← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنّ حذف المنادى، وإبقاء حرف النداء يجوز بإجماع، ومنه قول الشاعر: ٢٠٤٥ - يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصّالحين على سمعان من جار (١) وليس بشيء قول من قال - في قراءة الكسائيّ -: إنّ معناه: ألا ليسجدوا فحذف لام الأمر، وبقي الفعل مجزوما؛ لأنه قد روي عن الكسائيّ أنّ القارئ بروايته إذا اضطرّ للوقوف على الياء يقف بالألف، ويبدأ بعدها (اسجدوا) بضم الهمزة (٢)؛ فعلم بذلك أنه فعل أمر قبله (يا) وقد جعل بعض العلماء (يا) في مثل هذا لمجرّد التنبيه، دون قصد نداء، مثل (ها) ومثل (ألا) الاستفتاحية (٣)، وهذا هو الظاهر من كلام سيبويه في باب: عدّة ما يكون عليه الكلم (٤)، ويؤيد هذا كثرة دخولها على (ليت) (٥) في كلام من لا يحضره منادى، ولا يقصد نداء، كقوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ (٦)، وكثرة معاقبتها (ألا) -

стр. 2557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الاستفتاحية، قبل (ليت) و (ربّ) كقول الشّاعر: ٢٠٤٦ - ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل (١) وكقول الآخر: ٢٠٤٧ - يا ليت شعري هل يقضى انقضاء نوى ... فيجمع الله بين الرّوح والجسد (٢) وكقول امرئ القيس: ٢٠٤٨ - ألا ربّ يوم صالح لك منهما ... ولا سيّما يوم بدارة جلجل (٣) وكقول امرئ القيس أيضا: ٢٠٤٩ - فيا ربّ مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتّى تنفّسا (٤) وذهب قوم إلى أنّ (حبّ) حين ضمّ إليها (ذا) نزّل منها منزلة حرف زائد، في الفعل، وصار المجموع فعلا مقتصرا على فاعل، فجعل المخصوص فاعلا، فإذا -

стр. 2558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قيل: حبّذا زيد، فـ (حبّذا) بمجموعيه فعل، فاعله زيد (١). وهذا قول في غاية من الضّعف؛ لأنّه مؤسس على دعوى مجردة عن الدليل، مع ما فيه من تغليب أضعف الجزءين على أقواهما، ومن ادّعاء تركيب فعل، من فعل واسم، ولا نظير لذلك (٢)؛ بل المعروف تركيب اسم من فعل واسم، كـ: (برق نحره) (٣)، و (تأبّط شرّا) (٤). والصحيح: أنّ (حبّ) فعل يقصد به المحبّة والمدح وجعل فاعله (ذا) ليدلّ بذلك على الحضور في القلب، ولم يغيرا لجريانهما مجرى الأمثال، فإن قصد به بغض وذمّ قيل: لا حبّذا [٣/ ١٠٩] كما قال الشاعر: ٢٠٥٠ - ألا حبّذا عاذري في الهوى ... ولا حبّذا الجاهل العاذل (٥) وقال الآخر: ٢٠٥١ - لا حبّذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى منّا ولا نقم (٦) -

стр. 2559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإلى هذا أشرت بقولي: وتدخل عليهما (لا)، فتحصل موافقة «بئس» معنى. ثمّ قلت: ويذكر بعدهما المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبرا عنه بهما، أو خبر مبتدأ لا يظهر. فأشرت بذلك إلى أنّك إذا قلت: حبّذا زيد، أو نحو ذلك؛ فإنّ الواقع بعد (حبّذا) يسمّى المخصوص، وأنه مرفوع بالابتداء، وخبره (حبّذا) و (ذا) هو صاحب الخبر في المعنى، فأغنى عن العائد إغناء (ذلك) في قوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (١). ويجوز كون المخصوص خبر مبتدأ مضمر كأنّه قيل - لمن قال: حبّذا - من المحبوب؟ فقال: زيد، يريد: هو زيد، والحكم عليه بالخبريّة - هنا - أسهل منه في باب (نعم)؛ لأنّ مصعبه - هناك - نشأ من دخول نواسخ الابتداء، وهي هاهنا - لا تدخل؛ لأنّ (حبّذا) جار مجرى المثل، والمثل وما جرى مجراه لا يغيران (٢) وهذا المعنى أيضا منع - هنا - من تقديم المخصوص، فلا يقال: زيد حبذا، وقد أغفل أكثر النحويّين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب وعلى امتناع نسخ ابتدائيته. وهو من المهمات (٣). وتنبّه ابن بابشاذ إلى التنبيه على امتناع التقديم، ولكن جعل سبب ذلك، خوف توهّم كون المراد من «زيد حبّذا»: زيد أحبّ ذا (٤)، وتوهّم هذا بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله؛ بل المنع من أجل إجراء (حبّذا) مجرى المثل، وما كان كذلك فلا يغيّر، بتقديم بعضه على بعض، ولا يغير ذلك (٥). -

