← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عطف المفردات لكان وقوعه قبل التمام أولى؛ لأنّ وصل المعطوف بالمعطوف عليه أجود من فصله ولو كان من عطف المفردات [٢/ ١٣١] لجاز رفع غيره من التوابع، ولم يحتج سيبويه في قوله تعالى قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١) إلى أن يجعل عَلَّامُ الْغُيُوبِ خبر مبتدأ أو بدلا من فاعل يَقْذِفُ (٢)، وأيضا فإن وأخواتها مشبهة بالأفعال لفظا ومعنى واختصاصا (٣)، فلا عمل للابتداء بعد دخولها (٤) كما لا عمل له بعد دخول الأفعال الناسخة (٥). ولقوة شبهها بالأفعال لم يبطل عملها بالفصل في نحو: إن فيك زيدا راغب (٦)، ولا بتقديم المسند في نحو: إن عندك زيدا، ولا بالحذف مع دليل كقراءة حمزة والكسائي (٧): وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات (٨). بخلاف «ما» المشبهة بليس، و «لا» المشبهة بإنّ، فإنها ضعيفة الشبه وضعيفة العمل، ولذا لا تعمل في الخبر عند سيبويه (٩) ويبطل عملها الفصل بإجماع، فلضعفها لم تنسخ عمل الابتداء لفظا (١٠) ومحلّا، بل هو باق تقديرا بعد دخولها، ولهذا ينعت اسمها باعتبار المحل رفعا، ولم يفعل ذلك باسم «إنّ» والحاصل: أن عمل الابتداء بعد دخول إنّ وأخواتها منسوخ لفظا -

стр. 1367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومحلّا كانتساخه بـ «كان» و «ظنّ»، إلا أنّ «إنّ» و «لكنّ» لم يتغير بدخولها معنى الجملة، ويتغير بدخول «كأن» و «ليت» و «لعل» فجاز أن يعطف على مصحوبي «إنّ» و «لكنّ» مبتدأ مصرح بخبره ومحذوف خبره، كما يجوز ذلك بعد المبتدأ والخبر لبقاء المعنى على ما كان عليه (١)، ولكون الخبر الموجود صالحا للدلالة على المحذوف إذ لا تخالف بينهما، بخلاف خبر «كأن» و «ليت»، و «لعل» فإنه مخالف لخبر المبتدأ المجرد، فلا يغني أحدهما عن الآخر. فلو كان خبر المعطوف مخالفا لزم ثبوته نحو [قوله تعالى]: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (٢). ومثله [قوله تعالى]: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها (٣)، وقرأ حمزة بنصب (الساعة) (٤)، ولم يختلف في رفع وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (٥). وحمل سيبويه ما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير، فالتقدير عنده في [قوله تعالى]: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى (٦): إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك (٧). وأسهل من التقديم والتأخير تقدير خبر قبل العاطف مدلول عليه بخبر ما بعده (٨) كأنه قيل: إن الذين آمنوا فرحون، والذين هادوا والصائبون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فإن حذف ما قبل العاطف لدلالة ما بعده مقطوع بثبوته في كلام العرب قبل دخول إنّ كقول الشاعر (٩): ١٠٣٢ - نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأي مختلف (١٠) -

стр. 1368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبعد دخولها كقول الآخر: ١٠٣٣ - خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما ... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان (١) فتقدير الأول: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض وتقدير الثاني: فإني دنف، وأنتما دنفان. وأنشد سيبويه قول الفرزدق: ١٠٣٤ - إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي فكان وكنت غير غدور (٢) [٢/ ١٣٢] ثم قال: ترك أن يكون للأول خبر حين استغنى بالآخر (٣) ومثل «إنّ» و «لكنّ» في رفع المعطوف على معنى الابتداء «أنّ» إذا تقدمها علم أو معناه (٤)؛ فمعناه كقوله تعالى وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (٥)، وصريح العلم كقول الشاعر (٦): ١٠٣٥ - وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق (٧) تقديره عند سيبويه: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، حمله على التقديم والتأخير، -

стр. 1369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما حمل آية المائدة، فسوى بين «إنّ»، و «أنّ» (١) فصح أن من فرق بينهما على الإطلاق مخالف لسيبويه، وجعل من هذا القبيل قوله تعالى (٢): أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (٣). وزعم قوم أنه إنما أورده بكسر الهمزة وهي قراءة الحسن (٤)، وهو بعيد من عادة سيبويه (٥) فإنه إذا استدل بقراءة تخالف المشهور لا يستغني عما يشعر بذلك كما فعل إذا ورد (إذا لا يلبثوا خلفك إلا قليلا) (٦)، (٧)، وأجاز الكسائي رفع المعطوف بعد «إنّ» قبل الخبر مطلقا فيقول: إنّ زيدا وعمرو قائمان. وإنك وزيد ذاهبان. ووافقه الفراء إن خفي إعراب الاسم نحو: إنك وزيد ذاهبان (٨). وكلا المذهبين ضعيف لأن «إنّ» وأخواتها قد ثبت قوة شبهها بكان وأخواتها، فكما امتنع بكان أن يكون للجزأين إعراب في المحل يخالف إعراب اللفظ؛ يمنع بإنّ. ولو جاز أن يكون اسم إنّ مرفوعا بالمحل باعتبار عروض العامل لجاز أن يكون خبر كان مرفوع المحل بذلك الاعتبار لتساويهما في أصالة الرفع وعروض -

стр. 1370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النص، ولا حجة لهما فيما حكى سيبويه من قول بعض العرب: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان (١) لأن الأول تخرج على أن أصله إنهم هم أجمعون ذاهبون فهم مبتدأ وأجمعون توكيد وذاهبون خبر المبتدأ وهو وخبره خبر إنّ، وأصل الثاني: إنك أنت وزيد ذاهبان، فأنت مبتدأ وزيد معطوف وذاهبان خبر المبتدأ، والجملة خبر «إنّ» وحذف المتبوع وإبقاء التابع عند فهم المعنى جائز بإجماع، فالقول به راجح. وغلّط سيبويه من قال: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان، فقال: واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان وذلك أن معناه معنى الابتداء فيرى أنه قال هم، كما قال: ١٠٣٦ - لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا ... (٢) وهذا غير مرضي منه رحمه الله تعالى (٣)، فإن المطبوع على العربية - كزهير قائل البيت - لو جاز غلطه في هذا لم يوفق بشئ من كلام، بل يجب أن يعتقد الصواب في كل ما نطقت به العرب المأمون حدوث لحنهم بتغير الطباع. وسيبويه موافق على هذا ولولا ذلك ما قيل نادرا كلدن غدوة (٤)، وهذا جحر ضبّ خرب (٥)، وأجاز الفراء في المعطوف على اسم غير إنّ ما أجاز في المعطوف على اسم إنّ (٦)، واستشهد بقول الراجز: -

стр. 1371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٣٧ - يا ليتني وأنت يا لميس ... في بلد ليس له أنيس (١) [٢/ ١٣٣] ولا حجة له فيه لأن تقديره: يا ليتني وأنت معي يا لميس، فحذف «معي» وهو وخبر «ليت» والجملة حالية واقعة بين اسم ليت وخبرها وأجاز الجرمي والزجاج والفراء رفع نعت الاسم بعد الخبر، وبمثل ذلك حكموا للتوكيد وعطف البيان (٢)، وأجازوا أن يكون من ذلك قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٣). وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إن خفي إعراب ثانيهما، نحو: ظننت زيدا صديقي وعمرو (٤). انتهى كلام المصنف ﵀، ويتعلق به مباحث: الأول: قد عرف من كلامه أن المرفوع في نحو: إن زيدا قائم وعمرو مبتدأ محذوف الخبر، ولا شك أن هذا هو الحق. وقد أقام الدليل على ذلك، وعرف منه أيضا أن القائل بأنه من عطف المفردات، يقول: إنه معطوف على المنصوب باعتبار محله قبل دخول «إنّ». وقد أبطل المصنف ذلك، ولكن للقائلين بأنه من عطف المفردات -

