← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «أمّا صديقا فصديق» تعينت الحالية، وكان العامل فعل الشرط المقدر، ويجوز أن يكون العامل الصفة التي بعد الفاء، ويكون الحال مؤكدا، وكذلك يجوز الوجهان في «أمّا صديقا فليس بصديق» (١) ومنع المبرد في هذا إعمال (صديق) لاقترانه بالباء، وغيره لا يمنع ذلك؛ لأنّ الباء زائدة، فوجودها كعدمها. وزعم الأخفش أنّ (صديقا) منصوب بـ (يكون) والتقدير: أمّا أن يكون إنسان فالمذكور صديق. وردّ المبرد قوله ولم يذكر حجّة الردّ. والحجة أنّا إذا قدّرنا (أن يكون) لزم كون (أن) وصلتها في موضع نصب على المذهب المختار، وينبغي أن تقدّر قبله (أن يكون) آخر، ويؤدي ذلك إلى التسلسل، وهو محال. قال الشيخ: ولا يلزم ما قال من كون (أن) وصلتها في موضع نصب، بل يكون في موضع رفع على الابتداء، والتقدير: أمّا كون إنسان صديقا فأنت صديق، والراجع محذوف، أي: فأنت صديق مثله، أي: مثل كونه صديقا، ولو فرضنا أنّ (أن يكون) في موضع نصب، لم يلزم أن يكون منصوبا بـ (أن يكون) مضمرة، بل يكون العامل فيه النصب الوصف الذي بعد الفاء، ويكون (أن يكون) مفعولا له، والتقدير: أمّا لأن يكون إنسان صديقا فالمذكور صديق (٢). قال: وإنّما يردّ مذهب الأخفش بأنّ فيه إضمار المصدر وإبقاء معموله، وهو لا ينقاس. انتهى (٣). وقد علمت مما تقدّم: أنّ الواقع بعد (أمّا) إمّا مصدر، أو صفة، أو اسم غير مصدر ولا صفة وكلّ من الثلاثة إمّا معرّف باللام أو منكّر، وتقدّم الكلام على المصدر معرّفا ومنكّرا، مرفوعا ومنصوبا، وعلى الصفة المنكّرة والصفة المعرّفة في الحكم كالاسم غير المصدر وغير الصفة المنكّرة، وقد تبيّن أنّ نصبه قليل، وأنّ الرفع فيه هو الوجه، وذلك قولك: «أمّا العبيد فذو عبيد، وأما العبد فذو عبد، وأمّا عبدان فذو عبدين» وهي أمثلة سيبويه (٤)، وقال بعد أن مثّل بها: وإنّما اختير -

стр. 2242

[مسوغات تنكير صاحب الحال] قال ابن مالك: (فصل: لا يكون صاحب الحال في الغالب نكرة، ما لم يختصّ أو يسبقه نفي أو شبهه أو تتقدّم الحال أو تكن جملة مقرونة بالواو، أو يكن الوصف به على خلاف الأصل، أو يشاركه فيه معرفة). ــ الرفع؛ لأنّ ما ذكرته في هذا الباب أسماء والأسماء لا تجري مجرى المصادر، ألا ترى أنك تقول: «هذا الرجل علما وفقها» ولا تقول: «هو الرجل خيلا وإبلا» فلما قبح ذلك جعلوا ما بعده خبرا له، كأنهم قالوا: «أمّا العبيد فأنت فيهم أو أنت منهم ذو عبيد» أي: لك من العبيد نصيب، كأنّك أردت أن تقول: «أمّا من العبيد، أو أمّا في العبيد فأنت ذو عبيد» إلا أنّك أخّرت (في) و (من) وأضمرت فيهما أسماءهم. انتهى (١) [٣/ ٦٧]. قال ناظر الجيش: قد تقدّم أنّ الحال خبر في المعنى، وأنّ صاحبه مخبر عنه، فأصله أن يكون معرفة، كما أنّ أصل المبتدأ أن يكون كذلك، وكما جاز أن يبتدأ بنكرة بشرط حصول الفائدة وأمن اللبس، كذلك يكون صاحب الحال نكرة بشرط وضوح المعنى وأمن اللبس (٢)، ولا يكون ذلك في الأكثر إلّا بمسوّغ من المسوّغات الآتي ذكرها، وإنّما قال في المتن: في الغالب وفي الشرح: «في الأكثر» تنبيها على مجيء صاحب الحال نكرة دون مسوّغ لكنّه قليل، ومثّل بقولهم: «عليه مائة بيضا» و «فيها رجل قائما» فإن الحال من المبتدأ وهو نكرة، وسيأتي أنّه مذهب سيبويه (٣)، وليست من الضمير المستكن في الخبر. وأمّا المسوّغات التي ذكرها المصنف فسبعة: الأول: اختصاص صاحب الحال إمّا بوصف كقوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا (٤). ومنه قول الشاعر: -

стр. 2243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٧٧٩ - نجّيت يا ربّ نوحا واستجبت له ... في فلك ماخر في اليمّ مشحونا وعاش يدعو بآيات مبيّنة (١) ... في قومه ألف عام غير خمسينا (٢) وإما بإضافة كقوله تعالى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (٣). وكذا وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا (٤) بضم القاف والباء. وإمّا بعمل: «مررت بضارب هندا قائما». قال الشيخ: والوجه في هذه الصورة الإتباع، لا الحال (٥). الثاني: أن يتقدم عليه نفي كقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٦) فصاحب الحال (قرية) وحسّن جعله صاحب الحال مع أنّه نكرة محضة تقدّم النفي عليه، كما أنّ تقدّم النفي يحسّن الابتداء بالنكرة وقد مضى الكلام مع الزمخشري في هذه الآية الكريمة (٧)، في باب الاستثناء ومن ذلك ما تقدّم أيضا من أمثلة أبي علي «ما مررت بأحد إلّا قائما إلّا أخاك» وأنّه جعل -

стр. 2244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (قائما) حالا من (أحد) لاعتماده على النفي (١) ومنه أيضا قول الشاعر: ١٧٨٠ - ما حمّ من موت حما واقيا ... ولا ترى من أحد باقيا (٢) الثالث: أن يتقدم عليه شبه النفي وأراد به النهي والاستفهام، فمثال النهي قول قطري: ١٧٨١ - لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوّفا لحمام (٣) ومثال الاستفهام: ١٧٨٢ - يا صاح هل حمّ عيش باقيا فترى ... لنفسك العذر في إبعادها الأملا (٤) الرابع: أن يتقدم الحال على صاحبه، كقولك: «فيها قائما رجل». قال سيبويه - بعد تمثيله بهذا المثال -: لمّا لم يجز أن توصف الصفة بالاسم، وقبح أن تقول: «فيها قائم» فتضع الصّفة موضع الاسم، كما قبح «مررت بقائم وأتاني قائم» جعلت (القائم) حالا وكان المبنيّ على الكلام الأول ما بعده. -

стр. 2245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم قال: وحمل [النصب] (١) على جواز «فيها رجل قائما» وصار حين أخّر وجه الكلام، فرارا من القبح (٢)، وأنشد لذي الرمة: ١٧٨٣ - وتحت العوالي في القنا مستظلة ... ظباء أعارتها العيون الجآذر (٣) وأنشد لغيره: ١٧٨٤ - وبالجسم منّي بيّنا لو علمته ... شحوب وإن تستشهدي العين تشهد (٤) [٣/ ٦٨] وأنشد غير سيبويه: ١٧٨٥ - وما لام نفسي مثلها لي لائم ... ولا سدّ فقري مثل ما ملكت يدي (٥) ولا يقوى الاستدلال بهذا البيت على ما سيق له؛ لأنّه قد يدّعى أنّ النفي المتقدم هو المسوّغ لذلك، لا تقدّم الحال (٦). قال المصنف: أشار سيبويه بقوله: وحمل هذا على جواز «فيها رجل قائما» إلى أنّ صاحب الحال قد يكون نكرة دون مسوّغ من المسوّغات التي تذكر هنا نحو -

стр. 2246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله: «فيها رجل قائما» (١) لكن على ضعف لإمكان الإتباع (٢) فإذا قدّم الحال زال الضّعف لتعذّر الإتباع وكان هذا بمنزلة قولنا في الاستثناء: «ما قام أحد إلّا زيد» فإنّ النّصب مع تأخّر المستثنى ضعيف لإمكان الإتباع، فإذا قدّم المستثنى لزم النصب في المشهور من كلامهم لتعذر الإتباع، فظاهر كلام سيبويه: أن صاحب الحال الكائن في نحو: «فيها رجل قائما» هو المبتدأ. وذهب قوم إلى أنّ صاحبه الضمير المستكن في الخبر (٣)، وقول سيبويه هو الصحيح؛ لأنّ الحال خبر في المعنى، فجعله لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما. وزعم ابن خروف أن الخبر إذا كان ظرفا أو جارّا ومجرورا لا ضمير فيه عند سيبويه والفراء إلا إذا تأخّر، وأمّا إذا تقدّم فلا ضمير فيه (٤)، واستدلّ على ذلك بأنّه لو كان فيه ضمير إذا تقدّم لجاز أن يؤكد وأن يعطف عليه، وأن يبدل منه كما فعل ذلك مع التأخر (٥). الخامس: أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو كقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها (٦) ومنه قول الشاعر: ١٧٨٦ - مضى زمن والنّاس يستشفعون بي ... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع (٧) -

стр. 2247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنّ الواو رفعت توهم كون الجملة نعتا. السادس: توقي الوصف بما لا يصلح للوصفية، كقولك: هذا خاتم حديدا، وعندي راقود خلّا». قال المصنف: ظاهر كلام سيبويه أنّ المنصوب في هذين المثالين وأشباههما منصوب على الحال، وأنّ الذي سوّغ ذلك مع تنكير ما قبله، التخلص من جعله نعتا مع كونه جامدا غير مؤول بمشتق (١)، وقد تقدّم أن ذلك يغتفر في الحال؛ لأنّه بالأخبار أشبه منه بالنعوت. والمشهور في غير كلام سيبويه نصب ما بعد (خاتم) و (راقود) وشبههما على التمييز (٢)، فلو ما قبله معرفة لم يكن إلا حالا، نحو: «هذا خاتمك حديدا، وهذه جبّتك خزّا». انتهى (٣). ومن أمثلة سيبويه: «مررت ببرّ قفيزا بدرهم»، وحكى: «مررت بماء قعدة رجل» (٤). السابع: أن تشترك مع معرفة، نحو: «هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين» وقد جعل سيبويه لهذه المسألة بابا فقال: هذا: باب ما غلبت فيه المعرفة النكرة (٥).

