← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال آخر (١): ١٠٦٧ - وذي أخوّة قطّعت أسباب بينهم ... كما تركوني مفردا لا أخا ليا (٢) والأب والأخ إذا أضيفا إلى ياء المتكلم لم ترد فيه اللام المحذوفة؟ والجواب: أن الذي منع من رد اللام المحذوفة إذا قلت أبي، إنما هو ما يلزم في ذلك من نقل التضعيف (٣) في ياء المتكلم، لأجل الإدغام، فلما فصلت بين الألف وياء المتكلم اللام، أمن التضعيف المستقل فأعادوا اللام المحذوفة كما يعيدوها في حال الإضافة إلى غير ياء المتكلم. ومنها: أن المصنف لم يفرق فيما نقله عن يونس من جواز الفصل بين الظرف الناقص والتام وفي كتاب سيبويه أن يونس يفرق بينهما. فالناقص يجيز الفصل به في فصيح الكلام، وكأنه عنده لما لم يستقل به الكلام لم يؤثر، والتام لا يجيز الفصل به. ورد سيبويه بأنك لم تفرق بين الناقص والتام في الفصل بين «إن» واسمها، ولا في باب «كان». ألا ترى أنك تقول إن عندك زيدا مقيم، وإن اليوم زيدا مسافرا، وكان عندك زيد مقيما، وكان اليوم زيدا مسافرا. وأجاز سيبويه الفصل بجملة الاعتراض، نحو: لا أبا أعلم لك (٤). ومنها: أنك قد علمت أن المصنف قال: والوجه عندي في لا أبا لك: أن يكون دعاء على المخاطب بأن لا يأباه الموت، يعني أن «أبى» في لا أباك فعل ماض، وفاعله ضمير يرجع إلى الاسم الذي قبله في قوله: -

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٦٨ - أبالموت الّذى لا بدّ أنّي ملاق وضمير المصدر المفهوم من قول الآخر: ١٠٦٩ - وقد مات شمّاخ ... البيت فقال الشيخ: الذي ذكره النحويون: أن اللام المحذوفة مقدرة، وإن كانت إذا أتي بها مقحمة زائدة لأنهم لما استعملوها في حال الإضافة إصلاحا [٢/ ١٤٩] للفظ، ورفضوا ترك الإتيان بها، وإن كان الأصل، صار الإتيان بها كأنه الأصل، فلما اضطر الشاعر إلى إسقاطها قدرها ونواها لذلك، وإذا كانت مقدرة وجب أن يكون خفض الضمير بها، لا بالإضافة، لأن المنوي المقدر بمنزلة الثابت الملفوظ به، ومما يبين أن اللام منونة مقدرة قولهم: (لا أباي) حكاه ابن طاهر، ألا ترى أن اللام لو لم تكن مقدرة لقالوا: لا أبيّ، كما قالوا: فيّ فلما لم يكسروا الباء في أباي دل ذلك على أن الكسرة التي توجبها ياء المتكلم ليست في اللام المردودة، وإنما هي في اللام المحذوفة المقدرة. قال: وتأويل المصنف فاسد لوجوه ثلاثة: أحدها: أن العرب قالت: لا أباك حيث لم يذكر موتا فلا يكون دعاء بالموت قال ابن الدمينة: - ١٠٧٠ - فقلت لها لا أباك هلّا غررتني ... لديها فقد حانت عليّ ذنوب (١) قال: فليست هنا للدعاء بالموت. ثانيها: أن العرب حذفت من الكلمة الهمزة كما في هذا البيت، ثم إنهم حذفوا مع الهمزة أيضا الألف، فقالوا: لاب شانيك، وبدون «لا» أبا لشانيك ولو كان هذا فعلا ماضيا، لم يجز حذف ذلك منه، وإنما جاز كثرة الحذف في أب لك لكثرة دوره على ألسنتهم. ثالثها: يدل على أن أبا اسم لا فعل جر ما بعده في قولهم: لاب شانيك، وقولهم: لا أباي، فلو كان فعلا ماضيا لقال: لا أباني. انتهى (٢). -

стр. 1403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولقائل أن يجيب عن المصنف بأنه لم يدع ذلك على الإطلاق، بل إنما ادعاه في البيتين اللذين أنشدهما، ولكن قد يقول الشيخ إن مقتضى تخريج المصنف لهذين البيتين على ما ذكره أنه يدعي ذلك في كل ما ورد وعلى هذا يتم كلام الشيخ. ومنها: أن الشيخ بحث مع المصنف في قوله: وقد يحمل على المضاف مشابهة بالعمل فينزع تنوينه، وإنشاده: ١٠٧١ - أراني ولا كفران لله آية ... لنفسي قد طالبت غير منيل (١) مستدلّا به على ما ذكر، فقال الشيخ: إن هذا الذي ذكره خلاف مذهب الجمهور، وأن ابن كيسان يرى في مثل ذلك التنوين وترك التنوين، وأن ترك التنوين عنده أحسن. وذكر عنه تعليلا غير ما ذكره المصنف من حمله أعني المطول على المضاف، قال: فالمصنف لم يأخذ بمذهب الجمهور، لأنهم لا يجيزون ذلك. ولم يأخذ بمذهب ابن كيسان، فإن الأحسن عنده ترك التنوين (٢). والمصنف قال: وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل. فدل كلامه على قلة ذلك، قال: وأما البيت الذي أنشده عن أبي علي فيخرج على أن آية فيه منصوب بمحذوف يدل عليه: لا كفران بالله، أي لا أكفر آية لنفسي، ودل على هذا المحذوف ما قبله. كما خرجوا قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٣) أي لا عاصم يعصم اليوم [٢/ ١٥٠]، وأبو علي إنما منع تقدير عامل بناء على مذهبه من أنه لا يجوز الاعتراض بجملتين (٤)، ولكن الأصح جوازه (٥). انتهى. والذي يظهر أن المصنف لم يعرج على مذهب ابن كيسان في هذه المسألة، والدليل عليه أن ابن كيسان جعل نزع التنوين لأجل البناء وتركب الاسم مع «لا» وكأنه يقطع النظر عن المعمول المذكور بعد اسم «لا» فيصير للاسم العامل حكم الاسم المفرد (٦)، -

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمصنف لم يجنح إلى هذا التعليل، بل لا يرتضيه لضعفه، وإنما العلة عنده تشبيه المطول بالمضاف لتعلق الاسم الأول بعده في الموضعين (١)، وهو تعليل حسن وعلى هذا لا تتوجه مؤاخذة الشيخ للمصنف، وأقول: إن في النفس ركونا إلى هذه المسألة، أعني أن يعامل المطول في نزع التنوين معاملة المضاف في ذلك لشبهه به، وعليه الآية الشريفة: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٢) (٣) وقول النبي ﷺ : «لا مانع لما أعطيت» (٤) ومنه قول الحماسي: ١٠٧٢ - لا جزع اليوم على قرب الأجل (٥) وهذا كثير. وتقدير العامل في ذلك على خلاف الأصل. واعلم أن الشيخ ختم الكلام على هذا الفصل بمسألة: وهي أن الاسم المركب من قبيل المشبه بالمضاف من جهة أنه لا يجوز تركيبه مع «لا» وجعلهما كاسم واحد، لما يلزم من تركيب ثلاثة أشياء، فإذا قلت لا خمسة عشر لك، فخمسة عشر في موضع نصب بلا، وليس مركبة مع «لا» والفتحة التي في «راء» عشر هي الفتحة التي كانت فيها قبل دخول «لا» عليها، وليست حادثة بسبب «لا» ومما يبين ذلك أنك لو أدخلت «لا» على عمرو به على حد دخولها على هيثم في قوله: ١٠٧٣ - لا هيثم اللّيلة للمطيّ (٦) -

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لقلت: لا عمرو به، فأبقيت الاسم على كسرة، ولم تفتح الآخر بسبب «لا». انتهى. ومما يتعين ذكره والإشارة إليه في هذا المكان: الكلام على إعراب كلمة الحق وهي: لا إله إلا الله: فنقول: اعلم أن الاسم المعظم في هذا التركيب يرفع، وهو الكثير. ولم يأت في القرآن غيره، وقد ينصب، أما إذا رفع، فالأقوال فيه للناس على اختلاف إعرابهم خمسة، منها قولان معتبران، وثلاثة أقوال لا معول على شيء منها. أما القولان المعتبران: فأن يكون على البدلية (١)، وأن يكون على الخبرية (٢). أما القول بالبدلية: فهو المشهور الجاري على ألسنة المعربين وهو رأي المصنف، فإنه قد قال فيما تقدم لما تكلم على حذف الخبر: وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع «إلّا» نحو لا إله إلا الله (٣). وهذا الكلام يدل على أن رفع الاسم المعظم ليس على الخبرية، وحينئذ يتعين كونه على البدلية، ثم الأقرب أن يكون البدل من الضمير المستتر في الخبر المقدر (٤). وقد قيل: إنه بدل اسم «لا» باعتبار عمل الابتداء [٢/ ١٥١] يعني باعتبار محل الاسم قبل دخول «لا» (٥). وإنما كان القول بالبدل (٦) من الضمير المستتر أولى لأن الإبدال من الأقرب أولى من الإبدال من الأبعد، ولأنه لا داعية إلى اتباع باعتبار المحل مع إمكان الاتباع باعتبار اللفظ، ثم البدل إن كان من الضمير المستكن في الخبر كان البدل فيه نظير البدل في نحو: ما قام أحد إلا زيد لأن البدل في المسألتين باعتبار اللفظ، وإن كان -

