← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٩٧٤ - مرّوا عجالا فقالوا: كيف سيّدكم ... فقال من سئلوا أمسى لمجهودا (١) وكما زادها الآخر بعد ما زلت في قوله: ٩٧٥ - وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكلّ مذاد (٢) وكما زادها الآخر بعد رأى في قوله: ٩٧٦ - رأوك لفي ضرّاء أعيت فثبتوا ... بكفّيك أسباب المنى والمآرب (٣) وحكى قطرب: أراك لشاتي (٤). وربما زيدت بعد (أنّ) المفتوحة (٥) كقراءة بعضهم (٦): (ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلّآ أنّهم ليأكلون الطّعام) (٧). -

стр. 1332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وربما زيدت في الخبر بعد «ما» النافية كقول الشاعر: ٩٧٧ - أمسى أبان ذليلا بعد عزّته ... وما أبان لمن أعلاج سودان (١) وأحسن ما زيدت في خبر المبتدأ المعطوف بعد «إنّ» المؤكد خبرها بها كقول الشاعر: ٩٧٨ - إنّ الخلافة بعدهم لذميمة ... وخلائف ظرف لممّا أحقر (٢) وفيما قدم من معمول خبر «إنّ» المؤكد بها كقول الشاعر (٣): ٩٧٩ - إنّي لعند أذى المولى لذو حنق ... يخشى وحلمي إن أوذيت معتاد (٤) وحكى الفراء أن أبا الجراح سمع من يقول: «إني لبحمد الله لصالح» (٥) فعلم أن هذا جائز في الاختيار، غير مختص بالاضطرار، وذكر السيرافي أن المبرد كان لا يرى تكرار اللام وأن الزجاج أجاز ذلك واختار السيرافي قول المبرد (٦) وليس بمختار للشواهد المذكورة، ومثال التنبيه بها على موضعها الأصلي مع توكيد الخبر -

стр. 1333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قول الشاعر: ٩٨٠ - لهنّك من عبسيّة لوسيمة ... على هنوات كاذب من يقولها (١) ومثال ذلك مع تجريد الخبر قول الشاعر: ٩٨١ - ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنّك من برق عليّ كريم (٢) وإن وقع موقع خبر «إنّ» نحو: «ليفعلنّ»، أو نحو: «لفعل» علم أن هناك قسما منويّا وفتحت الهمزة. قال ابن السراج: [٢/ ١١٨] تقول: قد علمت أن زيدا ليقومن وأن زيدا لقام، فلا تكسر «إن» كما تكسرها في أشهد إنّ محمدا لرسول الله، وأعلم إن بكرا ليعلم (٣) وقد تقدم في أول كتابي هذا أن لام الابتداء لا تختص بالحال، وإنما الأكثر كون مصحوبها حالا وليس ذلك من أجل اللام بل من أجل أنّ الجملة المجردة من دليل مضى واستقبال، أكثر ما يكون مضمونها مرادا به -

стр. 1334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحال (١)، ومن ورودها مع ما يراد به الاستقبال قول الشاعر: ٩٨٢ - وإنّي لأحمي الأنف من دون ذمّتي ... إذا الدّنس الواهي الأمانة أهمدا (٢) فأعمل «حمي» في «إذا» وهو مستقبل المعنى. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (٣)، وبعد ذلك فأشير إلى أمور: - منها: أن الشيخ قال: ظاهر كلام المصنف وكلام غيره إطلاق معمول خبر ما يجوز دخول اللام عليه، وهذا الإطلاق ليس بصحيح لأن معمول الخبر إذا كان حالا لم تدخل عليه اللام نحو: إنّ زيدا لضاحكا مقبل، فلا يجوز هذا، ولم يسمع من لسانهم، ونص الأئمة على منعه (٤)، ونقل عن ابن ولاد (٥)، أنه قال: إن اللام لا تدخل في الحال تقدمت أو تأخرت، لأن الحال لا تكون خبرا وهي حال بخلاف الظرف فإنه يكون خبرا وهو ظرف (٦)، وهذه العلة التي ذكرها ابن ولاد منقوضة بالمفعول نحو: إن زيدا لطعامك آكل، والمفعول لا يكون خبرا. قال: وعن صاحب الإفصاح: أن القياس هنا - يعني قياس الحال على المفعول به - ممكن لأنها بمنزلته وبمنزلة الظرف أيضا إلا أنه لم يسمع وقد منعه الأئمة (٧). انتهى. وهذا البحث صحيح إلا أن يمنع مانع دخول اللام على المفعول به نحو: إن زيدا لطعامك آكل (٨). وحين ذكر الشيخ هذه المسألة - أعني: إنّ زيد لطعامك آكل - قال: وينبغي أن يتوقف في دخولها على المفعول به المتقدم على عامل الخبر قال: -

стр. 1335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يقاس على الظرف والمجرور يعني: قول القائل: ٩٨٣ - إنّ امرأ خصّني عمدا مودّته ... على التّنائي لعندي غير مكفور (١) لأنها يتسمح فيهما ما لا يتسمح في غيرها، فلا يقال: إن زيدا لطعامك آكل حتى يسمع نظيره من كلام العرب (٢)، ثم إن في كلام الشيخ أن معمول الخبر يكون مفعولا به وظرفا ومجرورا وحالا ومصدرا ومفعولا من أجله. قلت: أما المفعول به والظرف والمجرور، فقد علم حكمها، وكذا الحال أيضا وأما المصدر والمفعول من أجله نحو: إنّ زيدا لقياما يقوم، وإنّ زيدا لإحسانا يزورك (٣)؛ فذلك مندرج في عموم قولهم: إن اللام تدخل على معمول الخبر متوسطا. ومنها: أن جماعة من النحاة ذكروا أن سيبويه لا يجيز دخول اللام على الفعل الماضي وإن كان غير متصرف نحو: إنّ زيدا [٢/ ١١٩] لنعم الرجل وإن زيدا لعسى أن يقوم، وأن الأخفش والفراء يجيزان ذلك (٤). وممن نص على أن مذهب سيبويه المنع الصفار وأبو محمد بن السيد (٥). قال الشيخ: وينبغي أن يرجع عند الاختلاف إلى السماع فإن سمع قلنا به وإلا فلا (٦). -

стр. 1336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أن ابن عصفور ذكر في اللام في: ٩٨٤ - لهنّك من برق عليّ كريم (١) للنحاة قولين: أحدهما: أنها لام الابتداء كما قال المصنف (٢). الثاني: أنها اللام الواقعة في جواب القسم، والقسم هنا محذوف (٣) كأنه قال: «والله لهنك» واستدل صاحب هذا القول، بأنك قد تأتي بلام «إنّ» فتدخلها على الخبر نحو: ٩٨٥ - لهنّك من عبسيّة لوسيمة (٤) قال: فلو كانت اللام في «لهنك» لام «إنّ» لم يؤت باللام بعد ذلك في الخبر، وكذا قول الآخر: ٩٨٦ - ... لهنّا لمقضيّ علينا التّهاجر (٥) انتهى (٦). ولا يبعد هذا القول الثاني عن الصواب. ومنها: أن قول المصنف في المسألة آخر الفصل: نوي قسم وامتنع الكسر - إنما يعني به أنه يمتنع الكسر إذا تقدم على «إنّ» ما يطلب موضعها فإنها تفتح إذ ذاك -

