← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

[تعدد الخبر وأنواعه] قال ابن مالك: (وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدّد لفظا دون معنى، ولا ما تعدّد لتعدّد صاحبه حقيقة أو حكما). ــ أي لا أنا أرى باغيا، فحذف الفعل الذي هو أرى وهو خبر أنا، وجعل باغيا دليلا عليه، وهذا أولى من جعل لا رافعة لأنا اسما ناصبة لباغيا خبرا، فإن إعمال لا في معرفة غير جائز بإجماع. انتهى (١). وعن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه و) (٢) رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ونحن عصبة (٣) بالنصب. قال ناظر الجيش: تعدد الخبر على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعدد لفظا ومعنى لا لتعدد المخبر عنه كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (٤) ومنه قول الراجز: ٦٥٢ - من يك ذا بتّ فهذا بتّي ... مقيّظ مصيّف مشتّي (٥) -

стр. 1017

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول الآخر: ٦٥٣ - ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع (١) وعلامة هذا النوع صحة الاقتصار على واحد من الخبرين أو الأخبار. والثاني: أن يتعدد لفظا ومعنى لتعدّد المخبر عنه حقيقة كقولك: بنو زيد فقيه ونحويّ وكاتب ومنه قول الشاعر: ٦٥٤ - يداك يد خيرها يرتجى ... وأخرى لأعدائها غائظة (٢) أو لتعدد المخبر عنه حكما كقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ (٣) ومنه قول الشاعر: ٦٥٥ - والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل (٤) -

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثالث: أن يتعدد لفظا دون معنى لقيامه مقام خبر واحد في اللفظ والمعنى كقولك: هذا حلو حامض، بمعنى مزّ، وكقولك: هو أعسر أيسر بمعنى أضبط أي عامل بكلتا يديه، فما كان من النوع الأول صح أن يقال فيه خبران وثلاثة بحسب تعدده، وما كان من النوع الثاني والثالث فلا يعبر عنه بغير الواحدة إلا مجازا؛ لأن الإفادة لا تحصل فيه عند الاقتصار على بعض المجموع، ويجوز استعمال الأول بعطف ودون عطف بخلاف الثاني، فلا يستعمل دون عطف. وأما الثالث: فلا يستعمل فيه العطف؛ لأن مجموعه بمنزلة مفرد؛ فلو استعمل فيه العطف لكان كعطف بعض كلمة على بعض. وقد أجاز العطف أبو علي، فعنده أن قول القائل: هذا حلو وحامض جائز (١)، وليس كذلك لما ذكرته. هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو [١/ ٣٨٠] في غاية النظافة (٢). بقيت هنا الإشارة إلى أمرين: الأول: أن من النحاة من منع تعدد الخبر دون حرف العطف. قال ابن عصفور في المقرب (٣): «ولا يقتضي المبتدأ أزيد من خبر واحد من غير عطف؛ إلّا أن يكون الخبران فصاعدا في معنى خبر واحد» (٤)، وقال في شرحه لذلك: وإذا قلت: زيد ذاهب راكب كان الاسمان في معنى اسم واحد، وكأنك قلت: زيد جامع بين الذّهاب والرّكوب بخلاف إذا قلت: زيد ذاهب وراكب؛ فإنه يجوز لأنك أخبرت عن زيد بخبرين مستقلّين». وتبعه على ذلك الشيخ، وقال (٥): «هذا هو اختيار من عاصرناه من الشّيوخ». -

стр. 1019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: «وقد أجاز سيبويه: هذا رجل منطلق على أنّهما خبران على الجمع، وكذلك أجاز: هذا زيد منطلق على الجمع (١)». انتهى. وعلى هذا إذا أخبر عن المبتدأ بأزيد من واحد، فإن قلنا بجواز تعدد الخبر كان كل واحد من الخبرين أو الأخبار بانفراده خبرا عن المبتدأ المذكور، وإن منعنا جواز التعدد فقد ذكروا أن في إعرابه وجهين: أحدهما: أن يكون كل واحد منهما أو منها خبر مبتدأ محذوف، فإذا قلت: زيد نحوي كاتب شاعر كان التقدير: هو شاعر هو كاتب. الثاني: أن يجعل المجموع خبرا واحدا كأنك قلت: زيد الجامع لهذه الأوصاف. وإذا حقق الناظر نظره لا يجد على منع تعدد الخبر دون عطف لمبتدأ واحد دليلا؛ فالحق أنه جائز كما قال المصنف. وإذا قلنا بجواز التعدد مع كون المبتدأ واحدا جاز في المتعددين أن يتفقا في الإفراد وغيرها، وجاز أن يختلفا، فيكون أحدهما من قبيل المفرد والآخر من قبيل الجملة، وهو الذي يقتضيه إطلاق النحويين ولكن أبا علي منع ذلك، وقد يستدل على الجواز بقوله تعالى: فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٢) وقوله تعالى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٣). الأمر الثاني: للناس بحث في مثل: هذا حلو حامض هل فيهما ضميران، أو الثاني هو -

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المتحمل للضمير دون الأول، ونقل عن الفارسي (١) أنه ليس إلا ضمير واحد تحمله الثاني؛ لأن الأول تنزل من الثاني منزلة الجزء منه، وصار الخبر إنما هو بتمامها. والذي عليه المحققون أن كل واحد منهما فيه ضمير من جهة كونه مشتقّا؛ قالوا: ولا يلزم من تحمل المشتق ضميرا أن يكون ذلك المشتق مستقلّا؛ لأن ضمير المشتق ليس معتدّا به كل الاعتداد، بل هو شيء يثبت تقديرا، ولذا ثنوا اسم الفاعل وجمعوه وإن كان فيه ضمير. ولو روعي الضمير فيه لم يثن ولم يجمع كما لو رفع ظاهرا، ومقتضى هذا التقرير أن العائد على المبتدأ هما الضميران معا، والفائدة حصلت بالرافعين والمرفوعين (٢). لكن الذي يقتضيه كلام ابن عمرون أن العائد على جهة الاستقلال هو من طريق المعنى. وكان الشيخ بهاء الدين بن النحاس أوضح كلامه، فقال في تعليقه على المقرب: «إن العائد على جهة الاستقلال هو في طريق المعنى ضمير آخر غير الضّميرين اللّذين تحمّلهما المشتقّ من طريق المعنى؛ لأن المعنى: هذا مزّ، قال (٣): ولا يكون ذلك الضمير العائد في حلو [١/ ٣٨١] على انفراده؛ لأنه حينئذ يكون مستقلّا بالخبريّة وليس المعنى عليه، ولا في حامض على انفراده لذلك أيضا، ولا فيهما لأنهما حينئذ يكونان قد رفعا ذلك الضّمير، فيلزم اجتماع العاملين على معمول واحد، وإنّه لا يجوز» انتهى. وقوله (٤): ولا فيهما لأنهما حينئذ يكونان قد رفعا ذلك الضمير فيلزم ... إلى آخره ممنوع؛ لأن كلّا منهما قد رفع الضمير الذي هو مستتر فيه، والضميران عائدان معا إلى المبتدأ، ويمتنع أن ثم ضميرا ثالثا يعود على المبتدأ؛ ليلزم منه ما ذكره. وأما إذا قلت: هذا حلو حامض طعمه فهل يكون الظاهر مرفوعا بالثاني أو بالأول فالحق أن طعمه مبتدأ مخبر عنه بما تقدم؛ لأن التنازع في سببي مرفوع غير جائز، -

