← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فضرورة يحفظ ولا يقاس عليه؛ لأن أولى كان «إياهم» وهو مفعول عوّد، ثم قال: ما معناه: ولا يجوز أن يكون في كان ضمير الأمر والشأن؛ لأن ذلك يؤدي إلى ما لا يجوز، وذلك أن خبر المبتدأ لا يتقدم معموله على المبتدأ إذا كان فعلا (١)، فجعل علة منع التقديم ما ترى، وقال في شرح المقرب (٢) في مسألة: كانت زيد الحمى تأخذه، بعد أن حكم عليها بالمنع؛ فإن جعلت الحمى مبتدأ، وتأخذ في موضع خبره، وزيدا منصوبا بتأخذ والجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر كان، واسم كان ضمير قصة مستتر فيها فإن في ذلك خلافا بين النحويين، منهم من أجاز ذلك؛ لأنك إنما أوليت كان اسمها وهو ضمير القصة وهو قول الفارسي في الإيضاح (٣)، ومنهم من منع لما يلزم فيه من الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي منها (٤). وإلى ذلك ذهب أبو علي في التذكرة فقال: إن قولك: زيد أجله أحرز، وزيدا أبوه ضربت، حكى أحمد عن الكسائي أنه كان يجيزه مع الدائم وهشام يجيزه مع الماضي والمستقبل والدائم «ثم» قال: ووجه إجازة الكسائي ذلك مع اسم الفاعل وامتناعه من إجازته مع الماضي والمستقبل أنه إذا كان «زيدا أجله محرز» لم يفصل بين الفاعل والمفعول بالأجنبي الذي هو «أجله»، كما يفصل بين الماضي والمستقبل ألا ترى أن الأجل الذي هو مبتدأ لا ينزل منزلة الأجنبي، وأنه مع الخبر الذي هو اسم الفاعل بمنزلة الفعل والفاعل، وإنما كان كذلك؛ لأن اسم الفاعل لا ينصب من غير أن ينضم إلى المبتدأ، كما أن الفعل لا ينصب حتى ينضم إليه الفاعل، فلما -

стр. 1647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان كذلك صار المبتدأ مع اسم الفاعل كالفعل والفاعل، فكما لا يمتنع: زيدا ضرب غلامه؛ كذلك لا يمتنع: زيدا أجله محرز. ومما بين ذلك أن سيبويه (١) لا يرى النصب في قولك: أأنت زيد ضربته؛ للفصل، ولو قال: أأنت زيدا ضاربه غدا نصبه، ونزل الفاعل في المعنى مع اسم الفاعل منزلة يفعل، وكذلك يقول الكسائي: اسم الفاعل مع المبتدأ بمنزلة الفعل والفاعل فتقول: زيدا أجله محرز، كما تقول: زيد يحرز الأجل، وليس كذلك يحرز وأحرز؛ لأن كل واحد منهما مستقل (٢) بفاعله؛ فيصير المبتدأ الفاصل بين الفعل والمفعول أجنبيّا عنهما. هذا كلامه في التذكرة وهو يعطي أن الراجح [٢/ ٢٧٩] عنده أن تقديم معمول الفعل الواقع في موضع الخبر على المبتدأ لا يجوز، وإذا كان ذلك عنده غير جائز فينبغي أن لا يجيز: كانت زيدا الحمى تأخذ؛ جعلت في كان ضميرا لقصة، أو لم تجعل؛ لأنك في الوجه الواحد وهو: أن تجعل «الحمى» مرفوعا بـ «كانت» يلزمك الفصل بينها وبين اسمها بأجنبي عنها، وفي الوجه الآخر وهو: أن تجعل في كان ضميرا لقصة يلزمك أن تقدم معمول الخبر - وهو فعل - على المبتدأ. انتهى كلام ابن عصفور. وقد ظهر لك منه أولا وآخرا وبحثا وتعليلا: أن محط المنع - أعني منع التقديم - إنما هو كون المعمول معمول فعل واقع خبر المبتدأ، لا ما تقتضيه عبارة الشيخ، وإذا كان كذلك؛ فقد تم البحث الذي بحثه وسلم من الخدش. ومنها: أن المصنف ذكر لوجوب النصب سببين وهما: ١ - أن يتلو الاسم ما يختص بالفعل نحو: إن زيدا ضربته عقل. ٢ - أن يتلوه استفهام بغير الهمزة نحو: هل مرادك نلته؟ فشمل قوله: (ما يختص بالفعل) أدوات الشرط العاملة، وأدوات التّحضيض، و «لو» شرطية كانت أو امتناعية، و «إذا» الشرطية (٣)، إلا أنه يجب التنبيه هنا على شيء وهو: أن أدوات الشرط يتعين أن يليها الفعل لفظا، ولا يليها الاسم -

стр. 1648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ متقدما على الفعل إلا في الضرورة نحو قوله (١): ١٢٩٧ - فمتى واغل يزرهم يحيّو ... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي (٢) ونحو قول الآخر (٣): ١٢٩٨ - صعدة نابتة في حائر ... أينما الرّيح تميّلها تمل (٤) ويستثنى من الأدوات المذكورة «إن» فإن الاسم يجوز أن يليها في الكلام؛ لأنها أم الباب يعني أنها الأصل في إفادة معنى الشرط، لكن يشترط أن يكون الفعل الواقع بعد الاسم الذي يليها ماضيا نحو: إن زيدا أكرمته أكرمك (٥)، كما يقرر ذلك في باب جوازم الأفعال، وعلى هذا: فالاشتغال يتصور في الاسم الواقع بعد أدوات الشرط؛ إمّا في الكلام كأن يشترط كون الفعل الواقع بعد الاسم ماضيا كما تقدم، وإما في الشعر كما في الأدوات. وأما السبب الثاني؛ وهو أن يتلو الاسم استفهاما بغير الهمزة نحو: هل مرادك نلته؟ فقد يقال: المعروف أن أدوات الاستفهام غير الهمزة إذا وقع بعدها الاسم والفعل تقدم الفعل على الاسم؛ ولهذا إن ابن عصفور لما ذكر هذا الحكم قال: -

стр. 1649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا تكون المسألة من باب الاشتغال (١)، وعلى هذا يقال: كيف ذكر المصنف من باب الاشتغال ما لا يكون فيه اشتغال؟. والجواب: أنهم نصوا على أنه يجوز تقديم الاسم على الفعل في الشعر، وإذا كان التقديم جائزا في موضع جاء الاشتغال حيث جاز التقديم؛ فالاشتغال متصور مع أدوات الاستفهام في الجملة، وهذا كما قلناه في أدوات الشرط، غير أن الاشتغال [٢/ ٢٨٠] يتصور معها، وقد رأيت في كلام الشيخ ما يقتضي جواز الاشتغال مع أدوات الاستفهام مطلقا، وذلك أنه قال بعد ذكر «هل مرادك نلته؟» فالنصب هنا واجب؛ وذلك أن «هل» إذا جاء بعدها اسم وفعل وليها الفعل دون الاسم، ولا يجوز أن يليها الاسم لو قلت: هل زيدا ضربت؟ لم يجز إلا في الشعر، فإذا جاء في الكلام: هل زيدا ضربته؟ كان ذلك على الاشتغال، والتقدير: هل ضربت زيدا ضربته؟ فتكون «هل» وليت الفعل، هذا مذهب سيبويه، وخالفه الكسائي وذهب إلى أنه يجوز أن يليها الاسم وإن جاء معه الفعل، وأجاز أن يرتفع بالابتداء فنقول: هل زيد ضربته؟ فعلى رأيه يجوز رفع زيد ونصبه على الاشتغال (٢). انتهى. وهو مخالف لما قاله ابن عصفور، والناظر يحتاج إلى أن يحقق المسألة على أن كلام ابن عصفور موافق لكلام الناس في المسألة (٣). ثم قال الشيخ: ويشمل قول المصنف: (بغير الهمزة) أدوات الاستفهام نحو: هل، ومتى، وغيرهما، تقول: من أمة الله تضربها؟ فإن وليت اسم الاستفهام الأفعال نحو: من رأيته؟ فيحتمل أن يقدر بوجهين: أحدهما: تقدير الهمزة والاسم بعدها كأنك قلت: أزيدا رأيته، فيكون في موضع نصب، ويحتمل أن يقدر تقديم الاسم المقتدم على الاستفهام، كأنك قلت: زيدا رأيته؛ فلا يكون إلا الرفع ويظهر ذلك في «أي» إذا قلت: أيهم ضربته؟ نصبا ورفعا، قال: وكذلك أسماء الشرط. وإذا اجتمع بعد اسم الاستفهام الاسم والفعل؛ قدم الفعل، كهو مع هل، وقال سيبويه: إن قلت: أيهم زيدا ضرب؟ قبح .. انتهى كلام الشيخ (٤). -

стр. 1650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أنه قد عرف من قول المصنف: بعامل لا يظهر، أن عامل النصب في الاسم المشتغل عنه شيء مقدر، وهذا مذهب البصريين وعليه التعويل وهو الحق. وللكوفيين في العامل مذهبان آخران: أحدهما: قول الكسائي وهو: أن الناصب للاسم العامل الذي بعده على إلغاء العائد (١). والآخر: قول الفراء وهو: أن العامل عامل في الاسم وفي الضمير معا (٢). والمذهبان لا معول عليهما، ويبطل مذهب الكسائي أن العامل قد يكون متعلقه السببي فلا يمكن أن يلغى؛ لأنه في الحقيقة هو مطلوب العامل نحو: زيدا ضربت غلام رجل يحبه، ويبطل مذهب الفراء أن الفعل المتعدي إلى واحد، يصير متعديا في باب الاشتغال إلى اثنين، والمتعدّي إلى اثنين يصير متعديا فيه إلى ثلاثة وهذا خرم للقواعد. ويبطل المذهبين معا أن العامل قد يكون متعديا بحرف الجر فكيف يجوز أن يتعدى إلى الاسم السابق (٣) [٢/ ٢٨١] بنفسه، وقد ردّ الفراء على البصريين بوجوه ثلاثة لكنها ضعيفة، والجواب عنها أسهل، وإنما تركت إيراد ذلك؛ خشية الإطالة (٤). ومنها: أن الشيخ تعرض إلى ذكر المثال الذي مثّل به المصنف لما العامل فيه شبه الفعل -