стр. 2248

[حكم تقديم الحال على صاحبه] قال ابن مالك: (ويجوز تقديم الحال على صاحبه وتأخيره إن لم يعرض مانع من التّقديم كالإضافة إلى صاحبه، أو من التأخير كاقترانه بـ (إلّا) على رأي، وكإضافته إلى ضمير ما لابس الحال، وتقديمه على صاحبه المجرور بحرف ضعيف على الأصحّ لا ممتنع، ولا يمتنع تقديمه على المرفوع والمنصوب خلافا للكوفيين في المنصوب بالظّاهر مطلقا، وفي المرفوع الظّاهر المؤخّر رافعه عن الحال؛ واستثنى بعضهم من حال المنصوب ما كان فعلا، ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه إلّا أن يكون المضاف جزءه أو كجزئه) (١). قال ناظر الجيش: الحال إمّا أن يقدّم على عامله - وسيأتي الكلام عليه في الفصل بعد هذا - وإمّا على صاحبه وهو المقصود هنا، فاعلم أنّ نسبة الحال من صاحبه نسبة الخبر من المبتدأ، فالأصل تأخيره وتقديم صاحبه، كما أنّ الأصل تأخير الخبر وتقديم المبتدأ، وجواز مخالفة الأصل ثابت في الحال كما كان ثابتا في الخبر، ما لم يعرض موجب البقاء على الأصل أو الخروج عنه، فممّا يوجب البقاء على الأصل الإضافة إلى صاحب الحال مع كون الإضافة محضة (٢)، نحو: «عرفت قيام زيد مسرعا، وخروج هند مسرعة» فلا يجوز التقديم على (زيد) ولا على (هند) لما يلزم فيه من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، هكذا قيّد المصنف الإضافة بكونها محضة، ولا فرق بينها وبين غير المحضة بالنسبة إلى التقديم على صاحب الحال لما يلزم في ذلك من الفصل بين المتضايفين، فكما لا يجوز التقديم في مثل «عرفت قيام زيد مسرعا» على زيد نفسه كذلك لا يجوز في مثل «هذا شارب السويق ملتوتا الآن أو غدا» تقديم (ملتوتا) على (السويق) نفسه (٣). -

стр. 2249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأمّا تقديم الحال على المضاف إلى صاحب الحال: فيظهر من كلام المصنف جواز التقديم فيما إضافته غير محضة، ومنعه فيما إضافته محضة، فإنه قال: وإذا كان صاحب الحال مجرورا بإضافة محضة لم يجز تقديم الحال عليه بالإجماع؛ لأنّ نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول فإن كانت الإضافة غير محضة جاز تقديم الحال على المضاف كقولك: «هذا شارب السويق ملتوتا الآن أو غدا» لأنّ الإضافة في نية الانفصال، فلا يعتد بها. انتهى (١). وما ذكره المصنف في صورتي الجواز والامتناع إنما هو بالنسبة إلى عامل الحال (٢)، والكلام في هذا الفصل إنّما هو بالنسبة إلى صاحب الحال، إلّا أن يقول المصنف: يلزم من تقديمه على العامل تقديمه على صاحب الحال فلذا ذكره هنا. ثم قال المصنف: فإن ورد ما يوهم تقديم حال ما جرّ بإضافة محضة حمل على وجه لا خلاف في جوازه كقول الراجز: ١٧٨٧ - نحن وطئنا خسّئا دياركم ... إذ أسلمت حماتكم ذماركم (٣) فقد يتوهم سامع هذا أنّ (خسّئا) بمعنى: بعداء مزدجرين، كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ * (٤) فيجعله [٣/ ٦٩] حالا من ضمير المخاطبين ويقول: قد تقدّم حال المضاف إليه على المضاف وليس كذلك، ولكن (خسّئا) جمع خاسئ، بمعنى: زاجر، من قولهم: خسأت الكلب، أي: أبعدته وزجرته، فهو حال وصاحبه الفاعل من (وطئنا). وقد يتوهم أنّ (فرّارا) من قول الشاعر: ١٧٨٨ - ليست تجرّح فرّارا ظهورهم ... وفي النّحور كلوم ذات أبلاد (٥) -

стр. 2250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حال من الهاء والميم، و (ظهورهم) مرفوعة بـ (تجرّح) على أنه مفرّغ وليس كذلك، بل (تجرّح) مسند إلى ضمير الجماعة الموصوفة، وهو صاحب الحال و (ظهورهم) بدل بعض من كل، وهذا توجيه لا تكلف فيه (١). قال الشيخ: ومما يوجب البقاء على الأصل أن يكون العامل في صاحب الحال فعل تعجب نحو: «ما أحسن هندا متجردة» وفيه خلاف يذكر في باب التعجب (٢). ومما يوجب الخروج عن الأصل: إضافة صاحب الحال إلى ضمير يعود إلى ما لابس الحال؛ إمّا بإضافة نحو: «جاء زائر هند أخوها». وإما بغير إضافة نحو: «جاء منقادا لعمرو صاحبه» (٣). ومنه أيضا عند قوم - وإليه أشار في المتن بقوله: على رأي - اقتران صاحب الحال بـ (إلّا) نحو: «ما قام مسرعا إلا زيد» وأنشد الأخفش: ١٧٨٩ - وليس مجيرا أن أتى الحيّ خائف ... ولا قائلا إلّا هو المتعيّنا (٤) ثم قال: فإنّ هذا ليس بحسن، وهو كلام يجوز في الشعر، وهو مثل «ما أكل إلّا زيد الخبز، وما ضرب إلّا عمرو زيدا» (٥) لا تريد به: ما أكل الخبز إلا زيد وما ضرب زيدا إلا عمرو، ولكنك تضمر الفعل بعد المستثنى على قبحه، وكذا إذا ورد نحو: «ما قام إلّا زيد مسرعا» أضمر ناصب الحال بعد صاحبها كقول الراجز: ١٧٩٠ - ما راعني إلّا جناح هابطا ... حول البيوت قوطه العلابطا (٦) أراد: ما راعني إلا جناح راعني هابطا، و (جناح) اسم رجل. -

стр. 2251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا فقد موجب البقاء على الأصل، وموجب الخروج عنه جاز أن تقدّم الحال على صاحبه مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا بحرف: وأمّا المجرور بالإضافة فقد تقدّم الكلام عليه. ولمّا كان المجرور بحرف فيه خلاف، وكذا في التقديم على المرفوع والمنصوب أشار المصنف إلى ذلك وبدأ بالمجرور وتقديم حاله عليه ليس بممتنع عند المصنف، لكنه ضعيف، ومنع التقديم أكثر النحويين فلا يجيزون في نحو «مررت بهند جالسة» أن يقال: «مررت جالسة بهند» ودليلهم في منع ذلك أنّ تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدّى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك خوف التباس الحال بالبدل، وأنّ فعلا واحدا لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين، فجعلوا عوضا من الاشتراك في الواسطة التزام التأخير (١). وبعضهم يعلل منع التقديم بالحمل على حال المجرور بالإضافة. وبعضهم يعلل بأنّ حال المجرور شبيه بحال عمل فيه حرف جر مضمن معنى الاستقرار، نحو: «زيد في الدار متكئا» فكما لا يتقدم الحال على حرف الجر في هذا وأمثاله، لا يقدّم عليه نحو: «مررت بهند جالسة» (٢). قال المصنف (٣): وهذه شبه وتخيلات لا تستميل إلّا نفس من لا تثبّت له، بل الصحيح جواز التقديم في نحو: «مررت بهند جالسة» وإنما حكمت بالجواز لثبوته سماعا، ولضعف دليل المنع. أما ثبوته سماعا ففي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ (٤) وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ (كآفة) صفة لإرساله، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وهو قول الزمخشري (٥). والثاني: أن (كآفة) حال من الكاف، وهو قول الزجاج، والتاء فيه للمبالغة (٦). -