стр. 1406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من اسم «لا» كان البدل فيه نظير البدل في نحو: لا أحد فيها إلا زيد، لأن البدل في المسألتين باعتبار المحل، وقد استشكل الناس البدل فيما ذكرنا، أما في نحو: ما قام أحد إلا زيد فمن جهتين: إحداهما: أنه بدل بعض، وليس ثم ضمير يعود على المبدل منه. الثاني: أن بينهما مخالفة، فإن المبدل موجب، والمبدل منه منفي. وقد أجيب عن الأول: بأن «إلا» وما بعدها من تمام الكلام الأول و «إلا» قرينة مفهمة أن الثاني قد كان يتناوله الأول، فمعلوم أنه بعض، فلا يحتاج فيه إلى رابط (١)، بخلاف نحو: قبضت المال (٢) بعضه. وعن الثاني: بأنه بدل من الأول في عمل العامل فيه، وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية، لأن مذهب أهل البدل فيه أن يجعل الأول كأنه لم يذكر، والثاني في موضعه (٣) وقد قال ابن الضائع (٤): اعلم أن البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه، فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فإلا زيد هو البدل، وهو الذي يقع موقع أحد قال: والإ زيد هو الأحد الذي نفيت عنه القيام، فالإ زيد بيان للأحد الذي عنيت، ثم قال بعد ذلك: فعلى هذا البدل في الاستثناء أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل. وقال في موضع آخر: لو قيل إن البدل في الاستثناء قسم على حدته ليس من تلك الأبدال التي تبينت في غير الاستثناء، لكان وجها وهو الحق (٥). انتهى. وأما في نحو: لا أحد فيها إلا زيد، فوجه الإشكال فيه أن زيدا بدل من أحد، -

стр. 1407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأنت لا يمكنك أن تحله محله، وقد أجاب الشلوبين عن ذلك بأن هذا الكلام إنما هو على توهم: ما فيها أحد إلا زيد (١). انتهى وهو جواب حسن. ولابن عصفور في هذه المسألة كلام كأنه ادعى عدم تقرير السؤال من أحد، وقرر الكلام في المسألة على وجه آخر (٢)، وكأنه يقصد الرد على الشلوبين، وقد ذكرت ذلك في باب المستثنى من هذا الكتاب، ونبهت على أن كلام ابن عصفور في المسألة المذكورة غير ظاهر، فليتأمله الواقف عليه (٣). وأما القول بالخبرية: فقد قال به جماعة، ويظهر لي أنه أرجح من القول بالبدلية، وقد ضعف القول بالخبرية بثلاثة أمور، وهي: أنه يلزم من القول بذلك كون خبر «لا» معرفة، و «لا» لا تعمل في المعرفة، وبأن الاسم المعظم مستثنى، والمستثنى لا يصح [٢/ ١٥٢] أن يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا ليبين ما قصد بالمستثنى منه، وبأن اسم «لا» عام والاسم المعظم خاص، والخاص لا يكون خبرا عن العام، لا يقال الحيوان إنسان (٤). والجواب عن هذه الأمور: -

стр. 1408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أما الأول: فهو أنك قد عرفت أن مذهب سيبويه أن «لا» حال تركيب الاسم معها لا عمل لها في الخبر، وأنه حينئذ مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول «لا»، وقد علل ذلك بأن شبهها بإنّ ضعف حين ركبت، وصارت كجزء كلمة وجزء الكلمة لا يعمل (١)، ومقتضى هذا أن يبطل عملها في الاسم والخبر، لكن أبقي عملها في أقرب المعمولين، وجعلت هي ومعمولها بمنزلة مبتدأ، والخبر بعدها على ما كان عليه قبل التجرد. وإذا كان كذلك، فلم يثبت عمل «لا» في المعرفة (٢). وأما الثاني: فلا نسلم أن اسم «لا» هو المستثنى منه وذلك لأن الاسم المعظم إذا كان خبرا كان الاستثناء مفرغا، والمفرغ هو الذي لم يكن المستثنى منه فيه مذكورا، نعم الاستثناء فيه إنما هو من شيء مقدر لصحة المعنى، ولا اعتداد بذلك المقدر أصلا. ولا خلاف يعلم في نحو: ما زيد إلا قائم، أن قائم خبر عن زيد، ولا شك أن «زيدا» فاعل في قولنا ما قام إلا زيد (٣)، فعلى هذا لا منافاة بين كون الاسم المعظم خبرا عن اسم قبله، وبين كونه مستثنى من مقدر، إذ جعله خبرا منظور إلى جانب اللفظ، وجعله مستثنى منظور فيه إلى (٤) جانب المعنى. وأما الثالث: فهو أن يقال إن قولكم: إن الخاص لا يكون خبرا عن العام مسلم لكن في: «لا إله إلا الله» لم يخبر بخاص عن عام، لأن العموم منفي والكلام إنما سيق لنفي العموم، وتخصيص الخبر المذكور بواحد من أفراد ما دلّ عليه اللفظ (٥) العام. وأما الأقوال الثلاثة الأخرى: فأحدها: أن «إلا» ليست أداة استثناء، وإنما هي بمعنى غير، وهي مع الاسم المعظم صفة لاسم «لا» باعتبار المحل. ذكر ذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني (٦) عن بعضهم، والتقدير على هذا: لا إله غير الله في -

стр. 1409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوجود (١)، وقد وقفت على كلام لبعض العلماء في تقدير ذلك ووجدته قد أطال ومزج كلام غير النحاة بكلام النحاة، وذكرنا مباحث مدخولة فأضربت عن ذكره، ولا شك بأن القول بأن «إلا» في هذا التركيب بمعنى غير، ليس له مانع يمنعه من جهة الصناعة النحوية، وإنما يمتنع من حيث المعنى، وذلك أن المقصود من هذا الكلام أمران، نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وإثبات الإلهية لله سبحانه، وهذا إنما يتم إذا كانت «إلا» فيه للاستثناء لأننا نستفيد النفي والإثبات بالمنطوق، أما إذا كانت «إلا» بمعنى غير فلا يفيد [٢/ ١٥٣] الكلام بمنطوقه إلا نفي الإلهية عن الله تعالى، وأما إثبات الإلهية لله فلا يفيده التركيب المذكور بوجه من الوجوه حينئذ، فإن قيل: يستفاد ذلك من المفهوم؛ قيل: دلالة المفهوم من دلالة المنطوق؟ ثم هذا المفهوم إن كان مفهوم لقب فلا عبرة به (٢) إذ لم يقبل به إلا الدقاق (٣) وإن كان مفهوم صفة فقد عرفت في أصول الفقه أنه غير مجمع على ثبوته، فقد تبين ضعف هذا القول لا محالة. والقول الثاني - وينسب إلى الإمام الزمخشري (٤) -: أن «لا إله» في موضع الخبر، وإلا الله في موضع المبتدأ، وقد قرر ذلك بتقدير للنظر فيه مجال (٥)، ولا يخفى ضعف هذا القول، وأنه يلزم منه أن الخبر يبنى مع «لا» وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ. ثم لو كان الأمر كذلك لم يجز نصب الاسم المعظم في هذا التركيب، -

стр. 1410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد جوزوه (١) كما سيأتي. والقول الثالث: أن الاسم المعظم مرفوع «بإله» كما يرتفع الاسم بالصفة في قولنا: أقائم الزيدان، فيكون المرفوع قد أغنى عن الخبر وقد قرر ذلك بأن «إله» بمعنى مألوه من «أله» أي «عبد» (٢)، فيكون الاسم المعظم مرفوعا على أنه مفعول أقيم مقام الفاعل، واستغني به عن الخبر كما في نحو قولنا: ما مضروب العمران. وضعف هذا القول غير خفي لأن «إلها» ليس وصفا، فلا يستحق عملا، ثم لو كان «إله» عاملا الرفع فيما يليه لوجب إعرابه وتنوينه، لأنه مطول إذ ذاك (٣). وقد أجاب بعض الفضلاء عن هذا بأن بعض النحاة يجيز حذف التنوين من نحو ذلك، وعليه يحمل قوله تعالى: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ (٤)، [وقوله]: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ (٥) (٦)، وفي هذا الجواب نظر: لأن الذي يجيز حذف التنوين في مثل ذلك يجيز إثباته أيضا، ولا نعلم أن أحد أجاز التنوين في لا إله إلا الله (٧). هذا آخر الكلام على توجيه الرفع. وأما النصب فقد ذكروا له توجيهين: أحدهما: أن يكون على الاستثناء من الضمير في الخبر المقدر (٨). الثاني: أن يكون «إلا الله» صفة لاسم «لا»، أما كونه صفة، فهو لا يكون -