стр. 1651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو: أزيدا أنت ضاربه؟ وأنّ التقدير: أضارب زيدا أنت ضاربه؟ فقال: لم يبين المصنف إعراب هذا الكلام، وفي البسيط: إذا قلت: زيدا أنت ضاربه، وأدخلت الحروف التي يعتمد عليها اسم الفاعل؛ جاز في الاسم النصب بإضمار فعل، وجاز أن يكون بتقدير اسم فاعل لصحة اعتماده، قيل: ويجب أن يكون «أنت» مرتفعا (به) (١)؛ لأنه إما يكون اسم الفاعل مبتدأ به أو خبرا متقدما، وهو في كل حال مفتقر إليه، ويرتفع ضارب الثاني بتقدير ابتداء آخر (٢). ومنها: أنك قد عرفت أن الاسم السابق قد يرتفع مع أن ضميره منصوب، وذلك بأن يضمر فعل مطاوع للفعل الظاهر وعليه قول لبيد: ١٢٩٩ - فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب (٣) وقول الآخر: ١٣٠٠ - أتجزع إن نفس أتاها حمامها (٤) وكذا: ١٣٠١ - لا تجزعي إن منفس أهلكته (٥) في رواية من رفع منفسا، وقد تقدم تقرير ذلك في كلام المصنف (٦)، ولكن المغاربة لم يجنحوا إلى ما جنح إليه المصنف من إضمار المطاوع ولهم في بيت لبيد تخريجات: قيل: إن «أنت» مرفوع على الابتداء، قال الشيخ: وهذا وجه ذكره سيبويه إذا كان الخبر فعلا نحو: إن الله أمكنني من فلان (٧)، وذكره ابن جني عن الأخفش (٨)، وقيل: إن هذا مما وضع فيه ضمير الرفع موضع ضمير النصب كما وضع ضمير المنصوب موضع المرفوع في قولهم: لم يضربني إلّا إيّاه، وفي المحكي -

стр. 1652

[مواضع ترجيح النصب في المشغول عنه] قال ابن مالك: (ويرجّح نصبه على رفعه بالابتداء إن أجيب به استفهام بمفعول ما يليه، أو بمضاف إليه مفعول ما يليه، أو وليه فعل أمر أو نهي أو دعاء، أو ولي هو همزة استفهام، أو حرف نفي لا يختصّ أو «حيث» [٢/ ٢٨٢] أو عاطفا على جملة فعليّة تحقيقا أو تشبيها، أو كان الرّفع يوهم وصفا مخلّا). ــ من كلام العرب: «فإذا هو إياها» (١)، وفي الحديث: «من خرج إلى الصّلاة لا تنهزه إلّا إيّاها» (٢)، وهذان التخريجان للسهيلي (٣). وقيل: إنه مرفوع بإضمار فعل يفسره المعنى ولا يكون من باب الاشتغال، التقدير: فإن ضللت لم ينفعك علمك، فأضمر «ضللت» لفهم المعنى، وبرز الضمير لما استتر الفعل، وهذا التخريج هو الذي ذكره ابن عصفور (٤)، واعلم أن الذي ذكره المصنف أسهل من هذا الذي ذكروه فالقول به أولى؛ إذ لا مانع منه، ثم إنه يتمشى مع الأبيات الثلاثة التي ذكرها ولا يحتاج فيها إلى تكلف. قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على تبيين موانع نصب الاسم وتبيين موجبات نصبه؛ شرع في تبيين مرجحات نصبه على رفعه بالابتداء، والأسباب المرجحة التي ذكرها سبعة (٥): -

стр. 1653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأوّل: أن يجاب به استفهام بمفعول ما يليه، أو بمضاف إليه مفعول ما يليه؛ فالأول كقولك: زيدا ضربته؛ في جواب من قال: أيّهم ضربت؟، أو: من ضربت؟، والثاني: كقولك: ثوب زيد لبسته؛ في جواب من قال: ثوب أيّهم لبست؟ (١)، فلو كان الاسم المستفهم غير مفعول نحو: أيّهم ضربته؟ فالجواب: زيد ضربته؛ بالرفع عند سبيويه، ولا يجيز النصب إلا على حد: زيدا ضربته؛ غير جواب (٢)، ونقل الشيخ: أن الأخفش يجوز النصب على حد ما يجوز في العطف في الجملة ذات الوجهين (٣). واعلم أنهم أجروا ما ليس جوابا لاسم استفهام مجرى ما هو جواب له، فإذا قيل: هل رأيت زيدا؟ قيل: لا، ولكن عبد الله لقيته؛ قالوا: فهذا في حكم الجواب، وإن لم يكن هو المسئول عنه؛ لكنه لما كان جوابا في الجملة جرى مجرى الأول، وكذا لو عطفت فقلت: لا، بل عمرو لقيته، أو نعم، عمرا لقيته (٤). ولم يظهر لي تقييد قوله: استفهام بمفعول، بقوله: ما يليه، ولا عرفت ما فائدته، ولا عن أي شيء احترز به، ويظهر أنه لو اقتصر على قوله: استفهام بمفعول كان كافيا، فإن ذلك يخرج الاستفهام بغير مفعول، كالاستفهام بمبتدأ كما تقدم. الثاني: أن يلي الاسم السابق فعل ذو طلب، وهو فعل: أمر، أو نهي، أو دعاء؛ كقولك: زيدا ذره، وعمرا لا تقربه، وذنوبنا اللهمّ اغفرها، وكذا إذا كان الأمر لغير مخاطب نحو: زيدا ليضربه عمرو، فإن لام الأمر ليست من حروف الصدر، فجائز لما بعدها أن يفسر عاملا فيما قبلها، ولو كان الأمر بصيغة الخبر كان الحكم كذلك نحو: الأولاد يرضعهن الوالدات، وكذا: زيدا ﵀، وزيدا يعذبه الله (٥). وأما قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا (٦)، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا (٧)؛ -

стр. 1654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقد عرفت مذهب سيبويه والمبرد في الآيتين الشريفتين ما هو (١)، وابن السيد حكم بأن نحو ذلك من باب الاشتغال، وأجاب عن عدم النصب بأن المبتدأ في الآيتين الشريفتين المراد به العموم، وحاصل كلامه أنه يفرق في الاسم الواقع بعده فعل ذو طلب بين أن يكون مقصودا به الخصوص، فيختار فيه النصب أو مقصودا به العموم فيختار فيه الرفع، وعلل ذلك بأن الذي يراد به العموم يشبه الشرط في العموم [٢/ ٢٨٣] والإبهام (٢). وليعلم أن الاسم الذي في معنى فعل الأمر (٣) حكمه حكم الفعل نحو: زيدا ضربا إيّاه (٤)، وهذا الحكم يستفاد من قول المصنف في ابتداء الباب: (إذا انتصب ضمير اسم بجائز العمل فيما قبله) فمن هنا يعلم أنه لا فرق بين الفعل والاسم إذا وجد الوصف الذي ذكره. الثالث: أن يلي الاسم السابق همزة استفهام نحو: أزيدا ضربته؟، وخصصت الهمزة بذكرها مع مرجحات النصب؛ لأن غيرها من أدوات الاستفهام من موجبات النصب كما عرفت، واستفيد من قول المصنف: (أو ولي هو همزة استفهام) أنه إذا لم يل الهمزة بأن يكون بينهما فاصل فلا يختار الرفع؛ لأن الهمزة مع الفاصل لا أثر لها إلا أن يكون الفاصل ظرفا نحو: أكلّ يوم عمرا تكرمه؟؛ لأن الظرف لا يعد فاصلا بالحقيقة، وسواء أكان الاستفهام عن الفعل أم عن الاسم نحو: أزيدا ضربته؟ ونحو: زيدا ضربته أم عمرا (٥)، وقال ابن الطراوة: إن كان الاستفهام عن الفعل؛ اختير الرفع (٦)، وقد -

стр. 1655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ استشهد بقول الشاعر (١): ١٣٠٢ - أثعلبة الفوارس أم رياحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا (٢) وزعم ابن الطراوة أن سيبويه أخطأ (٣)، قلت: وهذه مكابرة منه لسيبويه. ومن كلام العرب: أزيدا ضربت أم عمرا؟ بالنصب وهو سؤال عن الاسم وفي شرح الشيخ: وينبغي أن يقدر الفعل متأخرا عن الاسم، فيقدر في نحو: أزيدا ضربته أم عمرا؟ أزيدا ضربت ضربته أم عمرا؟ (٤). الرابع: أن يلي الاسم السابق حرف نفي لا يختص نحو: ما عمرا أهنته، ونحو: لا زيدا قتلته ولا عمرا (٥). قال المصنف: وقيل: حرف نفي؛ احترازا من النفي بليس؛ فإنها فعل، وإذا وليها الاسم السابق كان اسمها فيتعين رفعه نحو: ليس زيد أبغضه، وقيد حرف النفي بكونه لا يختص؛ احترازا من «لن» و «لم» و «لمّا» الجازمة؛ لأن الاسم لا يلي واحدا منها إلا في ضرورة، وحكمه حينئذ أن يضمر له على سبيل الوجوب فعل يفسره المشغول كما قال الشاعر: ١٣٠٣ - ظننت فقيرا ذا غنى ثمّ نلته ... فلم ذا رجاء ألقه غير واهب (٦) -

стр. 1656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: فلم ألقه ذا رجاء ألقه غير واهب (١). انتهى. قال الشيخ: ما ذكره المصنف من أنه إذا ولي المشتغل عنه حرف نفي لا يختص يختار فيه النصب، كحاله إذا ولي همزة الاستفهام مخالف لظاهر كلام سيبويه، فإن سيبويه لما ذكر النصب فيه قال بعد ذلك: وإن شئت رفعت، والرفع فيه أقوى؛ إذ كان يكون في ألف الاستفهام؛ لأنهن نفي واجب، يبتدأ بعدهن، ويبنى على المبتدأ [٢/ ٢٨٤] بعدهن، ولم يبلغن أن يكن مثل ما شبهن به (٢). وأطال الكلام في المسألة ثم قال: فصار في المسألة ثلاثة مذاهب: استواء الرفع والنصب، وأرجحية الرفع، وأرجحية النصب (٣). والحاصل: أنه ذكر عن النحاة نقولا مضطربة، والذي يظهر أن النصب أقوى من الرفع (٤)، قال ابن عصفور: وهو مذهب الجمهور (٥)، قلت: ولا يلزم من قول سيبويه: والرفع فيه أقوى؛ أنه أقوى من النصب، بل يمكن أن يريد أن الرفع فيه أقوى منه في الاستفهام مع كون النصب راجحا عليه. الخامس: أن يلي الاسم السابق «حيث» كقولك: حيث زيدا تلقاه يكرمك، وعلّل ذلك بأن «حيث» في معنى حروف المجازاة؛ فكان النصب أرجح (٦). السادس: أن يلي الاسم السابق حرف عطف قبله جملة فعلية، متعديا كان فعلها أو غير متعد؛ فالمتعدي نحو: لقيت زيدا وعمرا كلمته، وغير المتعدي نحو: جاء سعد وسعيدا زرته، فنصب «عمرو» و «سعيد» راجح على رفعهما؛ لأنك في نصبهما عاطف جملة فعلية على جملة فعلية، وأنت في رفعهما عاطف جملة ابتدائية على جملة فعلية، والمشاركة في عطف الجمل راجحة (٧)؛ قال الله تعالى: -