стр. 2252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثالث: أنّ (كآفة) حال من (الناس)، والأصل: للناس كافة، أي: جميعا، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب أبي علي وابن كيسان، أعني تقديم حال المجرور بحرف، حكاه ابن برهان وقال: وإليه نذهب، كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ و (كآفة) حال من (الناس،) وقد تقدم على المجرور باللام، وما استعملت العرب (كافة) قط إلّا حالا. كذا قال ابن برهان (١)، وكذا أقول (٢). ولا يلتفت إلى قول الزمخشري [والزجاج. أما الزمخشري] (٣) فإنّه جعل (كافّة) صفة، ولم تستعمله العرب إلا حالا، وهذا شبيه بما فعل في خطبة المفصل من إدخال باء الجرّ عليه، وإضافته، والتعبير به عمّا لا يعقل (٤). وليته إذ أخرج (كافة) عن استعمال العرب سلك به سبيل القياس، بل جعله صفة لموصوف محذوف، لم تستعمله العرب مفردا ولا مقرونا بصفة - أعني إرساله - وحق الموصوف المستغني بصفته أن يعتاد ذكره مع صفته قبل الحذف، وأن لا تصلح الصفة لغيره، والمشار إليه بخلاف ذلك فوجب الإعراض عمّا أفضى إليه. وأمّا الزجاج فبطلان قوله بيّن أيضا؛ لأنّه جعل (كافّة) حالا من مفرد ولا يعرف ذلك في غير محل النزاع، وجعله من مذكر مع كونه مؤنثا، ولا يتأتّى ذلك إلا بجعل تائه للمبالغة وبابه مقصور على السماع، ولا يأتي غالبا ما هي فيه إلّا على أحد أمثلة المبالغة كنسّابة، وفروقة، ومهذارة، وكافة بخلاف ذلك، فبطل أن تكون منها، لكونها على فاعلة، فإن [حملت على راوية] (٥) حملت على شاذ الشاذ؛ لأنّ لحاق تاء المبالغة [لأحد أمثلة المبالغة] (٦) شاذ، ولما لا مبالغة فيه أشذّ، فيعبر عنه بشاذ الشاذ، والحمل على الشاذ مكروه، فكيف على شاذ الشاذ. وإذا بطل القولان تعيّن الحكم بصحة القول الثالث، وهو أن يكون الأصل: وما أرسلناك إلا للناس كافة [٣/ ٧٠]، فقدّم الحال على صاحبه مع كونه مجرورا. ومن أمثلة أبي علي في التذكرة: «زيد خير ما تكون خير منك» على أنّ المراد: زيد خير -

стр. 2253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منك خير ما تكون، فجعل (خير ما تكون) حالا من الكاف المجرورة وقدّمه، وهذا موافق لقول ابن برهان. ومن التقديم المشار إليه قول الشاعر: ١٧٩١ - فإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال (١) أراد: فلن يذهبوا بدم حبال فرغا، أي: هدرا. وحبال: اسم رجل. ومنه: ١٧٩٢ - لئن كان برد الماء هيمان صاديا ... [إليّ حبيبا إنّها لحبيب (٢) أراد: لئن كان برد الماء حبيبا إليّ هيمان صاديا] (٣). ومنه أيضا. ١٧٩٣ - إذ المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد (٤) أراد: فمطلبها عليه كهلا شديد. ومن ذلك قول الآخر: ١٧٩٤ - تسلّيت طرّا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتّى كأنكم عندي (٥) أراد: تسلّيت عنكم طرّا. وربّما قدّم الحال على صاحبه المجرور وعلى ما يتعلق به الجار، كقول الشاعر: ١٧٩٥ - غافلا تعرض المنيّة للمر ... ء فيدعى ولات حين إباء (٦) -

стр. 2254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: تعرض المنية للمرء غافلا، ومثله قول الآخر: ١٧٩٦ - مشغوفة بك قد شغفت وإنّما ... حمّ الفراق فما إليك سبيل (١) أراد: شغفت بك مشغوفة. وإذ قد بيّنت دلائل السماع مستوفاة، فلأبيّن ضعف شبه المنع: فمن ذلك: ادّعاء أنّ حقّ الحال إذا عدّي العامل لصاحبه بواسطة أن يعدّى إليه بتلك الواسطة، فيقال المدّعي ذلك: لا نسلم هذا الحق حتى يترتب عليه التزام التأخير تعويضا، بل حق الحال لشبهه بالظرف أن يستغني عن واسطة، على أنّ الحال أشدّ استغناء عن الواسطة، ولذلك يعمل فيها ما لا يعدّى بحرف جر كاسم الإشارة وحرف التنبيه والتشبيه والتمنّي. ومن شبه التزام التأخير: إجراء حال المجرور بحرف مجرى حال المجرور بإضافة فيقال لصاحب هذه الشبهة: المجرور بحرف كالأصل للمجرور بالإضافة، فلا يصح أن يحمل حال المجرور [بحرف] (٢) عليه لئلّا يكون الأصل تابعا والفرع متبوعا، وأيضا فالمضاف بمنزلة موصول، والمضاف إليه بمنزلة صلته، والحال منه بمنزلة جزء صلته، فوجب تأخيره كما يجب تأخير أجزاء الصلة، وحال المجرور بحرف لا يشبه جزء صلة، فأجيز تقديمه؛ إذ لا محذور في ذلك ومن الشبه: تشبيه باب «مررت بهند جالسة» بباب «زيد في الدار متكئا» وإلحاق أحدهما بالآخر، فيقال للمعتمد على هذا: بين البابين بون بعيد، وتفاوت شديد، فإنّ (جالسة) من قولنا: «مررت بهند جالسة» منصوب بـ (مررت) وهو فعل متصرف لا يفتقر في نصب الحال إلى واسطة، كما لا يفتقر إليها في نصب ظرف أو مفعول له أو مفعول مطلق، وحرف الجر الذي عدّاه لا عمل له إلا الجر، ولا جيء به إلّا لتعدية (مررت) والمجرور به بمنزلة منصوب فيتقدم حاله كما يتقدم حال المنصوب، ولكونه بمنزلة منصوب أجري في اختيار النصب «أزيدا مررت به» مجرى «أزيدا لقيته». وأمّا (متكئا) في المسألة الثانية فمنصوب بـ (في) لتضمنها معنى الاستقرار، وهي أيضا رافعة ضميرا عائدا على (زيد) وهو صاحب الحال، فلم يجز لنا أن نقدم -

стр. 2255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [متكئا] (١) على (في)؛ لأنّ العمل لها، وهي عامل ضعيف متضمن معنى الفعل دون حروفه، فمانع التقديم في نحو: «زيد في الدار متكئا» غير موجود في نحو «مررت بهند جالسة». وربّما قدّم الحال في نحو: «زيد في الدار متكئا» (٢). وأمّا إذا كان صاحب الحال منصوبا أو مرفوعا: فالبصريون يجيزون تقديم الحال عليه مطلقا نحو: «لقيت راكبة هندا» و «جاء مسرعا زيد». وأمّا الكوفيون فلهم تفصيل في ذلك (٣)، وهو أنّهم منعوا تقديم حال المنصوب عليه إذا كان ظاهرا، قالوا: لئلّا يتوهم كون الحال مفعولا وكون صاحبه بدلا، ولكون العلة هذه أجاز بعضهم التقديم إن كان الحال فعلا لزوال المحذور، وهو توهم المفعولية والبدلية، وإلى ذلك الإشارة بقوله: واستثنى بعضهم - أي: بعض الكوفيين - من حال المنصوب ما كان فعلا. وأما المرفوع فإن كان ضميرا جاز التقديم عليه كقوله تعالى: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ (٤). ومنه قول الشاعر: ١٧٩٧ - مزبدا يخطر ما لم يرني ... وإذا يخلو له الحمى رتع (٥) وإن كان ظاهرا لم يجز عندهم تقديم حاله. وبعض العلماء يزعم أنّ الكوفيين لا يمنعون تقديم حال المرفوع إذا كان الفعل متقدما نحو: «قام مسرعا زيد» وإنّما يمنعون تقديم حال إذا كان الفعل متأخرا، نحو: «مسرعا قام زيد» وهذا القول هو الذي أشار إليه المصنف في المتن بقوله: وفي المرفوع الظاهر المؤخر رافعه عن الحال ولم يذكر ذلك قيدا في المنصوب ولهذا قال: خلافا للكوفيين في المنصوب الظاهر مطلقا أي: قدّم عامله على الحال أو أخّر. -

стр. 2256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والصحيح: ما ذهب إليه البصريون لورود السماع بذلك، ولضعف العلة التي أبدوها، فإن (راكبة) من قولنا: «لقيت راكبة هندا» يتبادر الذهن إلى حاليته، فلا يلتفت إلى عارض توهم المفعولية (١). ومن شواهد تقديم الحال على المنصوب الظاهر قول الشاعر: ١٧٩٨ - وصلت ولم أصرم مسبين أسرتي ... وأعتبتهم حتّى يلاقوا ولائيا (٢) [٣/ ٧١] أراد: وصلت أسرتي مسبين (٣)، ومثله قول الحارث بن ظالم: ١٧٩٩ - وقطّع وصلها سيفي وإنّي ... فجعت بخالد طرّا كلابا (٤) ومن تقديم الحال عليه أيضا وهو فعل قول الشاعر: ١٨٠٠ - لن يراني حتى يرى صاحب لي ... أجتني سخطه يشيب الغرابا (٥) أراد: لن يراني صاحب أجتني سخطه حتى الغراب يشيب. ومن شواهد تقديم حال المرفوع الظاهر والفعل متقدّم قول الشاعر: ١٨٠١ - يطير فضاضا بينهم كلّ قونس ... وتتبعها منهم فراش الحواجب (٦) ومثله: -