стр. 2560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يكون قبل مخصوص (حبّذا) أو بعده تمييز مطابق أو حال: فأمّا التمييز فكثير متفق على استعماله مطابقا للمخصوص، فيما له من إفراد وتذكير، وفروعهما، كقولك: حبّذا رجلا الحارث، و: حبّذا غلامين ابناك و: حبّذا رجالا الزيدون، و: حبّذا امرأة هند، و: حبّذا جاريتين ابنتاهما، و: حبّذا نسوة الفواطم، فهذه أمثلة تقديم التمييز على المخصوص، فإذا قدّم عليه المخصوص وأخّر في كلّ واحد من الأمثلة المذكورة فهو سهل يسير، واستعماله كثير، إلّا أنّ الأوّل أولى وأكثر (١). فمن تقديم التمييز على المخصوص قول الشّاعر: ٢٠٥٢ - ألا حبّذا قوما سليم فإنّهم ... وفوا إذ تواصوا بالإعانة والنّصر (٢) ومن تأخير التمييز على المخصوص قول رجل من طيئ: ٢٠٥٣ - حبّذا الصّبر شيمة لامرئ ... رام مباراة مولع بالمعالي (٣) وقد يقع موقع هذا التمييز حال كقولك: حبّذا زيد مقصودا وقاصدا، ولا حبّذا عمرو صادرا ولا واردا، ومنه قول الشاعر: ٢٠٥٤ - يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف ... في أوجه البرّ إسرارا وإعلانا (٤) -

стр. 2561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتزم بعض المتأخرين كون المنطوق بعد (ذا) تمييزا وليس ملتزما؛ لأنّ الحال قد أغنت عنه في النظم والنثر، وقد يستغنى هنا عن المخصوص لظهور معناه (١)، فمن الاستغناء عنه قول بعض الأنصار - رضي الله تعالى عنهم -: ٢٠٥٥ - باسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا فحبّذا ربّا وحبّ دينا (٢) فاستغني عنه - هنا - بذكر التمييز وقد يستغنى عنه دون تمييز كقول الشاعر: ٢٠٥٦ - ألا حبّذا لولا الحياء وربّما ... منحت الهوى ما ليس بالمتقارب (٣) وقد تفرد (حبّ) فيجوز - حينئذ - أن تفتح حاؤها استصحابا لحالها، وأن تجعل عليها الضمة، التي كانت للعين، فيقال: حبّ زيد، وحبّ زيد. وهذا النقل جائز في كلّ فعل حلقيّ الفاء، على (فعل) مقصودا به التعجب، كقول الشاعر: ٢٠٥٧ - حسن فعلا لقاء ذي الثّروة المم ... لق بالبشر والعطاء الجزيل (٤) -

стр. 2562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يجرّ فاعل (حبّ) بباء زائدة، تشبيها بفاعل (أفعل) تعجبا، ومنه قول الشاعر: ٢٠٥٨ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحبّ بها مقتولة حين تقتل (١) يروى بضمّ الحاء، وفتحها، وحكى الكسائيّ: مررت بأبيات جاد بهن أبياتا، وجدن أبياتا (٢)؛ فحذف الباء، وجاء بضمير الرفع، وهذا الاستعمال جائز في كلّ فعل ثلاثيّ مضمّن معنى التعجّب (٣). انتهى كلام المصنّف رحمه الله تعالى، وهو كلام يستغني الناظر فيه به عن النظر في غيره. ثمّ لنشر إلى أمور: منها: أنّ (حبّ) في الأصل متعدّ، وهو (فعل) بفتح العين، يقال: حببت زيدا، أحبّه كما يقال: أحببته وأحبه، وقد قرئ: فاتبعوني يحبكم الله (٤)، و (حبب) محوّل عنه، ولمّا حوّلت إلى (فعل) صارت لازمة؛ لأنها لحقت بأفعال الغرائز. ذكر ذلك ابن عصفور، ثمّ قال: وكان ينبغي - على هذا - أن يسند إلى ما تسند إليه (نعم وبئس) من الأسماء، لكنهم أتوا بدل اسم الجنس باسم إشارة مشارا به إلى الجنس الممدوح من جهة أنّ (ذا) إشارة إلى ما قرب، كما أنّ (ذلك) إشارة إلى ما بعد، وهم إنّما يمدحون بـ (حبّذا) كلّ ما قرب من القلب وهو كلّ محبوب، فلو -

