منّ الله تعالى على الإسلام والمسلمين بمن أحيا موات العلم في العالمين، وغمر بصدقاته جميع الطالبين، واعتنى بأمور العلماء وإن كانوا عن مصالحهم غافلين.
ومن أضحى وأزر الدين به قويّ، وظما الإسلام بملاحظته رويّ (١)، وزند النجم بآرائه السعيدة وريّ، ذي المقر الأشرف العالي المولوي السيدي المالكي المخدومي الكاملي الأتابكي، كافل أمور المسلمين (٢)، سيد ولاة أمور الدين، أتابك العساكر المنصورة، نظام الملك الشريف، والد الملوك والسلاطين، ولي أمير المؤمنين: يلبغا العمري الأشرفي (٣).
لا زال عصره فاضلا، ونصره متواصلا، وحكمه عادلا، وبره شاملا، ولا برحت أموره مقتبلة ممتثلة، والقلوب بمحبته ومهابته ممتلية، والنفوس بعوارفه وعواطفه متملية:
١ - من شرّد الإعدام عن أوطانه ... بالجود حتّى استطرف الإعدام
وتكفّل الأيتام عن آبائهم ... حتّى وددنا أنّنا أيتام (٤)
стр. 107
فلما أقبل الناس بفضله على الطلب وتأكدت أسباب إقبالهم على هذا الفن بأنواعه، الذي يبلغ به الآمل منتهى الأمل والأرب. وتجددت به معاهد العلم بعد الدروس، وتبينت بإحسانه معالم الفضائل وملازمة الدرس والدروس (١).
وأصبحت الأمة إلى الطلب يهرعون، وتباشر بصدقاته العميمة الشاغلون والمشتغلون (٢)، وعزا كل منهم وليس شأنه بعد طلب الرزق إلا طلب العلم؛ لأنه قد أغنته هذه الصدقات الجمة فشمر عن الساعد وأرهف العزم، فعند ذلك بادرت إلى الشروع في إتمام هذا الكتاب رغبة في انتفاع الطلاب، وجزيل الأجر والثواب، وأسهرت الجفن في إكماله، وأيقظت العزم من سنة الكرى، وإن كان لم يقف في سائر أحواله، وتوجهت إلى ذلك مستعينا بالله تعالى؛ فإنه ذو الفضل الجزيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
стр. 108
الكلام على خطبة الكتاب (١)
(هذا) إنما أشار إلى ما أجمع عليه رأيه ووجه إليه عزمه؛ لأنه رتب في نفسه أمرا وقصد إيراده على وجه مخصوص، وكيفية معتبرة فصار مقصوده من ذلك لقوة أسبابه عنده وتمكنه من إبرازه - في حكم الوجود الحاضر فعومل في الإشارة إليه معاملته.
وقد تكلم الناس على كلمة (هذا) من قول سيبويه ﵀ «تعالى» (٢) -:
هذا باب علم ما الكلم من العربيّة (٣). فقيل: استعملها غير مشير بها؛ ليشير بها عند الحاجة وقيل: أشار إلى شيء وإن لم يكن موجودا؛ لأنه متوقع قريب، وقيل: أشار إلى ما في نفسه من مقصود الباب. وذلك حاضر عنده (٤). فقد يقال: هذه الأقوال هنا أيضا، ولكن الأولى ما أشرنا إليه (٥)، وإياه قصد صاحب القول الثالث.
وأما ما قيل من أن سيبويه وضع الباب أولا ثم وضع الترجمة، فلا يتأتى هذا؛ لقول المصنف في آخر الخطبة: (وها أنا ساع فيما انتدبت إليه)، فدل على أنه وضعها أولا.
(كتاب) هو مصدر في الأصل فقد يقال: المراد به هنا المكتوب [١/ ٥]
стр. 109
فهو مصدر أريد به المفعول، والظاهر أن الكتاب اسم لما يصنف؛ سمي كتابا لجمعه مقاصد العلم الذي صنف فيه.
(في النّحو) هو علم بأصول يتعرف منها أحوال الكلمة العربية، التي بها يعرف أحكام التكلم إفرادا وتركيبا (١).
وإنما قيل: علم بأصول يتعرف منها، ولم يقل: علم أحوال الكلم ليدخل فيه العلم بما هو، كالمقدمات، كالكلمة والكلم والكلام والإعراب والبناء وأنواعهما وأقسام المعارف والنكرات، ونحو ذلك؛ فإن هذه الأمور أصول يتعرف منها الأحوال، وليست علما بالأحوال أنفسها. وإنما قيل: التي يعرف بها أحكام التكلم؛ ليخرج علم المعاني وعلم العروض مثلا؛ فإن الأول:
يتعرف منه أحوال الكلم بالنسبة إلى المطابقة لمقتضى الحال وعدم المطابقة، والثاني: يتعرف منه أحوال الكلم بالنسبة إلى كونها موزونة بأوزان خاصة.
وإنما قيل: إفرادا وتركيبا؛ ليشمل علمي الإعراب والتصريف (٢).
(جعلته) أي صيرته لأن الأمر (٣) الكلي الذي في نفسه من العلم (٤) قد كان يمكن أن يصيره على غير هذه الصفة، ويحتمل أن يريد معنى وضعته واخترعته.
(بعون الله) أي إعانته، والباء فيه إما للاستعانة، كما في: كتبت بالقلم، وإما للحال، أي مستعينا بالله، والأول أظهر.
(مستوفيا) أي غير تارك شيئا. يقال: استوفى حقه، إذا أخذه تامّا، ويقال: توفى حقه أيضا، فاستفعل فيه بمعنى تفعل كاستكبر وتكبر.
(لأصوله) أصل الشيء ما ينبني عليه ذلك الشيء. فالكتاب المذكور حاو للأصول، أي للقوانين وهي الأمور الكلية المنطبقة على جزئياتها فالجزئيات إذا مبنية عليها.
стр. 110
(مستوليا) أي بالغا الغاية في الإحاطة بالمقصود.
(على أبوابه وفصوله) الأبواب: المداخل لغة، والمراد بها هنا ما تضمنه من أحكام المسائل.
والفصل: هو الحاجز بين شيئين لاختلافهما بوجه ما. وأصله لغة: القطع، كأنه يفصل ما بعده عما قبله أي يقطعه. والمراد به هنا ما تضمنه من أحكام تفرد عن غيرها لاختلاف ما، ولو اقتصر على الأبواب لشملت الأحكام أجمع، فيكون عطف الفصول على الأبواب لهذا الاعتبار من عطف الخاص على العام.
وفي قوله: مستوفيا، ومستوليا، وكذا في أصوله، وفصوله - الجناس اللاحق لاتفاق الكلمتين في عدد الحروف والهيئات والترتيب واختلافهما في حرف واحد وليس بين المختلفين تقارب في المخرج (١) إلا أن الاختلاف بين: مستوفيا، ومستوليا في حرف أوسط، فهو نظير قوله تعالى: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٢) وبين: أصوله وفصوله، في حرف أول: فهو نظير قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (٣).
وفي: أصوله وفصوله أيضا، السجع المتوازي لتواطؤ الفاصلتين على حرف واحد مع اتفاقهما في الوزن فهو نظير قوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [١/ ٦] (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (٤).
(فسمّيته لذلك) أي لما اتصف الكتاب بهذه الصفة استحق أن يسمى هذه التسمية فالتسمية بهذا الاسم مسببة عن الاتصاف بهذا الوصف (٥)، ولذلك أتى
стр. 111
بالفاء لإشعارها بترتيب الثاني على الأول، وبقوله (١): لذلك، للدلالة على العلّيّة.
(تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد) الأولى أن لا يؤول المصدران باسم فاعل؛ بل يجريان على ظاهرهما؛ ليجعل متن الكتاب نفس هذين المعنيين فتحصل المبالغة.
وفي هاتين الفقرتين (٢) السجع المرصّع لتقابل كلماتها وزنا وتقفية فهو نظير قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٣)، ومنه قول الحريري (٤):
فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه (٥).
