. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثانيها: قول العرب: إخوتك نعم رجالا، فيقدمون اسم الممدوح على (نعم) ولا يضمرون فيها ضميرا عائدا عليه، فكنت تقول: إخوتك نعموا رجالا ولو كان فاعلا حال تأخره لم يكن بدّ من تحمّل (نعم) ضميرا عائدا عليه وإذا انتفى كون الاسم المرفوع فاعلا تعين كون الفاعل ضميرا مستترا.
ثالثها: قول العرب: نعم رجلا أنت، فيفصلون الضمير، ولو كان فاعلا بـ (نعم) لزم اتصاله (١).
البحث السادس:
ذكر ابن عصفور أنّ النكرة التي يفسرها الضمير - في هذا الباب - يشترط فيها ثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون مبنية للنوع، الذي قصد فيه المدح أو الذمّ، نحو: نعم رجلا زيد، ونعم فارسا عمرو، ولو قلت: نعم غيرك زيد، لم يجز؛ لأنّ (غير) لا تبيّن النوع الذي قصدت أن تمدح زيدا فيه.
ثانيها: أن تكون عامة، فلو قلت: نعم شمسا هذه الشمس، ونعم قمرا هذا القمر، لم يجز؛ لأنّ (شمسا)، و (قمرا)، مفردان في الوجود، ولو قلت: نعم شمسا شمس هذا اليوم ونعم قمرا قمر هذه الليلة؛ جاز ذلك.
ثالثها: ألّا يراد بتلك النكرة معنى المفاضلة، نحو: أفضل من زيد، وأفضل رجل؛ لأن فيها معنى مدح معلوم مقداره، فلو قلت: نعم أفضل من زيد أنت، ونعم أفضل رجل أنت، لم يزد فيه (نعم شيئا) لم يكن قبل دخولها. انتهى (٢).
أمّا امتناع كون النكرة المميزة لهذا الضمير المستتر تكون كلمة (غير) و (أفعل من) فقد نبّه المصنف عليه باشتراط قبولها (ال) -، حيث ذكر الضمير فقال مفسرا بتمييز موجز، مطابق، قابل (ال). وقال في الشرح: ونبهت بذلك على -
стр. 2522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنه لا يجوز أن تكون بلفظ (مثل) ولا (غير) ولا (أي) ولا (أفعل من) وعلل ذلك بأنّه خلف عن فاعل، مقرون بالألف واللام، قال: فاشترط صلاحيته لها وكل ما ذكرته آنفا لا يصلح لها فلم يجز أن يخلف مقرونا بهما، وأما امتناع نحو:
نعم شمسا هذه الشمس فظاهر لا يحتاج إلى التنبيه عليه؛ لأنّ الضمير الذي هو فاعل لا دلالة له على الجنس، ومن شرط الفاعل في هذا - مظهرا أو مضمرا - أن يكون مرادا به الجنس كما تقدم (١).
البحث السابع:
قد تقدم قول المصنف عند ذكر المميز المفسر للضمير المستتر في (نعم) وقلت:
غالبا - بعد التقييد بـ: لازم - احترازا من حذف المميز، في قول النبيّ ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت» (٢) أي: فبالسنة أتى، ونعمت السنة سنة، فأضمر الفاعل، على شريطة التفسير، وحذف المميز، للعلم به، وهو تقرير صحيح.
ولو أتمّ الكلام بأن قال: والمخصوص للعلم بهما، بعد قوله: وحذف المميز - لكان أولى؛ لأنّ الواقع كذلك، ولما ذكر ابن عصفور المسألة قال: ومن كلامهم:
إن فعلت كذا وكذا فبها ونعمت، أي: فنعمت فعلة فعلتك، بحذف التمييز، واسم الممدوح (٣). انتهى، وأشار إلى حذف المخصوص وقدم - في التفسير - ذكر المميز فكان كلامه أتمّ من كلام المصنف.
واعلم أنّ سيبويه قد نصّ على وجوب ذكر هذا التمييز ولزومه، فبعد أن ذكر: نعم رجلا عبد الله، وبعد أن قال: ومثله: ربّه رجلا، قال: ولا يجوز لك أن تقول:
نعم، ولا: ربّه، وتسكت؛ لأنهم إنّما بدأوا بالإضمار على شريطة التفسير، وإنما هو إضمار مقدم، قبل الاسم، والإضمار الذي يجوز السكوت عليه إضمار بعد ما ذكر الاسم مظهرا، فالذي تقدّم من الإضمار لازم له التفسير حتى يبينه (٤). انتهى. -
стр. 2523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يرد على سيبويه بما ورد في الحديث، فإنّه إنّما قال: على شريطة التفسير، ولا شكّ أنّ الوارد في الحديث فيه الدلالة على المفسر، فكان في حكم المذكور.
البحث الثامن:
إذا كان مفسّر الضمير المستتر - في هذا الباب - مؤنثا نحو قولك: نعم امرأة هند، وبئس امرأة فلانة - اختلفت أقوال النحاة المتأخرين، في لحاق الفعل تاء التأنيث، فقال ابن أبي الربيع: إنها لا تلحق. قال: فلا يقال: نعمت امرأة هند، وإنمّا يقال: نعم امرأة هند، استغنوا بتأنيث المفسّر (١) وما ورد في الحديث الشريف، من قول النبيّ ﷺ : «فبها ونعمت» يردّ ما قاله، وكان منهم من أوجب لحاق التاء، ومنهم من أجاز الأمرين، وهذا هو الظاهر، وتقدم تمثيل المصنف - عند ذكر مسألة الضمير - بنحو: نعمت امرأتين الهندان، بإثبات التاء، وكأنّ الشيخ فهم - من كونه مثّل بذلك - وجوب لحاق التاء، وتبعد إرادة المصنف ذلك، وبعد فقد ذكروا أنّ المراد بالضمير الجنس، كما أنّ المراد بالفاعل الظاهر الجنس، ولا شكّ أنّ اللحاق جائز مع الاسم الظاهر، غير واجب فليكن حكم المضمر - حيث كان مرادا به الجنس - حكم الظاهر.
البحث التاسع:
قد عرفت أنّ مذهب أبي العبّاس جواز الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر وأنّ المصنف صحّح مذهبه، مستدلّا عليه بما تقدّم ذكره من الشّواهد (٢)، ولا شكّ أنّه لا يعقل معنى التمييز، في نحو: نعم الرجل رجلا، إذا لم يكن في الكلام شيء مبهم مفتقر إلى تمييز. وأما قول المصنف: إنّ هذا الاعتبار يلزم منه التمييز في كلّ ما لا إبهام فيه، كقولك: لي من الدراهم عشرون درهما، ومثل هذا جائز بلا خلاف، إلى آخر ما ذكره. -
стр. 2524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالجواب عنه أنّه يقال: نعم التمييز يمتنع في كلّ ما لا إبهام [٣/ ١٠١] فيه ولا دليل في الآيات الشريفة (١) على ما ذكره؛ لأنّ أسماء العدد مبهمة في أصل وضعها، فهي محتاجة إلى التمييز من الأصل، فإذا انطوى الكلام الذي هي فيه على ما يدلّ على المراد بها، ثم ذكر التمييز كان ذكره بعدها منصرفا إلى التأكيد، لكنها لوضعها مبهمة، واحتياجها إليه في الأصل لم يستنكر ذكره معها؛ لأنّ استغناءها عن التمييز إنّما هو لأمر عارض، فلا يمتنع ذكر ما يستحق بالأصالة، من أجل ذلك العارض، وقد وقفت في كلام الشيخ على شيء من هذا المعنى (٢)، وكان ذلك قد وقع في خاطري قبل الوقوف عليه، فمن أجل هذا لم أنسبه إلى الشيخ أولا، وأمّا الأبيات التي استشهد بها المصنف فليس فيها دليل، أمّا: «بئس الفحل فحلهم فحلا» (٣) و «نعم الزاد زاد أبيك زادا» (٤)؛ فقال ابن عصفور (٥):
إنّ (فحلا) حال مؤكدة، وساغ ذلك؛ لأنّ (فحلا) فيه معنى الاشتقاق، والعامل فيها (نعم) ولا ينكر إعمال (نعم) و (بئس) في الحال، كما أنهما قد يعملان في المجرور، ومن ذلك قوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٦). قال:
و (زادا) معمول لـ (تزود)، ويحتمل هذا التأويل بأمرين:
أحدهما: أن يكون مصدرا له، على حذف الزوائد، وقد حكى الفراء استعمال (الزّاد) مصدرا، وعلى هذا تكون (مثل) مفعولا لـ (تزود).
الثاني: أن تكون مفعولا به لـ (تزود)، ويكون (مثل) - إذ ذاك - منصوبا على الحال، من (زاد)؛ لأن صفة النكرة إذا قدّمت عليها انتصبت على الحال.
قال: ويحتمل أيضا وجهين آخرين:
أحدهما: أن يكون تمييزا، فيكون من قبيل التمييز الآتي بعد تمام الاسم، نحو: لي -
стр. 2525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثله رجلا، التقدير: تزود مثل زاد أبيك فينا زادا، فيكون إذ ذاك مفسّرا لـ (مثل).