стр. 1657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ (١)، وقال تعالى: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (٢) التقدير: وأغرقنا قوم نوح وأضل فريقا، ومنه قول الربيع (٣): ١٣٠٤ - أصبحت لا أملك السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا (٤) وقول الآخر وهو امرؤ القيس: ١٣٠٥ - وأضحى يسحّ الماء من كلّ فيقة ... يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطما إلّا مشيدا بجندل (٥) فـ «تيماء» كالذئب في قول الربيع غير أن المقدر في لفظ الربيع لفظ المفسر، والمقدر في قول امرئ القيس من معناه أي: «خرب تيماء؛ لأنه إذا لم يترك بها جذع نخلة ولا أطما فقد خربها وهدمها. قال المصنف: وليس الغرض في ترجيح نصب ما بعد العاطف إلا تعادل اللفظ ظاهرا، ولولا ذلك لم يرجح بعد «حتى»؛ لأنها لا يعطف بها جملة بل مفرد على كل، فإذا قلت: ضربت القوم حتى زيدا ضربت أخاه؛ فـ «حتى» حرف ابتداء، ولكن لما وليها في اللفظ بعض ما قبلها أشبهت العاطف فأعطي تاليها ما يعطى تالي -

стр. 1658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «الواو» فإن قلت: ضربتهم حتى زيدا ضربته، فالأجود أن ينتصب «زيدا» بمقتضى العطف، ويجعل «ضربته» توكيدا (١)، فلو قلت: ضربت زيدا حتى عمرو ضربته؛ تعين رفع [٢/ ٢٨٥] «عمرو»، لزوال شبه حتى الابتدائية بالعاطفة؛ إذ لا تقع العاطفة إلا بين كل وبعض .. (٢). انتهى. وهذا الذي قرره في مسألة «حتى» هو المراد بقوله: «أو تشبيها» بعد قوله: «أو عاطفا على جملة فعلية تحقيقا» وقد ذكر سيبويه «حتى ولكن وبل» فقال: ومما يختار فيه النصب قوله: ما لقيت زيدا ولكن عمرا مررت به، وما رأيت زيدا بل خالدا لقيت أباه؛ تجريه على قولك: لقيت زيدا وعمرا لم ألقه (٣). وقال أيضا: ومما يختار فيه النصب لنصب الأول ويكون الحرف الذي بين الأول والآخر بمنزلة الواو، والفاء، وثم، قولك: قد لقيت القوم كلهم حتى عبد الله لقيته، وضربت القوم حتى زيدا ضربت أباه، وأتيت القوم أجمعين حتى زيدا مررت به، ومررت بالقوم حتى زيدا مررت به. وإنما اختير النصب؛ لأنها حروف تشبه العاطفة من حيث إنها لا تكون إلا بعد كلام ولا تبتدأ أصلا، ولأنها أيضا يعطف بها في المفردات، فاختيرت المشاكلة لذلك، كما اختير في حروف العطف (٤). انتهى. ومن ثم قال الشيخ: كأن المصنف قصد بذكر «حتى» التمثيل لا الحصر - يعني في «حتى» - لكنه نازع المصنف في قوله: فالأجود أن ينتصب «زيدا» بمقتضى العطف، ويجعل «ضربته» توكيدا، يعني في قولك: ضربت القوم حتى زيدا ضربته، قال: لأن التأسيس أولى من التأكيد (٥)، وما قاله في هذا المثال غير ظاهر، فإن التأسيس إنما يكون أولى إذا دار الحال بين الأمرين وهاهنا ليس كذلك، فإنك إذا نصبت زيدا بمقتضى العطف على القوم حصل التأسيس، ثم إذا أكد قوي أمره، ولا شك أن الجمع بين تأسيس وتأكيد أولى من تأسيس دون توكيد، ونازعه أيضا في قوله: فلو قلت: ضربت زيدا حتى عمرو ضربته، تعين رفع «عمرو»؛ لزوال شبه -

стр. 1659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حتى الابتدائية بالعاطفة؛ إذ لا تقع العاطفة إلا بين كل وبعض؛ فقال: لم يتعرض سيبويه ولا غيره لهذا الشرط الذي شرطه المصنف في «حتى» هذه من أنه لا يحمل الاسم بعدها على إضمار فعل على سبيل الاشتغال «حتى» يكون فيها شرط حتى العاطفة من أن ما بعدها يكون خبرا مما قبلها (١). انتهى. ولا شك أن الذي قاله المصنف هو الذي تقتضيه القواعد، وتمثيل سيبويه يدل على ذلك؛ فإنه لم يمثل في مسألة الاشتغال فيما بعد «حتى» إلا بما المذكور بعدها فيه جزء ممّا قبلها كما رأيت. السابع: أن يكون نصب الاسم السابق مخلصا من إيهام غير الصواب، والرفع بخلاف ذلك (٢)، كقوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٣) فإن نصب كل شيء يرفع توهم كون (خلقنه) صفة لـ (شئ)؛ إذ لو كان صفة له لم يفسر ناصبا لما لقبله [٢/ ٢٨٦] وإذا لم يكن صفة كان خبرا، فلزم عموم خلق الأشياء بقدر خيرا كان أو شرّا وهو قول أهل السنة، ولو قرئ بالرفع احتمل أن يكون (خلقنه) صفة مخصصة وأن يكون خبرا، فكان النصب لرفعه احتمال غير الصواب راجحا (٤)، قال الشيخ: ما ذكره المصنف من ترجيح النصب بالسبب الذي ذكره هو قول أكثر النحويين، وأما سيبويه فإنه ذكر أن الرفع أقوى في نحو: إني زيد لقيته وأنا عمرو ضربته، وليئنني عبد الله مررت به، ثم قال بعد: وأما قول الله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فإنما جاء على قولك: زيدا ضربته، وهو عربي كثير، وقد قرأ بعضهم: وأما ثمود فهدينهم (٥) إلا أن القراءة لا تخالف؛ لأنها السنة (٦). قال: فليس في كلام سيبويه إشارة إلى ترجيح النصب، وإنما خرج ذلك على «زيدا ضربته» قال: وظاهر كلام سيبويه والمصنف أن الآية الشريفة لم تقرأ إلا بالنصب وليس كذلك؛ بل قرئ بالرفع على الابتداء (٧)، وقول سيبويه في نصب «زيدا ضربته»: وهو -

стр. 1660

[جواز الرفع والنصب على السواء في المشغول عنه] قال ابن مالك: (وإذا (١) ولي العاطف جملة ذات وجهين أي اسميّة الصّدر فعليّة العجز، استوى الرّفع والنصب مطلقا خلافا للأخفش ومن وافقه في ترجيح الرّفع إن لم يصلح جعل ما بعد العاطف خبرا، ولا أثر للعاطف إن وليه «أمّا»). - عربي كثير (٢)، يردّ قول من قال: إن النصب ضعيف (٣)، وقال ابن الحاجب (٤): [وعند خوف لبس المفسر بالصفة مثل: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٥)، وهي أيضا قرينة من قرائن النصب المختار، ووجهه أنه لو رفع لكان المعنى المقصود غير متعين بنفس الإخبار، ألا ترى أنه يجوز إذا رفعت أن يكون (خلقنه) خبرا فيفيد المعنى المقصود وصفه، فيفيد غير المقصود لأن التقدير معه: كل مخلوق لنا بقدر، وهو معنى غير المقصود، فكان النصب أولى لما فيه من البيان للنصوصية على المعنى المقصود؛ لأنك إذا نصبت، نصبت بفعل يفسره (خلقنه) فيكون التقدير: خلقنا كل شيء خلقناه بقدر؛ فيفيد العموم في المخلوقات وهو المعنى المقصود] (٦). اه. قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على أقسام ثلاثة شرع في القسم الرابع، وهو ما استوى فيه الأمران، أعني: الرفع والنصب. قال المصنف (٧): تسمى الجملة ذات وجهين إذا ابتدئت بمبتدأ، وختمت بمعمول -

стр. 1661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعل؛ لأنها اسمية من جهتها الأولى، فعلية من جهتها الأخرى، فإذا توسط عاطف بينهما وبين الاسم المشتغل عنه، جاز رفعه ونصبه جوازا حسنا دون ترجيح؛ لأنه إذا رفع كان مبتدأ مخبرا عنه بجملة فعلية معطوفا على مبتدأ مخبر عنه بجملة فعلية، وإذا نصب كان معمول فعل معطوفا في [٢/ ٢٨٧] اللفظ على معمول فعل، فمع كل واحد من العملين مشاكلة توجد عدم المفاضلة، ولكل منهما ضعف وقوة، فضعف الرفع لترتبه على أبعد المتشاكلين، وقوته؛ لصلاحية الثاني فيه لأن يسد مسد الأول، وضعف النصب؛ لعدم صلاحية الثاني منه أن يسد مسد المحمول عليه، وقوته؛ لترتبه على أقرب المتشاكلين، فحصل بذلك تعادل في مراعاة التشاكل (١). وشهد لحسن الوجهين قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ (٢) قرأ الحرميان (٣) وأبو عمرو بالرفع، والباقون بالنصب (٤)، واتفقوا على نصب (٥) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٦) وكلاهما من العطف على جملة ذات وجهين، وفيهما رد على الأخفش؛ لأنه يستضعف النصب بعد العاطف على جملة ذات وجهين ما لم تتضمن الجملة المعطوفة ذكرا يرجع إلى المبتدأ، نحو: زيد لقيته وعمرو رأيته؛ فلا يستحسن نصب ما بعد العاطف؛ لأن ذلك يستلزم عطف جملة لا محل لها من الإعراب، وهذا ساقط عند سيبويه؛ لأن ما له المحل من الإعراب لما لم يظهر في اللفظ سقط حكمه، وجرت الجملة ذات المحل والتي لا محل لها مجرى واحدا، كما أن اسم الفاعل حين لم يظهر الضمير المرتفع به جرى مجرى ما لا ضمير فيه، فقيل في تثنيته: قائمان، كما قيل: فرسان، وإذا كان اسم الفاعل قد يظهر ضميره إذا جرى على غير ما هو له ثم أجرى مع ذلك ما لا ضمير فيه لعدم ظهوره في بعض المواضع؛ كان ما لا يظهر إعرابه أصلا أحق أن لا يعتدّ به (٧)، وإن وقع بعد العاطف «أمّا» أبطلت حكم -

стр. 1662

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العطف، فكان للاسم بعدها ما له مفتتحا به؛ فإن كان معه سوى العطف ما يرجح النصب عمل بمقتضاه، وإلا فالرفع راجح (١). انتهى كلام المصنف (٢). وهاهنا أبحاث: الأول: الظاهر أن المصنف إنما احتاج إلى تفسير ذات الوجهين بقوله: اسمية الصدر فعلية العجز؛ ليفيد المراد بها في اصطلاح النحاة؛ ولكن قال الشيخ: إن ذات الوجهين يراد بها: كبرى وصغرى، فالصغرى في ضمن الكبرى، والصغرى أعم من أن تكون اسمية أو فعلية قال: فتبين أن المراد بقوله: (ذات وجهين): ما الصغرى فيه فعلية (٣)، ويقتضي كلامه أن نحو: زيد أبوه قائم؛ يقال فيه: إنه جملة ذات وجهين، وفي هذا بعد؛ إذ لا وجهين لها، غاية الأمر أن الصغرى بعض الكبرى والجملة ذات وجه واحد؛ لأن الجملة التي هي بعضها اسمية، وأما: زيد قائم؛ فالصغرى فيه [٢/ ٢٨٨] بعض الكبرى أيضا لكن الجملة ذات وجهين؛ لأن الجملة التي هي بعض فعلية، فلها وجه غير وجه الجملة برمتها. الثاني: ليس استواء الأمرين موقوفا على الفعل نفسه في الجملة ذات الوجهين، بل لو وقع موقعه مشتق، أعني وصفا عاملا ثبت معه هذا الحكم (٤)، نحو: زيد مكرم عمرا وخالد أكرمه (٥). الثالث: ما أشبه العاطف من الحروف العاطفة يعطى حكم العاطف؛ وإن لم يكن عاطفا في ذلك المحل، نحو: زيد يكرم القوم حتى عمرو يكرمه. نص النحاة -