стр. 1337

[تخفيف إن ولكن - اقتران هذه النواسخ بما الزائدة] قال ابن مالك: (فصل: ترادف «إنّ» «نعم» فلا إعمال وتخفّف فيبطل الاختصاص ويغلب الإهمال، وتلزم اللّام فارقة إن خيف لبس (بإن) النّافية. ولم يكن بعدها نفي وليست غير الابتدائيّة خلافا لأبي عليّ ولا يليها غالبا من الأفعال إلّا ماض ناسخ للابتداء ويقاس على نحو: «إن قتلت لمسلما» وفاقا للكوفيين والأخفش ولا تعمل عندهم ولا تؤكّد، بل تفيد النّفي واللّام الإيجاب، وموقع «لكنّ» بين متنافيين بوجه ما، ويمنع إعمالها مخفّفة خلافا ليونس والأخفش. وتلي «ما» ليت فتعمل وتهمل، وقلّ الإعمال في «إنّما» وعدم سماعه في «كأنّما» و «لعلّما» و «لكنّما» والقياس سائغ). ــ ولا تكسر نحو: علمت أن زيدا ليقومن، وعلمت أن زيدا لقام (١)، ولا يعني أن يمتنع الكسر على الإطلاق ولكنه ترك القيد اعتمادا على الوضوح. قال ناظر الجيش: قال المصنف: أنكر بعض العلماء كون «إنّ» بمعنى «نعم» (٢) وزعم أن «إنّ» في قوله (٣): ٩٨٧ - بكر العواذل في الصّبو ... ح يلمنني وألومهنّه ويقلن شيب قد علا ... كـ وقد كبرت فقلت إنّه (٤) -

стр. 1338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مؤكدة ناصبة الاسم رافعة للخبر وجعل الهاء اسمها والخبر محذوفا كأنه قال: إن الذي ذكرتن واقع أو كما وصفتن، فحذف الخبر للعلم به واقتصر على الاسم. والذي زعم هذا القائل ممكن في البيت المذكور فلو لم يوجد شاهد غيره لرجح قوله، ولكن الشواهد على كون «إنّ» بمعنى «نعم» تأيّدها ظاهر ودافعها مكابر فلزم الانقياد إليها والاعتماد عليها، فمنها: قول عبد الله بن الزبير ﵄ لابن الزبير الأسدي (١) لما [٢/ ١٢٠] قال: لعن الله ناقة حملتني إليك: «إنّ وراكبها» أراد نعم لعن وراكبها (٢). ومنها: قول حسان بن ثابت الأنصاري ﵁: ٩٨٨ - يقولون أعمى قلت: إنّ وربّما ... أكون وإنّي من فتى كبصير (٣) ومنها: أنشد أحمد بن يحيى قول الشاعر (٤): ٩٨٩ - ليت شعري هل للمحبّ شفاء ... من جوى حبّهنّ إنّ اللّقاء (٥) ومنها: قول الطائيين (٦): ٩٩٠ - قالوا أخفت؟ قلت إنّ وخيفتي ... ما إن تزال منوطة برجاء (٧) -

стр. 1339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونبهت في هذا الباب على ورود «إنّ» بمعنى نعم ليعلم بها، فتعامل بما تعامل «نعم» من عدم الاختصاص وعدم الإعمال وجواز الوقف عليها (١)، ومذهب البصريين أن «إنّ» قد تخفف فيقال فيها «إن» ويبطل اختصاصها بالاسم ويجوز عندهم إعمالها إذا وليها اسم، وعلى ذلك يحملون قوله تعالى وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ (٢) في رواية نافع وابن كثير (٣)، وإهمالها أكثر (٤)، كقوله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥) وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا (٦)، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٧) ومذهبهم أن اللام التي بعد «إن» هذه هي التي كانت مع الشديدة إلا أنها مع التخفيف والإهمال تلزم فارقة بين المخففة والنافية، ولا تلزم مع الإعمال لعدم الالتباس (٨)، وكذلك لا تلزم مع الإهمال في موضع لا يصلح للنفي كقول النبي ﷺ : «وأيم الله لقد كان خليقا للإمارة وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ» (٩) وكقول معاوية في كعب الأحبار ﵁ وإن كان من أصدق هؤلاء أخرجهما البخاري، ومثله ما حكى ابن جني في المحتسب من قراءة أبي رجاء (وإن كلّ ذلك لما متاع الحياة الدّنيا) (١٠) بكسر اللام وتخفيف الميم على معنى: وإن كلّ ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا (١١) ومثل ذلك قول الطرماح (١٢): -

стр. 1340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٩٩١ - أنا ابن أباة الضّيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن (١) وكقول الآخر: ٩٩٢ - إن وجدت الكريم يمنع أحيا ... نا وما إن بذا يعدّ بخيلا (٢) ويلزم ترك اللام إن أمن اللبس وكان في الموضع اللائق بها نفي كقول الشاعر: ٩٩٣ - أما إن علمت الله ليس بغافل ... فهان اصطباري إن بليت بظالم (٣) ومذهب الكوفيين أن «إن» المشار إليها لا عمل لها ولا هي مخففة من «إنّ» بل هي النافية، واللام بعدها بمعنى «إلّا». ويجعلون النصب في وَإِنَّ كُلًّا (٤) بفعل يفسره «ليوفينهم» أو «بليوفينهم» نفسه (٥)، وبه قال الفراء (٦). وكلا القولين على أصولهم محكوم بمنعه في هذا المحل أو بضعفه لأنهم يوافقون البصريين في أنّ ما بعد «إلا» لا يعمل فيما قبلها ولا يفسر عاملا فيما قبلها. ولذلك قال الفراء في كتاب المعاني: وأما الذين خففوا «إنّ» فإنهم نصبوا «كلّا» بليوفينهم وهو وجه لا أشتهيه [٢/ ١٢١]، لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعده على شيء قبله، فلو رفعت «كلّا» لصلح ذلك كما يصلح (إن زيد لقائم)، ولا يصلح أن تقول: -

