان ثبت عليه حد القتل ردة، وثبت عليه القتل قصاصًا، فقد اتفقا في الحد وهو القتل ولكن أحدهما قصاصٌ والآخر ردة، والقصاص حق لآدمى، والردة حق لله تعالى، ففى هذه الحال نقدم حق الآدمى فيقتل قصاصًا، ويدخل الحد الذي لله في ذلك الحد وهو القتل قصاصًا، والحكمة في ذلك: أولًا: أن حدود الله سبحانه مبنية على العفو والمسامحة، وهى أيسر وأسهل. ثانيًا: أنه يمكن أن يعفو صاحب الحقّ فيأخذ الأجر ثم بعد ذلك قد يزول عنه

стр. 231

حد القتل لسبب من الأسباب بقبول توبته أو غير ذلك إذا لم يتحتم القتل في الردة، أما إذا تحتّم القتل في الردة فإنه يجب إقامته في بعض أنواع حد الردة، هذا هو النوع الأول. النوع الثاني: إذا كان غير قتل. مثاله: إنسانٌ سرق فوجب عليه القطع بشرطه، واعتدى على إنسان فقطع يده، فهذا عليه القطع حدًا وعليه قطع اليد قصاصًا، فهذا أيضًا يبدأ بحق الآدمي فتقطع يده قصاصًا.

стр. 232

القاعدة الثانية والأربعون استثناء المنافع المعلومة في العين المنتقلة بمعاوضة جائز، وفي التبرعات يجوز استثناء المدة المعلومة والمجهولة في هذه القاعدة استثناء المنافع وكذلك استثناء الأعيان جائز. مثاله: إنسان باع أرضًا واستثنى منها بقعة معينة، فهذه عين معينة، في هذه الحال البيع جائز وصحيح. كذلك لو باع بستانًا واستثنى نخلة معينة، أو بئرًا معينًا، أو ما أشبه ذلك، صح البيع؛ لأن المنهى عنه الجهالة، أما إذا كان المستثنى معلومًا فلا جهالة إذن، والرسول ﵊ نهى عن الثَّنيا ألا تعلم (١)، فهذه الرواية وضّحت المراد، وأن الثنيا المنهي عنها الثنيا المجهولة. وكذلك في المنافع، مثاله: إذا باع إنسان بيته واستثنى منفعته سنة صح البيع، وهذا كله على القول الصحيح، ولهذا جاء في سنن أبي داود من حديث سفينة أنها أعتقت مملوكًا لها واشترطت عليه أن يخدم

стр. 233

النبى ﷺ ما عاش (١). ثم عموم الحديث السابق دال عليه، لأنه عام في المعاوضات وغيرها فهو أصرح من غيره؛ حديث سفينة في التبرعات، لكن لو أنه باع أرضًا مساحتها عشرة آلاف متر مثلًا واستثنى ألف متر منها، ولا يقصد ألفًا معينة إنما يريد ألف متر أي عشرها أي عُشر الأرض، فهذا لا يصح، أو باع بستانًا واستثنى الثلث أي المشاركة في هذا البستان بالثلث فهذا يصح لأنه مشاع فيكون نصيبه شائعًا في الكل. أما قوله: "وفي التبرعات يجوز استثناء المدة المعلومة والمجهولة": لأن باب التبرعات أوسع. مثاله: إنسان وقف أرضًا واستثنى منفعتها مدة حياته فإنه يصح وإن كانت مدة حياته مجهولة مثل ما ذكرنا في الحديث السابق، حديث سفينة. ومن المسائل التى في هذا الباب مسألة الإقرار، فإنه يصح الاستثناء ولو لم يبين مقدار المستثنى. مثاله: إنسانٌ قال: لهذا الإنسان ألف ريال إلا شيئًا، فهذا الإقرار صحيح ويكون قد اعترف بهذا المال الذي عليه، لكن في هذه الحال كيف نعرف المستثنى، نقول إنه يجب عليه أن يبينه ويجبر على تبيين المستثنى.