والثّاني: أن يكون مبدلا من (مثل) ويكون (مثل) في الوجهين مفعولا به، لـ (تزود) إلّا أنّ التاويل الذي يكون فيه معمولا لـ (تزود) أولى من جهة أنّ قوله:
«فنعم الزاد زاد أبيك» جملة اعتراض، فإذا جعل (زاد) معمولا لـ (تزود) كان قد فصل بها من الفعل الذي هو (تزود) ومعموله، الذي هو (زادا) وإذا جعل تفسيرا لـ (مثل) كانت قد فصل بها بين التمييز والاسم الناصب له، وإذا جعل بدلا كانت قد فصل بها بين البدل والمبدل منه، والوصل بجمل الاعتراض بين الفعل ومعموله أكثر من الفصل بها بين التمييز والاسم الناصب له، وبين التابع والمتبوع.
انتهى كلام ابن عصفور (١) وكذا (فتاة) من قوله: «نعم الفتاة فتاة»، جعلت حالا. قال الشيخ (٢): وعندي تأويل غير ما ذكروه، وهو أقرب، وذلك أن يدعى أنّ في (نعم) و (بئس) ضميرا و (فحلا) و (فتاة) و (زادا) تمييز لذلك الضمير، وتأخر عن المخصوص على جهة الندور، كما روي نادرا: نعم زيد رجلا، على نية التقديم، أي: نعم رجلا زيد، والفحل والزاد والفتاة، هي المخصوص، و (فحلهم) و (هند) و (زاد أبيك) أبدال من المرفوع قبلها، قال: وهذا تأويل سائغ سهل. انتهى، وفيه أنّه قد ورد على المصنف تقديم المخصوص على التمييز حيث قال في قول النبيّ ﷺ : «فبها ونعمت»: إنّ التقدير: ونعمت السنة سنة وقال: هذا ليس بجيد.
فكيف يقول هو بشيء، ويستحسنه بعد أن أنكر نظيره على غيره، بل قال في شرحه: وهذه المسألة فيها خلاف، البصريون يوجبون تقديم التمييز على المخصوص، فلا يجوزون: «نعم زيد رجلا» وقد منع ذلك سيبويه في كتابه، وذهب الكوفيون إلى الجواز (٣)، وقبّحه الفراء (٤). ثمّ إنّ هذا التخريج إنّما أخذه من كلام المصنف، -
стр. 2526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حيث خرج نحو: نعم زيد رجلا؛ على أن أصله: نعم رجلا زيد كما تقدم تقرير ذلك، حتّى قال المصنف بعد ذكره هذه الصور ونظيرها: وهذه توجيهات أعنت عليها، ولم أسبق إليها، واعلم أنّ ابن عصفور لم يمنع المسألة، ولم يجوزها على الإطلاق؛ بل ذكر فيها تفصيلا، فقال (١): إن أفاد التمييز معنى لا يفيده الفاعل جاز نحو: نعم الرجل رجلا فارسا زيد، قيل: ومنه قول الشاعر:
٢٠١٣ - تخيّره ولم يعدل سواه ... فنعم المرء من رجل تهام (٢)
قال (٣): ولا يجوز دخول (من) على هذا التمييز إلّا في شذوذ من الكلام أو في ضرورة نحو قوله: وأنشد:
٢٠١٤ - فنعم المرء من رجل تهام
وعلل ذلك بأن قال: إنّ التمييز المنقول لا يجوز دخول (من) عليه كما لا يجوز دخولها عليه قبل نقله، قال: والتمييز في باب (نعم)، و (بئس) يشبه المنقول، ألا ترى أنه كان فاعلا، قبل الإضمار في (نعم)، فلمّا أضمر فيها الفاعل صار منتصبا على التمييز لذلك الضمير، وإنما جعلته شبيها بالمنقول - ولم -
стр. 2527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجعله منقولا؛ لأنّ النقل فيه إنّما هو في اللفظ، لا في المعنى، ألا ترى أن الضمير الفاعل في (نعم) هو الاسم المنتصب على التمييز في المعنى، وليس كذلك الفاعل في: تصبّب زيد عرقا، ووَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (١). قال: و (من) الداخلة عليه زائدة وليست للتبعيض؛ لأنّ الضمير هو التمييز في المعنى، ولكون (من) لا تزاد في الموجب، بقياس، لم تدخل عليه إلّا في ضرورة شعر، كالبيت الذي تقدّم أو في شذوذ من الكلام، كالوارد في الأثر: «نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا» (٢).
البحث العاشر:
قد تقدّم من كلام المصنف ما يفهم منه أنّ شرط الفاعل في هذا الباب - إذا كان معرفا باللّام - أن يجوز فيه نزع اللّام، وجعله تفسيرا للضمير المستكن، وكذا إذا كان الفاعل مضافا إلى ما فيه اللام، بشرط ذلك أيضا، فمن ثمّ جاز: نعم الرجل زيد، ونعم غلام القوم عمرو؛ لجواز أن يقال: نعم رجلا زيد، ونعم غلام القوم عمرو، وأمّا ما جاء من قولهم: «نعم العمر عمر بن الخطاب» (٣) فقالوا: هو من تنكير العلم كقولهم:
٢٠١٥ - لا هيثم اللّيلة للمطيّ (٤)
-
стр. 2528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكأنّه قيل: نعم المسمّون بهذا الاسم.
وقد جاء في الشّعر [٣/ ١٠٢]:
٢٠١٦ - بئس قوم الله قوم طرقوا ... فقروا جارهم لحما وحر (١)
مع أنّ نزع اللّام من الاسم المعظّم لا يجوز وأشدّ منه مجيء اسم الإشارة فاعلا لـ (بئس) قال الشاعر:
٢٠١٧ - بئس هذا الحيّ حيّا ناصرا ... ليت أحياءهم فيمن هلك (٢)
وفي هذا البيت الجمع بين الفاعل الظاهر والتمييز، ويحتمل أن يخرج البيت على ما خرج عليه «نعم عبد الله رجلا»، التقدير: بئس حيّا ناصرا هذا الحيّ، فلا يكون فيه إلا تقديم المخصوص على التمييز، والكوفيون لا يمنعون ذلك، والبصريون يجيزونه، على قبح.
стр. 2529
[أحوال وأحكام المخصوص بالمدح والذم]
قال ابن مالك: (ويدلّ على المخصوص، بمفهومي «نعم» و «بئس»، أو يذكر قبلهما، معمولا للابتداء، أو لبعض نواسخه، أو بعد فاعلهما، مبتدأ أو خبر مبتدأ، لا يظهر أو أول معمولي فعل ناسخ، ومن حقّه أن يختصّ ويصلح للإخبار به عن الفاعل، موصوفا بالممدوح بعد «نعم»، وبالمذموم بعد «بئس» فإن باينه أوّل، وقد يحذف، وتخلفه صفته اسما وفعلا وقد يغني متعلق بهما، وإن كان المخصوص مؤنثا جاز أن يقال: نعمت وبئست، مع تذكير الفاعل).
قال ناظر الجيش: قال المصنّف (١): المخصوص بمفهومي (نعم) و (بئس) هو للمقصود بالمدح، بعد (نعم)، وبالذّم بعد (بئس)، كزيد، وعمرو، في قولك: نعم الرجل زيد، وبئس القرين عمرو، وإذا كان مذكورا هكذا (٢) فهو مبتدأ، مخبر عنه، بما قبله، من الفعل والفاعل، ولا يضرّ خلوّ الجملة من ضمير، يعود على المبتدأ؛ لأنّ الفاعل هو المبتدأ في المعنى، فلم يحتج إلى رابط؛ إذ هو مرتبط بنفسه، كما لا يحتاج إلى رابط، إذا كانت الجملة نفس المبتدأ، في المعنى، نحو: كلامي الله ربّنا (٣).
وأجاز سيبويه كون المخصوص خبر مبتدأ واجب الإضمار والأول أولى (٤) بل هو عندي متعين لصحّته في المعنى وسلامته من مخالفة أصله بخلاف الوجه الثّاني، وهو كون المخصوص خبرا، فإنّه يلزم منه أن ينصب لدخول (كان)، إذا قيل: نعم الرجل كان زيد؛ لأنّ خبر المبتدأ - بعد دخول كان - يلزم النصب، ولم نجد العرب تعدل في مثل هذا إلى الرفع، فعلم أنه - قبل دخول (كان) - لم يكن خبرا، وإنّما كان مبتدأ ومن لوازم كونه خبرا قبل دخول (كان) أن يقال في «نعم الرجال الزيدون»: نعم الرجال كانوا الزيدين، وفي «نعم النساء الهندات»: نعم النساء كنّ الهندات. ومن لوازم ذلك أيضا أن يقال إذا دخلت (ظننت) على «نعم الرجل زيد»: نعم الرجل ظننته زيدا، وأن يقال إذا دخلت (وجد) على «نعم -
стр. 2530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرجلان أنتما»: نعم الرجلان وجدا إياكما، ولكنّ العرب لم تقل إلا: نعم الرجال كان الزيدون، ونعم النساء كانت الهندات، ونعم الرجل ظننت زيد، ونعم الرجلان وجدتما كما قال زهير (١):
٢٠١٨ - يمينا لنعم السّيدان وجدتما ... على كلّ حال من سحيل ومبرم (٢)
فعلم بهذا أنّ المخصوص لم يكن قبله ضمير، فيكون هو خبره، بل كان المخصوص مبتدأ مخبرا عنه بجملة المدح أو الذم ومن لوازم كون المخصوص خبرا جواز دخول (إن)؛ لأن الخبر، والمخبر عنه - عند من يرى صحة ذلك - جملة خبرية - أجيب بهما سؤال مقدر، وتوكيد ما هو كذلك بـ (إنّ) جائز، والجواز هنا منتف مع أنّه من لوازم الخبرية، فالخبرية إذا منتفية؛ لأنّ انتفاء اللازم يدلّ على انتفاء الملزوم، وأمّا على القول بأنّ المخصوص مبتدأ مقدم الخبر، فيلزم منه موافقة الواقع، وهو امتناع دخول (إنّ) إلا مع تقدم المخصوص كقولك في «زيد نعم الفتى»: إنّ زيدا نعم الفتى (٣).
