← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صلاحيته أن يكون طريقا، لا يطلق عليه بيت لمجرد صلاحيته أن يكون بيتا؛ فالطريق إذا مكان مختص كما أن البيت مكان مختص، ومن قال: إن الطريق حقيق الظرفية القياسية ابن الطراوة، وزعم أنه يقال: ذهبت طريقي ومروا طرقاتكم (١)، قال أبو علي الشلوبين: والرد عليه تكذيبه، قلت: ويناسب قول ابن الطراوة في الطريق حكاية السيرافي عن بعض النحويين أنه قال: إنما قالت العرب: ذهبت الشأم، لأن الشأم بمعنى اليسار، فإنه يقال: شامه إذا قابل يساره، وأجاز هذا القائل أن يقال: ذهبت اليمن، لأن اليمن بمعنى اليمين، ولم يجز أن يقال: ذلك في عمان ومكة؛ لأنه ليس فيهما ذلك المعنى، ويلزم هذا أن يجيز ذلك في العالية؛ لأن فيها معنى فوق (٢). هذا معنى قول السيرافي، قلت: ولو كان قولهم: ذهبت الشام لكونه بمعنى يسار لكان غير ذهب أولى بذلك من ذهب، فكان يقال: أقمت الشام كما يقال: أقمت يسار الكعبة، ففي عدم معاملة غير «ذهب» بهذه المعاملة دلالة على أن باعثهم على ذلك إنما هو كثرة الاستعمال، ولذلك شبهه سيبويه بدخلت البيت (٣)، وقال الفراء: العرب تعدي ذهب وانطلق إلى جميع البلدان، فيقال: ذهبت الكوفة وانطلقت الغور (٤)، فعلى قول الفراء لا تختص ذهب بنصيب الشام بل ينتصب به كل بلد، وكذلك انطلق، ولا علة لذلك إلا كثرة الاستعمال كما فعل بدخل [٢/ ٤٥٣] مع جميع الأمكنة المختصة، وفي فعل هذا بانطلق دلالة واضحة على أن الأصل في هذه الأفعال الثلاثة التعدي بحرف جر، إذ لا يوجد الفعل متعد بنفسه (٥). هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولنتبعه بأمور ننبه عليها: منها: أن النحاة مطبقون على أن اسم المكان لا ينصب منه على الظرف إلا ما كان مبهما (٦)، معتلين لذلك بأن أصل العوامل الفعل، ودلالته على الزمان أقوى -

стр. 1962

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من دلالته على المكان؛ لأنه يدل على الزمان بصيغة وبالتزام، ويدل على المكان بالتزام فقط. فلما كانت دلالة الفعل على الزمان قوية تعدى إلى المبهم من أسمائه والمختص، ولما كانت دلالته على المكان ضعيفة لم يتعد إلا إلى المبهم منها؛ لأن في الفعل دلالة عليه في الجملة، وذكروا أيضا تعليلا ألطف من هذا وهو أن الأفعال لها دلالة على الزمان المعين فتعدت إلى المعين وإلى غير المعين؛ لأن ما تعدى إلى الأخص تعدى إلى الأعم، وليس للأفعال دلالة على الأمكنة المعينة، وإنما تقتضي مكانا غير معين وهو المبهم، فتعدت إلى ما اقتضته خاصة (١). وإذا كان النحاة قد ذكروا أن الذي يتعدى إليه العوامل من ظروف المكان شيء واحد، فيقال: إن المصنف قد ذكر أن الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة أربعة أنواع، وهذا بظاهره يوهم أن كلامه لم يطابق كلام الجماعة، والجواب أن الذي ذكره إنما هي أنواع داخلة تحت جنس المبهم، وذلك أن الجنس لما تنوع قصد أن يميز نوعا عن نوع وما للإيضاح والبيان، فذكر أولا ما دل على مقدر كميل وفرسخ وبريد، ولا شك أن هذا مبهم كما سيأتي بيانه، وذكر ثانيا ما دل على مسمى إضافي محض، وفسر ذلك بأنه الذي لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وما شابههما مما ذكره، وإبهام هذا القسم أوضح من إبهام القسم الأول، وذكر رابعا ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد بشرط أن يكون العامل فيه أصله أو مشارك له في الفرعية، وأما الذي ذكره ثالث الأقسام وهو ما جرى باطراد مجرى ما ذكره قبله كما قال، وذلك كصفة المكان الغالبة نحو: هم قريبا منك وشرقي المسجد وقرب الدار فليس قسما مستقلّا إنما هو في الأصل صفة لمكان مبهم منصوب على الظرفية نصبا قياسيّا؛ فلما حذف الموصوف أقيم هو مقام موصوفه، فنصبه على الظرف ليس بحق الأصالة إنما هو بطريق النيابة عما يستحق ذلك، وإذا كان كذلك فالأقسام بالحقيقة ثلاثة لا أربعة، واعلم أن ابن عصفور جعل نحو قعد مني مقعد القابلة ونحوه مما هو مشتق من لفظ الفعل العامل فيه من الظروف المختصة، وقال: إن الفعل تعدى إليها لشبهها بالمصدر في أن الفعل يدل على أن كل واحد [٢/ ٤٥٤] منهما بلفظه، والإمام بدر الدين -

стр. 1963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولد المصنف جعل ذلك من قبيل الظروف المختصة أيضا واعتذر عن تعدي العامل إليه في قولك: قعدت مقعد زيد دون بقية الأمكنة المختصة بقوة دلالة العامل عليه حينئذ (١)، فوافق كلامه كلام ابن عصفور في الحكم والتعليل. والذي يظهر لي أن الأمر بخلاف ما قالاه، لأن نحو: مقعد زيد ومرقد عمرو ومعتكف خالد ومصلى فلان لا يعلم حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه، وهذا شأن المبهم كما عرفت قبل من كلام المصنف، ويدل على ذلك قوله في الألفية: وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى بعد قوله: نحو الجهات والمقادير (٢) فإن ما صيغ معطوف على المجرور بقوله نحو، فالمعنى: ولا تقبل المكان إلا مبهما نحو الجهات والمقادير ونحو ما صيغ من الفعل؛ فكل هذا تفسير للمبهم، فإن قيل: إذا كان هذا القسم داخلا في المبهم فلأي شيء ذكره؟ فالجواب: أن ذكره له كذكره لغيره، ولأنه لما كان شرط صحة نصبه على الظرفية أن يعمل فيه ما شاركه في الحروف والمعنى احتاج أن ينص عليه ليذكر شرطه، وكلام ابن أبي الربيع يدل على ما قلته؛ فإنه قال: وأما المشتقات فلا يتعدى إليها إلا ما اشتقت منه؛ لأنها تدل عليها وتتنزل من أفعالها منزلة المبهم من جميع الأفعال، ألا ترى أنك إذا قلت: جلست فإنه يقتضي مجلسا يقع فيه كما يقتضي المبهم، فيتعدى إليه كما يتعدى إلى المبهم. ومنها: أن العادات اختلفت في تفسير المبهم من الأمكنة، فمن النحاة من لم يفسره بشيء، وإنما قال: المبهم الجهات الست (٣)، واحتاج القائل ذلك أن يقول: وحمل عليها - يعني على الجهات الست - عند ولدى وشبههما، لإبهامها (٤). ومنهم من فسره بأن قال: المبهم ما ليس له نهاية معروفة ولا حدود محصورة -

стр. 1964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سواء أكان مضافا نحو: أمامك وخلفك ووراءك وفوقك وتحتك، أو نكرة غير معدود نحو يمين وشمال وناحية من الدار (١)، ومنهم من قال: المبهم ما له اسم (٢) باعتبار ما ليس داخلا في مسماه، والمؤقت منه ما له اسمية باعتبار ما هو داخل في مسماه، فالدار مؤقتة لأن لها اسمها من جهة ما هو داخل في مسماها من البنيان والسقف وغيره، والفرسخ مبهم؛ لأن له اسما باعتبار قياس غير داخل في مسماه (٣) وهو حسن، ويظهر لي أن قول المصنف في القسم الثاني أنه ما دل على مسمى إضافي محض يكون كافيا في تفسير المبهم؛ لأنه فسر ذلك بما لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه، وهذا هو معنى قول غيره: المبهم كل مكان له اسمه بأمر لا يدخل في مسماه. ومنها: أن ابن عصفور ذكر في شرحه للإيضاح أن الشلوبين ذهب إلى أن ما دل على مقدر كميل وفرسخ ليس مبهما، قال: لأن المبهم لا يكون له نهاية معروفة ولا حدود محصورة (٤)، ثم ذكر أن الصحيح خلاف ذلك (٥)، قلت: وهذا هو الحق، لأن نحو ميل وفرسخ وبريد وإن دل على مقدر [٢/ ٤٥٥] محدود، ذي نهاية معروفة مجهول العين، بخلاف الدار والمسجد وأشباههما من الظروف المحضة؛ فإنها معلومة العين مع العلم بحدودها وبدئها ونهايتها، واعلم أن سيبويه قال: ويتعدى إلى ما كان وقتا في الأمكنة كما يتعدى إلى ما كان وقتا في الأزمنة؛ لأنه وقت يقع في المكان لا يختص به مكان واحد، كما أن ذلك وقت في الأزمان -