стр. 234

القاعدة الثالثة والأربعون من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة، فإنه قبضها لحظ مالكها قبل هذه القاعدة سبق الإشارة إليها، وذكرنا أن الأمناء ثلاثة أقسام، وأشرنا إلى من يُقبل ومن لا يُقبل قوله، وذكرنا - أيضًا - من يقبضها لحظ نفسه؟ ومن يقبضها لحظ غيره؟ ومن يقبضها لحظ مشترك بينهما؟، وقلنا الأظهر في الأمناء أنه يقبل قولهم مطلقًا، لكن قد يستثنى حالة منها إذا قبضها الأمين وأشهد عليه ففى الرد لا يقبل قوله إلا بالشهادة؛ لأنها دخلت في ملكه ببينة، ففي هذه الحال إذا ادعى الرد فإنه لابد من البيّنة لأنه فرّط إذ لم يثبتها ببيّنة، فهذه المسألة يمكن أن تستثنى، المقصود أنه سبق تقسيم الأمناء في قاعدة سبقت.

стр. 235

القاعدة الرابعة والأربعون إذا أدّي ما عليه، وجب له ما جُعِلَ له عليه وهذا صحيح، مثاله: إنسان استأجر إنسانًا لعمل شيء ما، فإنه إذا أكمل العمل وجب عليه أن يُعطى الأجرة المتفق عليها، ومن استأجر بيتًا وجب عليه أجرة البيت، وهذا يختلف، فمثلًا في الإجارة إذا استأجر بيتًا أو سيارة فاستوفى نفعها وجب عليه أداء المتفق عليه من الأجرة، إلا إذا كان معذورًا فإنه لا يجب عليه شيء إذا لم يستوفِ المنفعة. لكن لو أنه لما استأجر هذه السيارة، ولما تم العقد أراد فسخه بلا عذر، نقول في هذه الحال يجب عليه أن يسلم الأجرة؛ لأن هذه عقود يجب الوفاء بها، وإن لم تُستوفِ المنفعة، لكن لا تثبت إلا بعد استيفاء المنفعة، وهذا فيه تفصيل، متى يكون التسليم؟، أما إذا كان عدم استيفاء المنفعة لعذر فهذا على أقسام: الأول: إذا استأجر إنسان أرضًا أو سيارة أو بيتًا، فتلفت العين المستأجرة قبل القبض، فإن هذا عذر ولا يجب عليه التسليم، ولا يجب على المستأجر تسليم الأجر؛ لأن المؤجر لم يؤدِ ما عليه؛ ولأن المستأجر ما تمكن من القبض. الثاني: أن يقبضها ثم تتلف قبل الانتفاع. مثاله: إنسان استأجر بيتًا واستلم مفاتيحه وتم القبض لكن لم يستوفِ منه شيئًا

стр. 236

حتى الآن ولم يمضِ من مدة الأجرة شيء، أو استأجر سيارة وقبضها ولم ينتفع بها حتى الآن ولم يمضِ من مدة الأجرة شيء ثم بعد القبض تلفت في هذه الحال - أيضًا - لا يلزمه شيء. الثالث: إذا تلفت بعد استيفاء بعض المنفعة. مثاله: إنسان استأجر سيارة لمدة عشرة أيام فانتفع بها خمسة أيام ثم تلفت بلا تفريط منه - وهذا القيد في كل ما سبق - ولا يمكن استعمالها فهذا عذر، في هذه الحال نقول للمؤجر مقدار النفع الذي مضى فقط لكن ما الذي يثبت للمؤجر هل هو القيمة أو قدر المسمى؟. هذا فيه خلاف، والصحيح أنه له نصف المسمى إذا كان قد انتفع بها نصف المدة، أما إذا كان قد انتفع بها ربع المدة فإن له ربع المسمى وهكذا، فلو استأجر هذه السيارة بألف ريال لمدة عشرة أيام، ثم تلفت بعد خمسة أيام فإنه يعطي المؤجر خمس مائة ريال.