стр. 1372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قول آخر وهو أن المرفوع معطوف على موضع «إنّ» وما عملت فيه لأنها وما عملت فيه في موضع ذلك الاسم الذي كان مبتدأ قبل دخولها، وهذا هو الذي جنح إليه الفارسي (١)، ومن ثم قيل في المسألة مذاهب ثلاثة (٢). وأما كون المرفوع يكون معطوفا على الضمير الذي في الخبر، فقد عده الشيخ مذهبا رابعا، ولا ينبغي ذلك لأن هذه مسألة برأسها (٣)، والعطف على الضمير المستتر لا خصوصية له بهذا الباب، وإذا كان كذلك فلا يعد مذهبا. واعلم أن القائلين بأنه من عطف المفردات شبهتهم أنه سمع من لسان العرب: إنّ زيدا منطلق لا عمرو. قالوا: ولا يتصور أن يكون من قبيل عطف الجمل لأن «لا» لا يعطف بها إلا المفرد، ولو كان ما بعد «لا» مرفوعا بالابتداء وكانت «لا» حرف نفي مستأنفا ما بعدها لزم تكرارها. ولأجل هذا قال ابن خروف في قولهم: (إن زيدا منطلق لا عمرو) جاز الرفع وإن لم يجز الابتداء «بلا»، ومن هنا وقع الخلاف، إذ لا يقال في الابتداء: (لا عمرو قائم)، قال: فذكر «لا» هنا أوقع الخلاف بين النحويين في هذا المرفوع، وإنما دخلت «لا» هنا من حيث كان الاسم بعدها بصورة المعطوف؛ فجاز فيه ما لا يجوز في الابتداء (٤). وجعل الشلوبين ذلك دليلا قاطعا على أن سيبويه يحمل على الموضع (٥). ولا يتم ما قاله الشلوبين لأن كلام سيبويه يعطي خلاف ذلك، فإنه قال: وما يكون محمولا على «إنّ» فيشارك فيها الاسم الذي وليها ويكون محمولا على الابتداء (٦): إنّ زيدا ظريف وعمرو، فيرفع على وجهين: فأحدهما حسن، وهو أن يكون محمولا على الابتداء، لأن معنى إنّ زيدا منطلق: زيد منطلق وإنّ توكيد والآخر ضعيف أن يكون محمولا على المضمر، فأحسنه أن يقول: هو وعمرو، فإن شئت جعلت الكلام على الأول فقلت: (إنّ زيدا منطلق وعمرا) (٧). ولكنّ المثقلة -

стр. 1373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في جميع الكلام بمنزلة «إنّ»، فإذا قلت: إنّ زيدا منطلق لا عمرو فتفسيره كتفسيره «مع الواو». وإذا نصبت فتفسيره كتفسيره مع الواو [٢/ ١٣٤]. و «لعلّ» وكأنّ و «ليت» يجوز فيهن جميع ما جاز في «إنّ» إلا أنه لا يرتفع على الابتداء (١). انتهى. وهو كلام واف بالمقصود شاهد بصحة ما قرره المصنف. المبحث الثاني: لما جرى ذكر العطف على الموضع هنا قصدت أن أذكر الضابط له على طريقة المتأخرين، وذلك يستدعى ذكر تقسيم، وهو أن المعطوف عليه إمّا مبنيّ فيحمل على موضعه أبدا إلا في بابين، في باب «لا» (٢)، والمبني في باب النداء (٣). وإما معرب ولا موضع له؛ فيحمل على لفظه، نحو: قام زيد وعمرو، أو وله موضع بحق الفرعية ويكون ذلك في باب اسم الفاعل والصفة المشبهة «وليس» و «ما» تقول: هذا ضارب زيدا وأخيه وحسن وجها ويد، وليس زيد قائما ولا قاعد. وما زيد خارجا ولا ذاهب. فهذا ممتنع على مذهب الجمهور (٤)، وأجازه البغداديون في البابين الأولين لأن الإضافة فيهما قد كثرت (٥) وأجاز الفراء في البابين الآخرين لأنه قد كثرت زيادة الباء في خبريهما، وقد جاء: ١٠٣٨ - بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق ... البيت (٦) -

стр. 1374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن كان الموضع بحق الأصالة فإن لم يصرح به لم يجز الحمل عليه نحو: مررت بزيد وعمرو لأنهم لم يقولوا مررت زيدا إلا شاذّا ومنهم من أجازه، وإن صرح بالموضع فإما أن يتغير العامل حال التصريح عما كان عليه أو لا يتغير، إن تغير لم يجز الحمل، وذلك في بابين: الأول: اسم الفاعل والمفعول والصفة. الثاني: المصدر المنحل لأن مع الفعل نحو ضارب زيدا وعمرا، فسيبويه يمنعه (١)، وغيره يجيزه. وإن لم يتغير العامل جاز الحمل، وعدم تغير العامل هو الذي يعبرون عنه بالمحرز، وبهذا التقرير يعلم امتناع العطف على الموضع في نحو: إنّ زيدا قائم وعمرو، إذ لا محرز له. المبحث الثالث: ناقش الشيخ المصنف في كلامه من وجهين: أحدهما: قوله: رفع المعطوف على اسم إنّ واسم «إنّ» منصوب، قال: فكيف يجوز عطف المرفوع على المنصوب؟ والثاني: قوله: بإجماع، قال: وليس بصحيح، بل العطف بالرفع على موضع اسم إن فيه خلاف. والصحيح أن ذلك لا يجوز، والرفع إنما هو على الابتداء والخبر محذوف لدلالة الخبر قبله عليه (٢). انتهى. والجواب عن هاتين المناقشتين في غاية الظهور: أما الأولى: فإن العطف إذا قلنا: إنه على اسم «إنّ» جاز أن يقال في المرفوع إنه عطف على الاسم، لأن العطف على اسم له محل يصح فيه أن يقال: عطف عليه باعتبار لفظه وعطف عليه باعتبار محله، وفي كلتا الحالتين يصح أن يقال عطف الاسم ويطلق القول، وكيف يتخيل أن مرفوعا معطوف على منصوب أعني على لفظه. وأما الثانية: فإن قوله: بإجماع يتعلق بقوله: يجوز الرفع لا بقوله: المعطوف على اسم إنّ. وكيف يتوهم ذلك في المصنف [٢/ ١٣٥] مع قوله: وهذا العطف المشار إليه ليس من عطف المفردات - كما ظن بعضهم - بل هو من عطف الجمل فجعل -

стр. 1375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كونه من عطف الجمل هو قول الجمهور، وجعل كونه من عطف المفردات هو قول بعضهم، فكيف ينسب إليه بعد هذا أنه يدعى أنه معطوف على اسم «إن» بالإجماع، لأنه إذا كان معطوفا على اسم «إنّ» كان من عطف المفرد على المفرد بلا شك. وأما إطلاق المصنف عليه أنه معطوف على اسم «إنّ»، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه إطلاق مجازي لأنه في الصورة كالمعطوف عليه فشبه بالمعطوف على الاسم حقيقة. وإما أنه أرد العطف حقيقة، وذلك على قول من يرى أنه من عطف المفردات، ثم إنه صحح القول بأنه من عطف الجمل وهذا كما في كتب الفقه وغيرها، يذكر القول الضعيف ثم يذكر أن الأصح خلافه. المبحث الرابع: قد تقدم من كلام المصنف أن سيبويه غلط من قال: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيدا ذاهبان (١)، إلى آخره وأن المصنف قال: إن ذلك غير مرضيّ من سيبويه إلى آخر الكلام، فقال الشيخ بعد إيراده ذلك: وفهم - يعني المصنف - من كلام سيبويه أن ناسا من العرب يغلطون حقيقة الغلظ، وأنهم لحنوا في ذلك، قال: ولم يرد سيبويه هذا المفهوم الذي فهمه المصنف، وإنما يريد أنه لم يشارك في الناصب وكأنه لم يتقدم ناصب بل ابتدأ بالاسم مرفوعا فأتبعه مرفوعا، فصار كأنه لم يذكر الناصب. وسمي هذا غلطا مجازا لا على جهة الحقيقة. قال: ولم يفهم أحد من الشراح ولا الشيوخ المأخوذ عنهم هذا العلم عن سيبويه (٢) ما فهمه هذا المصنف، قال: وهذا كما قال في قوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ (٣)، فإنه - يعني سيبويه - سماه عطفا على التوهم كأنه قيل (أصدق، وأكن) ولا يريد التوهم حقيقة لاستحالة ذلك على الله تعالى، وإنما يريد أنه لم يتبع الثاني الأول في الإعراب، يعني بل راعى في إتباع الثاني الأول أمرا آخر يصح تلبس الأول به في هذا التركيب (٤). انتهى. -

стр. 1376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا الذي ذكره الشيخ عن الشراح والشيوخ من حمل كلام سيبويه على ما ذكروا هو الحق. وقبل وقوفي على كلام الشيخ قد كنت أفهم أن المراد من الغلط الذي أشار إليه سيبويه ما يقرب من المراد بالتوهم، أو ما هو المراد بالتوهم نفسه ولم أفهم منه أن المراد به الخطأ (١). المبحث الخامس: قال الشيخ: إن قول المصنف: بشرط خفاء إعراب الاسم يشمل أن يكون مبنيّا، وبه مثّلوه وأن يكون معربا لكن الإعراب فيه مقدر كالمقصور، والمضاف إلى ياء المتكلم. قال: وهو يحتاج إلى نقل مذهب الفراء في ذلك (٢). المبحث السادس: قد عرفت أن المصنف أجرى «أنّ» مجرى «إنّ» و «لكنّ» في رفع المعطوف على معنى الابتداء، وأنه قيد ذلك في الشرح بأن يتقدمها علم أو معناه فعلم أنه لا يجريها مجراها مطلقا، وذكر أن هذا مذهب سيبويه، وأنه جعل من هذا القبيل قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٢/ ١٣٦] وَرَسُولُهُ (٣). وأن قوما زعموا أن سيبويه إنما أورد الآية الكريمة بكسر الهمزة، وهي قراءة الحسن (٤)، واستبعد المصنف ذلك كما تقدم، فقال الشيخ (٥): ما زعمه قوم من إنه بكسر الهمزة هو مضبوط في الكتاب بكسر الهمزة مصححا في نسخ الشيوخ المأخوذ عنهم الكتاب رواية ودراية. قال: ويدل على ذلك أنه لم يذكر في باب ما كان محمولا على «إن» سوى «لكن» فقال (٦): و «لكن» بمنزلة «إن» فلو كانت «أن» بمنزلة إن في ذلك لذكرها كما ذكر لكن، إلا أنه ذكر في آخر هذه الأبواب قول الشاعر: ١٠٣٩ - وإلا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ... (٧) -

