← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

[مسألة أخيرة في باب الاشتغال] قال ابن مالك: (وقد يفسّر عامل الاسم المشغول عنه العامل الظّاهر عاملا فيما قبله إن كان من سببه، وكان المشغول مسندا إلى غير ضميريهما؛ فإن أسند إلى أحدهما فصاحبه مرفوع بمفسّر المشغول، وصاحب الآخر منصوب به) (١). - قال: فهذا لا يجوز فيه إلا الرفع على الابتداء، ولا يجوز فيه الحمل على الفعل خلافا لابن العريف (٢). وهذا عجب من الشيخ؛ لأن المصنف لا يشترط تقدم ما يطلب الفعل، فكيف يمثل لبعض الصور بما لا يراه صاحب الكتاب؟! والظاهر أن المشترطين لذلك إنما اشترطوه؛ لأنهم يجعلون المسألة من باب الاشتغال. وقد تقدم أن الظاهر أنها ليست من باب الاشتغال، وإذا كان كذلك فلا مانع من أن يرتفع زيد، من نحو: زيد قام، على أنه فاعل بفعل مقدر، كما قال المصنف رحمه الله تعالى. وأما قوله: ولا يجوز في نحو: أزيد ذهب به، إلى آخره. فقال في شرحه: ولم يجز سيبويه في نحو: أزيد ذهب به؛ إلا الرفع بالابتداء أو بفعل مضمر كأنه قال: أذهب زيد ذهب به؟ وأجاز السيرافي (٣) النصب على إسناد «ذهب» إلى مصدر ذهب منويّا، وجعل المجرور في موضع نصب، وزعم أنه مذهب المبرد. وأجاز ذلك أيضا ابن السراج (٤)، وهو رأي ضعيف؛ لأنه مبني على الإسناد إلى المصدر الذي تضمنه الفعل، ولا يتضمن الفعل إلا مصدرا غير مختص، والإسناد إليه منطوقا به غير مقيد، فكيف إذا لم يكن منطوقا (٥) به (٦). انتهى [٢/ ٣٠١]. قال ناظر الجيش: قال المصنف: تقول: أزيدا أخاه تضربه أو يضربه عمرو، -

стр. 1682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتنصب الأخ بفعل مضمر يفسره «تضربه»، وينصب «زيدا» بفعل آخر مفسّر بالمضمر الذي نصب الأخ؛ لأن المضمر الذي نصب الأخ، قد فسره الفعل الظاهر وعرف واستبان حتى صار كالظاهر، فهو مفسّر بما بعده ومفسّر للمضمر قبله، وهذا الحكم فيما أسند فيه الفعل إلى غير ضميري الاسمين المتقدمين؛ فلو أسند إلى أحدهما، نحو: أزيد أخاه تضربه؛ رفع صاحب الضمير المرفوع بفعل مفسر بالظاهر ناصب لصاحب الضمير المنصوب (١). انتهى. قال الشيخ: في نصب الاسم الأول في هذه المسألة خلاف؛ ذهب سيبويه (٢) والأخفش إلى جوازه، وذهب قوم من القدماء إلى أنه لا يجوز فيه إلا الرفع، فقال ذلك عنهم الأخفش؛ وإنما منعوا النصب؛ لأن المضمر لا يفسر المضمر عندهم. والجواب عن هذا قد عرف من قول المصنف: إن ذلك المضمر عرف واستبان حتى صار كالظاهر؛ يعني حتى صار كالملفوظ به، ثم قال الشيخ: وهذه المسألة ليس نصب الاسم الأول فيها سماعا عن العرب، وإنما هي مسألة قياسية (٣)، ثم إنه أفسد القياس بما لم أتحقق أنه مفسد فتركت إيراده خشية الإطالة، ووكلت أمره إلى الناظر، فليتأمله إن أراد. وإذا انقضى الكلام على الباب فلنذكر الآن ثلاث مسائل، هي من متعلقات المسألة الأولى: الأولى: ذكر ابن أبي الربيع: أن باب الاشتغال يحتاج إلى سبعة شروط؛ وذلك أنه ذكر مسألة جره الكلام فيها إلى ذلك، وهي: أيوم الجمعة أنت أمير فيه؟ قال: لا يجوز في هذا إلا الرفع؛ لأنك إن نصبت «يوم الجمعة»، لا يخلو أن تنصبه بفعل أو بمعنى فعل، أما الفعل فلا يصح؛ لأن المفسر وهو «أمير» وهو معنى الفعل وسبيل المفسّر أن يكون على حسب المفسّر؛ فلا يفسّر الفعل إلا فعل مثله، وأما معنى الفعل فلا يقدّر؛ لضعفه، ولا دخول له في هذا الباب، ألا ترى أن الفعل الصريح إذا تعدى بحرف الجر، لا يدخل في هذا الباب لضعفه، ومعنى الفعل بلا شك أضعف منه، قال: وهذا لا أعلم فيه خلافا (٤)، ثم ذكر الشروط السبعة -

стр. 1683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: فمنها ثلاثة في المحذوف، وهي: أن يكون فعلا ولا يكون معنى. الثاني: أن يكون يصل بنفسه ولا يصل بحرف الجر [٢/ ٣٠٢]. الثالث: أن يعمل في واحد، وخالف في هذا الأخفش يعني مسألة: أزيد عمرا يضربه؛ فإنه خالف فيها سيبويه على ما عرف، وقد تقدم (١). ومنها شرطان في المشتغل عنه، وهما: أن يكون إعرابه كإعراب ضميره أو سببه، فإن كان منصوبا كان المشتغل عنه كذلك، وأن تكون جهة النصب واحدة، وفي هذا خلاف قلت: وقد عرفته فيما تقدم. ومنها شرطان في المفسّر، وهما: أن يكون فعلا أو ما جرى مجراه كاسم الفاعل، وأن يكون مما يصح أن يعمل في الاسم لو تجرد عن الضمير أو السبب (٢)؛ لأنه لا يفسر هنا إلا ما يصح أن يعمل. المسألة الثانية: قال ابن أبي الربيع: إذا كان معك سببان أحدهما مرفوع والآخر منصوب، فاحمل الاسم على أيهما شئت، نحو: أزيد ضرب أخوه غلامه، وكذلك إذا كان معك ضمير وسبب، والضمير منفصل، نحو: أزيد لم يضرب أخاه إلا هو؟ وأزيد لم يضرب أخوه إلا إياه؟ فإذا كان الضمير متصلا فاحمل الاسم على حسب الضمير؛ فإن كان الضمير مرفوعا فارفعه، وإن كان منصوبا فانصبه، نحو: أزيد لم يضرب إلا أخاه؟ لا يجوز النصب؛ لأنك إن نصبت صار كأنه مفعول بالفعل المفسر، ولا يتعدى فعل المضمر (المتصل) (٣) إلى ظاهره في -

стр. 1684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ باب من أبواب العربية، فإن قلت: أزيدا لم يضربه إلا أخوه، ولا يجوز الرفع في «زيد»؛ لأنك إن رفعته صار كأنه فاعل بالمفسر، ولا يتعدى فعل الظاهر إلى مضمره، إلا في باب «ظننت»، تقول: ظنه زيد منطلقا، إذا ظن نفسه، فيجوز على هذا: أزيد ظنّه أخوه منطلقا؟ بالرفع والنصب؛ وكذلك إذا كان له ضميران: أحدهما: منفصل، والآخر: متصل؛ يجري الاسم على ما أجريته قبل، وإما أن يكون للاسم ضميران متصلان فلا يوجد إلا في باب ظننت، ويجوز هناك أن ترفع، وتنصب فتقول: أأنت ظننتك منطلقا؟ وأإياك ظننتك منطلقا؟ (١). انتهى. وهو كلام واف بالمقصود في هذه المسألة غير أن ابن عصفور استوعب الأقسام في تقسيمه، فقال: الفعل الذي اشتغل عن الاسم، إمّا أن يكون من باب ظننت، وقعدت، وعدمت أو من غيرها؛ فإن كان غيرها فالاسم الذي اشتغل عنه الفعل: إما أن يكون له ضمير واحد، أو سببي واحد، أو ضميران، أو سببيان، أو ضمير وسبب؛ فإن كان له ضمير واحد؛ حملته عليه، نحو: زيد أضربته؟ وإن كان له سببي واحد حملت عليه، نحو: زيدا ضربت أخاه؟ وإن كان له سببيان؛ حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا ضرب أخوه أباه؟ وأزيد ضرب أخوه أباه؛ وإن كان له ضمير وسببي؛ فإما أن يكون الضمير متصلا أو منفصلا، إن كان متصلا حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا أباه ضرب أخوه، وأزيد أباه ضرب أخوه؛ لأن الضمير المنفصل يجري مجرى السببي في جميع هذه المسائل؛ وإن كان الضمير متصلا حملت عليه ولا [٢/ ٣٠٣] يجوز حمله على السببي أصلا، فمثال ذلك، والضمير منصوب: أزيدا ضربه، ومثاله والضمير مرفوع: أزيد ضرب أخاه، وإن كان له ضميران؛ فإما أن يكونا متصلين أو منفصلين، أو يكون أحدهما متصلا والآخر منفصلا؛ فإن كانا متصلين فلا تجوز المسألة؛ لأن فعل المضمر المتصل لا يتعدى إلى مضمره المتصل إلا في الأماكن المستثناة؛ وإن كانا منفصلين حملت على أيهما شئت، نحو: أزيد أباه لم يضرب إلا هو؟ وإن كان أحدهما متصلا والآخر منفصلا حملت على المتصل، نحو: أزيدا لم يضربه إلا هو، وأزيد لم يضرب إلا أباه؛ وإن كان الفعل الذي اشتغل عن الاسم من الأفعال المستثنيات، فالاسم -