وأجاز ابن عصفور أن يجعل المخصوص مبتدأ، محذوف الخبر، وهذا أيضا غير صحيح؛ لأنّ هذا الحذف ملتزم ولم تجد خبرا يلتزم حذفه، إلا ومحلّه مشغول -
стр. 2531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بشيء يسدّ مسدّه، كخبر المبتدأ بعد (لولا)، وهذا بخلاف ذلك، ولا يصحّ ما ذهب إليه ابن عصفور (١).
والحاصل: أنّ المخصوص بالمدح والذّمّ لا يجب أن يصرّح بذكره، ولا أن يؤخر إذا ذكر، بل الواجب أن يكون معلوما، فإن ذكر، وأخّر، فهو إمّا مبتدأ، كما مضى، وإمّا مرفوع بـ (كان) أو (وجد) أو إحدى أخواتها أو أول مفعولي (ظن) أو إحدى أخواتها، والجملة قبل الفعل في موضع نصب به، خبرا، أو مفعولا ثانيا، وإن ذكر وقدّم، والجملة واحدة، فهو مبتدأ، أو أول معمولي (كان) أو (إنّ) أو (ظنّ) أو إحدى أخواتهنّ (٢) فمن ذلك قول الشاعر:
٢٠١٩ - إذا أرسلوني عند تعذير حاجة ... أمارس فيها كنت نعم الممارس (٣)
ومثله:
٢٠٢٠ - لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا (٤)
-
стр. 2532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن ذلك قول زهير:
٢٠٢١ - يمينا لنعم السّيدان وجدتما ... على كلّ حال من سحيل ومبرم
ومن ذلك قول الآخر:
٢٠٢٢ - إنّ ابن عبد الله نع ... م أخو النّدى وابن العشيرة (١)
ومثله:
٢٠٢٣ - إنّى إذا أغلق باب الصّيدن ... نعم صنيع الزائر المستأذن (٢)
وإن ذكر وقدّم، والكلام جملتان، قدّر المخصوص مبتدأ مؤخرا، كقول الله تعالى: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٣)، وكقوله تعالى: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤)، وقول الشاعر:
٢٠٢٤ - إنّى اعتمدتك يا يزي ... د ونعم معتمد الوسائل (٥)
-
стр. 2533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أراد: ونعم معتمد الوسائل أنت، ومن حقّ المخصوص بالمدح، أو الذمّ أن يكونا معرفة، أو مقاربا لها بالتخصيص، نحو: نعم الفتى رجل من بني فلان، ونعم العمل طاعة، وقول معروف، ومن حقّه أيضا أن يصلح الإخبار به عن الفاعل، موصوفا بالممدوح بعد (نعم) كقولك في «نعم الرجل زيد»: الرجل الممدوح زيد، وبالمذموم بعد (بئس) كقولك في «بئس الولد العاقّ أباه»: الولد المذموم العاقّ أباه (١). فإن ورد ما لا يصلح جعله خبرا عن الفاعل أوّل، وقدّر بما يردّه إلى ما حقّه أن يكون عليه (٢)، فمن ذلك قوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ (٣).
فلو حذفت بِئْسَ وأخبرت ب الَّذِينَ عن مَثَلُ الْقَوْمِ لم يجز فوجب لذلك التأويل، إمّا بجعل الَّذِينَ [٣/ ١٠٣] في محلّ جرّ نعتا لـ الْقَوْمِ، وجعل المخصوص محذوفا، وإما بجعل الَّذِينَ هو المخصوص، على تقدير: بئس مثل القوم مثل الذين، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، في الرفع بالابتداء (٤)، كما ينبغي في المخصوص، الجاري على الأصل، وإلى هذا وشبهه أشرت بقولي: فإن باينه أوّل، ثم قلت: وقد يحذف. فنبّهت على أنّ مخصوص (نعم)، و (بئس) قد يحذف، وتقام صفته مقامه، وأنّ ذلك قد يكون والصفة اسم، كقولك: نعم الصديق حليم كريم، وبئس الصاحب عزول خذول. ويكثر ذلك إذا كانت الصفة فعلا، والفاعل (ما)، كقوله تعالى: بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ (٥)، وكقوله تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (٦). ويقلّ إذا لم يكن الفاعل (ما) كقولك: نعم الصاحب تستعين به فيعينك، والتقدير: نعم الصاحب صاحب تستعين به فيعينك، ومنه قول الشّاعر: -
стр. 2534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٠٢٥ - لبئس المرء قد ملئ ارتياعا ... ويأبى أن يراعي ما يراعى (١)
وجاز هذا في المبتدأ، كما جاز في غيره من المبتدآت، كقول الشّاعر:
٢٠٢٦ - وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما ... أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح (٢)
وكما جاز في المضاف إليه، كقول الشّاعر:
٢٠٢٧ - لكم مسجدا الله المزوران والحصى ... لكم قبصه من بين أثرى وأقترا (٣)
والتقدير: لبئس المرء امرأ قد ملئ ارتياعا، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وكذا فعل في البيت الثاني، والثالث، والأصل: فمنهما تارة أموت فيها، وما بين من أثرى، ومن أقتر، فحذفت (من) وهي نكرة موصوفة، مضاف إليها، وأقيمت الصفة مقامها، وقد يحذف الموصوف وصفته ويبقى ما يتعلق بهما، كقوله:
٢٠٢٨ - بئس مقام الشيخ أمرس أمرس ... إمّا على قعو، وإمّا اقعنسس (٤)
-
стр. 2535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي بئس مقام الشيخ مقام مقول فيه: أمرس أمرس، وإن كان الفاعل مذكر اللفظ، والمخصوص مؤنثا، جاز أن يقال: نعمت وبئست، مع كون الفاعل عاريا من التأنيث؛ لأنهما في المعنى شيء واحد، إلّا أنّ ترك التاء أجود كقوله تعالى:
نِعْمَ الثَّوابُ (١) ولو قيل: نعم الثواب الجنّة؛ لكان جيّدا، كقوله:
٢٠٢٩ - نعمت جزاء المتّقين الجنّة ... دار الأماني والمنى والمنّه (٢)
ومثله:
٢٠٣٠ - أو حرّة عيطل ثبجاء مجفرة ... دعائم الزّور نعمت زورق البلد (٣)
ومثله:
٢٠٣١ - نعمت كساء الضّجيع شهلة فضل ... غرّاء بهكنة شنباء عطبول (٤)
-
стр. 2536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انتهى كلام المصنف، رحمه الله تعالى (١)، وتضمّن الإشارة إلى أمور أربعة وهي: أنّ المخصوص بالمدح أو الذمّ لا بدّ من ذكره، إما قبل فعلي المدح والذّم، وإمّا بعد فاعلي الفعلين المذكورين، إلّا أن يدلّ عليه دليل، في كلام سابق، على الكلام المتضمّن للمدح، أو الذّم، فيجوز ألّا يذكر حينئذ، وأنّ من حقّه أن يختصّ، ويصلح للإخبار به عن الفاعل بالطريق الذي ذكره، وأنّه قد يحذف فتخلفه صفته، أو المتعلق بها، وأنّه إذا كان مؤنثا جاز إلحاق الفعل أعني (نعم) أو (بئس) تاء التأنيث، مع كون الفاعل مذكّرا. إذا عرف هذا فلنذكر أبحاثا:
الأول:
أنّ المراد بقوله: ويدلّ على المخصوص أنّ الدلالة عليه تستفاد من كلام سابق على جملتي المدح، والذمّ، بأن يكون مذكورا في ذلك الكلام المتقدم، كقوله تعالى:
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٢) التقدير: فنعم الماهدون نحن، وكقوله تعالى: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٣) أي: نحن، وقوله تعالى: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ (٤) أي: أيّوب، أمّا إذا ذكر متقدّما منضمّا إلى إحدى الجملتين، نحو:
زيد نعم الرجل فهو المخصوص نفسه، ولكنه قدم ولا يحتاج - على هذا - أن تقدّر بعد الفاعل شيئا محذوفا، يكون هو المخصوص؛ لأنّه قد ذكر متقدما، لكن قد يقتضي قول المصنف المتقدم نقله عنه: وإن ذكر - يعني المخصوص - وقدم والجملة واحدة؛ أنّه - مع ذكره متقدّما - قد لا يجعل هو المخصوص، حيث لا تكون الجملة واحدة، وذلك بأن يكون الكلام جملتين إحداهما الملفوظ بها، والأخرى مقدرة، فتكون تلك المقدرة هي المشتملة على المخصوص، وحينئذ فيقدّر المخصوص مؤخّرا، -
стр. 2537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وينوى له مبتدأ يكون هو خبرا عنه، فإذا قلنا: زيد نعم الرجل، كان التقدير: زيد نعم الرجل زيد، أي: هو زيد، فـ (زيد) الثاني هو المخصوص، وهو خبر مبتدأ مقدّر، وعلى هذا لا يكون (زيد) الذي ذكر أولا هو المخصوص، وقد قدّم، وإنّما هو دالّ على المخصوص المقدّر، هذا الذي فهمته من قوله: وإن ذكر، وقدّم، والجملة واحدة.