стр. 1377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال: كأنه قال: نحن بغاة ما بقينا وأنتم، فقال ابن خروف: هذا نص من سيبويه في المفتوحة أنه يحمل معها على الابتداء. قال الشيخ: وليس بنص، إذ يحتمل أن يكون من باب العطف على التوهم، ويحتمل أن يكون «وأنتم» معطوفا على مبتدأ محذوف تقديره: وإلا فاعملوا أنا نحن وأنتم بغاة، والجملة في موضع خبر أن كما قيل في إنك وزيد ذاهبان: إن التقدير إنك أنت وزيد ذاهبان. وأما من قرأ: أن الله برئ من المشركين بفتح همزة أن فيكون «ورسوله» معطوفا على الضمير المستكن في بريء، وحسن ذلك الفصل بالجار والمجرور، ثم قال (١): وفي هذا العطف بالرفع ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز مطلقا، وجعل أبو الفتح والأستاذ أبو علي قول الشاعر: ١٠٤٠ - فلا تحسبي أنّي تجشّمت بعدكم ... بشيء ولا أنّي من الموت أبرق ولا أنا ممّن يزدهيه وعيدكم ... ولا أنّني بالمشي في القيد أخرق (٢) من قبيل ما عطفت فيه الجملة على أنّ وصلتها، فجعلا قوله: «ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم» معطوفا على أنّ وصلتها وخرج غيرهما ذلك على أن يكون قوله: «ولا أنا من يزدهيه وعيدكم» جملة اعتراضية بين قوله «أنّي تجشمت» والمعطوف عليه الذي هو «ولا أنني بالمشي» لما فيها من التشديد والتأكيد (٣) وفي الإفصاح اختار ابن جني الجواز واحتج بقول القائل: ١٠٤١ - ولا أنا ممّن يزدهيه وعيدكم ولا حجة فيه لأنه استئناف كلام وقوله: «ولا أنني بالمشي»، استئناف آخر أراد: (ولا تحسبي أني بالمشي): فحذف لتقدم الذكر. الثاني: المنع مطلقا فلا يجوز العطف فيها على معنى الابتداء عند أكثر المحققين -

стр. 1378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأن المفتوحة وما عملت فيه يتقدر باسم مفرد، وفي البسيط: وأما (أن) فلا يعطف على موضعها عند المحققين، كأبي علي الفارسي (١) وغيره لأنها لا بد لها من عامل، فلا يبقى للابتداء فيها مساغ لدخول العامل اللفظي. الثالث: التفصيل بين أن يكون الموضع الذي وقعت فيه يجوز وقوع المفرد فيه ووقوع الجملة، أو يكون لا يقع فيه إلا المفرد. فإن كان مما لا يقع فيه إلا المفرد فلا يجوز العطف على موضع أنّ وصلتها [٢/ ١٣٧] نحو: بلغني أنّ زيدا قائم وعمرو. فإن ورد مثل هذا كان الخبر محذوفا والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على الجملة التي هي «بلغني أنّ زيدا قائم» عطف جملة اسمية على فعلية، وإن كان الموضع يصلح للمفرد والجملة جاز العطف على موضع أنّ وصلتها نحو قولك: أتقول أنّ زيدا قائم وعمرو؟ تريد وعمرو قائم (لأنّ أتقول يقع بعدها المفرد نحو: أتقول أن زيدا قائم والجملة نحو أتقول عمرو قائم) (٢). المبحث السابع: قد صرح المصنف فيما تقدم نقله عنه بأن الجرمي والزجاج والفراء أجازوا رفع نعت الاسم بعد الخبر وأنهم بمثل ذلك حكموا للتوكيد وعطف البيان، وهذا يقتضي أن الجرمي والزجاج يعتبرون محل إنّ مع وجودها، إذ الرفع في النعت والتوكيد وعطف البيان إنما يكون بالتبعية بخلاف رفع المنسوق، فإنه إذ ذاك لا تتعين التبعية فيه لأنه يكون مبتدأ محذوف الخبر كما تقدم، وقد قال الشيخ في شرح هذا الموضع - يعني بقوله: كالمنسوق: إنه إن كان العطف وعطف البيان والتوكيد بعد الخبر جاز الرفع عند الجرمي والزجاج والفراء ويعني بعد، ولكن فيقول: إن زيدا قائم العاقل، وإن (٣) زيدا قائم نفسه، وإن زيدا قائم بطنه، وأما قبل الخبر فالذي يقتضيه مذهب الفراء جواز الرفع بشرط خفاء إعراب الاسم، نحو: إن هذا العاقل قائم، وإن هذا -

стр. 1379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أخوك قائم، وإن هذا نفسه قائم، وأما الجرمي والزجاج فلا يجوز هذا عندهما لأنهما لا يريان العطف بالرفع قبل الخبر فلا يريان اتباع الاسم بهذه الثلاثة. انتهى (١). ولا شك أن من أجاز رفع الثلاثة - أعني النعت والتوكيد وعطف البيان - يلزمه أن يكون معتبرا محل الاسم أي موضعه من الرفع قبل دخول «إنّ» وعلى هذا لا يحتاج في المنسوق أن يجعله مبتدأ بل معطوفا على الاسم باعتبار المحل. المبحث الثامن: تقدم أن الكسائي يجيز رفع المعطوف على أول مفعولي «ظن» إن خفي إعراب ثانيهما نحو: ظننت زيدا صديقي وعمرو. قال الشيخ: هكذا مثل المصنف هذه المسألة. قال: والذي حكاه الفراء عن الكسائي أنه أجاز: أظن عبد الله وزيد مالهما كثير، فرفع زيدا في كل ما كان خبره وخبر المنصوب مستويين، وكان لا يجيز: أظن عبد الله وزيد قائمين ولا قائما، لأن الرفع والنصب يستبين في قائمين. ثم كأن الفراء لم يقبل ذلك منه، قال الشيخ: والقول عند البصريين قول الفراء، ثم قال: واتضح أن تصوير المصنف وتمثيله الذي ذكره خطأ. انتهى (٢). وإنما كان له أن يحكم بخطأ المصنف أن لو نقل الفراء أنّ الكسائي لا يجيز المسألة التي ذكرها المصنف ومثل بها. غاية ما في الباب أن الفراء ذكر مسألة والمصنف ذكر [٢/ ١٣٨] أخرى، ولا مانع من أن يكون الكسائي قائلا بكلّ منهما، وقد ذكر الشيخ ها هنا عدة مسائل من أبواب تركت إيرادها خوف الإطالة (٣). * * *

стр. 1380

الباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنّ [بناء الاسم المفرد على الفتح ونصب المضاف] قال ابن مالك: (إذا لم تكرّر «لا» وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها غير معمول لغيرها، عملت عمل «إنّ» إلّا أنّ الاسم إذا لم يكن مضافا ولا شبيها به ركب معها، وبني على ما كان ينصب به، والفتح في نحو «ولا لذّات للشّيب» أولى من الكسر. ورفع الخبر إن لم يركّب الاسم مع «لا» بها عند الجميع، وكذا مع التّركيب على الأصحّ. وإذا علم كثر حذفه عند الحجازيين، ولم يلفظ به عند التميميين، وربّما أبقي وحذف الاسم. ولا عمل لـ «لا» في لفظ المثنّى من نحو «لا رجلين فيها» خلافا للمبرد، وليست الفتحة في نحو «لا أحد فيها» إعرابيّة، خلافا للزّجّاج والسّيرافي، ودخول الباء على «لا» يمنع التّركيب غالبا، وربّما ركّبت النّكرة مع «لا» الزّائدة. وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب، ونزع التّنوين والنّون إن وليه مجرور بلام معلّقة بمحذوف غير خبر، فإن فصلها جارّ آخر أو ظرف؛ امتنعت المسألة في الاختيار خلافا ليونس. وقد يقال في الشّعر: «لا أباك» وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل فينزع تنوينه). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): إذا قصد بلا نفي الجنس على سبيل الاستغراق ورفع احتمال الخصوص؛ اختصت بالأسماء، لأن قصد ذلك يستلزم وجود (من) الجنسية لفظا، أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات، فوجب لـ «لا» عند ذلك القصد عمل فيما يليها من نكرة (٢)، وذلك العمل إما جرّ، وإما نصب وإما رفع، فلم يكن جرّا لئلا يتوهم أنه من المنويّة، فإنها في حكم الموجودة لظهورها في بعض الأحيان كقول الشاعر: -