стр. 1341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن زيدا لأضرب، لأن تأويله ما زيد إلا أضرب، وهذا خطأ في اللام، و «إلا». هذا نصه (١)، وقد أقر بأن حمل القراءة على جعل «إن» نافية واللام بمعنى «إلا» خطأ، ولا شك في صحة القراءة، فإنها قراءة المدنيين والمكيين (٢)، ولا توجيه لها إلا توجيه الكوفيين، وتوجيه البصريين، وتوجيه الكوفيين خطأ بشهادة الفراء، فلم يبق إلا توجيه البصريين فتعين الحكم بصحته. ويؤيد ما ذهب إليه البصريون قول سيبويه: وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق (٣)، وهذا نص لا احتمال فيه، وقال الأخفش: وزعموا أن بعضهم يقول: إن زيدا لمنطلق وهي مثل إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)، يقرأ بالنصب والرفع (٥). وأما قولهم: إن اللام بمعنى «إلا» فدعوى بلا دليل ولو كانت بمعنى «إلا» لكان استعمالها بعد غير «إن» من حروف النفي أولى، لأنها أنصّ على النفي من «إن» فكان يقال: لم يقم لزيد، ولن يقعد لعمرو بمعنى: لم يقم إلّا زيد ولن يقعد إلّا عمرو وفي عدم استعمال ذلك دليل على أن اللام لم يقصد بها إيجاب، وإنما قصد بها التوكيد كما قصد مع التشديد (٦)، وزعم أبو علي الفارسي أن اللام التي بعد المخففة غير التي بعد المشددة واستدل بأن ما بعد هذه ينتصب بما قبلها من الأفعال نحو إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٧)، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (٨)، وكقول امرأة الزبير ﵂ (٩): ٩٩٤ - هبلتك أمّك إن قتلت لمسلما (١٠) -

стр. 1342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وما بعد ذلك لا ينتصب بما قبلها لو قلت: «إنك قتلت لمسلما» لم يجز. فعلم بهذا أن التي بعد المخففة غير التي بعد المشددة. هذا حاصل قول أبي علي في البغداديات (١)، وهو مخالف لقول أبي الحسن الأخفش في كتاب المسائل الكبير، فإنه نص فيه على أن اللام الواقعة بعد المخففة هي الواقعة بعد المشددة (٢)، وهو الصحيح عندي. والجواب عن شبهة أبي علي أن يقال: إنما جاز أن يكون مصحوب ما بعد المخففة معمولا لما قبلها من الأفعال، لأن الفعل بعد المخففة في موضع الخبر الذي كان يلي المشددة فكان لما بعده ما كان لما بعد تاليها لأن من قال: ٩٩٥ - إن قتلت لمسلما بمنزلة من قال: إن قتلك لمسلم، وإن شئت أن تقول: لما بطل عمل «إن» بالتخفيف وقصد بقاؤها توكيدا على وجه لا ليس فيه استحقت ما يميزها من النافية، فكان الأولى بذلك اللام التي كانت تصحبها حال التشديد، فسلك بها مع التخفيف ما كان لها مع التشديد من التأخر في اللفظ والتقدم في النية، فلم يمنع إعمال ما قبلها فيما بعدها، كما لم يمنع مع التشديد لأن النية بها التقديم وربما تقدم عليها التأخير. وإذا أولت العرب «إن» المخففة فعلا لم يكن في [٢/ ١٢٢] الغالب إلا فعلا -

стр. 1343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ماضيا من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر (١)، نحو قوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ (٢)، وقوله تعالى: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٣) وقوله: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (٤)، وذلك أنها كانت قبل التخفيف مختصة بالمبتدأ والخبر، فلما خففت وضعف شبهها بالفعل جاز دخولهما على الفعل، وكان الفعل من الأفعال المشاركة لها في الدخول على المبتدأ والخبر، كيلا تفارق محلها بالكلية ولا يكون ذلك الفعل غالبا إلا بلفظ الماضي فإن كان مضارعا حفظ ولم يقس عليه (٥)، كقوله تعالى وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ (٦)، وكقراءة أبي بن كعب (٧): (وإن أخالك [يا] فرعون مثبورا) (٨) وكذا إن وليها فعل من غير الأفعال المختصة بالمبتدأ والخبر كقراءة ابن مسعود ﵁: إن لبثتم لقليلا (٩) ذكرها الأخفش في المعاني (١٠)، وكقول امرأة: والذي يحلف به إن جاء لخاطبا (١١)، يعني النبي ﷺ ، وكقول بعض العرب «إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهية (١٢)، وكقول امرأة الزبير رضي الله تعالى عنهما: ٩٩٦ - ثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة المتعمّد (١٣) -

стр. 1344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويروى: هبلتك أمك. وأجاز الأخفش أن يقال: إن قعد لأنا وإن كان صالحا رحما لزيد، وإن ضرب زيدا لعمرو، وان ظننت عمرا لصالحا (١) صرح بذلك كله في كتاب المسائل، وبقوله أقول، لصحة الشواهد علي ذلك نثرا ونظما. وموقع «لكنّ» بين كلامين متنافيين بوجه (٢) ما، كقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا (٣)، وكقوله تعالى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ (٤) ولضعفها بمباينة لفظها لفظ الفعل لم يسمع من العرب إعمالها مع التخفيف، وأجاز يونس والأخفش إعمالها قياسا على ما خفف من «إنّ» و «أنّ» و «كأنّ» (٥) ورأيهما في ذلك ضعيف. وتتصل «ما» الزائدة «بليت»، فيجوز حينئذ إعمالها وإهمالها بإجماع (٦). وشاهد الوجهين قول النابغة: - ٩٩٧ - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد (٧) قال ابن برهان مشيرا إلى هذا البيت: الجميع رووه عن العرب بالإعمال -

стр. 1345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والإلغاء (١). قلت: من رفع جعل «ما» كافة «لليت» كما كفت «إن» «ما» الحجازية، ومن نصب جعلها زائدة غير معتد بها كما لم يعتد بها بين حرف الجر والمجرور به في نحو: عَمَّا قَلِيلٍ (٢)، وفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ (٣). وأجاز سيبويه كون «ليت» في بيت النابغة عاملة على رواية الرفع، وذلك بأن تجعل «ما» موصولة أو نكرة موصوفة، والتقدير: ليتما هو هذا الحمام لنا، «فما» اسم «ليت» وهو مبتدأ محذوف وخبره هذا، والجملة صلة «ما» أو صفتها، فليت بهذا التوجيه عاملة في الروايتين (٤)، وهي حقيقة بذلك لأن اتصال «ما» بها لم يزل اختصاصها [٢/ ١٢٣] بالأسماء بخلاف أخواتها، فإن اتصال ما بها أزال اختصاصها بالأسماء، فاستحقت «ليتما» بقاء العمل دون «إنما» و «كأنّما» و «لكنّما» و «لعلّما»، وهذا هو مذهب سيبويه (٥). وأجرى ابن السراج غير «ليتما» مجراها قياسا (٦) وذكر ابن برهان أن أبا الحسن الأخفش روى عن العرب: إنما زيدا قائم، فأعمل مع زيادة «ما» وعزا مثل ذلك إلى الكسائي عن العرب (٧)، وهذا الفعل الذي ذكره ابن برهان رحمه الله تعالى من إجراء عوامل هذا الباب على سنن واحد قياسا وإن لم يثبت سماع في إعمال جميعها، وبقوله أقول في هذه المسألة. ومن أجل ذلك قلت: والقياس سائغ. انتهى (٨) كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو في غاية النظافة كعادته، غير أن الجواب الذي ذكره عن شبهة أبي علي الفارسي لم أتحققه، ثم لا بد من تنبيهات: منها: أن ابن عصفور لم يوافق المصنف على ثبوت «إنّ» بمعنى «نعم» بل قال: الأولى عندي أن يقال: إن الاسم والخبر محذوفان، لأنه قد تقرر أن «إنّ» تنصب الاسم وترفع الخبر ولم يستقر فيها أن تكون بمعنى «نعم» (٩) ونظّر حذف -