ولو لم يكن مراده ذلك فأيّ فائدة لقوله: والجملة واحدة، فإن قيل: يدفع أن يكون هذا مراده أنّه قد أبطل قول من يقول: إنّ المخصوص في نحو قولنا: نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف، وما قررته يلزم منه القول بذلك، فكيف تقرر كلام الرجل على وجه هو لا يراه صحيحا؟ أجيب عن ذلك: بأنّه في نحو: «نعم الرجل زيد» يجعل (زيد) هو المبتدأ والجملة المتقدمة هي الخبر وإذا أمكن جعله مبتدأ مؤخرا، وما قبله خبر عنه، فأيّ حاجة تدعو إلى أن يجعل خبرا لمبتدأ محذوف لو سلّم ما يمنع ذلك؟ فكيف وقد ذكر أنه له موانع؟! أما في نحو قولنا: زيد نعم الرجل، إذا
قدرنا المخصوص، وجعلناه محذوفا، فرّبما يتعذر جعله مبتدأ، مخبرا عنه بما قبله لأنّه لا معنى لقولنا: «زيد نعم الرجل» إلا: زيد نعم الرجل. و «زيد نعم الرجل» كاف في المقصود، فلا فائدة في تقدير مبتدأ آخر، هو بلفظ المبتدأ الموجود.
أو يقال في الجواب: لا يلزم من كون المصنّف لا يرى ذلك أعني كون المخصوص، في قولنا: «نعم الرجل زيد» خبر مبتدأ مقدّر أن يمتنع رأينا، كيف وهو قول النحاة قاطبة؟ فليكن كون المخصوص المذكور مؤخرا خبر مبتدأ محذوف أمرا مقبولا معمولا به.
البحث الثاني:
قد عرفت قول المصنّف بعد أن مثل بـ: «نعم الرجل زيد»، و «بئس القرين عمرو» وإذا كان مذكورا هكذا، يعني المخصوص، حيث يذكر مؤخرا [٣/ ١٠٤] فهو مبتدأ، مخبر عنه بما قبله، من الفعل والفاعل، ولا يضر خلوّ الجملة من ضمير يعود على المبتدأ؛ لأنّ الفاعل هو المبتدأ في المعنى، فلم يحتج إلى رابط؛ إذ هو مرتبط بنفسه، كما لم يحتج إلى رابط؛ إذا كانت الجملة نفس المبتدأ في المعنى نحو: «كلامي الله ربّنا». وهذا منه يقتضي أنّ الرّبط في هذا التركيب ربط بالمعنى، والمعروف أن سيبويه لا يجيزه، ولم يعرف من المصنف التصريح بجوازه، -
стр. 2538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حيث ذكر الروابط في باب المبتدأ ثم إنّ قوله: لأنّ الفاعل هو المبتدأ في المعنى.
يقتضي أن اللّام للعهد، والأصحّ أنّ اللّام للجنس، وهو قول الجمهور وقد قال هو في الألفية:
والحذف في (نعم الفتاة) استحسنوا ... لأنّ قصد الجنس فيه بيّن
فصرّح بأنّ الجنس مراد، ومتى كان الجنس مرادا، امتنع أن تكون اللام للعهد، والمعروف المشهور أنّ الربط في نحو: «زيد نعم الرجل» إنّما حصل بالعموم، كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١) وذكر الشيخ - في شرحه في الرابط، في مثل: (زيد نعم الرجل) - عن النّحاة مذاهب أربعة (٢):
أحدها: هذا الذي ذكرناه، وهو العموم، قال: وهو مذهب الجمهور.
ثانيها: أن الرّبط حصل بتكرير المبتدأ، باسم، هو المبتدأ، من حيث المعنى كما هو مذهب الأخفش، وهو قول من يرى أنّ اللام للعهد.
ثالثها: لابن السّيد، أنّ الرابط محذوف، والتقدير: زيد هو نعم الرجل، وفيه نظر؛ لأنّ الربط - وإن حصل لـ (زيد)، فأين الرابط الذي يربط (نعم الرجل) بالضمير الذي الجملة خبر عنه؟ (٣).
رابعها: لابن الطراوة، وهو أنّ (نعم الرجل) متحمل ضمير الاسم الذي هو المبتدأ. وهذا بناء منه على أنّ (نعم
الرجل) صار بجملته اسما، بمعنى الممدوح، فيتحمل الضمير الذي يتحمله الممدوح، أو الضمير الذي يتحمله المذموم (٤)، ولا يخفى أنّ هذا المذهب لا ينبغي عدّه؛ لأنّه مبنيّ على مذهب باطل مردود (٥). وأمّا ما -
стр. 2539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذهب إليه ابن السيد فقد عرفت ما فيه (١) فلم يبق إلا المذهبان الأوّلان لكن المشهور هو الأول منهما، وقد عرفت أنّ كلام المصنّف يعطي أنّه قائل بالثّاني، ولا أظنّ أن يقول بذلك، أعني أنّ اللام للعهد، والظاهر بل الذي يقطع به أنّ اللام عنده للجنس، وإذا كان كذلك فينبغي تدبّر كلامه، والرجوع به إلى ما يوافق ما هو قائل به.
البحث الثالث:
ما ألزم المصنف به القائل بأنّ المخصوص في نحو: «نعم الرجل زيد» يجوز كونه خبر مبتدأ، واجب الإضمار، غير ظاهر، أما كونه كان يلزم نصبه لدخول (كان) إذا قيل: «نعم الرجل كان زيد»، وأنه كان يلزم أيضا أن يقال في «نعم الرجال الزيدون» - إذا دخلت كان -: نعم الرجال كانوا الزيدين، وفي «نعم النساء الهندات»: نعم النساء كنّ الهندات، وأنّه كان يلزم أن يقال إذا دخلت ظننت على «نعم الرجل زيد»: نعم الرجل ظننته زيدا وأن يقال إذا دخلت وجد على «نعم الرجلان أنتما»: نعم الرجلان وجد إياكما لكنّ العرب لم تقل إلا: نعم الرجال كان الزيدون، ونعم النساء كانت الهندات، ونعم الرجل ظننت زيدا، ونعم الرجلان وجدتما، كما قال زهير:
٢٠٣٢ - يمينا لنعم السّيّدان وجدتما ... على كلّ حال من سحيل ومبرم
فالجواب عن جميع ما ألزم به شيء واحد، وهو أنّ نواسخ الابتداء لا تدخل على مبتدأ واجب الحذف، وإذا كان الأمر كذلك وجب عند دخول الناسخ على نحو:
«نعم الرجل زيد»، و «بئس الرجل عمرو» أن يكون المخصوص مبتدأ لتصحّ مباشرة الناسخ له، والجملة قبله في موضع الخبر، وصار الوجه الآخر الذي كان جائزا قبل دخول الناسخ - وهو كون المخصوص خبرا لمبتدأ
محذوف - ممتنعا حينئذ؛ لعدم صلاحية مباشرة الناسخ له، ولا يلزم من امتناعه عند دخول الناسخ لأمر اقتضاه حال الناسخ أن يكون ممتنعا حين لا ناسخ يباشره، ومن هذا التقرير يعلم أنّ الناسخ الذي هو (إنّ) لا يصحّ دخوله على هذا التركيب عند تأخر المخصوص، -
стр. 2540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمّا على القول بأنه مبتدأ فلأن (خبر) إنّ لا يتقدم على اسمها، إذا كان خبرا لمبتدأ محذوف، فلما عرفت أنّ الناسخ لا يدخل على مبتدأ واجب الحذف غير ظرف أو جارّ ومجرور.
نعم، قد ذكر الشيخ في شرحه (١) - عن ابن الباذش (٢) - أنه قال: لا يجيز سيبويه أن يكون المخصوص بالمدح والذّمّ إلا مبتدأ، في: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، كما كان في: زيد نعم الرجل، وعمرو بئس الرجل، وتكون الجملة في موضع رفع وذلك أنّ (نعم) و (بئس) لا يتمّ المعنى المقصود بهما إلا باجتماع المختصّ بالمدح، والذم مع الجنس الذي هو منه فلا يتقدر على هذا إلا مبتدأ، كما لا يتقدر مذهب أخوه زيد إلا مبتدأ، ويدلّ على فساد الوجه الآخر أن الاسم المختصّ بالمدح أو الذّم يجوز حذفه، فإن كان خبر المبتدأ محذوفا، ثم حذف هو أدى إلى حذف الجملة كلها، وذلك غير جائز. قال: ولهذا يقوي أبو الفتح كونه لا يكون إلّا مبتدأ (٣). قال سيبويه: وأما قولهم: نعم الرجل عبد الله، فهو بمنزلة «عبد الله ذهب أخوه» (٤) فسوّى سيبويه بين التركيبين، تأخير المخصوص وتقديمه. ثمّ قال سيبويه: كأنّه قال: نعم الرجل، فقيل له: من هو؟ فقال: عبد الله، وإذا قال:
عبد الله قيل له: ما شأنه؟ فقال: نعم الرجل (٥). هذا نصّ سيبويه.