стр. 1021

[تعدد المبتدأ ونوعاه] قال ابن مالك: (وإن توالت مبتدآت أخبر عن آخرها مجعولا هو وخبره خبر متلوّه، والمتلوّ مع ما بعده خبر متلوه إلّا أن يخبر عن الأوّل بتاليه مع ما بعده، ويضاف غير الأول إلى ضمير متلوّه، أو يجاء بعد خبر الآخر بروابط المبتدآت أوّل لآخر وتال لمتلوّ). ــ كما ستعرفه في بابه إن شاء الله تعالى (١). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): «توالي المبتدآت على ضربين: أحدهما: بتجرد. والآخر: بإضافة. فمع التجرد يخبر عن آخرها، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويؤتى بعد خبر الآخر بروابط مجعولا أولها للأقرب وتاليه لمتلو الأقرب إلى أن يكون آخرها لأول المبتدآت نحو بنوك الزيدان هند عمرو الدراهم أعطيته بها عندهما في دارهم. ومع الإضافة يخبر عن الآخر، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه؛ إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده نحو: زيد عمه خاله أخوه أبوه قائم؛ فقائم خبر الأب، والأب وخبره خبر الأخ، والأخ وخبره خبر الخال، والخال وخبره خبر العم، والعم وخبره خبر زيد، والمعنى أبو أخي خال عم زيد قائم» انتهى (٣). -

стр. 1022

[اقتران الخبر بالفاء وجوبا وجوازا الأحكام وشروط ذلك] قال ابن مالك: (فصل - تدخل الفاء على خبر المبتدأ: وجوبا بعد أمّا إلّا في ضرورة أو مقارنة قول أغنى عنه المقول. وجوازا بعد مبتدأ واقع موقع من الشّرطيّة أو ما أختها وهو أل الموصولة [١/ ٣٨٢] بمستقبل عامّ، أو غيرها موصولا بظرف، أو شبهه، أو بفعل صالح للشّرطيّة، أو نكرة عامّة موصوفة بأحد الثّلاثة، أو مضاف إليها مشعر بمجازاة، أو موصوف بالموصول المذكّر، أو مضاف إليه). ــ وعلم منه أن الحكم في كلا الضربين اللذين ذكرهما واحد بالنسبة إلى أن الخبر يكون عن المبتدأ الآخر، ثم يجعل هو وخبره خبر ما قبله إلى أن يخبر عن المبتدأ الأول بتاليه مع ما بعده، وكذا إذا أردت بيان المعنى في الضربين جعلت مكان كل ضمير الظاهر الذي يعود عليه ذلك الضمير، فكما قلنا في نحو: زيد عمه خاله أخوه أبوه قائم؛ لأن المعنى أبو أخي قال: عم زيد قائم، هكذا في نحو: بنوك الزيدان هند عمرو الدراهم أعطيته بها عندها في دارهم يكون المعنى: الدراهم أعطيت عمرا بهند عند الزيدين في دار بنيك. قال الشيخ (١): «وهذه من المسائل الموضوعة للاختبار، ولا يوجد لها نظير في لسان العرب». قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): «نسبة خبر المبتدأ من المبتدأ كنسبة الفعل من الفاعل، فحق الخبر ألا تدخل عليه الفاء كما لا تدخل على الفعل؛ فإذا أدخلت فلا بد لدخولها من سبب، والسبب على ضربين: موجب ومجوز: فالموجب تقدم أما كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (٣). ولا يحذف بعد أما إلّا في ضرورة كقول الشاعر: ٦٥٦ - فأمّا القتال لا قتال لديكم ... ولكنّ سيرا في عراض المواكب (٤) -

стр. 1023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو مع قول مخبر به مستغنى عنه بمقوله كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ (١) أي فيقال لهم: أكفرتم؟ والمجوز لدخول الفاء على الخبر كون المبتدأ واقعا موقع من الشرطية أو ما أختها (٢) صاول ذلك أل الموصولة بما يقصد به الاستقبال والعموم كقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٣). فلو قصد به مضي أو عهد فارق أل شبه من وما، فلم يؤت بالفاء. ومثال غير أل موصولا بظرف قول الشاعر: ٦٥٧ - ما لدى الحازم اللّبيب معارا ... فمصون وماله قد يضيع (٤) ومثال الموصول بشبه الظرف قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (٥). ومثال الموصول بفعل صالح للشرطية قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما -

стр. 1024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (١). وقرأ نافع وابن عامر بما كسبت أيديكم بحذف الفاء (٢)، فدل ذلك على أمرين: أحدهما: أن ما هذه موصولة لا شرطية؛ إذ لو كانت شرطية للزمت الفاء؛ لأن بما كسبت لا يصلح أن يكون شرطا؛ فإن الفاء لا تفارقه إلا في الضرورة. والثاني: أن اقترن الفاء بخبر المبتدأ الذي نحن بصدده جائز لا لازم؛ لأنها لم تلحقه إلا لشبهه بالجواب، فلم تساوه في لزوم لحاقها؛ ليكون للأصل على الفرع مزية. وقد خلا الخبر المشار إليه من الفاء بإجماع القراء في قوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣). وقيدت الصلة التي تقع بعدها الفاء بكونها فعلا صالحا للشرطية؛ ليعلم أنها لو كانت فعلا خالص المضي لم تدخل الفاء، وكذا لو اقترن بما لا يدخل عليه من الشرطية ولا ما أختها نحو: الّذي إن حدّث صدق مكرم، والّذي ما يكذب أو لن يكذب مفلح. ومثال النكرة العامة الموصوفة بأحد الثلاثة: رجل عنده حزم فسعيد، وعهد لكريم فما يضيع، ونفس تسعى في نجاتها فلن تخيب. ومثال المضاف إلى النكرة العامة مشعرا بمجازاة: كلّ رجل عنده حزم فسعيد، وكلّ غلام لكريم فما يضيع، وكلّ نفس تسعى في نجاتها فلن تخيب. ومثال دخول الفاء على خبر موصوف بالموصول بالمذكور قوله تعالى: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً [١/ ٣٨٣] فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ (٤). ومنه قول الشاعر: -