(فهو جدير) يقال: فلان جدير بكذا، أي: يستحق ذلك استحقاقا لا منازعة فيه، ومثله: حقيق وخليق، والفاء في قوله: فهو، تشعر بالسببية؛ فيكون جعل تسمية الكتاب بما تقدم، علة لما ذكر وليس في التسمية مناسبة لذلك.
والذي يظهر أن المصنف كأنه يقول: إنما سميته بذلك؛ لاشتماله على معنى الاسم المسمى به حقيقة. وإذا كان مشتملا على ذلك كان جديرا بما يذكره.
(بأن يلبّي دعوته الألبّاء) معنى يلبي أي: يجيب دعوته بقوله: لبّيك.
وفي قوله: دعوته: استعارة مكني عنها واستعارة تخييلية؛ وذلك أنه شبه
стр. 112
الكتاب بالإنسان وأضمر التشبيه في النفس، فلم يذكر سوى المشبه خاصة، وهو الضمير المضاف إليه دعوة. وهذا هو الاستعارة المكني عنها، ودل على أن مراده التشبيه المذكور بإثبات شيء من خصائص المشبه به للمشبه، وهو الدعوة التي لا تكون إلا للإنسان. وهذا هو الاستعارة التخييلية.
ويجوز أن يجعل ما اشتمل عليه الكتاب: من حسن الاختيار، وجودة السبك، وكثرة المسائل، وتبريزه على غيره من الكتب المختصرة في جذب النفوس إليه، واستمالة الأهواء نحوه - مشبها بدعوة إنسان ذي كمال يدعو الناس إلى الاشتمال عليه؛ فتكون الاستعارة حينئذ تخييلية، ثم يكون قوله:
يلبي، ترشيحا لها؛ لأنه قرنها بما يلائم المستعار منه.
(وتجتنب منابذته النّجباء) الاجتناب: الترك. والنبذ: الإلقاء من اليد، ومنه المنبوذ للصبي تلقيه أمه في الطريق، والمنابذة: مفاعلة من: تنابذوا الأمر، إذا ألقاه كل منهم على الآخر؛ تنكبا عنه وإعراضا.
والنجابة: الكرم والرشد في الأفعال. والنجيب: البيّن النجابة، والمعنى:
وتترك الرغبة عنه النجباء أي: المتّسمون بسمات الفلاح.
(ويعترف العارفون برشد المغرى بتحصيله) الرشد: ضد الغي، والمغرى:
اسم مفعول من أغري بكذا إذا ألصق به والمراد به هنا العاكف على الشيء الملازم الذي هو كاللاصق بالشيء العكوف عليه. ومثل: ويعترف العارفون، مما ألحق عند علماء البديع بالجناس؛ لاشتراك اعترف وعارف، في الحروف الأصول. ومنه قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ (١).
(وتأتلف قلوبهم على تقديمه وتفضيله)، وتأتلف أي: وتجتمع قلوبهم، وتتفق على أن محصله ذو [١/ ٧] تقدم وفضل.
(فليثق متأمّله ببلوغ أمله) هذا منه ترغيب في الاشتغال بهذا الكتاب، وتطييب لنفس العاكف عليه ووعد له بحصول مقصوده من هذا العلم؛ لأن
стр. 113
من علم بحصول مقصوده من هذا العلم جد واجتهد وأقبل على ذلك الشيء، فهذا الكلام يهز السامع ويجذب الراغب في اقتضاء العلم، ويحثه على الاستمساك بالكتاب المذكور، وفي طيه مدحه هذا التصنيف والتفخيم لقدره، ولهذا أردفه بقوله: (وليتلقّ بالقبول ما يرد من قبله).
وأما قوله: (وليكن لحسن الظّنّ آلفا ولدواعي الاستبعاد مخالفا) فكأنه - رحمه الله تعالى - لما وصف كتابه بما وصف، ووعد متأمله بما وعد، ملزما له بقبول ما يرد عليه منه، استشعر من النفوس منازعته في هذه الدعوى، وأنها لا توافق فيما ذكره - بل تستبعد - اشتمال الكتاب على هذه الصفات الجلى.
وتنكر أن يرتقي رتبة متأخر في العلم إلى هذا الحد، فقصد العظة والإرشاد لمن يتلجلج ذلك في صدره، وأمره بالإلف لحسن الظن، والمخالفة لما تحدث النفس به من استبعاد صدور مثل ذلك من متأخر.
ويجوز أن يكون قوله: (وليكن لحسن الظّنّ آلفا) مقصودا به ما قلناه، وأن يكون قوله: (ولدواعي الاستبعاد مخالفا) مقصودا به تحريك طالب العلم، فهو يحذره أن تتقاعس نفسه مستهولا ما يقدم عليه من المصنفات المعتبرة، فأمره أن يخالف ما عنده من دواعي الاستبعاد؛ لأنه إذا استبعد أمرا تقاعد عن تعاطيه فيفوته بسبب ذلك شيء كثير ولا يحصل على طائل. ويرجح هذا المعنى قوله بعد: (فقلّما حلي متحلّ بالاستبعاد - أي: باستبعاد حصول العلم له - إلا بالخيبة والإبعاد)، لكن قوله بعد ذلك: (وإذا كانت العلوم منحا إلهيّة) إلى آخره، يرجح المعنى الأول (١)؛ فينبغي التعويل عليه؛ ليحصل ارتباط الكلام ويكون كله نسقا وعلى هذا يكون المراد بالاستبعاد في كلامه استبعاد لظان وفاء صاحب الكتاب بما التزمه في كتابه المذكور.
(فقلّما حلي متحلّ بالاستبعاد إلّا بالخيبة والإبعاد) المراد بقلما: النفي ولهذا فرغ العامل معها لما بعد إلا والمعنى: ما حلي متحلّ بالاستبعاد إلا بكذا وكذا.
стр. 114
قال في الصحاح (١): «حلي بعيني وفي عيني - بالكسر - يحلى حلاوة إذا أعجب» قال: «وقولهم: لم يحل منه بطائل أي لم يستفد منه كبير فائدة، ولا يتكلّم به إلّا مع الجحد» انتهى. ولا يظهر واحد من هذين المعنيين هنا، فإن كان (حلي) يستعمل بمعنى: تحلّى بكذا أي اتصف به - فلا إشكال، وإلا فقد يكون أصل التصنيف، فقلما تحلّى ثم عرض التغيير للكلمة في الكتابة.
(وإذا كانت العلوم منحا إلهيّة ومواهب اختصاصيّة، فغير مستبعد أن يدّخر لبعض المتأخّرين ما عسر على كثير من المتقدّمين). العلوم هنا جمع علم مرادا به اسم ذات المعلوم لا المصدر. ولذلك جمعه، ويدّخر: يفتعل، من دخر الشيء إذا أحرزه وحفظه. وهذا الكلام كالجواب عما هو كالسؤال المقدر، وذلك أنه لما ادعى في كتابه دعوى يلزم منها أنه اشتمل [١/ ٨] في هذا الفن على ما لم يشتمل عليه غيره، والتزم للمقبل عليه بحصول أمله من هذا العلم، آمرا له أن يتلقى كل ما يرد عليه منه بالقبول. توهم أن قائلا يقول: يبعد أن يفوق متأخر على متقدم، وأن يأتي بمصنف لم يسبق إليه، مع عظمة قدر من تقدم من علماء هذه الصناعة.
فرد هذا الوهم بأن المواهب من الله والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، لا مانع لما أعطى.
وهذا الكلام وإن كان مطلقا بالنسبة إلى كل ذي موهبة من العلم، فيه رمز وإشارة إلى أنه، أعني المصنف - رحمه الله تعالى - من المتأخرين الذين ذخر لهم ذلك. وإنما ترك التصريح بذلك أدبا؛ لأن الإنسان لا ينبغي له تزكية نفسه.
فإن قيل: إذا كان الإنسان لا ينبغي له ذلك فكيف أشار إليه ولوح به؟
قلت: لإيراده الكلام مورد الاعتراف؛ فإن الله تفضل عليه بأن جعله من المختصين بمواهبه المشرفين بمنحه، بعد إسناد المواهب كلها إلى الله تعالى، وأنه يختص بها من أراد، ففي طي كلامه إقرار بنعم الله تعالى عليه واعتراف
стр. 115
بما خصه به منها.