стр. 1663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على ذلك (١). الرابع: يستثنى من قولهم: اسمية الصدر فعلية العجز مسألة لا يستوي فيها الأمران، وإنما يرجح فيها الرفع، وقد ذكرها سيبويه، وهي: ما أحسن زيدا، لو أتي بعده بجملة، وقيل: وزيد ضربته، وقد علل ذلك بأن فعل التعجب جار مجرى الأسماء؛ ولذا صغر فبعد عن الاحتمال (٢). الخامس (٣): لم يطبقوا في هذه المسألة على استواء الأمرين، بل منهم من ذهب إلى ترجيح الرفع، ونسب إلى أبي علي، ومنهم من ذهب إلى ترجيح النصب، وهو رأي بعض متأخري المغاربة (٤)، والمذهب المشهور المتصور هو الذي ذكره المصنف (٥)، وهو مذهب سيبويه (٦)، وهذا إذا كان في الجملة المعطوفة ضمير يعود على المبتدأ الذي في الجملة الأولى، نحو: هند ضربتها، وزيد كلمته في دارها، أما إذا لم يوجد فيها ضمير عائد على المبتدأ المذكور، نحو: زيد ضربته وعمرو أكرمته، فقيل لا يجوز العطف على الجملة الصغرى، أي: لا ينصب الاسم الذي يلي العاطف بإضمار فعل؛ لأنه يلزم من ذلك عطف الفعل المقدر على الفعل الذي هو -

стр. 1664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خبر عن المبتدأ المقدم، والمعطوف على الخبر خبر، فيكون «عمرو أكرمته» خبرا عن «زيد» وهو جملة ولا ضمير فيها يربطها بالاسم الأول، وقد أجيب عن ذلك بأربعة أجوبة. أما السيرافي فالتزم السؤال، وقال ما معناه: إن سيبويه لم يمثل بهذا المثال على أنه صحيح، بل ليريك صورة العطف في الجملة ذات الوجهين، واعتمد في المسألة على أنه: إن وجد باقي الشروط صحت المسألة، وإلا فلا (١)، وأما أبو علي فإنه أجاب عن ذلك بأن قال ما معناه: بأنه لما لم يظهر الرفع في الجملة التي هي خبر المبتدأ صارت؛ كأنها غير خبر، فجاز أن يعطف عليه ما لا يصح أن يكون خبرا ووافقه ابن جني على هذا الجواب، قالا: ونظيره الضمير في اسم الفاعل لما لم يظهر لم يعتد به، فثني الاسم وجمع، ولو ظهر لم يثن ولم يجمع (٢)، وأما ابن خروف فإنه أجاب عن ذلك بما معناه: أنه ليس المراد هنا العطف [٢/ ٢٨٩] الحقيقي الذي يوجب التشريك، بل المراد هنا إنما هو تراخي الجمل بدليل أن سيبويه - رحمه الله تعالى - ذكر من جملة مسائل الباب العطف بحتى، نحو قولك: القوم أكرمتهم حتى زيد أكرمته، قال: و «حتى» لا يعطف بها في الجمل، فعلمنا أن المراد: التراخي لا العطف التشريكي؛ فلا تحتاج حينئذ الجملة المعطوفة إلى ضمير (٣)، وأما الرماني فإنه أجاب عن ذلك بأن قال ما معناه: إن الجملة المعطوفة لا تحتاج هنا إلى ضمير؛ لأن العطف هنا إنما هو بالنظر إلى المعنى، وقولنا: زيد ضربته أولا، في معنى قولنا: ضربت زيدا، فلم ينظر إلى كونها مبتدأ وخبرا في اللفظ؛ بل إلى المعنى، وكأنها -

стр. 1665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جملة فعلية فكأننا قلنا: ضربت زيدا وعمرا أكرمته، ولو قلنا ذلك لم تحتج الجملة الثانية إلى ضمير، فلما كانت في معنى ما لا يحتاج إلى ضمير لم يكن فيها ضمير. واعلم أن أضعف هذه الأجوبة جواب الرماني، وأما جواب السيرافي فيبطله القرآن العزيز؛ فإنه قد ورد فيه ما هو على صورة المثال الذي ذكره سيبويه من غير نقص، ولا زيادة وهو قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (١)، وأما جواب أبي علي فقد نوقش فيه؛ قال الشيخ جمال الدين بن عمرون: وما تمسك به من عدم ظهور الإعراب يبطله تجويز سيبويه النصب في: هذا ضارب عبد الله، وزيدا تمر به، فيجوز النصب مع ظهور الإعراب ولا ضمير في الجملة، وأما جواب ابن خروف فهو أحسنها وأقربها إلى الصواب، واختاره ابن عمرون، وأحسن منه ما أجاب بعض المتقدمين، وهو أن العطف إنما هو على الجملة الكبرى رفعت، أو نصبت، لكننا في النصب نلاحظ الصغرى طلبا للمشاكلة؛ ولا يلزم من ملاحظتها أن يكون العطف عليها، قالوا: وكأنه نوع من التوهم، واختار هذا القول جماعة منهم ابن عصفور (٢). وقال الشيخ: إلا أنه مخالف لظاهر قول سيبويه؛ فإنه قال: إذا كان منصوبا؛ فإنه محمول على الصغرى، والحمل لا يفهم منه إلا العطف (٣). انتهى. وقد علم من أجوبة هؤلاء الأئمة أنهم يجيزون نصب الاسم الكائن في الجملة المعطوفة مع خلوها من ضمير يرجع إلى المبتدأ، الذي هو (٤) في الجملة الأولى؛ وأن من يشترط وجود الضمير لا يجيز النصب، وإذا كان كذلك أشكل ما ذكره المصنف عن الأخفش وموافقيه من أنهم يرجحون الرفع على النصب؛ إن لم يصلح جعل ما بعد العاطف خبرا؛ إذ مقتضاه أنهم يجيزون النصب وإن كان مرجوحا، والمنقول عن مشترطي الضمير في الجملة أنهم يمنعون النصب عند فقد الضمير، وهو الذي يقتضيه تعليلهم، والذي ذكره الشيخ عن الأخفش؛ إنما هو منع (٥) النصب لا مرجوحيته [٢/ ٢٩٠] فإنه ذكر في المسألة أربعة مذاهب - أعني في جواز -

стр. 1666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (نصب) (١) الاسم من الجملة المعطوفة، إذا خلت من ضمير يرجع إلى المبتدأ من الجملة الأولى - قال: أحدها: ما ذهب إليه جماعة من القدماء والفارسي من جواز العطف على الصغرى، نحو: هند ضربتها وعمرو أكرمته، وهو ظاهر كلام سيبويه. الثاني: ما ذهب إليه الأخفش والزيادي ومن يتبعهما كالسيرافي، وهو أنه لا يجوز؛ فإن وجد النصب فليس لكونه معطوفا على الجملة الصغرى، إنما ذلك نحو جواز: زيدا ضربته؛ ابتداء من غير مراعاة عطف على الصغرى، ويكون من عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية، وذلك جائز لا خلاف فيه (٢). الثالث: ما ذهب إليه هشام، وهو: إن كان العطف بالفاء أو بالواو جازت المسألة؛ لأن الفاء فيها تسبّب؛ فيحتمل أن يكون الربط في الجملة بضمير واحد، والواو فيها معنى الجمع؛ وإن كان العطف بغيرهما لم يجز (٣). الرابع: ما ذهب إليه الجمهور، وهو إن كان العطف بالفاء جازت المسألة؛ وإن كان بغيرها لم تجز (٤). انتهى. وقد تبين من المباحث المتقدمة ما هو الحق في هذه المسألة، ثم لا أعلم كيف يكون مذهب الجمهور ما ذكره، وقد ذكر أن الظاهر من كلام سيبويه، الجواز دون تقييد بفاء ولا غيرها، وكون ذلك مذهب الجمهور - مع أن المصنف لم يتعرض إلى ذكر شيء من ذلك في تصانيفه - فيه بعد كبير. واعلم أن الشيخ ناقش المصنف في قوله في الشرح: وإذا نصب كان معمول فعل معطوفا في اللفظ على معمول فعل؛ فقال: ليس هذا الكلام بجيد؛ فإنه كما يعطف على الجملة الصغرى المتضمنة منصوبا؛ كذلك يعطف على الصغرى؛ وإن لم يكن فيها منصوب ألبتة، نحو: زيد قام أخوه، وعمرا كلمته، قال: فمراعاة المشاكلة ليست لكون الصغرى فيها منصوب؛ بل لمجرد كونها فعلية (٥).

стр. 1667

[مسألتان اختلف فيهما النحاة أيهما أرجح] قال ابن مالك: (وابتداء المسبوق باستفهام أولى من نصبه إن ولي فصلا بغير ظرف أو شبهه خلافا للأخفش، وكذا ابتداء المتلوّ بلم أو لن أو لا خلافا لابن السّيّد). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): إن حال بين الاستفهام وبين الاسم المشتغل عنه اسم آخر، نحو: أأنت زيد ضربته؟ بطل حكم الاستفهام عند سيبويه؛ لبعده من الفعل (٢)، ولم يبطل عند الأخفش؛ لوجود الاستفهام في أول الكلام، والفعل في آخره، فيرفع «أنت» بـ «ضربت» مقدرا وينصب به «زيدا» (٣) ويرى هذا أولى من جعل «أنت» مبتدأ أول، و «زيدا» مبتدأ ثانيا خبره ما بعده، وهو وخبره خبر الأول، وهذا عند سيبويه أولى من الوجه الأول؛ فلو كان الحائل ظرفا أو شبهه اتفقا على ترجيح النصب؛ لأن الفصل [٢/ ٢٩١] بهما مفتقر في مواضع كثيرة (٤)، وزعم أبو محمد بن السيد أن نصب الاسم قبل النفي بلم أو لن أو لا راجح على الرفع (٥)، وليس بصحيح، لأن تقدم الاسم على فعل منفي بغير «ما» كتقدمه على فعل مثبت؛ فإنهما متقابلان الأمر والنهي، فكما يستوي المتقدم على فعل الأمر والنهي، كذلك يستوي المتقدم على فعلي الإثبات والنفي بغير «ما»، فلو كان النفي بـ «ما» لم يجز النصب، لأنها من بين حروف النفي مخصوصة بالتصدير (٦). انتهى. وأقول: هاتان المسألتان المذكورتان، ليس هذا موضع ذكرهما؛ أما الأولى: فكان الواجب أن تذكر في قسم ما ترجح نصبه على رفعه عند قوله: (أو ولي هو همزة استفهام) (٧)؛ لأنها متفرعة عنها، وأما الثانية: فالواجب أن تذكر في قسم ما ترجح رفعه على نصبه (٨)، وستذكر لأنها من فروعه؛ لأنها على رأيه عدمت المانع والموجب -