стр. 1346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الاسم والخبر هنا بحذف فعلي الشرط والجواب في قوله: ٩٩٨ - قالت بنات العمّ يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإن (١) وتبعه الشيخ على ذلك، وخرج بيت حسان على أن الاسم محذوف «واللقاء» خبره، التقدير: إنّه اللقاء (٢) وكذا خرج غيره ولا يخفى ما في ذلك من التكلف. ومنها: أن الشيخ انتقد على المصنف قوله ولم يكن بعدها نفي يعني إن كان بعدها نفي فلا تجوز اللام نحو: إنّ زيدا لن يقوم، وإن زيدا لم أو لما يقم، أو ليس قائما أو يقوم، قال الشيخ: وهذا الشرط غير محتاج إليه ألبته، لأنه إذا كان الخبر منفيّا لم يدخل على المبتدأ حرف نفي، فلا تلبس فيه «إن» التي للتوكيد المخففة من الثقيلة «بإن» النافية (٣). ومنها: أن استدلال أبي علي الفارسي على أن اللام الواقعة بعد «إن» المخففة ليست التي بعد المشددة بأن ما بعد هذه ينتصب بما قبلها من الأفعال وما بعد تلك لا ينتصب بما قبلها (٤) استدلال قوي، وقد قدمت أن جواب المصنف عن ذلك غير ظاهر لي، وقد استدل الفارسي أيضا بأن هذه اللام تدخل على ما ليس مبتدأ ولا خبرا في الأصل ولا متعلقا بالخبر، وذلك كدخولها على الفاعل نحو: إن يزينك لنفسك. وعلى المفعول نحو: ٩٩٩ - إن قتلت لمسلما -

стр. 1347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولام «إن» لا تدخل على شيء من ذلك (١)، لكن كلام سيبويه يعطي خلاف ما ذهب إليه الفارسي، فإنه قال: وإن توكيد لقولك: زيد منطلق، فإذا خففت فهي كذلك تؤكد ما تكلم به ويثبت الكلام غير أن لام التوكيد تلزمها عوضا مما حذف منها (٢) انتهى. قال الشارحون: ولام التوكيد عنده عبارة عن لام الابتداء (٣). واعلم أنه ينبغي على القولين [٢/ ١٢٤] كونها معلقة لما قبلها عن العمل أو غير معلقة (٤). وقد جاء في الحديث: «قد علمت إن كنت لمؤمنا» (٥)، فغير الفارسي يوجب كسر «إن»، والفارسي يوجب الفتح لكن الصحيح الكسر لأن الصحيح أن اللام لام الابتداء. وقد أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة وفيما ذكرناه كفاية (٦). ومنها: أن الشيخ انتقد على المصنف قوله: ولا يليها غالبا من الأفعال إلا ماض فقال: هذا ليس بصحيح فقد جاء المضارع في الكتاب العزيز كما جاء الماضي. قال الله تعالى: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٧)، وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ (٨) وقال في قوله في الشرح: «فإن كان مضارعا حفظ ولم يقس عليه. ولا أعلم أحدا من أصحابنا وافقه، بل أجازوا ذلك مع المضارع ومع الماضي (٩)، قال: وأطلق المصنف في قوله: ناسخ للابتداء، وكان ينبغي أن يقيد ذلك بالمثبت غير الواقع صلة، فلا يدخل على «ليس» ولا على «ما زال» و «ما انفك» و «ما فتئ» و «ما برح» ولا على «دام» (١٠). -

стр. 1348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أنا نستفيد من قول المصنف: بوجه ما في قوله: وموقع «لكن» بين متنافيين - أن الكلام الواقع قبل «لكن» يكون نقيضا لما بعدها نحو: ما هذا ساكن لكنّه متحرك، ويكون ضدّا له نحو: ما هذا أسود ولكنه أبيض ويكون خلافا له نحو: ما هذا قائم لكنه شارب، ولا يجوز أن يكون الذي قبلها موافقا لما بعدها نحو: ما زيد قائم لكن عمرا قائم، فهذا لا يجوز إجماعا (١). وقد ذكر الشيخ أن في وقوعها بين الخلافين خلافا. ومنها: أنه قد تقدم من كلام المصنف في هذه الحروف إذا وليها ما فيه غنية، غير أن أبا الحسن بن عصفور قال: إن فيها للنحاة ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه يجوز في جمعها الإلغاء والإعمال وهو مذهب الزجاجي. الثاني: أنه يجوز: في «ليت» و «لعل» و «كأن» الإلغاء والإعمال، ولا يجوز فيما عداها إلا الإلغاء وهو مذهب ابن السراج وأبي إسحق (٢). الثالث: أن «ليت» وحدها يجوز فيها الأمران، وما عداها لا يجوز فيه إلا الإلغاء وهو مذهب الأخفش وذلك أنه لم يسمع الإلغاء والإعمال إلا في «ليت (٣)». ثم إنه نصر مذهب الأخفش بالسماع، يعني: أنه لم يرد الإعمال إلا في ليت، وبالقياس وذلك أن الحروف غير «ليت» يزول اختصاصها باتصال «ما» بها، قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (٤)، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً (٥)، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ (٦). وأما «لكنما» فقد قال الشاعر:

стр. 1349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٠٠ - ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل (١) وأما «لعلما» فقد قال الآخر: ١٠٠١ - أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما ... أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا (٢) وأمّا «ليتما» فلم تولها العرب الفعل قط، لا يحفظ من كلامهم ليتما يقوم زيد (٣) [٢/ ١٢٥] انتهى. ونقل الشيخ مذهبا رابعا: وهو أنه لا يجوز كف «ليت» و «لعلّ» بـ «ما»، بل يجب الإعمال. قال: وهو منسوب إلى الفراء، قال: والسماع بالوجهين إنما ورد في ليت (٤). ومنها: أن المغاربة يجعلون «ما» مع هذه الحروف إذا دخلت على الفعل مهيئة وموطئة لأنها هيأت الحروف للدخول على الفعل وإذا دخلت على المبتدأ والخبر جعلوها كافة، لأنها منعتها من العمل (٥) وما ذكره حسن.