стр. 1965

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يختص به زمن بعينه، ثم قال: وذلك قولك: ذهبت فرسخين وسرت ميلين كما تقول: ذهبت الشهرين وسرت الميلين (١). انتهى. قال الشراح (٢): فمن حيث التوقيت ظاهره أنه مختص، ومن حيث قوله: لا يختص به مكان ظاهره الإبهام (٣)، فمن ثم قال الشيخ: والصحيح أنه شبه بالمبهم، ولذلك وصل إليه الفعل بنفسه (٤)، ثم ذكر الشيخ عن السهيلي أنه يرى أن انتصاب هذا النوع انتصاب المصادر لا انتصاب الظروف، وعلل ذلك بأن الميل ليس بظرف؛ لأنه ليس كالجهات الست المضافة، لأن الجهة لا معنى لها إلا بإضافتها إلى من هي له، والميل لا يضاف والظرف مقدر بفي، وقد يصرح بها والميل لا يقدر، ولو قدر بها لجاز إظهارها، وأطال الكلام في ذلك وجنح الشيخ إلى هذا الرأي (٥)، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال الذي أشار إليه، ويكفيه مخالفة إمام الصناعة، ولا شك أن هذا مما لا ينبغي التشاغل به، وذكر الشيخ أيضا أن الكوفيين لا ينصبون المبهم على الظرف لعدم الفائدة، ويقولون: لابد من تخصيصه بوصف أو غيره (٦). واعلم أنني لا أختار ذكر شيء من هذه الأقوال التي لا معول عليها، ولكن قد يترك ذلك فيظن الناظر أنه قد فات الإنسان ما كان ينبغي أن لا يفوته، وأقرب مما قاله السهيلي ما ذهب إليه بعض المغاربة وهو ابن طلحة: أن الأصل سرت سير فرسخين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونظّر ذلك بقولهم: ضربته سوطا أي ضرب سوط، فكأنه يجعل نصب فرسخين نصب المصدر (٧)، وقد أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة، والحق أحقّ أن يتبع. ومنها: أنه قد تقدم أن من الضرورات قول الشاعر: - ١٥٧٩ - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطّريق الثّعلب (٨) -

стр. 1966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذلك أن الطريق من الظروف المختصة؛ لأنه واقع على المحجة السالكة، ولا يقال لمن مشى في الدار أو المسجد أو في أرض متملكة: مشى في الطريق إنما يقال: مشى في غير الطريق، وكذلك من مشى في الأرض الغامرة والجبال الشامخة يقال فيه: مشى في غير الطريق، وقد ادعى ابن الطراوة أن الطريق مبهم بناء منه على أن كل مكان يستطرق فيه فهو طريق (١)، قال ابن أبي الربيع: إن ابن الطراوة ذكر ذلك في الإفصاح الذي وضعه لبيان غلط الإيضاح على زعمه، واستدل عليه بغير دليل ولجأ من [٢/ ٤٥٦] الكلام إلى غير حصين، ثم قال: والله تعالى يسدد أذهاننا ويزيل عنا التبجح بالرد على من تقدمنا من أئمتنا، فذاك أكبر داء وأعظم حجاب لمن أراد التعلم، وهذا الشاعر يصف رمحا، واللدن: اللين، ويعسل: يضطرب. وقال: متنه لأنه إذا اضطرب متنه فما ظنك بطرفيه. ومنها: أن من جملة الأمثلة التي مثل بها المصنف لما دل على مسمى إضافي محض أربعة ألفاظ وهي قوله: كجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها وكجنبي في قول الشاعر: - ١٥٨٠ - جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل (٢) وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر: - ١٥٨١ - مساليه عنه من وراء ومقدم (٣) فأما كجنابتي المد رواه الجرمي كجنبتي، وحاصله أن الجنبة والجنابة بمعنى واحد وهو الناحية، ولهذا كان النصب في الكلمة قياسا؛ لأنها مبهمة، كأنه قال: ناحيتي أنفها والناحية مبهم، والتخصيص الذي يحصل لها إنما هو عارض حصل من ألف ولام أو إضافة، وهذا الاختصاص لا اعتبار به؛ لأن الكلمة مبهمة بالوضع، فعروض الاختصاص لها لا يخرجها عن الإبهام كما في نحو أمامك وخلفك وفوقك وتحتك، فإنها كلمات محكوم بإبهامها مع إضافتها إلى ما يفيد تخصيصا. وقد جعل الفارسي وابن جني النصب في هذه الكلمة على غير القياس؛ -

стр. 1967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنهما جعلاها من الظروف المختصة (١)، قال ابن أبي الربيع: كأنهما جعلا الجنابة اسما للجلدة التي فيها الخط؛ فصارت بهذا من الظروف المختصة، قال: ونظير هذا ما حكاه سيبويه وهو قولهم: هو أحمر بين العينين (٢) وجعله من باب الصفة، وكان الأصل هو أحمرين عينيه، ثم نقل الضمير فقيل أحمر بين العينين كما تقول: مررت برجل حسن الوجه، والأصل حسن وجهه، فجعل البين اسما للجلدة التي بين العينين، وبهذا كان الشلوبين يعتلّ لأبي علي وابن جني، قال: وكلاهما وجه إلا أن الأظهر عندي ما ذهب إليه سيبويه من الإبهام، وأما «جنبي فطيمة» فهو موضع، فليس من قبيل الأسماء التي جعلت ظروفا بغير قياس، وأما أقطار البلاد فهى النواحي؛ لأنها جمع قطر وهو الناحية، فالمعنى: قومك في نواحي البلاد، وأما مساليه فالمسال عند سيبويه العطف وهو الجانب (٣) ولا شك أن الجانب بمعنى الناحية. ومنها: أنه قد تقدم قول المصنف: ومن العلماء من حكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني بمنزلة الشغاف ونحو: - ١٥٨٢ - وإنّ بني حرب كما قد علمتم ... مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها (٤) على تقدير مكان موصوف بمثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل به ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامهما، وتقدم قول للمصنف أنه تقدير لائق، ولكن القياس على نوعه لا يتجه لقلة نظائره، ومغايرة لفظ باقية للفظة [٢/ ٤٥٧] محذوفة، بخلاف ضربته ضرب الأمير اللص، فإن نظائره كثيرة ولفظ باقية مماثل للفظ محذوفة، وقد تعرض ابن أبي الربيع لذكر هذا المذهب، وقرره كما قرره المصنف، ثم رد ذلك بأن قال: وهذا الذي ذهب إليه هذا القائل لا يجري على طريقة سيبويه وأصله وذلك أن أصله في المضاف إذا حذف وأقيم المضاف مقامه أن لا يكون فيه ما يضاد -

стр. 1968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إعرابه، ألا ترى أنه قال في قولهم: له صوت صوت الحمار لا يجوز أن يكون صوت الحمار نعتا لصوت؛ لأنه معرفة ولا توصف النكرة بالمعرفة (١)، وأنت تعلم ولا شك أن الأصل: له صوت مثل صوت الحمار، ثم حذف مثل وأقيم مقامه صوت، ومثل لو نطق بها لكان نعتا، فينبغي إن كان المضاف إذا حذف وأقيم المضاف إليه مقامه على حسب إعرابه أن يقول في هذا: إنه نعت وهو لم يقله لما ذكرته من مراعاة اللفظ، فكذلك ها هنا لا ينبغي أن يدعى أن مناط الثريا منصوب على ما انتصب عليه مكان؛ لأنه مختص لا ينتصب، ويجب أن لا يكون في هذا شذوذ على مذهب الخليل، لأن الخليل يجوز في: له صوت صوت الحمار أن يكون صوت الحمار صفة (٢) قال: وهكذا كان الأستاذ أبو علي يأخذ هذا الموضع، وهو عندي مأخذ حسن وتأويل صحيح (٣). انتهى. وإلى هذا التقرير الذي قرره بالنسبة إلى طريقة سيبويه أشار ابن عصفور في شرح الإيضاح، فقد تطابق كلام هذين الرجلين الكبيرين في هذه المسألة، والظاهر أن ابن عصفور أخذ ذلك عن الشلوبين، كما أخذه ابن أبي الربيع، وحينئذ يتأكد أمر هذا البحث ويحكم بصحته، ثم قال ابن أبي الربيع: وأما قولهم: هو مني معقد الإزار، فمني متعلق بما يعطيه قولهم: معقد الإزار، لأنه يريد القرب فكأنه قال: هو مني قريب، وكذلك هو مني مناط الثريا التقدير: هو مني بعيد، وكذلك كل ما أتى من هذا النوع يقدر له بحسب المعنى، وكذلك هو مني مزجر الكلب أي هو مطرود مني كما تقول: الكافر مطرود من رحمة الله، واعلم أن سيبويه ذكر كلمات يجوز انتصابها على الظرف وهي: صددك، وصقبك، ووزن الجبل، أي ناحية توازيه أي تقابله قريبة كانت أو بعيدة، وزيد الخيل أي حذاه متصلا به، وهم قرانيك أي قريبا منك، وهو أشد مبالغة في القرب، إذ معناه الاتصال وقريب قد يكون لما تراخى عنك، وقومك أقطار البلاد أي في نواحيها (٤).