стр. 1025

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٦٥٨ - صلوا الحزم فالخطب الّذي تحسبونه ... يسيرا فقد تلفونه متعسّرا (١) وقد دخلت على خبر الموصوف بالموصول بعد دخول إن في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (٢). فدخولها عليه مع عدم إن أحق. ومثال دخولها على غير مضاف إلى الموصول قول امرأة ترثي أخاها: ٦٥٩ - يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكلّ الّذي حمّلته فهو حامله (٣) انتهى (٤). وفي كلامه أمران: الأول: أنه أثبت سببا موجبا لدخول الفاء على الخبر، وهو تقدم أما، وهذا لا يتحقق؛ -

стр. 1026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأن الفاء لم تباشر الخبر في نحو أما زيد فقائم لكونه خبرا، وإنما الفاء واجب دخولها بعد أما على الإطلاق خبرا كان أو غير خبر، ولو اعتبر دخول الفاء على الخبر بعد أما لاعتبر دخولها على المبتدأ بعدها أيضا في نحو أما قائم فزيد، فكان يقال: ويجب دخول الفاء على المبتدأ عند تقدم أما وتأخر المبتدأ عما يليها، وذلك لا يقال بخصوصية المبتدأ. وحاصل الأمر: أنه لا بد من الفاء داخلة على ما يلي أمّا، مبتدأ كان أو خبرا، أو فعل أمر ونهي، أو غير ذلك، وإذا كان كذلك فلم يكن لذكر دخول الفاء على الخبر عند تقدم أما مناسبة، وحينئذ لا يكون لدخول الفاء على الخبر سبب موجب (١). الأمر الثاني: أنه أدرج في الموصول الذي يجوز دخول الفاء في خبره أل الموصولة، وصدر بها الباب، ومثّل لذلك بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٢) وهذا الذي ذكره هنا مخالف لما ذكره في باب الاشتغال، فإنه ذكر هناك حكما، ومثل له، ثم قال: وكقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٣). وهذا الذي ذكره هنا مخالف تقدير سيبويه؛ لأن تقديره عنده: وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة (٤). ولولا ذلك لكان النصب مختارا؛ لأن الفعل المشتغل إذا كان أمرا أو نهيا يترجح النصب، فلم يجعل: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما - جملة واحدة، بل جعل الكلام جملتين والفاء عاطفة، وها هنا أعني في هذا الفصل جعل الكلام جملة واحدة، والفاء رابطة كالفاء في جواب الشرط، والمسألة فيها خلاف بين النحاة أعني دخول الفاء في خبر اسم الفاعل إذا كان صلة أل وكان -

стр. 1027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مبتدأ؛ فذهب المبرد إلى جواز ذلك، قيل: وهو مذهب الكوفيين (١). لأن اسم الفاعل في صلة أل في تأويل الفعل؛ ولذلك عمل وإن كان ماضيا، وعطف الفعل عليه في قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً (٢) وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٣) وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (٤). وذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز؛ لأن المسوغ لدخول الفاء في خبر الذي والتي غير موجود فيما دخلت عليه أل بمعنى الذي والتي، ولهذا حمل سيبويه الآيتين الشريفتين على تقدير خبر محذوف [١/ ٣٨٤] وجعل التقدير: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما، وفيما فرض عليكم الزانية والزاني أي حكمهما. ودل على ذلك قوله تعالى قبل: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها (٥). وقد عرفت أن الذي يدل على أن التقدير كذلك رفع أكثر القراء لهما، ولولا أن التقدير كما قال سيبويه لكان المختار النصب، والظاهر أن المصنف جنح هنا في هذه المسألة إلى قول المبرد، ووافق سيبويه في باب الاشتغال. والظاهر أن المختار في هذه المسألة مذهب سيبويه وعليه التعويل. وقد انتقد الشيخ على المصنف أمرين: أحدهما (٦): أنه قال: بعد مبتدأ، ثم قال: وهو أل الموصولة، قال: وليس أل هو المبتدأ، بل هو وصلته هو المبتدأ، ولذلك ظهر الإعراب في الصلة. الثاني (٧): أنه قال: بمستقبل عام، قال: والعموم في الوصف إنما استفيد من أل وقد وصف أل بقوله: الموصولة بمستقبل عام؛ فتوقفت معرفة أل على وصفها بما ذكر، وتوقف معرفة وصف مستقبل بالعموم على قوله: عام؛ فلا يعرف عموم المستقبل إلا بدخول أل، ولا يعرف أل إلا بوصفه بالمستقبل، وهو المستفاد عمومه من أل، فلزم كل منهما أن تتوقف معرفته على معرفة ما يتعرف به، وذلك لا يصح. -

стр. 1028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا عرفت هذا فنقول: الجواز دخول الفاء في خبر المبتدأ على مذهب البصريين غير المبرد شروط: أحدها: أن يكون المبتدأ موصولا لا يراد به الخصوص أو نكرة عامة. الثاني: أن تكون الصلة أو الصفة للموصول والموصوف المذكورين ظرفا أو جارّا ومجرورا أو فعلا. الثالث: أن يكون الفعل الواقع صفة أو صلة غير مقرون بأداة شرط. الرابع: أن يكون الفعل المذكور على هيئة لا تنافي أداة الشرط. الخامس: أن يكون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة، وقد يعبر بغير ذلك فيقال: أن تكون الصلة أو الصفة متضمنة للشرط، ويكون الخبر متضمنا للجزاء، والمقصود من العبارة الأولى والعبارة الثانية واحد، وهو أن تكون الصلة أو الصفة سببا والخبر مسببا عن الصلة أو الصفة. ومن هذا الشرط الخامس يعلم أن من شرط الفعل الواقع صلة أو صفة أن يكون مستقبل المعنى. واعلم أن هذه الشروط تؤخذ عن كلام المصنف: أما الموصولية والموصوفية فقد صرح بهما، وقيد الموصوف بكونه عامّا، وأما الموصول فهو عام بالوضع. وأما كون الصلة أو الصفة أحد الأمور الثلاثة فقد صرح به أيضا. وأما كون الفعل غير مقرون بأداة شرط وكونه على هيئة لا تنافي أداة الشرط فمستفاد من قوله: صالح للشّرطية؛ لأنه إذا قرن بأداة شرط لا يكون صالحا للشرطية كما إذا كان على هيئة تنافي أداة الشرط. وأما كون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة فيستفاد من قوله: بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها؛ لأن من وما الشرطيتين [١/ ٣٨٥] شأنهما ذلك مما وقع من الأسماء موقع شيء منهما فحكمه حكمه. والموجب لالتزام هذه الشروط المذكورة تحقق شبه المبتدأ لاسم الشرط وشبه صلته أو صفته بفعل الشرط، وشبه الخبر لجواب الشرط. فإذا حصلت هذه الأشباه الثلاثة -