стр. 1350

[تخفيف أن وكأن وأحكام ذلك - اللغات في لعل والجر بها] قال ابن مالك: (فصل: لتأوّل «أنّ» ومعموليها بمصدر قد تقع اسما لعوامل هذا الباب مفصولا بالخبر، وقد تتّصل بـ «ليت» سادّة مسدّ معموليها. ويمنع ذلك في «لعلّ» خلافا للأخفش وتخفّف «أنّ» فينوى معها اسم لا يبرز إلّا اضطرارا، والخبر جملة اسمية مجرّدة أو مصدّرة بـ «لا» أو بأداة شرط أو بـ «ربّ» أو بفعل يقترن غالبا إن تصرّف ولم يكن دعاء بـ «قد» أو بـ «لو» أو بحرف تنفيس أو نفي، وتخفّف «كأنّ» فتعمل في اسم كاسم أنّ المقدّر والخبر جملة اسميّة أو فعليّة مبدوءة بـ «لم» أو «قد» أو مفرد، وقد يبرز اسمها في الشّعر، ويقال: «أما إن جزاك الله خيرا». وربما قيل: أن جزاك الله، والأصل أنّه، وقد يقال في «لعلّ»: «علّ» «ولعنّ» و «عنّ» و «لأنّ» و «أنّ» و «رعنّ» و «رغنّ» و «لغنّ» و «لعلّت». وقد يقع خبرها «أن يفعل» بعد اسم عين حملا على «عسى» والجرّ بـ «لعلّ» ثابتة الأوّل أو محذوفته مفتوحة الآخر أو مكسورته لغة عقيليّة). قال ناظر الجيش: قال المصنف رحمه الله تعالى (١): قد أشير في باب الابتداء أن من المبتدآت الواجب تقدم أخبارها «أنّ» وصلتها نحو: عندي أنك فاضل، وقد تدخل عليها «إن» أو إحدى أخواتها، فيلزم الفصل بالخبر نحو: إنّ عندي أنك فاضل (٢)، وكأن في نفسك أني سائل. وقد تدخل ليت بلا فصل كقول الشاعر: ١٠٠٢ - فياليت أنّ الظّاعنين تلفّتوا ... فيعلم ما بي من جوى وغرام (٣) -

стр. 1351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فسدت «أنّ» بصلتها مسد جزأي الإسناد بعد «ليت» كما سدت مسدهما في باب «ظن» كقوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (١) وكما سدت مسدهما في نحو وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا (٢)، فإن مذهب سيبويه في الواقعة بعد «لو» أنها مرفوعة بالابتداء سادة بصلتها مسد الجزأين (٣)، واختصت «أنّ» بهذا بعد «لو» كما اختصت «غدوة» بالنصب بعد «لدن» (٤)، ورأي سيبويه هذا أسهل من إضمار «ثبت» بعد «لو» رافعا «لأنّ»، وما ذهب إليه هو الصحيح، فإن إضمار فعل دون مفسر ولا عوض لا نظير له (٥) بخلاف جعل «أنّ» وصلتها سادة مسد جزأي الإسناد فإنه نظير سدها مسد جزأي الإسناد بعد «ليت» و «ظن»، فلم يكن بدعا. فإنه قيل: لم لم يكن المفسر لثبت المضمر ما يقتضيه «أنّ» من معنى الثبوت؟ فالجواب أن يقال: لا نسلم اقتضاء «أنّ» للثبوت، ولو سلمنا اقتضاءها [٢/ ١٢٦] للثبوت لم يساو اقتضاء لفظ الثبوت لمعناه، ولو وقع لفظ الثبوت بعد «لو» لم يغن عن مفسر فعل يرفعه فأن لا يستغنى عنه «بأنّ» أحق وأولى. ونظير جعل «أنّ» بعد «لو» مبتدأ مستغنيا عن خبر، ما حكاه سيبويه من قول بعض العرب: «لحق أنّه ذاهب» بالإضافة إلى «أنّ» ما قال سيبويه كأنه قال: «ليقين ذلك أمرك»، فأمرك هو خبر هذا الكلام لأنه إذا أضاف لم يكن بد كقولك: «لحق من خير» (٦). هذا نص سيبويه، وأجاز الأخفش أن تعامل «لعلّ» معاملة «ليت» في الدخول على «أنّ» بلا فصل، فيقال: لعل أنّ الله يرحمنا (٧)، ورأيه في المسألة -

стр. 1352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضعيف لأنّ مقتضى الدليل أن لا يكتفى «بأنّ» وصلتها إلا حيث يكتفى بمصدر صريح، والمصدر الصريح لا يكتفى به بعد «ليت» فحق أن لا يكتفى بها بعدها، لكن سمع ذلك فقيل مع مخالفة الأصل فلا يزاد عليه دون (١) سماع. وتخفف «أنّ» فلا تلغى كما تلغى «إن» المخففة إلا أن اسمها لا يلفظ به إلا في ضرورة كقول الشاعر (٢): ١٠٠٣ - لقد علم الضّيف والمرملون ... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا بأنك ربيع وغيث مريع ... وأنك هناك تكون الثّمالا (٣) ولا يكون غير الملفوظ به إلّا ضميرا، ولا يلزم كونه ضمير الشأن كما زعم بعضهم (٤)، بل إذا أمكن عوده على حاضر أو غائب معلوم فهو أولى، ولذلك قال سيبويه: حين مثل بقوله تعالى: أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (٥): كأنه قال جل وعز: أنك قد صدقت الرؤيا. وذكر هذا في باب ما تكون فيه «أن» بمنزلة «أي» (٦) وقال في الباب الذي بعده: وتقول: كتبت إليه أن لا تقل ذلك وأن لا تقول ذلك، وأن لا تقول ذلك. فأما الجزم فعلى الأمر، عبر بالأمر على النهي. -

стр. 1353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما النصب فعلى «لئلا». وأما الرفع فعلى: لأنك لا تقول ذلك، أو بأنك لا تقول ذلك تخبره بأن ذلك قد وقع من أمره (١). هذا نصه. ولا يكون الخبر بعد الاسم المنويّ إلا جملة مصدرة بمبتدأ نحو وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)، وبخبر كقول الأعشى: ١٠٠٤ - في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (٣) أو بحرف نفي نحو وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٤)، أو بأداة شرط نحو قول الشاعر: ١٠٠٥ - فعلمت أن من يثقفوه فإنّه ... حرز لجامعة وفرخ عقاب (٥) أو بربّ نحو قول الآخر: ١٠٠٦ - تيقّنت أن ربّ امرئ خيّل خائنا ... أمين وخوّان يخال أمينا (٦) أو بفعل مباشر إن كان دعاء نحو وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها (٧)، أو غير منصرف نحو: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ (٨)، فإن كان الفعل متصرفا -

стр. 1354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يكن دعاء وقي مباشرة «أن» في الغالب بقد كقوله تعالى: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا (١) كقول الشاعر: ١٠٠٧ - ألم تعلمي أن قد تجشّمت في الهوى ... من أجلك أمرا لم يكن يتجشّم (٢) أو «بلو» (٣)، كقوله تعالى: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (٤) [٢/ ١٢٧]، أو بحرف تنفيس نحو عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى (٥) أو بحرف نفي نحو: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا (٦) وأَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٧) وقال سيبويه مشيرا إلى قول الأعشى: ١٠٠٨ - أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (٨) ومثل ذلك: أول ما أقول أن بسم الله، كأنه قال: أنه بسم الله (٩). وقال سيبويه: واعلم أنه ضعيف في الكلام أن يقول: قد علمت أن تفعل وقد علمت أن فعل حتى تأتي بالسين أو قد، أو ينفى لأنهم جعلوا ذلك عوضا مما حذفوا من «أنه»، فكرهوا ترك العوض (١٠). قلت: ومن شواهد علمت أن فعل قول امرئ القيس: ١٠٠٩ - وحدّث بأن زالت بليل حمولهم ... كنخل من الأعراض غير منيّق (١١) -