ونظير هذا الرمز والتلويح ما فعله شيخ الإسلام وعلّامة الوقت، الشيخ:
تقيّ الدّين، عرف بابن دقيق العيد (١) - رحمه الله تعالى، ورضي عنه - في خطبة شرحة للإلمام (٢)؛ حيث قال في أثنائها: «والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجّة. والأمّة الشّريفة لا بدّ فيها من سالك إلى الحقّ على واضح المحجّة».
فالظاهر أنه ما عنى إلا نفسه بالنسبة إلى زمانه الذي هو فيه وإنه لجدير بذلك.
ثم في هذا الكلام من المصنف حث وترغيب في النظر في كلام المتأخرين والاشتغال به، ونهي عن أن يقتصر المحصل على كلام المتقدمين ويرفض كلام من بعدهم؛ فإنه قد يعثر في كلام المتأخر على ما لا يعثر عليه في كلام المتقدم، ولا شك أن للمتقدم فضيلة السبق والاختراع والتدوين، وللمتأخر فضيلة الجمع والإكثار وتقييد ما لعله أطلق وتفصيل ما لعله أجمل، مع الاختصار التام وتيسير ما هو على المحصل صعب المرام، فيتعين الجنوح إلى كلامهم، والتعريج على مصنفاتهم؛ فربما فات من لم يشتمل عليها مقصود كبير، ولهذا قال الجاحظ (٣) ما معناه: «من أضرّ
стр. 116
ما يرد على الأسماع قولهم: لم يدع الأوّل للآخر شيئا».
وما أحسن قول حبيب بن أوس الطّائيّ (١) - رحمه الله تعالى -:
٢ - لا زلت من شكري في حلّة ... لابسها ذو سلب فاخر
يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر (٢)
وبالغ المعرّي (٣) في مدح نفسه؛ حيث قال:
стр. 117
٣ - وإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل (١)
وهو من أحسن ما قيل [١/ ٩] في مدح المتأخرين نفوسهم.
والمنصف هو أبو العباس المبرد (٢) حيث يقول في «الكامل» له:
«وليس لقدم العهد يفضّل القائل ولا لحدثانه يهتضم المصيب ولكن يعطى كلّ ما يستحق» (٣).
(أعاذنا الله من حسد يسدّ باب الإنصاف ويصدّ عن جميل الأوصاف)، أعاذنا: حمانا وحفظنا. والحسد: أول ذنب عصي الله به في السموات وفي الأرض. فأما في السماء فحسد إبليس آدم، وأما في الأرض فحسد قابيل هابيل،
فالحسد حمل إبليس على الكفر، وحمل قابيل على قتل أخيه (٤). وكفى الحسود إتعاب نفسه. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: لا راحة لحسود (٥).
стр. 118
ولقد أحسن التّهاميّ (١) حيث قال:
٤ - إنّي لأرحم حاسديّ لفرط ما ... ضمّت صدورهمو من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنّة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنّما برقعتها بنهار (٢)
وفي قول المصنف: يسد ويصد، الجناس المضارع. وهو كالجناس اللاحق إلا في شيء واحد وهو تقارب الحرفين المختلفين في المخرجين، كما رأيت من تقارب السين والصاد.
(وألهمنا شكرا يقتضي توالي الآلاء ويقضي بانقضاء اللّأواء).
والإلهام: الإلقاء في الروع، يقال: ألهمه الله كذا أي: ألقى في روعه.
والشكر: الثناء على المحسن بما أولى من المعروف، وليس هذا موضع بسط الكلام فيه. وتوالي: ترادف وتتابع، والآلاء: النعم، واحدها ألي بالفتح وقد يكسر كمعي وأمعاء.
ولقضى معان منها: حكم: قال الله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (٣).
فالمعنى: ويحكم بانقضاء اللأواء وهي الشدة. وفي الحديث: «من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهنّ كنّ له حجابا من النّار» (٤).
стр. 119
والقاعدة الكلية: قلب همزة التأنيث المنقلبة عن حرف زائد في التثنية واوا، كحمراوان، إلا في هذه الكلمة - أعني لأواء - وفي كلمة أخرى وهي حواء، فإن الهمزة فيهما لا تقلب بل تقر في التثنية كالأصلية، فيقال: لأواءان
وحواءان، كما يقال: قرّاءان (١).
(وها أنا ساع فيما انتدبت إليه مستعينا بالله عليه) أي: وها أنا مجدّ.
وأصل السعي العدو فجعل توجهه إلى هذا التصنيف بوجه مجد، كما أن الساعي هو المجد في المشي. ويقال: ندبه إلى كذا وانتدبه: دعاه إليه فانتدب، أي: أجاب، فقوله: انتدب - بالبناء لما لم يسم فاعله - إعلام بأنه طلب منه ذلك ودعي إليه.
(ختم الله لي ولقارئيه بالحسنى وحتم لي ولهم الحظّ الأوفى في المقرّ الأسنى)، ختم: جعل آخر أمرنا وخاتمته، والمراد بالحسنى: الحسن وهو الموت على الإسلام، وحتم: معناه أوجب قاله في الصحاح (٢). وبين ختم وحتم جناس التصحيف لاتفاق الكلمتين وذوات بعضها مع اتحاد الكتابة؛ فهو نظير قوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (٣).
ومنه قول ابن المعتز (٤):
٥ - له وجه به يصبي ويضني ... ومبتسم به يشقي ويشفي (٥)
стр. 120
والحظ: النصيب، والأسنى: الأعلى، والمقر الأسنى: هو الجنة، جعلنا الله تعالى من أهلها بمنه وكرمه!.
وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
* * *
стр. 121
الباب الأول (*) باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق به
* [تعريف الكلمة]
قال ابن مالك: (الكلمة لفظ مستقلّ دالّ بالوضع تحقيقا أو تقديرا أو منويّ معه كذلك).
ــ
[١/ ١٠] قال ناظر الجيش: الترجمة واضحة، وعدل المصنف عن لفظ الحد إلى لفظ الشرح؛ لأنه أعم فهو يصدق على التعريف الحدي والتعريف الرسمي (١).
والضمير في: به: يرجع إلى شرح لا إلى الكلام، كما توهمه بعضهم، وقد وقفت على هذه الترجمة في نسخة من نسخ هذا الكتاب، ذكر المصنف بخطه عليها أنها النسخة الأولى فقال فيها: «باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بذلك من العلامات والأقسام».
فأبان المقصد بما عاد عليه الضمير هنا.
الكلمة: تقال في اللغة بطريق الاشتراك لمعنيين:
أحدهما: الكلام التام أي المفيد كقوله تعالى: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا (٢).
وكقوله ﷺ «الكلمة الطّيّبة صدقة» (٣)، و «أصدق (٤) كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: -
стр. 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٦ - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل: ... [وكلّ نعيم لا محالة زائل] (١)
ثانيهما: أحد مفردات الكلام وهو الاسم وحده أو الفعل وحده أو الحرف وحده وهذا هو المصطلح عليه في علم النحو.
واعلم أن اللّفظ هو الصوت الذي يعتمد على مقاطع الحروف، واحترز بذلك من الصوت الساذج.
وأن المستقل (٢): هو الذي لا يفتقر في الدلالة على معناه إلى غيره.
وأن الدال: هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء واحد.
وأن الوضع: تخصيص شيء بشيء؛ بحيث يفهم المراد من ذلك الشيء.
فقوله: لفظ: جنس يدخل تحته كل ملفوظ به، مهملا كان أو مستعملا. وهو أولى بالذكر من: لفظة؛ لأمرين:
أحدهما: أن التاء للوحدة وهي إنما تتحقق في الحرف الواحد. ولا يستقيم ذلك؛ إذ الكلمة ليست محصورة فيه، واللفظ يقع على كل ملفوظ به، حرفا كان أو أكثر.