стр. 1685

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذي اشتغل عنه الفعل، إما أن يكون له ضمير واحد، أو سببي واحد، أو ضميران، أو سببيان، أو ضمير وسببي، فإن كان له ضمير واحد أو سببي واحد؛ حملت عليه، نحو: أزيدا (١) ظننته (٢) قائما، وأزيدا ظننت أخاه قائما، وإن كان له سببيان؛ حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا ظن أخاه أبوه قائما، وإن كان له ضمير وسببي؛ فالضمير إما متصل وإما منفصل، ثم (المتصل) (٣) إما مرفوع أو منصوب؛ فإن كان منصوبا حملت على أيهما شئت، وذلك نحو: أزيدا ظنه أخوه قائما؟ وإن كان مرفوعا حملت عليه، ولا يجوز الحمل على السببي أصلا، وذلك نحو: أزيد ظن أباه قائما، وإن كان الضمير منفصلا (حملت عليه) (٤)، وذلك نحو: أزيدا لم يظن أخاه إلا هو قائما؟ وإن كان له ضميران، فإما متصلان، وإما منفصلان، وإما مختلفان؛ فإن كان متصلين حملت على المرفوع، ولا يجوز الحمل على المنصوب؛ وذلك نحو: أزيد ظنه قائما، وإن كانا منفصلين (٥) حملت على أيهما شئت، وذلك نحو: أزيدا إيّاه لم يظن (٦) إلا هو قائما؟ وإن كان أحدهما متصلا والآخر منفصلا؛ فالمتصل إما مرفوع، وإما منصوب؛ فإن كان منصوبا حملت على أيهما شئت وذلك نحو: أزيدا لم يظنه (٧) إلا هو قائما؛ وإن كان مرفوعا حملت عليه، ولا يجوز الحمل على غيره، وذلك نحو: أزيد لم يظن إلا (إيّاه) (٨) قائما؟ هذا آخر تقسيمه، ثم قال: وتعتبر هذه المسائل؛ بأن يضع الاسم الذي اشتغل عنه الفعل موضع ما حملت عليه إن أمكن، وإن لم يمكن حذفت ما حملته عليه، وتركته في موضعه ونويت به التأخير، فإن جازت المسألة بعد ذلك، فهي جائزة قبله، وإلا فهي ممتنعة، والله تعالى أعلم (٩). انتهى كلامه. -

стр. 1686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن قصدت اختصار ما ذكره، قلت: الفعل الذي اشتغل عن الاسم؛ إن كان من غير باب ظن وفقد وعدم [٢/ ٣٠٤]، وللاسم ضمير أو سببي؛ حمل عليه، أو ضميران متصلان؛ فلا تجوز المسألة، أو منفصلان؛ فعلى أيهما شئت، أو أحدهما متصل، والآخر منفصل؛ حملت على المتصل (١)، أو سببيان؛ فعلى أيهما، أو ضمير وسببي، والضمير منفصل؛ فعلى أيهما شئت، أو متصل؛ حملت عليه لا على السببي؛ وإن كان من باب ظن، أو كان الفعل فقد أو عدم وللاسم ضمير أو سببي؛ حملت عليه، أو ضميران متصلان؛ حملت على المرفوع لا على المنصوب، أو منفصلان؛ حملت على أيهما شئت أو أحدهما متصل، والآخر منفصل، والمتصل مرفوع؛ حملت عليه لا على غيره، أو منصوب؛ حملت على أيهما شئت، أو سببيان؛ حملت على أيهما شئت، أو ضمير متصل مرفوع وسببي؛ حملت عليه لا على السببي، أو منصوب؛ حملت على أيهما شئت، أو منفصل مرفوع وسببي؛ حملت على أيهما. فصور القسم الأول: سبع، وصور القسم الثاني: تسع، والمحتاج إلى التنبيه عليه منها إنما هو ست صور في الأول، وثماني صور في الثاني؛ لأن الاسم إذا كان له ضمير، أو سببي تعين حمله عليه ضرورة، وإنما يظهر أثر ذلك إذا تعدد ما للاسم من ضمير أو سببي أو منهما، ثم من صور القسم الأول (مسألة) (٢) هي ممتنعة من أصلها، من غير نظر إلى تعلقها بباب الاشتغال، وهي ما كان للاسم فيها ضميران متصلان، نحو: أزيد ضربه؛ فإن هذا التركيب ممتنع في نصبه لما عرف من أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى المضمر المتصل، في غير الأبواب الثلاثة المستثناة (٣). يبقى خمس صور، منها صورتان يحمل الاسم فيهما على الضمير المتصل، لا غير، وهما: ما إذا كان مع الضمير المتصل (٤) ضمير منفصل، أو سببي، مثال الأول: [أزيدا لم يضربه إلا هو؟ وأزيد لم يضرب إلا أباه؟ ومثال الثاني: أزيدا ضرب (٥) -

стр. 1687

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أخوه؟ وأزيد ضرب أخاه؟ وإنما تعين الحمل على الضمير المتصل دون المنفصل، ودون السببي في: أزيدا لم يضربه إلا هو؟ وفي: أزيدا ضربه أخوه؟؛ لأنه لو حمل على المنفصل وعلى السببي، لرفع الاسم السابق بفعل مقدر، يفسره الفعل الملفوظ به، والفعل المذكور فاعله الضمير المنفصل في أحد المثالين. والسببي في المثال الآخر، وقد عرفت أن المفسر في هذا الباب، يقدر أنه العامل في الاسم الذي قبله، وإذا كان كذلك، فيصير التقدير حينئذ: ضربه زيد، فيكون فعل الظاهر قد تعدى إلى ضميره المتصل؛ وذلك لا يجوز إلا في باب ظن، وفي فقد، وعدم؛ وإنما تعين الحمل على الضمير المتصل أيضا دون المنفصل، ودون السببي في: أزيد لم يضرب إلا أباه؟ وفي: أزيد ضرب أخاه؟؛ لأنه لو حمل عليهما الاسم السابق لنصب بمقدر يفسره الفعل الملفوظ به، والمفسّر في هذا الباب يقدر عاملا كما عرف، فيصير التقدير حينئذ: أزيدا ضرب؟ فيجوز (١) تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهر؛ وذلك لا يجوز في باب من أبواب العربية] (٢)، وهاتان الصورتان هما اللتان يضبطان وثلاث الصور الباقية، يحمل الاسم فيها على أيّ شئت وهي: ما إذا كان للاسم ضميران منفصلان، نحو: أزيدا أباه لم يضرب إلا هو؟ أو سببيان، نحو: أزيدا ضرب أخوه إيّاه؟ وأزيد ضرب أخوه إياه؟ أو ضمير وسببي، والضمير منفصل، نحو: أزيدا ضرب أخوه إياه؟ وأزيد ضرب أخوه إياه. وأما صور القسم الثاني: فمنها ثلاث صور يحمل الاسم فيها على الضمير المرفوع المتصل لا غير. الأولى: إذا كان مع الضمير المرفوع ضمير منفصل منصوب، نحو: أزيد ظنه قائما؟. الثانية: إذا كان مع الضمير المرفوع ضمير منفصل، نحو: أزيد لم يظن إلا إياه قائما؟. الثالثة: إذا كان مع الضمير المرفوع سببي، نحو: أزيد ظن أخاه قائما، والعلة -

стр. 1688

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الثلاثة واحدة، وهي أنك لو حملت على المنصوب لزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره [٢/ ٣٠٥]، وهو لا يجوز في باب من أبواب العربية، فهذه الثلاث هي التي تضبط وخمس الصور الباقية يحمل الاسم فيها على أيّ شئت، وهي ما إذا كان للاسم ضميران منفصلان، نحو: أزيدا إياه لم يظن إلا هو قائما، أو ضميران أحدهما متصل والآخر منفصل، والمتصل منصوب، نحو: أزيدا لم يظنه إلا هو قائما، أو سببيان، نحو: أزيدا ظن أخاه أبوه قائما، أو ضمير متصل منصوب وسببي، نحو: أزيدا ظنه أخوه قائما، أو ضمير منفصل مرفوع وسببي، نحو: أزيد (١) لم يظن أخاه إلا هو قائما (٢). اعلم أن الحكم بجواز حمل الاسم على أمر دون آخر تارة، وبجواز حمله على كل من الأمرين تارة؛ مبني على أصول ثلاثة مقررة في علم العربية: الأول: أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، فلا يقال: ضربتني، ولا: ضربتك، ولا: زيد ضربه، أي: ضرب نفسه، نعم إذا أريد هذا المعنى أتي بلفظ النفس؛ لأن العرب تجري النفس مجرى الأجنبي؛ ولذلك تخاطبها، فتقول: يا نفس أقلعي عن كذا، وافعلي كذا، وكذا لا يجوز تعدي فعل الظاهر إلى ضميره المتصل، لا يقال: ضربه زيد؛ بل إذا أريد هذا المعنى، يقال: ضرب نفسه زيد إلا في باب ظننت، وفقدت، وعدمت، يقال: ظننتني قائما (٣)، وزيد ظنه قائما أي: ظننت نفسي، وظننت نفسك، وظن نفسه، وحكم فقد وعدم كذلك؛ وكذا لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره في بابين من الأبواب؛ فلا يجوز: زيدا ضرب، ولا: زيدا ظن قائما، تريد ضرب نفسه، وظن نفسه قائما (٤). الثاني: أن العامل الذي شغله الضمير أو السببي يفرض عاملا في الاسم السابق -