стр. 2563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وضع الرجل موضع (ذا) لما فهم منه ما أرادوه من التقريب (١). قال: وإذا أرادوا معنى الذم أدخلوا عليها (لا) النافية؛ لأنّ نفي المدح ذمّ (٢). ومنها: أنّ ابن عصفور استدلّ على أنّ (حبّذا) جعل بمنزلة لفظ واحد، فكانت مبتدأ، وإن كان أصلها الفعل والفاعل (٣) بشيئين: أولهما: أنّ (ذا) لا تتغير بحسب المشار إليه، فكما يقال: حبذا زيد، يقال: حبذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبّذا الهندات (٤)، وقد قال الشاعر: ٢٠٥٩ - وحبّذا نفحات من يمانية ... تأتيك من قبل الرّيّان أحيانا (٥) ثانيهما: أنّهم لا يفصلون بين (حبّ) و (ذا) بشيء، لا يقال: حبّ اليوم ذا. فدلّ هذان الأمران على أنّهم أخرجوا الجملة المركبة، من (حبّ) و (ذا) عن أصلها، وجعلوها بمنزلة لفظ واحد. انتهى. وقد عرفت [٣/ ١١٠] ما استدلّ به المصنف على أن (حبّذا) - من قولنا: حبّذا زيد - فعل وفاعل، لم يحصل فيهما تغيير، وكفى به، وأما ما استدلّ به ابن عصفور، فالجواب: أنّ (حبذا) جار مجرى المثل، وأنّ الأمثال وما جرى مجراها لا يغيّران، وأما قول ابن عصفور: إنّ (حبّذا) مبتدأ، مخبر عنه بما بعده، والتقدير: المحبوب زيد، فقد تقدم نقل المصنف عن ابن خروف أنّ (حبّ) فعل، و (ذا) فاعله و (زيد) مبتدأ، وخبره (حبذا)، وأنّ ابن خروف قال: وهذا قول سيبويه، وأخطأ من زعم غير ذلك (٦). ونصّ سيبويه هو أن قال: وزعم الخليل أنّ (حبذا) -

стр. 2564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بمنزلة: حبّ الشيء، ولكنّ (ذا) و (حبّ) بمنزلة كلمة واحدة، نحو: لولا، وهو اسم مرفوع، كما تقول: يا ابن عمّ، فالعمّ مجرور ألا ترى أنّك تقول للمؤنث: حبّذا، ولا تقول: حبذه؛ لأنه صار مع (حبّ) على ما ذكرت لك، وصار المذكور هو اللازم؛ لأنّه كالمثل (١). انتهى. ولا شكّ أن ظاهر كلامه يعطي ما ذهب إليه ابن عصفور وغيره. ولكن قد قال بعض العلماء: لا تعلق لمن ينسب إلى سيبويه أنّ (حبذا) كلمة، اسم بهذا اللفظ؛ إذ ليس صريحا، بل لو قيل: إنّ ظاهره يعطي خلاف ذلك لكان الوجه، ألا ترى في تنظيره بـ (ابن عمّ) وقوله: فالعمّ مجرور؛ إشارة منه إلى تعليل بناء (ذا) مع المذكر والمؤنث على صورة واحدة، قال: ولهذا عول ابن خروف والشلوبين على هذا المفهوم (٢). ومنها: أن المنقول عن ابن كيسان أنّ (ذا) من (حبّذا) مشار به أبدا إلى مذكّر محذوف، والتقدير: حبذا حسن زيد، وحبّذا امرأة، وشأنه، وكذلك التقدير في: حبذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبذا الهندات، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه (٣). وقد ردّ ذلك: بأنّ هذه دعوى لا دليل عليها، إذ لم يتكلموا به في موضع وإنما يدعي الإضمار، لو نطق بذلك المضمر في موضع (٤) وبأنّ ما بعد اسم الإشارة وصف له، ولا يحذف؛ لأنّه هو العمدة، لأنّ اسم الإشارة لازم الوصف في مواضع الإبهام، كما في النداء؛ لأنه كالمضمر في التفسير، وبأنه لو كان الأمر كذلك لجاز أن يقال: حبّذا، ويتمّ المقصود؛ لأنه ليس لازم الوصف، من حيث إنّ القائل بهذا القول قد جوّز الحذف (٥). -