стр. 237

القاعدة الخامسة والأربعون من لا يُعتبر رضاه في عقد أو فسخ لا يعتبر علمه هذه القاعدة تدخل فيها مسائل كثيرة: مثاله: إنسان اشترى سلعة وشرط الخيار ثلاثة أيام، في هذه الحال لو أنه في اليوم الثانى فسخ المشتري العقد وأشهد على ذلك، فهل يشترط أن يبلغ البائع بذلك، أو إذا انقطعت المدة أخبره بذلك؟. نقول العقد منفسخ ولا يشترط إبلاغ البائع بذلك. كذلك مسألة العيب: لو أن إنسانًا اشترى سيارة فوجد فيها عيبًا، فإن له الفسخ وإرجاع السيارة ولا يشترط رضاء البائع كذلك في مسألة الطلاق، وفي مسألة الرجعة، فإنه لا يعتبر رضا المرأة، فلا يشترط علمها بذلك. وهناك أشياء مختلف فيها كعيوب النكاح، مثل العيوب التي تكون في الزوج، فهذه أيضًا لا يعتبر رضا الزوج - لكن هل تفتقر إلى حكم حاكم أو لا تفتقر؟. جمهور أهل العلم يقولون: إن الأمور المجتهد فيها لابد من حكم الحاكم والقاضى، واختار تقي الدين أنه في سائر الفسوخ، وكذلك إذا كان الخلاف قويًا فإنه لا يشترط الرضا في العيوب.

стр. 238

كذلك مما أشار إليه المصنف ﵀ في قوله كذلك من له حق شُفعة فله أن يأخذ بها، رضى المشتري وعلم أو لا. مثاله: إنسان شريك لإنسان في أرض، أو بيت فباع هذا الشريك هذه الأرض، أو هذا البيت فللشفيع أن يشفع، وليس عليه أن يبلغ المشتري بشفعته، فإذا شفع ثبت حقه بدون رضا المشتري.

стр. 239

القاعدة السادسة والأربعون من له الحق على الغَير وكان سبب الحق ظاهرًا فله الأخد من ماله بقدر حقه إذا امتنع أو تعذر استئذانه، وإن كان السبب خفيًا فليس له ذلك هذه القاعدة فيها خلاف، وهو من كان له حق على إنسان فهل له أن يأخذ بغير علمه؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز له أنه يأخذ بغير علمه. القول الثاني: أنه لا يجوز له أن يأخد بغير علمه. القول الثالث: أنه يفصّل بين السبب الظاهر والسبب الخفي. فالسبب الظاهر يجوز أن يأخذ به حقه بلا إذنه لظهور سبب استحقاقه. والسبب الخفى لا يجوز الأخذ به، وهذا القول هو الذي اختاره المصنف وذهب إليه جمع من أهل العلم، وقالوا: إنه وسط بين الأقوال، وهذا القول أقرب الأقوال. مثال ظهور سبب الاستحقاق: إنسان ضاف قومًا فمنعوه من ضيافته، فله أن يأخذ من أموالهم بغير علمهم لأنه إذا علم أن هذا هو الضيف وظهر منعه من حقه فله أن يأخذ من أموالهم بغير علمهم، وهذا كله على القول بوجوب الضيافة، أما من يقول بعدم الوجوب فيقول لا يجوز أن يأخذ من أموالهم، لكن المختار أنه واجب وهو قول الإمام أحمد، واختاره الليث، والدليل عليه حديث عقبة بن عامر