стр. 1029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ساغ دخول الفاء في الخبر؛ لإفادة الربط كما يحصل بالفاء ربط الجزاء بالشرط، ومن ثم وجب كون المبتدأ عامّا، وأن تكون صلته أو صفته فعلا؛ لأن اسم الشرط لا يوصل بجملة اسمية. وإنما ساغ الوصل أو الوصف بالظرف وشبه الظرف؛ لأنهما يؤولان بالفعل، وأن يكون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة بمعنى أن المتكلم لا يدخل الفاء حتى يقصد ترتب الخبر على الصلة أو الصفة كما يترتب الجزاء على الشرط. وأما كون الفعل على هيئة لا تنافي أداة الشرط فظاهر؛ لأن الفاء إنما تدخل لشبه هذا الفعل بفعل الشرط فكأنه شرط. وإذا كان كذلك فلا بد من صلاحيته لأن يكون شرطا. وأما كونه غير مقرون بأداة شرط فقد علل بتعليلين: أحدهما: أن المبتدأ إذا دخلت الفاء في خبره كان منزلا منزلة اسم الشرط، واسم الشرط لا يجوز دخوله على أداة الشرط، فكذلك ما كان منزلا منزلته. الثاني: أنك إذا قلت: الذي إن يكرمني يكرمك فمحسن كان الخبر أيضا مستحقّا بالصلة وجوابا لها في المعنى، وإن يكرمني من الصلة فيلزم أن يكون فمحسن جوابا لإن يكرمني، وهو قد أخذ جوابه، فيلزم من ذلك أن يكون للشرط جوابان، وذلك غير جائز. وقال ابن عمرون: فإن كانت الصلة شرطا فلا تدخل الفاء في الخبر؛ لأنه قد أخذ الشرط جوابه في الصلة، فلا حاجة إلى جزاء آخر. وقد بقي التنبيه على أمور: الأول (١): زعم هشام (٢) أن الموصول إذا وصف أو أكد لم يجز دخول الفاء في خبره مع استيفاء الشروط فلا يجوز عنده أن تقول: الذي يأتيك هو نفسه فله درهم، قال: لأنك لا تريد أن تخص رجلا بعينه، وإنما تريد كل من كان منه إتيان إليك فله درهم، فإذا قلت: نفسه، ذهب معنى الجزاء، وكذلك الذي يأتيك الظريف فأكرمه لا يجوز عندهم. -

стр. 1030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال ابن عصفور: «وهذا الّذي ذهب إليه يعضده أنّه لا يحفظ دخول الفاء مع التّأكيد أو النّعت في كلام العرب» (١). الأمر الثاني: ذهب بعضهم إلى أن الاسم الموصوف بالموصول لا يجوز دخول الفاء في خبره، وتأول الآيات الشريفة تأويلا بعيدا (٢)، والظاهر أن هذا لا يعتد به، فإن الجمهور على خلافه، والأدلة عاضدة لهم. الأمر الثالث: قال أبو الفارسي في الإيضاح له: «فإذا دخلت الفاء في خبر المبتدأ الموصول والنّكرات الموصوفة آذنت بأنّ ما بعدها مستحقّ للفعل المتقدّم أو معناه» (٣) فقال ابن أبي الربيع في شرحه (٤): «اعلم أنك إذا أدخلت الفاء في خبر الموصول علم أن الخبر مستحق للصلة إن كانت علة، ومستحق لمعناها إن كانت متضمنة العلّة، ومثال ذلك أن تقول: الّذي يرعاني فأنا أحبّه، فرعايته لك بلا شك علة في المحبّة وسبيلها، وكذلك [١/ ٣٨٦]: الّذي يحسن إليّ فأنا أودّه؛ لأن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها، فإن قلت: الذي يأتيني فله درهم فليس نفس الإتيان يوجب الدّرهم بنفسه؛ إنما هو متضمّن للعلة في استحقاق الدّرهم؛ لأن في الإتيان -

стр. 1031

[مسائل مختلفة في اقتران الخبر بالفاء] قال ابن مالك: (وقد تدخل على خبر كلّ مضافا إلى غير موصوف، أو إلى موصوف بغير ما ذكر، وعلى خبر موصول غير واقع موقع من الشّرطيّة ولا ما أختها، ولا تدخل على خبر غير ذلك خلافا للأخفش. وتزيلها نواسخ الابتداء إلّا إنّ وأنّ ولكنّ على الأصحّ). ــ ميزة وكرامة ورعاية وخدمة استوجب بها صلته عنك بذلك». قال ابن أبي الربيع: «فهذا معنى قول أبي عليّ: آذنت بأنّ ما بعدها مستحق للفعل المتقدم أو معناه». الأمر الرابع: أورد على قول النحاة أن الخبر يكون مستحقّا بالصلة قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (١) فإن هذا المعنى الذي ذكروه لا يتحقق في الآية الشريفة؛ لأن كون هذه النعم من الله غير مستحق باستقرار نعمه بنا، وأجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن السبب أقيم في الآية الشريفة مقام المسبب؛ فالمعنى في الآية الشريفة: وما بكم من نعمة فمن الله، فاشكروا الله عليها؛ لأنها منه. فأقيم سبب الشكر على النعمة وهو كونها منه مقام المسبب عنه وهو الشكر، واستغني به عنه. الثاني: أن هؤلاء قد عرفوا النعمة وجهلوا المنعم، فنبهوا أن الاستقرار الأول سبب للعلم بالاستقرار الثاني. قال ناظر الجيش: هذا الكلام يتضمن الإشارة إلى مسائل خمس: الأولى: أن الفاء قد تدخل على خبر كل مضافا إلى غير موصوف، ومثال ذلك قول الأفوه: ٦٦٠ - وكلّ قرينة فإلى افتراق ... ولكن فرقة تنفي الملاما (٢) -

стр. 1032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثله ما جاء في معنى بعض الأذكار المأثورة عن بعض السلف وهو: «باسم الله ما شاء الله، كلّ نعمة فمن الله، لا قوّة إلّا بالله، الخير كلّه بيد الله، ما شاء الله لا يصرف السّوء إلّا الله، ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله». والظاهر أن الوصف مقدر يرشد إليه المعنى؛ فإن المعنى كل نعمة في الوجود فمن الله، وكذا يقدر في البيت، وكل قرينة تقرن بقرينها. الثانية: أن الفاء قد تدخل أيضا على خبر كل مضافا إلى موصوف بغير ما ذكر، أي بغير الظرف وشبهه والجملة، ومثاله قول الشاعر: ٦٦١ - كلّ أمر مباعد أو مدان ... فمنوط بحكمة المتعالي (١) الثالثة: أن الفاء قد تدخل أيضا على خبر موصول غير واقع موقع من الشرطية ولا ما أختها، وذلك كما في قوله: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ (٢) وكذا -