стр. 1689

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تنزيلا للمفسّر منزلة المفسّر (١). الثالث: أن الضمير المنفصل محكوم له بحكم الظاهر؛ فينزل منزلته ليعامل معاملته، وقد عرفت فيما تقدم أن لك أن تحمل الاسم على أيّ شئت، إلا في خمس صور؛ فإنك تحمل على الضمير المتصل لا غير، صورتان منها في غير باب ظننت، وثلاث صور في باب ظننت؛ وفقدت، وعدمت، أما الصورتان في غير باب ظننت؛ فقد عرفت أنهما ما إذا كان مع الضمير المتصل ضمير منفصل، نحو: أزيدا لم يضربه إلا هو؟ وأزيد لم يضرب إلا إياه؟ أو سببي، نحو: أزيدا ضربه أخوه؟ وأزيد ضرب أخاه؟ وأما الثلاث الصور في باب ظن وما لحق (٢) به، فقد عرفت أيضا أنهما ما إذا كان [مع الضمير المتصل المرفوع ضمير متصل منصوب، نحو: أزيد ظنه قائما؟ وما إذا كان] (٣) معه ضمير منفصل، نحو: أزيد لم يظن إلا إياه قائما؟ وما إذا كان معه سببي، نحو: أزيد ظن أخاه قائما؟ وإذا كان كذلك وإن أردت نظم صور [٢/ ٣٠٦] مسائل البابين، وذكر ما اتفق (فيه البابان) (٤)، وما اختلفا فيه، فقل: اتفق البابان في صور ست، منها أربع يحمل الاسم فيها على أيّ شئت من ضمير، أو سببي، وهي: ما إذا كان للاسم ضمير واحد أو سببي واحد، وما إذا كان للاسم سببيان، وما إذا كان للاسم ضمير، وسببي والضمير منفصل، وما إذا كان الاسم له ضميران منفصلان. وصورتان يحمل (الاسم فيهما) (٥) على الضمير دون السببي، وعلى المتصل دون المنفصل، وهما: ما إذا كان للاسم ضمير وسببي والضمير متصل مرفوع، وما إذا كان له ضميران أحدهما متصل مرفوع والآخر منفصل. واختلف البابان في صور ثلاث وهي: ما إذا كان للاسم ضمير وسببي والضمير منصوب، فإنه يحمل على الضمير لا على السببي في غير باب ظننت وما معها، وفي باب ظننت وما معها يحمل على أيهما شئت، [وما إذا كان له ضميران متصلان؛ فإن ذلك لا يجوز في غير باب ظننت، وفي باب ظننت يحمل على المرفوع لا غير؛ وما إذا -

стр. 1690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان له ضميران أحدهما متصل منصوب والآخر منفصل؛ فإنه يحمل على المتصل] (١) [في غير باب ظننت، وفي باب ظننت يحمل على أيّ شئت] (٢)، واعلم أن المصنف لم يتعرض في شيء من كتبه إلى ذكر هذه المسألة، وكأنه يرى الاستغناء عن ذكرها بكونه أشار إلى الأصول الثلاثة التي تبنى عليها المسألة المذكورة: الأول: ما أشار إليه في باب ظن وأخواتها من أن الأفعال القلبية المنصرفة تختص بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين متحدي المعنى، وأن الاتحاد يمنع عموما إن أضمر الفاعل متصلا مفسرا بالمفعول. والثاني: ما أشار إليه في هذا الباب أعني: باب الاشتغال من أن العامل المشغول، يصح تسلطه على الاسم السابق، وعمله فيه لو فرع حتى يفرض كأنه هو العامل (٣) فيه. وأما الثالث: فإنه يفهم من ذكر مسائل متفرقة في الكتاب، تتعلق بالضمير المنفصل، يعرف منها أن حكمه حكم الظاهر. المسألة الثالثة: قال الشيخ: وفي البسيط ما ملخصه شرط المشغول عنه أن يكون مما يقبل أن يضمر، وأن يتقدم فلا يصح الشغل عن الحال، والتمييز، والمصدر المؤكد، ومجرور كاف التشبيه، وحتى، وغير ذلك مما امتنع إضماره؛ فالظرف إن كان على التوسع جرى مجرى المفعول به واتصل بالفعل، نحو: يوم الجمعة صمته؛ رفعا ونصبا، إما على السعة، وإما على الظرف؛ فإن كان على الظرف قلت: يوم الجمعة ألقاك فيه، والمصدر إن كان متسعا فيه جاز الشغل عنه، نحو: ضربت زيدا الضرب الشديد، فتقول: الضرب الشديد ضربته زيدا؛ رفعا ونصبا، والمفعول معه، بمنزلة المجرور؛ تقول: الخشبة استوى الماء وإياها؛ فيصير بمنزلة [٢/ ٣٠٧] زيدا ضربت عمرا أخاه، أي: لابس الماء الخشبة، وأما المفعول من أجله؛ فإن كان اسما فكالمجرور (٤)، نحو: الله أطعمت له، وإن كان مصدرا؛ فإن جوزنا إضماره جاز، -

стр. 1691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإلا فلا كمسألته في الإخبار، وتجري هذه المشغول عنها في الفصل، والأدوات، والأحكام، على نحو ما تقدم (١). انتهى. والذي يظهر لي أن هذا الذي ذكره صاحب البسيط غير محتاج إليه؛ لأنه قد عرف أن الاسم المشتغل عنه لا بد أن يكون سابقا على العامل الذي اشتغل بغيره عنه؛ وأن العامل لا بد أن يشتغل بضميره أو بملابس ضميره، والملابس هو الذي يذكر معه ضمير ما تقدمه، فما لا يكون متقدما ولا يضمر، كيف يتصور فيه الاشتغال، ثم إن في قوله: والمفعول معه بمنزلة المجرور، تقول: الخشبة استوى الماء وإياها، فتصير بمنزلة: زيدا ضربت عمرا وأخاه؛ نظرا لأنه يفهم منه جواز الاشتغال عن المفعول معه (٢)، وهو غير ظاهر؛ لأنه يلزم من إجازة ذلك، جواز تقديم المفعول معه على العامل، وذلك ممتنع بالإجماع، وينبغي للناظر أن يتأمل ما قاله، فقد يفهم منه غير ما فهمته، نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى طريق الحق؛ وأن يوفقنا في القول، والعمل بمنه وكرمه، وصلّى الله على النبي محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

стр. 1692

الباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومه [تقسيم الفعل إلى متعدّ ولازم - إجراء اللازم مجرى المتعدي] قال ابن مالك: (ان اقتضى فعل مصوغا له باطّراد اسم مفعول تامّ نصبه مفعولا به وسمّي: متعدّيا وواقعا ومجاوزا، وإلّا فلازما: وقد يشهر بالاستعمالين فيصلح للاسمين. وإن علّق اللّازم بمفعول به معنى عدّي بحرف جرّ، وقد يجرى مجرى المتعدّي شذوذا، أو لكثرة الاستعمال أو لتضمين معنى يوجب ذلك. واطّرد الاستغناء عن حرف الجرّ المتعيّن مع «أنّ» و «أن» محكوما على موضعهما بالنّصب لا بالجرّ، خلافا للخليل والكسائيّ، ولا يعامل بذلك لتعيّن الجارّ غيرهما، خلافا للأخفش الأصغر، ولا خلاف في شذوذ بقاء الجرّ في نحو: أشارت كليب بالأكفّ الأصابع) قال ناظر الجيش: ترجمة هذا الباب لا تطابق ما بني عليه ترتيب أبواب الكتاب؛ لأنه من هنا شرع في ذكر المنصوبات، ولا شك أن المفاعيل الخمسة أصلها، وهو قد ترجم كلّا من أبواب المفاعيل الأربعة، أعني المفعول المطلق، والمفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه بما وضعه له، وهذا باب المفعول به، وقد عدل عن ترجمته بذلك إلى الترجمة بتعدي الفعل ولزومه؛ ولذلك صدر الباب ببيان كل من الفعلين، وكان الواجب أن يترجمه بالمفعول به، لتوافق الأبواب الخمسة، في ترجمة كل منها بما هو له [٢/ ٣٠٨]، وليكون سرد تراجم الأبواب مطابقا لما تقدمت إشارته إليه، حيث قال: والنصب للفضلة، وهي مفعول مطلق، أو مقيد، أو كذا أو كذا؛ وإذ قد نبه على هذا فاعلم أن الفعل له متعلقات منها الفاعل، ومنها المفاعيل الخمسة، وكلها من مقتضيات الفعل؛ ولكن اقتضاؤه لها بجهات مختلفة، وقد تعرض النحاة إلى ذكرها، قال ابن أبي الربيع: ما يطلبه الفعل ببنيته هو عمدة، وهو الفاعل، ولا يجوز إسقاطه لما في ذلك من نقض الغرض، وما جاء بعد ذلك مما يقتضيه الفعل أو يستدعيه أو يلازم مستدعاه ينصبه، والذي يقتضيه الفعل شيئان: المصدر وظرف الزمان، والذي يلازم مستدعاه: ظرف المكان، والذي يستدعيه ثلاثة أشياء: محله، -

стр. 1693

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وباعثه، ومصاحبه. انتهى (١). واعلم أن هذا الذي ذكره بالنسبة إلى المفاعيل الخمسة مأخوذ من كلام الجزولي؛ فإنه قال في الجزولية: المفعول: ما تضمنه الفعل من الحدث، والزمان، والتزمه من مكان واستدعاه من محل، وباعث، ومصاحب (٢). وعبارته أحسن من عبارة ابن أبي الربيع، وقد استفيد منها أن دلالة الفعل على الحدث، دلالة تضمن، وكذا دلالته على الزمان؛ فتكون دلالته عليهما معا دلالة مطابقة، وأن دلالته على المكان دلالة إلزام؛ وأن لا دلالة على المفعول به، ولا المفعول له، ولا المفعول معه، لكنها مستدعاة له. وأما قول ابن أبي الربيع: ما يطلبه الفعل ببنيته فهو الفاعل، فكلام حسن، ومعناه أن كلّا من الأفعال الثلاثة اشتق من المصدر، ليسند إلى فاعل؛ إذ لو لم يقصد إسناد «ضرب» مثلا إلى فاعل فعل ذلك في زمان مخصوص؛ لقيل: كان ضرب أو وجد ضرب، أو وقع ضرب ونحو ذلك، فلما كان القصد ببنية الفعل إسناده إلى فاعل؛ لم يجز حذف الفاعل، إذا كان المسند إليه فعلا، أو ما شاركه في الاشتقاق، لما في ذلك من نقض الغرض، كما قال ابن أبي الربيع، ومن ثمّ جاز حذف الفاعل، إذا كان المسند إليه مصدرا (٣). وبهذا الذي قررناه، اندفع سؤال من يقول: لأي شيء لا يجوز حذف الفاعل، وإن كان عمدة إذا دلّ عليه دليل، كما جاز حذف المبتدأ، وحذف الخبر ثم المفعول به؟ قال ابن عصفور: وهو كل فضلة انتصب عن تمام الكلام، يصلح وقوعها في جواب من قال: بأيّ شيء وقع الفعل؟ أو يكون على طريقة، ما يصلح ذلك فيه (٤) وهو حد طويل عريض. وشرحه بأن قال: إنما قلت: كل فضلة، ولم أقل: كل اسم؛ لأن المفعول به قد يكون في تقدير اسم، نحو: تذكرت أنك قائم، وأريد أن تقوم، ونحو ذلك، وقد يكون [٢/ ٣٠٩] جملة، نحو: قال زيد: يقوم عمرو، فالفضلة تعم الجميع، قال: -