الثاني: أن لفظا مصدر مراد به المفعول، كقولهم للمخلوق خلق، وللمنسوج نسج. والمعهود في هذا استعمال المصدر غير المحدود بالتاء.
وأكثر ما يوجد في عبارات المتقدمين: لفظ لا لفظة، كعبارة سيبويه في الباب المترجم بباب اللّفظ للمعاني حيث قال (٣): -
стр. 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«واعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللّفظين لاختلاف المعنيين» ومثّل ذلك بـ «جلس وذهب».
ولم يقل: اختلاف اللفظتين. فتصدير حد الكلمة بلفظة، مخل ومخالف للاستعمال المشهور، بخلاف تصديره بلفظ.
وقوله: مستقلّ: فصل مقدم لفظا والنية به التأخير عن ما بعده، وأراد به هنا ما ليس بعض اسم كياء [١/ ١١] زيدي وتاء مسلمة ولا بعض فعل كهمزة أعلم وألف ضارب.
قال المصنف (١): «فإنّ كلّ واحد من هذه المذكورات لفظ دالّ بالوضع وليس بكلمة لكونه غير مستقلّ.
وقوله: دال بالوضع: فصل أخرج به المهمل، كديز مقلوب زيد؛ فإنه لم يوضع لشيء، وإن دل السامع على حضور الناطق به وغير ذلك، فتلك دلالة عقلية لا وضعية (٢) وليست بمقصودة هنا.
وقوله: تحقيقا أو تقديرا: تقسيم للدال وليس تتمة للحد، أي الدال بالوضع: إما أن يدل تحقيقا وإما أن يدل تقديرا، أي يقدر أنه دال وإن لم تكن له دلالة.
وإنما ذكر: تحقيقا؛ توطئة لقوله: تقديرا.
أما الدال تحقيقا: فنحو زيد ورجل؛ لأن كلّا منهما دال على معناه دلالة متحققة.
وأما الدال تقديرا: فكأحد جزأي العلم المضاف، نحو امرئ القيس، ونحو غلام زيد إذا جعلته علما، فإن امرأ فقط أو القيس فقط من هذا الاسم ليست لهما دلالة على شيء، فيقدر أنهما دالان فمجموع اللفظين من حيث هو اسم لمسمى واحد كلمة واحدة باعتبار المعنى ومن حيث هو مضاف ومضاف إليه كلمتان باعتبار -
стр. 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللفظ؛ لأن المتضايفين لا يكونان إلا اسمين أو في تقدير اسمين (١)، ولولا أنهما في تقدير اسمين لما أعرب الاسم الأول؛ إذا الإعراب لا يكون وسط الكلمة فامرؤ القيس اسم واحد تحقيقا؛ لأن مسماه لا يدرك بأحد جزئيه، وهو اسمان تقديرا؛ لأنه في اللفظ بمنزلة غلام زيد إذا لم يصر علما.
قال المصنف: والحاصل أن إطلاق الكلمة على ثلاثة أقسام:
حقيقي: وهو الذي لا بد من قصده.
ومجازي مهمل في عرف النحاة: وهو إطلاق الكلمة على الكلام التام.
فلا يتعرض لهذا بوجه.
ومجازي مستعمل في عرفهم: وهو إطلاقها على أحد جزأي العلم المضاف؛ فترك التعرض له جائز، والتعرض له أجوز؛ لأن فيه مزيد فائدة (٢).
وقوله: أو منوي معه كذلك تقسيم للمحدود. أي الكلمة إما لفظ أو غير لفظ لكنه منوي مع اللفظ.
قال المصنف: «لما كان الاسم بعض ما تتناوله الكلمة وكان بعض الأسماء لا يلفظ به كفاعل أفعل وتفعل (٣) دعت الحاجة إلى زيادة في الرسم ليتناول بها ما لم يتناوله اللفظ، فقيل: أو منويّ معه، أي: مع اللفظ».
ومنوي: صفة قامت مقام موصوفها، والتقدير: الكلمة لفظ مقيد بما ذكر (٤)، أو غير لفظ منوي مع اللفظ، فالهاء في معه عائدة على اللفظ مقيدا بفصوله.
و: كذلك مشار به إلى الاستقلال والدلالة المنبه عليهما، أي المنوي لا يكون كلمة حتى يتصف بالاستقلال والدلالة بالوضع. -
стр. 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحترز بهذا القيد من الإعراب المقدر في نحو: يا فتى؛ فإنه يصدق عليه أنه منوي مع اللفظ المقيد ولكنه غير مستقل، هذا شرح الحد المذكور.
ثم ها هنا أبحاث:
البحث الأول:
أورد الشيخ (١) على المصنف أن اللفظ جنس بعيد (٢) لصدقه على المهمل والمستعمل.
والقول [١/ ١٢] أقرب منه لعدم صدقه على المهمل فكان الإتيان به أولى (٣).
والجواب: أنه إنما يلزم الإتيان بالجنس القريب في الحد التام (٤). ولم يذكر ذلك المصنف على أنه تام بل لم يتمحض كونه حدّا، فقد سماه رسما، وبتقدير كونه حدّا تامّا فالإتيان باللفظ أولى؛ لأن القول يطلق على الرأي، والاعتقاد مجازا وغلب حتى صار كأنه حقيقة، فرفض ذكره في الحد؛ لئلا يوهم دخول غير المراد فيه، وعدل إلى الجنس البعيد لعدم الإيهام.
ولا يكفي في الجواب أن يقال: القول يطلق على المهمل أيضا كما هو رأي بعضهم؛ لأن المصنف لا يرى ذلك والقول عنده مخصوص بالمستعمل (٥). -
стр. 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البحث الثاني:
قال المصنف: تصدير الحد باللفظ مخرج للخط، ونحوه مما هو كاللفظ في تأدية المعنى (١).
فنوقش في قوله: مخرج؛ لأن الجنس لا يؤتى به للإخراج، فلا يقال في الحيوان الناطق: إنّا أخرجنا بالحيوان ما ليس بحيوان.
والجواب: أن الجنس إذا كان أعم من الفصل مطلقا يذكر لتقييد الذات لا للاحتراز.
وأما إذا كان أعم من الفصل من وجه، فيجوز أن يحترز به. والجنس الذي هو اللفظ هنا أعم من الفصل الذي هو الوضع من وجه؛ لأن اللفظ قد يوجد بغير وضع كما في المهملات. والوضع قد يوجد بغير لفظ كما في النّصب وغيرها (٢).
فبين الجنس والفصل هنا عموم من وجه فجاز أن يخرج بالجنس؛ لأنه قد يتصور فيه (٣) أن يكون فصلا بعد جعل الفصل المذكور معه جنسا. فبهذه الحيثية ساغ فيه ذلك.
البحث الثالث:
قد تقدم قول المصنف أنّ المعهود عند إطلاق المصدر مرادا به المفعول استعمال غير المحدود بالتّاء، قالوا: وقد جاء المصدر المحدود بمعنى المفعول، قال الله تعالى:
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ (٤)، أي: مقبوضته.
والجواب: أن قبضته هنا ليست مصدرا، وإنما هي اسم أنث بالتاء لوقوعه خبرا عن مؤنث وهو الأرض.
وأما وجهة، في قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها (٥): إن قيل: إنها بمعنى المفعول هنا فغير وارد؛ لأن التاء فيها ليست للوحدة والمصدر موضوع عليها، كما في -
стр. 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رحمة ونشدة. فالتاء في هذه الألفاظ لازمة، والحكم المذكور إنما هو في المصدر الذي لم يوضع على التاء.
البحث الرابع:
تقدم أن المصنف أراد بقوله: مستقلّ ما ليس بعض اسم، كياء زيدي وتاء مسلمة، ولا بعض فعل، كهمزة أعلم وألف ضارب، فلم يفصح عن تفسير المستقل، وإنما مثّل لغير المستقل، وتمثيله له بياء النسب وهمزة أعلم ونحوهما (١) يقتضي أن يكون مراده بالمستقل ما دل على المعنى المقصود بتلك الكلمة؛ لأن الألفاظ التي مثل بها لغير المستقل ليس شيء منها دالّا بنفسه على المعنى، أما الدال فمجموع الكلمة التي ذلك اللفظ جزء منها، وإذا كان مراده ذلك لم [١/ ١٣] يحتج إلى قيد الاستقلال في حد الكلمة وكان قيد الدلالة كافيا؛ لأن هذا القيد يخرج ما قصد هو إخراجه مستقل، إذ ليس ما ذكر من ياء النسب وألف ضارب دالّا بل الكلمة بتمامها هي الدالة على المعنى المقصود بها.