стр. 1381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٤٢ - فقام يذود النّاس عنها بسيفه ... وقال ألا لا من سبيل إلى هند (١) ولأن عامل الجر لا يستقل كلام به وبمعموله، ولا يستحق التصدير، «ولا» المذكورة بخلاف ذلك، ولم يكن عملها فيما يليها رفعا، لئلا يتوهم أن عامله الابتداء، فإن موضعها موضع المبتدأ (٢). ولأنها لو رفعت ما يليها عند قصد التنصيص على العموم لم يحصل الغرض (٣) لأنها على ذلك التقدير بمنزلة المحمولة على «ليس» وهي لا تنصيص فيها على العموم، فلما امتنع أن تعمل فيما وليها جرّا ورفعا مع استحقاقها عملا تعين أن يكون نصبا، ولما لم يستغن بما يليها عن جزء ثان عملت فيه رفعا، لأنه عمل لا يستغنى بغيره عنه في شيء من الجمل. وأيضا فإن إعمال لا [٢/ ١٣٩] هذا العمل إلحاق لها «بإنّ» لمشابهتها في التصدير والدخول على المبتدأ والخبر، وإفادة التوكيد، فإن «لا» لتوكيد النفي، وإنّ لتوكيد الإثبات، ولفظ «لا» مساو للفظ «إنّ» إذا خففت. وأيضا فإن «لا» تقترن بهمزة الاستفهام ويراد بها التمني (٤)، فيجب إلحاقها «بليت» في العمل، ثم حملت في سائر أحوالها على حالها في التمني (٥)، ولا يجب أن تعمل «لا» هذا العمل مع القصد المذكور إذا كررت بل إذا كررت جاز إعمالها وإلغاؤها (٦)، فجواز -

стр. 1382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إعمالها لعدم تغير حالها وحال مصحوبها، وجواز إلغائها لشبهها بالمكررة مع المعرفة فلجواز الوجهين مع التكرير شرطت انتفاءه في وجوب العمل، فقلت: إذا لم تكرر «لا» وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها، فعلم بهذا أنها لا تعمل في معرفة (١)، ولا في منفصل (٢)، واحترزت بقولي: (غير معمول لغيرها) من نحو قوله تعالى: لا مَرْحَباً بِهِمْ (٣) (٤) ثم أشرت إلى أن اسمها ينقسم إلى مفرد وإلى مضاف وإلى مشبه به، وخصصت المفرد بالتركيب والبناء فعلم بذلك أن الآخرين منصوبان نصبا صريحا، نحو: لا صاحب برّ مذموم، ولا راغبا في الشر محمود (٥)، وتناول قولي: «بني على ما كان ينصب به» المبني على فتحة (٦) نحو: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [الصافات: ٣٥]، [وقوله تعالى]: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ (٧) والمبني على «ياء» مفتوح ما قبلها كقول الشاعر: ١٠٤٣ - تعزّ فلا إلفين بالعيش متّعا ... ولكن لورّاد المنون تتابع (٨) -

стр. 1383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمبني على ياء مكسور ما قبلها كقول الشاعر: ١٠٤٤ - يحشر النّاس لا بنين ولا آ ... باء إلّا وقد عنتهم شؤون (١) والمبني على كسرة كقول سلامة بن جندل: ١٠٤٥ - إنّ الشّباب الّذي مجد عواقبه ... فيه نلذّ ولا لذّات للشّيب (٢) يروى بكسر التاء وفتحها، والفتح أشهر وبالوجهين أنشد قول الآخر: ١٠٤٦ - لا سابغات ولا جأواء باسلة ... تقي المنون لدى استيفاء آجال (٣) وزعم أبو الحسن بن عصفور أن الفتح في مثل هذا لازم (٤). والصحيح جواز الفتح والكسر ثم أشرت إلى أنه لا خلاف في كون الخبر مرفوعا «بلا» إذا لم يركب الاسم معها (٥)، ثم قلت: هو كذا مع التركيب على الأصح (٦)، فنبهت -

стр. 1384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بذلك على ما ذهب إليه سيبويه من أن الخبر مع التركيب مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول «لا» (١)، لأن شبهها «بإنّ» ضعف حين ركبت وصارت كجزء كلمة وجزء الكلمة لا يعمل، ومقتضى هذا أن يبطل عملها في الاسم والخبر، لكن أبقي عملها في أقرب المعمولين، وجعلت هي ومعمولها بمنزلة مبتدأ والخبر بعدهما على ما كان عليه مع التجرد، وغير ما ذهب إليه سيبويه أولى (٢)، لأن كل ما استحقت «لا» به العمل من المناسبات السابق ذكرها باق، فليبق ما ثبت بسببه، ولا يضر التركيب، كما لم يضر «إنّ» صيرورتها بفتح الهمزة مع معمولها كشيء واحد، ولو كان جعل «لا» مع اسمها كشيء واحد مانعا من العمل في [٢/ ١٤٠] الخبر لمنعها من العمل في الاسم، لأن أحد جزأي كلمة «لا» يعمل في الآخر، ولا خلاف في أن التركيب لم يمنع عملها في الاسم (٣)، فلا يمنع عملها في الخبر. وأيضا فإن عمل «لا» في الخبر أولى من عملها في الاسم. لأن تأثيرها في معناه أشد من تأثيرها في معنى الاسم، والإعراب إنما جيء به في الأصل للدلالة على المعنى الحادث بالعامل، وإنما لم يكن خلافا في ارتفاع الخبر «بلا» غير المركبة لأن مانع التركيب هو كون الاسم مضافا أو شبيها به، وكلاهما صالح للابتداء به مجردا عن «لا» كما أن اسم «لا» صالح للابتداء به مجردا عن «إنّ» وليس كذلك مصحوب «لا» المركب، فإنّ تجرده من «لا» يبطل الابتداء به لأنه نكرة لا مسوغ معها، وإذا اقترنت «بلا» كانت بمنزلة نكرة ابتدئ بها لاعتمادها على نفي. ثم أشرت إلى حذف الخبر وهو على ثلاثة أقسام: ممتنع، وجائز، وواجب. فالمتنع حذفه في موضع لا دليل فيه من لفظ ولا معنى، كقولك مبتدئا مقتصرا: «لا رجل»، فمثل هذا لا يعد كلاما عند أحد من العرب، لأن المخاطب لا يستفيد -

стр. 1385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منه شيئا، وأما الجائز والواجب فحذف ما دل عليه دليل، كقولك: «لا رجل» لمن قال: هل في الدار رجل؟ وكقولك للشاكي: «لا بأس» تحذف «فيها» من الأول، «وعليك» من الآخر، فمثل هذا يجوز فيه الحذف والإثبات عند الحجازيين، ولا يلفظ به التميميون ولا الطائيون أصلا، بل الحذف عندهم واجب بشرط ظهور المعنى (١)، ومن نسب إليهم التزام الحذف مطلقا أو بشرط كونه ظرفا، فليس بمصيب. وإن رزق من الشهرة أوفر نصيب (٢). وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع «إلا» نحو: «لا إله إلّا الله» (٣) ومن حذفه دون «إلا» قوله تعالى: قالُوا لا ضَيْرَ (٤). وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ (٥) ومنه قول النبي ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» (٦)، «ولا عدوى ولا طيرة» (٧). ومن استعمال الخبر منطوقا به في لغة غير الحجازيين قول حاتم (٨): ١٠٤٧ - وردّ جازرهم حرفا مضرّبة ... ولا كريم من الولدان مصبوح (٩) فمصبوح خبر لا صفة لعدم الحاجة إلى تقدير، وربما حذف الاسم للعلم به، -