стр. 2257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٨٠٢ - فسقى بلادك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمة تهمي (١) ومثله: ١٨٠٣ - ترحّل من أرض العراق مرقّش ... على طرب تهوي سراعا رواحله (٢) ومثله: ١٨٠٤ - فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر إلّا ليال قلائل (٣) ومن تقديمه والفعل متأخر قول العرب: «شتّى تؤوب الحلبة» (٤) أي: مفرّقين يرجع الحالبون. ومثله قول الشاعر: ١٨٠٥ - سريعا يهون الصّعب عند أولي النّهى ... إذا برجاء صادق قابلوا اليأسا (٥) وقد تقدّم الكلام على حال المجرور بإضافة بالنسبة إلى تقديمه على المضاف وعدمه، ولم يبيّن أي مضاف إليه يجيء الحال، وقد أشار إليه المصنف في آخر هذا الفصل بقوله: ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه إلا أن يكون المضاف جزأه أو كجزئه. وينبغي أن يعلم أولا: أنّ حقّ المجرور بالإضافة ألّا يكون صاحب حال كما لا يكون صاحب خبر؛ لأنّه مكمل للمضاف وواقع منه موقع التنوين، فإن كان المضاف بمعنى الفعل حسن جعل المضاف إليه صاحب حال نحو: «عرفت قيام زيد مسرعا وهو راكب الفرس عريان» وإلى هذين المثالين الإشارة بقوله: ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه؛ لأنه يعلم منه أنّ إضافة عامل الحال إلى صاحب الحال جائزة، وأنّ -

стр. 2258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إضافة ما ليس عاملا في الحال إلى صاحبه غير جائزة إلا إن كان المضاف جزءا من المضاف إليه أو كجزء من المضاف إليه كما تضمنه كلامه (١)، فأمّا إضافة عامل الحال إلى صاحبه: فقد تقدّم تمثيله ومنه أيضا قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً (٢). ومثله قول الشاعر: ١٨٠٦ - تقول ابنتي إنّ انطلاقك واحدا ... إلى الرّوع يوما تاركي لا أبا ليا (٣) ومثال ما المضاف فيه جزء من المضاف إليه قوله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً (٤)، ومثال ما هو فيه كجزء قوله تعالى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (٥) وإنما حسن جعل الذي أضيف إليه جزؤه أو كجزئه صاحب حال؛ لأنه قد يستغنى به عن المضاف، ألا ترى أنه لو قيل في الكلام: ونزعنا ما فيهم من غلّ إخوانا، واتبع إبراهيم حنيفا؛ لحسن، بخلاف الذي يضاف إليه ما ليس بمعنى الفعل، وما ليس جزءا ولا كجزء، فإنّه لا سبيل إلى جعله صاحب حال؛ لأنّه لو قلت: «ضربت غلام هند جالسة» أو نحو ذلك لم يجز بلا خلاف (٦). وقد ذكر ابن عصفور وغيره أنّ (إخونا) منصوب على المدح، وأنّ (حنيفا) حال من ملّة على تأولها بـ (دين). وهذا بناء منهم على أنّ الحال لا تكون من المضاف إليه، إلّا إن كان المضاف عاملا فيه رفعا أو نصبا من حيث المعنى، وهو رأي -

стр. 2259

[حكم تقديم الحال على عامله] قال ابن مالك: (فصل: يجوز تقديم الحال على عاملها إن كان فعلا متصرّفا، أو صفة تشبهه، ولم يكن نعتا ولا صلة لـ «أل» أو حرف مصدريّ، ولا مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ، ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم. ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرّف أو صلة لـ «أل» أو حرف مصدريّ، أو مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ، أو مقرونا بلام الابتداء أو القسم، أو جامدا ضمّن معنى مشتقّ، أو أفعل تفضيل، أو مفهم تشبيه. واغتفر توسيط ذي التّفضيل بين حالين غالبا. وقد يفعل ذلك بذي التّشبيه، فإن كان الجامد ظرفا أو حرف جرّ مسبوقا بمخبر عنه جاز على الأصحّ توسيط الحال بقوّة إن كانت ظرفا أو حرف جرّ، وبضعف إن كانت غير ذلك) (١). - الأكثرين (٢). والذي اختاره المصنف سهل قريب، لا محذور فيه، وهو الظاهر من الآيات الكريمة فيتعين المصير إليه. قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على تقديم الحال بالنسبة إلى صاحبه شرع في الكلام على التقديم بالنسبة إلى العامل في الحال. وكما انقسم التقديم على صاحب الحال إلى ثلاثة أقسام، كذلك انقسم التقديم على العامل إلى ثلاثة أيضا: قسم يجب فيه التقديم، وقسم يمتنع فيه ذلك، وقسم يجوز فيه الأمران، وقد ذكر المصنف قسمي الجائز والممتنع وأنا أشير إلى الأقسام الثلاثة، قسما قسما، مع مراعاة لفظ المصنف وترتيبه. القسم الأول: ما يجوز فيه الأمران، وهو إذا كان العامل فعلا متصرفا نحو: «أتيت مسرعا، وضربت اللصّ مكتوفا» أو صفة تشبه الفعل المتصرف تتضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفرعية؛ لأنها في قوة الفعل، ويستوي في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة، كقول الشاعر [٣/ ٧٢]: ١٨٠٧ - لهنّك سمح ذا يسار ومعدما ... كما قد ألفت الحلم مرضى ومغضبا (٣) -

стр. 2260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال المصنف: فلو قيل في الكلام: إنّك ذا يسار ومعدما سمح، لجاز؛ لأنّ (سمحا) عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل، لما تقدّم (١). وقال الشيخ جمال الدين بن عمرون في شرح المفصل: ذكر بعضهم تقديم الحال على الصفة المشبّهة، وهو سهو؛ لأنّ الصفة لا يتقدّم معمولها عليها (٢). ثم إنّه قد يعرض للعامل المذكور ما يمنع تقدم الحال عليه: وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولم يكن نعتا ... إلى قوله: ... ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم إلّا أنّ المصنف عدّ من جملة ذلك كون العامل مصدرا مقدّرا بحرف مصدري، ولم يدخل تحت قوله الأول (٣) ليخرجه كما أخرج المذكورات معه، والحكم صحيح، إلّا أنّ هذا ليس موضعه، وتقدير كلام المصنف: ولم يكن العامل نعتا، ولا كذا ... ولا مصدرا مقدرا بحرف مصدري، ومثاله: «يعجبني ضرب اللصّ مكتوفا» فلا يجوز يعجبني مكتوفا ضرب اللصّ. فمن الموانع: وقوع العامل نعتا كقولك: «مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها» فلا يجوز أن يقال: مررت برجل مكسورا سرجها ذاهبة فرسه. قال الشيخ: فعلى ما قرّره المصنف يمتنع في «مررت برجل مسرع ضاحكا»: مررت برجل ضاحكا مسرع، قال: وهذا وهم منه؛ لأنّ النحاة نصّوا على جواز تقديم معمول النعت عليه، من مفعول به وحال وظرف ومصدر ونحوها، وإنّما منعوا من تقديم المعمول (٤) على المنعوت، فيجوز في «مررت برجل يركب الفرس مسرجا»: مررت برجل مسرجا يركب الفرس، ولا يجوز: مررت مسرجا برجل يركب الفرس. -

стр. 2261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: وامتناع تقديم (مكسورا سرجها) ليس للذي ذكره، بل من حيث قدّم المضمر على مفسّره. انتهى (١). وفي كون هذه المسألة ممنوعة من جهة تقديم الضمير على مفسّره نظر؛ لأنّه وإن تقدّم عليه لفظا فهو مؤخر رتبة؛ لأنّ (مكسورا) حال من (فرسه) المرفوع بـ (ذاهبة) ورتبة صاحب الحال قبلها، فلم يتقدم الضمير إلّا على مفسّر مقدّم الرتبة وإن كان مؤخرا لفظا، وحينئذ يحصل الإشكال؛ لأنّ الشيخ سلم المنع في هذه الصورة وأسنده إلى شيء لم يثبت (٢)، والظاهر دعوى الجواز في المثال المذكور إذ لا مانع منه (٣)، فعلى هذه لا حاجة إلى الاحتراز بقوله: ولم يكن نعتا. ومن الموانع أيضا: وقوع العامل صلة لـ (أل) نحو: «أنت المصلي فذّا، أو أنا المعتكف صائما» أو لحرف مصدري، نحو: «لك أن تتنقل قاعدا» أو لاختصاص الحال بذلك، بل كل شيء يعلق بالعامل الواقع صلة لـ (أل) أو لحرف مصدري، حالا كان أو غير حال، ممتنع تقديمه عليه فلو كان العامل صلة لاسم غير (أل) لم يمتنع تقديم الحال عليه، كما لا يمتنع تقديم غيرها مثل قولك في «من الذي جاء مفاجئا»: من الذي مفاجئا جاء (٤). ومنها: كون العامل مقرونا بلام الابتداء، نحو: «لأصبر محتسبا»، ولام القسم نحو: «لأقومنّ طائعا». واعلم أنّ معمول مصحوب الأدوات التي تقدم ذكرها من حال أو غيره قد يمتنع -