وقد يشكل جعل ياء النسب وتاء التأنيث كالهمزة في أعلم والألف في ضارب، فيقال: إن المجموع في: مسلمة ليس هو الدال على المعنى المراد؛ بل مسلم دال على المتصف بهذا المعنى والتاء دلت على التأنيث. وكذا يقال في نحو زيدي.
ولا شك أن ياء النسب وتاء التأنيث ليسا في الامتزاج بما هما فيه كالألف والهمزة المذكورتين وهو واضح.
والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: استعمال العرب دل على امتزاج التاء والياء بما صحباه، وأن الدال إنما هو المجموع لا ذلك اللفظ وحده، وهو كونهم جعلوا الحرفين المذكورين حرفي الإعراب والتزموا الكسر قبل الياء والفتح قبل التاء، فلو لم يجعلا مع ما هما فيه شيئا واحدا لم يعاملا المعاملة المذكورة.
البحث الخامس:
قال الشيخ: «إنّما احتاج المصنّف للاحتراز عن بعض اسم وبعض فعل؛ لأنّه أخذ الجنس البعيد وهو اللّفظ ولو أخذ القريب وهو القول لم يحتج إلى التّحرز -
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمستقلّ؛ لأنّ بعض اسم وبعض فعل لا يقال له قول» (١) انتهى.
وليس كما ذكره؛ لأنه إذا صدق عليه أنه لفظ دال بالوضع كما يراه المصنف صدق عليه أنه قول جزما، فلو ذكر القول عوض اللفظ لم يستغن عن مستقل أيضا.
وقال الشيخ أيضا: «قول المصنّف إنّه احترز بقوله: دالّ بالوضع عن المهمل ليس بجيّد؛ لأنّه قبل هذا الفصل فصل الاستقلال واللّفظ المهمل لا يدخل تحت قوله: مستقلّ؛ فيحتاج أن يحترز عنه بما ذكر» (٢) انتهى.
وهذا عجب من الشيخ: فإن الفصل الذي هو مستقل مقدم لفظا، والنية به التأخير. وقد تقدم أن المصنف حكم على ياء النسب وأخواتها بأن كل واحد منها لفظ دال بالوضع وليس بكلمة لكونه غير مستقل فبيّن أن مراده ما قلناه (٣).
وإذا كان كذلك لا يتوجه ما ذكره الشيخ.
فإن قيل: إذا كان المراد ما ذكرت، فلأي شيء قدم لفظ مستقل؟
أجيب عنه: بأنه لو لم يقدمه لوليه تحقيقا أو تقديرا، فيوهم ذلك أنهما راجعان إليه وهما قسمان للدال لا للمستقل.
وقد كان يمكنه أن يقول: لفظ دال بالوضع تحقيقا أو تقديرا مستقل؛ لكن يلزم تأخير أحد فصلي الحد عن تقسيم الفصل الآخر وهو غير مناسب.
البحث السادس:
قيل: الحد المذكور غير مطرد لدخول الكلام فيه؛ إذ يصدق عليه أنه لفظ دال بالوضع مستقل.
وغير منعكس (٤)؛ لخروج بعض أفراد الكلمة عنه، وهو الكلمة المجازية والمنقولة نحو: أسد، المراد به الشجاع والأعلام المنقولة (٥) لأنهما اذ ذاك غير دالين بالوضع. -
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأجيب عن عدم الاطراد بأن الكلام خرج بقوله [١/ ١٤]: بالوضع إذ الكلام ليست دلالته وضعية على الأصح. وعن عدم الانعكاس بأن الحد إنما هو للكلمة الحقيقية الباقية على موضوعها من غير نقل؛ فليست المجازية والمنقولة بمقصودين بل هما خارجان عن الحد (١). ويقال فيهما: كلمة مجازية وكلمة منقولة بالتقييد.
أو يقال: إن الكلمة لا تخرج بالتجوز فيها والنقل عن الوضع؛ لأن الواضع تجوز وأجاز التجوز بشرطه، ونقل وأجاز النقل أيضا، والوضع حاصل في المجاز والمنقول، وهو استعمال الكلمة استعمالا استعملته العرب ومكنت لاستعماله أيضا.
البحث السابع:
قد يتوهم أن من حد الكلمة بأنها لفظ دال بالوضع واقتصر عليه يكون حده غير منعكس؛ لخروج الأسماء التي لا يلفظ بها؛ كفاعل أفعل منه، وحينئذ تتعين الزيادة التي زادها المصنف وهي قوله: أو منوي.
وليس كما يتوهم؛ فإن المقتصرين على ذلك أرادوا اللفظ إما حقيقة وإما حكما؛ ليدخل فيه ما أشير إليه من الأسماء الواجبة الاستتار؛ فإنها في حكم الملفوظ بها.
ويؤيد هذا تسميتهم أنت في نحو: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ (٢) توكيدا لفظيّا لذلك المستكن، والتوكيد اللفظي إعادة اللفظ؛ فلو لم يجعلوا المقدر في حكم الملفوظ لما ساغت التسمية المذكورة.
البحث الثامن:
قال الشيخ: «ادّعاء التّركيب في نحو أفعل (٣) مشكل وكذا ادّعاء الإفراد فيه».
أما الأول: فلأن التركيب من عوارض الألفاظ، ويستدعي تقدم وجود ولا وجود (٤). -
стр. 130
[تقسيم الكلمة]
قال ابن مالك: (وهي اسم وفعل وحرف).
ــ
وأما الثاني: فلأن أفعل يفيد إفادة المركب الذي هو الكلام فلا يمكن دعوى الإفراد فيه. انتهى.
والجواب: أنه مركب ولا إشكال؛ فإن غير الملفوظ به في حكم ما لفظ به كما تقدم؛ فيحكم له بحكم اللفظ.
قال ناظر الجيش: الكلمة جنس تحته ثلاثة أنواع، وهي المذكورة، والكلمة منحصرة فيها.
وللحصر أدلة، منها: الاستقراء (١).
ومنها: أن الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو لا. والثاني الحرف، والأول إما أن يدل على الاقتران (٢) بأحد الأزمنة الثلاثة أو لا. والثاني الاسم.
ومنها: ما ذكره المصنف. وهو أن الكلمة إن لم تكن ركنا للإسناد فهي الحرف وإن كانت ركنا له (٣) فإن قبلت الإسناد بطرفيه فهي الاسم وإلا فهي الفعل (٤).
ويتعلق بهذا الموضع الكلام على معنى قولهم: الاسم يدل على معنى في نفسه، والحرف يدل على معنى في غيره، والمراد به أن الاسم مستقل بالمفهومية، وأن الحرف غير مستقل بها.
ومعنى ذلك: أن نحو من وإلى مشروط في وضعها دالة على معناها الإفرادي ذكر متعلقها، ونحو الابتداء والانتهاء غير مشروط فيها ذلك (٥). -
стр. 131
[تعريف الكلام]
قال ابن مالك: (والكلام ما تضمّن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته).
ــ
واعلم أن الضمير في قولهم: ما دلّ على معنى في نفسه، يرجع إلى معنى أي:
ما دل على معنى كائن في نفسه أي: باعتباره في نفسه وبالنظر إليه في نفسه لا باعتبار أمر خارج.
وكذا الضمير في غيره في حد الحرف أي: ما دل على معنى كائن في غيره أي [١/ ١٥] باعتبار متعلقه لا باعتباره في نفسه.
وقيل: الضمير في: نفسه يرجع إلى ما دل لا إلى معنى أي: اللفظ الدال على معنى بنفسه من غير ضميمة يحتاج إليها في دلالته الإفرادية؛ بخلاف الحرف؛ فإنه يحتاج إلى ضميمة في دلالته على معنى الإفرادية.