стр. 2565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا شكّ أنّ هذا القول المنقول عن ابن كيسان بعيد عن المراد فلا ينبغي أن يعرّج عليه. ومنها: أنّ الشيخ قال: دخول (لا) على (حبذا) لا يخلو من إشكال؛ لأنّ (حبّذا) إما فعل، و (ذا) فاعل، أو كلّه فعل، وعلى كلا التقديرين لا ينبغي أن يدخل (لا) عليه؛ لأنّ (لا) لا تدخل على الماضي غير المتصرف، وتدخل على المتصرف قليلا، وأما هو بمجموعه اسم؛ فلا ينبغي أن يدخل (لا) عليه أيضا؛ لأنه إما أن يقدر منصوبا بها وليس بجيد؛ لأنّ النصب على العموم، نحو: لا رجل، ولا يصح هنا؛ لأنه خصوص. وإما أن يقدّر مرفوعا، وليس بجيد؛ لأن الأصحّ تكرار (لا) فلا بدّ منه، ولا يجوز إذا ارتفعت الأسماء بعدها بالابتداء ألّا تكرر إلا على مذهب الأخفش والمبرّد (١). انتهى. ونحن إذا مشينا على المذهب الذي رجّحه المصنف، واختاره وهو أنّ (حبّذا) فعل وفاعل سهل الأمر؛ وذلك أن يقال للشّيخ: (حبّذا) وإن كان لا يتصرف الآن؛ فهو قبل إسناده إلى (ذا) متصرف، وإنّما عدم التصرّف له عارض، فلا يعتبر، وأنت قد اعترفت بأنّ (لا) تدخل على الفعل المتصرف قليلا، فهذا من القليل الذي أشرت إليه. ومنها: أنّ المصنف قد جوز في إعراب المخصوص الواقع بعد (حبّذا) وجهين: أن يكون مبتدأ والجملة بعده هي الخبر عنه، وأن يكون خبر مبتدأ مقدّر (٢)، وذكر الشيخ أنّ منهم من يقول: إنّه مبتدأ محذوف الخبر، فيصير فيه ثلاثة أقوال، كالثلاثة التي ذكرها في (زيد) من نحو: نعم الرجل زيد. وأقول: قد تقدّم بيان ضعف هذا القول الثالث، فلا ينبغي التعويل عليه، وقد تقدم عن ابن كيسان أنّ (ذا) من (حبّذا) مشار به أبدا إلى مذكّر محذوف، والتقدير: حبّذا حسن زيد؛ فعلى مذهبه يقال: إنّ «زيدا» من نحو: حبذا زيد -

стр. 2566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تابع لـ (ذا) على البدل تبعا لازما، وكأنّه حكم للمضاف إليه بعد حذف المضاف، بما كان يحكم به للمضاف، وأمّا القائل بأنّ المجموع اسم فقد عرفت أنّ المخصوص هو الخبر عنده و (حبّذا) قبله هو المبتدأ. قال الشيخ: وهو قول المبرّد، وأباه أبو عليّ، واختار أن يكون (حبّذا) خبرا، والمخصوص مبتدأ (١). ومنها: أنّ الذي أفهمه كلام المصنّف، وتمثيله في شرحه لقوله: وقد يكون قبله أو بعده تمييز مطابق أو حال عامله (حبّ) أنّه حيث كانّ ذلك الاسم المنصوب جامدا حكمنا بأنه تمييز، وحيث كان مشتقّا حكمنا بأنّه حال؛ لأنّه مثّل للحال بقوله: حبذا زيد مقصودا وقاصدا، ولا حبذا عمرو صادرا ولا واردا، وبقول الشّاعر: ٢٠٦٠ - يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف (٢) وأما ابن عصفور فإنّه قال: والاسم المنصوب بعد (حبّذا) - جامدا كان أو مشتقّا - تمييز، بدليل جواز دخول (من) عليه، كقولك: حبّذا من رجل زيد، وحبذا من راكب زيد (٣). قال: ومن النحويين من يجعله إذا كان مشتقّا حالا، وهو باطل؛ لأنّ (من) لا تدخل على الحال (٤)، وذكر الشيخ في شرحه أنّ في ذلك للنحاة مذاهب ثلاثة: الأول: مذهب جماعة، منهم الأخفش والفارسيّ (٥): أنّ ذلك الاسم منصوب على الحال لا غير، سواء كان جامدا، أم مشتقّا. الثاني: مذهب أبي عمرو بن العلاء (٦): أنه منصوب على التمييز، لا غير، سواء كان جامدا أم مشتقّا. -