стр. 2262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقديمه مطلقا، أي: على الأداة، وعلى مصحوبها، كالمصاحب لـ (أل) وقد يمتنع تقديمه على الأداة مع جواز تقديمه على مصحوبها كالمقرون بلام الابتداء والقسم، كما تقول: لمحتسبا أصبر، ولطائعا أقومنّ. وأما المصاحب بحرف مصدري فكالمصاحب لـ (أل) عند المصنف (١)، ولابن عصفور فيه تفصيل، وهو أنّه إن كان الحرف المصدري عاملا امتنع التقديم، وإن كان غير عامل جاز تقديمه على مصحوبه دونه، نحو: عجبت ممّا ماشيا يجيء زيد، والأصل: مما يجيء زيد ماشيا وهذا التفصيل المذكور بالنسبة إلى الأدوات المذكورة لم يتعرض له المصنف بل حكم بمنع التقديم على العامل من غير تفصيل (٢). القسم الثاني: ما يمتنع فيه التقديم، وليعلم أنّ الموجب لمنع التقديم أمران: أحدهما: يرجع إلى ذات العامل، والآخر: يرجع إلى أمر عارض له. والأول منحصر في خمسة أشياء: وهي كون العامل غير متصرف، أو مصدرا مقدرا بحرف مصدري، أو جامدا ضمّن معنى المشتق، أو أفعل التفضيل، أو مفهم تشبيه. وأمّا الأمر الآخر فمنحصر في ثلاثة: وهي الأمور التي أوردها المصنف في قسم الجائز، على أنّ عدمها شرط لجواز التقديم (٣)، ككون العامل صلة إمّا للألف واللام أو لحرف مصدري أو مقرونا بلام الابتداء أو مقرونا بلام القسم. وإلى تفصيل صور الأمرين معا أشار المصنف بقوله: ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف ... إلى آخره. وإنّما فصل المصنف في الذكر من الفعل غير المتصرف ومن الجامد وما بعده وكان من حقّه أن يذكره مقرونا بتلك الأمور من جهة أنّ المنع فيها يرجع إلى العامل نفسه؛ لأنّ المصنف أراد أن يجري على بعض الشروط التي تقدّم له ذكرها في قسم الجائز فذكرها مرتبة ثم أتبعها غيرها وقد علمت أنّ صور هذا القسم ثمان، وتقدم تمثيل المصدر المقدر بحرف مصدري والعامل الواقع صلة لـ (ال) أو لحرف مصدري والعامل المقرون بلام الابتداء، والمقرون بلام القسم. -

стр. 2263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما الفعل غير المتصرف فمثاله: «ما أنصرك مستنجدا» (١). وأما الجامد المضمّن معنى مشتق فإما أن يكون حرفا أو شبهه وسيذكران، وإما غيرهما، وذلك: أمّا، وحرف التنبيه والتمني [٣/ ٧٣] والترجي، واسم الإشارة، والاستفهام المقصود به التعظيم، والجنس المقصود به الكمال، والمشبّه به، هكذا أوردها المصنف من غير زيادة. وبسط الشيخ الكلام عليها (٢)، فنقلت كلامه ملخصا ممزوجا بكلام غيره: أمّا (أمّا): فمثّلها بقولهم: «أمّا علما فعالم، وأمّا صديقا فأنت صديق» وهو غير واضح؛ لأنّ العامل ليس (أمّا) (٣) وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة. وأمّا حرف التنبيه واسم الإشارة: فنحو: «هذا زيد قائما» وقد أجازوا أن يكون العامل (ها)؛ لأنه بمعنى: أنبّه، وأن يكون العامل (ذا)؛ لأنه بمعنى: أشير، فنصب قائما بأحدهما، وهو حال من (زيد) في اللفظ، وفي المعنى من الضمير في أنبّه عليه، أو أشير إليه، والمختار أن يكون العامل اسم الإشارة لقربه، وإذا تقرر هذا علم امتناع «قائما هذا زيد» لتقدمه عليهما، وأمّا «ها قائما ذا زيد» فجائز إن كان العامل حرف التنبيه، لا إن كان العامل اسم الإشارة هذا مذهب الجمهور (٤)، وهو جواز نسبة العمل إلى كل منهما. وذهب ابن أبي العافية إلى أنّ العامل اسم الإشارة ولا يجوز أن يكون حرف التنبيه، قال: لأنّ الحرف أتي به اختصارا واستغناء عن الفعل، فإعماله بما فيه من معنى الفعل تراجع عما اعترفوه من الاختصار (٥). ويقوّي ما ذهب إليه أنّ همزة الاستفهام وحرف الاستثناء وما النافية لا يعمل شيء منها في الحال. وذهب السهيلي إلى أنّ العامل ليس شيئا منهما، وإنّما العامل (انظر) مقدرا دلّ عليه اسم الإشارة، فإذا قلت: «هذا زيد قائما» فكأنك قلت: انظر إليه قائما، -

стр. 2264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنع تقديم الحال على شيء من أجزاء الجملة قال: لأنّ العامل المقدّر يشبه العامل المعنوي، واسم الإشارة هو الدّال عليه، فلم يجز التقديم (١). وقد ردّ مذهب السهيلي بأنه يلزم منه تقدير عامل لم يلفظ به قط، وأنّ الكلام يصير في تقدير جملتين، وظاهر الكلام أنه جملة واحدة وبأنه قد سمع التقديم على بعض أجزاء الجملة، وهو قد منعه، قال الشاعر: ١٨٠٨ - أترضى بأنّا لم تجفّ دماؤنا ... وهذا عروسا باليمامة خالد (٢) وعلى اسم الإشارة أيضا، قال الشاعر: ١٨٠٩ - ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له ... وطع فطاعة مهد نصحه رشد (٣) وفي هذا البيت الثاني ردّ على ابن أبي العافية فإنّه جعل اسم الإشارة عاملا، ولو كان عاملا لم يتقدم الحال عليه. وقال جمال الدين بن عمرون: قال السخاوي: إذا قلت: «هذا زيد قائما» إنما صحّ إذا كان المخاطب يعرف زيدا، ولا يجوز إذا أردت تعريف المخاطب بزيد؛ لأنّ معنى الكلام إذ ذاك: هذا زيد في حال قيامه دون حال قعوده، وذا محال فإذا كان المخاطب عرف زيدا كانت الفائدة في الحال، وإذا كان يجهله كانت في المعرفة به. وأما حرفا التمني والترجي (٤): فهما «ليت، ولعلّ» وذكر المصنف (كأنّ) أيضا في الكافية (٥)، فقال - بعد ذكر (تلك): كذلك ليت ولعل وكأنّ. فزاد التشبيه، وقد صرح بذكر الثلاثة صاحب المفصل (٦) أيضا، وذلك نحو: ليت زيدا مقيما عندنا، ولعلّه، وكأنّك. -

стр. 2265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الشيخ: الصحيح أنّ (ليت) و (لعلّ) وباقي الحروف لا تعمل في حال ولا في ظرف، ولا تتعلق بها حروف جرّ إلّا (كأنّ) وكاف التشبيه، قال النابغة: ١٨١٠ - كأنّه خارجا من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عند مفتأد (١) ويدلّ على ذلك أنك لو قلت: «ليت زيدا اليوم ذاهب غدا» ونحوه، لم يجز ذلك بإجماع. قال: وعلل الفارسي منع ذلك في «الحلبيات» بأنّها في دلالتها على المعاني قصد بها غاية الإيجاز، فالألف يغني عن أستفهم، و (ما) عن أنفي و (إنّ) عن أؤكد، فلو أعملت في الظرف والحال ومكنت تمكين الفعل لكان نقضا لما قصدوه. قال: وهذا التعليل هو الذي أشار إليه ابن أبي العافية في منع عمل حرف التنبيه. انتهى (٢). وقال جمال الدين بن عمرون: إن قيل: إنّ (ها) حرف فلم جاز أن يعمل في الحال، وكذا (يا) و (ليت) و (كأنّ) و (لعلّ) ولم يجز عمل ما في الحروف من معنى الفعل؛ لأنّ الحرف أتي به للاختصار ولذا لا تعمل همزة الاستفهام وحرف الاستثناء و (ما) النافية في الحال؟ نصّ عليه أبو علي في القصريات. قيل: إنّ (يا) نفس الفعل المعبّر عنه بـ (ناديت) و (ها) هي نفس الفعل المعبّر عنه بـ (نبّهت) وكذا (ليت) و (كأنّ) و (لعلّ) فلمّا كنّ نفس الفعل المعبر عنه بالفعل في (تمنّيت) و (شبّهت) و (ترجّيت) و (نبّهت) و (ناديت) صارت مشاهدتك الفعل دليلا على العبارة عنه، كما إذا رأيت من يضرب فتقول: زيدا، قامت مشاهدتك الفعل مقام لفظك بـ (اضرب) فلذا عملت بخلاف الهمزة في الاستفهام فليست المعبر عنه بـ (استفهمت)؛ لأن (استفهمت) عبارة عن طلب الفهم، فلو قال: افهم، لصحّ أن تقول: استفهم، فعلمت أنّ الهمزة في «أزيد -