стр. 1969

[أحكام بعض الظروف المكانية مثل أسماء الجهات وحيث ولدن] قال ابن مالك: (من الظّروف المكانيّة كثير التصرف كمكان لا بمعنى بدل، ويمين وشمال، وذات اليمين [٢/ ٤٥٨] وذات الشّمال، ومتوسط التّصرف كغير «فوق» و «تحت» من أسماء الجهات و «بين» مجرّدا، ونادر التّصرف كحيث ووسط ودون لا بمعنى رديء، وعادم التّصرف كفوق وتحت وعند ولدن ومع و «بين بين» دون إضافة، وحوال وحوالي وحولي وأحوال، و «هنا» وأخواته و «بدل» لا بمعنى بديل، وما رادفه من مكان فحيث مبنيّة على الضّم وقد تفتح أو تكسر، وقد تخلف ياءها واو وإعرابها لغة فقعسيّة، وندرت إضافتها إلى مفرد، وعدم إضافتها لفظا أندر، وقد يراد بها الحين عند الأخفش، و «عند» للحضور أو القرب حسّا أو معنى، وربّما فتحت عينها أو ضمّت، و «لدن» لأول غاية زمان أو مكان، وقلّما تعدم «من» وقد يقال: لدن ولدن ولدن ولدن ولدن ولدا ولد ولد، وإعراب اللّغة الأولى لغة قيسيّة وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر، ويجرّ ما يليها بالإضافة لفظا إن كان مفردا وتقديرا إن كان جملة، وإن كان «غدوة» نصب أيضا، وقد يرفع، وليست «لدى» بمعناها بل بمعنى «عند» على الأصحّ، وتعامل ألفها ألف «إلى» و «على» فتسلم مع الظّاهر وتقلب ياء مع المضمر غالبا، ومع للصّحبة اللّائقة بالمذكور، وتسكينها قبل حركة وكسرها قبل سكون لغة ربعيّة، واسميتها حينئذ باقية على الأصحّ، وتفرد فتساوي جميعا معنى وفتى لفظا لا يدا، وفاقا ليونس والأخفش، وغير حاليّتها حينئذ قليل). قال ناظر الجيش: اعلم أنه كما انقسم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف كذلك انقسم ظرف المكان إلى الأمرين أيضا، وكما أن المتصرف من ظرف الزمان منه منصرف، ومنه غير منصرف، كذلك المتصرف من ظرف المكان أيضا منه منصرف ومنه غير منصرف، إلا أن غير المنصرف من ظرف الزمان منه ما هو غير متصرف، ولا يكون ذلك في ظرف المكان؛ لأن غير المتصرف لا بد أن يكون غير معرفة، ومتى كان معرفة كان مختصّا، وظرف المكان إنما يكون مبهما لا مختصّا، -

стр. 1970

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمن ثم كانت الأقسام في ظرف الزمان بالنسبة إلى التصرف والانصراف أربعة كما تقدم. وأما الأقسام في ظرف المكان بالنسبة إلى ذلك فثلاثة: متصرف منصرف وهو الكثير، ومتصرف غير منصرف كقولك: قعد زيد أسفل منك، الأصل: مكانا أسفل منك، وقعدنا مقاعد قريبة من زيد، قال الله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ (١)، ومنصرف غير متصرف، وهو ما ذكره المصنف في متن الكتاب، ثم إن المتصرف منه ما يكثر تصرفه ومنه ما لا يكثر، وقد بيّن المصنف أنه ثلاثة أقسام، كثير التصرف ومتوسط التصرف ونادر التصرف. وبعد؛ فأنا أورد كلام المصنف ثم أنبه على ما يتعين التنبيه عليه، قال رحمه الله تعالى (٢): كما انقسم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف انقسم ظرف المكان إليهما، فمن المتصرف [٢/ ٤٥٩] ما كثر وقوعه (ظرفا وغير ظرف) (٣)، «كمكان» فإنك تقول إذا نويت ظرفيته: اجلس مكانك، وتقول إذا لم تنو ظرفيته: مكانك لائق بك، ومثل مكان في التصرف بكثرة: يمين وشمال وذات اليمين وذات الشمال، يقال في الظرفية: جلست يمينه وشماله وذهبت به ذات اليمين وذات الشمال، قال الله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ (٤) ويقال في المجرد من الظرفية: يمين الطريق أسهل و: ماله أقرب، ودارك ذات اليمين، ومنازلهم ذات الشمال، قال الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (٥)، ومن المتصرف ما يكثر تجرده دون كثرة ظرفيته كأمام وقدام ووراء وخلف وأسفل، وهو المعني بقولي: (متوسط التصرف) أي متوسط بين الكثرة والقلة، يقال في الظرفية: كن أمامهم وقدامهم لا خلفهم ولا أسفل منهم، ويقال في التجرد من الظرفية: أمامهم آمن من ورائهم، ويقال: هم خلف وأنتم قدام (٦)، وقال الشاعر: - -

стр. 1971

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٥٨٣ - فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه ... مولى المخافة خلفها وأمامها (١) وقراءة بعض القراء (٢): والركب أسفل منكم (٣) بالرفع، ويساوي أماما وما ذكر بعده «بين» يقال في الظرفية: جلست بين زيد وعمرو، قال الله تعالى: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا (٤)، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ (٥)، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (٦)، ويا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ (٧) ويقال في التجرد من الظرفية: هو بعيد بين المنكبين نقي بين الحاجبين، ومنه قول الشاعر (٨): - ١٥٨٤ - يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم (٩) ومنه قوله تعالى: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ (١٠)، وقوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (١١) في قراءة غير نافع وحفص والكسائي (١٢)، ومنه قوله تعالى: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ (١٣)، ومَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ قرأ الأولى -

стр. 1972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو عمرو والكسائي (١)، وقرأ الثانية حمزة وحفص، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر: (مودة) (٢)، ومن تجريد «بين» عن الظرفية قول الشاعر: - ١٥٨٥ - ولم تترك النبل المخالف بينها ... أخا لأخ يرجى ومأثورة الهند (٣) «بينها» في موضع رفع بإسناد والمخالف إليه إلا أنه بني لإضافته إلى مبني مع إبهامه، وقد تكون «بين» ظرف زمان كما يكون ظرف مكان، فمن ذلك: حديث ساعة يوم الجمعة هي ما بين خروج الإمام وانقضاء الصلاة (٤). ومن الظروف المكانية ما ندر تجرده عن الظرفية، فمن ذلك «حيث» فكونه ظرفا هو الشائع كقوله تعالى: وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٥) وكونه مجردا عن الظرفية كقول زهير: - ١٥٨٦ - فشدّ ولم ينظر بيوتا كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم (٦) [٢/ ٤٦٠] وكقول الآخر: - ١٥٨٧ - إنّ حيث استقرّ من أنت راعي ... هـ حمى فيه عزّة وأمان (٧) -

стр. 1973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو مبني على الضم في أكثر الكلام، وقد يفتح وقد يكسر وقد يقال: حوث (١)، وسبب بنائه لزوم افتقاره إلى جملة يضاف إليها، وندرت إضافتها إلى مفرد (٢)، كقول الراجز: ١٥٨٨ - أما ترى حيث سهيل طالعا (٣) وكقول الآخر (٤): - ١٥٨٩ - ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم ... ببيض المواضي حيث ليّ العمائم (٥) وأندر من إضافته إلى مفرد إضافته إلى جملة مقدرة، كقول الشاعر: ١٥٩٠ - إذا ريدة من حيث ما نفخت له ... أتاه بريّاها خليل يواصله (٦) -