стр. 1411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلا إن كانت إلا بمعنى غير، وقد عرفت أن الأمر إذا كان كذلك لا يكون الكلام وإلا بمنطوقة على إثبات الإلهية لله تعالى. والمقصود الأعظم هو إثبات الإلهية لله تعالى بعد نفي الإلهية عن غيره وعلى هذا يمتنع هذا التوجيه، أعني كون «إلا الله» صفة لاسم لا (١). وأما التوجيه الأول؛ فقالوا فيه: لم يرجح البدل، وكان حقه أن يكون راجحا لأن الكلام غير موجب، والمقتضي لعدم أرجحية البدل هنا أن الترجيح في نحو: ما قام القوم إلا زيد إنما كان لحصول المشاكلة، حتى لو جعلت المشاكلة في [٢/ ١٥٤] تركيب استويا نحو: ما ضربت أحدا إلا زيدا فمن ثم قالوا: إذا لم تحصل مشاكلة في الإتباع كان النصب على الاستثناء أولى، قالوا: وفي هذا التركيب يترجح النصب في القياس، لكن السماع والأكثر الرفع (٢)، ونقل عن الأبذي (٣) أنك إذا قلت: لا رجل في الدار إلا عمرو، كان نصب إلا عمرا على الاستثناء أحسن من رفعه على البدل (٤)، هذا ما ذكروه. والذي يقتضيه النظر: أن النصب لا يجوز، بل ولا البدل أيضا، وتقرير ذلك أن يقال إلا في الكلام التام الموجب نحو: قام القوم إلا زيدا متمحضة للاستثناء، فهي تخرج ما بعدها مما أفاده الكلام الذي قبلها، وذلك أن هذا الكلام إنما قصد به الإخبار عن القوم بالقيام ثم إن زيدا منهم لو لم يكن شاركهم فيما أسند إليهم، فوجب إخراجه، وكذا حكم «إلا» في الكلام غير الموجب الذي هو تام أيضا نحو: ما قام القوم إلا زيدا، فإنها متمحضة فيه للاستثناء بغير ما قلناه في الموجب، وأما الكلام الذي هو غير تام فإلا مسوقة فيه لإثبات المنفي قبلها للمذكور بعدها نحو: ما قام إلا زيد، أعني أن المقصود منها ذلك، ومن ثمّ كان نحو هذا التركيب مفيدا للحصر، مع أنها للاستثناء أيضا، لأن المذكور بعد «إلا»، لا بد أن يكون -

стр. 1412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مخرجا، فيتعين تقدير شيء قبل «إلا» ليصبح الإخراج منه، لكن إنما أحوج إلى هذا التقدير تصحيح المعنى. فتبين من هذا الذي قلناه أن المقصود في الكلام الذي ليس بتام، إنما هو إثبات الحكم قبل «إلّا» لما بعدها، وأن الاستثناء ليس بمقصود (١)، ولهذا اتفق النحاة على أن المذكور بعد «إلا» في نحو: «ما قام إلا زيد» معمول للعامل الذي قبلها (٢). ولا شك أن المقصود من هذا التركيب الشريف أمران، وهما: نفي الإلهية عن كل شيء، وإثباتها لله تعالى كما تقدم، وإذا كانت «إلّا» مسوقة لمحض الاستثناء، لا يتم هذا المطلوب سواء نصبنا على الاستثناء أم أبدلنا، وذلك لأنه لا ينصب ولا يبدل إلا إذا كان الكلام قبل «إلا» تامّا، ولا يكون تامّا إلا إذا قدر خبر محذوف، وحينئذ ليس الحكم بالنفي على ما بعدها في الكلام الموجب، وبالإثبات عليه في غير الموجب مجمعا عليه، إذ لا يقول بذلك إلا من مذهبه أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، ومن ليس مذهبه ذلك يقول: إن ما بعد إلا مسكوت عنه، وإذا كان مسكوتا عنه، فكيف يكون قائل: «لا إله إلا الله» موحدا؟. فتعين أن تكون إلا في هذا التركيب مسوقة لقصد إثبات ما نفي قبلها لما بعدها، ولا يتم ذلك إلا أن يكون ما قبلها غير تام [٢/ ١٥٥] ولا يكون غير تام إلا بأن «لا» يقدر خبر محذوف، وإذا لم يقدر خبر قبلها وجب أن يكون ما بعدها الخبر، وهذا هو الذي تركن إليه النفس، وقد تقدم تقدير صحة كون الاسم المعظم في هذا التركيب هو الخبر.

стр. 1413

[دخول لا على المعرفة - العطف على اسمها - وصف الاسم] قال ابن مالك: (إذا انفصل مصحوب «لا»، أو كان معرفة بطل العمل بإجماع ويلزم حينئذ التكرار في غير ضرورة خلافا للمبرّد وابن كيسان، وكذا التّاليها خبر مفرد أو شبهه وأفردت في: «لا نولك أن تفعل» لتأوّله بـ: «لا ينبغي» وقد يؤوّل غير عبد الله وعبد الرّحمن من الأعلام بنكرة، فيعامل معاملتها بعد نزع ما فيه أو فيما أضيف إليه من ألف ولام، ولا يعامل بهذه المعاملة ضمير، ولا اسم إشارة خلافا للفرّاء ويفتح أو يرفع الأول من نحو: «لا حول ولا قوّة إلّا بالله» فإن فتح فتح الثاني أو نصب أو رفع، وإن رفع رفع الثاني أو فتح، وإن سقطت «لا» الثّانية فتح الأول ورفع الثاني أو نصب، وربّما فتح منويّا معه «لا». وتنصب صفة اسم «لا» أو ترفع مطلقا، وقد تجعل مع الموصوف كخمسة عشر إن أفردا أو اتّصلا، وليس رفعها مقصورا على تركيب الموصوف، ولا دليلا على إلغاء «لا» خلافا لابن برهان في المسألتين، وللبدل الصالح لعمل (لا) النصب والرّفع، فإن لم يصلح لعملها تعيّن رفعه، وكذا المعطوف نسقا، وإن كرر اسم «لا» المفرد دون فصل فتح الثّاني أو نصب). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): لما كان شبه «لا» بإنّ أضعف من شبه «ما» بليس، جعل «لما» مزية بأن لم يبطل عملها بالفصل مطلقا، بل إذا كان الفصل بخبر نحو: ما قائم زيد، أو معمول خبر غير ظرف، ولا جار ومجرور نحو: ما طعامك زيد آكل، فلو فصل بمعمول، وهو ظرف أو جار ومجرور، لم يبطل العمل نحو: ما غدا زيد مسافرا، وما فيها أحد مقيما (٢) ويبطل عمل «لا» بالفصل مطلقا (٣) نحو: -

стр. 1414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا في الدار رجل، ولا غدا أحد راحل، فانحطت «لا» بذلك عن رتبة «ما» ليكون لقوة الشبه أثر، وإذا كان مصحوب «لا» معرفة لم تعمل (١) فيه، لأنها إنما عملت العمل المذكور لتدل به على العموم على سبيل التنصيص، والمعرفة ليست كذلك، ولو كان تعريفها بالألف واللام الاستغراقية لأنها بلفظ العهدية، فليس التنصيص بها على العموم، كالتنصيص عليه «بمن» الجنسية مذكورة أو منوية (٢)، لكن إذا وليتها المعرفة لزمها التكرار (٣) ليكون عوضا عما فاتها من مصاحبة ذي العموم فإن في التكرار زيادة كما في العموم زيادة، ثم حمل في لزوم التكرار المفصولة على التي يليها معرفة لتساويهما في وجوب الإهمال، وأيضا فإن العرب في الغالب تنفي الجملة المبدؤة بمعرفة أو ظرف أو شبهه بما أو «ليس» [٢/ ١٥٦] نحو: ما زيد عندك، وما عندك زيد، وليس عمرو في الدار، وليس في الدار عمرو، فإذا وقعت «لا» في مثل هذا من الكلام وقعت في موضع غيرها، فقويت بالتكرار، ولم تخل منه إلا في اضطرار. وكذا إذا ولي «لا» خبر مفرد ويلزمها التكرار أيضا نحو: زيد لا قائم ولا قاعد، وكذا إذا ولي «لا» نعت أو حال نحو: مررت برجل لا قائم ولا قاعد (٤)، ونظرت إليه لا قائما ولا قاعدا، وإلى هذين المثالين وأشباههما أشرت بقولي: وكذا التاليها خبر مفرد أو شبهه، فتكرار «لا» في جميع هذه الصور لازم إلا في الضرورة، وإن جاء شيء من هذا بلا تكرار قصر على الاضطرار، كقول الشاعر: ١٠٧٤ - بكت جزعا واسترجعت ثمّ آذنت ... ركائبها أن لا إلينا رجوعها (٥) وكقول الآخر: -