وردّ هذا القول بأمرين:
أحدهما: أن في لا تستعمل بهذا المعنى (١).
الثاني: أن المقابل وهو الحرف لا يجري فيه النقيض؛ إذ يصير المعنى:
الحرف: ما دل على معنى بغيره، أي: بلفظ آخر معه، وإذا جعل في غيره صفة لمعنى، كان المعنى: ما دل على معنى حاصل في غيره، أي: باعتبار متعلقه فيتطابق الحدان في مقصود التقابل (٢).
قال ناظر الجيش: اشتمل كلام المصنف في المتن والشرح على خمسة ألفاظ، وهي: اللفظ، والقول، والكلمة، والكلم، والكلام. فلنذكرها أولا ثم نعود إلى تفسير الحد.
أما اللفظ: فهو مصدر في الأصل. وقد تقدم أنه الصوت الذي يعتمد على مقاطع الحروف. وهو أعم الخمسة لصدقه على المستعمل والمهمل. -
стр. 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما القول: فهو اللفظ الدال على معنى؛ فهو أخص من اللفظ؛ لصدقه على المستعمل فقط. لكنه أعم من الثلاثة الباقية؛ لصدقه على الكلمة، والكلم، والكلام.
وقد يطلق على ما يفهم من حال الشيء، وعلى الإشارة، وعلى الرأي والاعتقاد.
وكل ذلك على سبيل المجاز.
وأما الكلمة: فقد علمت أنها تطلق لغة على أمرين (١).
وإنما خصت في الاصطلاح بأحدهما. وقد تقدم حدها. وهي أخص من القول؛ لإطلاقها على المفرد خاصة؛ فأخصيتها باعتبار الإطلاق؛ لأنه كلما أطلقت الكلمة أطلق القول، وليس كلما أطلق أطلقت الكلمة.
وأما الكلم: فقد يستعمل في اللغة مرادا به الكلام. قال الله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ (٢)، وقال تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ (٣).
وأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن ثلاث كلمات، سواء أحصلت فائدة أم لا.
واختلف النحاة فيه: هل هو جمع للكلمة أو اسم جنس لها (٤)؟
فذهب جماعة منهم الجرجاني (٥): إلى أنه جمع وكذا يقولون في كل ما الفرق بينه وبين واحده التاء كنبق وتمر. -
стр. 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وظاهر كلام ابن جني (١) يقتضي أنه جمع؛ لأنه قال (٢):
«قال سيبويه (٣): هذا باب علم ما الكلم من العربيّة، ولم يقل: ما الكلام؛ لأنّه أراد نفس ثلاثة أشياء: الاسم والفعل والحرف. فجاء بما لا يكون إلّا جمعا وترك ما لا يخصّ الجمع وهو الكلام».
وذهب الفارسي (٤) وغيره من المحققين: إلى أنه اسم جنس، وكذلك كل ما شابهه كنبق وسدر (٥).
ويدل على ذلك تصغيرهم إياه على لفظه. ولو كان جمعا لكان للكثرة وجموع الكثرة لا تصغر على لفظها (٦). -
стр. 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم القائلون بأنه اسم جنس اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو قول الأكثرين أنه لا يقع إلا على ما فوق العشرة. وإذا قصد به ما دون ذلك جمع بألف وتاء لأنه جمع قلة (١).
الثاني: أنه يقع على القليل والكثير. قال بعضهم: «وهذا مقتضى كونه اسم جنس كعسل» [١/ ١٦].
وأما الثالث: أنه لا يقع على أقل من ثلاث. وهو رأي ابن جني إن كان لا يقول بجمعيته، ورأي المصنف أيضا فإنه قال:
«الكلم اسم جنس جمعيّ؛ كالنّبق واللّبن وأقلّ ما يتناول ثلاث كلمات» (٢).
وكأنه احترز بجمعي من اسم الجنس الذي ليس بجمعي؛ كعسل وماء فإنه يقال على القليل والكثير. فالجمعي: هو الذي له أفراد تعد، وغير الجمعي بخلافه.
ومن هنا يظن فساد تعليق المذهب الثاني في إطلاق الكلم على القليل والكثير كعسل؛ لظهور الفرق (٣).
والمصنف يوافق الكثيرين في أن اسم الجنس لا يطلق إلا على ما فوق العشرة؛ فإنه قال في باب جمع التكسير من هذا الكتاب (٤):
«تكسير الواحد الممتاز بالتّاء محفوظ استغناء بتجريده في الكثرة وبتصحيحه في القلّة». وهذا صريح في الموافقة، وليس في قوله هنا: وأقلّ ما يتناول ثلاث كلمات، مناقضة؛ فإن القائلين بهذه المقالة معترفون بأن الكلام يطلق مرادا به -
стр. 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثلاث، ويعتذرون عن ذلك بما سنذكره؛ فاستقام كلام المصنف ثم، وهنا.
وقد اعتذر الشّلوبين (١) عن إطلاق الكلم على الثلاث التي هي الاسم والفعل والحرف بأن قال: «أرادوا الأجناس والأجناس لا تنحصر أفرادها» (٢).
وردّ عليه (٣) بأن آحاد الكلم إنما هي الكلمة التي يراد بها جنس الأسماء، والكلمة التي يراد بها جنس الأفعال، والكلمة التي يراد بها جنس الحروف، فالكلم إذا لم يقع مما يقع عليه واحده إلا على ثلاث خاصة.
واعتذر ابن عصفور (٤) عن ذلك بـ «أنّ العرب إنّما أوقعت اسم الجنس على ما فوق العشرة وجمعته بالألف والتّاء فيما دون ذلك؛ تفرقة بين القليل والكثير؛ حتّى لا يلتبس أحدهما بالآخر، وهذه التفرقة لا تتصوّر هنا، لأن الكلم إذا كان جمعا للكلمة الواقعة على كل واحد من الأجناس الثّلاثة لم يكن لها جمع قليل -
стр. 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا كثير فيفرّق بينهما، ألا ترى أنّه ليس للكلم ولا للكلمات ما يقعان عليه إلّا الأجناس الثّلاثة خاصّة، فلمّا لم تتصوّر التّفرقة شاع وقوع اسم الجنس موقع الجمع بالألف والتّاء؛ لأنّ اللّبس إذ ذاك قد أمن» (١).
وأما الكلام فهو في اصطلاح النحاة: عبارة عن الجمل المفيدة كما سيتضح عند تفسير قيود حده.
وقد اختلف فيه قبل نقله وتخصيصه بما ذكر: هل هو مصدر أو اسم مصدر؟
فمذهب البصريين: أنه اسم مصدر كالعطاء اسم للمعطى وهو الصحيح؛ لأن الفعل المستعمل من هذه المادة مرادا به معنى الحديث ليس إلا ثلاثة أبنية: كلم وتكلم وكالم، ومصادرها الجارية: التّكليم والتّكلّم والمكالمة والكلام (٢).
وليس الكلام جاريا على واحد من الأفعال الثلاثة.
ومذهب الكوفيين: أنه مصدر.
قال الشيخ بهاء الدين النحاس (٣) ﵀: «واستدلّوا على ذلك بإعماله في قولك: كلامك زيدا حسن. وقال الشّاعر: -
стр. 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٧ - ألا هل إلى ريّا سبيل وساعة ... تكلّمني فيها من الدّهر خاليا [١/ ١٧]
فأشفي نفسي من تباريح ما بها ... فإنّ كلاميها شفاء لما بيا (١)
فأعمل كلامي في الضّمير». انتهى.
ولا يظهر لي هذا الذي ذكره؛ فإن الكوفيين لا يمنعون إعمال اسم المصدر؛ بل لا يعمله إلا هم.
قال ابن عصفور لما ذكر اسم المصدر: «مذهب الكوفيين العمل وعند البصريّين لا يعمل إلا في ضرورة» (٢).