стр. 1974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: إذا ريدة نفخت من حيث ما هبت أتاه برياها خليل، فحذف هبت للعلم به، وجعل ما عوضا كما جعل التنوين في حينئذ عوضا، وروي إعراب حيث عن فقعس فيقولون: جلست حيث كنت وجئت من حيث جئت (١) وأجاز الأخفش استعمالها بمعنى «حين» (٢)، وحمل على ذلك قول الشاعر: - ١٥٩١ - للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه (٣) ولا حجة لإمكان إرادة المكان، ومثل «حيث» في ندور التجرد عن الظرفية «وسط» بالسكون كقولك: جلست وسط القوم، فهذا كثير، أعني وقوعه ظرفا. وأما تجرده عن الظرفية فقليل لا يكاد يعرف (٤) ومنه قول الشاعر يصف سحابا: - ١٥٩٢ - وسطه كاليراع أو سرج المج ... دل طورا يخبو وطورا ينير (٥) -

стр. 1975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فوسطه مبتدأ خبره كاليراع، ويروى: وسطه كاليراع بالنصب على الظرفية والحكم بأن «وسطه» خبر مقدم والكاف اسم في موضع رفع بالابتداء، ومثل حيث في ندور التجرد عن الظرفية «دون» في نحو قولك: جلست دون موضع كذا، وزيد دون عمرو قدرا، قال سيبويه: وأما دونك فإنه لا يرفع أبدا، وإن قلت: هو دونك في الشرف؛ لأن هذا إنما مثل (١) يعني أنه حين أريد به الانحطاط عن علو الشرف تلازمه الظرفية أيضا؛ لأن استعماله بذلك المعنى مثل استعماله في المكان الأدنى، وقد جاء بالمقصود به المكان خاليا من الظرفية، وذلك نادر كقول الشاعر (٢): ١٥٩٣ - ألم تريا أنّي حميت حقيقتي ... وباشرت حدّ الموت والموت دونها (٣) بالرفع، وظاهر كلام الأخفش يقتضي اطراد ذلك؛ فإنه حكم بأن دون من قوله تعالى: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ (٤) مبتدأ، ولكنه بني لإضافته إلى مبني، وغيره يجعل التقدير: «ومنا ما دون ذلك» (٥) وقول الأخفش أولى بالصواب، وحكى سيبويه أنه يقال: هذا ثوب دون، إذا كان رديئا (٦)، فمن هذا احترزت بقولي: ودون لا بمعنى رديء. ومن الظروف [٢/ ٤٦١] العادمة التصرف «فوق وتحت» نص على ذلك الأخفش، فقال: اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك فينصبون الفوق؛ لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا، ثم قال: وتقول: تحتك رجلك لا يختلفون في نصب التحت. هذا نصه (٧)، وقد جاء جر «فوق» بعلى في قول أبي صخر الهذلي: - -

стр. 1976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٥٩٤ - فأقسم بالله الّذي اهتزّ عرشه ... على فوق سبع لا أعلّمه بطلا (١) وهذا نادر، ومن الظروف العادمة التصرف «عند» (٢) ولا تستعمل إلا مضافة، ولا يفارقها النصب على الظرفية إلا مجرورة «بمن» وهي لبيان كون مظروفها حاضرا حسّا أو معنى (٣)، وقد اجتمع الحضور الحسي والمعنوي في قوله تعالى: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي (٤)، ومثال القرب الحسي: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (٥)، ومثال القرب المعنوي: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٦)، ورَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ (٧). ومن القرب المعنوي قول الرجل: عندي مائة يريد أنه مالكها، وإن كان موضعها بعيدا، ومنه قوله تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ (٨). وقد يكون مظروفها معنى فيراد بها الزمان كقوله ﵊: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى» (٩) وكسر عينها هو المشهور، ومن العرب من يفتحها ومنهم من يضمها. ويرادفها لدى في قول سيبويه وهو الصحيح (١٠) لا قول من زعم أنها بمعنى «لدن» (١١)؛ لأن «لدن» مخصوصة بما هو مبتدأ غاية بخلاف «لدى» فإنه يراد بها ما يراد «بعند» كقوله تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (١٢)، فهذا موضع صالح «لعند» و «للدن» غير صالح، وكذا قوله -

стр. 1977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ (١) [فلدى وعند] يصلحان في موضع «لدن»، و «لدن» لا تصلح في مواضعهما إلا فيما هو مبدأ غاية، ولذلك اجتمعت عند ولدن في قوله تعالى: آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٢). وبنيت «لدن» في أكثر اللغات لشبهها بالحرف في لزوم استعمال واحد، وامتناع الإخبار بها وعنها بخلاف «عند» و «لدى» فإنهما لا يلزمان استعمالا واحدا، فإنهما يكونان لابتداء الغاية ولغير ذلك، ويستعملان فضلة وعمدة (٣) فاستعمالهما فضلة كثير واستعمالهما عمدة كقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ (٤)، وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (٥)، وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ (٦)، وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٧)، ولكون موضع لدن صالحا «لعند» شبهتها قيس بها فأعربتها (٨) وبلغتهم قرأ أبو بكر (٩) عن عاصم (١٠) لينذر بأسا شديدا من لدنه (١١) إلا أنه سكن النون وأشمها ضمّا (١٢)، والأصل من لدنه، ويقال: [٢/ ٤٦٢] في النصب على هذه اللغة لدنه ولدنه، ويمكن أن يكون من هذه -

стр. 1978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللغة قول الراجز: ١٥٩٥ - تنتهض الرّعدة في ظهيري ... من لدن الظّهر إلى العصير (١) قال أبو الفتح بن جني ﵀: استعمال «لدن» [بدون] (٢) من قليل، ولذلك لم يخل القرآن العزيز من «من» (٣)، وإلى ذلك أشرت بقولي: وقلما تعدم من، وفيها على غير اللغة القيسية تسع لغات: سكون النون مع ضم الدال وفتحها وكسرها، وكسر النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وفتح النون مع سكون الدال وضم اللام، وحذف النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وحذف النون مع ضم الدال وفتح اللام (٤)، قال سيبويه: وأما لد فهي «لدن» محذوفة كما حذفوا نون يكن، ألا ترى أنك إذا أضفته إلى مضمر رددته إلى أصله، تقول: من لدنه ومن لدنّي (٥)، وإلى هذا أشرت بقولي: وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر، ثم بينت أنها تلازم الإضافة فتجر ما يليها لفظا إن كان مفردا وتقديرا إن كان جملة كقول الشاعر: ١٥٩٦ - صريع غوان راقهنّ ورقنه ... لدن شبّ حتّى شاب سود الذّوائب (٦) -

стр. 1979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن كان ما يليها «غدوة» جاز الجر على القياس، والنصب على التمييز أو على إضمار كان مضمرا فيها اسمها كما قال سيبويه في قول الراجز: ١٥٩٧ - من لد شولا فإلى إتلائها (١) وحكى الكوفيون رفع «غدوة» على تقدير: لدن كان غدوة (٢). وكل ذلك منبه عليه. ومثال نصب غدوة قول الشاعر: - ١٥٩٨ - وما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوة حتّى دنت لغروب (٣) ثم بينت أن «لدى» لا ترادفها بل ترادف «عند» صرّح بذلك سيبويه (٤)، ثم بينت أن ألف «لدى» تنقلب «ياء» مع المضمر وتسلم مع الظاهر كما تفعل بألف على وإلى (٥)، وقرنت بذلك غالبا ليعلم أن بعض العرب يستغني عن هذا القلب مع المضمر كما يستغني عنه الجميع مع الظاهر، ومن ذلك قول الشاعر (٦): ١٥٩٩ - إلاكم يا خناعة لا إلانا ... عزا النّاس الضّراعة والهوانا فلو برّت عقولكم بصرتم ... بأنّ دواء دائكم لدانا وذلكم إذا رافقتمونا ... على قصد اعتمادكم علانا (٧) -

стр. 1980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: إليكم لا إلينا ولدينا وعلينا. ومن الظروف العادمة التصرف «مع» (١)، وهو اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على حسب ما يليق بالمصاحب، ويدل على اسميته دخول «من» عليه في قولهم: ذهب من معه، حكاه سيبويه (٢)، ومنه قراءة بعض القراء (٣): (هذا ذكر من مّعى وذكر من قبلى) (٤) وكان من حقه أن يبنى لشبهه بالحروف في الجمود المحض والوضع الناقص [٢/ ٤٦٣] إذ هو على حرفين بلا ثالث محقق العود، والمراد بالجمود والمحض ملازمة وجه واحد من الاستعمال إلا أنه أعرب في أكثر اللغات لمشابهته «عند» في وقوعه خبرا وصفة وحالا وصلة، ودالّا على حضور وعلى قرب (٥)، فالحضور كـ نَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ (٦)، والقرب كـ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٧) وكقول الراجز (٨): - ١٦٠٠ - إنّ مع اليوم أخاه غدوا (٩) وهو وإن فاقه عند تمام الوضع فقد فاق هو بوجه من التمكن وهو الإفراد وتضمن -