стр. 1355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال سيبويه: وأما قولهم: (أما أن جزاك الله خيرا)؛ فإنهم إنما أجازوه لأنه دعاء ولا يصلون هنا إلى قد وإلى السين ولو قلت: أما أن يغفر الله لك؛ جاز لأنه دعاء، قال: وسمعناهم يقولون: أما إن جزاك الله خيرا، شبهوه بأنّه، قال محمد: و «أما» قبل أن المخفف المفتوحة بمعنى حقّا هي قبل المشددة المفتوحة وهي بمعنى «ألا» قبل «إن» المكسورة (١). هذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى. ويجوز عندي أن تكون «أما» في الوجهين بمعنى «ألا» وتكون «إن» المكسورة زائدة، كما زادها الشاعر في قوله: ١٠١٠ - ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيبا ... أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا (٢) وفي المفتوحة على هذا وجهان: أحدهما: أن تكون المخففة وتكون هي وصلتها من موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف (٣)، كما تقرر في «أن» الواقعة بعد «لو» على مذهب سيبويه (٤)، ويكون التقدير: أما من دعائي أن جزاك الله خيرا، ثم حذف الخبر للعلم به. والوجه الثاني: من وجهي الفتح مع كون «أما» بمعنى «ألا»: أن تكون زائدة كما زيدت بعد «لما»، وقبل «لو»، وبعد كاف الجر في قوله (٥): -

стр. 1356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠١١ - كأن ظبية تعطو ... (١) على رواية الجر، ويجوز أن تكون في قول الشاعر: ١٠١٢ - ألا إن سرى ليلي ... المخففة من «إن» ويكون الأصل إنه سرى ليلي، ثم فعل به ما فعل بأما إن جزاك الله خيرا في قول سيبويه (٢). وقد تباشر «أن» المخففة فعلا متصرفا غير مقصود به الدعاء (٣) وعليه نبهت بقولي: (غالبا) (٤)، فإن كان ذلك بعد فعل قلبي أو معناه فهو أسهل من أن يكون بعد غير ذلك (٥)، فالأول: كقول الشاعر: ١٠١٣ - علموا أن يؤمّلون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل (٦) -

стр. 1357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأنشد الفراء: ١٠١٤ - إني زعيم يا نوي ... قة إن أمنت من الرّزاح ونجوت من غرض المنو ... ن من الغدوّ إلى الرّواح أن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطّلاح (١) والثاني: كقراءة بعض القراء (٢): (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) (٣)، ومثله قول الشاعر [٢/ ١٢٨]: ١٠١٥ - يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لقّيتما رشدا أن تحملا حاجة لي خفّ محملها ... يستوجبا منّة عندي بها ويدا أن تقرآن على أسماء ويحكما ... منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا (٤) و «أن» في هذين الموضعين وأشباههما عند البصريين هى الناصبة للمضارع، وترك إعمالها حملا على «ما» أختها، وهي عند الكوفيين المخففة (٥)، وشذ -

стр. 1358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوعها موقع الناصبة كما شذ وقوع الناصبة موقع المخففة في قول جرير: ١٠١٦ - نرضى عن الله أنّ النّاس قد علموا ... أن لا يدانينا من خلقه بشر (١) وقول الكوفيين عندى أولى بالصواب، فإنه لا يلزم منه إهمال ما وجب له الإعمال ومما يؤيده قول الشاعر: ١٠١٧ - رأيتك أحييت النّدى بعد موته ... فعاش النّدى من بعد أن هو خامل (٢) فوصل «أن» بجملة اسمية وليس قبلها فعل قلبي ولا معناه، وكل موضع هو كذا فهو «لأن» الناصبة للفعل وأن الناصبة للفعل لا توصل بجملة اسمية، فصح وقوع المخففة موقع الناصبة وهو المراد، وقريب من قوله: «أن هو خامل» قول الآخر: ١٠١٨ - فلا تلهك الدّنيا عن الدين واعتمل ... لآخرة لا بدّ عن ستصيرها (٣) أبدل همزة «أن» عينا وحسن وقوع المخففة هنا لأنّ «لا بد» تجرى مجرى اليقين وتخفف «كأنّ» فلا تلغى، بل تعمل إعمال «أن» المخففة، إلا أنّ خبرها إذا قدر اسمها لا يلزم كونه جملة، بل قد يكون مفردا، بخلاف خبر «أن» (٤) إذا قدر اسمها وإن كان جملة جاز كونها فعلية مبدوءة «بلم» كقوله تعالى كَأَنْ لَمْ تَغْنَ -

стр. 1359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالْأَمْسِ (١)، أو «بقد» كقول الشاعر: ١٠١٩ - لا يهولنّك اصطلاء لظى الحر ... ب فمحذورها كأن قد ألمّا (٢) أو ابتدائية كقول الشاعر: ١٠٢٠ - ووجه مشرق النّحر ... كأن ثدياه حقّان (٣) أو شرطية كقول الآخر (٤). ١٠٢١ - وي كأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ (٥) ومثال إفراد الخبر مع تقدير الاسم: قول الشاعر: ١٠٢٢ - ويوما توافينا بوجه مقسّم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (٦) -

стр. 1360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي كأنها ظبية. ويروى بالنصب على حذف الخبر والتقدير: كأن ظبية عاطية المذكورة، وهذا من عكس التشبيه، ويروى بالجر على زيادة «أن» شذوذا. وفي «لعلّ» عشر لغات: لعلّ، علّ، لعنّ، عنّ، لأنّ، أنّ، رعنّ، رغنّ، لعنّ، لعلّت. فالستة المتقدمة مشهورة والأربعة الباقية قليلة الاستعمال، وأقلها استعمالا «لعلت» ذكرها أبو علي في التذكرة (١). ومن ورود «أنّ» بمعنى «لعل» ما حكاه الخليل من قول بعض العرب: إيت السوق أنّك تشتري لنا شيئا (٢). واستشهد الأخفش على ذلك بقول الراجز (٣): ١٠٢٣ - قلت لشيبان ادن من لقائه ... أنّا نغذّي القوم من شوائه (٤) ومنه قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو: أنها إذا جاءت (٥) بالفتح (٦). وقال امرؤ القيس في «لأنّ»: ١٠٢٤ - عوجا على الطّلل المحيل لأنّنا ... نبكي الدّيار كما بكى ابن خذام (٧) وقال [٢/ ١٢٩] الفرزدق في لعنّ: -