стр. 1386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبقي الخبر، كقولهم: «لا عليك» أي لا بأس عليك، وخالف المبرد سيبويه في اسم «لا» المثنى نحو: لا رجلين فيها، فزعم أنه معرب، واحتج له بأمرين، أحدهما: أنه بزيادة الياء والنون أشبه المطول المستحق للنصب نحو: لا خيرا من زيد هنا. (١) والثاني: أن العرب تقول: أعجبني يوما زرتني، فتفتح، وأعجبني يوما زرتني فتعرب، وكلا الحجتين ضعيفة: أما الأولى: فمعارضة بأن شبه لا رجلين بيا رجلان أقوى من شبهه بـ «لا خيرا من زيد» وقد سوى بين «يا رجلان» و «يا رجل» فليسوّ بين «لا رجلين» و «لا رجل» (٢). وأما الثانية: فضعفها بيّن أيضا وذلك أن بناء يوم، وشبهه حين أضيف إلى الجملة، فإنما (٣) كان لشبهه «بإذ» لفظا ومعنى، فلما بني خالفه، بلحاق علامة التثنية، [٢/ ١٤١] ويكون اليوم إذا ثني مؤقتا، والحمل على «إذ» لا يكون مؤقتا، وإنما يكون يكون مبهما أي صالحا لنهار وليلة، وللقليل والكثير، واليوم المفرد بهذه المنزلة كقوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ (٤) وكقوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٥). المعنى: وحين يقول كن فيكون قوله الحق وكل حين هو في شأن. والحاصل: أن «يوما» لإبهامه أشبه «إذ» فحمل عليه في البناء إذ استعمل استعماله، فإذا ثني زال إبهامه، فلم يصح أن يحمل على «إذ» للزوم إبهامها وصلاحيتها لكل زمان ماض، ليلا كان أو نهارا، قليلا كان أو كثيرا. وزعم أبو إسحاق الزجاج (٦) والسيرافي أن فتحة «لا رجل» وشبهه فتحة إعراب وأن التنوين حذف منه تخفيفا ولشبهه بالمركب (٧)، وهذا الرأي لو لم يكن في كلام العرب ما يبطله لبطل بكونه مستلزما مخالفة النظائر، فإن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء لا يكون إلا لمنع الصرف، أو للإضافة أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في علم موصوف بابن مضاف إلى علم أو لملاقاة ساكن. أو لوقف، أو لبناء. -

стр. 1387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والاسم المشار إليه ليس ممنوعا من الصرف ولا مضافا، ولا ذا ألف ولام، ولا علما موصوفا بابن، ولا ذا التقاء الساكين، ولا موقوفا عليه، فتعين كونه مبنيا، كيف وقد روى عن العرب: (جئت بلا شيء) بالفتح وسقوط التنوين (١)، كما قالوا: (جئت بخمسة عشر)، والجار لا يلغى ولا يعلق فثبت البناء بذلك يقينا، والعجب من الزجاج والسيرافي، في زعمهما أن ما ذهب إليه من أن فتحة «لا رجل» وشبهه، فتحه إعراب هو مذهب سيبويه، إسنادا إلى قوله في الباب الأول من أبواب «لا»: و «لا» تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين (٢)، وغفلا عن قوله في الباب الثاني: وعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل لك، فإنما يذهب منه التنوين، كما أذهب من خمسة عشر، لا كما أذهب من المضاف (٣)، فهذا نص لا احتمال فيه، قلت: ومما يدل على أن الفتحة المشار إليها فتحه بناء، لا فتحة إعراب، ثبوتها في: ١٠٤٨ - ولا لذات للشيب (٤) وتوجيه رواية الكسر على أن يكون «لذات» منصوبا لكونه مضافا، أو مشبها بالمضاف على نحو ما يوجه به لا أبا لك، ولا يدي لك، وسيأتي بيان ذلك مستوفى بعون الله. وقد قال سيبويه - في الثاني من أبواب لا في النفي -: «اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع، إذا قلت: لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثل زيد، فعلم بهذا أن فتحة ميم «لا غلام لك» عنده كفتحة لام لا مثل زيد (٥)، لأنهما عنده سيان في الإضافة، فعلى هذا تكون كسرة «لذات» كسرة إعراب، لكونه مضافا، واللام مقحمة، وهذا واضح بلا تكلف، وندر تركيب النكرة مع «لا» الزائدة (٦) كقول الشاعر: ١٠٤٩ - لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إذن لزار ذوو أحسابها عمرا (٧) وهذا من التشبيه الملحوظ فيه مجرد اللفظ، وهو نظير تشبيه «ما» الموصولة -

стр. 1388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بـ «ما» النافية في قول الشاعر [٢/ ١٤٢]: ١٠٥٠ - يرجّى المرء ما إن لا يراه ... ويعرض دون أدناه الخطوب (١) فزاد «إن» بعد «ما» الموصولة، وإنما تزاد بعد النافية لكن سوغ ذلك كون اللفظ واحدا، والمشهور الوارد على القياس أن يقال في اسم «لا» إذا كان أبا أو أخا: لا أب له، ولا أخ لك، كما قال نهار اليشكري: ١٠٥١ - أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم (٢) وأن يقال فيه إذا كان مثنّى أو شبهه، كما قال الشاعر: ١٠٥٢ - تأمّل فلا عينين للمرء صارفا ... عنايته عن مظهر العبرات (٣) وكما قال الآخر: ١٠٥٣ - أرى الرّبع لا أهلين في عرصاته ... ومن قبل عن أهليه كان يضيق (٤) وقد كثر في الكلام مع مخالفته القياس نحو لا أبا لك، ولا أخا له، ولا غلامي لك (٥). فمن ذلك قول الراجز (٦): -

стр. 1389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٥٤ - أهدموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنّك لا أخا لكا وأنا أمشي الدّألى حوالكا (١) ومثال لا غلامي لك قول الشاعر: ١٠٥٥ - لا تعبأنّ بما أسبابه عسرت ... فلا يدي لامرئ إلّا بما قدرا (٢) ولم يرد هذا الاستعمال في غير ضرورة إلا مع اللام، وقد تحذف في الضرورة وكقول الشاعر: ١٠٥٦ - وقد مات شمّاخ ومات مزرد ... وأيّ كريم لا أباك مخلّد (٣) وقال آخر: ١٠٥٧ - أبالموت الّذي لا بدّ أنّي ... ملاق لا أباك تخوّفيني (٤) -

стр. 1390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومذهب أكثر النحويين في هذا النوع أنه مضاف إلى المجرور باللام، وأن اللام مقحمة لا اعتداد (١) بها كما لا اعتداد باللام في قول الشاعر: ١٠٥٨ - يا بؤس للحرب الّتي ... وضعت أراهط فاستراحوا (٢) وهذا القول، وإن كان قول أكثر النحويين - لا أرتضيه، لأن الإضافة التي ادعيت في الأمثلة المشار إليها إما محضة، وإما غير محضة، فإن كانت محضة لزم كون اسم «لا» معرفة، وهو غير جائز، ولا عذر في الانفصال باللام لأن نية الإضافة المحضة كافية في التعريف مع كون المضاف غير مهيأ للإضافة كقوله تعالى: وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ (٣) ولِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (٤)، وما نحن بسبيله مهيأ للإضافة، فهو أحق بتأثيريّة الإضافة فيه (٥). وإن كانت الإضافة المدعاة غير محضة (٦)؛ لزم من ذلك مخالفة النظائر، لأن المضاف إضافة غير محضة لا بد من كونه عاملا عمل الفعل، لشبهه به لفظا ومعنى، نحو: هذا ضارب زيد الآن وحسن الوجه، أو معطوفا على ما لا يكون إلا نكرة، نحو: رب رجل وأخيه، وكم ناقة وفصيلها (٧). والأسماء المشار إليها بخلاف -

стр. 1391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك، فلا تكون إضافتها غير محضة (١)، وأيضا فلو كانت مضافة وإضافتها [٢/ ١٤٣] غير محضة لم يلق بها أن تؤكد معناها بإقحام اللام، لأن المؤكد معتنى به، وما ليس محضا لا يعتنى به فيؤكد، ولذلك قبح توكيد الفعل الملغى، لأنه مذكور في حكم المسكوت عنه، وقول من قال: «يا بؤس للحرب»، وهو يريد: يا بؤس الحرب، سهله كون إضافته محضة على أن لقائل أن يجعل أصله يا بؤسى للحرب، ثم حذفت الألف للضرورة، وهي مرادة (٢)، فلا إضافة ولا إقحام، وأيضا لو كانت إضافة الأسماء المشار إليها غير محضة مع «لا» لكانت كذلك مع غيرها، إذ لا شيء مما يضافة إضافة غير محضة إلا وهو كذلك مع كل عامل، ومعلوم أن إضافتها في غير هذا الباب محضة، فيجب أن لا تكون في هذا الباب، وإلا لزم عدم النظير. وممّا يدل على ضعف القول بكون الأسماء المشار إليها مضافة قولهم: لا أبا لي ولا أخا لي فلو كانوا قاصدين الإضافة، لقالوا: لا أب لي، ولا أخ لي، فيكسرون الباء والخاء إشعارا بأنها متصلة بالياء تقديرا، فإن اللام لا اعتداد بها على ذلك التقدير، وإذ لم يفعلوا ذلك فلا ارتياب في كونهم لم يقصدوا الإضافة، ولكنهم قصدوا إعطاء الأسماء المذكورة حكم المضاف إذا كانت موصوفة بلام الجر، ومجرورها، ولم يفصل بينهما (٣)، وذلك أن الصفة يتكمل بها الموصوف كما يتكمل المضاف بالمضاف إليه، فإذا انضم إلى ذلك كون الموصوف معلوم الافتقار إلى مضاف إليه، وكون الصفة متصلة بالموصوف، وكونها باللام التي يلازم معناها -