стр. 240

أنهم قالوا: إننا نمرّ بأقوام لا يُقْرُونَنَا فهل نأخذ من أموالهم؟ قال: إذا مررتم بأقوام لم يقروكم، ما ينبغى للضيف فخذوا منهم بقدر قِراكُم (١). وعن المقدام بن معدي كرب أنه قال: من أصبح بفناء قوم محرومًا فإنَّ نصره واجب على كل مسلم حتى يأخذ بقدر قِرَاه (٢). فهذا صريح في أنه يجب أخذ الحق إذا كان السبب ظاهرًا، ومثله نفقة الزوجة لأنها ظاهرة وواضحة، فالنفقة واجبة على الزوج، فإذا كان يقصّر في النفقة الواجبة فإن لها أن تأخذ بغير علمه لحديث عائشة - رضى الله عنها - في قصة هند بنت عتبة أنه ﵊ قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣)، أما إذا كان السبب خفيًا فهذا موضع خلاف، ذهب الشافعي وجماعة وقول في مذهب أبي حنيفة ومالك إلى أنه يجوز أن يأخذ، فمن كان يطلب

стр. 241

إنسانًا دينًا قال الشافعى أنه يجوز له أن يأخذ، وقال بعضهم أنه يجوز أن يأخذ إذا كان لا يمكن إثباته عند القاضي، أما إذا كان يمكن إثباته عند القاضي مثل أن يكون الذي عليه الدَّين مقرًا بهذا الدين، أو عنده بينة، فقالوا لا يجوز له في هذه الحال أن يأخذ. وهذا القول قال به كثير من أهل العلم وهو عند خفاء السبب، وقالوا إنه ينسب إلى الخيانة وإلى السرقة، والرسول ﵊ قال: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (١)؛ لأنه إن قيل بفتح هذا الباب

стр. 242

لأفضَى إلى النصب والاحتيال والسرقات، حتى وإن قيل لا يمكن نسبته إلى الخيانة أو إلى السرقة؛ لأن هذا لا ينضبط.

стр. 243

القاعدة السابعة والأربعون الواجب بالنذر يلحق بالواجب بالشرع هذه القاعدة - والله أعلم - على الغالب ليست على الإطلاق، فلو نذر إنسانٌ صلاة وقال: لله علي أن أصلى، هل يجزئه أن يصلى ركعة أو لا يجزئه؟. الركعة الواحدة لا تشرع على الصحيح إلا في الوتر خلافًا لبعض أهل العلم، فلهذا من نذر أن يصلى لزمه أن يصلى ركعتين أي أقل ما يصلى ركعتين؛ لأن أقل واجب بالشرع هو صلاة ركعتين، فيُسلَك به مسلك واجب الشرع. وكذلك لو نذر أن يصلى فلا يجوز له أن يصلى قاعدًا ولا يصلى على الراحلة لأن الواجب في الشرع ألاّ يصلى قاعدًا ولا يصلى على الراحلة، وكل هذا مع القدرة. وكذلك لو نذر أن يصوم يجب عليه أن يبيت النية بالليل؛ لأن الواجب بالشرع تبييت النية بالليل. كذلك لو قال: لله على أن أصوم ولم يحدد القَدْر، فأقل واجب في الشرع مما يجب صومه ثلاثة أيام وهى كفارة اليمين إذا لم يستطع الإطعام ولا الكسوة ولا العتق. في هذه الحالة هل نقول يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام أو نقول يكفيه صيام

стр. 244

يوم؟ نقول: يكفيه يوم وهذا مما استثنى، ولم يقل أحد من أهل العلم أنه يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام. وكذلك لو نذر الصدقة فإنه يجزئه أن يتصدق بأقل ما يمكن، ولا يلزمه أن يتصدق بقدر الواجب في النصاب؛ بل يجزئه أقل ما يسمى مالًا، وهذا أيضًا مما استثنى.