стр. 1694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتحرزت بقولي: انتصب عن تمام الكلام، من الفضلات المجرورة، نحو: مررت بزيد؛ لأن الباب موضوع للمفعول به المسرح، وتحرزت بقولي: يصلح وقوعها في جواب من قال .. إلى آخره، من سائر المفعولات، وهي المصدر، وظرف الزمان، وظرف المكان، والمفعول معه، والمفعول من أجله (١)، فإن جميع ذلك غير صالح لما ذكر، ومثال ما يصلح وقوعه في جواب من قال: بأي شيء وقع الفعل؟: ضربت زيدا؛ فزيد يصلح وقوعه في جواب من قال: بأي شيء وقع الضرب؟. ومثال ما لا يصلح لذلك؛ لكنه على طريقة ما يصلح ذلك فيه: ما ضربت زيدا؛ لأن زيدا لم يوقع به شيء؛ فلم يصلح جوابا، لكنه على طريقة ما يصلح ذلك فيه، وحده صاحب المفصل: بأنه الذي يقع عليه فعل الفاعل (٢)، وفسر الشراح الوقوع هنا بالتعلق المعنوي؛ فقالوا: المراد بالوقوع التعلّق المعنوي، لا الأمر الحسي (٣)؛ إذ ليس كل الأفعال المتعدية واقعة على مفعولها حسّا، كقولك: علمت زيدا قائما؛ فإنه لم يقع في الحس على زيد شيء، إنما تعلق به؛ ولا شك أن الذي يقع عليه حسّا هو متعلق به معنى، فكان التعلق مطردا في القسمين. قلت: يجب أن يكون المراد بالوقوع التعلّق؛ لأن زيدا من قولك: ما ضربت زيدا، لم يقع عليه شيء، لكنه تعلق به. وحاصل الأمر: أن تعلق الفعل بالشيء قد يكون على طريق الثبوت، وقد يكون على طريق النفي، والظاهر: أنهم إنما عدلوا في الحد عن لفظ التعلق إلى لفظ الوقوع؛ لموجب، وهو أنه لو قيل: المفعول به ما يتعلق به فعل الفاعل، لم يكن الحد مطردا، لدخول بقية المفاعيل فيه؛ إذ كل منها من متعلقاته فعدل إلى لفظ الوقوع ليخلص الحد لما هو المقصود، وفسر الوقوع بالتعلق كما عرفت، فكان في لفظ الوقوع إشعار بأنه إذا قيل: ضربت زيدا مثلا، كان تعلقه به من جهة وقوعه عليه، وإذا تقرر هذا فلنرجع إلى شرح كلام المصنف، فنقول أولا: اعلم أن المفعول به هو الفارق بين المتعدي من الأفعال واللازم؛ فالمتعدي: هو الذي له متعلق تتوقف عقليته عليه، فما كان متعديا إلا باعتبار هذا التعلق، ولهذا -

стр. 1695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يقال: متعدّ، ويطلق القول إلا للمتعدي إلى المفعول به، وما لا يتعدى إلى المفعول به فهو لازم، ولا يقال له: متعدّ إلا بالتّقييد، فيقال: متعدّ إلى المفعول المطلق، أو المفعول فيه، أو متعدّ بحرف جر (١)، ولما كان الفارق بين الفعلين إنما هو المفعول به؛ أجاز المصنف معرفة كل منهما على ذلك، فقال: (إن اقتضى فعل مصوغا له باطراد اسم مفعول تام نصبه مفعولا به، وسمي [٢/ ٣١٠] متعديا وواقعا، ومجاوزا، وإلا فلازما) (٢)، يعني إن اقتضى فعل اسما؛ يصاغ لذلك الاسم من مادّة ذلك الفعل اسم مفعول تام نصب الفعل ذلك الاسم مفعولا به، وكان ذلك الفعل متعديا، وواقعا، ومجاوزا، وإن لم يكن كذلك؛ بأن لا يقتضي الفعل ذلك الاسم المقيد بما ذكر؛ وذلك بأن لا يصاغ من مادته اسم مفعول أصلا، كقام زيد، وجلس عمرو، أو يصاغ منها اسم مفعول غير تام، نحو: جلس زيد في الدار، ومرّ زيد بعمرو؛ إذ يصح أن يقال: الدار مجلوس فيها، وعمرو ممرور به؛ كان ذلك الفعل لازما (٣)، ويقال له: قاصر أيضا، واحترز بقوله: باطراد، من شيء وهو أن يكون الفعل يتعدى بحرف الجر، فيحذف ذلك الحرف للضرورة مثلا، نحو قول القائل: ١٣٠٦ - تمرّون الدّيار ولم تعوجوا (٤) -

стр. 1696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنه إذا اضطر الشاعر يقول: الديار ممرورة، فقد صيغ للديار من «تمرون الديار» اسم مفعول تام، لكن هذا الصوغ لا يضطرد، وأشار المصنف بقوله: (وقد يشتهر بالاستعمالين)، إلى أن الفعل قد يستعمل بالتعدي واللزوم على السواء، فيصلح لذلك أن يسمى متعديا ولازما، فما تعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر؛ ولم يكن أحد الاستعمالين مستندرا فيه؛ قيل فيه: متعدّ بوجهين، نحو: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، وقد ذكروا مع هذين الفعلين فعلين آخرين: مسحت، وخشنت؛ قالوا: ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالسماع (١). قال ابن عصفور: وزعم بعض النحويين؛ أنه لا يتصور أن يوجد فعل يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر؛ لأنه محال أن يكون الفعل قويّا ضعيفا في حال واحدة، ولا المفعول محلّا وغير محل في حين واحد وهو الصحيح. قال: فينبغي إذا أن تجعل: نصحت زيدا وأمثاله الأصل فيه: نصحت لزيد، ثم حذف حرف الجر منه في الاستعمال، وكثر فيه الأصل والفرع؛ لأن النصح لا يحل بزيد، فإن كان الفعل يحل بنفس المفعول ويوجد تارة متعديا بنفسه، وتارة بحرف جر جعلنا الأصل وصوله بنفسه، وحرف الجر زائدا نحو: مسحت رأسي، ومسحت برأسي، وخشّنت بصدره وصدره؛ لأن التخشين يحل بالصدر، والمسح يحل بالرأس (٢). انتهى. وكان قد قرر قبل هذا الكلام؛ أن المتعدي بنفسه، هو الذي يطلب مفعولا؛ ويكون ذلك المفعول يحل به الفعل، نحو: ضربت زيدا؛ وأن المتعدي بحرف جر هو الذي يطلب مفعولا به، إلا أنه لا يكون محلّا للفعل، نحو: مررت بزيد، وجئت إلى عمرو، وعجبت من بكر (٣). قال: فالمرور لا يحل بزيد، ولا المجيء بعمرو، ولا التعجب من بكر (٤). -

стр. 1697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلت: هذا الذي اختاره، وقال: إنه صحيح هو الذي يقتضيه النظر؛ وذلك لأن المتعدي [٢/ ٣١١] من الأفعال هو الذي له متعلق تتوقف عقليته عليه (١) كما تقدم، ولا شك أن اللازم ليس كذلك، أي: ليس له متعلق تتوقف عقليته عليه، ومحال أن يتجمع الأمران؛ إذ الضدان لا يجتمعان، وأيضا: فالفرق بين ما يحل به الفعل، وما لا يحل به الفعل واضح، وقد عرفت أن هذا الأمر أيضا فاصل بين المتعدي واللازم، ومنهم من قال: إن الفعل إذا تعدى بنفسه كان له معنى، وإذا تعدى بحرف جر كان له معنى آخر، فنصحت زيدا؛ محمول على ضده وهو «غشّ»، ونصحت لزيد؛ محمول على نظيره وهو «خلص»، فمعنى نصحت له: خلص عملي له (٢)، ولا يخفى بعد هذا عن مقاصد العرب. وجعل ابن أبي الربيع الذي يتعدى بنفسه تارة، وبحرف جر تارة ثلاثة أقسام: ١ - قسم الأصل فيه حرف الجر، ثم أسقط اتساعا، نحو: شكرت لزيد وزيدا. ٢ - قسم عكسه، نحو: قرأت السورة وبالسورة. ٣ - قسم هما فيه أصلان، نحو: جئتك وجئت إليك، فمن قال: جئتك؛ لحظ قصدتك، ومن قال: جئت إليك؛ لحظ وصلت إليك (٣). واعلم أنهم إنما اختلفوا في تعلق الفعل بالمفعول به؛ أهو من نفس معنى الفعل أم بالنقل؟ قال ابن عمرون: وأكثر النحاة على الأول قال: وذهب بعضهم إلى أن المتعدي موقوف على السماع بدليل: نقص الماء وأنقصته (٤)، وقد مال المصنف إلى هذا القول؛ فإنه قال: وما لا بد له من حرف الجر، فهو لازم، ولا يتميز المتعدي من اللازم بالمعنى والتعلق؛ فإن الفعلين قد يتحدان معنى، وأحدهما متعدّ والآخر لازم، كصدقته وآمنت به، ونسيته وذهلت عنه، وحببته ورغبت فيه، وأردته وهممت به، وخفته وأشفقت منه، واستطعته وقدرت عليه، ورجوته وطمعت فيه، وتجنبته -