стр. 1392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإضافة غالبا، وكون المجرور صالحا، لأن يضاف إليه الأول، تأكّد شبه الموصوف بالمضاف، فجاز أن يجري مجراه فيما ذكر من الحذف والإثبات، فمن ثم لم يبالوا بفيك أن يجرى هذا المجرى كقول الشاعر (١): ١٠٥٩ - وداهية من دواهي المنو ... ن يرهبها النّاس لا فا لها (٢) فنصبه بالألف كما ينصبه الإضافة، وممّن ذهب في هذه المسألة إلى ما ذهبت إليه ابن كيسان وهشام الكوفي بشرط كون اللام ومجرورها غير خبر (٣). فإن كان هو الخبر تعين إثبات النون، وحذف الألف بإجماع، وكذ إن لم يل اللام ومجرورها، أو كان موضع اللام حرف غيرها، وأجاز يونس (٤) المعاملة المذكورة مطلقا مع فصل اللام بظرف أو جار غيرها نحو لا يدي بها لك، ولا غلامي عندك لزيد. وأشار سيبويه إلى جواز ذلك في الضرورة (٥)، ولا تختص هذه المعاملة بالمثنى، وأب وأخ وأخواتهما، بل هي جائزة في كل ما وليه لام جر معلقة بمحذوف غير خبر حتى في: «لا غلام لك»، و «لا بني لك»، و «لا بنات لك»، ولا عشرى لك. وقد فهم ذلك من قولي: وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب، ونزع التنوين والنون، فدل ذكر الإعراب على أن فتحة لا غلام لك قد تكون [٢/ ١٤٤] إعرابا، وأنه يقال: لا أبا لك، ولا أخا لك، ولا غلامي لك ولا بني لك، ولا بنات لك، ودل ذكر نزع التنوين والنون على أن تنوين (لا غلام لك) أزيل لما أزيل له نون (لا غلامي لك)، وذلك كله مفهوم قول سيبويه، فلو جعل اللام ومجرورها خبرا تعين البناء، وتوابعه، ولو تعلقت اللام بالاسم تعين الإعراب وتوابعه غالبا نحو: لا واهبا لك درهما، -

стр. 1393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واحترزت بغالبا من قول الشاعر: ١٠٦٠ - أراني ولا كفران لله آية ... لنفسي قد طالبت غير منيل (١) أنشده أبو علي في التذكرة، وقال: إن آية منصوب بكفران، أي لا أكفر الله رحمة لنفسي، ولا يجوز نصب آية بأوّيت مضمرا، لئلا يلزم من ذلك اعتراض بين مفعولي أرى بجملتين. إحداهما: «لا» واسمها وخبرها. والثانية: أوّيت ومعناه: رفعت (٢). وإلى كفران لله آية أشرت بقولي: وقد يحمل على المضاف مشابهة بالعمل، ويمكن أن يكون من هذا قول النبي ﷺ : «لا صمت يوم إلى اللّيل» (٣) على رفع يوم بالمصدر على تقديره بأن وفعل ما لم يسم فاعله، ولا يستغنى عن اللام بعد ما أعطى حكم المضاف من الأسماء المذكورة إلا بعد «أب» في الضرورة، كقول الشاعر: ١٠٦١ - وقد مات شمّاخ ومات مزرد ... وأيّ كريم لا أباك مخلّد (٤) وكقول الآخر: ١٠٦٢ - أبالموت الّذي لا بدّ أنّي ... ملاق لا أباك تخوّفيني (٥) أراد: لا أبا لك ولا أباك. كذا زعموا وهو عندي بعيد، لأنه إن كان الأمر كذلك، لم يخل من أن يكون «أب» مضافا إلى الكاف عاملا فيها أو يكون مقدر الانفصال باللام، وهي العاملة في الكاف مع حذفها، فالأول ممنوع لاستلزامه تعريف اسم «لا» أو تقدير عدم تمحّض الإضافة فيما إضافته محضة. والثاني ممنوع لاستلزامه وجود ضمير متصل، معمول العامل غير منطوق به، وهو شيء لا يعلم له نظير، فوجب الإعراض -

стр. 1394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه والتبرؤ منه، والوجه عندي في أباك ولا أباك، أن يكون دعاء على المخاطب بأن لا يأباه الموت، وهذا توجيه ليس فيه من التكلف شيء والحمد لله. هذا آخر كلام المصنف (١)، ويتعلق ببعضه وبمسائل الفصل مباحث: منها: أنه شرط في الاسم الذي تعمل فيه «لا» إذا وليها أن يكون غير معمول لغيرها احترازا من نحو قوله تعالى: لا مَرْحَباً بِهِمْ (٢)، فقال الشيخ: لا يحتاج إلى احتراز من هذا ولا إلى ذكره، لأن مرحبا لم يل «لا»، بل هو منصوب بفعل مقدر، فالذي ولي «لا» إنما هو ذلك الفعل المحذوف، لا الاسم النكرة (٣). والذي قاله الشيخ ظاهر لكن قد يعتذر عن المصنف [٢/ ١٤٥] بأن (مرحبا) قد ولي «لا» لفظا، فاحترز عنه، لدخوله في كلامه المتقدم صورة. قال الشيخ: ولأنه أيضا قد خرج هذا بقوله: وقصد خلوص العموم باسم نكرة، وفي «لا مرحبا» لم يقصد ذلك باسم نكرة، فلم يندرج فيما قبله ليحترز عنه (٤). ومنها: أن غير المصنف زاد في الشروط شرطا آخر، وهو أن لا يقع بين عامل ومعمول (٥) نحو قولك: جئت بلا زاد، لأن ما ذكره المصنف من الأمور الموجبة للعمل موجود فيها، ومع ذلك لا يعمل، قلت: قد استغنى المصنف عن ذكر ذلك بقوله: ودخول الباء على «لا» يمنع التركيب غالبا (٦)، بل أفاد بقوله: «غالبا» أنها -

стр. 1395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قد تعمل مع دخول الباء فكأن ما فعله أولى (١). ومنها: أن المصنف وقع في كلامه المتقدم أن «لا» لتوكيد النفي، وإنّ لتوكيد الإثبات فقال الشيخ: إن «لا» ليست لتأكيد النفي، بل لتأسيس النفي إذ لم تدخل على شيء منفيّ، فأكدت، إنما استفيد النفي منها، بخلاف «إنّ» فإنها لتأكيد الإثبات كما قال. انتهى (٢)، والذي قاله المصنف هو الجاري على الألسنة، فلا تزال تسمع قولهم: «إنّ» لتوكيد الإثبات، و «لا» لتوكيد النفي، والذي يظهر أن «لا» هذه لما كانت تفيد عموم النفي نصّا دون غيرها تخيل فيها كأنها بعد إفادة النفي المحتمل للعموم أفادت بهذا العمل الخاص، النفي العام صريحا، ودفعت الاحتمال الذي كان، فمن ثم قيل: إنها لتأكيد النفي. ومنها: أنهم ذكروا أن عمل «لا» عمل «إنّ» هو فرع فرع (٣)، لأنها حملت على «إن» فهي فرع، وإنّ حملت على ضرب زيدا عمرو، فإن فرع، وضرب زيدا عمرو، فرع (ضرب عمرو زيدا) (٤). ومنها: أن المشهور أن الموجب لعمل «لا» شبهها (٥) بإنّ كما تقدم، والمصنف قد ذكر ذلك، ولكنه قدم قبله أن «لا» إنما عملت هذا العمل لأنها اختصت بالاسم، لما قصد بها عموم النفي، فوجب لها العمل للاختصاص، وامتنع العمل أن يكون جرّا أو رفعا كما ذكره، فتعين أن يكون نصبا. وعلى هذا لا يكون عملها بالحمل على «إنّ»، -