стр. 1668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمسوي؛ ثم إن الشيخ قد أطال الكلام في المسألة الأولى جدّا؛ فأنا أذكر ما لخصته من كلامه فيها، ثم أذكر كلام ابن السيد في المسألة الثانية، قال الشيخ: خطأ معظم النحويين الأخفش في اختياره النصب على الرفع. فأما ابن ولادة فمن جهة أن الاشتغال لا يكون بالنظر إلى اثنين أصلا؛ وذلك أن المشتغل لا بد أن يكون خبرا عن الاسم؛ فإذا قلت: أزيد ضربته؟ فـ «ضربته» خبر، وقد كان خبرا قبل الاشتغال حين قلت: زيد ضربت، ولو قلت: أأنت عبد الله ضربته؛ لم يكن «ضربته» خبرا عن «أنت»، وإنما يكون خبره الجملة؛ فخرج عن الاشتغال، ولا يعترض على هذا بقولك: أزيد أنت ضاربه؟ فيقال فيها: هذا جائز وليس خبرا عن «زيد»؛ بل «أنت» وما بعده الخبر، وقد أجمعوا على جواز النصب، لأن «أنت» مع «ضارب» بمنزلة «ضرب»؛ لأنه لا يصح له العمل إلا معتمدا، وإذا كان كذلك فلا فاصل حينئذ. وأما ابن مضاء (١) فجعل خطأ الأخفش من جهة «ضربته» يصير مفسرا لعامل يطلب معمولين ملفوظا بهما، وهما «عبد الله» «وأنت»، والتفسير لا يقوى هذه القوة، واعترض ابن خروف هذا القول بأن التفسير أبدا كذلك، ألا ترى أنك إذا قلت: أعبد الله ضربته؟ فتقدر له فعلا يعمل في فاعل، وفي المفعول المنطوق به، ورد هذا الاعتراض؛ بأن المعمولين هنا منطوق بهما، وهناك لم يلفظ بالمعمول الواحد إلا حين لفظت بالعامل فلم يكونا ملفوظا بهما حتى يفتقرا إلى ما يفسر عاملهما؛ فليس هذا مثل ذلك. وأما ابن طاهر فجعل خطأ الأخفش من أجل أنك إذا قلت: أعبد الله ضرب أخوه زيدا، برفع «عبد الله» بفعل مضمر يفسره ما بعده، فإنما ذلك بطريق الحمل للفاعل على المفعول؛ وإلا فلم يكن من حقه أن يفسره [٢/ ٢٩٢] إذ لا يصح له أن -

стр. 1669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يعمل فيه، فإذا فسرنا به على ذلك كان على طرف من الضعف؛ فلا يتعدى به أكثر من ذلك، فإذا رفعت «أنت» بفعل مضمر يفسره الفعل المتصل بسببه وهو التاء؛ فقد تجوزت به الأمر المتوسع فيه، بأن فسرت به عاملا يعمل فيه مع بعده منه، ووقوع الفصل بينهما وهم إنما تسامحوا بذلك حين الاتصال، قال الشلوبين: هذا أيضا يقرب أن يكون مانعا في المسألة من النصب، وأن يكون سيبويه منعه لهذا، ويحتمل أن لم يمنع سيبويه من ذلك إلا ما دام «أنت» مبتدأ؛ وأنه إنما ذكر الوجه في المسألة التي وقعت فيها «أنت» مبتدأ ولم يتعرض لهذا، وكأنه لما كان فيها الفصل بالمبتدأ بين الهمزة التي تطلب الفعل، وبين الكلام صار كأنه لا همزة استفهام فيه (١). انتهى. وقال الأبذي: قال قوم: لا خلاف بين سيبويه والأخفش في هذه المسألة؛ بل هما مقصدان، إن أدخلت الهمزة على (أنت زيد ضربته) (٢) حال رفع زيد؛ اختير الرفع في زيد، ويكون «أنت» مبتدأ؛ وإن أدخلتها حال نصب «زيد» كان النصب مختارا، وكان «أنت» مرفوعا بالفعل الناصب لزيد، وقال الشلوبين: في الحقيقة لا خلاف بينهما، وإنما منع سيبويه من الذي ذهب إليه الأخفش ما دامت «أنت» مبتدأ؛ وكذلك كان يقول الأخفش لو سئل عنه؛ فأما إذا جعلت «أنت» فاعلا بالفعل الذي يفسره «ضربت» (٣) المتصل بسببه، فلا ينكر ذلك سيبويه، ولا يمنع منه (٤). انتهى. وهذا الذي قاله الشلوبين لا يبعد عن الصواب؛ إذ لم يقم دليل قاطع على بطلان دعوى الأخفش. هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى. وأما المسألة الثانية؛ فقال ابن السيد: الجحد ينقسم ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز فيه إلا الرفع، وهو أن يكون النفي بـ «ما»، ويتقدم الاسم قبلها كقولك: زيد ما ضربته. وقسم يختار فيه النصب، وهو أن يكون فيه النفي بلا أو بتأخر الاسم بعد «ما» كقولك: زيدا لا أضربه، وزيدا لم أضربه، وزيدا لن أضربه، وما زيدا ضربته. وقسم في جواز النصب فيه خلاف، وهو كقولك: أزيدا لست مثله؟ (٥). انتهى. -

стр. 1670

[ترجح رفع الاسم على الابتداء] قال ابن مالك: (وإن عدم المانع والموجب والمرجّح والمسوّي، رجح الابتداء خلافا للكسائيّ في ترجيح نصب تالي ما هو فاعل في المعنى نحو: أنا زيد ضربته، وأنت عمرو كلّمته). ــ ولا شك أن القسم الثالث لا يدخل هنا، لأن النظر فيه إلى كون العامل فعلا لا إلى كونه دالّا على النفي، وإنما جاء الخلاف فيه؛ لعدم تصرفه، ولا بتناء الجواز فيه على جواز تقديم خبر ليس عليها، والخلاف في ذلك معروف. وأما ما ذكره في القسم الثاني فلا مدخل لنحو: ما زيدا ضربته، مع قولنا: زيدا لا أضربه، وزيدا لم أضربه، وزيدا لن أضربه؛ لأن نحو: ما زيدا ضربته؛ قد ولي الاسم المشتغل عنه حرف النفي، والنفي يطلب المعاني لا الذوات [٢/ ٢٩٣]؛ فكان تقدير الفعل بعده أولى من عدم تقديره، وهذا المعنى لم يكن في ثلاث الصور الأخر - أعني زيدا لم أضربه، وما ذكر معها - والفرق واضح. قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): لما تقدم التنبيه على موانع النصب، وموجباته، ومرجحاته، وسبب تسويته بالرفع حسنت الإحالة على ذلك، فقلت: وإن عدم المانع والموجب والمرجح والمستوي رجح الرفع بالابتداء؛ فعلم من هذا أن رفع «زيد» أجود من نصبه في قولك: زيد ضربته (٢)؛ وإني زيد لقيته، وعمرو مهجور، وزيد أحببته، وشبه ذلك مما لا قرينة فيه من القرائن المقدم ذكرها (٣)، وإذا تقدم على المشتغل عنه اسم هو وفاعل المشغول دالّان على شيء واحد، نحو: أنا زيد ضربته، وأنت عمرو كلمته؛ رجح نصب المشتغل عنه عند الكسائي (٤)؛ لأن تقديمه وهو الفاعل في المعنى منبه على مزيد العناية بالحديث عنه، فكأن المسند إليه متقدم، ولا اكتراث بذلك عند غير الكسائي؛ لأن الاسم المشار إليه لا يدل على -

стр. 1671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعل، ولا يقتضيه؛ فوجوده وعدمه سيان (١). انتهى. ولو ذكر هاهنا المسألة المتقدمة التي خالف فيها ابن السيد فكان بعد ذكره خلاف الكسائي يقول: وخلافا لابن السيد في المتلو بلم أو لن أو لا لكان أولى كما تقدم التنبيه على ذلك (٢)؛ وإنما رجح الرفع عند عدم المانع والموجوب والمرجح والمستوي؛ لأن النصب محوج إلى تكلف إضمار عامل؛ فكان الرفع راجحا لعدم تكلف الإضمار، ولكن النصب عربي كثير (٣) كما قال سيبويه (٤)، ومع كونه مرجوحا، هو في بعض الصور أقوى منه في البعض، فـ «زيدا ضربته» أقوى من «زيدا ضربت أخاه»، و «زيدا ضربت أخاه»، أقوى من «زيدا مررت به»، و «زيدا مررت به» أقوى من «زيدا مررت بأخيه». ذكر هذا أبو الحسن بن عصفور، وابن أبي الربيع أيضا وهو حسن، وتعليله ظاهر (٥)، لكن المصنف لم يتعرض إلى ذلك في شيء من كتبه، ثم إن ابن عصفور قال: فإن قيل: فهلّا أجزتم في الاسم إذا عمل في ضميره أو في سببه جر الخفض كما كان منصوبا إذا عمل فيه النصب؟ فالجواب: أنه لو خفضت، فقلت: زيد مررت به، على تقدير: مررت بزيد مررت به؛ لأدى ذلك إلى إضمار الخافض، وإبقاء عمله مع أنه أضعف [٢/ ٢٩٤] العوامل، وهذا لا يجوز، فإن قيل: فهلا قيل: بزيد مررت به، ولم تضمر الخافض؟ فالجواب: أن الخافض قد ينزل من الفعل منزلة الجزء منه؛ لأنه به يصل إلى معموله كما يصل بهمزة النقل. -