стр. 1415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٧٥ - أشاء ما شئت حتّى لا أزال لما ... لا أنت شائبة من شأننا شاني (١) وكقول الآخر (٢): ١٠٧٦ - وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لا نفع ولا موتك فاجع (٣) وكقول الآخر: ١٠٧٧ - إني تركتك لا ذا عسرة تربا ... فاستعففن واكف من وافاك ذا أمل (٤) ومثله: ١٠٧٨ - قهرت العدا لا مستعينا بعصبة ... ولكن بأنواع الخدائع والمكر (٥) ولم يقصر المبرد ترك التكرار على الضرورة، بل أجازه في السعة (٦)، ووافقه ابن كيسان (٧) ولا حجة لهما في قول العرب: «لا نولك أن تفعل» فإنهم أوقعوه -

стр. 1416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ موقع: لا ينبغي لك أن تفعل، فاستغنوا فيه عن تكرار «لا»، كما يستغنون فيما هو واقع موقعه (١)، وقد يؤول العلم بنكرة فيركب مع «لا» إن كان مفردا، وينصب بها إن لم يكن مفردا (٢) فالأول كقول النبي ﷺ : «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» (٣) ومنه قول الشاعر: - ١٠٧٩ - أرى الحاجات عند أبي خبيب ... تكدن ولا أميّة في البلاد (٤) وقول الراجز (٥): ١٠٨٠ - إنّ لنا عزّى ولا عزّى لكم (٦) أو فيما أضيف (٧) إليه [من ألف ولام] (٨). فلو كان العلم عبد الله لم يعامل بهذه المعاملة للزوم الألف واللام، وكذا -

стр. 1417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «عبد الرحمن» على الأصح، لأن الألف اللام لا ينزعان منه إلا في النداء (١). وقدر قوم العلم المعامل بهذه المعاملة مضافا إليه مثل ثم حذف وأقيم العلم مقامه في الإعراب والتنكير، كما فعل «بأيدي سبأ» في قولهم: تفرقوا أيدي سبأ (٢) يريدون مثل أيدي سبأ، فحذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه في النصب على الحالية، ويقدره آخرون بلا مسمّى بهذا الاسم [٢/ ١٥٧] أو بلا واحد من مسميات هذا الاسم (٣)، ولا يصح واحد من التقديرات الثلاثة على الإطلاق. أما الأول: فممنوع من ثلاثة أوجه: أحدها: ذكر مثل بعده كقول الشاعر: ١٠٨١ - تبكي على زيد ولا زيد مثله (٤) فتقدير مثل قبل زيد مع ذكر مثل بعده وصفا أو خبرا يستلزم وصف الشيء بنفسه وكلاهما ممتنع. الثاني: أن المتكلم بذلك إنما يقصد نفي مسمى العلم المقرون بـ «لا» فإذا قدر مثل لزم خلاف المقصود، لأن نفي مثل المسمى لا تعرض فيه لنفي ذي المثل. الثالث: أن العلم المعامل بهذا قد يكون انتفاء مثله معلوما لكل أحد، فلا يكون في نفيه فائدة نحو: -

стр. 1418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا نصرة لكم ولا أبا حسن لها، ولا قريش بعد اليوم (١). وأما التقدير الثاني والثالث فلا يصح اعتبارهما مطلقا. فإن من الأعلام المعاملة بذلك ما له مسميات كثيرة كأبي حسن وقيصر، فتقدير ما كان هكذا بلا مسمى بهذا الاسم أو بلا واحد من مسمياته لا يصح، لأنه كذب. فالصحيح أن لا يقدر هذا النوع بتقدير واحد، بل يقدر ما ورد منه بما يليق به، وما يصلح له فيقدّر: «لا زيد مثله» بـ «لا واحد من مسميات هذا الاسم مثله»، ويقدر لا قريش بعد اليوم: لا بطن من بطون قريش بعد اليوم، ويقدر: لا أبا حسن لها ولا كسرى بعده ولا قيصر بعده بـ: لا مثل أبي حسن، ولا مثل كسرى، ولا مثل قيصر، وكذا لا نضرة ولا أمية، ولا عزى. ولا يضر في ذلك عدم التعرض لنفي ذي المثل، فإن سياق الكلام يدل على القصد، وأجاز الفراء أن يقال: «لا هو ولا هي» على أن يكون الضمير اسم «لا» محكوما بتنكيره ونصبه، وأجاز: «لا هذين لك ولا هاتين (٢) لك» على أن يكون اسم الإشارة اسم «لا» محكوما بتنكيره. وفي الأول من نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله وجهان: الفتح بمقتضى التركيب والرفع على إلغاء «لا»، أو على إعمالها عمل ليس. وفي الثاني عند فتح الأول، الفتح بمقتضى التركيب وجعل الكلام في تقدير جملتين والنصب عطفا على موضع اسم «لا» باعتبار عملها وتقدير زيادة «لا» الثانية والرفع عطفا على موضع لا واسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء، «ولا» الثانية على هذا زائدة للتوكيد، ويجوز إعمالها عمل «ليس». وفي الثاني عند رفع الأول، الرفع عطفا على اللفظ، وزيادة «لا» الثانية، أو على إعمالها عمل ليس، والفتح بمقتضى التركيب وجعل الكلام في تقدير جملتين (٣) وإن سقطت «لا» الثانية (٤) فتح الأول ورفع الثاني عطفا على معنى -

стр. 1419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الابتداء أو نصب عطفا على عمل «لا». [٢/ ١٥٨] وحكى الأخفش: لا رجل وامرأة فيها بفتح المعطوف دون تنوين على تقدير ولا امرأة، فحذفت لا وأبقي البناء مع نيتها، كما كان مع وجودها (١) وتنصب صفة اسم «لا» أو ترفع مطلقا أي في التركيب وعدمه وفي اتصال الصفة وانفصالها نحو لا رجل ظريفا أو ظريف، ولا غلام رجل ذكيّا عندنا، أو ذكي، وكذا مع الانفصال فالنصب باعتبار: عمل لا والرفع بتقدير عمل الابتداء (٢) وجاز اعتباره بعد دخول «لا» في التابع صفة كان أو غيرها، وإن كان ذلك لا يجوز بعد دخول «إنّ» لأن إن مشبهة بالأفعال الناسخة للابتداء في الاختصاص بالمبتدأ والخبر دون عروض وفي كون ما دخلت عليه مفيدا بدون دخولها، ولقوتها لا يبطل عملها في الانفصال في نحو: إن فيها زيدا بخلاف «لا» فإنها ضعيفة العمل بكونها فرع فرع، وكونها عارضة الاختصاص بالمبتدأ (٣) والخبر وكون ما تدخل عليه في الأكثر لا يفيد بدون دخولها في لا رجل في الدار، فلو قيل: رجل في الدار لم يفد، فلتوقف الإفادة على وجود «لا» كانت هى واسمها بمنزلة مبتدأ، فجاز لذلك أن تعتبر عمل الابتداء بعد دخولها في الصفة، وغيرها من التوابع المستعملة وشبه اعتبار الابتداء في ذلك باعتباره في نحو: هل من رجل كريم في الدار [وقوله تعالى]: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ * (٤) وقد يجعل الصفة والموصوف كخمسة عشر فيبنيان على الفتح إن كانا مفردين متصلين نحو: لا رجل ظريفا فيها (٥)، وزعم ابن برهان (٦) أنّ اسم «لا» لا يرفع إلا إذا كان الموصوف مركبا مع «لا» وأن رفعها دليل على إلغاء «لا»، وحمله على ذلك أن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف، والاسم المنصوب لا عمل لابتداء -

стр. 1420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيه فلا عمل له في صفته، والاسم المبني على الفتح إن نصب صفته دلّ ذلك عنده على الإعمال، فإذا رفعت دلّ ذلك عنده على الإلغاء (١)، وما ذهب إليه غير صحيح، لأن إعمال «لا» المشار إليها عند استكمال شروطها ثابت بإجماع العرب، فالحكم عليها بالإلغاء دون نقصان الشروط حكم بما لا نظير له، وقوله: «لا عمل للابتداء في الاسم المنصوب» غير مسلم، بل له عمل في موضعه كما له بإجماع عمل في موضع المجرور بمن في نحو: هل من رجل في الدار، فصح ما قلناه، وبطل ما ادعاه، ولا قوة إلا بالله، وللبدل في هذا الباب النصب باعتبار عمل «لا» إن كان صالحا لعملها نحو لا أحد فيها رجلا ولا امرأة، ولا مال له دينارا ولا درهما والرفع باعتبار عمل الابتداء نحو لا أحد فيها رجل ولا امرأة ولا مال له دينار ولا درهم، فلو لم يصلح البدل لعمل «لا» تعين الرفع نحو: لا أحد فيها زيد ولا عمرو [٢/ ١٥٩] كما يتعين رفع المعطوف إن لم يصلح لعملها نحو: لا غلام فيها ولا زيد (٢). وإذا كرّر اسم «لا» المركب معها دون فصل جاز تركيب الأول والثاني كما ركب الموصوف والصفة، وذلك كقولك: لا ماء ماء باردا لنا، ولا ماء ماء باردا (٣) انتهى كلام المصنف (٤). ولا بد من التنبيه على أمور: منها: أن الظاهر من كلام المصنف، وهو قوله: بطل العمل بإجماع أنه يرجع إلى المسألتين قبله، وهما: ما إذا انفصل مصحوب لا، أو كان معرفة، وقال الشيخ: الكوفيون يجيزون بناء الاسم العلم سواء أكان مفردا أم مضافا، والرماني (٥) يقول: إنه إذا فصل بطل البناء، ولكن يجوز النصب انتهى (٦). ولا يخفى ضعف مذهب الكوفيين، ومذهب الرماني فيما ادعوه، ولعلهم -