стр. 2266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عندك؟» ليست المعبّر عنها بـ (استفهمت) وكذا حرف الاستثناء، فإن الاستثناء له حدّ، فالاستثناء عبارة عن المحدود بذلك، وكذا النفي ليس عبارة عمّا تحصل الفرق. انتهى. وفي كلامه (١) غموض، فليتأمله الواقف عليه، وفهم منه جواز إعمال (ليت) و (لعلّ) في الحال، كما أشار إليه المصنف. قال الشيخ: وكما فارقته [٣/ ٧٤] (كأنّ) وأخواتها فعملت في الظروف والحال فارقتها أيضا في وقوعها نعتا لنكرة، وحالا من معرفة وخبرا لـ (كان) وأخواتها. قال الشاعر: ١٨١١ - فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السمّ ناقع (٢) وأما الاستفهام المقصود به التعظيم فنحو قولهم: ١٨١٢ - يا جارتا ما أنت جاره (٣) فـ (جارة) منصوب على الحال، والعامل فيها (ما) الاستفهامية بما تضمنته من معنى التعظيم، فكأنه قال: ما أعظمك جارة. قال الشيخ: وهذا تفسير معنى. وتفسير الإعراب؛ أي: عظيمة أنت في حال كونك جارة (٤)، وهذا عجز بيت للأعشى، وصدره: ١٨١٣ - بانت لتحزننا عفاره وأجاز الفارسي أن تكون منصوبة على التمييز بدليل جواز دخول (من) عليه (٥)، كما قال الآخر: -

стр. 2267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٨١٤ - يا سيدا ما أنت من سيد (١) وقد ذكره في باب التمييز (٢)، وسيأتي. وجوّز بعضهم في (ما) أن تكون نافية تميمية أو حجازية، والنفي على وجهين: أحدهما: ما أنت جارة لبينونتك عنّا. الثاني: ما أنت جارة بل أعظم من ذلك كقوله تعالى: ما هذا بَشَراً (٣). وأمّا الجنس المقصود به الكمال: فنحو «أنت الرجل علما» وقد تقدّم الكلام عليه. وأمّا المشبّه به: فنحو: «هو زهير شعرا» وتقدّم الكلام عليه أيضا. ومقتضى كلام المصنف هنا أنّ العامل في الحال المشبّه به، ولهذا امتنع تقدّمها عليه، لكن قد تقدّم أنّ التقدير في ذلك: هو مثل زهير في حال شعر، وحينئذ لا يكون العامل المشبّه به، بل (مثل) المحذوفة، ويكون امتناع تقديم الحال من جهة أنّ العامل صفة لا تشبه الفعل المتصرف، وقد تقدّم استثناؤه، اللهمّ إلّا أن يلغى المحذوف، ويجعل الأول الثاني مجازا للمبالغة فتصحّ نسبة العمل إلى المشبّه به، ولعلّ ذلك مراد المصنف. وأمّا أفعل التفضيل: فنحو: «هو أكفأهم ناصرا» وكان حق أفعل التفضيل أن يجعل له مزيّة على الجوامد المتضمّنة معنى الفعل؛ لأنّ فيه ما فيهنّ من معنى الفعل، ويفوقهنّ بتضمن حروف الفعل ووزنه، ومشابهة أبنية المبالغة في اقتضاء زيادة المعنى وفيه من الضعف - لعدم قبول علامة التأنيث والتثنية والجمع - ما اقتضى انحطاطه عن درجة اسم الفاعل والصفة المشبّهة فجعل موافقا للجوامد إذا لم يتوسط بين حالين كالمثال المتقدم، وجعل موافقا للصفة المشبّهة إذا توسط نحو: «تمرنا بسرا أطيب منه رطبا» (٤) وسيأتي الكلام عليه. -

стр. 2268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما مفهم التشبيه: فنحو: «زيد مثلك شجاعا، وليس مثلك جوادا». وكذا إذا حذف (مثل) وضمّن المشبّه به معناه كقولك: «زيد زهير شعرا» و «أبو يوسف أبو حنيفة فقها» ومنه: ١٨١٥ - فإنّي اللّيث مرهوبا حماه ... وعيدي زاجر دون افتراس (١) هكذا ذكره المصنف، وقد يقال: إذا ذكرت (مثل) فالمانع من التقديم كون العامل صفة لا تشبه الفعل المتصرّف، لا كونه أفهم التشبيه وإن اتفق أنّه كذلك إذا لم تذكر (مثل)؛ لأنّها مراده، ومع ذلك فقد فهم هذا الحكم من قوله أولا عند تعديد أقسام الجامد المضمّن معنى مشتق: والمشبّه به، ومثّله بنحو: «زهير شعرا» فلا فائدة إذا لقوله: أو مفهم تشبيه. وأمّا الظرف وشبهه: فنحو: «زيد عندك مقيما، وعمرو في الدار قائما» وفي تقديم الحال على العامل هنا خلاف: مذهب سيبويه: المنع مطلقا، أي: صريحة كانت الحال أو غير صريحة (٢). ومذهب الأخفش والكسائي والفراء: الجواز مطلقا (٣). والمذهب الثالث، ونسبه الشيخ إلى ابن برهان: التفصيل بين أن يكون الحال ظرفا أو شبهه فيصح التقديم، أو غير ذلك فيمتنع (٤). والخلاف المذكور جار فيما إذا تقدّمت الحال على عاملها المذكور فقط دون المسند إليه نحو: «زيد قائما عندك، أو في الدار» أمّا إذا تقدّمت عليهما فهي ممتنعة بلا خلاف نحو: «قائما زيد في الدار» (٥)؛ ولهذا قال المصنف: مسبوقا بمخبر عنه فجعل السبق قيدا في الجواز. -

стр. 2269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومستند سيبويه: أنّ العامل معنوي فلا يقوى في تقدّم معموله عليه وإذا منعوا أن يتقدم معمول الفعل غير المتصرّف فمعمول المعنى أحرى بالمنع. واستدلّ الأخفش ومن وافقه بقراءة بعض السلف: والسماوات مطويات بيمينه (١)، وبقول ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متواريا بمكة (٢). وبقول الشاعر: ١٨١٦ - بنا عاذ عوف وهو بادئ ذلّة ... لديكم فلم يعدم ولاء ولا نصرا (٣) وبقول النابغة: ١٨١٧ - رهط ابن كوز محقبي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة بن حذار (٤) وبقول الآخر أنشده الفارسي: ١٨١٨ - أبنو كليب في الفخار كدارم ... أم هل أبوك مدعدعا كعقال (٥) -

стр. 2270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبقول الآخر: ١٨١٩ - ونحن منعنا البحر أن تشربوا به ... وقد كان منكم ماؤه بمكان (١) وقد تأوّل المانع ذلك كله بما يقرب تأويله وما يبعد، واختار المصنف جواز التقديم، غير أنّه جعله قويّا إن كانت الحال ظرفا أو شبهه، وضعيفا إن كانت غير ذلك، فقال: ويضعف [٣/ ٧٥] القياس على الصريحة لضعف العامل وظهور العمل ... ولا يضعف القياس على تقديم غير الصريحة لشبه الحال فيه بخبر (إنّ) إذا كان ظرفا، فكما استحسن القياس على «إنّ عندك زيدا» لكون الخبر (٢) فيه بلفظ الظرف الملغى، ولتوسعهم في الظروف بما لا يتوسع في غيرها بمثله كذا يستحسن القياس على: وقد كان منكم ماؤه بمكان انتهى (٣). ولا يظهر لي أنّ قول الشاعر: «وقد كان منكم ماؤه بمكان» مما نحن بصدده؛ لأنّ «منكم» المحكوم بحاليته قد تقدم على العامل المعنوي وعلى المخبر عنه معا، وقد تقدّم أنّ من شرط الجواز ألّا يتقدم على المخبر عنه، وإنّما يحسن الاستشهاد بقول الآخر: ١٨٢٠ - فقلت له لمّا تكشّر ضاحكا ... وقائم سيفي من يدي بمكان (٤) أي: وقائم سيفي كائنا من يدي بمكان. ثم قال المصنف (٥): ولا يجري مجرى العامل الظرفي غيره من العوامل المعنوية -

стр. 2271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ باتفاق؛ لأنّ في العامل الظرفي ما ليس في غيره من كون الفعل الذي ضمّن معناه في حكم المنطوق به، لصلاحية أن يجمع بينه وبين الظرف دون استقباح بخلاف غيره فإنه لازم التضمّن غير صالح للجمع بينه وبين [لفظ] (١) ما تضمّن معناه، فلهذا اختص العامل الظرفي بجواز (٢) تقديم الحال عليه دون غيره من العوامل المعنوية. وأجاز الأخفش أيضا في الجملة الحالية المقرونة بالواو إذا كان العامل ظرفا ما أجاز في غيرها، فاستحسن أن يقال: «زيد وماله كثير في البصرة» (٣). القسم الثالث: ما يجب فيه تقديم الحال على عاملها وهو الذي لم يتعرض إليه المصنف، وذلك إذا كان الحال اسم استفهام نحو: «كيف جاء زيد؟ وكيف كلّمت عمرا؟» (٤). ولنرجع إلى الكلام على أفعل التفضيل إذا توسط بين حالين: وذلك قولك: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهذا المثال هو كالعلم على هذه المسألة، وقد اختلف في ذلك؛ فقيل: العامل في (بسرا) اسم الإشارة. وقيل: حرف التنبيه. والعامل في (رطبا) (أطيب) على القولين. وقيل: العامل فيهما (كان) التامة، أي: هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان رطبا. وقيل: العامل (كان) الناقصة، فـ (بسرا) خبر لها، وكذا (رطبا). فعلى الأقوال الثلاثة الأول لم يتقدم الحال على عاملها المعنوي ولا غيره، وعلى القول الرابع ليس في المسألة حال. وقيل: العامل فيهما معا أفعل التفضيل (٥)، وهو (أطيب) وإياه قصد المصنف (٦). أمّا القول الأول؛ فنسب إلى جماعة منهم الفارسي في أحد قوليه وقد ضعف من وجوه: أحدها: أنّهم متفقون على جواز «زيد قائما أحسن منه قاعدا وتمر نخلتنا بسرا -