стр. 1672

[أنواع ملابسة الضمير للمشغول عنه] قال ابن مالك: (وملابسة الضّمير بنعت أو معطوف بالواو غير معاد معه العامل كملابسته بدونهما، وكذا الملابسة بالعطف في غير هذا الباب). ــ فكما لا يجوز إضمار بعض اللفظة، وإبقاء بعضها؛ كذلك لا يجوز هذا، فلما تعذر الخفض عدلوا إلى النصب بإضمار فعل، لقرب النصب من الخفض؛ ألا ترى أنهما اشتركا في الضمير في نحو قولك: ضربتك، ومررت بك، وأن كلّ واحد منهما فضلة؛ وأن المجرور في المعنى منصوب؛ إذ لا فرق في المعنى بين قولك: مررت بزيد، ولقيت زيدا (١). انتهى. ويقوي ما قاله أن ابن أبي الربيع لما ذكر ما يحتاج إليه باب الاشتغال من الشروط، ذكر من جملتها؛ أن يكون العامل المقدر يصل بنفسه ولا يصل بحرف الجر، وفي الارتشارف: وأجاز بعض النحويين جر الاسم السابق بمثل ما جر الضمير؛ فأجاز بزيد مررت به، وعلى زيد غضبت عليه، والصحيح أنه لا يجوز، ولو وجد كان ما بعده بدلا (٢). قال ناظر الجيش: قد تقدم من كلام المصنف أن ملابس الضمير هو العامل فيه بإضافة، نحو: أزيدا ضربت غلامه، أو بغير إضافة، نحو: أزيدا ضربت راغبا فيه (٣)، ولما كانت ملابسة الضمير تكون بغير هذا، نبه عليه هنا، فقال: إنها تكون بالنعت وبمعطوف بالواو، فمثال الملابسة بالنعت: أزيدا رأيت رجلا يحبه، ومثالها بمعطوف بالواو على الوجه الذي ذكره: أزيدا رأيت عمرا وأخاه (٤). قال المصنف: فـ «يحبه» صفة لـ «رجلا» و «أخاه» معطوف على «زيدا»، والهاء منهما عائدة على المنعوت، والمعطوف عليه، وبها حصلت السببية، وارتفعت الأجنبية، فنزل الكلام منزلة لو قيل: أزيدا رأيت محبّه، وأزيدا رأيت أخاه، فلو كان العاطف غير الواو لم تجز المسألة، وكذا لو أعيد العامل (٥). انتهى. واعلم أن إيراد ابن عصفور لهذه المسألة أحسن من إيراد المصنف لها، وذلك أنه -

стр. 1673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عبر عن الملابس بالسببي، ثم قال: وأعني بالسببي ما اتصل به ضمير عائد على المشتغل عنه، وما اشتملت صفته على ضمير عائد عليه، وما عطف عليه اسم قد اتصل به ضمير عائد عليه بالواو خاصة، وما أضيف إلى شيء من ذلك (١)، ولما مثل الأول بـ: زيد ضربت أخاه، ساق معه في التمثيل: زيد ضربت الذي ضربه؛ وذلك لأن الصلة من كمال الموصول؛ فلذا لم يقل: وما اشتملت صلته على ضمير عائد إلى الاسم الأول، وذكر في شرح الجمل: المعطوف [٢/ ٢٩٥] عليه قد اتصل به ضمير يعود على الاسم الأول عطف بيان، نحو: زيد ضربت عمرا أخاه، إذا كان عمرو أخا زيد (٢)، لكن نحو: زيد ضربت راغبا فيه؛ قد شملتها عبارة المصنف، ولم يظهر لي دخولها تحت كلام ابن عصفور، وقد عرف من هذا الذي ذكره أن لا ملابسة مع البدل، وكذا لا ملابسة مع العطف بغير الواو، وإذا كان كذلك فلا يعدّ المبدل منه، ولا المعطوف عليه بغير الواو سببين. أما البدل؛ فلأنه على نية تكرار العامل، فإذا قلت: زيد ضربت عمرا أخاه، وجعلت الأخ بدلا فكأنك قلت: زيد ضربت رجلا ضربت أخاه، قال ابن عصفور: فتخلو الجملة التي هي في موضع الخبر من ضمير يعود على المبتدأ (٣). وفي هذا التعليل الذي ذكره نظر؛ لأن مقتضاه منع صحة كون الاسم مبتدأ، ولا يلزم من ذلك منع النصب بفعل مقدر على أنه من باب الاشتغال، والأولى أن يعلل منع الملابسة بالبدل بشيء؛ وهو أن شرط الاسم الذي يشغل العامل عن الاسم السابق ضميرا كان أو سببيّا أن يكون معمولا للعامل الذي شغل بأحدهما؛ ليكون الكلام جملة واحدة، وإذا كان البدل على نية تكرار العامل يصير كأنه من جملة أخرى، ومتى قدر أنه من جملة أخرى، وكل جملة مستقلة بنفسها؛ فلا تدخل الجملة الثانية في الأولى، فلا يحصل الربط ويلزم انتفاء السببية حينئذ. وأما العطف؛ فإنما فرق فيه بين الواو وغيرها من أجل أن الواو تنفرد (من) (٤) بين أخواتها؛ بأنها قد تكون جامعة، وإذا كانت كذلك صيرت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة اسم واحد؛ وذلك نحو قولك: هذان زيد وعمرو؛ فإنهما معا خبر عن -

стр. 1674

[مسألة يترجح فيها الرفع] قال ابن مالك: (ولا يمتنع نصب المشتغل عنه بمجرور حقّق فاعليّة ما علّق به خلافا لابن كيسان). ــ اسم الإشارة، وأيضا؛ وفلأن الواو إذا كانت جامعة كانت بمعنى «مع»؛ فإذا قلت: زيد ضربت رجلا وأخاه، فكأنك قلت: زيد ضربت رجلا مع أخيه، وليس هذا المعنى بموجود في «الفاء»، ولا في «ثم»؛ فلهذا ثبتت الملابسة للمعطوف عليه، إذا كان المعطوف قد عطف بالواو، ولم تثبت له إذا كان المعطوف قد عطف بـ «ثم»، أو بـ «بالفاء» (١)، ونبه المصنف بقوله: (غير معاد معه العامل) على أنه إذا أعيد العامل امتنع الاشتغال، نحو: زيد رأيت عمرا، ورأيت أخاه؛ وذلك لأن السببي صار من جملة أخرى، وإذا امتنع الاشتغال مع البدل، لكونه في نية تكرار العامل كان امتناعه في هذا أولى، وأشار بقوله: (وكذلك الملابسة بالعطف في غير ذا الباب) إلى أن حكم الملابسة في (غير) (٢) هذا الباب بالعطف كحكمها فيه، كقولك: مررت برجل قائم زيد وأخوه، ولا يجوز: مررت برجل [٢/ ٢٩٦] قائم زيد (٣) وقائم أخوه؛ لإفادة العامل، كما لم يجز مثل ذلك في هذا الباب (٤)، وليس ذلك مقصورا على باب الصفة؛ بل باب الحال وباب الخبر كذلك أيضا فيقال: جاء زيد ضاحكا عمرو وأخوه، وزيد قائم عمرو وأخوه. قال ناظر الجيش: قال المصنف: ولا يمتنع نصب الاسم في نحو: زيد ظفرت به، إذا كان المراد أن زيدا سبب الظفر، ومنع ذلك ابن كيسان (٥)؛ لكون المجرور فاعلا في المعنى (٦). انتهى. واعلم أن الخلاف ليس مقصورا على هذا المثال الذي ذكره ونحوه؛ بل ذلك ملفت إلى أصل مختلف فيه بين النحاة، وهو: هل يشترط في باب الاشتغال أن -

стр. 1675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكون النصب في الاسم المشتغل عنه، وفي الضمير أو السببي من جهة واحدة، أو لا يشترط ذلك، فيجوز الاشتغال مع اختلاف جهة النصب؟ (١). قال ابن أبي الربيع: تقول: زيد جلست عنده، وزيد ضربت ضربه؛ بالرفع، واختلف النحويون في النصب؛ فمنهم من أجازه، فقال: أنصبه بفعل وأقدره في: زيدا ضربت ضربه: ما ثلت زيدا ضربت ضربه، وفي: زيدا جلست عنده: لا صقت زيدا جلست عنده، وما أشبه ذلك، قال: يذكر أن أبا الحسن أجازه. ومنهم من منع النصب، فقال: لا يجوز النصب في الاسم حتى يكون طريق نصبه، وطريق نصب سببه واحدا، و «زيد» هنا منصوب على أنه مفعول به، وسببه في: ضربت ضربه؛ منصوب على المصدر، وفي: جلست عنده؛ منصوب على الظرف، فقد اختلفت جهتا النصب؛ وإنما الذي يجوز: زيدا ضربت أخاه: أن الأخ مفعول به، «وزيد» كذلك، وهذا هو الذي كان الأستاذ أبو علي يختاره، وهو عندي الصحيح؛ لأن هذا الباب باب خارج عن القياس؛ فلا يقال منه إلا ما قالته العرب .. انتهى. وإذا تقرر ذلك، فـ: زيد ظفرت به؛ إذا لم يقصد به الظفر بـ «زيد»؛ وإنما قصد الظفر بغيره؛ ولكن كان هو السبب من هذا القبيل، لأن «الباء» إذا كانت في «به» للسبب كان مفعولا من أجله، ونصب «زيد»، إذا نصب إنما هو على أنه مفعول به، فقد اختلفت الجملتان، فلو قصد بهذا الكلام؛ أن زيدا هو المظفور به كان المجرور في موضع المفعول به، ولا خلاف حينئذ في نصب زيد؛ لاتحاد الجهة، وقد ذكر الشيخ هذه المسألة، ونقل فيها الخلاف بين النحاة؛ لكنه نقل أن مذهب سيبويه الجواز، ونقل عن الأستاذ أبي علي أن له قولين: الجواز وعدمه، قال: وقال سيبويه: أعبد الله كنت مثله، أي: أشبهت عبدا وأزيدا لست مثله (٢)، أي: أباينت زيدا، قال: فانتصاب الاسم الأول على جهة المفعولية، وانتصاب السببي من جهة [٢/ ٢٩٧] أنه خبر (٣). انتهى. -

стр. 1676

[رفع الاسم المشغول عنه وأحكامه في ذلك] قال ابن مالك: (وإن رفع المشغول شاغله لفظا أو تقديرا، فحكمه في تفسير رافع الاسم السّابق، حكمه في تفسير ناصبه، ولا يجوز في نحو: أزيد ذهب به؟ الاشتغال بمصدر منويّ، ونصب صاحب الضّمير خلافا للسّيرافيّ وابن السّراج). ــ ولا يقوى الاستدلال بما ذكره، لأن الخبر في باب كان شبيه بالمفعول به وقد سماه سيبويه مفعولا (١)، ولا شك أن صورته صورة المفعول لمجيئه بعد فعل وفاعل؛ فلا يلزم من إجازة سيبويه: أزيدا لست مثله؛ إجازة: أزيدا ضربت، ولا: أزيدا جلست عنده، ثم قال الشيخ: وهذا هو المذهب الصحيح، قال: ويعضّده نقل الأخفش عن العرب؛ أنهم يقولون: أزيدا جلست عنده، ذكره في الأوسط من تأليفه، قال: فنصبت زيدا على إضمار فعل تقديره: ألابست زيدا جلست عنده، ثم قال الشيخ: وبهذه المسألة ونحوها، يبطل قول المصنف في أول الباب: (بجائز العمل فيما قبله)؛ فإن «جلست» من قولك: زيدا جلست عنده، لا يمكن أن تعمل في زيد (٢) انتهى. وفيما قاله نظر؛ لأن ضابط كل باب يذكر أول الباب لتبنى أحكامه عليها، ثم إنه قد يشذ شيء عن الضابط الذي ضبط الباب به شيء أو يخرج عن القاعدة التي قررت فيه، فيحتاج إلى أن ينبه عليه بخصوصه، والأمر في هذه المسألة كذلك، ولولا خروجها عن ضابط الباب ما احتاج أن ينبه عليها. قال ناظر الجيش: قال المصنف: وإذا كان المشغول رافعا لشاغله لفظا أو تقديرا فسر رافعا لصاحب الضمير، وينقسم ذلك الرفع إلى واجب وراجح، ومرجوح ومساو، كما انقسم النصب، فمثال الواجب: رفع «زيد» في قولك: إن زيد قام قمت (٣)، ومثال الراجح رفعه قولك: أزيد قام؟، ومثال المرجوح رفعه: زيد قام، ومثال المساوي رفعه نحو: أنا قمت وزيد قعد، وسبب كون الرفع واجبا وراجحا ومرجوحا ومساويا مفهوم ببيان مثل ذلك في النصب (٤)، وذكر السيرافي أن -