стр. 1421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يجدون على ذلك دليلا مع أن لازم قولهم هدم القواعد ومخالفة الأصول، وما أدى إلى ذلك لا يعبأ فيه بخلاف من خالف، ولهذا لم يعتبره المصنف. ومنها: أنك قد عرفت العلة التي ذكرها المصنف في لزوم التكرار، إذا كان مصحوب «لا» معرفة أو نكرة مفصولة، وقد ذكر غيره تعليلا آخر وهو أن العرب جعلت لا زيد عندك ولا عمرو في جواب من سأل بالهمزة وأم، قالوا: فكما أن السؤال بهما لا بد فيه من العطف فكذلك ما هو جواب له، قالوا: ولا يجوز لا زيد في الدار يعني دون تكرار (١) على أن يجعل جوابا لمن قال هل زيد في الدار، لأن العرب جعلت هل زيد في الدار، ما زيد في الدار، وليس زيد في الدار واستغنوا بذلك عن (٢) «لا». ومنها: أنهم نصوا على أن الاسم الواقع بعد «لا» في معنى الفعل لا يلزم التكرار، وكلام المصنف مفهم ذلك، فإنه علل عدم التكرار في «لا نولك أن تفعل» بأنهم أوقعوه موقع لا ينبغي لك أن تفعل، قال: فاستغنوا فيه عن التكرار كما يستغنون فيما هو واقع موقعه، لكن كلام المصنف قد يوهم أن ذلك مقصور على الاسم المعرفة وليس كذلك فإنهم قالوا: لا فرق في ذلك بين المعرفة والنكرة ومن ذلك: لا سلام على زيد معناه: سلم الله زيد، قالوا: ولهذا لم يعمل زيدا، لأن «لا» إذا دخلت على النكرة التي فيها معنى الفعل لا تعمل، وعلل ذلك بأن النفي لا يكون إذ ذاك دعاء، و «لا» إنما تعمل إذا اختص إلا أن تجعل الدلالة على العموم ومن كلامهم: لا بك السوء لأنه في معنى لا يسوءك الله (٣) وقد علل عدم تكرارها مع الفعل بشيء لم أتحقق علته. فقالوا: لأنها تقع في جواب اليمين، واليمين قد يقع على فعل واحد -

стр. 1422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد علل المبرد بشيء غير ذلك فقال: إن الأفعال بعد «لا» واقعة موقع الأسماء النكرات [٢/ ١٦٠] التي بنيت مع «لا» فكما لا يلزم التكرار مع الأسماء المنفية لا يلزم التكرار مع الفعل (١)، وقد أبطل تعليله، فليوقف عليه من كلامهم (٢)، واعلم أن ابن هشام جعل «أن تفعل» فاعلا «بنولك» سادّا مسد الخبر لما كان في معنى الفعل قال: ونظيره أقائم الزيدان، وما قائم الزيدان، لأن المعنى أيقوم وما يقوم. والشيخ جعل أن تفعل خبرا، قال: وليس مرفوعا رفع الفاعل قال: لأن نولك ليس باسم فاعل ولا مفعول (٣) انتهى والظاهر ما قاله ابن هشام فليتأمل. ومنها: أن الشيخ قال: أفهم قول المصنف: وكذا التاليها خبر مفرد أنه إذا وليها الخبر وهو جملة فلا يلزم تكرارها، وليس كذلك بل إن كان جملة فعلية كان ذلك نحو: زيد لا يقوم وإن كانت اسمية فيلزم تكرارها إلا في ضرورة (٤). انتهى. وكأنه يعني بالجملة الاسمية الجملة التي مصحوب «لا» فيها معرفة أو مفصول منها لأنه لا يمتنع أن يقال: زيد لا مال له ولا علم عنده، وإذا كان المراد بالجملة ما كان مصحوب «لا» فيها معرفة أو مفصولا فقد عرف الحكم في ذلك وهو لزوم التكرار من قوله: ويلزم حينئذ التكرار أي حين يكون مصحوبها مفصولا أو يكون معرفة فلا يحتاج إلى أن يذكره ثانيا ولكونه قد كان ذكره قيد بالإفراد في قوله: وكذا التاليها خبر مفرد لأن الخبر الذي هو جملة قد عرف حكمه قيل، فوجب أن يحترز عنه، ولم يحترز المصنف بقيد الإفراد عن الجملة الفعلية أصلا، لأن كلامه في هذا الباب إنما هو في «لا» المختصة بالأسماء، فكيف يحترز عن شيء لم يتضمنه كلامه ولا تبويبه؟ ومنها: أنه قد تقدم تخريج المصنف نحو: لا أمية بالبلاد، ولا قريش بعد اليوم، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، بأنه إما على تقدير «مثل» محذوفة وإما على تقدير: لا مسمى بهذا الاسم، وتقدير ذلك أنهم قالوا: لا بد أن يحكم بتنكير المعرفة والتنكير فيه ضربان: -

стр. 1423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: أن يجعل الاسم واقعا على مسماه، وعلى كل من أشبه مسماه، فيكون إذ ذاك نكره لعمومه، ومن هذا القبيل لا أمية بالبلاد، وأوقع أمية على الشخص الذي اسمه أميه، وعلى كل من أشبهه، وكذلك «هيثم» في: ١٠٨٢ - لا هيثم الليلة للمطي (١) قالوا: وإيقاع اسم الشخص على من أشبهه جائز في كلام العرب نحو: زيد زهير (٢) وعلى هذا التقدير تنزع الألف واللام إن كانت فيه، لأن التنكير مع وجودهما غير جائز ومنه «ولا أبا حسن». والثاني: أن يكون مثل مضافا إليه في التقدير، فعلى هذا يقال: قضية ولا أبا الحسن، يريد ولا مثل أبي الحسن (٣)، فثبت الألف واللام، وقد استدل على أن [٢/ ١٦١] هذه الأسماء أعني التي صحبتها «لا» هذه نكرات بأننا إذ أجرينا عليها نعوتا، إنما نجريها نكرات فنقول: لا أبا أمية (٤) عاقلا لك. ومنها: أننا ركّبنا الصفة مع الموصوف في نحو: لا رجل ظريف كما مر، خرجت «لا» عن أن يكون لها مدخل في التركيب لأن ثلاثة أشياء لا تجعل كشيء واحد قالوا: وعلة البناء كون الوصف من تمام اسم «واسم لا» واجب له البناء لتضمنه معنى الاستغراق، وهذا من تمامه، فصار كأنهما تضمنا معنى من (٥). ومنها: أن المصنف ذكر في الاسم التالي من نحو لا ماء ماء باردا الفتح والنصب، وذكروا وجها ثالثا وهو الرفع أيضا (٦)، ثم إذا ركبت الاسم الثاني -

стр. 1424

[اقتران لا بهمزة الاستفهام وأحكام ذلك] قال ابن مالك: (ول «لا» مقرونة بهمزة الاستفهام في غير تمنّ وعرض ما لها مجرّدة، ولها في التّمنّي من لزوم العمل ومنع الإلغاء، واعتبار الابتداء ما لـ «ليت» خلافا للمازني (والمبرد) (١) في جعلها كالمجرّدة. ويجوز إلحاق «لا» العاملة بليس فيما لا تمنّي فيه من جميع مواضعها، وإن لم تقصد الدّلالة بعملها على نصوصيّة العموم). - مع الأول، فهو صفة له قطعا، وإن لم يركب ونصبت أو رفع فهو صفة أيضا ومنهم من جعله توكيدا لفظيّا لجموده ودعوى التأكيد فيه لا تدفع غير أن التوكيد لا يتعين (٢)، وأما الوصف بالاسم الجامد فجائز إذا وصف ذلك الاسم نحو مررت برجل رجل عاقل، وكلام سيبويه يشعر بأن الثاني في لا ماء ماء باردا وصف للأول، فإنه قال: ولا بد من تنوين بارد، لأنه وصف ثان (٣)، وقالوا: إن الاسم هنا تكرر توطئة للنعت، كما جاءت التوطئة في الحال، وإذا تقرر أن الاسم الثاني في لا ماء باردا توطئة للنعت وجب كونه صفة سواء أبني أم نصب أم رفع فأما إذ لم يقدر توطئة، وجعل بدلا من الاسم الذي قبله، فإنه لا يجوز البناء، لأن البدل في نية تكرار العامل، وإذا كان العامل مقدرا منع تقديره من بناء الاسمين وجعلهما كاسم واحد. قال ناظر الجيش: اعلم أنه إذا اقترنت همزة الاستفهام «بلا» كانت على أربعة أقسام: الأول: أن يراد بالهمزة الاستفهام، وبلا النفي فيكون المراد حينئذ الاستفهام عن النفي. الثاني: أن لا يراد حقيقة الاستفهام، إنما يراد التوبيخ والإنكار. الثالث: أن يراد بالكلمة ما يراد «بليت» أي تفيد التمني كما تفيده ليت. الرابع: أن يراد بها التحضيض (٤). أما القسمان الأول والثاني: فللا فيهما من الأحكام ما لها دون الهمزة فينبني -