стр. 245

القاعدة الثامنة والأربعون الفعل الواحد ينبني بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد المعنى أنه لا يضر الفصل اليسير في الفعل الواحد الذي ينبني بعضه على بعض، وهذه القاعدة تدخل تحتها مسائل كثيرة، وكثير من أهل العلم يقول بها من حيث الجملة كغيرها من القواعد وربما خرج عنها بعض المسائل لخلاف بعض أهل العلم، فيرى أنه لا يجوز البناء في هذه المسألة المعينة أو للخلاف في أن الانقطاع هل هو يسير أو ليس يسيرًا؟ أو ما هو مردُّ الانقطاع هل هو العرف أو ضبطه بشيء معين؟. مثلًا: أعضاء الوضوء يجب الموالاة بينها فلا يضر الانقطاع اليسير، فلو أنه غسل وجهه، ثم جعل يتحدث مع إنسان ثم غسل يديه ثم جعل يتحدث مع إنسان، ثم مسح رأسه مع أذنيه، ثم غسل رجليه، فإن وضوءه صحيح، والموالاة لم تسقط لأن الفصل يسير. في هذه الحالة بما تقدر الموالاة؟، فتقديرها ينبنى على ضابط الانفصال، هل الانفصال نضبطه بشيء أو مردّه العرف؟، منهم من قال إن مردّه العرف في هذه المسألة أي في مسألة الوضوء، فما دام أن الانقطاع يسير فلا يضر. ومنهم من قال: إنه يسير ما دام لم ينشف العضو الذي قبله، فإذا غسل وجهه ثم جعل يتحدث لمدة عشر دقائق، ثم غسل يديه والعضو لا زال

стр. 246

أثر الماء - أي البلل - موجودًا فإنه يتم وضوءه. ومنهم من قال إنه يجب عليه أن يعيد وضوءه؛ لأن هذا الانفصال في العرف كثير فيما يتعلق بالوضوء؛ لأن جميع الوضوء لا يستغرق ولا ربع هذه المدة، فعليه أن يعيد الوضوء، لكن الأظهر أن العبرة بنشاف العضو الذي قبله. ومنها - أيضًا - الصلاة إذا سلّم من الرباعية ناسيًا ركعة ثم بعد ذلك تذكر، فهل نقول له يأتى بالركعة ثم يسجد للسهو بعد السلام؟ هذه فيها خلاف بين أهل العلم في مسألة الفصل ومقدار الفصل، كثير من أهل العلم يقول إن كان الفصل يسيرًا فإنه يأتى بركعة ثم يسجد للسهو بعد السلام، والانفصال اليسير يقولون ما دام في مصلاه أو في المسجد أو عند باب المسجد أو إذا كان عند باب بيته إذا كان بجوار المسجد، فعلى هذا يرجع إن كان هناك جماعة أو ليصلي في بيته فيصلى ركعة ثم يسجد للسهو بعد السلام، كما فعل ﵊ في حديث عمران بن حصين في صلاة العصر كما في صحيح مسلم (١) لما سلَّم عن ثلاث ثم خرج من المسجد فلحق به الخرباق فأبلغه فرجع ﵊ فصلى ركعة، لكن إذا لم يتذكر إلا بعد أن أحدث أو نام ثم تذكر فهذا عند جماهير أهل العلم أنه لا يصح البناء عليه، وعليه أن يعيد الصلاة كاملة، فهذه المسائل تنبني على خلاف أهل العلم في تحديد مقدار الفصل

стр. 247

اليسير، والطواف أيضًا إذا تخللته صلاة مكتوبة. مثاله: إنسان يطوف طواف فرض أو طوف سنة ثم حضرت صلاة مكتوبة أو صلاة جنازة فإنه يصلي، وإن قلنا إنه يجب الموالاة بين الأشواط لأنه يجوز الفصل بين الأشواط إذا كان الفصل يسيرًا، فإذا صلى المكتوبة أو صلى الجنازة فهذا فصل يسير وعليه أن يتم طوافه، وكذلك لو وقف يسلم على إنسان ويتحدث معه فإن هذا الفصل يسير، وإنْ قلنا إنَّ الموالاة بين الأشواط مستحبة فإن الفصل لا يضر سواء كان الفصل يسيرًا أم طويلًا، أيضًا في العقود، بين إيجاب العقود وقبولها. مثاله: إنسان باع بيتًا لإنسان فقال: بعتك هذا البيت، والمشتري لم يقل قبلت أو رضيت بل سكت وجعل يتحدث مع صاحبه في حديث آخر أو انشغل بشيء، إن كان الانشغال يسيرًا ثم قال قبلت، فإن العقد صحيح، أما إذا كان الانفصال طويلًا فإن العقد لا يلزم، أو كان الانشغال بكلام أجنبى كما قاله بعض أهل العلم، لأن ظاهر حاله الرغبة عن البيع، فإذا تبين أنه لا يريد البيع كان في حكم الانفصال الكثير أو في حكم الانصراف عن البيع فلا يكون قبوله بعد ذلك مثبتًا للعقد فلابد من عقد ثان. كذلك مما يجب الوصل فيه والاتصال قراءة الفاتحة وغيرها في الصلاة إلا إذا كان الانفصال يسيرًا، فلو انشغل بعطاس أو بحة في الحق منعته من الوصل فإن هذا الانفصال لا يعتبر، لكن إذا كان الانفصال طويلًا فإنه يجب عليه أن يعيدها إلا إذا