стр. 1698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأعرضت عنه (١)؛ وإنما يتميز المتعدي بأن يتصل به كاف الضمير، أو هاؤه أو ياؤه باطراد؛ وبأن يصاغ منه اسم مفعول تام باطراد، نحو: صدقته، وحببته، وأردته، ورجوته، فهو مصدق، ومحبوب، ومراد، ومرجو، وبهذا علم أن قال: متعدّ لاطراد، نحو: قلته فهو مقول، ولو قصد هذان الأمران من ذهلت، ورغبت، وطمعت، وأعرضت لم يستغن عن الحرف، كقولك: ذهلت عنه ورغبت فيه وطمعت فيه وأعرضت عنه، فهو مذهول عنه، ومرغوب فيه، ومطموع فيه، ومعرض عنه؛ فلا يتأتى لك صوغ المفعول تامّا، بل ناقصا أي: مفتقرا إلى حرف الجر؛ فعلم بذلك لزومه وعدم تعدّيه، كما علم بالتمام التعدي. انتهى. وما قاله من أن المتعدي لا يتميز من اللازم بالمعنى والتعلق، خلاف قول الأكثرين وأما ما [٢/ ٣١٢] ذكره من أن الفعلين قد يتّحدان معنى، وأحدهما متعد والآخر لازم، كصدقته، وآمنت به، إلى آخر الأمثلة التي ذكرها؛ فلك أن تمنع اتحاد معنى الفعلين في جميع ما أورده، وهو الظاهر، فيقال: معنى آمنت به أخص من معنى صدقته؛ إذ قد يصدق الإنسان غيره ولا يؤمن به. وكذا إذا حقق الناظر نظره، أمكنه أن يفرق بين معنى نسيته وذهلت عنه، وكذا بقية الأمثلة. واعلم أن المصنف قد تعرض في الألفية إلى ذلك. وأما قول المصنف: (وإن علق اللازم بمفعول به معنى عدّي بحرف جر)، فظاهر، ثم إن الحرف - أعني حرف الجر - قد يحذف فيصل الفعل بنفسه إلى ما كان مجرورا به، وإلى ذلك الإشارة بقوله: (وقد يجري مجرى المتعدي شذوذا، أو لكثرة الاستعمال، أو لتضمين معنى يوجب ذلك)، فهذه ثلاثة أسباب، أما الشذوذ فنحو: قول الشاعر: -

стр. 1699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣٠٧ - كأنّي إذا أسعى لأظفر طائرا ... مع النّجم في جوّ السّماء يصوب (١) وقول الآخر: ١٣٠٨ - تحنّ فتبدي ما بها من صبابة ... وأخفي الّذي لولا الأسى لقضاني (٢) الأصل: لأظفر بطائر، ولقضي عليّ، وأما كثرة الاستعمال فنحو قولهم: دخلت الدار، والمسجد، ونحو ذلك، فيقاس على هذا دخلت الدار، والبيت وغير ذلك من الأمكنة (٣)، ومن المقتصر فيه على السماع: توجّه مكة، وذهب الشام، ومطرنا السهل -

стр. 1700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والجبل، وضرب فلان الظهر والبطن؛ فلا يقاس على هذه الأسماء وما أشبهها غيرها (١). قال المصنف (٢): وإذا ثبت أن اللازم، هو المفتقر إلى حرف جر، فليعلم أن الأصل أن لا يحذف حرف الجر؛ فإن ورد حذفه وكثر، قبل وقيس عليه؛ يعني كما قيل في دخلت؛ وإن لم يكثر قبل ولم يقس عليه؛ يعني كما قيل: في توجّه، وذهب، ومطرنا السهل والجبل، وضرب فلان الظهر والبطن؛ وأما تضمين معنى يوجب ذلك؛ فنحو قول بعضهم (٣): رحبكم الدخول في الطاعة، فإنه ضمنه معنى وسع، فأجراه مجراه، ومنه قول علي: إن بشرا طلع اليمن (٤)، ضمنه معنى بلغ، وقد قالوا في قوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ (٥): إنه ضمنه معنى: ولا تعقدوا (٦)، قالوا: وإذا دخل التأويل فيما يتعدى بنفسه، فنقل إلى ما لا يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (٧) فضمن معنى يُخالِفُونَ معنى الخروج والانفصال، فعدّي بعن (٨) فهنا أجوز؛ لأنه نقل من الأضعف إلى الأقوى [٢/ ٣١٣]. واعلم أن المصنف لما ذكر أن حرف الجر يحذف فيصل الفعل اللازم إلى الاسم بنفسه، مثل لذلك بقوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (٩)، وبقوله تعالى: أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ (١٠)، وقال: الأصل: على صراطك، وعن أمر ربكم، وأنشد البيتين المحكوم بشذوذهما عقب ذكر الآيتين الشريفتين، فأوهم ذلك أن حذف الحرف في الآيتين الشريفتين محكوم بشذوذه، وليست هذه عادته في الكتاب العزيز، والحكم بالشذوذ في ذلك صعب شديد، ولا يبعد أن الفعلين ضمنا معنى ما يتعدى بنفسه، فأجريا مجراه فضمن لَأَقْعُدَنَّ معنى: «لأرصدن»، وأَ عَجِلْتُمْ -

стр. 1701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ معنى: «أسبقتم» (١). وقول المصنف: (واطرد الاستغناء عن حرف الجر المتعين مع أنّ وأن)؛ كأنه استثناء من الكلام الذي قبله؛ فكأنه قال: ولا يحذف حرف الجر المعدي حذفا مطردا إلا مع هاتين الكلمتين. قال المصنف: واطرد حذف حرف الجر مع «أنّ وأن»؛ إن تعين عند حذفه، نحو: عجبت أن يتعصب ناصح وطمعت أنك تقبل، فلو لم يتعين الحرف عند حذفه مع «أنّ وأن» لامتنع الحذف، نحو: رغبت أن يكون كذا، فإنه لا يدري هل المراد: رغبت في أن، أو عن أن يكون؟ (٢) والمرادان متضادان معنى؛ فيمتنع الحذف في مثل هذا. انتهى (٣). والمسوغ لاطراد الحذف مع أنّ وأن طولهما بالصلة والطول يستدعي التخفيف (٤)، قاله ابن عصفور (٥)، قال الشيخ: وقد جاء الحذف في قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ (٦)، فقدره بعضهم: عن أن تنكحوهن، وقدره بعضهم: في أن تنكحوهن (٧). وتبع الشيخ في ذكر ذلك المعتبرون من الطلاب، ومن ثم جعلوه كالاستدراك على المصنف، والحق أن لا استدراك، فإن من قدر «في» قال: إن تقديرها متعين فلا يجيز تقدير «عن»، ومن قدّر «عن» كانت متعينة عنده أيضا؛ فلا يجيز تقدير «في» وعلى هذا؛ فالحرف المحذوف متعين قطعا، وإنما كان يكون استدراكا لو أجيز التقديران معا على التخيير، والأمر ليس كذلك، ثم قال المصنف: ومذهب الخليل، والكسائي، في أنّ وأن عند حذف حرف الجر المطرد حذفه أنهما في محل جر، ومذهب سيبويه والفراء أنهما في محل نصب، وهو الأصح؛ لأن بقاء الجر بعد حذف عامله قليل، والنصب كثير، والحمل على الكثير أولى من الحمل على -

стр. 1702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القليل (١) وقد يستشهد لمذهب الخليل والكسائي بما أنشده الأخفش من قول الشاعر (٢): ١٣٠٩ - وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إليّ ولا دين بها أنا طالبه (٣) انتهى (٤). ومما يرجح به مذهب [٢/ ٣١٤] سيبويه: أن الأصل والأكثر أنه إذا حذف حرف -

стр. 1703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجر أن لا يبقى له عمل البتة، ولا يضمر وآنذا يكون إعراب ما حذف منه الحرف على حسب الطالب للموضع، فإن كان الموضع يقتضي رفعا رفع الاسم، نحو: كفى الله في كَفى بِاللَّهِ * (١)، وما في الدار أحد في: ما في الدار من أحد، وإن كان الموضع يقتضي نصبا نصب الاسم؛ وإنما وقع الخلاف في «إنّ وأن»؛ لأن حرف الجر لم يظهر له عمل وتأثير فيما دخل عليه؛ وإنما قال المصنف: وقد يستشهد لمذهب الخليل، والكسائي، بما أنشده الأخفش من قول الشاعر: ١٣١٠ - وما زرت ليلى ... ... ......... البيت ولم يقطع بالاستشهاد به؛ لاحتمال أن يكون في موضع نصب، وأن يكون «ولا دين» معطوفا على توهم الجر (٢). ثم قال الشيخ (٣): ما ذكره المصنف أنه مذهب الخليل ليس بصحيح، بل مذهب الخليل أنه في موضع نصب، وهو منصوص في كتاب سيبويه ثم أورد النص. ثم قال المصنف: وأجاز علي بن سليمان الأخفش (٤)؛ أن يحكم باطراد حذف حرف الجر، والنصب، فيما لا لبس فيه (٥)، كقول الشاعر: ١٣١١ - وأخفي الّذي لولا الأسى لقضاني (٦) والصحيح أن يتوقف فيه على السماع، قال سيبويه بعد أن حكى قولهم: عددتك ووزنتك وكلتك، ولا تقول: وهبتك؛ لأنهم لم يعدوه؛ ولكن: وهبت لك (٧)، قال المبرد: لا يقال: وهبتك؛ لئلا يتوهم كون المخاطب موهوبا، وإذا زال الإشكال، نحو: وهبتك الغلام؛ جاز.