стр. 1425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الاسم معها إذا كان مفردا ويعرب إن كان غير مفرد، ويجوز إلغاؤها حيث جاز الإلغاء دون همزة، ويجوز مراعاة محل اسمها أيضا فيقال: ألا رجل في الدار بالفتح وحده، وألا صاحب معروف فيها؛ بالنصب وحده، وألا ارعواء ولا حياء لمن شاب قذاله، بالأوجه الخمسة، كما يقال مع عدم [٢/ ١٦٢] الهمزة (١)، وشاهد القسم الأول قول الشاعر: ١٠٨٣ - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد ... إذا ألاقي الّذي لاقاه أمثالي (٢) وشاهد القسم الثاني قول حسان رضي الله تعالى عنه: ١٠٨٤ - ألا طعان ألا فرسان عادية ... إلّا تجشّؤكم حول التّنانير (٣) وقول الآخر: ١٠٨٥ - ألا ارعواء لمن ولّت شبيبته ... وآذنت بمشيب بعده هرم (٤) -

стр. 1426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وزعم أبو علي الشلوبين أنها لا تقع لمجرد الاستفهام عن النفي (١)، ورد على الجزولي (٢) إجازة ذلك، والصحيح أن ذلك جائز، ويدل عليه ما تقدم من قول الشاعر: ١٠٨٦ - ألا اصطبار لسلمى ... البيت لكنه قليل والأكثر أن يراد بالكلمة التوبيخ والإنكار كما سبق تمثيله ببيت حسان وغيره. وأما القسم الثالث: وهو أن يقصد بها معنى التمني، فلها مع مصحوبها فيه من تركيب وعمل ما كان لـ «لا» مجردة من الهمزة، إلا أنها لا تلغى ولا يعتبر في اسمها معنى الابتداء ولا يكون لها خبر لا في اللفظ ولا في (٣) التقدير. والحاصل: أن الاسم يبنى معها إن كان مفردا، ويعرب إن كان مضافا أو معلولا، ولا يلغى بحال، ولا يتبع اسمها إلا على اللفظ خاصة، وليس لها خبر لا لفظا ولا تقديرا، فلا عمل لها إلا في الاسم خاصة، قال سيبويه: ومن قال: لا غلام أفضل منك لم يقل في ألا غلام أفضل منك إلا بالنصب لأنه دخل فيه معنى التمني، وصار مستغنيا عن الخبر انتهى (٤). وهذا الذي أشير إليه هو مذهب سيبويه والخليل والجرمي (٥). ومثال ورودها في التمني قول الشاعر: ١٠٨٧ - ألا عمرو ولّى مستطاع رجوعه ... فيرأب ما أثات يد الغفلات (٦) -

стр. 1427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فنصب يرأب، لأنه جواب عن مقرون بالفاء، ولا يتوهم أن قوله: مستطاع نعت؛ فإنه قد تقرر أن ألا التي للتمني لا تعتبر في اسمها معنى الابتداء بل «مستطاع» خبر مقدم على مبتدأ به، وهو رجوعه والجملة بأسرها في موضع نصب على الصفة، وخالف المازني والمبرد سيبويه فيما ذهب إليه (١) وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: خلافا للمازني والمبرد في جعلها كالمجرورة، يعني كالمجردة من الهمزة فالمازني والمبرد يخالفان سيبويه في ثلاثة الأحكام التي ذكرت، فجوزا إلغاءها واعتبرا في اسمها معنى الابتداء، وجعلا لها خبرا. وحاصل الأمر: أنهما جعلا أحكام «لا» التي للنفي ثابتة لـ «ألا» إذا أريد بها التمني واستدلا على ذلك ببناء الاسم بعدها كما يبنى قبل دخول الهمزة، قال: فكما جرت مع الهمزة مجراها قبل الهمزة في بناء الاسم بعدها، فكذلك تجري مجراها في بقية الأحكام (٢) [٢/ ١٦٣] وقد ردّ ابن عصفور على المازني بما يوقف عليه في كلامه (٣). -

стр. 1428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والفرق بين المذهبين من حيث المعنى: أن في مذهب سيبويه التمني واقع على الاسم وفي مذهب المازني على الخبر كما هو في «ليت» (١) وإذ قد تقرر ذلك فاعلم أن المصنف لم يتعرض إلى كونه «ألا» المتمني بها لا خبر (٢) لها ولم يذكر ذلك في الشرح أيضا ثم إن الشيخ: قال إن قول المصنف في المتن، «وضع الإلغاء» لا حاجة إليه قال: لأن قوله: «لزوم العمل» يدل على منع الإلغاء (٣)، وما قاله الشيخ ظاهر إلا أن يقال: المراد بقوله: ومنع الإلغاء أنها لا تلغى، وإن كررت فيستقيم. وأما القسم الرابع: وهو أن يراد بـ «ألا» التحضيض، وهو الذي عبر عنه المصنف بالعرض في قوله: في غير تمنّ وعرض - فلا مدخل لذكره في هذا الباب لأن حروف التحضيض لا يليها إلا الأفعال، وإنما تعرض المصنف لذكرها لكونها شاكلت بقية الأقسام في اللفظ فقصد إخراجها، وعلى هذا فإذا وليها اسم كان معمولا لفعل مقدر فيكون معربا على حسب ما يقتضيه العامل، ويلزم تنوينه إن كان مما ينون (٤)، ومثال ذلك قول الشاعر (٥): ١٠٨٨ - ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلة تبيت (٦) التقدير: ألا ترونني رجلا فهو بمنزلة قولك: هلا خيرا من ذلك وهذا قول الخليل -

стр. 1429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في هذا البيت، وزعم يونس أن «ألا» في البيت للتمني وأن الشاعر نون للضرورة (١)، وهو خلاف الظاهر، قال الشيخ: وظاهر كلام النحاة أن «ألا» هذه يعنى التي للتحضيض مركبة من همزة الاستفهام و «لا» التي للنفي، ودخلها معنى التحضيض والذي أذهب إليه أنها بسيطة، كما هي بسيطة إذا كانت للتنبيه والاستفتاح (٢) انتهى. وأشار المصنف بقوله: ويجوز إلحاق «لا» العاملة بـ «ليس» فيما لا تمني فيه إلى أنه يجوز إجراء «لا» مجرى ليس فيما لا يقصد به تمنّ من مواضع إعمالها (٣) إن لم يقصد التنصيص على العموم بلفظ ما وليها. فعند ذلك لا يجوز إجراؤها مجرى ليس لأنها إذا جرت مجرى «ليس» جاز أن يكون العموم مقصودا وغير مقصود (٤). والحاصل: أن العاملة عمل «ليس» لا يمتنع أن يراد بما نفيه العموم لكنه محتمل أن لا يراد به العموم، فمن ثم لم يكن لها نصوصية على العموم إذا عملت عمل ليس. * * *

стр. 1430

الباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام [ظن وأخواتها وحكم المفعولين معها] قال ابن مالك: (فتنصبهما مفعولين ولا يحذفان معا أو أحدهما إلّا بدليل ولهما من التّقديم والتّأخير ما لهما مجرّدين ولثانيهما من الأقسام والأحوال ما لخبر «كان» فإن وقع موقعهما ظرف أو شبهه أو ضمير أو اسم إشارة امتنع الاقتصار عليه إن كان أحدهما لا إن لم يكنه ولم يعلم المحذوف). قال ناظر الجيش: قال [٢/ ١٦٤] المصنف (١): أفعال هذا الباب هي النوع الثالث من نواسخ الابتداء وآخر أبوابها، لأن جزأي الإسناد فيه مستويان في النصب كما هما في باب الابتداء مستويان في الرفع، فجعلا طرفين في الترتيب واكتنفا بأن «كان» و «إنّ» لأن أحد الجزأين فيهما مرفوع والآخر منصوب فلم يفترقا، وقد تقدم بيان ما تدخل عليه كان وما لا تدخل عليه، فلذلك أحلت عليه (٢). إلا أن مما لا يدخل عليه «كان» ما اشتمل عليه من المبتدآت على استفهام نحو: أيهم أفضل، وغلام من عندك، فهذا النوع لا يمتنع دخول أفعال هذا الباب عليه «كما امتنع دخول كان عليه» (٣)، فلذلك قلت بعد: الداخل عليهما «كان»: والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام فيقال في أيهم أفضل، وغلام من عنده، أيهم ظننت (٤) وغلام من ظننت عنده، ولا يحذف أحدهما إلا بدليل، -