قالوا: فلم يرد بقوله: «من هو؟» أنّ الكلام على جملتين إذا تأخر المخصوص، كما لم يرد ذلك إذا قال: عبد الله، فكأنّه قيل له: ما شأنه؟. فقال: نعم الرجل؛ لأنّ (عبد الله) حالة التقديم يستحيل أن يكون جملة، وإنّما أرادوا أنّ تعلق المبتدأ بالخبر، والخبر [٣/ ١٠٥] بالمبتدأ تعلق لازم، فإذا بدأت بالمبتدأ احتجت إلى خبر، -
стр. 2541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإذا بدأت بالخبر احتجت إلى مبتدأ؛ لأنّ ذلك على جملتين، ومن ثمّ علم أنّ سيبويه لا يقول - في نحو: «نعم الرجل زيد» - بأنّ المخصوص خبر مبتدأ محذوف فلا يصحّ نسبة ذلك إليه، فإن قيل: كيف قال المصنف: وأجاز سيبويه كون المخصوص خبر مبتدأ واجب الإضمار؟ أجيب بأن المصنف عدل عارف بما ينقله، فربّما فهم هذا من نصّ آخر لسيبويه في غير هذا الباب، أو أخذه من ظاهر قوله؛ إذ قال: نعم الرجل، فقال: من هو؟ قال: عبد الله. فإن ظاهر هذا الكلام يعطي أنّ (عبد الله) جواب، ولا يصحّ كونه جوابا إلّا بتقدير مبتدأ قبله.
واحتجّ ابن عصفور على أنّه لا يلزم فيه كونه مبتدأ، والجملة خبرا (١) أعني في نحو: نعم الرجل زيد، يقول العرب: نعم البعير جمل، ونعم الإنسان رجل، ونعم مالا ألف، ومنه قوله ﵊: «نعم المال أربعون» (٢)، فـ (أربعون) و (ألف)، و (رجل)، و (جمل) أخبار لمبتدآت مضمرة، ولا يجوز أن تكون مبتدآت وما قبلها خبر لها، إذ لا مسوغ للابتداء بها، وإذا ثبت جعله خبر مبتدأ محذوف لفهم المعنى فلا مانع من جواز جعله مبتدأ والخبر محذوف لفهم المعنى (٣)، قال الشيخ: وما ذكره من أنه لا مسوغ غير صحيح، بل ثمّ مسوّغان:
أحدهما: ذكره هو في باب المبتدأ والخبر، وهو أن تكون النكرة لا تراد لعينها، نحو: رجل خير من امرأة، وتمرة خير من جرادة (٤) والنكرات التي مثّل بها مع (نعم) وفاعلها لا يراد شيء منها لعينه، وإنّما حكم على واحد من الجمال بأنه نعم -
стр. 2542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البعير، وعلى واحد من الألف بأنه نعم المال (١).
والمسوغ الآخر: ذكره غيره، يعني بغيره: صاحب التسهيل، وهو المصنف - رحمه الله تعالى - وهو أنه إذا كان الخبر جملة مشتملة على فائدة جاز تنكير المبتدأ، ولكن يجب تأخيره، وذلك نحو: قصدك غلامه رجل [فإنه يجوز] كما يجوز:
عندك رجل، وفي الدّار امرأة (٢) وعلة ذلك قد ذكرت في باب المبتدأ [لأنّ في تقديم الجملة ما في تقدّم الظرف، من رفع توهّم الوصفيّة، مع عدم قبول الابتداء] ولا شكّ أنّ الأمر في نحو: نعم البعير جمل، كذلك، إلا أنّه لا يجوز تقديم هذا المبتدأ؛ لأنّ تقديم الخبر هو المسوغ للابتداء به.
وإنّما ذكرت هذا الذي ذكرته ليظهر أنّ ما ذهب إليه المصنف من أنّ المخصوص حال ذكره بعد الجملة مبتدأ مخبر عنه بها، كحاله إذا كان مذكورا قبلها، هو الحقّ، وإن كان ما ألزم به المخالف لهذا المذهب لم يثبت؛ إذ لا يلزم من إبطال دليل على شيء إبطال ذلك الشيء نفسه، فقد يكون له دليل آخر.
البحث الرابع:
ما ذهب إليه ابن عصفور، من أنّ المخصوص في نحو: نعم رجلا زيد، يجوز كونه مبتدأ محذوف الخبر، قد عرفت أنّ المصنّف ردّه من جهة الصناعة بما تقدّم ذكره، وقد يضعف قول ابن عصفور من وجه آخر، وذلك أنّ الشيء قد يكون له أمران، وذانك الأمران معروفان في أصلهما للسامع، لكنّه عالم باتصاف ذلك الشيء بأحد الأمرين دون الآخر.
فالمتكلم - حينئذ يجب أن يعمد إلى الأمر الذي يعلم السامع أنّه ثابت لذلك الشيء، فيجعله مبتدأ، ويعمد إلى الأمر الذي لا يعلم السامع أنّه كذلك، فيجعله خبرا، ليفيد السامع ما كان يجهله، من ثبوت الأمر الثاني لذلك الشيء، وإذا كان كذلك فلا شكّ أنّ قصد المتكلّم بنحو: «نعم الرجل زيد» الإخبار بأنّ الممدوح هو زيد؛ لأنّ السامع قد علم من
(نعم الرجل) ثبوت المدح لواحد، وكونه (زيدا) -
стр. 2543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو غيره مجهول عنده، فوجب أن يجعل مجهوله الخبر، فقدر: الممدوح زيد، ولو جعل (زيد) مبتدأ لكان التقدير: زيد الممدوح، فينعكس المراد.
البحث الخامس:
مقتضى كلام الأئمة، وتمثيلهم بـ (إنّ زيدا) من قولنا: زيد نعم رجلا؛ مبتدأ مخبر عنه بالجملة بعده، كما هو في قولنا: زيد نعم الرجل، وفي ذلك بحث، وهو أنّ الجملة الواقعة خبرا لا بدّ فيها من رابط، يربطها بالمبتدأ وليس هنا ما يصلح للربط إلّا الضمير، لكنّ هذا الضمير مجهول، مفسر بما بعده، ولهذا كان ذكره مفسّره واجبا، وإذا كان مفسّرا بما بعده، فليس عائدا على زيد، الذي هو المبتدأ، وإذا كان كذلك فلا يكون في الجملة على هذا رابط.
وهذا الموضع ما برحت أستشكله، والذي يظهر أن يقال: إنّهم قد قالوا: إنّ الضمير في قولنا: «نعم رجلا زيد» يراد به الجنس كما أنّ الفاعل الظاهر يراد به ذلك، فإن صحّ هذا فالضمير في نحو: زيد نعم رجلا، ليس عائدا على زيد، وإنّما هو باق على مجهوليته وعلى هذا يكون الرابط العموم الذي في الضمير، من حيث أريد به الجنس، ولا يظهر لي في توجيهه غير هذا، لكن في دعوى أنّ الضمير أريد به الجنس نظر، وهو أنّ الاسم المفرد المذكور بعده الذي هو (رجلا) مفسر له، ولا شكّ أنّ مدلول المفسّر والمفسّر واحد، وإذا كان مدلولهما واحدا، وجب أن يكون المراد بالضمير ما أريد بـ (رجل) المذكور بعده وحينئذ يتعذر إرادة الجنس بذلك الضمير.
البحث السادس:
ناقش الشيخ المصنف في أمرين:
أحدهما: قوله في المخصوص: ومن حقه أن يختصّ، قال: يردّ على ما قال قولهم: نعم البعير جمل، ونعم الإنسان رجل، ونعم مالا ألف، ونعم المال أربعون، قال: فهذه مخصوصات، ولم يختصّ (١). -
стр. 2544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثانيهما: قوله في المخصوص - أيضا - إنّ من حقّه أن يصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفا بالممدوح بعد (نعم)، وبالمذموم بعد (بئس). «قال: فإنّ هذا الذي ذكره لا يسوغ، إذا كان المرفوع بـ (نعم، وبئس) المضمر، فإنّ ما ذكره لا يصلح فيه، إنما يعتبر ذلك في التمييز فإنّ قولنا: (نعم رجلا زيد) يسوغ فيه:
الرجل الممدوح (١) زيد. انتهى.
والجواب عن الأوّل: أنّ المراد بكونه مختصّا، أن يعلم ما أريد به لتحصل الفائدة سواء كان خاصّا [٣/ ١٠٦] أم عامّا، وهو قد سوغ الابتداء بهذه الكلمات، حيث ردّ على ابن عصفور، ومتى ساغ الابتداء بشيء، وجب أن يكون مختصّا (٢).