وإذا كان كذلك فكيف يستدل الكوفيون على المصدرية بالعمل؟
وأشكل من ذلك قول الشيخ بهاء الدين مجيبا عن استدلال الكوفيين المذكور:
«إنّ اسم المصدر يعمل عمل المصدر بإجماع».
وقد علمت خلاف الفريقين؛ اللهم إلا أن يقال: كون البصريين أجازوا عمله -
стр. 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضرورة يقتضي صحة جواز نسبة ذلك إليهم في الجملة؛ فلا يمتنع دعوى الإجماع.
ويطلق الكلام في اللغة على أشياء: منها: نفس الفعل الذي هو التكلم، وهو الأصل فيه، وهذا الإطلاق على خلاف فيه (١): أهو مصدر أم اسم مصدر؟ كما تقدم.
ومنها: ما يفهم من حال الشيء. ومنها: الإشارة. ومنها: الخط. ومنها:
المعاني التي في النفس. ومنها: الجمل المفيدة.
ولا خلاف بين النحاة أن إطلاق الكلام في اصطلاحهم على ما سوى الأمرين الأخيرين مجاز.
وأما إطلاقه على المعاني التي في النفس وعلى الجمل المفيدة، فهل هو بطريق الاشتراك (٢) فيكون حقيقة فيهما أو يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر؟
ثلاثة مذاهب نقلها الشيخ (٣). وفي ظني أني وقفت على ذلك في كلام ابن هشام شارح الإيضاح (٤).
وفي إطلاق الكلام حقيقة على المعاني النفسية بالنسبة إلى اصطلاح النحاة بعد.
وقد قال المصنف (٥): «صرّح سيبويه في مواضع من كتابه بما يدلّ على أنّ الكلام لا يطلق حقيقة إلا على الجمل المفيدة».
وذكر عنه نصوصا: منها: قوله وقد مثّل بهذا عبد الله معروفا (٦): -
стр. 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«فهذا اسم مبتدأ يبنى عليه ما بعده وهو عبد الله ولم يكن ليكون هذا كلاما حتّى يبنى عليه أو يبنى على ما قبله».
ومنها: قوله (١): «واعلم أنّ: قلت في كلام العرب إنّما وقعت على أن يحكى بها ما كان كلاما لا قولا». عنى بالكلام الجمل وبالقول المفردات.
إذا تقرر ذلك وعلم أن مدار إطلاق الكلام الصناعي على حصول الفائدة، علم أن ما لم يفد ليس بكلام مفردا كان أو مركبا دون إسناد أو مركبا بإسناد غير مفيد؛ لكونه لا يجهل أحد معناه، فاشتمل الحد المذكور (٢) على الإشارة إلى قيود يفهم منها ذلك وتضمن الحد زيادة قيدين آخرين على الإفادة. وهما: أن يكون الإسناد مقصودا، وأن يكون القصد لذات الإسناد لا لشيء آخر.
فقول المصنف: ما تضمن من الكلم إعلام بالجنس الذي منه الكلام، وأنه ليس خطّا ولا رمزا ولا نحو ذلك (٣)، وإنما هو لفظ أو قول أو كلم، إلا أن اللفظ أبعد الثلاثة؛ لوقوعه على المهمل والمستعمل فعدل عنه، والقول مثل الكلم في القرب؛ لتساويهما في عدم تناول المهمل، لكن قد يقع القول على الرأي والاعتقاد، كما تقدم وإن كان ذلك مجازا؛ فقد قال المصنف: «إنّه شاع حتّى صار كأنّه حقيقة [١/ ١٨] ثابتة».
قال: «ولم يعرض هذا للكلم فكان تصدير حدّ الكلام به أولى لكن على وجه يعمّ المؤلّف من كلمتين فصاعدا»، فلذلك لم يقل: الكلم المتضمن. لأن الكلم أقل ما يتناول ثلاث كلمات كما تقدم، بل قال: ما تضمّن من الكلم. فصدر الحد بما؛ لصلاحيتها للواحد فما فوقه.
ثم خرج بذكر تضمّن الإسناد: الواحد كزيد، والمركب دون إسناد كعندك وخير منك.
وخرج بمفيد: ما لا فائدة فيه؛ لكونه غير مجهول لأحد، نحو: النار حارة، -
стр. 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والسماء فوق الأرض، وتكلم إنسان.
وخرج بمقصود: ما هو غير مقصود كحديث النائم والساهي.
وخرج بقوله: لذاته: ما هو مقصود لغيره، كإسناد الجملة الموصول بها والمضاف إليها؛ فإن الإسناد فيهما لم يقصد هو ولا ما تضمنه لذاته؛ بل قصد لغيره، وليس كلاما؛ بل هو جزء كلام. وذلك نحو: قاموا من قولك: رأيت الذين قاموا، وقمت حين قاموا.
وزاد بعض العلماء في حد الكلام: من ناطق واحد، احترازا من أن يصطلح اثنان على أن يذكر أحدهما فعلا أو مبتدأ ويذكر الآخر فاعل الفعل أو خبر المبتدأ؛ فإن مجموع النطقين مشتمل على ما اشتمل عليه مثله إذا نطق به واحد، وليس بكلام لعدم اتحاد الناطق؛ لأن الكلام عمل واحد فلا يكون عامله إلا واحدا (١).
قال المصنف: «وللمستغني عن هذه الزيادة جوابان:
أحدهما: أن اتحاد الناطق لا يعتبر كما لا يعتبر اتحاد الكاتب في تسمية المكتوب خطّا. ولا يعترض على ذلك بعدم تساويهما في الحكم؛ إذ لا يترتب على نطق المصطلحين ما يترتب على نطق الواحد: من إقرار وتعديل وتجريح وقذف وغير ذلك.
لأنّا نقول: انتفاء ترتب الحكم على الكلام لمانع لا يمنع كونه كلاما؛ فهو كلام لتركّبه من اللفظين؛ لكنه غير صريح بالنسبة إلى كل من الناطقين، إذ لا يعلم السامع ارتباط أحد جزأيه بالآخر، كما يعلم من نطق الناطق الواحد، فلذلك اختلفا في الحكم.
الجواب الثاني:
أن يقال: إنما اقتصر كلّ منهما على كلمة واحدة؛ اتكالا على نطق الآخر بالأخرى، فمعناها مستحضر في ذهنه، فكأنه متكلم واحد نطق بكلمة وقدر الأخرى.
كما يقول الرائي شبحا: زيد، أي: المرئيّ زيد، فكل من الناطقين صادر منه كلام.
وقد تبين أن من الكلام ما يكون أحد جزأيه غير منطوق به» انتهى ملخصا (٢). -
стр. 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم ها هنا أبحاث:
الأول:
قال الشيخ: «لا دليل في كلام سيبويه على اشتراط الإفادة والتمثيل بالمفيد لا يلزم منه الاشتراط بل ظاهر كلام سيبويه أنه لا تشترط الإفادة.
قال: وما أظنّ أحدا يمنع قال زيد: النار حارة، ولا قال زيد: الجزء أقلّ من الكل». انتهى (١).
وهذا الذي ذكره من عدم اشتراط الإفادة خلاف ما يفهم من كلام النحاة، وقد نقل هو في شرحه حدودا للكلام عن جماعة من أئمة النحو. وكلها مشتمل على ذكر الإفادة (٢).
وأما كلام سيبويه: فقد فهم المصنف منه خلاف ما فهمه الشيخ كما تقدم فليرجح [١/ ١٩] أحد الفهمين بالأدلة الخارجية (٣).
البحث الثاني:
نقل الشيخ عن أبي الحسن بن الضائع (٤) ما معناه: «أنّه لا حاجة إلى ذكر -
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القصد في حدّ الكلام؛ لأنّه إنّما يحترز به عن حديث السّاهي والنّائم والمجنون، والصّادر من هؤلاء يخرج بقيد الإفادة؛ لأنّ مثل هذا لا يفيد بوجه. ولو قال النّائم:
زيد قادم مثلا ووافق ذلك قدومه، فالفائدة لم تحصل من إخباره، وإنما حصلت من مشاهدة القدوم». انتهى (١).