стр. 1431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يجوز لك في: ظننت زيدا منطلقا أن نقتصر على منطلق، ولا على زيد لئلّا تذكر خبرا دون مخبر عنه أو مخبرا عنه دون خبر. فإن دلّ دليل على المحذوف جاز الحذف كقولك: (قائما) لمن قال: (ما ظننت زيدا) وزيدا لمن قال: من ظننت قائما (١). قال عنترة: - ١٠٨٩ - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره ... منّي بمنزلة المحبّ المكرم (٢) أي فلا تظني غيره كائنا. وقال الآخر: ١٠٩٠ - كأن لم يكن بين إذا كان بعده ... تلاق ولكن إخال تلاقيا (٣) أي لا إخال الكائن تلاقيا، أو لا إخال بعد البين تلاقيا. ومن الحذف لدليل قول الشاعر: -

стр. 1432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٠٩١ - وأنت غريم لا أظنّ قضاءه ... ولا العنزيّ القارظ الدّهر جائيا (١) وقد يحذفان معا إن وجدت فائدة: كقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢)، وقوله تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣) ومنه قول العرب: «من يسمع يخل» (٤)، وقول الشاعر (٥): ١٠٩٢ - بأيّ كتاب أم بأي سنّة ... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب (٦) فلو لم يقارن الحذف قرينة يحصل بسببها فائدة لم يجز كاقتصارك على أظن من قولك: (أظن زيدا منطلقا)، فإنه غير جائز فإن غرضك الإعلام بأن إدراكك لمضمون الجملة بظن لا يتعين فتنزل أظن من جزأي الحديث منزلة في ظني، فكما لا يجوز لمن قال: (زيد منطلق في ظنّي) أن يقتصر على (في ظني)، كذا لا يجوز لمن قال: (أظن زيدا منطلقا) أن يقتصر على أظن، ولأن قائل أظن أو أعلم دون قرينة يدل على تحدد ظن أو علم بمنزلة قائل: (النار حارة) في عدم الفائدة إذ لا -

стр. 1433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يخلو إنسان من ظن «ما» ولا من منع (١) ما ومنع الاقتصار على أظن وغيره على الوجه المذكور هو مذهب سيبويه (٢) والمحققين ممن تدبر كلامه كأبي الحسن بن خروف وابن طاهر (٣)، وأبي علي الشلوبين (٤). ومما يدل على ذلك من كلام سيبويه قوله في باب إضمار المفعولين اللذين [٢/ ١٦٥] يتعدى إليهما فعل الفاعل: «وذلك أن حسبت بمنزلة كان إنما يدخلان على المبتدأ والمبني عليه، فيكونان في الاحتياج على حال، ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ، فالمنصوبان بعد «حسبت» بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد «ليس» و «كان»، وكذلك الحروف التي بمنزلة حسبت، وكان» (٥) هذا نصه. فصرح بأن حسبت مع مرفوعها في احتياج إلى المنصوبين بمنزلة «ليس» و «كان» في احتياجهما إلى المرفوع والمنصوب، فكما لا يقتصر على «ليس» و «كان» دون المرفوع والمنصوب لا يقتصر على «حسبت» ومرفوعها دون المنصوبين، وهذا واضح، ويؤيده قوله في آخر الباب الذي يلي الباب المشار إليه بعد ذكر حسبت وأخواتها: والأفعال الأخر إنما هي بمنزلة اسم مبتدأ والأسماء مبنية عليها، ألا ترى أنك تقتصر على الاسم كما تقتصر على المبني على المبتدأ يريد أنك تقتصر على ضربت، كما تقتصر على المبتدأ وخبره. ثم قال: فلما صار «حسبت» وأخواتها بتلك المنزلة جعلت بمنزلة إنّ وأخواتها إذا قلت «إني» و «لعلي» لأن «إنّ» وأخواتها لا يقتصر على الأسم الذي يقع بعدها (٦) فجعل افتقار «حسبت» وأخواتها مع فاعلها إلى الجزأين كافتقار «إنّ» و «لعل» مع منصوبيهما إلى الخبر وهذا أيضا واضح. -

стр. 1434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي الكلام تسوية بين حسبت وأخواتها نعم إنه حين قال: لأنك قد تقول: ظننت فيقتصر، لم يقصد الإطلاق والاختصاص، بل قصد التنبيه على أن بعض المواضع قد يقتصر فيه على الفعل ومرفوعه لقرينة تحصل بها الفائدة واكتفي بظننت اختصارا واتكالا على العلم بمساواة غير ظننت لظننت، وذهب ابن السراج (١) والسيرافي إلى جواز الاقتصار على مرفوع هذه الأفعال مطلقا (٢) وكان الذي دعاهما لهذا أن الأخفش قال في كتابه المسمى بالمسائل الصغرى: تقول: خبرت عبد الله، وظن عبد الله، وأعلم عبد الله، إذا كنت تخبر عن الفعل (٣) هذا نصه. والذي عندي في هذا أن الأخفش لم يقصد جواز الاقتصار مطلقا، بل مع قرينة محصلة للفائدة، كقولك لمن قال: (من ظنني ذاهبا؟): (ظن عبد الله)، ولمن قال: (من أعلمك أني ذاهب؟): (أعلم عبد الله) ولذلك قال: إذا كنت تخبر، فإن الناطق بما لا فائدة فيه ليس بمخبر. وأشرت بقولي: «ولهما من التقديم والتأخير ما لهما مجردين» إلى أن الأصل تقديم المفعول الأول وتأخير المفعول الثاني، وأنه قد يعرض ما يوجب البقاء على الأصل، وما يوجب الخروج عنه، كما يعرض في باب الابتداء، فإن لم يعرض موجب لأحد الأمرين جاز التقديم والتأخير فمن [٢/ ١٦٦] موجبات البقاء على الأصل: تساويهما في تعريف أو تنكير (٤)، نحو: ظننت زيدا صديقك وعلمت خيرا منك فقيرا إليك، ومن موجبات الخروج عن الأصل حصر المفعول الثاني (٥) نحو: ما ظننت زيدا إلا بخيلا، وقد بينت أسباب البقاء على الأصل والخروج عنه في باب الابتداء مستوفاة فأغنى ذلك عن استيفائها هنا وأكتفي بالإحالة -

стр. 1435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليها (١). ثم قلت: ولثانيهما من الأقسام والأحوال فالخبر «كان» أي لثاني مفعولي هذه الأفعال من ذلك ما لخبر «كان» (٢) وإنما كان ما قرر لذلك لتساويهما في الخبرية، واستحقاق النصب، وقد ذكرت الأقسام والأحوال هناك فلم يكن هنا حاجة إلى ذكرها، وقد يقع بعد إسناد هذه الأفعال إلى فاعليها ظرف أو جار ومجرور، أو ضمير أو اسم إشارة فيمتنع الاقتصار عليه إن كان أحد المفعولين لا إن لم يكن أحدهما فالاقتصار على «عندك» إذا قلت: ظننت عندك - جائز، إن جعل ظرفا لحصول الظن، وغير جائز إن جعل مفعولا ثانيا والآخر محذوف والاقتصار على لك إذا قلت: ظننت لك جائز إن جعل علة لحصول الظن، وغير جائز إن جعل مفعولا ثانيا، والآخر محذوف وكذا لو قلت: ظننته أو ظننت ذاك مقتصر جاز إن عني بالضمير واسم الإشارة المصدر ولم يجز إن عني أحد المفعولين، ولم يفهم الآخر بدليل كقول من قيل له: (أظننته صديقك؟): (نعم ظننته) (٣)، وقال الفراء في «ظننت ذاك»: ذاك اسم إشارة إلى الحديث أجرته العرب مجرى المفعولين يقول القائل: كان من الأمر كذا وكذا فيقول المخبر: قد ظننت ذاك، قال ابن خروف: وهو قول لا بأس به، وقال أبو زيد في مصادره: خلت ذاك أخاله خالا، والأظهر أن يكون ذاك إشارة إلى الحديث لذكره المصدر بعده (٤). انتهى. وهو كلام مختصر نظيف واف بالمقصود يشنف الأسماع ويستميل الطباع. لكن ثمّ أمور ننبه عليها: منها: أن السهيلي نازع في كون مفعولي هذه الأفعال أصلهما المبتدأ والخبر مستدلا بأنك تقول: ظننت زيدا عمرا، ولا يجوز أن تقول: زيد عمرو إلا على -