وعن الثاني: أنّ من المعلوم أنّ الضمائر لا توصف مع بروزها، فكيف مع كونها غير بارزة، ولا شكّ أنّ الضمير الذي هو فاعل، مفسر بالتمييز، والمفسّر هو نفس المفسّر، فإذا أخبرنا بالمخصوص عن مفسّر الفاعل، فقد أخبرنا عن الفاعل، ثمّ قد عرفت أنّ المصنف ختم كلامه بمسألة، وهي أنّه يجوز أن يقال: (نعمت، وبئست) مع تذكير الفاعل، إذا كان المخصوص مؤنثا وأنّ ترك التاء أجود، ولم يحتج أن يذكر عكس هذه الصّورة، كما فعل ابن عصفور، وهو أن يحذف التاء - مع تأنيث الفاعل - إذا كان المخصوص مذكّرا، كقولك: نعم الدار هذا البلد؛ لأنّ حذف التاء مع (نعم، وبئس) جائز إذا كان الفاعل مؤنثا، مع كون المخصوص مؤنثا، كقولك: نعم الفتاة هند كما عرف ذلك في باب الفاعل (٣)، وأما إثبات التاء مع تذكير الفاعل، إذا كان المخصوص مؤنثا، فهو المحتاج إلى ذكره؛ لأنّه لم يتقدم له ذكر قبل.
стр. 2545
[الأفعال المحولة للمدح والذم]
قال ابن مالك: (وتلحق «ساء» بـ «بئس» وبها وب «نعم» «فعل» موضوعا أو محوّلا من «فعل»، أو «فعل»، مضمّنا تعجّبا، ويكثر انجرار فاعله بالباء، واستغناؤه عن الألف واللام، وإضماره على وفق ما قبله).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): يقال: ساء الرجل أبو لهب، وساءت المرأة حمالة الحطب، وساء رجلا هو، وساءت امرأة هي - بإجراء (ساء) مجرى (بئس) في كلّ ما ذكر (٢)، وكذلك استغني بـ (ساء) عن (بئس) في قوله تعالى:
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ (٣)، وأجري باطراد مجرى (نعم وبئس) ما كان على (فعل) مضمّنا تعجبا، نحو: حسن الخلق حلم الحلماء، وعظم الكرم تقوى الأتقياء، وقبح العمل عناد المبطلين، وشنعت الوجوه وجوه الكافرين (٤)، ومنه: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ (٥) وقرئ بسكون الباء، فهذا من أمثلة (فعل) الموضوع، وأما أمثلة المحوّل من (فعل) أو (فعل) فمنهما قول العرب، قضو الرجل فلان، وعلم الرجل فلان، بمعنى: نعم القاضي هو، ونعم العالم هو، وفيه معنى: ما أقضاه وما أعلمه، ولا يقتصر في هذا النوع على المسموع، كما لم يقتصر في التعجب، ولكون (فعل) المذكور مضمّنا تعجّبا استحسن فيه ما لم يستحسن في (نعم) من جرّ فاعله بالباء حملا على (أفعل) في التعجب، ومن كثرة مجيئه مستغنيا عن الألف واللّام، ومضمرا، ومطابقا لما قبله.
فإذا قيل: حسن زيد رجلا؛ نزّل منزلة أحسن بزيد رجلا، وإذا قيل (٦):
وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٧)؛ نزّل منزلة: ما أحسن أولئك رفيقا، وإذا قيل: -
стр. 2546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزيدون كرموا رجالا؛ نزّل منزلة: الزيدون ما أكرمهم رجالا، فهذا سبب استحسان ما استحسن مع (فعل) المذكور، ممّا لم يستحسن مع (نعم، وبئس) ويحتمل قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً (١) أن يكون مثل: «نعمت امرأة هند» على تقدير: كبرت الكلمة كلمة، وهو قول ابن برهان (٢)، وأن يكون فاعل كَبُرَتْ ضميرا يرجع إلى اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٣) وهو قول الزمخشريّ في الكشاف (٤). انتهى كلام المصنف - رحمه الله تعالى - ويتعلق به أبحاث:
الأوّل:
انتقد الشيخ على المصنّف أمرين (٥):
أحدهما: إفراد (ساء) بالذّكر وهي فرد من أفراد (فعل) المجرى مجرى (بئس، ونعم)، و (ساء) - في الأصل - فعل متعدّ إلى واحد، متصرف، على وزن (فعل) بفتح العين، تقول: ساء الأمر زيدا، يسوءه، فحوّل إلى (فعل) بضمّ العين؛ لما في ذلك من المبالغة. قال: فهو مندرج تحت قوله: أو محوّلا من (فعل) فإفراده بالذكر لا وجه له.
ثانيهما: قوله: إنه استغني بـ (بئس) عن (ساء) في قوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ (٦)، قال: وليس هذا استغناء؛ لأنّ ما جاء على الأصل لا يقال فيه ذلك، نعم، يقال: استغني بـ (ساء) عن بئس؛ لأنّها ضمّنت معنى (بئس) فأمّا (بئس) -
стр. 2547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم تضمّن معنى (ساء). انتهى.
والجواب عن الأول أن يقال: لا نسلّم أنّ «ساء الرجل زيد» محوّل من «ساء الأمر زيدا»، بل اللازم غير المتعدّي، فـ (ساء) من «ساء الرجل زيد» فعل أصلا، ليس محولا من (ساء) المتعدّي ويدلّ على ذلك أنّ (ساء) من «ساء الأمر زيدا» ليس معناه الذمّ، إنّما معناه أنّه أحزن زيدا، أو آلمه، أو شوش عليه، أو نحو ذلك، وقد يكون ذلك الأمر الذي شوش على زيد، حسنا في نفسه، بالنسبة إلى غير زيد بل قد يسرّ الغير أيضا ومعنى (ساء) من «ساء الرجل فلان» القبح، والفحش ومن ثمّ كان معناه الذمّ، وإذا كان كذلك فكيف يحكم بأنه محوّل من (ساء) المتعدّي.
وأمّا الجواب عن الثّاني: فإنّ معنى قول المصنف: استغني بـ (بئس) عن (ساء) وقوله أولا: استغني بـ (ساء) عن (بئس) أنّ كلّا منهما أوقع موقع الآخر؛ لأنّ معناهما واحد، ثم إنّ المصنف لم يمثّل لذلك بما أورده الشيخ (١). إنما مثل بقوله تعالى: بِئْسَ الشَّرابُ (٢) ولا شكّ أنّ تمام الآية الشريفة: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٣)؛ فكأنّه قد قيل: ساء الشراب، وساءت مرتفقا (٤).
البحث الثاني:
مقتضى كلام المصنّف أنّ تحويل الفعل المقصود إلحاقه بـ (نعم، وبئس) إلى (فعل) لا بدّ منه، كائنا ما كان، ولذا مثّل بـ (علم الرجل) لكن لمّا ذكر ابن عصفور هذه المسألة، قال: كلّ فعل ثلاثيّ يجوز فيه أن يبنى على (فعل) بضمّ العين، ويراد به معنى المدح أو الذّمّ، استثنى ثلاثة أفعال وهي: علم، وجهل، وسمع، بمعنى أنها لا تحول إلى (فعل) بل تستعمل على صيغها مرادا بها ما يراد بـ (نعم، وبئس)، وتصير (حينئذ) لازمة، فيقال: علم الرّجل زيد، وجهل الرّجل عمرو، وسمع الرجل عمر، إذا أرادوا المبالغة في علمه، وجهله، وسماعه (٥) وفي ارتشاف الضرب للشيخ، كذا قال الكسائي: إنّه يجوز أن يبنى على (فعل) إلا في هذه الأفعال الثلاثة: قال: ومن -
стр. 2548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النحويين من أجاز فيها - سمع، وعلم، وجعل بضمّ العين. انتهى (١). قلت:
وإذا كان ذلك جائزا خلص المصنف من أن يستدرك [٣/ ١٠٧] عليه تمثيله بعلم.
ثمّ إنّ ابن عصفور قيد الفعل الذي يحوّل إلى صيغة (فعل) بأن يكون من الأفعال التي يجوز التعجب منها، مستندا في ذلك إلى ما حكاه الأخفش من أنّ العرب لا تفعل ذلك إلّا في الأفعال التي يجوز التعجب منها بقياس، وقال ابن عصفور (٢): إلا أنّ منهم من يجريه مجرى (نعم، وبئس) فيجعل فاعله كفاعلها، لما تضمّنه من معنى المدح أو الذمّ، ومنهم من لا يجريه مجراهما، فلا يلزم إذ ذاك أن يكون فاعلها كفاعل (نعم وبئس) رعيا لما فيه من معنى التعجّب، ولهذا يجوز زيادة الباء في فاعله؛ لأنها تزاد في فاعل فعل التعجّب دلّ ذلك على أنّه حكم له بحكم (أفعل به)؛ لأنّه بمعناه. هذا كلام ابن عصفور. وقد قال المصنف:
ولكن (فعل) المذكور مضمّنا تعجّبا استحسن ما لم يستحسن في (نعم) من جرّ فاعله بالباء، حملا على (أفعل) في التعجّب فوافق كلامه كلام ابن عصفور.