стр. 2567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالث: مذهب بعضهم: وهو أنّه إن كان مشتقّا فحال، وإن كان جامدا فتمييز (١)، قال: وقبول الجامد والمشتقّ دخول (من) عليهما [٣/ ١١١]، يرجّح أن ينتصبا على التمييز؛ لأنّ الحال لا تدخل عليها (من) وهذه إشارة من الشيخ إلى ما قاله ابن عصفور، ثمّ قال الشيخ: والذي يظهر أنه إن كان جامدا كان تمييزا، وإن كان مشتقّا فمقصدان للمتكلم: إن أراد تقييد المبالغة في مدح المخصوص بوصف كان ذلك المنصوب حالا، ولا يصحّ دخول (من) عليه إذ ذاك. وإن أراد عدم التقييد، بل جنس المبالغ في مدحه كان ذلك المنصوب تمييزا. فمثال الأول: حبذا هند مواصلة، أي في حال مواصلتها. ومثال الثاني: حبذا راكبا زيد، وهو الذي تدخل عليه (من) (٢). انتهى. وهو كلام حسن مقبول. وقال ابن عصفور: وإنما ساغ دخول (من) على تمييز (حبّذا) ولم يسغ ذلك في تمييز (نعم)؛ لأنّه هنا لا يشبه المنقول؛ لأنّ (حبّ) لم تكن مسندة إليه، في حال من الأحوال، ولأنّه جنس، والمحبوب الذي قصدت أن تبيّن أنه محبوب بالنّظر إليه بعضه، فساغ دخول (من) المبعضة عليه لذلك (٣). ومنها: أنّ المصنف أنشد: فحبّذا ربّا (٤) مستدلّا به على أنّه قد استغني فيه بالتمييز عن المخصوص، وأنشد أيضا: ٢٠٦١ - ألا حبّذا لولا الحياء ... ... ... البيت (٥) مستدلّا به على أنّه قد استغني فيه عن المخصوص، دون تمييز. فأما الأول (٦): فالتقدير فيه: فحبذا ربّا الإله، وأمّا الثّاني (٧): فالتقدير فيه: ألا حبّذا حالتي معك، مشيرا إلى هواه إياها، وزيارته، وما رتب على ذلك في قوله: هويتك حتّى كاد يقتلني الهوى ... وزرتك حتّى لامني كلّ صاحب -