стр. 1396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحق أن عمل «لا» يجوز أن يعلل بكل من الأمرين على انفراده، والمصنف قد جمع منهما، لا على أن كلّا منهما جزء علة، بل على أنه مستقل بالعلية. ومنها: أنهم اختلفوا في علة بناء المفرد مع «لا»، فقال قائلون: العلة في ذلك تضمن الاسم معنى «من»، وقال قائلون: العلة فيه التركيب (١)، وهذا ظاهر كلام المصنف فإنه قال في شرح الكافية: فإن كان مفردا بني معها على الفتح تشبيها بخمسة عشر (٢). وأما التعليل الأول، فهو اختيار ابن عصفور (٣)، وهو غير ظاهر، فإن الاسم من قولنا «لا رجل» لم يتضمن «من»، ولهذا رد ابن الضائع قول ابن عصفور، وقال: لم يتضمن الاسم معنى [٢/ ١٤٦] «من» والذي يظهر أن معنى «من» مفهوم من مجموع الكلمتين لا من كل منهما بمفرده، فالمتضمن لمعنى «من» إذا إنما هو «لا» مع «رجل» في قولنا: لا رجل (٤) ثم قوى ابن الضائع البناء للتركيب بشيء آخر وهو بناء الاسم مع صفته، وجعل ابن هشام البناء للتركيب مذهب سيبويه (٥) والجماعة، فقال: مذهبهم أن العرب ركبت «لا» مع الاسم، وجعلتهما كلمة واحدة، فبنوا الاسم للتركيب كخمسة عشر. ودليل ذلك أنه إذا فصل بينهما أعربوا الاسم نحو: لا في الدار رجل ولا امرأة، وأن قوما من الحجاز يقولون: لا رجل أفضل من زيد، في التزام التنكير، وترك تقديم الخبر وعدم الفصل، وأن المعنى استغراق الجنس، وقد أعربوا، لكنهم لم يقصدوا التركيب، وفيها معنى (٦) «من» في هذه المواضع كلها لأنها تعطي الاستغراق. ومنها: أن المصنف ذكر أن الصحيح في نحو: -

стр. 1397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٦٣ - ... ولا لذات للشيب (١) جواز الفتح والكسر، وذكر أن ابن عصفور أوجب الفتح، والذي ذكره عنه هو الذي أورده في المقرب (٢)، ولكنه ذكر في شرح الجمل خلاف ذلك، فإنه قال: فإن دخلت على جمع سلامة بالألف والتاء مثل أذرعات، ففيها خلاف، فمن قال إن الحركة في: «لا رجل» حركة إعراب يقول في النصب هنا: لا أذرعات بالكسر أي بغير تنوين ومن قال: إنها حركة بناء يقول: لا أذرعات بالفتح، ولا يجوز الكسر، لأن الحركة ليست عنده لأذرعات خاصة، وإنما هي لأذرعات و «لا»، وهذا الذي قال باطل، ثم قال: والكسر هو الصحيح، وبه ورد السماع، وأنشد البيت الذي فيه: «ولا لذات للشيب». وقال: فإنه روي بكسر التاء من «لذات» (٣). وقد تضمن شرح الشيخ ذكر أربعة مذاهب في هذه المسألة: أحدها: الكسر مع التنوين، وهو مذهب ابن خروف، وقوم من النحويين سبقوه إلى ذلك. الثاني: الكسر بلا تنوين وهو مذهب الأكثرين. الثالث: الفتح وهو مذهب المازني والفارسي. الرابع: جواز الكسر والفتح من غير تنوين في الحالين. قال الشيخ: وهو الصحيح وبه ورد السماع (٤). انتهى. فقد ثبت أن الأصح من هذه المذاهب جواز الوجهين، وهو الذي ذكره المصنف وأنه هو الصحيح. ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف خالف سيبويه، فجعل «لا» عاملة في الخبر إذا ركب الاسم معها، كما أنها عاملة فيه إذا لم يكن تركيب - قال الشيخ: -

стр. 1398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا الذي اختاره (١) يعني المصنف هو مذهب الأخفش والمازني (٢) وأبي العباس، وجماعة ذهبوا إلى أن «لا» هي العاملة في الخبر الرفع إجراء لها مجرى «إنّ»، وذهب غيرهم من النحويين إلى أنها لم تعمل في الخبر شيئا، بل النكرة مع «لا» العاملة [٢/ ١٤٧] فيها في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدهما خبر للابتداء، كما أن النكرة مع «من» في قولك: «هل من رجل قائم» في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدها خبر للمبتدأ (٣). وهذا المذهب هو الظاهر من كلام سيبويه وهو الصحيح، والدليل على ذلك أنه يجوز أن يحمل جميع توابعها (٤) قبل أن يأتي الخبر (٥)، كما يجوز أن تحمل توابع النكرة المجرورة (بمن) في قولك: هل من رجل في الدار على الموضع قبل الخبر. فتقول: (لا رجل عاقل في الدار)، و (لا رجل وامرأة في الدار)، كما تقول: (هل من رجل عاقل في الدار وهل من رجل وامرأة في الدار) فلولا أنها مع «لا» محكوم لها بحكم اسم مبتدأ، لما جاز الحمل على الموضع قبل الخبر كما لم يجز الحمل على موضع «إنّ» قبل الخبر وثمرة الخلاف تظهر في نحو: قولك: (لا رجل وامرأة قائمان)، فعلى مذهب الأخفش، لا يجوز ذلك، لأنه يؤدي إلى إعمال عاملين في معمول واحد لأن لا هي العاملة في الخبر على رأيه، فإذا قلت: (لا رجل وامرأة عاقلان)؛ كان عاقلان قد عمل فيه «لا» من حيث هو خبر لاسمها. وتعمل فيه امرأة من حيث هو خبرها، ولا يجوز ذلك، وعلى المذهب الآخر يجوز لأنهما اسمان مبتدآن معطوف أحدهما على الآخر، كما تقول زيد وعمرو قائمان. وأما إذا كان الخبر مما يصلح أن يكون لأحدهما نحو قول الشاعر (٦): -

стр. 1399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٦٤ - فلا لغو ولا تأثيم فيها (١) ففيها خبر عن الاسمين على ظاهر قول سيبويه، وخبر عن أحدهما، وخبر الآخر محذوف على قول أبي الحسن. انتهى (٢). واعلم أن الاستدلال للمذهب المنسوب إلى سيبويه بجواز حمل التوابع على الموضع قبل الخبر، لم يظهر لي وجه صحته، فإن حمل التابع على الموضع جائز قبل الخبر، إذا كان اسم «لا» غير مركب معها أيضا، ولا شك أن «لا» عاملة حينئذ في الخبر إجماعا، فدل ذلك على أن حمل التوابع على الموضع قبل الخبر، لا أثر له في كون لا غير عاملة في الخبر (٣) وإذا لم يتبين صحة الدليل الذي ذكره ثم الدليل الذي ذكره المصنف. ومنها: أن المصنف قصر خلاف المبرد على المثنى حيث قال: ولا عمل للا في لفظ المثنى من نحو: لا رجلين فيها، خلافا للمبرد، والمبرد كما خالف في المثنى خالف في المجموع على حده (٤)، قال ابن عصفور: فإن كان مثنّى أو مجموعا جمع سلامة لمذكر فاختلف النحويون فيه، فمذهب سيبويه أنه مبني ومذهب أبي العباسي المبرد أنه معرب. انتهى (٥). ومن ثم قال الشيخ: «في عبارة المصنف قصور، لأنه قصر هذا الحكم على المثنى، والخلاف في الجمع الذي على حد التثنية كالخلاف في التثنية» (٦). -

стр. 1400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أنك عرفت أن في نحو: «لا أبا لك» مذهبين للنحويين، وقد ذكر الشيخ مذهبا ثالثا: وهو أن: (لا) (١) أبا لك، ولا أخا لك - إنما جاء على لغة القصر فقولنا: لا أبا لك، كقولنا: لا أب لك (٢). ولا يخفى ضعف هذا القول لأمرين [٢/ ١٤٨]. أحدهما: أن نحو «لا أبا لك» يتكلم به من ليس لغته قصر الأسماء المذكورة. الثاني: قول الشاعر: ١٠٦٥ - فلا يدي لامرئ إلا بما قدرا (٣) وهذا ظاهر، فإذا لا معول على هذا المذهب، بل لا ينبغي ذكره. واعلم بأن قول المصنف فيما تقدم والخاء إشعارا بأنها متصلة بالباء تقديرا إلى آخره فيه نظر لأنه لا يلزم كسر ما قبل ياء المتكلم إلا إذا فضل بها لفظا. وأما قوله: (فإن اللام لا اعتداد بها) فصحيح من حيث المعنى، وأما من حيث اللفظ فيجب أن يعتد بها، ولا شك أن اللام هى الجارة للضمير لفظا، وقد أوردوا هذا سؤالا فقالو: إذا كان الأب من قولهم: «لا أبا لك» مضافا لما بعده، فكيف ساغ للعرب أن تقول: لا أبا لي بإثبات الألف، ولا أخا لي. قال الأعشى (٤): ١٠٦٦ - فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة ... وإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا (٥) -