وقال الشيخ: هذان مذهبان للنحاة؛ مذهب الأخفش، ما ذكر عنه من إجازة الاستعمالين، ووافقه المبرّد، قال: ومذهب الفارسيّ، وأكثر النحويّين إلحاقه بباب (نعم، وبئس) فقط (٣)، والدليل على استعمال فاعل (فعل) مجرورا بالباء ما حكاه الكسائيّ عن العرب، مررت بأبيات جاد بهنّ أبياتا وجدن أبياتا (٤)، وقال الشاعر:
٢٠٣٣ - حبّ بالزّور الذي لا يرى ... منه إلّا صفحة أو لمام (٥)
-
стр. 2549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٠٣٤ - لحبّ بنار أوقدت بين محلب ... وفردة لو يدنو من الحبل واصله (١)
وقال الآخر:
٢٠٣٥ - يضيء سناه الهضب هضب متالع ... وحبّ بذاك البرق لو كان دانيا (٢)
وقال الآخر:
٢٠٣٦ - سرت تخبط الظلماء من جانبي قسا ... وحبّ بها من خابط اللّيل زائر (٣)
وقال الآخر:
٢٠٣٧ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحبّ بها مقتولة حين تقتل (٤)
-
стр. 2550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الآخر:
٢٠٣٨ - بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل (١)
البحث الثالث:
في الإشارة إلى كيفية بناء: (فعل) جاريا مجرى (نعم، وبئس) أو مرادا به التعجّب (٢) - لا شكّ أنّ الفعل إذا كان صحيح العين واللام، فأمره واضح، يقال:
حسن الوجه وجهك، ويجوز تسكين العين، كما يجوز ذلك في غير هذا الباب، وأمّا نقل حركة العين إلى الفاء، فقالوا: إن أجريته مجرى (نعم) جاز وإن أجريته مجرى فعل التعجب لا يجوز إلا إن كان مضعفا فيجب الإدغام، ويجوز النقل نحو: لحب الرجل زيد، ويجوز ألّا تنقل، فيقال: لحب الرجل، وإن كانت العين معتلة - فإنّه يلزم قبلها ألفا، لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، فيقال: لجار الرجل زيد، وإن كان معتلّ العين واللام فإن كانا واوين، فإنك تقلب ضمة العين كسرة، والواو التي هي لام ياء، استثقالا للواوين، والضّمة، فيقال: لقوي الرجل عمرو، وإن كانت العين واوا، واللام ياء، قلبت الياء واوا لتطرّفها وانضمام ما قبلها.
فيجتمع حينئذ واوان وضمة، وتنقل الكلمة، فتقلب الضمة كسرة، وتعود الواو -
стр. 2551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتطرفة إلى أصلها، وهو الياء، فيقال: لشوي الرجل عمرو، وإن كانت لام الفعل واوا بقيت. فيقال: لغزو الرجل وإن كانت لام الفعل ياء نحو: رمى، قلت: لرمو الرجل فنقلبها واوا؛ لانضمام ما قبلها. قال ابن عصفور (١): ومن النحويين من لا يجيز ذلك، بل يبقيه على حاله، فيقول: لرمي الرجل ولغزا الرجل يريد:
ما أرماه، وما أغزاه؛ قال: ولا يجوز عنده: لرمو ولغزو؛ لأن هذا الفعل لا يفارقه معنى التعجّب، وفعل التعجّب يجري مجرى أفعال التفضيل لعدم تصرّفه؛ ولأنّ وزنهما واحد ولذلك صحّت العين في: ما أطوله، وما أبينه، كما صحّت في: هذا أطول، وهو أبين، ولو لم يكن الفعل فعل تعجّب وجب الإعلال، فيقال: أطال، وأبان، فكما أجري فيما ذكر مجرى (أفعل من) فكذلك ينبغي أن يعامل معاملة الأسماء في أن لا يكون آخره واوا مضموما ما قبلها، والصحيح أنه يجب البناء على (فعل). إذا أريد معنى المدح أو الذّمّ، أو التعجّب؛ لأنّ معنى التحويل إلى (فعل) في الصحيح اللّام موجود في المعتلّ اللّام، وذلك أن (فعل) بالضّمّ هو من أفعال الغرائز.
ولا يبنى فعل التعجب إلا من فعل قد حوّل إلى (فعل)؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا الوصف المتعجّب منه كأنه غريزة في التعجّل من وصفه، وما قاله هذا القائل أنّه يكره أن يجيء، وفي آخره واو مضموم ما قبلها؛ لإجرائهم لها مجرى
الأسماء ليس فيه حجّة؛ لأنّ الأسماء إنما كره ذلك فيها؛ لأنها متعرضة لإضافتها إلى ياء المتكلم، وللحاق ياء النسب، ولذلك احتملوا الواو المضموم ما قبلها في الأفعال، نحو:
يدعو، ويغزو؛ لأنها غير متعرضة لذلك فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: لقضو الرجل وإذ سكنت العين من قضو، ورمو، وأمثالهما؛ تخفيفا قلت: لرمو الرجل فلا تردّ الواو إلى أصلها، وهو الياء، وإن ذهبت الضمة الموجبة لقلبها ياء؛ لأنّ ذهابها عارض، والعارض غير معتدّ به (٢) انتهى كلام ابن عصفور.
* * *
стр. 2552
الباب الثالث والثلاثون باب حبّذا
[أصلها - فاعلها - تمييزها - مخصوصها - إفرادها]
قال ابن مالك: (أصل «حبّ» من «حبّذا» حبب، أي صار حبيبا، فأدغم كغيره، وألزم منع التّصرّف وإيلاء ذا فاعلا، في إفراد، وتذكير وغيرهما، وليس هذا التركيب مزيلا فعليّة «حبّ» فتكون مع «ذا» مبتدأ، خلافا للمبرّد، وابن السّرّاج، ومن وافقهما، ولا اسميّة «ذا» فيكون مع «حبّ» فعلا، فاعله المخصوص خلافا لقوم، وتدخل عليها «لا» فتحصل موافقة «بئس» معنى ويذكر بعدهما المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبرا عنه بهما، أو خبر مبتدأ لا يظهر، ولا تعمل فيه النّواسخ، ولا يقدّم، وقد يكون قبله أو بعده تمييز مطابق، أو حال عامله «حبّ»، وربّما استغني به، أو بدليل آخر عن المخصوص، وقد تفرد «حبّ» فيجوز نقل ضمّة عينها إلى فائها، وكذا كلّ فعل حلقيّ الفاء، مراد به مدح أو تعجّب، وقد يجرّ فاعل «حبّ» بباء زائدة، تشبيها بفاعل «أفعل» تعجّبا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): الصحيح أنّ (حبذا) فعل وفاعل، [٣/ ١٠٨] ولكنه جرى مجرى المثل، فاستغني فيه بـ (ذا) عن (ذي)، في نحو قول الراجز:
٢٠٣٩ - يا حبّذا القمراء واللّيل السّاج ... وطرق مثل ملاء النّسّاج (٢)
وعن (ذين) في نحو قول الشاعر: -
стр. 2553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٠٤٠ - حبّذا أنتما خليليّ إن لم ... تعذلاني في دمعي المهراق (١)
وعن (أولئك) في نحو قول الشاعر:
٢٠٤١ - ألا حبّذا أهل الملا غير أنّه ... إذا ذكرت سلمى فلا حبّذا هيا (٢)
وأصل (حبّ): حبب، وهو وزن يندر في المضاعف؛ لاستثقال ضمة عين، تماثلها اللّام، لكن سهّله هنا عدم ظهوره، للزوم الإدغام وعدم التصرف، بخلاف:
لبّ الرجل؛ فإنّه يقال فيه: لببت ولم يلبب؛ فثقل وقلّت، ودلنا على أنّ (حبّ) في الأصل: حبب؛ قولهم فيه - إذا جرّد -: حبّ؛ إن قصد نقل حركة العين إلى الفاء، وإن لم يقصد ذلك قيل: حبّ بالفتح (٣) ويروى بالوجهين قال الشاعر:
٢٠٤٢ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحبّ بها مقتولة حين تقتل (٤)
ولا يجوز مع ذكر (ذا) إلا الفتح (٥)، والذي اخترته من كون (حبّ) باقيا على فعليّته، وكون (ذا) باقيا على فاعليته هو اختيار أبي علي الفارسيّ، وابن برهان، وابن خروف، وهو ظاهر كلام سيبويه، وزعم قوم - منهم ابن هشام -
стр. 2554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللخميّ - أنّ مذهب سيبويه جعل (حبّذا) مبتدأ مخبرا عنه بما بعده (١). قال ابن خروف: (حبّ) فعل، و (ذا) فاعله، و (زيد) مبتدأ، وخبره (حبّذا) هذا قول سيبويه، وأخطأ من زعم غير ذلك.