стр. 2272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أطيب منه رطبا» ولا إشارة، والمعنى في الصورة واحد. الثاني: لو كان العامل (هذا) لوجب أن يكون في حال الخبر عنه بسرا؛ لأنه حال من المشار إليه، ولا شك في أنه يجوز أن يكون على غير ذلك بدليل قولك له وهو رطب أو تمر: «هذا بسرا أطيب منه رطبا». الثالث: لو كان العامل (هذا) لوجب أن يكون الخبر عن الذات مطلقا؛ لأنّ تقييد المشار إليه باعتبار الإشارة لا يوجب تقييد الخبر بدليل قولك: «هذا قائما» أي: وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون الخبر بـ (أطيب) وقع عن المشار مطلقا فكأنك قلت: «هذا أطيب منه رطبا» إذ وجود الحال وعدمها - إذا كان العامل الإشارة باعتبار الخبر - على السواء، وإذا كان كذلك فسد المعنى؛ لأنّك فضّلت شيئا على نفسه من غير تقييد له فحصل به الأفضلية. وما أبطل به عمل اسم الإشارة يبطل ببعضه عمل حرف التنبيه. وأما القول الثالث؛ فنسب إلى سيبويه، وهو ظاهر كلامه، فإنه قال - بعد تمثيله بـ «هذا بسرا أطيب منه رطبا» -: فإن شئت جعلته حينا قد مضى نحو: إذ كان .. ، وإن شئت جعلته مستقبلا نحو: إذا كان ... وإنما قال الناس: هذا منصوب على إضمار (إذا كان) فيما يستقبل، و (إذا كان) فيما مضى؛ لأنّ هذا لمّا كان ذا معناه أشبه عندهم أن ينتصب على إذ كان وإذا كان. انتهى (١). وعلى ذلك حمل السيرافي كلام سيبويه (٢) وأعمل في الظرفين (أطيب)؛ لأنّه بمعنى فعل ومصدر، ومعناه يريد طيبه، فجاز أن يعمل فيهما، وهذا التقدير المذكور إنّما يتّجه إذا كانت الإشارة إليه في غير حال كونه بسرا، فإن أشير إليه وهو تمر قدّر (إذ كان) أمّا إذا أشير إليه وهو بسر فلا يصح تقدير (إذ كان) ولا (إذا كان) وقد بطل أن يكون العامل اسم الإشارة فينبغي أن يكون العامل (أطيب) وإذا صحّ -

стр. 2273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عمل (أطيب) في صورة أمكن عمله في بقية الصور، فرجح اختيار المصنف على هذا، وسيأتي. وأما القول الرابع؛ وهو أنّ (بسرا) و (رطبا) خبران لـ (كان) الناقصة، فقد ذكره ابن عصفور (١) وهو مخالف لنصّ الجمهور على الحالية. وأما القول الخامس: وهو أنّ العامل فيهما أفعل التفضيل فهو مختار جماعة منهم المصنف (٢)، والحال الأولى من الضمير في (أطيب) والثانية من الضمير المجرور بـ (من) وجاز عمل أفعل التفضيل في حالين للعلة التي جاز لها عمله في ظرفين فإنّ لـ (أطيب) جهتين؛ لأنّ معناه: زاد طيبه، فعمل في (بسرا) باعتبار (زاد) وعمل في (رطبا) باعتبار الطيب. قال المصنف - فور ذكر كلام سيبويه المتقدم -: فهذا نصّ منه على أنّ تقدير (كان) لم تدع إليه [٣/ ٧٦] حاجة من قبل العمل، بل من قبيل تقريب المعنى، والعامل إنّما هو أفعل، وقد تقدّم دليل ذلك (٣). ثم قال: وغير السيرافي من الشارحين للكتاب مخالفون للسيرافي ذاهبون إلى ما ذهبت إليه (٤). ثم قال: قال أبو علي في التذكرة: «مررت برجل خير ما تكون خير منك» وصحح أبو الفتح قول أبي علي في ذلك. وقال أبو الحسن بن كيسان: تقول: «زيد قائما أحسن منه قاعدا» والمراد: يزيد حسنه في قيامه على حسنه في قعوده، فلما وقع التفضيل في شيء على شيء وضع كل واحد منهما في الموضع الذي يدل فيه على الزيادة ولم يجمع بينهما. ومثل هذا أن تقول: «حمل نخلتنا بسرا أطيب منه رطبا». انتهى (٥). ولنعلم أنّ أفعل التفضيل المتوسط بين حالين لا يتعين كونه خبرا لمبتدأ، بل قد يقع صفة نحو: «مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون» وقد يقع حالا -

стр. 2274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نحو: «مررت بزيد أصلح ما يكون أصلح منك أصلح ما تكون». وقال ابن عصفور - في شرح الإيضاح (١) -: اعلم أن نصب الاسمين لا يجوز إلّا في ثلاثة أماكن: أحدها: أن يكون للشيء انتقالان لصحتهما صفة، تلك الصفة أقوى بالنظر إلى أحدهما منها بالنظر إلى الآخر، وذلك نحو: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهذا مائحا أقوى منه راعيا. والآخر: أن يكون الشيء الواحد يعتوره صفتان، وتلك الصفتان لصحتهما صفة هي في أحدهما أكثر منها في الأخرى أو أقل وذلك نحو قولك: «زيد قاعدا أخطب منه قائما، وزيد فارسا أقل مضاء منه راجلا». والآخر: أن يشترك شيئان في صفة واحدة وتلك الصفة لأحدهما في حال من أحواله أكثر منها للآخر في حال من أحواله أو أقل، وذلك نحو قولك: زيد راجلا أمضى من عمرو فارسا، وزيد فارسا أمضى من عمرو فارسا، وزيد فارسا أقل مضاء من عمرو راجلا» وما عدا ذلك لا يجوز فيه نصب الاسمين بل رفعهما وذلك إذا اشترك الشيئان في صفة واحدة هي لأحدهما أكثر منها للآخر على كلّ حال، وذلك قولهم: «هذا بسر أطيب منه عنب» فـ (بسر) خبر (هذا) و (أطيب) مبتدأ و (عنب) خبره، والجملة في موضع الصفة لـ (بسر) ويجوز أن يكون (أطيب) خبرا مقدما و (عنب) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة لعمومها. انتهى. وقال ابن عصفور - في الشرح أيضا -: وزعم الزجاج أنّ السبب في أن لم تقدّم الحالان فيقال: «هذا بسرا رطبا أطيب منه» أو يؤخّرا فيقال: «هذا أطيب منه بسرا رطبا» أنّهم أرادوا أن يفصلوا بين المفضّل والمفضّل عليه، لئلّا يقع الإلباس بينهما. وهذا التعليل حسن إلّا أنه لا مانع عندي (٢) من أن يقال: «هذا أطيب بسرا منه رطبا» على أن يكون بسرا حالا من الضمير المستتر في (أطيب) و (رطبا) حال -

стр. 2275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من الضمير المجرور بـ (من)؛ لأنّ تقدّم إحدى الحالين على (من) وتأخر الأخرى عنها فاصل بين المفضّل والمفضّل عليه؛ إذ لا يكون بعد (من) إلا المفضول. انتهى. ولم يذكر المصنف في الشرح ما احترز عنه بـ (غالبا) في قوله: واغتفر توسيط ذي التفضيل بين حالين غالبا. ويحتمل أنّ في غير الغالب قد يقدّم الحالان أو يؤخران، لكن قد علمت من كلام الزجاج أن تقديمهما وتأخيرهما غير جائز لعدم السماع، إلا أنّ ابن عصفور أجاز تأخيرهما بالشرط الذي تقدم ذكره، فيمكن صرف غير الغالب في كلام المصنف إلى ذلك. والله تعالى أعلم. وقول المصنف: وقد يفعل ذلك بذي التشبيه أي: يتوسط بين حالين فيعمل في أحدهما متقدّما وفي الآخر متأخرا كأفعل التفضيل وأنشد المصنف شاهدا على ذلك: ١٨٢١ - أنا فذّا كهم جميعا فإن أم ... دد أبدهم ولات حين بقاء (١) وأنشد أيضا: ١٨٢٢ - تعيّرنا أنّنا عالة ... ونحن صعاليك أنتم ملوكا (٢) قال: أراد ونحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف (مثلا) وأقام المضاف إليه مقامه مضمنا معناه، وأعمله بما فيه من معنى التشبيه (٣). ومراد المصنف بقوله: وقد يفعل ذلك (٤) أنّه إذا عمل في حالين جاز تقديم أحدهما وتأخير الأخرى كما كان ذلك مع أفعل التفضيل وإلى هذا أشار بقوله: ذلك فلا يرد عليه ما ناقشه الشيخ (٥). -