стр. 1981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ معنى جميع في نحو: جاء الزيدان معا، ورأيت العمرين معا (١)، واختلف في فتحة العين من «معا» قيل: هي فتحة إعراب كفتحة دال رأيت يدا، فيكون الاسم ثنائي اللفظ في حالتي الإفراد والإضافة، أو هي كفتحة ياء فتى، فيكون الاسم قد جبر وقصر حين أفرد، والأول مذهب سيبويه والخليل (٢) والثاني مذهب يونس والأخفش (٣) وهو الصحيح، لأنهم يقولون: الزيدان معا والعمرون معا، فيوقعون معا موقع رفع [توقع] (٤) الأسماء المقصورة كقولك: هو فتى وهم عدى، ولو كان باقيا على النقص لقيل: الزيدان مع كما يقال: هم يد واحدة على من سواهم، وهم جميع، ومن شواهد وقوع معا في موضع رفع قول الشاعر: ١٦٠١ - أفيقوا بني حرب وأهواؤنا معا ... وأرحامنا موصولة لم تقضّب (٥) ومثله قول الآخر (٦): ١٦٠٢ - حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعبا كما معا (٧) وإلى نحو هذين البيتين أشرت بقولي: وغير حاليّتها حينئذ قليل، وانتصر للمذهب الأول بأن قيل: لا نسلم بأن معا في البيتين في موضع رفع بل هو منصوب على الحال بعامل محذوف هو الخبر والتقدير: وأهواؤنا كائنة معا وشعبا كما كائنان معا. وهذا التقدير باطل للإجماع على بطلان نظيره، وهو أن يقال: زيد قائما على -

стр. 1982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقدير زيد كائن قائما (١)، وانتصر له أيضا بأن قيل: القول بلزوم النقص هو الصحيح؛ لأنه مستلزم لموافقة النظائر وأن حاصله حكم بنقصان اسم في الإفراد كما هو في الإضافة. ونظائر ذلك موجودة كيد ودم وغد، والقول بكون معا مقصورا في الإفراد ثنائيّا في الإضافة مستلزم لما لا نظير له، فلا يصار إليه، فإن الثنائي المعرب إما منقوص في الإضافة والإفراد وإما متمم في الإضافة وحدها كأب؛ فإن حكم بأنّ «معا» مقصور في الإفراد منقوص في الإضافة لزم عدم النظير، وثبوت ما هو بالنفي جدير (٢). والجواب أن يقال (٣): مقتضى الدليل [٢/ ٤٦٤] كون الإفراد مظنة جبر ما فات من الثنائيات في إحدى حالتيه؛ لأن ثاني جزأي ذي الإضافة متمم لأولهما (٤) ولذلك عاقب التنوين ونوني التثنية والجمع، بخلاف المنقوص المفرد فلا متمم له إلا ما يجبر به من رد ما كان محذوفا منه. فإذا جعلنا «معا» منقوصا في الإضافة مقصورا في الإفراد، فقلنا بمقتضى الدليل وسلكنا سواء السبيل، بخلاف باب «أب» فإن فيه شذوذا، ولذلك لم تجر العرب فيه على سنن واحد، فمنهم من يلزمه الجبر ويلحقه بباب عصا، ومنهم من يلزمه النقص ويلحقه بباب «يد» وأيضا ففي الحكم بأن «معا» غير ملازم للنقص بيان لاستحقاقه الإعراب؛ إذ لا يكون بذلك موضوعا وضع الحروف الثنائية، بخلاف الحكم عليه بالنقص في حالي إفراده وإضافته؛ فإنه يلزم منه استحقاق البناء كسائر الأسماء الثنائية دائما دون جابر (٥) ومع ذلك فقد ألغت ربيعة جبره في الإفراد؛ لأنه جبر لم يتمحض ولذلك لم يتفق على الاعتراف به بخلاف جبر باب يد، فيقال في اللغة الربعية: ذهبت مع أخيك ومع ابنك بالسكون قبل حركة وبالكسر قبل سكون، وبعضهم يفتح قبل السكون، هكذا روى الكسائي عن ربيعة (٦) ولولا الكسر قبل السكون لأمكن أن يقال: إن السكون سكون تخفيف لا سكون بناء، ومن الوارد -

стр. 1983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالسكون قول الشاعر (١): ١٦٠٣ - فريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما (٢) وقد خفي على سيبويه أن السكون لغة لأنه قال: وسألت الخليل رحمه الله تعالى عن «معكم» لأي شيء نصبتها؟ فقال: لأنها استعملت غير مضافة اسما كجميع ووقعت نكرة وذلك قولك: جاءا معا وذهبا معا، وقد ذهبت معه ومن معه صارت ظرفا فجعلوها بمنزلة أمام وقدام، قال الشاعر: فجعلها كهل، حين اضطر وأنشد للراعي: فريشي منكم ........ ... ............ البيت فذكر سبب إعرابها أو تضمن كلامه أنها اسم على كل حال وأن نقصها لم يزل بالإفراد، وذلك بيّن من كلامه الذي ذكرته، وزعم قوم أن الساكن العين حرف (٣)، وليس بصحيح؛ لأن المعنى مع الحركة والسكون واحد، فلا سبيل إلى الحرفية، وزعم النحاس (٤) أن النحويين مجمعون على أن الساكن العين حرف (٥)، وهذا منه عجيب، فإن كلام سيبويه مشعر بلزوم الاسمية على كل حال وأن الشاعر إنما سكنها اضطرارا. ومن الظروف العادمة التصرف «بين بين» كقول الشاعر (٦): -

стр. 1984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٦٠٤ - نحمي حقيقتنا وبع ... ض القوم يسقط بين بينا (١) والأصل بين هؤلاء وبين هؤلاء، فأزيلت الإضافة وركب الاسمان تركيب خمسة عشر، فلو أضيف المصدر إلى العجز جاز بقاء الظرفية [٢/ ٤٦٥] وزوالها. فبقاؤها كقولك: من أحكام الهمزة التسهيل بين بين وزوالها كقولك: بين بين أقيس من الإبدال، فإن أضيف إليها تعين زوال الظرفية، ولذلك خطّأ ابن جني رحمه الله تعالى من قال: همزة بين بين بالفتح، وقال: الصواب أن يقال: همزة بين بين بالإضافة (٢)، والأصل وقوع بين مفردا ظرفا، فالتوسط في مكان أو زمان ملازما للإضافة إلى ما يتوسط (٣) [٣/ ١] فيه منهما، وإذا خلا من التركيب والوصل بما والألف لم تلازم الظرفية، وقد تقدم التنبيه على ذلك (٤). ومن ظروف المكان العادمة التصرف الملازمة للإضافة «حوال» (٥) وتثنيته، و «حول» وتثنيته وجمعه، فالأول كقول الراجز (٦): ١٦٠٥ - أهدموا بيتك لا أبا لكا ... وأنا أمشي الدّألى حوالكا (٧) والثاني كقول النبي ﷺ : «اللهم حوالينا ولا علينا» (٨). -

стр. 1985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثالث كقوله تعالى: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ (١). والرابع كقول الراجز (٢): - ١٦٠٦ - يا إبلي ما ذامه فتأبيه ... ماء رواء ونصيّ حوليه (٣) والخامس كقول امرئ القيس: ١٦٠٧ - فقالت سباك الله إنّك فاضحي ... ألست ترى السّمار والنّاس أحوالي (٤) ومن ظروف المكان العادمة التصرف «بدل» لا بمعنى بديل كقولك: هذا بدل ذلك أي هذا مكان ذلك، فلا يجوز حينئذ أن يستعمل غير ظرف، وكذا مكان إذا أردت به بدل، قال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه: البدل والمكان إذا استعملا بمعنى واحد لا يرفعان، فإن ذكر كل واحد منهما في موضعه ولم يحمل أحدهما على الآخر في المعنى رفعا نحو قولك: هذا مكانك تشير إلى المكان، وهذا بدل من هذا؛ فترفع لأنك أشرت بهذا إلى البدل وهو هو، وإنما انتصب «البدل» هنا و «المكان» ولم يجز فيهما الاتساع حين أخرج كل واحد منهما عن موضعه فلزما طريقة واحدة (٥). هذا نص ابن خروف انتهى كلام المصنف (٦). - وثم أبحاث نشير إليها: -