ومناقشة ابن الضائع لا تبعد عن الصواب، إلا أن يقال: المراد بالكلام المفيد ما صورته صورة ما يحصل منه فائدة، أي: ما من شأنه أن يفيد، ولا يلزم إفادته من ذلك المحل بخصوصه. ولا شك أن قول النائم: قام زيد مثلا شأنه ذلك؛ فهو داخل إلى أن يخرج بقيد القصد.
وقال الشيخ: «قد فهم من كلام ابن الضائع أنّه لا تشترط في الإفادة قصد المتكلم إيّاها. إنّما يشترط فيها أن تكون على هيئة التركيب الموضوع في لسان العرب، وكثير من النحويين لم يعتبروا في حدّ الكلام سوى التركيب الإسنادي فقط، ولم يشترطوا الإفادة ولا القصد». انتهى (٢).
وما ذكره من الفهم المذكور غير ظاهر؛ لأن من جعل القصد قيدا إنما احترز به عما يفيد بغير قصد مثل كلام النائم.
وابن الضائع منع أن يكون ذلك مفيدا؛ فلم يحتج إلى ذكر القصد، ولا شك أن كلام غير النائم والساهي والمجنون يصحبه القصد، فلا يقال: إنه لا يشترط القصد؛ لأن ذلك يوهم أن الكلام قد يخلو عنه، وليس كذلك.
وأوهم استدراجه في الكلام إلى أن الفائدة غير مشروطة عند كثير من النحويين أن ابن الضائع لا يشترطها أيضا، وقد تبين خلاف ذلك. -
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البحث الثالث:
قال الشيخ: «لم أر هذا القيد لأحد من النّحويين غير المصنّف» يعني قوله:
لذاته، قال: «ويمكن منازعته فيه من وجهين:
أحدهما: أنّ الصلة كلام. ويدل عليه اشتراطهم فيها أن تكون جملة خبرية.
والخبر أحد أقسام الكلام.
الثاني: منازعته في أن هذه الجملة تضمنت إسنادا مفيدا مقصودا؛ حتّى يحترز منها بقوله: لذاته؛ لأن جملة الصلة كجزء من الاسم الموصول، ولم ينهض أن يكون من قبيل الكلمة؛ بل هي والموصول قبلها كلمة، وأما الجملة المضاف إليها فهي في تقدير المفرد؛ لأنّ معنى قمت حين قاموا: حين قيامهم، فصورتها صورة ما فيه إسناد والمعنى على التّركيب التّقييدي»، انتهى (١).
وفي هذه المنازعة نظر: أما أن جملة الصلة شرطها أن تكون خبرية، والخبر أحد أقسام الكلام، فمسلّم، ولكن إنما تعتبر الخبرية قبل جعل الجملة صلة، وإذا وصل بها صار لها حكم أخر، كما أن: قام زيد، كلام تام غير مفتقر، وإذا دخلت عليه إن الشرطية صار غير تام مفتقرا، فعلى هذا لا منافاة في قولنا (٢): شرط جملة الصلة أن تكون خبرية مع أنها حال الوصل بها لا يصدق عليها أنها كلام.
وأما دعواهم أن هذه الجملة لم تتضمن إسنادا مفيدا مقصودا، فممنوع، بل قد تضمنت الإسناد المفيد المقصود، وإنما حكم لها بحكم الجزء من الاسم الموصول [١/ ٢٠] من حيث أنها لا تتقدم عليه ولا يفصل بينها وبينه بالأجنبي. وغير ذلك من الأحكام المذكورة في باب الموصول. والحكم عليها بذلك (٣) لا يخرجها عن أن يكون فيها تركيب
إسنادي (٤)، ولولا ذلك لما حكم على أفرادها بالإعراب -
стр. 144
[تعريف الاسم]
قال ابن مالك: (فالاسم: كلمة يسند ما لمعناها لنفسها أو نظيرها).
ــ
وأعربت (١).
وأما قوله في الجملة المضاف إليها: إنها في تقدير المفرد؛ لكن صورته صورة ما فيه الإسناد، فتسليم منه أن الإسناد حاصل، وهذا هو المقصود ولهذا احترز المصنف عنه، والتأويل بالمفرد لا يمنع وجود الإسناد؛ لأنه إنما أول لتصح الإضافة.
قال ناظر الجيش: تفسير هذا الحد متوقف على تصور الإسناد.
وقد عرفه المصنف بأنه: «عبارة عن تعليق خبر بمخبر عنه أو طلب بمطلوب منه» (٢)، وهو جيد.
وجعله الشيخ غير حاصر لأنواع الإسناد، قال: «لأنّ بعض الإنشاءات كالقسم والعقود يخرج عنه» (٣).
والجواب: أن جمل الإنشاء التي لا يراد بها الطلب منقولة من الجملة الخبرية. فما اشتملت عليه من الإسناد داخل في قوله: تعليق خبر بمخبر عنه، وخروج الجمل على الخبرية يعارض النقل إلى معنى الإنشاء لا يخرج ما تضمنته من الإسناد من الحد.
ثم الإسناد قسمان: لفظي ومعنوى.
فاللفظي: ما عضد به الحكم على اللفظ فقط. ويشترك فيه الثلاثة، أعني: الاسم والفعل والحرف. ويشاركها فيه الجملة أيضا، كقولك: زيد معرب، وقام مبني على الفتح، ومن حرف جر «ولا حول ولا قوّة إلّا بالله كنز من كنوز الجنّة» (٤).
والمعنوي: ما قصد به الحكم على معنى الكلمة، أي: مدلولها لا على لفظها.
ويسمى وضعيّا وحقيقيّا أيضا. وهذا هو المختص بالأسماء.
فقول المصنف: كلمة: جنس يشمل الثلاثة. -
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: يسند ما لمعناها: فصل يفصل الاسم عن الفعل والحرف، إذ كل منهما يسند ما للفظه إليه لا ما لمعناه. وأما الاسم فيسند ما لمعناه إليه، أي: يسند إلى لفظه شيء هو لمدلول ذلك اللفظ، فإذا قلت: قام زيد، فالقيام هو ذلك الشيء وهو لمعنى زيد، أي: لمدلوله وهو المسند، واللفظ الذي هو زيد مثلا هو المسند إليه.
ولما كان من الأسماء ما لا يقبل الإسناد، كأسماء الأفعال، والأسماء الملازمة للنداء والمصدرية والظرفية أتى في الحد بزيادة وهو قوله: أو نظيرها.
فمه ومكرمان وسبحان مثلا لا تقبلن الإسناد لكن يقبله نظيرهن.
قال المصنف (١): «وليس المراد هنا بالنظير ما وافق معنى دون نوع، كالمصدر والصفة بالنسبة إلى الفعل، بل المراد ما وافق معنى ونوعا، كموافقة قول الآمر بالصمت السكوت؛ لقوله: صه، لكن صه لا يقبل الإسناد الوضعيّ ويقبله السكوت، فالمسند إلى السّكوت بمنزلة المسند إلى صه؛ ليوافقها معنى ونوعا، وكذا المسند إلى كريم وفلان بمنزلة المسند إلى مكرمان وفل، وإن كان مكرمان وفل لم يستعملا إلّا في النّداء، وهذا سبيل محاولة الإسناد إلى نظير ما تعذر الإسناد إليه بنفسه».
ثم ها هنا أبحاث:
البحث الأول:
[١/ ٢١] قال الشيخ: «إنما حدّ المصنف الإسناد بما ذكره ليخرج الإسناد اللّفظيّ» (٢).
وهذا عجب من الشيخ، فإن الحد المذكور شامل لقسمي الإسناد، ولما ذكر المصنف حد الإسناد قال (٣): «فإن كان باعتبار المعنى اختصّ بالأسماء. وقيل فيه وضعيّ وحقيقيّ. وإن كان باعتبار اللفظ صلح للاسم ولغيره». فقسمه إلى القسمين بعد أن ذكر حده وكيف يقال: إن الحد مخصوص بأحدهما؟.
البحث الثاني:
قيل: قول المصنف: «إن الإسناد اللّفظيّ يشرك الاسم فيه غيره» خطأ، بل -