стр. 2568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحتّى رأى منّي أدانيك رقّة ... عليك، ولولا أنت ما لان جانبي (١) وبعد ذلك البيت: بأهلي ظباء من ربيعة عامر ... عذاب الثّنايا مشرفات الحقائب (٢) قال الشيخ: وفي جواز حذفه - أي: حذف المخصوص - دليل على فساد قول من ذهب إلى أنّ (حبّذا) كلّه فعل، وأنّ المخصوص فاعل به؛ إذ الفاعل لا يجوز حذفه، ودليل على أنّه لا يكون خبر مبتدأ؛ إذ يلزم حذف الجملة بأسرها، من غير عوض عنها، ولا قائم مقامها، وذلك لا يجوز. ومنها: أنّ المصنف قال - في قول القائل: وحبّ دينا -: إنّه أراد: وحبذا دينا، فحذف (ذا) ولم يتغيّر المعنى (٣)، فقال الشيخ فيه: إنّ القواعد تأبى ذلك؛ لأنّه إن كان فاعلا فلا يجوز حذفه، وإن كان جزءا من المركّب الذي حكم عليه بأنّه اسم كلّه، أو بأنّه فعل كلّه، فلا يجوز حذفه؛ لأنّه - حال التركيب - صار جزءا من أجزاء الاسم، أو أجزاء الفعل، فكما لا يصحّ حذف بعض الاسم، ولا بعض الفعل، كذلك لا يصحّ في (حبّذا) (٤). وأمّا: «وحبّ دينا» فلا حذف فيه؛ لأنّ لـ (حبّ) استعمالين: أحدهما: أن يليها (ذا) وتضمّن المبالغة في المدح. والثاني: أن لا يليها (ذا) وتكون ممّا بني على (فعل) وأجري مجرى (نعم) و (بئس) فيتخرج «حبّ دينا» على أن تكون (حبّ) استعملت هذا الاستعمال الثاني، وعلى هذا يكون في (حبّ) ضمير يفسره قوله: (دينا) ويكون قد حذف المخصوص، والتقدير: وحبّ دينا ديننا، كما أنك تقول - لمن ذكر زيدا -: نعم رجلا زيد، فيكون مثل قول الشّاعر: -

стр. 2569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٠٦٢ - وزاده كلفا بالحبّ أن منعت ... وحبّ شيئا إلى الإنسان ما منعا (١) وإذا احتمل أن يكون من باب (نعم) و (بئس) لم يكن في قول القائل: «وحبّ دينا» دليل على جواز حذف (ما) منها (٢). ومنها: أنّ الشيخ قال: ومن ذهب إلى أنّ (ذا) فاعل بـ (حبّ) في (حبّذا) لا يجيز إتباعه بنعت، ولا عطف، ولا تأكيد، ولا بدل، وأما المخصوص فيجوز فيه ذلك (٣). انتهى. ولا شكّ أنّ هذا الذي ذكره يعلم من قول المصّنف: إنّ (حبّذا) جرى مجرى الأمثال، وما جرى مجرى الأمثال حكمه حكم الأمثال، وقد علم أنّ الأمثال لا تغيّر فـ (ذا) من (حبّذا) - وإن أعربناه فاعلا - إنّما هو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم قدّم عليه فعل فارغ؛ فوجب إسناده إليه ولكنّه في هذا الاستعمال - أعني «حبّذا زيد» - صار الإخبار عنه بالفعل غير مقصود، وصار المقصود إنما هو الإخبار بمدح المخصوص في (حبّذا) أو ذمّه في (لا حبّذا). وإذا كان كذلك، فكيف يتبع ما هو غير المقصود تابع؟!. ومنها: أنّ المصنف لمّا ذكر النقل في (حبّ) إذا أفردت عن (ذا) قال: وكذا كلّ فعل حلقيّ الفاء مراد به مدح أو تعجّب، فقال الشيخ: ليس النقل مختصّا بكون الفعل حلقيّ الفاء، بل كلّ فعل على (فعل) أصلا أو محولا لمدح أو ذمّ يجوز فيه النقل فيقال: لضرب الرّجل (٤). * * *

стр. 2570

شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد» تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة ٧٧٨ هـ دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) [المجلد السادس]

стр. 2571

الباب الرابع والثلاثون باب التّعجّب [تعريفه وصيغه - حكم المتعجب منه] قال ابن مالك: (ينصب المتعجّب منه مفعولا بموازن «أفعل» فعلا لا اسما، خلافا للكوفيّين، غير الكسائيّ، مخبرا به عن «ما» متقدّمة بمعنى شيء، لا استفهاميّة خلافا لبعضهم، ولا موصولة خلافا للأخفش في أحد قوليه، وك «أفعل» «أفعل» خبرا لا أمرا، مجرورا بعده المتعجّب منه بياء زائدة لازمة، وقد تفارقه إن كان «أن» وصلتها، وموضعه رفع بالفاعلية لا نصب بالمفعوليّة، خلافا للفرّاء والزّمخشريّ وابن خروف. واستفيد الخبر من الأمر هنا، وفي جواب الشّرط، كما استفيد الأمر من مثبت الخبر والنّهي من منفيه، وربّما استفيد الأمر من الاستفهام، ولا يتعجّب إلّا من مختصّ، وإذا علم جاز حذفه مطلقا، وربّما أكّد «أفعل» بالنّون، ولا يؤكّد مصدر فعل تعجّب، ولا أفعل تفضيل). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): للتعجّب ألفاظ كثيرة لا يتعرض لها النحويّون، في باب التعجب، كقول العرب: «لله أنت» (٢) و «واها له» (٣) وكقول النبيّ ﷺ