стр. 1986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأول: إن المصنف قد أشار إلى أن غير «فوق وتحت» من أسماء الجهات من المتوسط التصرف، وذلك نحو «أمام وقدام ووراء وخلف وأسفل وأعلى» وليعلم أن الكلمات المذكورة إذا تصرف فيها لا فرق بين أن لا يتجوز فيها نحو قولك: خلفك مجدب و «وراءك أوسع لك» (١) وبين أن يتجوز فيها نحو قولك: زيد خلفك برفع خلف فجعله خبرا عن زيد، فزيد ليس بخلفك في الحقيقة وإنما الخلف مكان لزيد، وطريق المجاز فيه أن يقدر مضاف إلى المبتدأ محذوف، التقدير: مكان زيد خلفك أو أن يجعل الخلف زيد لما كان [٢/ ٤٦٦] حالّا فيه كما جعل النهار صائما من قولهم: نهاره صائم لما كان الصوم واقعا فيه (٢) وليس هذا الذي ذكر مخصوصا بأسماء الجهات، بل يجوز ذلك في غيرها فتقول: مكانك مرتفع وعمرو مكانك، برفع مكانك على التقديرين اللذين ذكرا في زيد خلفك (٣). أشار إلى ذلك كله ابن عصفور في شرح المقرب. بقي أن يقال: إن قول المصنف: (كغير فوق وتحت من أسماء الجهات) يدخل فيه يمين وشمال، وعلى هذا يكونان من المتوسط التصرف، لكن المصنف قد عدهما مع الكثير التصرف، وقد يجاب عن هذا بأن نحو «يمين وشمال» لا يدخلان تحت قوله: (كغير فوق وتحت)، لأنه قد ذكرهما قبل فيما يكثر تصرفه، فكان ذكرهما أولا مخصصا لما أفهمه قوله: (كغير فوق وتحت من أسماء الجهات). الثاني: قد عرفت أن «حيث» من الكلمات النادرة التصرف وأن مما استدل به المصنف على تصرفها قول الشاعر: - -

стр. 1987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٦٠٨ - إنّ حيث استقرّ من أنت راعي ... هـ حمى فيه عزّة وأمان (١) وقد جعل الشيخ هذا الاستدلال خطأ، قال: لأن كون (حيث) اسما لإن فرع عن كونها تكون مبتدأ، ولم يسمع ذلك فيها، قال: ولا دليل في هذا البيت؛ لأن اسم إنّ هو حمى، وحيث في موضع خبر إنّ؛ لأنه ظرف، نحو: إنّ حيث زيد قائم عمرا، التقدير: إن حمى فيه عزة وأمان حيث استقر من أنت راعيه (٢). انتهى. ولا أعرف كيف يتوجه الخطأ على المصنف؛ لأن الغرض أن تصرف «حيث» نادر، واتفق أن التصرف النادر الذي حصل لها هو أن وردت اسما لإنّ، فكيف يقال: إن هذا موقوف على ورودها مبتدأة وهي لا يتصرف فيها إلا بما سمع، ثم إن هذه الكلمة إذا ندر وقوعها اسما لإن؛ فقد ندر وقوعها مبتدأة، وأما تخريجه البيت على أن «حمى فيه عزة وأمان» هو اسم إن، وحيث هو الخبر ينافي مراد الشاعر؛ لأن مقصوده أن يحكم على مكان من يرعاه الممدوح بأنه حمى فيه عزة وأمان، لا أن يحكم على حمى المذكور بأنه كائن حيث استقر من يرعاه الممدوح، وحاصله أن هذا التخريج يعكس النسبة المقصودة للشاعر من كلامه. الثالث: فقد عرفت أن المصنف أنشد البيت الذي أوله: ١٦٠٩ - وسطه كاليراع .......... ... ................ ........... (٣) وأنه حكم فيه بأن وسطه في رواية من رواه مرفوعا تصرف فيه يجعله مبتدأ وأن ذلك نادر، وقد كان ذكر أن «وسطا» بسكون السين ظرف لا اسم، وكلام ابن عصفور يقتضي أن «وسطه» في البيت المذكور اسم لا ظرف وأن سينه سكنت -

стр. 1988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضرورة؛ فإنه بعد أن ذكر وسطا الساكن السين وأنه ظرف [٢/ ٤٦٧] قال: فإن أخرجوه عن الظرفية فتحوا السين فقالوا: وسط الدار أحر، ولا يجوز تسكينها إذ ذاك إلا في ضرورة نحو قول الفرزدق: - ١٦١٠ - أتته بمجلوم كأنّ جبينه ... صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا (١) وقول عدي بن زيد: ١٦١١ - وسطه كاليراع ...... ... ......... البيت قال: فاستعمل «وسط» في حال إخراجه عن الظرفية، وجعله مرفوعا بالابتداء ساكن السين لما اضطروا إلى ذلك (٢). انتهى. وما قاله ابن عصفور أظهر مما قاله المصنف، ثم اعلم أن الفراء (ومن تبعه) (٣) من الكوفيين قالوا: إنّ «وسط» إذا كانت ظرفا، وكانت بمعنى «بين» كانت ساكنة السين، وإذا لم تكن بمعناها كانت مفتوحة السين، فأجازوا أن يقال: احتجم زيد وسط رأسه بفتح السين، وإن كانت ظرفا [٣/ ٢] لأنها ليست بمعنى «بين» إذ لا يقال: احتجم بين رأسه، والبصريون لا يجيزون في مثل هذا المثال إلا إسكان السين؛ لأن الكلمة ظرف، ولا يفرقون بين ما يصلح فيه «بين» وما ليس كذلك (٤). فعلى هذا قول الشاعر أنشده الفراء: -

стр. 1989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٦١٢ - فوسط الدار ضربا واجتماعا (١) غير ضرورة عند البصريين؛ لأن وسط الدار ظرف، وهو عند الفراء ومن تبعه في ذلك ضرورة؛ لأن وسطا فيه لا يتقدر «ببين». الرابع: قد عرفت أيضا أن المصنف حكم بأن كلمة «دون» إذا لم تكن بمعنى رديء، من النادر التصرف، ومراده أنها إذا كانت ظرفا، وذاك إطلاقه على أنه لا فرق أن تكون ظرفيتها حقيقة نحو: جلست دون زيد، أو مجازا نحو: زيد دون عمرو في الشرف، وهذا هو الظاهر بل المتعين، لكن في كلام ابن عصفور أن كلمة «دون» التي يراد بها نقصان الرتبة في صفة من الصفات لا تتصرف (٢)، وعلل ذلك بأنه لم يرد بالكلمة حينئذ المكان، فالظرفية فيها مجاز، فلم يتصرف فيها كما يتصرف في الظروف الحقيقية، وأما «دون» التي يراد بها الظرف فإنها تتصرف إلا أن ذلك قليل، وأنشد قول الشاعر: - ١٦١٣ - ألم تريا أني حميت حقيقتي ... ... البيت (٣) فكأنه جعل ما يراد بها نقصان الرتبة عادمة التصرف، وما يراد بها المكان هي النادرة التصرف وهو غير ظاهر، ويدفعه قول سيبويه: «وأما دونك فإنه لا يرفع أبدا، وإن قلت: هو دونك في الشرف» (٤)، فقول سيبويه: وإن قلت: هو دونك في الشرف، يقتضي أن دلالة «دون» على النقصان في الرتبة لا تقتضي عدم التصرف، بل قد تنافيه، ولهذا قال: وإن قلت هو دونك في الشرف، ثم إن كلمة «دون» في البيت الذي أنشده شاهدا على تصرفها وهو قوله: - ١٦١٤ - وباشرت حدّ الموت والموت دونها (٥) إنما المراد بها نقصان الرتبة لا الظرف الحقيقي. -

стр. 1990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البحث الخامس: تقدم لنا ذكر ما نقله المصنف عن الأخفش من أن العرب تقول: فوقك رأسك وتحتك رجلاك [٢/ ٤٦٨] بنصب فوق، لا يختلفون في ذلك، وبعد قول الأخفش ذلك لا يلتفت إلى ما ذكره الشيخ عن ابن الأنباري (١)، إنما هو رأي رآه من رآه (٢)، واعلم أنه كما ندر جر «فوق» بعلى في البيت الذي أنشده المصنف ندر جرها بالباء أيضا في قول الآخر: - ١٦١٥ - كلّفوني الذي أطيق فإني ... لست رهنا بفوق ما أستطيع (٣) وليس من ذلك قول الآخر: - ١٦١٦ - وشبّهني كلبا ولست بفوقه ... ولا مثله إن كان غير قليل (٤) لأن الباء زائدة فلا عبرة بدخولها، وأما جرّ «فوق» و «تحت» بمن في قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ (٥) وتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * (٦) فقد عرفت أن الجر «بمن» لا يخرج الكلمة عن الظرفية، وقد فصل ابن عصفور الأمر في كلمة «فوق» كما فصل ذلك في كلمة «دون» فقال لما عدد الظروف التي لا تتصرف: «وفوقك إذا أريد بها علو المرتبة في صفة من الصفات» (٧)، وعلل ذلك بما علل به كلمة دون، ومقتضى كلامه أنها إذا أريد بها العلو الحسي قد -