стр. 1677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفاعلية في نحو: أزيد قام؛ راجحة على الابتداء عند الأخفش مرجوحة عند الجرمي، وفي قول سيبويه احتمال، كذا زعم السيرافي (١)، وليس كما زعم، بل صرح برجحان الفاعلية، فإنه قال: وتقول: أعبد الله ضرب أخوه زيدا، لا يكون إلا الرفع، لأن الذي من سبب «عبد الله» فاعل، والذي ليس من سببه مفعول؛ فيرفع إذا ارتفع الذي من سببه، كما ينصب إذا انتصب، ويكون المضمر ما يرفع كما أضمرت في الأول ما ينصب؛ فإنما جعل [٢/ ٢٩٨] هذا المضمر بيان ما هو مثله (٢) .. هذا نصه، وبان به خلاف ما زعم السيرافي. انتهى كلام المصنف (٣). واعلم أن الكلام هنا يتوجه في مقامين: أحدهما: أن يقال: إنه يتصور في الاسم الذي يليه عامل رافع لضمير أو (٤) لما هو من سببه لفظا أو تقديرا (٥)؛ أن يرفع أن يرفع على الابتداء، وأن يرفع بفعل مقدر (٦)، يفسره ذلك الفعل المتأخر، وهذا الأمر لا شك في صحته. وثانيهما: أن يقال: هل تدخل هذه المسألة بصورها في باب الاشتغال؟ فيقال: إن الاشتغال كما يتصور حال نصب الضمير أو السببي يتصور حال رفعهما أيضا. وأقول: أما ابن عصفور فإنه أدخلها في الباب؛ لأنه قال في المقرب في حد الاشتغال: هو أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل متصرف، أو ما جرى مجراه قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سببه، ولو لم يعمل فيه لعمل في الاسم المشتغل عنه أو في موضعه، ثم قال: ومثال عمله في موضعه قولك: أزيد قام أبوه، ألا ترى أن «قام» لو لم يعمل في الأب لم يعمل في زيد؛ لأن الفاعل لا يتقدم على الفعل، لكن يعمل في ظرف أو مجرور إن وقع موقعه (٧)، وقال في الشرح: إن الاسم المشتغل عنه على ضربين: أن يعمل العامل في ضميره أو في سببه نصبا أو جرّا، نحو: زيد ضربته، وزيد ضربت أخاه، وزيد مررت به، وزيد مررت بأخيه، فهذا -

стр. 1678

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النوع لو لم يعمل العامل في الضمير أو في السببي لعمل في زيد، والثاني: أن يكون العامل قد عمل في ضميره أو في سببه رفعا، نحو قولك: أزيد قام؟ وأزيد قام أبوه؟ فهذا الضرب لو لم يعمل فيه العامل في الضمير أو السببي لم يصح له العمل في الاسم المشتغل عنه؛ لأن الفاعل لا يجوز تقديمه على الفعل، لكنه يصح له لو لم يعمل في الضمير أو السببي؛ أن يعمل في اسم يقع موقع الاسم المشتغل عنه، ألا ترى أن «قام» لا يصح له العمل في ظرف أو مجرور واقع موقع «زيد»؛ إلا بشرط أن لا يشتغل ذلك الموضع بحلول «زيد» فيه؛ وذلك لا يتصور إلا بأنّ «قام» يعمل في «زيد» لا في ضميره، ولا في سببه، فتقول: اليوم قام زيد، وأما إذا عمل «قام» في الضمير أو السببي؛ فإنه يلزم تقديم زيد على «قام»، فيتعذر إعمال الفعل في ظرف أو مجرور واقع موقع «زيد»؛ لاشتغال ذلك الموضع بحلول «زيد» فيه (١). انتهى. والمغاربة موافقون لابن عصفور في ذلك، وعليه مشى الشيخ (٢)، وأما المصنف فيظهر من كلامه أن جعل المسألة من باب الاشتغال، لكنه لم يلتزم ما التزمه ابن عصفور من أنه يذكر للاشتغال حدّا يشمل النوعين؛ بل ذكر كل نوع على حدة، وهو أولى من فعل ابن عصفور، والذي يظهر [٢/ ٢٩٩] أن هذه المسألة ليست من باب الاشتغال؛ لأن الذي يفهم من قولهم: اشتغال العامل عن الاسم الذي قبله، أن ذلك كان متوجها إلى العمل في الاسم المذكور؛ ولكن شغل عن العمل فيه بغيره، وهذا لا يتصور في مسائل الاشتغال بالمرفوع؛ لأن «قام» من نحو: أزيد قام؟ أو أزيد قام أبوه؟ لم يشتغل عن زيد أصلا؛ لأن معنى الاشتغال عنه؛ أنه كان موجها للعمل فيه كما قلنا. ولا شك أن الأمر ليس كذلك، ثم يقال لابن عصفور ولمن وافقه: أي أثر لكونه يعمل في موضع الاسم لو لم يعمل في الضمير أو السببي حتى يكون ذلك مدخلا للمسألة في هذا الباب؟ ثم إنه قال: إنما يصح العمل في موضع الاسم إذا أخر الاسم وهو «زيد» مثلا، وعمل فيه العامل الذي كان عاملا في الضمير أو السببي، نحو: اليوم قام زيد. -

стр. 1679

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا شك أنه إذا أخر الاسم المفروض فيه الاشتغال صار التركيب تركيبا آخر غير التركيب الذي صور فيه الاشتغال؛ فكان ينبغي أن يصور الاشتغال والاسم في محله، وبعد فقد قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في تعليقه لما ذكر قوله: (أو في موضعه): ليس هذا من باب الاشتغال في شيء، وعجبت منه كيف ذكر هذا وكرره في هذا الباب مرارا؟ ثم كيف يقول: (في موضعه) وهو يريد بذلك أنه يعمل في ظرف أو مجرور لو وقع موقع هذا الاسم؟ قال: فمثل هذا تطلق عليه لفظة «موضع» في اصطلاح أحد من النحاة؟ هذا ما لا علم لي به. انتهى (١). ولا شك أن الرجل المشار إليه كان من العلماء المحققين رحمه الله تعالى، ثم لك أن تقول: إن المصنف لم يصرح بأن المسألة مذكورة من هذا الباب، ولم يذكرها فيه إلا ليبين أن الاسم الذي شأنه ذلك يجوز فيه: الرفع على الابتداء، والرفع على الفاعلية، وقد عرفت أن ذلك حق لا شبهة فيه، ومناسبة ذكرها في هذا الباب: أن الاسم هنا يجوز رفعه على الابتداء كما يجوز حال الاشتغال بالمنصوب رفع الاسم بالابتداء أيضا، لا يقال: قوله: (وإن رفع المشغول شاغله) يدل على أن المسألة من هذا الباب؛ إذ معناه: وإن رفع المشغول عن الاسم السابق شاغله؛ لأنك قد عرفت أن العامل في نحو: أزيد قام أبوه؟ لم يشتغل عن الاسم السابق؛ لأنه لم يكن موجها إلى العمل فيه أصلا، وإذا كان كذلك تعين أن يكون مراده: وإن رفع العامل الذي شأنه أن يقع بعد اسم سابق، ويكون شأنه أنه مشغول عنه؛ فكأنه يقول: إذا اتفق أن هذا العامل المشغول لا يكون ناصبا كما ذكرت من أول الباب إلى هذا الموضع [٢/ ٣٠٠] بل يكون رافعا لما بعده فحكمه كيت وكيت. وقد بقي هاهنا بحثان: أحدهما: أن المصنف ذكر أقساما أربعة وهي: واجب الرفع بالفاعلية، وراجحه بها، ومرجوحه بها، وما استوى فيه الرفع بالفاعلية والرفع بالابتداء، وبقي عليه خامس -

стр. 1680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو ممتنع الرفع بالفاعلية؛ لأنه أحال مسائل الرفع على مسائل النصب وتلك خمس، فما وجب رفعه بالفاعلية، نحو: إن زيد قام؛ نظير ما وجب نصبه، وما رجح رفعه بالفاعلية رفعه بالابتداء، نحو: أزيد قام أبوه؟ نظير ما رجح نصبه وما رفعه (بالفاعلية) (١) مرجوح عن رفعه بالابتداء (٢) على نصبه، والمستوي فيه الرفع بالفاعلية: زيد قام، وعمرو قعد؛ نظير ما استوى فيه الرفع والنصب وما امتنع رفعه بالفاعلية نحو: ليتما زيد يقوم؛ نظير ما امتنع نصبه، ووجب رفعه بالابتداء (٣). وهذا القسم الذي تخلف عن المصنف (٤). الثاني: أن المغاربة يشترطون في الاشتغال بالمرفوع أن يتقدم الاسم ما يطلب الفعل؛ إما على اللزوم، وإما على الاختيار، فإذا لم يتقدم الاسم شيء من ذلك، أوجبوا رفعه على الابتداء، ولا يجوز رفعه بالفاعلية (٥)، قالوا: وإنما يجيز رفعه بالفاعلية أبو القاسم بن العريف (٦)، فلا يشترط أن يتقدم على الاسم ما يطلب الفعل (٧)، ومن ثمّ لما ذكر الشيخ صور المسألة مثل لما يحمل على الابتداء فقط، بنحو: زيد قام؛ -