стр. 1361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٢٥ - ألستم عائجين بنا لعنّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام (١) وإذا كان الاسم في هذا الباب وغيره اسم معنى؛ جاز كون الخبر فعلا مقرونا «بأن» كقولك: إن الصلاح أن تعصي الهوى، فلو كان الاسم اسم عين امتنع ذلك، كما يمنع في الابتداء، وقد يستباح في «لعلّ» حملا على «عسى» (٢) ومنه قول النبي ﷺ : «لعلّك أن تخلّف فينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون» (٣) وروى أبو زيد (٤) أن بني عقيل يجرون بلعل مفتوحة الآخر ومكسورته (٥) ومن شواهد ذلك قول الشاعر: ١٠٢٦ - لعلّ الله يمكنني عليها ... جهارا من زهير أو أسيد (٦) وروى الفراء أيضا الجر «بعلّ» وأنشد: ١٠٢٧ - علّ صروف الدّهر أو دولاتها ... تدلينا اللّمّة من لمّاتها (٧) -

стр. 1362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وزعم أبو علي أن «لعل» خففت وأعملت في ضمير الشأن محذوفا، ووليها في اللفظ لام الجر مفتوحا تارة ومكسورا تارة، والجر به. و «لعلّ» على أصلها (١)، ولا يخفى ما في هذا من التكلف (٢). انتهى كلام المصنف (٣). ونتبعه بذكر أمور: منها: أن صاحب البسيط نقل أن الخلاف الذي في «ظننت أن زيدا قائم» هو أيضا في ليت أن زيدا قائم، فرأى الأخفش أن الخبر محذوف هنا كما أن المفعول الثاني محذوف هناك (٤) ورأى سيبويه: أنها سدت مسد المفعولين في «ظننت»، فكذلك هنا (٥) وقال ابن الدهان (٦): تكتفي ليت «بأن» مع الاسم ولا تكتفي «بأن» مع الفعل عند المحققين. كذا نص ابن السراج وهما مصدريان، وذلك لظهور الخبر مع أن (٧). انتهى. وهذا بخلاف الحال في باب ظن، فإنه يكتفى فيه «بأن» مع الفعل (٨). قال الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا (٩). ومنها: أن الشيخ نقل أن الأخفش لم يقتصر على «لعلّ» في إجرائها مجرى «ليت» كما ذكر المصنف، بل نصّ على أن «لعلّ» و «لكنّ» و «كأنّ» في هذا الحكم سواء، فيجيز: (لكنّ أنك منطلق)، و (كأنّ أنك منطلق)، كما يجيز: (لعل أنكّ منطلق) قال الجرمي (١٠): وهذا كله رديء في القياس، لأن «أن» لا يبتدأ بها، وقال الشيخ: وأجاز هشام: إنّ أنّ زيدا منطلق حقّ بمعنى إن إطلاق زيد حق. انتهى (١١). ولا يخفى أن لا معول على شيء من ذلك، إذ لا ثبوت له عن العرب: ويكفي -

стр. 1363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في رده نبو الطباع عن التكلم به. ومنها: أنه قد يسأل فيقال: ما الذي أحوج إلى تقدير اسم «لأن» إذا خففت محذوف وهلا ادعى فيها الإلغاء؟ والجواب: أن سبب إعمالها الاختصاص بالاسم، فما دام لها الاختصاص ينبغي أن يعتقد أنها عاملة ويدل على أنها عندهم باقية على الاختصاص: كونهم استقبحوا وقوع الأفعال بعدها دون فصل، إلا أن تكون الأفعال شبيهة بالأسماء لعدم تصرفها (١)، لا يقال: سبب الفصل جعل تلك الحروف عوضا عن الاسم المحذوف، لأنه لو كان السبب ذلك، لزم الفصل بينها وبين الجملة الاسمية وهم لا يفعلون ذلك (٢). قال الله تعالى: [٢/ ١٣٠] وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣). وقد تكلم سيبويه على هذا فقال: لأنهم لم يحلوا به هاهنا يعني بالاسم - لأنهم أقروا بعدها المبتدأ والخبر كما كانوا يفعلون لو شددوا. فأما إذا حذفوا وأولوها الفعل الذي لم يكن يليها فكرهوا أن يجعلوا عليها الحذف ودخولها على ما لم يكن يليها مثقلة، فجعلوا هذه الحروف عوضا (٤). ومنها: أن سيبويه أجاز في «أن» المخففة أن تلغى لفظا وتقديرا كما ألغيت «إنّ» إذا خففت، وتكون حرفا مصدريّا لا يعمل شيئا كبعض الحروف المصدرية. -

стр. 1364

[حكم المعطوف على اسم إنّ ولكنّ وبقية نواسخ هذا الباب] قال ابن مالك: (فصل؛ يجوز رفع المعطوف على اسم «إنّ» و «لكنّ» بعد الخبر بإجماع لا قبله مطلقا، خلافا للكسائي، ولا بشرط خفاء إعراب الاسم خلافا للفرّاء. وإن توهّم ما رأياه قدّر تأخير المعطوف أو حذف خبر قبله، و «أنّ» في ذلك كـ (إنّ) على الأصحّ، وكذا البواقي عند الفرّاء والنّعت وعطف البيان والتّوكيد كالمنسوق عند الجرمي والفرّاء والزّجّاج. وندر: إنّهم أجمعون ذاهبون. وإنّك وزيد ذاهبان، وأجاز الكسائيّ رفع المعطوف على أوّل مفعولي «ظنّ» إن خفي إعراب الثّاني). ــ قال سيبويه: «ولو خففوا (أنّ) وأبطلوا عملها في المظهر والمضمر وجعلوها «كإنّ» إذا خففت لكان وجها قويّا» (١). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): نصب المعطوف على اسم «إنّ» مستغن عن التنبيه عليه لأنه كالعطف على لفظ سائر المعمولات، ولا فرق في ذلك بين إنّ وأخواتها ولا بين وقوعه قبل الخبر ووقوعه بعده (٣). ومثال وقوعه قبل الخبر، قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ (٤) الآية. ومثال وقوعه بعد الخبر، قول الراجز: ١٠٢٨ - إنّ الربيع الجود والخريفا ... يدا أبي العبّاس والصّيوفا (٥) أراد: إن الربيع الجود والخريف والصّيوف يدا أبي العباس. -

стр. 1365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والذي لا يستغنى عن التنبيه عليه رفع المعطوف، وهو على ضربين: أحدهما: مشترك فيه، وهو العطف على الضمير المرفوع بالخبر. والثاني: العطف على معنى الابتداء، وهو عند البصريين مخصوص «بإنّ» «ولكنّ» ومشروط بتمام الجملة قبله (١). ومثاله مع «إنّ» قول الشاعر: ١٠٢٩ - إن النّبوّة والخلافة فيهم ... والمكرمات وسادة أطهار (٢) ومثله قول الآخر: ١٠٣٠ - فمن يك لم ينجب أبوه وأمّه ... فإنّ لنا الأمّ النّجيبة والأب (٣) ومثاله مع «لكن»، قول الآخر: ١٠٣١ - وما زلت سبّاقا إلى كلّ غاية ... بها تقض في النّاس مجد وإجلال وما قصّرت بي في التّسامي خؤولة ... ولكنّ عمّي الطيّب الأصل والخال (٤) وهذا العطف المشار إليه، ليس من عطف المفردات كما ظن بعضهم، بل هو من عطف الجمل، ولذا لم يستعمل إلا بعد تمام الجملة أو تقدير تمامها (٥)، ولو كان من -