стр. 1991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تتصرف، وهذا خلاف ما قد عرف أنه من لغة العرب، وذكر ابن عصفور من الظروف التي لا تتصرف «سواك» و «سواك وسواك»، قال: لأنها بمعنى مكانك الذي يدخله معنى عوضك (١) يعني بذلك، والمصنف يرى أن هذه الكلمة بمعنى غير، ويجيز تصرفها؛ فلهذا لم يذكرها وقد ذكرها في باب المستثنى وأشبع الكلام عليها (٢)، قال الشيخ: ومما أهمل أكثر النحويين ذكره من الظروف التي لا تتصرف «شطر» بمعنى نحو، قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (٣) وقال تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (٤) ومنه: - ١٦١٧ - ألا من مبلغ عني رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو (٥) أي نحو عمرو، وقول الآخر: - ١٦١٨ - أقول لأمّ زنباع أقيمي ... صدور العيس شطر بني تميم (٦) قال: والشطر أيضا نصف الشيء، والشطر أيضا الجزء من الشيء؛ فهو مشترك بين هذين وبين الجهة (٧). البحث السادس: ذكر الشيخ في شرحه أن الجملة التي يضاف إليها «حيث» شرطها أن تكون خبرية اسمية أو فعلية مصدرة بماض أو مضارع مثبتين أو منفي بلم أو لا، قال: وأما قوله: ١٦١٩ - من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور (٨) -

стр. 1992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فما مصدرية على رأي من يجر بحيث المفرد، ومن لم يجز ذلك قال: إنما جاز ذلك ضرورة، أو يجعل «ما» زائدة أي من حيث سلكوا، وقد ذكروا أنها قد تجر بالباء أو بإلى أو بفي، فالباء كقولك: - ١٦٢٠ - كان منّا بحيث يعلى الإزار (١) وإلى كقوله: ١٦٢١ - إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم (٢) في رواية من رواه بإلى، وفي نحو [٢/ ٤٦٩]. ١٦٢٢ - فأصبح في حيث التقينا شريدهم (٣) وكقول الآخر: ١٦٢٣ - على فتخاء يعلم حيث تنجو ... وما في حيث تنجو من الطّريق (٤)، (٥) -

стр. 1993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم إنك قد عرفت أن المصنف جعل حيث في قول الشاعر: ١٦٢٤ - إذا ريدة من حيث ما نفخت له (١) مضافة إلى جملة مقدرة، التقدير: إذا ريدة نفخت من حيث ما هب. فقال الشيخ: يحتمل أن تكون «حيث» مضافة إلى الجملة التي بعدها وهي: نفخت له، و «ريدة» مرتفعة بفعل محذوف يفسره المعنى، التقدير: إذا نفخت ريدة (٢) ... انتهى. قلت: وصحة التخريجين دون الآخر متوقفة على المعنى المراد من البيت؛ فإن كان المعنى المراد منه يعطيه تخريج الشيخ وجب الوقوف عنده، وإلا فيتعين تخريج المصنف، [٣/ ٣] والذي يظهر أن المصنف لم يتعسف التخريج الذي ذكره إلا لأنه رأى أنه معنى البيت، والله سبحانه أعلم. ومما يتعين ذكره هنا أن الفارسي أجاز وقوع حيث مفعولا بها (٣)، وجعل من ذلك قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (٤)؛ لأن المعنى أن الله تعالى يعلم المكان المستحق لوضع الرسالة فيه، وليس المراد أنه تعالى يعلم شيئا في المكان، قال: وناصبها يعلم محذوفا مدلولا عليه بأعلم، لا «أعلم» نفسه لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به (٥) .. انتهى. ومن الناس من يؤول «أعلم» بعالم، فقد ينسب العمل إليه بهذا الطريق، ولا يحتاج إلى تقدير عامل غيره (٦). البحث السابع: قال ابن عصفور: إنما لم تتصرف «عند» لأنها شديدة التوغل في الإبهام؛ إذ -

стр. 1994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تصدق على الجهات الست فبعدت من المختص، فلم تستعمل استعمال الأسماء (١)، قلت: وقد تكون العلة في عدم تصرف «لدن» هي شدة التوغل في الإبهام أيضا، ثم إنك قد عرفت أن معنى «لدن» مخالف «عند»، ويدل على ذلك قول المصنف وليست لدى بمعناها بل بمعنى «عند» على الأصحّ، وقد اشتمل كلام المصنف في المتن والشرح على التفرقة بين «لدن» و «عند» من ستة أوجه: - أولها: أن لدن مخصوصة بما هو مبدأ غاية زمان أو مكان؛ فهي لا تفارق هذا المعنى بخلاف «عند» فإنها قد تكون لابتداء الغاية وقد لا تكون، وقد تقدم التمثيل لذلك في كلام المصنف. ثانيها: أنها لا تستعمل إلا مصحوبة بمن، واستعمالها غير مصحوبة بها في غاية القلة و «عند» ليست كذلك. ثالثها: أن «لدن» مبنية وإنما أعربت في اللغة القيسية، وقد أشار المصنف فيما تقدّم إلى علة بنائها، وأما «عند» فمعربة في جميع اللغات. رابعها: أن «لدن» تضاف إلى الجملة كما تضاف إلى المفرد، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: ويجر ما يليها بالإضافة لفظا إن كان مفردا، وتقديرا إن كان جملة (٢) وأما «عند» فلا تضاف إلا إلى مفرد. خامسها: أن «لدن» قد لا يذكر بعدها مضاف إليه، وذلك إذا نصبت غدوة [٢/ ٤٧٠] بعدها أو رفعت بخلاف «عند» فإنها لا تذكر دون مضاف إليه أبدا. سادسها: وهو الذي ذكره في الشرح دون المتن أن «لدن» يمتنع الإخبار بها وعنها، أي كما يمتنع الإخبار عنها يمتنع الإخبار بها، فلا يقال: الخروج من لدن الكوفة ولا السفر من لدن المسجد، وأما «عند» وإن امتنع الإخبار عنها فلا يمتنع الإخبار بها، وقد تقدمت أمثلة الإخبار بها، وبلدى من الكتاب العزيز، وهذا الوجه السادس هو الذي يعبر عنه بأن «لدن» لا تقع إلا فضلة (٣)، واعلم أنه لا يضاف -

стр. 1995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى الجمل من ظروف المكان إلا «لدن» و «حيث» لكن «حيث» تضاف إليها وجوبا و «لدن» تضاف جوازا (١). البحث الثامن: قد عرفت من كلام المصنف أن نصب «غدوة» بعد «لدن» إما على التمييز وإما على إضمار كان واسمها مضمر فيها، ومن نصب على التمييز قال: شبهت نون «لدن» وإن كانت من بنية الكلمة بالتنوين؛ إذ صارت هذه النون تثبت تارة وتحذف تارة أخرى فأشبهت «ضاربا»؛ فكما قالوا: ضارب زيدا، قالوا: لدن غدوة (٢)، هكذا ذكروا فيؤخذ عن الأئمة تقليدا، وقد قال بعضهم في نصب «غدوة» تمييزا: إنه إعراب يعسر تعقله (٣)، ثم إذا انتصب «غدوة» بعد «لدن» فالمحفوظ أنها منونة قبل. وكان من حقها أن تمنع من الصرف، وإنما صرفوها لأنهم لما عزموا على إخراجها عن النظائر في حالها غيروها في ذاتها بالصرف، وأيضا لو لم يصرفوها لفتحوها فلم يعلم أمنصوبة هي أم مجرورة لأنها لا تتصرف، فلما عزموا على نصبها وإخراجها لكثرة الاستعمال عن حال نظائرها صرفوها، لكون ظهور التنوين مع الحركة يحقق قصدهم، فإن قلت: الذي رفع غدوة أو جرها ما دعاه إلى الصرف ولا إشكال فيه كما في النصب. فالجواب: أنهم لما أوجبوا ضروبا منصوبة، وهو الأكثر من أحوالها، حملوا الجر عليه، لأنه أخوه فصار لها تنوين في الحالين، فحملوا الرفع عليهما والرفع هنا دخيل على النصب، لأن «غدوة» ظرف وأصله النصب، فلما كان فرعا في هذا الموضع حمل على النصب في التنوين (٤). هذا ما لخصه الشيخ من كلام ابن جني في هذه المسألة، ولا شك أنه كلام من أوتي تفقّها في علمه وتصرفا في فنه، وإذا عطفت على «غدوة» المنصوبة بعد «لدن» فقلت: لدن -