стр. 1033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ (١) ولا شك أن هذا ماض لفظا ومعنى مقطوع بوقوعه صلة وخبرا. وقد تأولوا هذا على معنى التبين كأنه قيل: وما يتبين إصابته إياكم [١/ ٣٨٧] وما يتبين إفاءة الله على رسوله منهم، ونظير ذلك قوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ (٢) أي إن يتبين كون قميصه قد من قبل. الرابعة: أن الفاء لا تدخل على خبر شيء غير الذي ذكر في هذا الفصل، وقد خالف الأخفش في ذلك، وأجاز دخول الفاء على خبر المبتدأ الذي لا يشبه أداة الشرط نحو: زيد فمنطلق، وزعم أنهم يقولون: أخوك فوجد (٣). ومثل ما زعم قول الشاعر: ٦٦٢ - [يموت أناس أو يشيب فتاهم] ... ويحدث ناس والصّغير فيكبر (٤) قال المصنف (٥): ورأيه في ذلك ضعيف (٦)؛ لأنه لم يرد به سماع ولا حجة له -

стр. 1034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في قول الشاعر: ٦٦٣ - وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيّين خلو كما هيا (١) ولا في قول الآخر: ٦٦٤ - أرواح مودّع أم بكور ... أنت فانظر لأيّ ذاك تصير (٢) -

стр. 1035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأن معنى الأول: هذه خولان، فخولان خبر مبتدأ محذوف، ومعنى الثاني: انظر أنت؛ فأنت فاعل فعل محذوف على أن زيادة الفاء في مثل هذا قد سهلها كون الخبر أمرا كما سهلها كون العامل أمرا مفرغا في نحو: زيد فاضرب، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (١)؛ لأن الأمر يتطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة، فالقائل زيدا فاضرب، أو زيدا فاضربه كأنه قال: مهما يكن من شيء فزيدا اضرب، ومهما يكن من شيء فزيدا اضربه، فلا يلزم من جواز هذا جواز: زيد فمنطلق؛ إذ ليس الخبر أمرا فيتطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة. انتهى (٢). قال ابن عصفور (٣): وأجاز أبو الحسن دخول الفاء في الخبر وإن لم توجد الشروط، وأجاز أن تقول: زيد فمنطلق، والصّحيح أن ذلك لا يجوز؛ لأن الفاء -

стр. 1036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إما عاطفة أو رابطة، ولا يصح كونها في: زيد فمنطلق عاطفة؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المبتدأ بغير خبر ولا رابطة؛ لأن الخبر مرتبط بالمبتدأ من غير دخول الفاء، ولا تجوز دعوى الزيادة؛ لأن زيادة الحروف خارجة عن القياس، فلا يقال به إلا أن يرد بذلك سماع قياس مطرد، كما فصل بالباء في خبر ما وليس، ولم يجئ في الفاء إلا قولهم: أخوك فوجد، وقولهم: ويحدث ناس والصّغير فيكبر. وأجاز بعض الكوفيين دخول الفاء في الخبر إذا كان أمرا أو نهيا نحو قولك: زيد فاضربه، وعمرو فلا تشتمه، ومنعوا دخولها في نحو قولك: زيد فقائم، وإنما أجازوا ذلك حملا للرفع على النصب، وذلك أن العرب تقول: زيدا فاضرب وبزيد فامرر، فيتقدم معمول ما بعد الفاء عليها، ووجه ذلك أن الأصل: تنبه فاضرب زيدا، أو تنبه فامرر بزيد، فحذفت الجملة الأولى لدلالة المعنى عليها، فبقيت الفاء أول الكلام، وهي موضوعة على ألا تكون كذلك، فقدم ما بعدها عليها إصلاحا للفظ. فأجازوا على ذلك أن يقال: زيد فاضربه على أن يكون الأصل: تنبه فزيدا اضربه، ثم حذف تنبّه، فبقيت الفاء أولا فتقدم المبتدأ عليها إصلاحا للفظ. قال (١): والصحيح أن ذلك لا يقال به إذا وجد في كلامهم: زيد فاضربه؛ إذ لم تدع ضرورة [١/ ٣٨٨] إلى تقدير حذف جملة، وتقديم ما بعد الفاء عليها، إذ قد يمكن جعل زيد خبرا لمبتدأ محذوف، ويكون التقدير: هذا زيد فاضربه، وتكون الفاء رابطة لجملة الأمر بالجملة التي قبلها أو عاطفة لها عليها، وإذا نصبت أو جررت والفعل بعد الفاء مفرغ لم يكن بد من ادعاء التقديم، إذ لا عامل له إلا الفعل الذي بعدها، فتبين إذن أن قول العرب: زيد فاضربه لا ينبغي أن يحمل على زيادة الفاء في الخبر كما ذهب إليه أبو الحسن؛ لأن زيادتها لا تنقاس للعلة التي تقدم ذكرها، ولا على ما ذهب إليه الكوفيون، وهو أن الأصل: تنبه فزيد اضربه لما في ذلك من تقدير حذف جملة، وتقديم ما بعد الفاء عليها، ولم تدع إلى ذلك ضرورة؛ إذ قد يمكن الحمل على ما ذكرناه» انتهى (٢). -

стр. 1037

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال ابن أبي الربيع: «اختلف النحويون في دخول الفاء في خبر المبتدأ على ثلاثة مذاهب (١): فسيبويه وأكثر النحاة من البصريين: على أنها لا تدخل في الخبر إلا بالشروط (٢) التي قد عرفت. وأبو الحسن الأخفش: يرى دخولها على الذي يراه سيبويه ومن تبعه، وعلى وجه آخر وهو الزيادة نحو: زيد فمنطلق. والثالث: ما ذهب إليه بعض الكوفيين، وهو أنها تدخل على الوجه الذي يراه البصريون، وعلى وجه آخر: وهو أن تدخل على تقدير جواب شرط محذوف، فتقول: زيد فمنطلق على تقدير: مهما يكن شيء فزيد منطلق كما يقال: زيدا فاضرب على معنى (٣) مهما يكن من شيء فاضرب زيدا. وكما يقال: فامرر على معنى مهما يكن من شيء فامرر بزيد. فقد اتفق النحويون على ما ذهب إليه سيبويه، فلا كلام في ذلك. وأما ما ذهب إليه أبو الحسن من الزيادة فيقال فيه: إن الزيادة في الحرف لا بد لها من دليل، ولا يكون الدليل إلا غير محتمل، ولم يأت بشيء إلا محتمل التأويل، فمنه قول الشاعر: ٦٦٥ - وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... ... البيت فقال المعنى: خولان انكح فتاتهم، وليس هذا بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك لكان النصب أحسن، والمروي في البيت الرفع، وإنما خولان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه خولان فانكح فتاتهم كما تقول: هذا زيد فاضربه، ومما يستدل به لأبي الحسن قول الشاعر: ٦٦٦ - أرواح مودّع أم بكور ... أنت ... فانظر البيت. -