стр. 1704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحكى أبو عمرو الشيباني (١): انطلق معي أهبك نبلا، تريد: أهب (٢) لك. انتهى (٣). وكذا قاله ابن عصفور لما أنشد: ١٣١٢ - تمرّون الدّيار (٤) وقول الآخر: ١٣١٣ - تحنّ فتبدي ... ...... البيت (٥) وقول الآخر: ١٣١٤ - فبتّ كأنّ العائدات فرشنني ... هراسا به يعلى فراشي ويقشب (٦) أي: فرشن لي، قال: وزعم علي بن سليمان الأخفش؛ أنه لا يجوز حذف حرف الجر، إذا تعين موقع الحذف، والمحذوف قياسا على ما جاء من ذلك، نحو: بريت القلم السكين، تريد بالسكين؛ لأنه قد تعين المحذوف وهو «الباء»، وموضع الحذف وهو السكين؛ فإن اختل الشرطان أو أحدهما منع، نحو: رغبت الأمر؛ لأنه لا يعلم هل المراد «في» أو «عن»؟ وكذلك لا يجوز: اخترت إخوتك الزيدين؛ لأنه لا يعلم هل أردت اخترت إخوتك من الزيدين، أو الزيدين من إخوتك؟ قال: والصحيح: أنه لا يجوز شيء من ذلك وإن وجد الشرطان فيه؛ لقلة ما جاء من ذلك، إذ لا يحفظ منه إلا الأفعال [٢/ ٣١٥] التي ذكرها (٧). انتهى. والأفعال التي ذكرها هي: اختار، واستغفر، وسمّى، وكنّى، ودعا بمعنى: سمّى، وأمر، مما سيأتي الكلام عليها عند إشارة المصنف إليها. ثم قال المصنف: ولا خلاف في شذوذ حذف حرف الجر وبقاء عمله، كقول الشاعر: -

стр. 1705

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣١٥ - إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة ... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع (١) أراد: أشارت إلى كليب، فحذف «إلى» وأبقى عملها. ومثله: ١٣١٦ - وكريمة من آل قيس ألفته ... حتّى تبذّخ فارتقى الأعلام (٢) أراد: إلى الأعلام؛ فحذف وأبقى الجر .. انتهى (٣). بقي الكلام على مسألة واحدة وهي: أنهم اختلفوا في الناصب للمفعول به على مذاهب: الأول: وهو مذهب الجمهور: وهو أن الناصب له الفعل، أو ما يقوم مقامه؛ لأن العامل ما به يتقوم المعنى المقتضى، والذي يتقوم به معنى المفعولية هو الفعل، والدليل عليه أنه يختلف باختلافه؛ فإنك تقول: ضربت زيدا، وأعطيت عمرا درهما، فالمفعول مع «ضربت» واحد، ومع أعطيت اثنان، والفاعل المتكلم في الصورتين، فلو كان العامل غير الفعل لم يختلف باختلافه، ولأنه متى كان الفعل متصرفا جاز تقديمه عليه، وما لم يكن متصرفا نحو: ما أحسن زيدا؛ لا يجوز تقديمه على الفعل، فلولا أنه عامل لم يكن كذلك. الثاني: مذهب هشام، وهو أن الناصب له الفاعل، ويبطل مذهبه جواز تقديمه عليه مع أنه غير متصرف، وأنه يأتي دون فاعل مع المصدر، نحو قوله تعالى (٤): -

стр. 1706

[نوعا المتعدي: متعد إلى واحد - متعد إلى اثنين] قال ابن مالك: (فصل: المتعدّي من غير بابي «ظنّ» و «أعلم» متعدّ إلى واحد، ومتعدّ إلى اثنين، والأوّل متعدّ بنفسه وجوبا، وجائز التّعدّي واللّزوم، وكذا الثاني بالنّسبة إلى أحد المفعولين، والأصل تقديم ما هو فاعل معنى على ما ليس كذلك، وتقديم ما قد يجرّ، وترك هذا [٢/ ٣١٦] الأصل واجب وجائز وممتنع لمثل القرائن المذكورة فيما مضى). ــ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً (١)، ومحال منصوب لا ناصب له؛ وأن الفاعل يكون ضميرا وهو غير عامل. الثالث: مذهب الفراء، وهو أن الناصب للمفعول به المجموع، وهو أيضا باطل بما أبطل به مذهب هشام، وبشيء آخر وهو أنهما لو كانا عاملين لما (٢) جاز وقوعه بينهما؛ لأن المعمول لا يتوسط العامل. الرابع: مذهب خلف الأحمر، أن العامل في المفعول (٣) معنوي وهو كونه مفعولا، ويبطله رفعه في ما لم يسم فاعله، ومعنى المفعولية فيه، فإن قيل: مسلم أن معنى المفعولية باق؛ لكن فقد شرط نصبه، وهو ذكر الفاعل، فالجواب: أن ذكر الفاعل ليس بشرط، بدليل جواز حذفه مع المصدر مع نصبه (٤). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٥): لما تقدم الكلام على «ظن» و «أعلم» وأخواتها استثنيتهما بقولي: (المتعدي من غير بابي «ظن» و «أعلم») وبيّنت أن المتعدي مما سواهما لا يوجد منه متعدّ إلى أكثر من اثنين، بل هو إما متعدّ إلى واحد بنفسه أبدا كضرب وأكل، مما لا يحتاج إلى حرف جر، وإما متعدّ بنفسه تارة، وبحرف جر تارة، كشكر ونصح، مما يقال له: متعدّ بوجهين، وقد أشرت إلى ذلك قبل هذا مجملا (٦)، ثم أشرت الآن إليه مفصلا، ثم بيّنت أن المتعدي إلى اثنين من هذا الباب، إما متعدّ إليهما بنفسه، نحو: كسا وأعطى، وإما متعدّ إلى -

стр. 1707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما بنفسه أبدا وإلى الآخر بوجهين، نحو: اختار وأمر، تقول: كسوت زيدا ثوبا، وأعطيته درهما؛ فلا يحتاج إلى حرف جر، ولا يجوز ذلك أن تأتي به، وتقول: اخترت زيدا قومه، وأمرته الخير، واخترته من قومه وأمرته بالخير. ومأخذ هذا النوع السماع (١) والأصل تقديم المفعول الذي هو فاعل معنى على المفعول الذي ليس كذلك، كزيد من مسألة: أعطيت زيدا درهما؛ فإنه مفعول في اللفظ فاعل في المعنى؛ لكونه آخذ أو متناولا، بخلاف الدرهم؛ فإنه مفعول في اللفظ والمعنى، فأصله أن يتأخر وأصل الآخر أن يقدم (٢)، وكذا الأصل تقديم ما هو يتعدى إليه الفعل بنفسه أبدا، وتأخير ما يتعدى إليه بوجهين؛ لأن علقه ما لا يحتاج إلى واسطة أقوى من علقه ما يحتاج إليها؛ فلذلك يقال: أعطيت درهمه زيدا، واخترت قومه عمرا، ولا يقال: أعطيت صاحبه الدرهم (٣)، ولا: اخترت أحدهم القوم، إلا على قول من قال: ضرب غلامه زيدا (٤)، ومثال: وجوب ترك الأصل: ما أعطيت درهما إلا زيدا (٥)، وأعطيت الدرهم صاحبه (٦)، وهما نظيرا: ما ضرب عمرا إلا زيد، وضرب زيدا غلامه، ومثال امتناع ترك الأصل: ما أعطيت زيدا إلا (٧) درهما، وأضربت زيدا عمرا (٨)؛ بمعنى جعلت زيدا يضرب عمرا، وهذان نظيرا: ما ضرب زيد إلا عمرا، وضرب موسى عيسى، وما خلا من -

стр. 1708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سبب الوجوب وسبب الامتناع جاز أن يبقى على الأصل، نحو: كسوت زيدا ثوبا، وجائز أن يخالف الأصل، نحو: كسوت ثوبا زيدا. انتهى (١). وقد تقدم من كلام ابن عصفور أن الأفعال التي تتعدى إلى واحد بنفسها، وإلى آخر بحرف، وأن ذلك الحرف يجوز حذفه هي: اختار، واستغفر، وسمّى، وكنّى، ودعا بمعنى سمّى، وأمر؛ فهي ستة أفعال، وذكر أنها مسموعة تحفظ، ولا يقاس عليها (٢) كما ذكر المصنف، قال الله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (٣) المعنى: عن قومه، وقال الشاعر: ١٣١٧ - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب (٤) [٢/ ٣١٧] وقال الآخر (٥): ١٣١٨ - وسمّيت كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمّى جعل (٦) يريد: وسمّيت بكعب، وكان أبوك يسمّى بجعل، ويقال: كنيتك أبا عبد الله أي: بأبي عبد الله، قال: ١٣١٩ - وما صفراء تكنى أمّ عمرو ... كأنّ سويقتيها منجلان (٧) -

стр. 1709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يريد: تكنى بأم عمرو، وأستغفر الله ذنبي، يريد: من ذنبي، قال الشاعر: ١٣٢٠ - أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل (١) أي: من ذنب، ودعوتك أبا عبد الله، أي: بأبي عبد الله، قال (٢): ١٣٢١ - دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان (٣) يريد: دعتني بأخيها، أي: سمتني بذلك؛ فإن أريد بـ «دعا» معنى الاستدعاء لم يتجاوز مفعولا واحدا، نحو: دعوت زيدا، أي: استدعيه، وقد ذكر الشيخ عن النحاة مع هذه الأفعال الستة، أفعالا أخر أجريت مجراها فيما ذكر، وهي: زوّج وصدّق وعيّر. فيقال: زوجته بامرأة، قال الله تعالى: زَوَّجْناكَها (٤)، وصدقت زيدا في الحديث والحديث، وعيّرت زيدا بسواده (٥) قال: ١٣٢٢ - وعيّرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل عليك بأن أخشاك من عار (٦) -