стр. 1681

[مسألة أخيرة في باب الاشتغال] قال ابن مالك: (وقد يفسّر عامل الاسم المشغول عنه العامل الظّاهر عاملا فيما قبله إن كان من سببه، وكان المشغول مسندا إلى غير ضميريهما؛ فإن أسند إلى أحدهما فصاحبه مرفوع بمفسّر المشغول، وصاحب الآخر منصوب به) (١). - قال: فهذا لا يجوز فيه إلا الرفع على الابتداء، ولا يجوز فيه الحمل على الفعل خلافا لابن العريف (٢). وهذا عجب من الشيخ؛ لأن المصنف لا يشترط تقدم ما يطلب الفعل، فكيف يمثل لبعض الصور بما لا يراه صاحب الكتاب؟! والظاهر أن المشترطين لذلك إنما اشترطوه؛ لأنهم يجعلون المسألة من باب الاشتغال. وقد تقدم أن الظاهر أنها ليست من باب الاشتغال، وإذا كان كذلك فلا مانع من أن يرتفع زيد، من نحو: زيد قام، على أنه فاعل بفعل مقدر، كما قال المصنف رحمه الله تعالى. وأما قوله: ولا يجوز في نحو: أزيد ذهب به، إلى آخره. فقال في شرحه: ولم يجز سيبويه في نحو: أزيد ذهب به؛ إلا الرفع بالابتداء أو بفعل مضمر كأنه قال: أذهب زيد ذهب به؟ وأجاز السيرافي (٣) النصب على إسناد «ذهب» إلى مصدر ذهب منويّا، وجعل المجرور في موضع نصب، وزعم أنه مذهب المبرد. وأجاز ذلك أيضا ابن السراج (٤)، وهو رأي ضعيف؛ لأنه مبني على الإسناد إلى المصدر الذي تضمنه الفعل، ولا يتضمن الفعل إلا مصدرا غير مختص، والإسناد إليه منطوقا به غير مقيد، فكيف إذا لم يكن منطوقا (٥) به (٦). انتهى [٢/ ٣٠١]. قال ناظر الجيش: قال المصنف: تقول: أزيدا أخاه تضربه أو يضربه عمرو، -

стр. 1682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتنصب الأخ بفعل مضمر يفسره «تضربه»، وينصب «زيدا» بفعل آخر مفسّر بالمضمر الذي نصب الأخ؛ لأن المضمر الذي نصب الأخ، قد فسره الفعل الظاهر وعرف واستبان حتى صار كالظاهر، فهو مفسّر بما بعده ومفسّر للمضمر قبله، وهذا الحكم فيما أسند فيه الفعل إلى غير ضميري الاسمين المتقدمين؛ فلو أسند إلى أحدهما، نحو: أزيد أخاه تضربه؛ رفع صاحب الضمير المرفوع بفعل مفسر بالظاهر ناصب لصاحب الضمير المنصوب (١). انتهى. قال الشيخ: في نصب الاسم الأول في هذه المسألة خلاف؛ ذهب سيبويه (٢) والأخفش إلى جوازه، وذهب قوم من القدماء إلى أنه لا يجوز فيه إلا الرفع، فقال ذلك عنهم الأخفش؛ وإنما منعوا النصب؛ لأن المضمر لا يفسر المضمر عندهم. والجواب عن هذا قد عرف من قول المصنف: إن ذلك المضمر عرف واستبان حتى صار كالظاهر؛ يعني حتى صار كالملفوظ به، ثم قال الشيخ: وهذه المسألة ليس نصب الاسم الأول فيها سماعا عن العرب، وإنما هي مسألة قياسية (٣)، ثم إنه أفسد القياس بما لم أتحقق أنه مفسد فتركت إيراده خشية الإطالة، ووكلت أمره إلى الناظر، فليتأمله إن أراد. وإذا انقضى الكلام على الباب فلنذكر الآن ثلاث مسائل، هي من متعلقات المسألة الأولى: الأولى: ذكر ابن أبي الربيع: أن باب الاشتغال يحتاج إلى سبعة شروط؛ وذلك أنه ذكر مسألة جره الكلام فيها إلى ذلك، وهي: أيوم الجمعة أنت أمير فيه؟ قال: لا يجوز في هذا إلا الرفع؛ لأنك إن نصبت «يوم الجمعة»، لا يخلو أن تنصبه بفعل أو بمعنى فعل، أما الفعل فلا يصح؛ لأن المفسر وهو «أمير» وهو معنى الفعل وسبيل المفسّر أن يكون على حسب المفسّر؛ فلا يفسّر الفعل إلا فعل مثله، وأما معنى الفعل فلا يقدّر؛ لضعفه، ولا دخول له في هذا الباب، ألا ترى أن الفعل الصريح إذا تعدى بحرف الجر، لا يدخل في هذا الباب لضعفه، ومعنى الفعل بلا شك أضعف منه، قال: وهذا لا أعلم فيه خلافا (٤)، ثم ذكر الشروط السبعة -

стр. 1683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: فمنها ثلاثة في المحذوف، وهي: أن يكون فعلا ولا يكون معنى. الثاني: أن يكون يصل بنفسه ولا يصل بحرف الجر [٢/ ٣٠٢]. الثالث: أن يعمل في واحد، وخالف في هذا الأخفش يعني مسألة: أزيد عمرا يضربه؛ فإنه خالف فيها سيبويه على ما عرف، وقد تقدم (١). ومنها شرطان في المشتغل عنه، وهما: أن يكون إعرابه كإعراب ضميره أو سببه، فإن كان منصوبا كان المشتغل عنه كذلك، وأن تكون جهة النصب واحدة، وفي هذا خلاف قلت: وقد عرفته فيما تقدم. ومنها شرطان في المفسّر، وهما: أن يكون فعلا أو ما جرى مجراه كاسم الفاعل، وأن يكون مما يصح أن يعمل في الاسم لو تجرد عن الضمير أو السبب (٢)؛ لأنه لا يفسر هنا إلا ما يصح أن يعمل. المسألة الثانية: قال ابن أبي الربيع: إذا كان معك سببان أحدهما مرفوع والآخر منصوب، فاحمل الاسم على أيهما شئت، نحو: أزيد ضرب أخوه غلامه، وكذلك إذا كان معك ضمير وسبب، والضمير منفصل، نحو: أزيد لم يضرب أخاه إلا هو؟ وأزيد لم يضرب أخوه إلا إياه؟ فإذا كان الضمير متصلا فاحمل الاسم على حسب الضمير؛ فإن كان الضمير مرفوعا فارفعه، وإن كان منصوبا فانصبه، نحو: أزيد لم يضرب إلا أخاه؟ لا يجوز النصب؛ لأنك إن نصبت صار كأنه مفعول بالفعل المفسر، ولا يتعدى فعل المضمر (المتصل) (٣) إلى ظاهره في -

стр. 1684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ باب من أبواب العربية، فإن قلت: أزيدا لم يضربه إلا أخوه، ولا يجوز الرفع في «زيد»؛ لأنك إن رفعته صار كأنه فاعل بالمفسر، ولا يتعدى فعل الظاهر إلى مضمره، إلا في باب «ظننت»، تقول: ظنه زيد منطلقا، إذا ظن نفسه، فيجوز على هذا: أزيد ظنّه أخوه منطلقا؟ بالرفع والنصب؛ وكذلك إذا كان له ضميران: أحدهما: منفصل، والآخر: متصل؛ يجري الاسم على ما أجريته قبل، وإما أن يكون للاسم ضميران متصلان فلا يوجد إلا في باب ظننت، ويجوز هناك أن ترفع، وتنصب فتقول: أأنت ظننتك منطلقا؟ وأإياك ظننتك منطلقا؟ (١). انتهى. وهو كلام واف بالمقصود في هذه المسألة غير أن ابن عصفور استوعب الأقسام في تقسيمه، فقال: الفعل الذي اشتغل عن الاسم، إمّا أن يكون من باب ظننت، وقعدت، وعدمت أو من غيرها؛ فإن كان غيرها فالاسم الذي اشتغل عنه الفعل: إما أن يكون له ضمير واحد، أو سببي واحد، أو ضميران، أو سببيان، أو ضمير وسبب؛ فإن كان له ضمير واحد؛ حملته عليه، نحو: زيد أضربته؟ وإن كان له سببي واحد حملت عليه، نحو: زيدا ضربت أخاه؟ وإن كان له سببيان؛ حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا ضرب أخوه أباه؟ وأزيد ضرب أخوه أباه؛ وإن كان له ضمير وسببي؛ فإما أن يكون الضمير متصلا أو منفصلا، إن كان متصلا حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا أباه ضرب أخوه، وأزيد أباه ضرب أخوه؛ لأن الضمير المنفصل يجري مجرى السببي في جميع هذه المسائل؛ وإن كان الضمير متصلا حملت عليه ولا [٢/ ٣٠٣] يجوز حمله على السببي أصلا، فمثال ذلك، والضمير منصوب: أزيدا ضربه، ومثاله والضمير مرفوع: أزيد ضرب أخاه، وإن كان له ضميران؛ فإما أن يكونا متصلين أو منفصلين، أو يكون أحدهما متصلا والآخر منفصلا؛ فإن كانا متصلين فلا تجوز المسألة؛ لأن فعل المضمر المتصل لا يتعدى إلى مضمره المتصل إلا في الأماكن المستثناة؛ وإن كانا منفصلين حملت على أيهما شئت، نحو: أزيد أباه لم يضرب إلا هو؟ وإن كان أحدهما متصلا والآخر منفصلا حملت على المتصل، نحو: أزيدا لم يضربه إلا هو، وأزيد لم يضرب إلا أباه؛ وإن كان الفعل الذي اشتغل عن الاسم من الأفعال المستثنيات، فالاسم -

стр. 1685

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذي اشتغل عنه الفعل، إما أن يكون له ضمير واحد، أو سببي واحد، أو ضميران، أو سببيان، أو ضمير وسببي، فإن كان له ضمير واحد أو سببي واحد؛ حملت عليه، نحو: أزيدا (١) ظننته (٢) قائما، وأزيدا ظننت أخاه قائما، وإن كان له سببيان؛ حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا ظن أخاه أبوه قائما، وإن كان له ضمير وسببي؛ فالضمير إما متصل وإما منفصل، ثم (المتصل) (٣) إما مرفوع أو منصوب؛ فإن كان منصوبا حملت على أيهما شئت، وذلك نحو: أزيدا ظنه أخوه قائما؟ وإن كان مرفوعا حملت عليه، ولا يجوز الحمل على السببي أصلا، وذلك نحو: أزيد ظن أباه قائما، وإن كان الضمير منفصلا (حملت عليه) (٤)، وذلك نحو: أزيدا لم يظن أخاه إلا هو قائما؟ وإن كان له ضميران، فإما متصلان، وإما منفصلان، وإما مختلفان؛ فإن كان متصلين حملت على المرفوع، ولا يجوز الحمل على المنصوب؛ وذلك نحو: أزيد ظنه قائما، وإن كانا منفصلين (٥) حملت على أيهما شئت، وذلك نحو: أزيدا إيّاه لم يظن (٦) إلا هو قائما؟ وإن كان أحدهما متصلا والآخر منفصلا؛ فالمتصل إما مرفوع، وإما منصوب؛ فإن كان منصوبا حملت على أيهما شئت وذلك نحو: أزيدا لم يظنه (٧) إلا هو قائما؛ وإن كان مرفوعا حملت عليه، ولا يجوز الحمل على غيره، وذلك نحو: أزيد لم يظن إلا (إيّاه) (٨) قائما؟ هذا آخر تقسيمه، ثم قال: وتعتبر هذه المسائل؛ بأن يضع الاسم الذي اشتغل عنه الفعل موضع ما حملت عليه إن أمكن، وإن لم يمكن حذفت ما حملته عليه، وتركته في موضعه ونويت به التأخير، فإن جازت المسألة بعد ذلك، فهي جائزة قبله، وإلا فهي ممتنعة، والله تعالى أعلم (٩). انتهى كلامه. -
следующие страницы →