стр. 1038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد تأول سيبويه البيت على ثلاثة أوجه (١): أحدها: أن يكون أنت فاعلا بفعل مضمر تقديره انظر، وتكون الفاء قد دخلت دخولها في قولك: زيدا فاضربه كأنه قال: مهما يكن من شيء فانظر لأي ذاك تصير أي: لا يصدنك شيء في النظر؛ لأنه أمر لازم ولا بد منه. الثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: أنت مرادي. الثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: المراد أنت؛ فلم يكن لأبي الحسن دليل قاطع على الزيادة. وأما ما ذهب إليه بعض الكوفيين من أنها تدخل لما في الكلام من الشرط المقدر، وجعلوه بمنزلة: زيدا فاضرب [١/ ٣٨٩] فلا يثبت، وأنا أبين ذلك فأقول (٢): اعلم أن العرب إذا حذفت الشرط، جعلت مكانه ما يتضمن حذف الشرط فتقول: أما زيد فمنطلق، وأما زيدا فاضرب، وأما بزيد فامرر. الأصل: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، أو فاضرب زيدا، أو فامرر بزيد، ثم حذفت العرب الشرط وجعلت مكان الجملة كلها (أمّا) فصار: أما فزيد منطلق، فجاءت الفاء تلي الحرف الذي يدل على الشرط، فقبح اللفظ؛ لأن حرف الشرط لا تليه الفاء التي تلقى بها الشرط، فقدموا شيئا من جملة الجواب على الفاء، ليزول قبح اللفظ، فقالوا: أما زيد فمنطلق، وأما منطلق فزيد. وكذلك أما زيدا فاضرب، وأما بزيد فامرر، ولم يسمع حذف الشرط، ولم يجعل مكانه أمّا، واكتفي بالفاء إلا بشرطين: أحدهما: أن تكون الجملة فعلية. والثاني: أن تكون اقتضائية نحو: زيدا فاضرب، وبزيد فامرر. قال الله : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٣) وقال تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٤). انتهى، وهو أكثر تنقيحا من كلام ابن عصفور في هذا الموضع. -

стр. 1039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المسألة الخامسة: أن المبتدأ الذي يجوز دخول الفاء في خبره إذا دخل عليه ناسخ من نواسخ الابتداء غير أن وإن، ولكن منع دخول الفاء بالاتفاق، وذلك لزوال شبه المبتدأ حينئذ باسم الشرط. ولأن بعض النواسخ كليت ولعل تخرج الكلام من كونه خبرا والشرط خبر بدليل وقوعه صفة للنكرة؛ فلو دخلت الفاء لكان الكلام خبرا غير خبر، وذلك محال. أما إذا كان الناسخ إن أو أن أو لكن فإن الفاء لا يمتنع دخولها. قال المصنف (١): فإنها ضعيفة العمل؛ إذ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع المبتدأ (٢). ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء (٣) ولم تعمل في الحال (٤)؛ بخلاف كأن وليت ولعل؛ فإنها قوية العمل مغيرة بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، وصالحة للعمل في الحال تقوي شبهها بالأفعال، وساوتها في المنع من الفاء المذكورة. ومن بقاء الفاء مع دخول إن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٥). وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦). ومن شواهد بقائها مع أن المفتوحة قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (٧). -

стр. 1040

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه قول الشاعر: ٦٦٧ - علمت يقينا أنّ ما حمّ كونه ... فسعي امرئ في صرفه غير نافع (١) ومن شواهد بقائها بعد دخول لكن قول الشاعر: ٦٦٨ - بكلّ داهية ألقى العداة وقد ... يظنّ أنّي في مكري بهم فزع كلّا ولكنّ ما أبديه من فرق ... فكي يغرّوا فيغريهم بي الطّمع (٢) ومثله قول الآخر: ٦٦٩ - فو الله ما فارقتكم قاليا لكم ... ولكنّ ما يقضى فسوف يكون (٣) -

стр. 1041

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [١/ ٣٩٠] وقال في شرح الكافية (١): إذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء أزال الفاء إن لم يكن إنّ أو أنّ أو لكنّ بإجماع المحققين؛ فإن كان واحدا منهن جاز بقاء الفاء نص على ذلك في إن وأنّ سيبويه (٢)، وهو الصحيح الذي ورد القرآن به كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣). وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً (٤). وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٥)، (٦). وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (٧). ثم ذكر شواهد لكن (٨) ثم قال: «وروي عن الأخفش أنه منع من دخول الفاء بعد إن (٩). وهذا عجيب؛ لأن زيادة الفاء على رأيه جائزة وإن لم يكن المبتدأ يشبه أداة الشرط نحو: زيد فقائم؛ فلو دخلت إن على اسم يشبه أداة الشرط فوجود الفاء في الخبر أسهل وأحسن من وجودها في خبر زيد وشبهه. وثبوت هذا عن الأخفش مستبعد، وقد ظفرت له في كتابه معاني القرآن العزيز أنه موافق لسيبويه في بقاء الفاء بعد دخول إن، وذلك أنه قال (١٠): وأما وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما (١١) فقد يجوز أن يكون هذا خبر المبتدأ؛ لأن الذي إذا كان صلته فعلا جاز أن يكون خبره بالفاء نحو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ -

стр. 1042

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ (١) ثم قال: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ (٢)». انتهى (٣). ونقل ابن عمرون عن عبد القاهر أنه قال (٤): مذهب أبي الحسن أنّ الفاء لا تمنع يعني مع أن، قال: وأظنّ الزّمخشري عوّل على كلام عبد القاهر. فقال في الحواشي: «يجوز دخول الفاء في خبر الاسم المتضمّن لمعنى الشّرط إذا دخل عليه أن على مذهب الأخفش، ولا يجوز على مذهب سيبويه (٥). لكن قال المبرد في المسائل المشروحة من الكتاب (٦): «كان الأخفش يضعّف (إن الّذي يأتيني فله درهم) لدخول إنّ على الّذي. ولا أدري ما قال إلّا غلطا». وكذا نقل السيرافي عن الأخفش أنه يضعف ذلك. قال ابن عمرون: والّذي يظهر أنّ الأخفش هو الّذي يمنع؛ لأنّه يجوّز زيادة الفاء، فيمكن إذا ورد عليه شيء من ذلك أن يخرّجه على زيادة الفاء، وسيبويه لا يعتقد ذلك» انتهى (٧). -

стр. 1043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي عبارة المصنف أمران: أحدهما: قوله في المتن: وتزيلها نواسخ الابتداء. وفي الشرح: إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء في خبره أزال شبهه بأداة الشرط، فامتنع دخول الفاء على الخبر. قال الشيخ: «هذا يقتضي أن الناسخ يدخل على مبتدأ دخلت الفاء في خبره، وليس كذلك؛ بل إذا دخل النّاسخ فلا يدخل إلّا على مبتدأ لا يكون الفاء في خبره، وليس المعنى أنّه إذا دخل الناسخ أزال الفاء» انتهى (١). وما قاله الشيخ ظاهر، لكن يمكن حمل كلام المصنف على أن ثم مضافا محذوفا، التقدير ويزيل دخولها أي: ويمنع دخولها نواسخ الابتداء. الثاني: الظاهر من قوله [١/ ٣٩١]: على الأصحّ أنه راجع إلى الثلاثة. أما إنّ فقد عرف الخلاف الذي ذكر فيها بين الإمامين الكبيرين (٢). وأما أنّ ولكنّ فالظاهر أن من منع دخول الفاء مع إن المكسورةيمنع مع أن ولكن؛ بل ربما يكون منعه منهما أولى. على أن ابن عصفور صرح بالمنع؛ فإنه قال (٣): «الموصول الّذي يجوز دخول الفاء في خبره إن دخلت عليه ليت أو لعلّ أو ما أشبههما من نواسخ الابتداء لم يجز دخول الفاء في خبره؛ لأن الموصول إذ ذاك لا يشبه اسم الشرط ما لم يكن الناسخ إن؛ فإن كان إن جاز دخول الفاء في الخبر، وجاز ذلك معها وحدها من بين سائر أخواتها؛ لأن العرب تعامل إن زيدا قائم معاملة زيد قائم لما كانا في معنى واحد بدليل قولهم: إن زيدا قائم وعمرو، ولا كذلك النواسخ» انتهى (٤). واقتضى كلامه أن دخول الفاء مخصوص بأن وحدها. -