стр. 2276

[مسألتان بين الحالية والخبرية] قال ابن مالك: (ولا تلزم الحاليّة في نحو: «فيها زيد قائما فيها» بل تترجّح على الخبريّة، وتلزم هي في نحو: «فيك زيد راغب» خلافا للكوفيين في المسألتين). ــ وقال الشيخ: وما ذهب إليه المصنف من أنّ أداة التشبيه تعمل في حالين، تتقدّم إحداهما عليها، وكذلك الضمير لقيامه مقام الأداة لا يصحّ؛ لأنها ليست كأفعل التفضيل، فإنه ناب مناب عاملين، وأداة التشبيه ليست كذلك، ولأنّ تقديم الحال على أداة التشبيه غير جائز، ولأنّ إعمال الضمير لا يجوز فالصحيح أن ينتصب (فذّا) و (صعاليك) على إضمار (إذا كان) كأنّه قال: أنا إذا كنت فذّا لهم جميعا، ونحن إذا كنّا صعاليك (١). انتهى وفي بعض كلامه نظر. قال ناظر الجيش: إذا وجد اسم مخبر عنه مع ظرف أو جار ومجرور وقد صحبهما اسم آخر فقد [٣/ ٧٧] يحسن السكوت على المخبر عنه مع الظرف أو المجرور - أي: تتم بهما الفائدة - وقد لا يحسن - أي: لا تتم الفائدة بهما - فهاتان مسألتان: أما الأولى فلها ثلاث صور: إحداها: أن لا يتكرر الظرف ولا المجرور ولا المخبر عنه. الثانية: أن يتكرر أحدهما دون المخبر عنه. الثالثة: أن يتكرر أحدهما والمخبر عنه. أما الصورة الأولى: فيجوز فيها جعل ذلك الاسم المصاحب المخبر عنه والظرف -

стр. 2277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خبرا، وحالا بلا خلاف نحو: «في الدار زيد قائم وقائما» فمع النصب يتعين الظرف للخبرية، ومع الرفع جاز كونه خبرا عند من يرى جواز تعدد الخبر، وجاز كونه في محل نصب متعلقا بذلك الاسم الواقع خبرا، وظاهر كلام سيبويه (١) حمله على الثاني؛ لأنه [كما] (٢) قال الشيخ: إن قدمت الظرف في هذه الصورة على المخبر عنه كان النصب في الاسم الثالث مختارا عند سيبويه، نحو: «في الدار زيد قائما» لئلا يلغى الظرف متقدما، وإن أخرته عن المخبر عنه كان الرفع هو المختار عنده (٣). قال: وقال أبو العباس: التقديم والتأخير في هذا واحد (٤). انتهى (٥). وكأنّ أبا العباس يسوّى بين النصب والرفع، قدّم الظرف أو أخّر. وأمّا الصورة الثانية (٦): وهي التي أشار إليها المصنف في شرح (٧) الكتاب فيجوز فيها الوجهان أيضا، ويحكم برجحان النصب لنزول القرآن العزيز به، كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها (٨) وكقوله تعالى: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها (٩). وادّعى الكوفيون أنّ النصب في مثل هذا لازم؛ لأنّ القرآن نزل به لا بالرفع (١٠). والجواب: أنّ هذا لا يدلّ على أنّ الرفع لا يجوز، بل يدلّ على أنّ النصب -

стр. 2278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أجود منه (١). ولا فرق في اختيار النصب هنا بين أن يتأخر الظرف عن الاسم كما في الآيتين الكريمتين أو يتقدّم على الاسم نحو: «في الدار زيد قائما فيها». وأما الصورة الثالثة: فهي كالصورة الثانية في جواز الوجهين لكن الرفع راجح فيها على النصب لنزول القرآن العزيز به كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢). وأما المسألة الثانية: وهي أن يكون الظرف أو حرف الجر فيها غير مستغنى به فيتعين جعل الاسم المصاحب فيها خبرا، وأشار المصنف إلى ذلك بقوله: وتلزم هي ... إلى آخره؛ أي: الخبرية وسواء تكرر الظرف نحو: «فيك زيد راغب فيك» أو لم يتكرر نحو: «فيك زيد راغب» وأجاز الكوفيون نصب «راغب» وشبهه على الحال (٣)، وأنشدوا: ١٨٢٣ - فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها ... أخاك مصاب القلب جمّا بلابله (٤) قال المصنف: والرواية المشهورة: «مصاب القلب جمّ» بالرفع، على أنّا لا نمنع رواية النصب، بل نجوّزها على أن يكون التقدير: فإنّ بحبّها أخاك شغف أو فتن، فإنّ ذكر الباء داخلة على الحب يدلّ على معنى شغف أو فتن، كما أنّ ذكر (في) داخلة على زمان أو مكان يدلّ على معنى استقرّ، وليس كذلك ذكر (في) داخلة على الكاف كقولك: «فيك زيد راغب» فلا يلزم من جواز نصب «مصاب القلب جمّا» الحكم بجواز نصب (راغب) ونحوه (٥). وقد علمت من هذا معنى قول المصنف: خلافا للكوفيين في المسألتين يعني أنّهم يوجبون الحالية في المسألة الأولى، ويجوزونها في المسألة الثانية.

стр. 2279

[تعدد الحال] قال ابن مالك: (فصل: يجوز اتّحاد عامل الحال مع تعدّدها واتّحاد صاحبها أو تعدّده بجمع وتفريق، ولا تكون لغير الأقرب إلّا لمانع وإفرادها بعد «إمّا» ممنوع، وبعد «لا» نادر). قال ناظر الجيش: إذا اتحد عامل الحال فقد تتعدد هي، وصاحبها واحد، وقد تتعدد لتعدد صاحبها، وحينئذ إما أن يمكن جمعها فتجمع، أو لا يمكن فتفرق، وعلى التقديرين قد يتفق إعراب صاحبها المتعدد وقد يختلف، وإذا أتي بها متفرقة جاز أن يلي كل حال صاحبها، وجاز أن يتأخر الحالان عن صاحبيهما فمثال تعدد الحال وصاحبها غير متعدد «جاء زيد مسرعا ضاحكا» وفي جواز تعدّدها مع اتحاد صاحبها خلاف: منع ذلك قوم (١) وأجازه آخرون. قال المصنف (٢): قد تقدّم أنّ للحال شبها بالخبر وشبها بالنعت فكما جاز أن يكون للمبتدإ الواحد والمنعوت الواحد خبران فصاعدا ونعتان فصاعدا فكذلك يجوز أن يكون للاسم الواحد حالان فصاعدا، فيقال: جاء زيد راكبا مفارقا عامرا مصاحبا عمرا» كما يقال في الأخبار: «زيد راكب مفارق عامرا (٣) مصاحب عمرا» وفي النعت «مررت برجل راكب مفارق زيدا مصاحب عمرا» وزعم ابن عصفور أنّ فعلا واحدا لا ينصب أكثر من حال واحد لصاحب واحد قياسا على الظرف، وقال: كما لا يقال: «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» كذا لا يقال: «جاء زيد ضاحكا مسرعا» واستثنى الحال المنصوب بأفعل التفضيل، نحو: «زيد راكبا أحسن منه ماشيا» قال: فجاز هذا كما جاز في الظرف «زيد اليوم أفضل منه غدا، وزيد خلفك أسرع منه أمامك». ثم قال: وصحّ ذلك في أفعل التفضيل؛ لأنه قام مقام فعلين، ألا ترى أنّ معنى قولك: «زيد اليوم أفضل منه غدا»: زيد يزيد فضله اليوم على فضله غدا (٤). قلت: تنظير ابن عصفور «جاء زيد ضاحكا مسرعا» بـ «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» لا يليق بفضله، ولا يقبل من مثله؛ لأنّ وقوع قيام واحد في يوم الخميس -

стр. 2280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويوم الجمعة محال، ووقوع مجيء واحد في حال ضحك وحال إسراع غير محال [٣/ ٧٨]، وإنّما نظير «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» «جاء زيد ضاحكا باكيا»؛ لأنّ وقوع مجيء واحد في حال ضحك وحال بكاء محال، كما أنّ وقوع قيام واحد في يوم الخميس ويوم الجمعة محال ولكن المشرفي قد ينبو واللاحقي قد يكبو، على أنه يجوز أن يقال: «جاء زيد ضاحكا باكيا» إذا قصد أن بعض مجيئه في حال ضحك وبعضه في حال بكاء. انتهى (١). وقال جمال الدين بن عمرون: يجوز أن يكون للاسم الواحد حالتان وأكثر مما يجوز اجتماعه نحو «قام زيد ضاحكا متحدثا» فإن لم يمكن اجتماعهما وصحّ أن يسبك منهما حال واحدة جاز كقولنا: «هذا الطعام حلوا حامضا» أي: مزّا، كما جاز في الخبر. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز، واحتجّ بأنّ الحال كالظرف والفعل إذا أعمل في ظرف لم يجز أن يعمل آخر من جنسه لاستحالة وقوع الفعل الواحد في زمانين أو مكانين، وإذا قلنا «هذا زيد ضاحكا جالسا» فالأولى عاملة في الثانية (٢). والصحيح الأوّل؛ لأنّ امتناعه في الظرفين لاستحالة المعنى، وذا مفقود في الحال فحصل الفرق وجاز تعدد الحال كالخبر والصفة. وتخريجه مثل «هذا زيد ضاحكا جالسا» على أنّ الأولى عاملة في الثانية ليس بشيء؛ لأنّ من الحال ما لا يصح أن يعمل نحو: «هذا زيد أسدا فارسا» ولا يصحّ فيه الصفة، ولأنّ قولنا: «مررت بزيد وجهه حسن جالسا» لا يكون (جالسا) صفة؛ لأنّ الجملة لا توصف، ولا يصح أن يكون معمولا لها. انتهى (٣). وهو يعضد دعوى المصنف وبحثه واستدلاله، وفي منعه أن يكون (فارسا) -
следующие страницы →