стр. 248

كان الانفصال لعذر، مثل إنسان يقرأ الفاتحة فشرع الإمام بالقراءة، فإذا أراد أن يستمع إليه، ثم بعد ذلك يتم الفاتحة فلا بأس.

стр. 249

القاعدة التاسعة والأربعون الحوائح الأصلية للإنسان لا تُعَدّ مالاً فاضلاً وهذا من رحمة الله وإن كان يستغنى عنها بعض الوقت فلا يلزم بيعها وينفق على من تجب عليه نفقته. فجميع ما يكون عنده من فرش وأوانٍ أو مملوك أو كتب أو سيارة فإنه لا يلزم ببيعها ويصرفها فيما وجب عليه من دين، أو نفقة واجبة عليه؛ لأن هذه حوائج أصلية، وبعضها ضروري وبعضها حاجى، ففى هذه الحال لا تكون فاضلاً فلا يُلزم ببيعها، وهذا مثل ما ذكره أهل العلم في مسألة الغني، فإن الإنسان قد يكون غنياً في باب وفقيرًا في باب، فقد يكون الإنسان غنياً في باب دفع الزكاة، فقيراً في باب أخذها. مثاله: إنسان فقير وعنده نصاب من الدراهم أو أكثر، وحال عليه الحول، فإنه يجب عليه أن يدفع زكاة هذه الدراهم، ويجوز له أن يأخذ الزكاة. مثاله - أيضاً -: زكاة الفطر إذا وجد زائداً عن قوته وقوت من يعول يوم العيد وليلة العيد فإنه على قول جماهير أهل العلم يجب عليه أن يخرج الزائد. وهكذا - أيضاً - في مسألة السؤال، قد لا يجوز السؤال وإن كان فقيراً في باب إعطاء الزكاة، وفي باب أخذها إذا كان يجد قوت يومه وليلته، وكلما مضى يوم وجد قوته ولا يجد على الدوام فهذا لا يجوز له السؤال؛ لما جاء من

стр. 250

الأدلة في النهي عن السؤال في بعضها، إذا وجد ما يغدِّيه ويعشِّيه (١)، وهذا هو الصحيح في باب السؤال، لأن باب السؤال أشد من باب أخذ الزكاة لأجل شدة السؤال لأن الأصل في السؤال التحريم. المقصود أن الحوائج الأصلية للإنسان لا تعتبر مالاً فاضلاً، فالإنسان إذا كان عليه دين وعنده فُرُش لا نقول له بغ هذه الفرش وأبقِ فراشاً واحداً تجلس عليه، وإذا كان عنده أوانٍ لا نقول له بعْ هذه الأوانى وأبقِ الضروري منها، وكذلك لو كان عنده سيارة لا نقول له بع السيارة، ويمكنك أن تمشى على قدميك وسدِّد دَينك، لأن هذه حوائج أصلية، وعلى صاحب الدين أن ينظر المعسر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢)، ويجب الإنظار ولا يجوز حبسه ولا ملازمته.
следующие страницы →