стр. 1044

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ختم الشيخ هذا الفصل بمسألتين (١). الأولى: «إن أعملت هذه العوامل في اسم آخر جاز دخول الفاء نحو: إن الّذي يأتيني فله درهم، وإن زيدا كل رجل يأتيه فله درهم». وهي واضحة (٢). الثانية: «إذا جئت بالفاء في خبر ما فيه معنى الجزاء لم يجز العطف عليه قبلها عند الكوفيين، وأجازه ابن السّراج» (٣). والله أعلم (٤). * * *

стр. 1045

شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد» تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة ٧٧٨ هـ دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) [المجلد الثالث]

стр. 1046

الباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبر (١) [سردها وشروط عملها] قال ابن مالك: (فبلا شرط: كان وأضحى وأصبح وأمسى وظلّ وبات وصار وليس، وصلة لما الظّرفيّة: دام، ومنفيّة بثابت النّفي مذكور غالبا متّصل لفظا أو تقديرا أو مطلق النّفي: زال ماضي يزال وانفكّ وبرح وفتئ وفتأ وأفتأ وونى ورام مرادفتاها). قال ناظر الجيش: هذا شروع منه في أبواب نواسخ الابتداء أي نواسخ عمله وهي ثلاثة: باب كان وأخواتها ويتبعه ما جرى مجراها من أفعال المقاربة، وما جرى مجرى ليس وهو ما ولا ولات وإنّ. وباب إنّ وأخواتها ويتبعه ما جرى مجرى إنّ وهو لا التي لنفي الجنس. وباب ظننت وأخواتها ويتبعه ما جرى مجراها وهو قال على لغة من ينصب بها الجزأين. وللأئمة سؤال هاهنا وهو أن يقال: إن شأن العوامل أن تحدث العمل في المفردات السالم أواخرها من الحركات نحو زيد وعمرو وما أشبههما وليس للعوامل تأثير في الجمل فكيف نسخت هذه الأفعال حكم الابتداء أو المبتدأ فأزالت عملهما (٢) والجملة ليست محلّا لتأثير العوامل؟ ويجيبون عن ذلك: بأن كان وأخواتها لها شبه بالفعل المتعدي لواحد كضرب ووجه الشبه الذي ذكروه يحتاج إلى تقدير وهو أن الأفعال المذكورة في هذا الباب المقصود من وضعها الدلالة على تلبس الفاعل الذي أسندت هي إليه بصفة وتلك الصفة مقيدة بمعنى الفعل المسند من إثبات أو نفي أو صيرورة أو تقييد بزمان مخصوص ونحو ذلك. فمعنى قولنا: أمسى زيد مسافرا أن زيدا متلبس بالسفر في وقت المساء ومن ثمّ -

стр. 1047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان ذكر الخبر لازما؛ لأنه هو المقصود. ووجب رسم الأفعال المذكورة بالنقص فسميت ناقصة من حيث أنها لم تكتف بمرفوعها إذ ليس المقصود من قولنا كان زيد ذاهبا، وأمسى زيد مسافرا نسبة الفعل إلى الفاعل لا باعتبار شيء آخر كما هو المقصود من الأفعال التامة إذا أسندت إلى فاعليها نحو: ضرب، بل المقصود نسبتها إلى الفاعل باعتبار صفة اتصف بها وثبتت له مقيدة بمعنى ذلك الفعل (١) فبمقتضى هذا التقرير صار كل من هذه الأفعال من حيث إنه يستدعي صفة وصاحبها يشبه الفعل التام المتعدي إلى واحد لاستدعائه شيئين كضرب، والفعل المتعدي إلى واحد يرفع الفاعل وينصب المفعول فكانت هذه الأفعال الناقصة كذلك ترفع المبتدأ تشبيها بالفاعل وتنصب الخبر تشبيها بالمفعول. وحينئذ يقال: إنما عملت كان وأخواتها في الاسمين بعدها تشبيها بضرب [٢/ ٣] مثلا، فلذلك أثرت في أجزاء الجملة. وإذا تقرر هذا في كان وأخواتها فنقول: ستعرف في باب إن وأخواتها أن عملها إنما هو لشبهها بكان فهي إذن محمولة في العمل عليها (٢) وستعرف في باب ظن أنها إنما عملت هي وأخواتها لشبهها بالأفعال الطالبة مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر كأعطيت. فمن ثمّ ساغ تأثير إن وأخواتها وظننت وأخواتها في أجزاء الجملة (٣). ثم اعلم أن المصنف أفاد بقوله في ترجمة الباب: بـ (الرّافعة النّاصبة) أن رفع -

стр. 1048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المبتدأ منسوخ بهذه الأفعال وأنها هي الرافعة للاسم كما أنها الناصبة للخبر، وهذا هو المعروف والمشهور وهو الحق. والمنقول على الكوفيين أنها إنما نصبت الخبر وأن المبتدأ باق على رفعه وليس هذا مما يعول عليه (١) ولا يشتغل به لأن الضمائر تتصل بها والضمير لا يتصل بغير عامل ولأنه لا أثر للعامل المعنوي مع وجود العامل اللفظي. وقال الفراء: إن الاسم يرتفع لشبهه بالفاعل. وأما المنصوب فالجمهور على أنه خبر مشبه بالمفعول كما أن المرفوع اسم مشبه بالفاعل وعن الفراء أنه نصب تشبيها بالحال (٢). وقال بعض الكوفيين: إن انتصابه على الحال ولا يخفى ضعف هذه الأقوال (٣) والاشتغال بها استدلالا وإبطالا فيه إطالة مع قلة الجدوى. ثم إن المصنف رحمه الله تعالى افتتح الكلام في هذا الباب بأن قال (٤): «شرط الفعل المنسوب إلى هذا الباب أن يدخل على جزأي إسناد مباين ثانيهما للحالية بتمحّض تعريف أو بتحمض جمود أو بعدم الاستغناء عنه دون عارض (٥) كقولك صار الذي آمن أخانا بعد أن كان عدونا وكان مالك فضة فصار ذهبا، ففي منصوب كان وصار من مباينة الحال ما ذكرته فمن ألحق بها فعلا لا يساويها في هذا الاعتبار (٦) فهو محجوج وسيأتي القول في ذلك مبسوطا إن شاء الله تعالى». -