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جهة التشبيه، وأنت لم ترد ذلك مع ظننت (١)، ولك أن تدعي أن من قال: ظننت زيدا عمرا صح عنده قبل دخول ظننت أن يكون زيد عمرو مبتدأ وخبرا، لأن حقيقة ظننت زيدا عمرا، ظننت المسمى زيدا المسمى عمرا. وإذا كان كذلك صح أن يقال: المسمى زيدا في نفس الأمر هو المسمى عمرا عندي، فقد صح الإخبار بالثاني عن الأول، باعتبار ما يتوهمه المتكلم، وإن كان ذلك ليس بصحيح في الواقع، وإذا كان كذلك فظننت [٢/ ١٦٧] في قول القائل: ظننت زيدا عمرا إنما دخلت على ما كان مبتدأ وخبرا عنده، فهو يخبر بذلك منبها على غلطه أولا. ومنها: أنهم قالوا: إن حق هذه الأفعال المذكورة في هذا الباب أن لا تعمل، لأن كل عامل يدخل على الجملة، فإنه لا يعمل فيها نحو قولك: قال زيد عمرو منطلق، وقرأت «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» *، قالوا: لكنها شبهت بأفعال باب أعطيت في أنها أفعال كما أن تلك أفعال وتطلب اسمين كطلبها، فلذلك نصبت المفعولين قال. وإنما لم يشبه «قال» و «قرأت» بأعطيت فتنصب بهما لأن ظننت وأخواتها لا يليها إلا اسمان أو ما هو بمنزلتهما كما أن أعطيت وأخواتها لا تطلب إلا اسمين. وقال وقرأت قد تدخل بعدهما الجمل الفعلية نحو: قال زيد قائم عمرو، وقرأت «اقتربت السّاعة» فكانت ظننت وأخواتها أشبه بأعطيت وأخواتها من «قلت» و «قرأت» وأمثالهما، قالوا: ولكون حق هذه الأفعال أن لا تعمل انفردت بجواز -

стр. 1437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإلغاء، لأن في ذلك رجوعا إلى الأصل. انتهى ما قالوه (١). ولم يظهر لي كون هذه الأفعال إنما عملت لشبهها بأعطيت، لأن الشبه الذي ذكروه من وقوع اسمين بعدها لا أثر له في استحقاق العمل بوجه، وقد يقال: إن هذه الأفعال لما أحدثت في النسبة التي بين الاسمين الواقعين بعدها يقينا أو ظنّا كان لها تسليط (٢) على النسبة لتعلقها بها فاستحقت التأثير فيما تعلقت به كما استحق أعطيت التأثير في زيد درهم إذا قلت: أعطيت زيدا درهما لتعلقه بهما لكن النسبة لا يظهر للعامل أثر فيها فجعلوا تأثير الأفعال المذكورة في المنتسبين الواقعين بعدها دليلا على تعلقها بالنسبة، وأنها أحدثت أمرا لم يكن قبل. وقد نزع الإمام بدر الدين ولد المصنف منزعا غير ما ذكروه فقال: الجملة الواقعة بعد القول تحكى ولا يعمل فيها القول كما يعمل الظن، لأن الظن يقتضي الجملة من جهة معناها، فجزآها معه كالمفعولين من باب أعطيت، فصح أن ينصبهما الظن نصب أعطيته مفعوليه، وأما القول فيقتضي الجملة من جهة لفظها، فلم يصح أن ينصب جزأيها مفعولين لأنه لم يقتضها من جهة معناها، فلم يشبه باب أعطيت ولا أن ينصبها مفعولا واحدا، لأن الجمل لا إعراب لها فلم يبق إلا الحكاية (٣). وقال ابن هشام (٤): هذا قول بعض المتأخرين يعني قول من قال: إن ظننت إنما عملت للتشبيه بأعطيت، وذلك أن كل عامل يدخل على الجملة فإنه لا يعمل فيها نحو «قلت»، و «كنت» إذا كانت الجملة في موضع خبرها، وكذلك أسماء الزمان إذا أضفتها إلى جملة المبتدأ والخبر وكذلك المبتدأ [٢/ ١٦٨] إذا كان خبره جملة، فكان الواجب في هذه الأفعال أن تكون كذلك، لولا هذا التشبيه، وقد أولع أبو علي الشلوبين بهذا المذهب، وهو لا يصح إذا حقق النظر فيه. انتهى. -

стр. 1438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا الذي ذكره ابن هشام يحقق ما قلته أولا في البحث المتقدم آنفا. ثم قال ابن هشام: ومذهب سيبويه أن ما دخل على الجملة مما شأنه وأصله أن يدخل على المفرد فالجملة تبقى معه على حالها حكاية، لأنها بجملتها تنزلت منزلة المفرد فالاسم منها والفعل أحد جزئيها فينزل منزلة بعض الكلمة والعامل لا يعمل في بعض الكلمة، فبقيت على إعرابها حكاية والذي ليس من شأنه أن يدخل على مفرد مثل كان وأخواتها، وإنّ وأخواتها وظننت وأخواتها يصير مثل الفعل الداخل على اثنين، فما كان فعلا يجري مجرى الأفعال لأجل التشبيه وما كان غير فعل عمل بالتشبيه، لو لم يعمل بحكم أصله، هذا مذهب سيبويه والنحويين المتقدمين (١) قال: وقد رأينا العامل اللفظي يزيل الابتداء نحو: زيد قام إذا قدمت الاسم رفعت الاسم به ولم تشغله بضميره كما تعمل إذا تأخر، وكذلك ما يدخل عليه طالبا له من جهة والخبر مع جهة تخلع الابتداء وتستأثر بالعمل، لأنه أقوى منه، وإذا عملت الحروف نحو: إنّ وأخواتها وما ولا، ولات في هذه الجملة بما أدت معانيها فيها، فالفعل أولى بالعمل وأوجب أن لا يجوز فيها غير ذلك انتهى (٢) كلام ابن هشام، وهو كلام سديد تركن إليه النفس وتقبله. ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف في متن الكتاب وتقريره في الشرح - أن حذف المفعولين في هذا الباب، وحذف أحدهما لا يجوز إلا لدليل وأما من غير دليل فلا يجوز والحذف لدليل هو حذف الاختصار والحذف لا لدليل هو حذف الاقتصار، وحذف المفعولين اختصارا مجمع على جوازه ومنه: ١٠٩٣ - بأيّ كتاب أم بأيّ سنّة ... ... البيت (٣) أي وتحسب حبّهم عارا عليّ. وأما حذفهما اقتصارا فذكر ابن عصفور فيه ثلاثة مذاهب: قال: منهم من منع وهو الأخفش ومنهم من أخذ بمذهبه ومنهم من أجاز وعليه أكثر النحويين. -

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنهم من فصل فأجاز في «ظننت» وما في معناها، ومنع في «علمت» وما في معناها وهو مذهب الأعلم (١) ومن أخذ بمذهبه. فأما الأخفش فحجته أن هذه الأفعال قد تجرى مجرى القسم ومفعولاتها تجرى مجرى جواب القسم بدليل أن العرب تتلقاها [٢/ ١٦٩] بما تتلقى به القسم، فكما لا يبقى القسم دون جواب كذلك لا تستغني هذه الأفعال عن مفعولاتها. وهذا لا حجة فيه، لأن العرب لا تضمّنها معنى القسم على اللزوم، فماذا يمنع من الحذف إذا لم يضمن معنى القسم؟ وأما الأعلم فحجته أن الكلام مبني على الفائدة، وإذا قلت: «ظننت» كان مفيدا، لأن الإنسان قد يخلو من الظن، وإذا قلت «علمت» كان غير مفيد لأن الإنسان لا يخلو من علم. وهذا فاسد، لأن الكلام إذا أمكن حمله على ما فيه فائدة كان أولى: فإذا قال قائل: علمت - علمت أنه أراد أن يخبر بأنه وقع منه علم ما لم يكن يعلم إذ حمله على خلاف ذلك غير مفيد. والصحيح أنه يجوز حذف المفعولين في علمت وظننت وما في معناهما وقد جاء ذلك في كلامهم: حكى سيبويه: أنهم يقولون: من يسمع يخل معناه يقع منه خيلة وقال الله تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٢) أي يعلم وليس في الكتاب خلاء عن مذهب سيبويه. فأما حذف أحدهما اختصارا: فجائز لكنه قليل ومنه: ١٠٩٤ - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره (٣) ... ... البيت أي فلا تظني غيره كائنا أو واقعا. وأما حذفه اقتصارا: فلا يجوز أصلا ولا خلاف في منعه بين أحد من النحويين لما يؤدي إليه من بقاء خبر دون مخبر عنه أو في مخبر عنه دون خبر (٤) انتهى. -

стр. 1440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد تبين من كلام المصنف المتقدم واستدلاله أن حذف المفعولين اقتصارا غير جائز، ولا يبعد أن ذاك هو الحق، وما استدل به ابن عصفور على جواز الحذف اقتصارا قد استدل به المصنف على أن الحذف فيه حذف اختصارا (١). واعلم أن بعض المغاربة، وهو ابن ملكون (٢) قد شذ فذهب إلى أنه لا يجوز حذف أحد المفعولين اختصارا كما لا يجوز اقتصارا، وقاس هذا الباب على باب كان (٣)، وقد رد عليه ذلك وفرقوا بين هذا الباب وباب كان بأن المرفوع هناك كالفاعل فلا يحذف والمنصوب كالحدث للأفعال فصار عوضا منه، فامتنع حذفه إذ صار جزءا من الفعل (٤)، وقد تقدم ذكر شواهد الحذف أعني حذف أحد المفعولين ومنها قول الشاعر: ١٠٩٥ - تلذّ لطعمه وتخال فيه ... إذا نبّهتها بعد المنام (٥) -
следующие страницы →