стр. 1401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال آخر (١): ١٠٦٧ - وذي أخوّة قطّعت أسباب بينهم ... كما تركوني مفردا لا أخا ليا (٢) والأب والأخ إذا أضيفا إلى ياء المتكلم لم ترد فيه اللام المحذوفة؟ والجواب: أن الذي منع من رد اللام المحذوفة إذا قلت أبي، إنما هو ما يلزم في ذلك من نقل التضعيف (٣) في ياء المتكلم، لأجل الإدغام، فلما فصلت بين الألف وياء المتكلم اللام، أمن التضعيف المستقل فأعادوا اللام المحذوفة كما يعيدوها في حال الإضافة إلى غير ياء المتكلم. ومنها: أن المصنف لم يفرق فيما نقله عن يونس من جواز الفصل بين الظرف الناقص والتام وفي كتاب سيبويه أن يونس يفرق بينهما. فالناقص يجيز الفصل به في فصيح الكلام، وكأنه عنده لما لم يستقل به الكلام لم يؤثر، والتام لا يجيز الفصل به. ورد سيبويه بأنك لم تفرق بين الناقص والتام في الفصل بين «إن» واسمها، ولا في باب «كان». ألا ترى أنك تقول إن عندك زيدا مقيم، وإن اليوم زيدا مسافرا، وكان عندك زيد مقيما، وكان اليوم زيدا مسافرا. وأجاز سيبويه الفصل بجملة الاعتراض، نحو: لا أبا أعلم لك (٤). ومنها: أنك قد علمت أن المصنف قال: والوجه عندي في لا أبا لك: أن يكون دعاء على المخاطب بأن لا يأباه الموت، يعني أن «أبى» في لا أباك فعل ماض، وفاعله ضمير يرجع إلى الاسم الذي قبله في قوله: -

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٦٨ - أبالموت الّذى لا بدّ أنّي ملاق وضمير المصدر المفهوم من قول الآخر: ١٠٦٩ - وقد مات شمّاخ ... البيت فقال الشيخ: الذي ذكره النحويون: أن اللام المحذوفة مقدرة، وإن كانت إذا أتي بها مقحمة زائدة لأنهم لما استعملوها في حال الإضافة إصلاحا [٢/ ١٤٩] للفظ، ورفضوا ترك الإتيان بها، وإن كان الأصل، صار الإتيان بها كأنه الأصل، فلما اضطر الشاعر إلى إسقاطها قدرها ونواها لذلك، وإذا كانت مقدرة وجب أن يكون خفض الضمير بها، لا بالإضافة، لأن المنوي المقدر بمنزلة الثابت الملفوظ به، ومما يبين أن اللام منونة مقدرة قولهم: (لا أباي) حكاه ابن طاهر، ألا ترى أن اللام لو لم تكن مقدرة لقالوا: لا أبيّ، كما قالوا: فيّ فلما لم يكسروا الباء في أباي دل ذلك على أن الكسرة التي توجبها ياء المتكلم ليست في اللام المردودة، وإنما هي في اللام المحذوفة المقدرة. قال: وتأويل المصنف فاسد لوجوه ثلاثة: أحدها: أن العرب قالت: لا أباك حيث لم يذكر موتا فلا يكون دعاء بالموت قال ابن الدمينة: - ١٠٧٠ - فقلت لها لا أباك هلّا غررتني ... لديها فقد حانت عليّ ذنوب (١) قال: فليست هنا للدعاء بالموت. ثانيها: أن العرب حذفت من الكلمة الهمزة كما في هذا البيت، ثم إنهم حذفوا مع الهمزة أيضا الألف، فقالوا: لاب شانيك، وبدون «لا» أبا لشانيك ولو كان هذا فعلا ماضيا، لم يجز حذف ذلك منه، وإنما جاز كثرة الحذف في أب لك لكثرة دوره على ألسنتهم. ثالثها: يدل على أن أبا اسم لا فعل جر ما بعده في قولهم: لاب شانيك، وقولهم: لا أباي، فلو كان فعلا ماضيا لقال: لا أباني. انتهى (٢). -

стр. 1403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولقائل أن يجيب عن المصنف بأنه لم يدع ذلك على الإطلاق، بل إنما ادعاه في البيتين اللذين أنشدهما، ولكن قد يقول الشيخ إن مقتضى تخريج المصنف لهذين البيتين على ما ذكره أنه يدعي ذلك في كل ما ورد وعلى هذا يتم كلام الشيخ. ومنها: أن الشيخ بحث مع المصنف في قوله: وقد يحمل على المضاف مشابهة بالعمل فينزع تنوينه، وإنشاده: ١٠٧١ - أراني ولا كفران لله آية ... لنفسي قد طالبت غير منيل (١) مستدلّا به على ما ذكر، فقال الشيخ: إن هذا الذي ذكره خلاف مذهب الجمهور، وأن ابن كيسان يرى في مثل ذلك التنوين وترك التنوين، وأن ترك التنوين عنده أحسن. وذكر عنه تعليلا غير ما ذكره المصنف من حمله أعني المطول على المضاف، قال: فالمصنف لم يأخذ بمذهب الجمهور، لأنهم لا يجيزون ذلك. ولم يأخذ بمذهب ابن كيسان، فإن الأحسن عنده ترك التنوين (٢). والمصنف قال: وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل. فدل كلامه على قلة ذلك، قال: وأما البيت الذي أنشده عن أبي علي فيخرج على أن آية فيه منصوب بمحذوف يدل عليه: لا كفران بالله، أي لا أكفر آية لنفسي، ودل على هذا المحذوف ما قبله. كما خرجوا قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٣) أي لا عاصم يعصم اليوم [٢/ ١٥٠]، وأبو علي إنما منع تقدير عامل بناء على مذهبه من أنه لا يجوز الاعتراض بجملتين (٤)، ولكن الأصح جوازه (٥). انتهى. والذي يظهر أن المصنف لم يعرج على مذهب ابن كيسان في هذه المسألة، والدليل عليه أن ابن كيسان جعل نزع التنوين لأجل البناء وتركب الاسم مع «لا» وكأنه يقطع النظر عن المعمول المذكور بعد اسم «لا» فيصير للاسم العامل حكم الاسم المفرد (٦)، -

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمصنف لم يجنح إلى هذا التعليل، بل لا يرتضيه لضعفه، وإنما العلة عنده تشبيه المطول بالمضاف لتعلق الاسم الأول بعده في الموضعين (١)، وهو تعليل حسن وعلى هذا لا تتوجه مؤاخذة الشيخ للمصنف، وأقول: إن في النفس ركونا إلى هذه المسألة، أعني أن يعامل المطول في نزع التنوين معاملة المضاف في ذلك لشبهه به، وعليه الآية الشريفة: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٢) (٣) وقول النبي ﷺ : «لا مانع لما أعطيت» (٤) ومنه قول الحماسي: ١٠٧٢ - لا جزع اليوم على قرب الأجل (٥) وهذا كثير. وتقدير العامل في ذلك على خلاف الأصل. واعلم أن الشيخ ختم الكلام على هذا الفصل بمسألة: وهي أن الاسم المركب من قبيل المشبه بالمضاف من جهة أنه لا يجوز تركيبه مع «لا» وجعلهما كاسم واحد، لما يلزم من تركيب ثلاثة أشياء، فإذا قلت لا خمسة عشر لك، فخمسة عشر في موضع نصب بلا، وليس مركبة مع «لا» والفتحة التي في «راء» عشر هي الفتحة التي كانت فيها قبل دخول «لا» عليها، وليست حادثة بسبب «لا» ومما يبين ذلك أنك لو أدخلت «لا» على عمرو به على حد دخولها على هيثم في قوله: ١٠٧٣ - لا هيثم اللّيلة للمطيّ (٦) -

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لقلت: لا عمرو به، فأبقيت الاسم على كسرة، ولم تفتح الآخر بسبب «لا». انتهى. ومما يتعين ذكره والإشارة إليه في هذا المكان: الكلام على إعراب كلمة الحق وهي: لا إله إلا الله: فنقول: اعلم أن الاسم المعظم في هذا التركيب يرفع، وهو الكثير. ولم يأت في القرآن غيره، وقد ينصب، أما إذا رفع، فالأقوال فيه للناس على اختلاف إعرابهم خمسة، منها قولان معتبران، وثلاثة أقوال لا معول على شيء منها. أما القولان المعتبران: فأن يكون على البدلية (١)، وأن يكون على الخبرية (٢). أما القول بالبدلية: فهو المشهور الجاري على ألسنة المعربين وهو رأي المصنف، فإنه قد قال فيما تقدم لما تكلم على حذف الخبر: وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع «إلّا» نحو لا إله إلا الله (٣). وهذا الكلام يدل على أن رفع الاسم المعظم ليس على الخبرية، وحينئذ يتعين كونه على البدلية، ثم الأقرب أن يكون البدل من الضمير المستتر في الخبر المقدر (٤). وقد قيل: إنه بدل اسم «لا» باعتبار عمل الابتداء [٢/ ١٥١] يعني باعتبار محل الاسم قبل دخول «لا» (٥). وإنما كان القول بالبدل (٦) من الضمير المستتر أولى لأن الإبدال من الأقرب أولى من الإبدال من الأبعد، ولأنه لا داعية إلى اتباع باعتبار المحل مع إمكان الاتباع باعتبار اللفظ، ثم البدل إن كان من الضمير المستكن في الخبر كان البدل فيه نظير البدل في نحو: ما قام أحد إلا زيد لأن البدل في المسألتين باعتبار اللفظ، وإن كان -
следующие страницы →