стр. 1996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غدوة وعشية، فقد أجاز أبو الحسن الجر في المعطوف والنصب، أما النصب فوجهه ظاهر (١)، وأما الجر فقالوا: لأن «غدوة» وإن لم تجر لفظا فهي في موضع جر (٢)، قال المصنف - في شرح الكافية الشافية -: والنصب في المعطوف بعيد عن القياس (٣)، قال الشيخ: والذي أختاره أنه لا يجوز في المعطوف إلا النصب، لأن «غدوة» عند من نصب ليس في موضع جر، فليس من باب [٢/ ٤٧١] العطف على الموضع وهو نصب صحيح؛ فإذا عطف عليه، ولا سيما على مذهب من جعل «غدوة» منصوبة بكان مضمرة فلا يتخيل فيه إذ ذاك جرّا البتة، فإن قلت: يلزم من ذلك أن تكون «لدن» قد انتصب بعدها ظرف غير «غدوة» ولم يحفظ نصب بعدها إلا في غدوة، فالجواب: أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل (٤). انتهى. وأما الرفع بعد «لدن» فعلى تقدير «كان» أي لدن كانت غدوة، قال الشيخ: وظاهر كلام ابن جني أنها مرفوعة بلدن فإنه قال: وقد شبهه بعضهم بالفاعل فرفع فقال: لدن غدوة كما تقول في اسم الفاعل: ضارب زيد. انتهى (٥). ولا يخفى بعد القول بأنها مرفوعة (٦) [٣/ ٤] بلدن، وكلام ابن جني ليس صريحا في ذلك. البحث التاسع: قال الشيخ: قول المصنف: وتفرد - يعني مع - فتساوي جميعا معنى ليس بصحيح، قال: وهذه المسألة جرت بين أحمد بن يحيى (٧) وأحمد بن قادم (٨)، وهما من شيوخ الكوفة، سأل أحمد بن يحيى عنها ابن قادم قال: فلم يزل يركض -

стр. 1997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها إلى الليل وفرق أحمد بن يحيى بأن جميعا تكون للقيام في وقتين وفي وقت واحد، إذا قلت: قام زيد وبكر معا (١)، ثم قد عرفت أن المصنف اختار مذهب يونس والأخفش في أن «معا» كفتى لفظا لا كيد إذا نصبت، واستدل لصحة ذلك بأنك تقول: الزيدان معا والعمرون معا، فتوقع معا في موضع رفع كما توقع الأسماء المقصورة كقولك: هو فتى وهم عدى، ولو كان باقيا على النقص لقيل: الزيدون مع، كما يقال: هم يد واحدة على من سواهم، لكن قد قال الشيخ: ما ذكره المصنف من أنه لو كان الأمر كما ذهب غير يونس والأخفش، لكان يلزم الرفع في مثل قولنا: الزيدون معا خطأ فاحش؛ لأن «مع» قد تقرر أنها ظرف لا يتصرّف، وقد ذكر هو ذلك، فقولك: الزيدون معا، هو منصوب على الظرف الواقع خبرا كما تقول: الزيدون عندك، وإذا كان ظرفا لا يتصرف فلا يرفع (٢). انتهى. ولك أن تجيب عن المصنف فتقول: إن الظرف الذي لا يتصرف إنما هو «مع» الملازمة للإضافة، أما المفردة عن الإضافة فليست كذلك، بل تقول: إن الظرفية لا يتعقل فيها حالة الإفراد، وإنما يتعقل ظرفيتها حال إضافتها، وإذا لم يحكم عليها بالظرفية حال الإفراد فمعناها في نحو: جاء الزيدان أو الزيدون معا، إما معنى جميعا كما رأى المصنف ومن وافقه، وإما معنى مصطحبين أو مصطحبين فالظرفية منفية عن كل من المعنيين، والنصب في كلتا الكلمتين أعني جميعا ومصطحبين لو صرح بهما إنما هو على الحال فكذلك نصب معا إذا وقعت هذا الموقع إنما هو على الحال لا على الظرف، وكذا يكون المعنى في قول الشاعر: ١٦٢٥ - وشعباكما معا (٣) [٢/ ٤٧٢] وقول الآخر: ١٦٢٦ - وأهواؤنا معا (٤) والتقدير: وشعبا كما مصطحبان أي مقترنان، وأهواؤنا مصطحبة أي مقترنة، فمعا مرفوعة في هذين البيتين على الخبرية، وليست منصوبة على الظرف، إذ قد بينا أنه لا ظرفية حينئذ، وإذا كان كذلك فلو كانت «مع» حال إفرادها «كيد» -

стр. 1998

[التوسع في الظرف المتصرف] قال ابن مالك: (ويتوسّع في الظّرف المتصرف فيجعل مفعولا به مجازا ويسوغ حينئذ إضماره غير مقرون بفي والإضافة والإسناد إليه، ويمنع من هذا التّوسّع على الأصحّ تعدّي الفعل إلى ثلاثة). ــ لوجب الرفع، فكان يقال: «مع» فصح كلام المصنف بهذا التقدير وانتفى عنه الخطأ الفاحش والحمد لله. قال ناظر الجيش: قال المصنف رحمه الله تعالى (١): من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه ومقام المفعول الموقع به الحدث، فالأول: كقوله تعالى: اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ (٢) وقوله تعالى: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (٣) وكقول الشاعر (٤): ١٦٢٧ - أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيّق الحجر معور (٥) والثاني: كقولهم: ولد له ستون عاما (٦)، وصيد عليه الليل والنهار (٧)، وكقول الشاعر: ١٦٢٨ - أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة ... واللّيل في جوف منحوت من السّاج (٨) -

стр. 1999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يعني نفسه وكان مأسورا فأخبر أن نهاره مقيد وليله مسجون مبالغة ومجازا، ويضاف المصدر إلى الظرف المتوسع فيه على الوجهين، فإضافته إليه على تقدير كونه فاعلا، كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا (١) كان الأصل: ليلكم ونهاركم ماكران، ثم أضيف المصدر إلى المخبر عنه بمعناه مجازا كما يضاف إلى المخبر عنه بمعناه حقيقة، وإضافته إليه على تقديره مفعولا به كقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (٢) أي إمضاء أربعة أشهر، وكما أضيف إليه المصدر على تأويل الفاعلية وعلى تأويل المفعولية أضيفت إليه الصفة بلفظ اسم الفاعل ولفظ اسم المفعول، فمن الأول: ١٦٢٩ - يا سارق اللّيلة أهل الدّار (٣) ومن الثاني: يا مسروق الليلة أهل الدار، ذكرهما سيبويه، وإذا ثبت أن من كلامهم: التوسع بجعل الظرف المتوسع فاعلا ومفعولا به ومضافا إليه على معنى الفاعلية والمفعولية لزم من ذلك جواز الحكم عليه في حال النصب بأنه مفعول به تجوزا ما لم يمنع من ذلك مانع، وتظهر فائدة ذلك في إضماره مستغنيا عن لفظ «في» فإن الظرف أصله أن يكون مقرونا بلفظها، فاستغني عن لفظها بمعناها مع الظاهر ولزم [٢/ ٤٧٣] الرجوع إلى الأصل مع الضمير؛ لأن الإضمار يرد الشيء إلى أصله، ولذلك لزم من يقول: لد زيد، أن يقول: من لدنه يرد النون، ولزم من يقول: لم تك صديقا، أن يقول: أما الصديق فإن لم تكنه فمن يكنه؟ فيرد النون أيضا، ولزم من يقول: قعدت جبنا: الجبن قعدت له فيرد اللام، ولا يستغنى مع المضمر بمعناها كما استغني مع الظاهر ولزم من يقول: المال لزيد بكسر اللام أن -

стр. 2000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقول: المال له فيفتح لأن فتحها هو الأصل (١)، فعلى هذا يلزم من أضمر الظرف مقصودا به معنى الظرفية أن يقرنه بفي، كقولك في صمت اليوم: اليوم صمت فيه، فمن قال: صمته علم أنه لم يقصد الظرفية، وإنما قصد جعله مفعولا به توسّعا (٢)، فمن ذلك قول الشاعر: - ١٦٣٠ - ويوما شهدناه سليما وعامرا ... قليل سوى الطّعن النّهال نوافله (٣) ومثله: - ١٦٣١ - فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فدعه إلى اليوم الّذي أنت قادره (٤) ومثله (٥): - ١٦٣٢ - يا ربّ يوم لي لا أظلّله ... أرمض من تحت وأضحى من عله (٦) وهذا التوسع في باب «أعلم» جائز على ظاهر قول [٣/ ٥] سيبويه، فإنه قال في -
следующие страницы →