قلت: صرّح المبرد في المقتضب، وابن السّراج في الأصول، بأنّ (حبّ) و (ذا) جعلتا اسما مرفوعا بالابتداء (٢)، ولا يصحّ ما ذهب إليه من ذلك؛ لأنّهما مقرّان بفعلية (حبّ) وفاعليّة (ذا) قبل التركيب، وأنّهما بعد التركيب لم يتغيرا، معنى ولا لفظا، فوجب بقاؤهما على ما كانا عليه، كما وجب بقاء حرفية (لا) واسميّة ما ركّب معها، في نحو: لا غلام لك، مع أنّ التركيب قد أحدث في اسم (لا) لفظا ومعنى ما لم يكن، فبقاء جزأي (حبذا) على ما كانا عليه أولى؛ لأنّ التركيب لم يغيرها، لا لفظا، ولا معنى، وأيضا: لو كان (حبّذا) مركبا تركيبا مخرجا من نوع إلى نوع لكان لازما كلزوم تركيب (إذ ما) ومعلوم أنّ تركيب (حبّذا) لا يلزم، لجواز الاقتصار على (حبّ) عند العطف (٣) كقول بعض الأنصار ﵁ (٤):
٢٠٤٣ - فحبّذا ربّا وحبّ دينا (٥)
أراد: حبّذا دينا، فحذف (ذا) ولم يتغيّر المعنى، ولا يفعل ذلك بـ (إذ ما) -
стр. 2555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرها من المركّبات تركيبا مخرجا من نوع إلى نوع، فعلم بذلك أنّ تركيب (حبّذا) ليس تركيبا مخرجا من نوع إلى نوع.
وأيضا: لو كان (حبّذا) مبتدأ لدخلت عليه نواسخ الابتداء، كما تدخل على غيره من المبتدآت، فكان يقال: إنّ حبّذا زيد، وكان حبذا زيد، وفي منع ذلك دلالة على أنّ (حبّذا) ليس مبتدأ.
وأيضا: لو كان مبتدأ للزم إذا دخلت عليه (لا) أن يعطف عليه منفيّ بـ (لا) أخرى، فكان يمتنع أن يقال: ألا حبّذا زيد، حتّى يقال: ولا المرضيّ فعله، ونحو ذلك، كما يفعل مع المبتدأ الذي (حبّذا) مؤدّ معناه (١).
واختار ابن عصفور اسمية (حبّذا) مستدلّا بأنّ العرب قد أكثرت من دخول (يا) عليها، دون استيحاش، وزعم أنّ فعل ذلك مع غيرها، ممّا فعليته محققة مستوحش (٢) كقوله:
٢٠٤٤ - ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال (٣)
وعكس ما ادعاه أولى بالصحة؛ لأنّ دخول (يا) على فعل الأمر أكثر من دخولها على (حبّذا) فمن ذلك قراءة الكسائيّ: ألا يا اسجدوا لله (٤) وقال العلماء: تقديره: ألا يا هؤلاء اسجدوا؛ فكذلك يكون التقدير في «يا حبّذا»:
يا قوم حبّذا، أو نحو ذلك. -
стр. 2556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنّ حذف المنادى، وإبقاء حرف النداء يجوز بإجماع، ومنه قول الشاعر:
٢٠٤٥ - يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصّالحين على سمعان من جار (١)
وليس بشيء قول من قال - في قراءة الكسائيّ -: إنّ معناه: ألا ليسجدوا فحذف لام الأمر، وبقي الفعل مجزوما؛ لأنه قد روي عن الكسائيّ أنّ القارئ بروايته إذا اضطرّ للوقوف على الياء يقف بالألف، ويبدأ بعدها (اسجدوا) بضم الهمزة (٢)؛ فعلم بذلك أنه فعل أمر قبله (يا) وقد جعل بعض العلماء (يا) في مثل هذا لمجرّد التنبيه، دون قصد نداء، مثل (ها) ومثل (ألا) الاستفتاحية (٣)، وهذا هو الظاهر من كلام سيبويه في باب: عدّة ما يكون عليه الكلم (٤)، ويؤيد هذا كثرة دخولها على (ليت) (٥) في كلام من لا يحضره منادى، ولا يقصد نداء، كقوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ (٦)، وكثرة معاقبتها (ألا) -
стр. 2557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاستفتاحية، قبل (ليت) و (ربّ) كقول الشّاعر:
٢٠٤٦ - ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل (١)
وكقول الآخر:
٢٠٤٧ - يا ليت شعري هل يقضى انقضاء نوى ... فيجمع الله بين الرّوح والجسد (٢)
وكقول امرئ القيس:
٢٠٤٨ - ألا ربّ يوم صالح لك منهما ... ولا سيّما يوم بدارة جلجل (٣)
وكقول امرئ القيس أيضا:
٢٠٤٩ - فيا ربّ مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتّى تنفّسا (٤)
وذهب قوم إلى أنّ (حبّ) حين ضمّ إليها (ذا) نزّل منها منزلة حرف زائد، في الفعل، وصار المجموع فعلا مقتصرا على فاعل، فجعل المخصوص فاعلا، فإذا -
стр. 2558
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قيل: حبّذا زيد، فـ (حبّذا) بمجموعيه فعل، فاعله زيد (١).
وهذا قول في غاية من الضّعف؛ لأنّه مؤسس على دعوى مجردة عن الدليل، مع ما فيه من تغليب أضعف الجزءين على أقواهما، ومن ادّعاء تركيب فعل، من فعل واسم، ولا نظير لذلك (٢)؛ بل المعروف تركيب اسم من فعل واسم، كـ: (برق نحره) (٣)، و (تأبّط شرّا) (٤). والصحيح: أنّ (حبّ) فعل يقصد به المحبّة والمدح وجعل فاعله (ذا) ليدلّ بذلك على الحضور في القلب، ولم يغيرا لجريانهما مجرى الأمثال، فإن قصد به بغض وذمّ قيل: لا حبّذا [٣/ ١٠٩] كما قال الشاعر:
٢٠٥٠ - ألا حبّذا عاذري في الهوى ... ولا حبّذا الجاهل العاذل (٥)
وقال الآخر:
٢٠٥١ - لا حبّذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى منّا ولا نقم (٦)
-
стр. 2559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإلى هذا أشرت بقولي: وتدخل عليهما (لا)، فتحصل موافقة «بئس» معنى.
ثمّ قلت: ويذكر بعدهما المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبرا عنه بهما، أو خبر مبتدأ لا يظهر. فأشرت بذلك إلى أنّك إذا قلت: حبّذا زيد، أو نحو ذلك؛ فإنّ الواقع بعد (حبّذا) يسمّى المخصوص، وأنه مرفوع بالابتداء، وخبره (حبّذا) و (ذا) هو صاحب الخبر في المعنى، فأغنى عن العائد إغناء (ذلك) في قوله تعالى:
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (١). ويجوز كون المخصوص خبر مبتدأ مضمر كأنّه قيل - لمن قال: حبّذا - من المحبوب؟ فقال: زيد، يريد: هو زيد، والحكم عليه بالخبريّة - هنا - أسهل منه في باب (نعم)؛ لأنّ مصعبه - هناك - نشأ من دخول نواسخ الابتداء، وهي هاهنا - لا تدخل؛ لأنّ (حبّذا) جار مجرى المثل، والمثل وما جرى مجراه لا يغيران (٢) وهذا المعنى أيضا منع - هنا - من تقديم المخصوص، فلا يقال: زيد حبذا، وقد أغفل أكثر النحويّين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب وعلى امتناع نسخ ابتدائيته. وهو من المهمات (٣). وتنبّه ابن بابشاذ إلى
التنبيه على امتناع التقديم، ولكن جعل سبب ذلك، خوف توهّم كون المراد من «زيد حبّذا»: زيد أحبّ ذا (٤)، وتوهّم هذا بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله؛ بل المنع من أجل إجراء (حبّذا) مجرى المثل، وما كان كذلك فلا يغيّر، بتقديم بعضه على بعض، ولا يغير ذلك (٥). -
стр. 2560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد يكون قبل مخصوص (حبّذا) أو بعده تمييز مطابق أو حال: فأمّا التمييز فكثير متفق على استعماله مطابقا للمخصوص، فيما له من إفراد وتذكير، وفروعهما، كقولك: حبّذا رجلا الحارث، و: حبّذا غلامين ابناك و: حبّذا رجالا الزيدون، و: حبّذا امرأة هند، و: حبّذا جاريتين ابنتاهما، و: حبّذا نسوة الفواطم، فهذه أمثلة تقديم التمييز على المخصوص، فإذا قدّم عليه المخصوص وأخّر في كلّ واحد من الأمثلة المذكورة فهو سهل يسير، واستعماله كثير، إلّا أنّ الأوّل أولى وأكثر (١).
فمن تقديم التمييز على المخصوص قول الشّاعر:
٢٠٥٢ - ألا حبّذا قوما سليم فإنّهم ... وفوا إذ تواصوا بالإعانة والنّصر (٢)
ومن تأخير التمييز على المخصوص قول رجل من طيئ:
٢٠٥٣ - حبّذا الصّبر شيمة لامرئ ... رام مباراة مولع بالمعالي (٣)
وقد يقع موقع هذا التمييز حال كقولك: حبّذا زيد مقصودا وقاصدا، ولا حبّذا عمرو صادرا ولا واردا، ومنه قول الشاعر:
٢٠٥٤ - يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف ... في أوجه البرّ إسرارا وإعلانا (٤)
-