стр. 1049

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأفعال هذا الباب انقسامات بنسب مختلفة: فأول انقساماتها إلى ما يعمل بلا شرط أي موجب وغير موجب وصلة وغير صلة (١) وهو الثمانية الأول. وإلى ما يعمل بشرط كونه صلة لما الظرفية أي المصدرية التي يقصد بها وبصلتها التوقيت وهو دام كقولك لا تجامل ما دام الله ملجأك. قال الله تعالى: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٢). التقدير مدة دوامي حيّا فلو خلت دام من ما المصدرية لم يكن لها اسم ولا خبر، فلو وقع بعدها مرفوع ومنصوب جعل المرفوع فاعلا والمنصوب حالا نحو دام زيد صحيحا (٣) وكذا لو كان معها ما المصدرية ولم تكن في موضع ظرف زمان نحو عجبت مما دام زيد صحيحا فزيد فاعل وصحيحا حال ولهذا لا يجوز تعريفه. وقد تستعمل دام بعد ما المصدرية النائبة عن ظرف الزمان تامة تشبيها ببقى فلا يكون لها خبر كقوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ * (٤). وإلى ما يعمل بشرط كونه منفيّا أو منهيّا عنه: وهي أربعة أفعال مشهورة ملحق [٢/ ٤] بها اثنان، فالأربعة: زال، وانفك، وبرح، وفتئ وقد يقال فقأ وأفقأ. والملحقات بها: وني ورام التي مضارعها يريم. ومعنى الستة إذا بقيت داخلة على الجملة الإعلام بلزوم مضمون الجملة في المعنى أو في الاستقبال نحو ما زال العلم حسنا ولن يزال الجهل قبيحا. وقد تناول قولي: منفيّة (٥) المنفي بليس كقول الشاعر: -

стр. 1050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٦٧٠ - ليس ينفكّ ذا غنى واعتزاز ... كلّ ذي علّة مقلّ قنوع (١) والمنفي بغير كقول الشاعر: ٦٧١ - غير منفكّ أسير هوى ... كلّ وان ليس يعتبر (٢) وكقول الآخر: ٦٧٢ - إن امرءا غير منفكّ معين حجا ... على هوى فاتح للمجد أبوابا (٣) والمنفي بقلّ نحو قلما يزال عبد الله يذكرك لأن قلما يزال بمعنى ما يزال. وقال الشاعر: ٦٧٣ - قلّما يبرح اللّبيب إلى ما ... يورث المجد داعيا أو مجيبا (٤) -

стр. 1051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ودخل تحت «منفية» قول العرب: «لا ينشأ أحد ببلد فيزال يذكره» لأن معناه إذا أنشأ أحد ببلد لا يزال يذكره. ذكر ذلك كله الفراء في كتاب الحدود (١) ومن أمثلته: ما يعترينا أحد فنزال نعينه، وقال: ألا ترى أن المعنى إذا اعترانا أحد لم نزل نعينه. وقيدت زال بكون مضارعها يزال احترازا من زال بمعنى تحول فمضارعه يزول وهو فعل لازم واحترازا من زال الشيء بمعنى عزله فمضارعه يزيل. وقيدت وني ورام الملحقين بهن بمرادفتهما لهن احترازا من ونى بمعنى فتر ومن رام بمعنى حاول وبمعنى تحول ومضارعها التي بمعنى حاول يروم ومضارع التي بمعنى تحول يريم وهكذا مضارع المرادفة زال. وهي ووني بمعنى زال غريبتان ولا يكاد النحويون يعرفونها إلا من عني باستقراء الغريب (٢). ومن شواهد استعمالهما قول الشاعر: ٦٧٤ - لا يني الخبّ شيمة الخبّ ما دا ... م فلا تحسبنّه ذا ارعواء (٣) -

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الآخر في إعمال يريم العمل المشار إليه: ٦٧٥ - إذا رمت ممن لا يريم متيّما ... سلوّا فقد أبعدت في رومك المرمى (١) وأشرت بقولي فيها وفي أخواتها: منفية بثابت النّفي إلى أن نحو: ألست تزال تفعل وألم تزل تفعل لا يجوز إن قصد بالهمزة التقرير لأن التقرير إثبات ويجوز إن أريد مجرد الاستفهام عن النفي. وأشرت بقولي: مذكور غالبا إلى أن نافيها قد يحذف؛ كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ (٢) أي لا تفتأ تذكر يوسف. ومن حذف نافيها قول الشاعر: ٦٧٦ - تنفكّ تسمع ما حيي ... ت بهالك حتّى تكونه (٣) أي لا تنفك. ومنه قول امرأة من العرب: ٦٧٧ - تزال حبالي مبرمات أعدّها ... لها ما مشى يوما على خفّه الجمل (٤) -

стр. 1053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي لا تزال. وأشرت أيضا بقولي: متّصل، إلى أن النافي قد يوجد منفصلا كقول الشاعر: ٦٧٨ - ما خلتني زلت بعدكم ضمنا ... أشكو إليكم حموّة الألم (١) أراد خلتني ما زلت بعدكم. وخلت هنا بمعنى أيقنت وهو أيضا غريب. ومن الفصل بين النافي والمنفي في هذا الباب قول الآخر [٢/ ٥]: ٦٧٩ - ولا أراها تزال ظالمة ... تحدث لي قرحة وتنكؤها (٢) -

стр. 1054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: وأراها لا تزال. قال الفراء في كتاب الحدود: يجوز أن يقوّم نفي زال على ظنّ وأخواتها، فيقال: لا أظنك تزال تقول ذلك. قال: وكذلك ما أظنك تبالي بشدة معناه أظنك ما تبالي. قلت: فالنفي المفصول بـ «ظنّ» وإحدى أخواتها متصل تقديرا وكذا المفصول بما الفعل ومعمولاه خبر كقولك: ما عبد الله زال محسنا؛ لأن المعنى: عبد الله ما زال محسنا فالنفي متصل بزال تقديرا. وكذا المنفصل بقسم كقوله: ٦٨٠ - فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... على أهلها ما فتّل الزّند قادح (١) -

стр. 1055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأشرت بقولي: أو مطلق النّفي إلى وقوعها مع نهي أو دعاء: فالنهي كقول الشاعر: ٦٨١ - صاح شمّر ولا تزل ذاكر المو ... ت فنسيانه ضلال مبين (١) والدعاء كقول الآخر: ٦٨٢ - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلا ... ولا زال منهلّا بجزعائك القطر (٢) وأنشد الفراء (٣): ٦٨٣ - لن يزالوا كذالكم ثمّ لا زل ... ت لهم خالدا خلود الجبال (٤) ... هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى (٥). -
следующие страницы →