стр. 1710

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجعل الجرجاني من هذه الأفعال أيضا كلته كذا وكذا جريبا، ووزنته كذا وكذا درهما، والأصل: كلت له ووزنت له، ثم حذفت اللام قال الله تعالى: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [يُخْسِرُونَ (١)؛ المعنى: وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم] (٢)، ولم يذكر المكيل والموزون (٣). واعلم أن الشرط المتقدم الذكر في حذف حرف الجر المصاحب لأنّ وأن، وهو المتعين مشروط هنا أيضا، ولهذا قال ابن عصفور بعد أن ذكر الأفعال المتقدمة الذكر، ولا يجوز ذلك يعني الحذف في هذه الأفعال إلا بشرط تعين موضع الحذف والمحذوف الذي هو حرف الجر؛ فإن نقص هذان الشرطان، أو أحدهما لم يجز حذف حرف الجر أصلا، فلا يجوز: اخترت إخوتك الزيدين؛ لعدم تعين موضع الحذف؛ إذ يحتمل أن يكون المراد: اخترت إخوتك من الزيدين، أو: اخترت الزيدين من إخوتك (٤)، ثم قد بقي هاهنا أمور ينبه عليها: منها: أن الشيخ قال: إن في جواز «أضربت زيدا عمرا»؛ نظرا فإن الظاهر من مذهب سيبويه؛ أن التعدية بالهمزة قياس في اللازم، سماع في المتعدي، قال: فعلى هذا يحتاج إلى سماع تعدية ضرب لمفعولين بالهمزة، وإلا لم يجز (٥). ومنها: أن السهيلي ذهب إلى أن [٢/ ٣١٨] «استغفر» ليس أصلها التعدية إلى الثاني بحرف الجر؛ بل الأصل أن تتعدى إليه بنفسها، وزعم أن تعديتها بمن إنما هو ثان عن تعديتها بنفسها؛ وإنما عديت بمن لتضمنها معنى طلب التوبة من الذنب والخروج منه، والأصل: استغفرت الله الذنب؛ لأنه من غفر إذا ستر، وتقول: غفر الله ذنوبنا ولا تقول: من ذنوبنا، إلا أن تريد بعضها، ومعنى «استغفر» طلب أن يغفر له، فهو بمنزلة: استسقيت زيدا الماء، واستطعمت عمرا الخبز، أصله: سقاني زيد الماء، وأطعمني عمرو الخبز؛ فكما أن الماء والخبز في المثالين منصوبان في -

стр. 1711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحالتين؛ كذلك يكون الذنب في الحالتين منصوبا؛ ولا يكون منصوبا في أحدهما مجرورا في الآخر؛ فإذا دخل حرف الجر، دل على تضمنه معنى ما يتعدى بحرف الجر؛ فكأنك قلت: استتبت الله من ذنبي أو سألته النجاة منه، قال: ولذلك لا يجوز الاقتصار على المنصوب بعد إسقاط «من»، لا تقول: استغفرت ذنبي، حتى تذكر المستغفر المسؤول منه التوبة والنجاة من الذنب (١) انتهى. والذي ذكره وبحثه حسن وهو الظاهر، وقد كان في النفس من هذه المسألة شيء فانجلى بالوقوف على كلام هذا الرجل، وقد نازع الناس السهيلي في هذه الدعوى فقالوا: هذا الذي قاله السهيلي لا يلزم؛ إذ العرب تقول: استفهمت زيدا عن المسألة، وتقول: فهمني زيد المسألة، فاستغفرت الله من الذنب كاستفهمت زيدا عن المسألة ولم يجئ مجيء استطعمت، فلا يلزم من سين الاستفعال أن يتعدى الفعل بها إلى ما كان يتعدى إليه قبل دخولها (٢)، قالوا: ويقطع ببطلان مذهبه أن سيبويه نقل أن بعض العرب، يقول: استغفرت الله ذنبي، والجميع يقولون: استغفرت الله من ذنبي (٣)، فلو كان الأصل أن يتعدى بنفسه؛ لكثر ولقل تعديته بمن (٤). وأقول: للسهيلي أن يقول: إن استفهمت زيدا عن المسألة ضمن معنى سألت؛ لأن المستفهم سائل؛ فكأنه قال: سألت زيدا عن المسألة، لكن السؤال قد يكون سؤال مستفهم، وقد يكون سؤال غير مستفهم، فأتى باستفهمت وجرّ المفعول الثاني؛ لإفادة أن المتكلم بذلك سأل زيدا عن المسألة مستفهما، وأما كون جميع العرب يقولون: استغفرت الله من ذنبي؛ فقد يقال في جوابه بأن الفروع قد تفوق الأصول في الاستعمال، ثم المسوغ لكثرة استعمال الفرع هنا دون الأصل: أن أصل الفعل الذي هو «استغفر» يكون حينئذ مضمنا معنى طلب. ولهذا قال السهيلي: وكأنك قلت: «استتبت الله من ذنبي، أو سألته النجاة منه، ولا شك أن العبد مطلوب منه أن يكون طالبا للخروج من الذنب [٢/ ٣١٩] والتوبة منه. ومنها: أن ابن عصفور ذكر في هذا الباب مسألة، وهي أن الفعل المتعدي إذا -

стр. 1712

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قدم مفعوله عليه، جاز دخول اللام عليه، فتقول: لزيد ضربت، قال الله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (١) أما إذا تأخر فلا يجوز دخول اللام عليه، إلا في الضرورة أو في نادر كلام، كقول الشاعر (٢): ١٣٢٣ - فلمّا أن توافقنا قليلا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا (٣) يريد: أنخنا الكلاكل (٤)، ثم إنه ذكر المسوغ لدخول اللام إذا تقدم (٥). فقال الشيخ: إن المصنف لم يتعرض إلى ذكر هذه المسألة، ثم ذكر كلام ابن عصفور واستوفاه (٦). وأقول: إن المصنف لم يهمل ذكر المسألة المذكورة؛ بل ذكرها في موضع هو ليس بذكرها فيه من هذا الباب، وهو باب حروف الجر، وسيأتي الكلام عليها في مكانها إن شاء الله تعالى. واعلم أنك إذا قدمت المفعول وقرنته باللام، فقلت: لزيد ضربت، لا يجوز أن نصل ضميره حينئذ بالفعل، وعن مثل هذه المسألة عبر ابن عصفور، بقوله: وإذا تعدى الفعل إلى المفعول ظاهرا لم يتعد إليه مع ذلك مضمرا، لا تقول: لزيد ضربته، قال: فأما قوله (٧): ١٣٢٤ - هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب (٨) -

стр. 1713

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل، أي: يدرس الدرس (١)، ثم قال ابن عصفور: ولا يجوز دخول حرف الجر عليه - أي: على المفعول به - خلاف اللام إلا أن يحفظ؛ فيكون من باب ما زيد فيه حرف الجر، فلا يتجاوز، نحو: مسحت رأسه وبرأسه، وخشنت صدره وبصدره، أو في ضرورة شعر، نحو قوله (٢): ١٣٢٥ - هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور (٣) يريد: لا يقرأن السور، وقول الآخر (٤): ١٣٢٦ - نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج (٥) يريد: نرجو الفرج، هذا كله إذا كان الفعل يتعدى إلى واحد، فإن كان يتعدى إلى أكثر؛ لم يجز إدخال اللام على مفعوله، تقدم أو تأخر (٦)، وعلل ذلك بما يوقف عليه من كلامه (٧). -

стр. 1714

[مسائل تأخير المفعول وجوبا وتقديمه وجوبا وجواز الأمرين] قال ابن مالك: (فصل: يجب تأخير منصوب الفعل إن كان «أنّ» مشدّدة أو مخفّفة [٢/ ٣٢٠] وتقديمه إن تضمّن معنى استفهام أو شرط، أو أضيف إلى ما تضمّنهما أو نصبه جواب «أمّا» ويجوز في غير ذلك إن علم النّصب تأخير الفعل غير تعجّبيّ، ولا موصول به حرف، ولا مقرون بلام ابتداء أو قسم مطلقا خلافا للكوفيّين في نحو: زيدا غلامه ضرب، وغلامه أو غلام أخيه ضرب زيد، وما أراد أخذ زيد وما طعامك أكل إلّا زيد، ولا يوقع فعل مضمر متّصل على مفسّره الظّاهر وقد يقع على مضاف إليه أو موصول بفعله). ــ ونقل الشيخ عن الشلوبين الصغير (١): أن ذلك لو سمع لقبلناه، ولم يبعد أن يقولوا: لزيد أعطيت درهما (٢). قال الشيخ: قد قالته العرب مع تأخر المفعول، فبالأحرى أن يجوز مع التقديم، وأنشد: ١٣٢٧ - أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها (٣) قال فأدخل اللام على مفعول أعطى الأول، وهو متأخر عن الفعل، لكن ذلك من القلّة، بحيث ينبغي أن لا يقاس عليه (٤). قال ناظر الجيش: اعلم أن تقديم المفعول على الفاعل، كما انقسم إلى ثلاثة أقسام: ممتنع، وواجب، وجائز، هكذا انقسم تقديم المفعول على الفعل نفسه إلى ثلاثة أيضا: -

стр. 1715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ممتنع، وواجب، وجائز، والذي يحتاج إلى النص عليه منها؛ إنما هو قسمان: الممتنع والواجب، وهما اللذان ذكرهما في الكتاب؛ لأنهما إذا علما علم أن ما عدا صورهما من الصور هي صور القسم الجائز؛ ثم إن المنع من التقديم قد يكون لذات المفعول؛ وذلك أن يكون بذاته يستحق التأخير، وقد يكون لذات العامل؛ بأن يكون غير متصرف، وقد يكون لعارض؛ وذلك بأن يقترن به ما يمنع من التقديم، وقد يكون لخوف التباس المفعول بغير مفعول (١)، وأما الموجب للتقديم بأن يتضمن المفعول معنى ما له الصدر، أو يضاف إلى ما يتضمن ذلك (٢)، وقد ذكر المصنف ما يجب فيه التقديم متوسطا بين صور ما يمتنع فيه التقديم، وكان الأولى والأحسن أن يوالي بين صور ما يمتنع فيه التقديم فيوردها جملة، ثم يردف ذلك بما يجب فيه التقديم. وبعد؛ فأنا أولا أورد إجمالا صور كل من القسمين مواليا بين صور كل قسم؛ ليكون ذلك أعون للطالب على الضبط، ثم أعود فأورد كلام المصنف، فأقول: يمتنع التقديم في صور: ١ - منها: أن يكون المفعول أنّ أو أن مع صلتيهما؛ لأن هاتين الكلمتين لا يبتدأ بهما كلام، فالامتناع في هذه الصورة لذات المفعول. ٢ - ومنها: أن يكون العامل غير متصرف كفعل التعجب؛ فالامتناع في هذه الصورة لذات الفعل. ٣ - ومنها: أن يقترن بالعامل ما يمنع من التقديم؛ بأن يكون صلة لموصول حرفي أو مقترن بلام الابتداء أو بلام القسم؛ فيكون الامتناع في ثلاث الصور هذه بسبب ما عرض للعامل من مصاحبة أو اقترانه بما ذكر. ٤ - ومنها: أن لا يعلم إذا قدم كونه مفعولا كقولك في ضرب موسى عيسى [٢/ ٣٢١]: عيسى ضرب موسى؛ فالامتناع في هذه الصورة لخوف الالتباس (٣). -