стр. 1366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عطف المفردات لكان وقوعه قبل التمام أولى؛ لأنّ وصل المعطوف بالمعطوف عليه أجود من فصله ولو كان من عطف المفردات [٢/ ١٣١] لجاز رفع غيره من التوابع، ولم يحتج سيبويه في قوله تعالى قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١) إلى أن يجعل عَلَّامُ الْغُيُوبِ خبر مبتدأ أو بدلا من فاعل يَقْذِفُ (٢)، وأيضا فإن وأخواتها مشبهة بالأفعال لفظا ومعنى واختصاصا (٣)، فلا عمل للابتداء بعد دخولها (٤) كما لا عمل له بعد دخول الأفعال الناسخة (٥). ولقوة شبهها بالأفعال لم يبطل عملها بالفصل في نحو: إن فيك زيدا راغب (٦)، ولا بتقديم المسند في نحو: إن عندك زيدا، ولا بالحذف مع دليل كقراءة حمزة والكسائي (٧): وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات (٨). بخلاف «ما» المشبهة بليس، و «لا» المشبهة بإنّ، فإنها ضعيفة الشبه وضعيفة العمل، ولذا لا تعمل في الخبر عند سيبويه (٩) ويبطل عملها الفصل بإجماع، فلضعفها لم تنسخ عمل الابتداء لفظا (١٠) ومحلّا، بل هو باق تقديرا بعد دخولها، ولهذا ينعت اسمها باعتبار المحل رفعا، ولم يفعل ذلك باسم «إنّ» والحاصل: أن عمل الابتداء بعد دخول إنّ وأخواتها منسوخ لفظا -

стр. 1367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومحلّا كانتساخه بـ «كان» و «ظنّ»، إلا أنّ «إنّ» و «لكنّ» لم يتغير بدخولها معنى الجملة، ويتغير بدخول «كأن» و «ليت» و «لعل» فجاز أن يعطف على مصحوبي «إنّ» و «لكنّ» مبتدأ مصرح بخبره ومحذوف خبره، كما يجوز ذلك بعد المبتدأ والخبر لبقاء المعنى على ما كان عليه (١)، ولكون الخبر الموجود صالحا للدلالة على المحذوف إذ لا تخالف بينهما، بخلاف خبر «كأن» و «ليت»، و «لعل» فإنه مخالف لخبر المبتدأ المجرد، فلا يغني أحدهما عن الآخر. فلو كان خبر المعطوف مخالفا لزم ثبوته نحو [قوله تعالى]: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (٢). ومثله [قوله تعالى]: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها (٣)، وقرأ حمزة بنصب (الساعة) (٤)، ولم يختلف في رفع وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (٥). وحمل سيبويه ما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير، فالتقدير عنده في [قوله تعالى]: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى (٦): إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك (٧). وأسهل من التقديم والتأخير تقدير خبر قبل العاطف مدلول عليه بخبر ما بعده (٨) كأنه قيل: إن الذين آمنوا فرحون، والذين هادوا والصائبون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فإن حذف ما قبل العاطف لدلالة ما بعده مقطوع بثبوته في كلام العرب قبل دخول إنّ كقول الشاعر (٩): ١٠٣٢ - نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأي مختلف (١٠) -

стр. 1368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبعد دخولها كقول الآخر: ١٠٣٣ - خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما ... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان (١) فتقدير الأول: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض وتقدير الثاني: فإني دنف، وأنتما دنفان. وأنشد سيبويه قول الفرزدق: ١٠٣٤ - إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي فكان وكنت غير غدور (٢) [٢/ ١٣٢] ثم قال: ترك أن يكون للأول خبر حين استغنى بالآخر (٣) ومثل «إنّ» و «لكنّ» في رفع المعطوف على معنى الابتداء «أنّ» إذا تقدمها علم أو معناه (٤)؛ فمعناه كقوله تعالى وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (٥)، وصريح العلم كقول الشاعر (٦): ١٠٣٥ - وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق (٧) تقديره عند سيبويه: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، حمله على التقديم والتأخير، -

стр. 1369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما حمل آية المائدة، فسوى بين «إنّ»، و «أنّ» (١) فصح أن من فرق بينهما على الإطلاق مخالف لسيبويه، وجعل من هذا القبيل قوله تعالى (٢): أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (٣). وزعم قوم أنه إنما أورده بكسر الهمزة وهي قراءة الحسن (٤)، وهو بعيد من عادة سيبويه (٥) فإنه إذا استدل بقراءة تخالف المشهور لا يستغني عما يشعر بذلك كما فعل إذا ورد (إذا لا يلبثوا خلفك إلا قليلا) (٦)، (٧)، وأجاز الكسائي رفع المعطوف بعد «إنّ» قبل الخبر مطلقا فيقول: إنّ زيدا وعمرو قائمان. وإنك وزيد ذاهبان. ووافقه الفراء إن خفي إعراب الاسم نحو: إنك وزيد ذاهبان (٨). وكلا المذهبين ضعيف لأن «إنّ» وأخواتها قد ثبت قوة شبهها بكان وأخواتها، فكما امتنع بكان أن يكون للجزأين إعراب في المحل يخالف إعراب اللفظ؛ يمنع بإنّ. ولو جاز أن يكون اسم إنّ مرفوعا بالمحل باعتبار عروض العامل لجاز أن يكون خبر كان مرفوع المحل بذلك الاعتبار لتساويهما في أصالة الرفع وعروض -

стр. 1370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النص، ولا حجة لهما فيما حكى سيبويه من قول بعض العرب: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان (١) لأن الأول تخرج على أن أصله إنهم هم أجمعون ذاهبون فهم مبتدأ وأجمعون توكيد وذاهبون خبر المبتدأ وهو وخبره خبر إنّ، وأصل الثاني: إنك أنت وزيد ذاهبان، فأنت مبتدأ وزيد معطوف وذاهبان خبر المبتدأ، والجملة خبر «إنّ» وحذف المتبوع وإبقاء التابع عند فهم المعنى جائز بإجماع، فالقول به راجح. وغلّط سيبويه من قال: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان، فقال: واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان وذلك أن معناه معنى الابتداء فيرى أنه قال هم، كما قال: ١٠٣٦ - لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا ... (٢) وهذا غير مرضي منه رحمه الله تعالى (٣)، فإن المطبوع على العربية - كزهير قائل البيت - لو جاز غلطه في هذا لم يوفق بشئ من كلام، بل يجب أن يعتقد الصواب في كل ما نطقت به العرب المأمون حدوث لحنهم بتغير الطباع. وسيبويه موافق على هذا ولولا ذلك ما قيل نادرا كلدن غدوة (٤)، وهذا جحر ضبّ خرب (٥)، وأجاز الفراء في المعطوف على اسم غير إنّ ما أجاز في المعطوف على اسم إنّ (٦)، واستشهد بقول الراجز: -
следующие страницы →