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويجب التقديم في صور: ١ - منها: أن يكون منصوب الفعل: اسم شرط. ٢ - ومنها: أن يكون اسم استفهام. ٣ - ومنها: أن يكون مضافا إلى ما تضمن معنى شرط أو استفهام. ٤ - ومنها: أن يكون منصوبا بجواب «أمّا» (١). لكن الموجب للتقديم في ثلاث الصور الأولى ذات المنصوب؛ لتضمنه معنى ما له الصدر، أو لإضافته إلى ما تضمن ذلك، وأما الصورة الرابعة فالموجب للتقديم فيها ليس أمرا يرجع إلى ذات المنصوب، إنما هو شيء آخر وهو طلب الفصل بين «أما»، وجوابها بشيء. وإذ قد عرف ما يمتنع فيه التقديم وما يجب؛ عرف أن ما عدا ذلك يجوز فيه التقديم والتأخير فهو غير محتاج إلى أن ينص عليه؛ وإنما قال المصنف: (ويجوز في غير ذلك .. إلى آخره)، فأشار إلى قسم الجائز لأمر أوجب له ذلك، وهو أن الكوفيين يمنعون التقديم في المسائل الخمسة التي ذكرها، والبصريون يجيزون، ومذهبهم هو الصحيح (٢). فاحتاج أن يقول: (ويجوز) ليردفه بقوله: (مطلقا)؛ فيصير التقدير: ويجوز التقديم جوازا مطلقا لا يستثنى من ذلك شيء، يعني على المذهب الأصح؛ ولهذا أردف قوله: (خلافا للكوفيين في كذا وكذا). وإذ قد تقرر هذا فلنورد كلام المصنف، قال رحمه الله تعالى: لا يجوز في (٣) علمت أنك منطلق، ولا: خلت أن ستفعل، ولا أنك منطلق علمت، ولا: أن ستفعل خلت؛ لأنّ «أن» المشددة والمخففة منها لا يبتدأ بهما كلام، وعلى ذلك نبهت بقولي: ويجب تأخير منصوب الفعل إن كان «أن» مشددة أو مخففة؛ ولا يعترض على هذا بقوله تعالى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ (٤)، وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ (٥)؛ فإن الأخفش جعل -

стр. 1717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقديرهما: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا؛ فإن جواز هذا مرتب على تقدير اللام وتقدير الجر بها (١)، وهو عند سيبويه أقوى من جعل «أن» في موضع نصب كما يراه الخليل (٢)، ولو قدر نصبا لم يجز تقديمها؛ كما لا يتقدم في علمت أن زيدا منطلق؛ فإن المنصوب بحذف حرف الجر فرع المنصوب بمتعدّ، ولا يقع إلا حيث يقع، ومنصوب الفعل يعم المفعول به والظرف وغيرهما، فإذا كان أحد أسماء الاستفهام أو الشرط؛ وجب تقديمه على الفعل، نحو: من رأيت؟، وأيهم لقيت؟، ومتى قدمت؟، وأين أقمت؟، ومن تكرم يكرمك، وأيهم تدع يجبك، ومتى تعن تعن، وكذا المضاف [٢/ ٣٢٢] إلى شيء منها، نحو: غلام من رأيت؟ وفعل أيهم استحسنت؟ وكذا المنصوب بفعل وقع جوابا «لأمّا»، نحو: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٣)، وما سوى ذلك من منصوب بفعل متصرف؛ فجائز تقديمه عليه إن ظهر النصب، أو أغنى عن ظهوره قرينة، نحو: زيدا ضرب عمرو، وحبارى صاد موسى، فإن كان الفعل صلة حرف أو مقرونا بلام الابتداء أو القسم؛ وجب تأخير ما يتعلق به، نحو: من البر أن تكف لسانك، وإن الله ليحب المحسنين، وو الله لأقولن الحق (٤)، فإن خلا الفعل من ذلك؛ جاز تقديم منصوبه عليه مطلقا خلافا للكوفيين في منع، نحو: زيدا غلامه ضرب (٥)، وغلامه ضرب زيد (٦)، وغلام أخيه ضرب زيد (٧)، وما أراد أخذ زيد (٨)، وما طعامك أكل إلا زيد (٩)؛ فإن الكوفيين يمنعون هذه المسائل وأشباهها، وهي جائزة لثبوت استعمالها (١٠). فمثال زيدا غلامه ضرب، قول رجل من طيئ في كعب بن زهير وأخيه رضي الله تعالى عنه ورحم كعبا: -

стр. 1718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣٢٨ - كعبا أخوه نهى فانقاد منتهيا ... ولو أبى باء بالتّخليد في سقرا (١) ومثال غلامه ضرب زيد، قول الشاعر: ١٣٢٩ - رأيه يحمد الّذي ألف الحز ... م ويشقى بسبيه المغرور (٢) ومثال غلام أخيه ضرب زيد، قول الآخر: ١٣٣٠ - شرّ يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج جملا (٣) ومثال ما أراد أخذ زيد، قول الشاعر: ١٣٣١ - ما شاء أنشأ ربّي والّذي هو ... لم يشأ فلست تراه ناشئا أبدا (٤) ومثال ما طعامك أكل إلا زيد، قول الشاعر: ١٣٣٢ - ما المرء ينفع إلّا ربّه فعلا ... م تستمال بغير الله آمال (٥) انتهى (٦). -

стр. 1719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويتعلق به مباحث: الأول: أنه كما يجب تأخير منصوب الفعل فيما ذكر، يجب تأخير منصوب اسم الفاعل فيه أيضا؛ فلو قال: يجب تأخير منصوب العامل لكان أولى، لتكون العبارة شاملة كل عامل فعلا كان أو اسما (١). الثاني: أن «أن» الناصبة للفعل حكمها في وجوب التأخير عن العامل؛ إن وقعت مع صلتها مفعولا بها حكم «أنّ» المشددة والمخففة، نحو قولك: أريد أن تقوم، فلو قرنها في الذكر بأختيها لكان أولى (٢). الثالث: قوله وهو عند سيبويه أقوى من جعل «أن» في موضع نصب كما يراه الخليل، بعد أن قال: فإن جواز هذا مرتب على تقدير اللام، وتقدير الجر بها لم أتحقق معناه؛ فإن ظاهره يعطي أن سيبويه يرى أن «أن» بعد حذف حرف الجر المباشر لها في موضع جر، وقد تقدم له [٢/ ٣٢٢ مكرر] أن القائل بذلك؛ إنما هو الخليل والكسائي؛ وأن سيبويه يرى أنّها في موضع نصب، فليتأمل كلامه. الرابع: أنه لما ذكر ما يمنع التقديم عليه إذا كان صلة اقتصر على ذكر العامل الموصول به حرف؛ ولا شك أن العامل الموصول به «أل» يمتنع تقديم معموله عليه أيضا؛ فكان الواجب أن يقول: ولا موصول به «أل»، ولا موصول به حرف (٣). -

стр. 1720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخامس: أن معمول المقرون بلام الابتداء أو القسم إنما يمتنع على الأداة نفسها، أما تقديمه على العامل فجائز، نحو أن تقول: إن الله المحسنين يحب، وو الله الحق أقول؛ فلم يمتنع التقديم في هاتين الصورتين على العامل؛ إنما امتنع التقديم على ما اقترن بالعامل (١). السادس: أن ظاهر قوله في متن الكتاب: (أو نصبه جواب «أمّا») وقوله في الشرح: (وكذا المنصوب بفعل وقع جوابا «لأمّا») يقتضي أن كل ما نصبه جواب «أمّا» يجب تقديمه على الجواب الناصب له، وليس كذلك؛ إذ يجوز أن يقال: أما اليوم فأنا أضرب زيدا، وأما بعد سماع كلام الله تعالى فلا أقهر اليتيم، نعم الواجب هو الفصل بين «أما» وجوابها بشيء، وهو في الجملة؛ ولذلك وجب التقديم في نحو: أمّا زيدا فأضرب؛ لأنه لا بد من فاصل، ولا شيء في هذه الجملة يفصل به غير زيد، ولم يكن وجوب التقديم لكونه معمولا لجواب «أمّا» (٢)، وإذا كان كذلك لم يتجه قوله: (أو نصبه جواب «أمّا»)، ثم إن التنبيه يتعين هاهنا على أمور منها: ١ - أنّ ابن عصفور ذكر وجوب التقديم في شيء، ووجوب التأخير في شيء، لم يذكرهما المصنف، فقال: ويجب التقديم إذا كان المفعول كم الخبرية، أو ضميرا منفصلا، لو تأخر اتصاله نحو: إياك أكرمت، ويجب التأخير إذا كان المفعول ضميرا متصلا (٣)؛ فزاد على ما ذكره المصنف ثلاث صور، وإنما قيد الضمير المنفصل بقوله: لو تأخر لزم اتصاله؛ احترازا من الضمير في نحو: الدرهم إياه أعطيتك، فإنه لا يلزم اتصاله إذا تأخر، بل يجوز أن يؤتى به متصلا ومنفصلا (٤)، ثم أقول: أما «كم» فقد ذكر المصنف في باب «كم وكأين وكذا» أن «كم» لزمت التصدير بعد أن ذكر أنها استفهامية وخبرية؛ فأفاد أن حكم الخبرية حكم الاستفهامية، وهو -
следующие страницы →