стр. 2572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأبي هريرة (١) ﵁: «سبحان الله إنّ المؤمن لا ينجس» (٢). ومن ألفاظه «فعل» المتقدم ذكره في باب «نعم» نحو: بغض الرجل زيد (٣)، ومنها المذكور فى باب الاستغاثة نحو: يا للمراء، ومنها ما يذكر في باب القسم من نحو: لله لا يؤخّر الأجل (٤)، وإنما ينوب في النحو من ألفاظه لـ «أفعل» و «أفعل» وهما فعلان غير متصرّفين (٥)، ولا خلاف في فعليّة [٣/ ١١٢] «أفعل»؛ لأنه على وزن مختصّ بالأفعال ولأنه قد يؤكد بالنّون كقول الشاعر: ٢٠٦٣ - ومستبدل من بعد غضبى صريمة ... فأحر به من طول فقر وأحريا (٦) أراد: وأحرين، فأبدل النّون ألفا للوقف، وأما «أفعل» فمختلف فى فعليّته عند -

стр. 2573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكوفيين، ومتفق على فعليته عند البصريين (١)، وهو الصحيح؛ للزوم اتّصال نون الوقاية به (٢) عاملا في ياء المتكلّم، نحو: ما أفقرني إلى عفو الله (٣)، ولا يكون كذلك إلا فعل، ولا يرد على هذا «عليكني» ولا «رويدني» فإنّه قد يقال فيهما: عليك بي، ورويد لي، فيستغنى فيها عن نون الوقاية بالباء واللام، بخلاف: «ما أفقرني» ونحوه، فإنّ النون فيه لازمة، غير مستغنى عنها بغيرها (٤)، والمتعجب منه منصوب بـ «أفعل» على المفعوليّة، إن وقع بعده، نحو: ما أظهر الحقّ، وما أدحض الباطل (٥)، ومجرور بباء لازمة إن وقع بعد «أفعل» نحو: أكرم بزيد، و «ما» الواقعة قبل «أفعل» اسم مبتدأ، بلا خلاف، لأنّ «أفعل» ثابت الفعلية (٦) ولا بدّ له من فاعل، وليس ظاهرا، فتعيّن كونه ضميرا، ولا مذكور يرجع إليه غير «ما» فتعيّن كونها اسما، وبعد ثبوت اسميّتها فهي إمّا بمعنى شيء (٧)، وإما بمعنى الذي، وإما استفهاميّة، والقول الأول قول البصريين وهو الصحيح، لأنّ قصد المتعجّب الإعلام بأنّ المتعجّب منه ذو مزية إدراكها جليّ، وسبب الاختصاص خفيّ، فاستحقت الجملة المعبّر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصّة، ليحصل -

стр. 2574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بذلك إبهام، متلوّ بإفهام ولا ريب أنّ الإبهام حاصل بإيقاع «أفعل» على المتعجّب منه؛ إذ لا يكون مختصّا، فتعين كون الباقي مقتضيا الإبهام، وهو «ما» فلذلك اختير القول بتنكيرها، ولا يمتنع الابتداء بها - وإن كانت نكرة غير مختصّة - كما لم يمتنع الابتداء بـ «من» و «ما» الشرطيّتين والاستفهاميتين، ووافق أبو الحسن الأخفش على صحّة جعل «ما» التعجبية نكرة، وأجاز كونها موصولة بفعل التعجّب، مخبرا عنها بخبر لازم الحذف (١)؛ فتحصّل أيضا بقوله هذا إفهام وإبهام، فحصول الإفهام بذكر المبتدأ أو صلته، وحصول الإبهام بالتزام حذف الخبر، إلا أنّ هذا القول يستلزم مخالفة النظائر من وجهين (٢): أحدهما: تقدّم الإفهام، وتأخّر الإبهام، والمعتاد فيما تضمّن من الكلام إفهاما، وإبهاما: تقدّم ما به الإبّهام، وتأخّر ما به الإفهام، كما فعل بضمير الشأن ومفسّره، وبضميري «نعم»، و «ربّ»، وبالعموم والتخصيص، وبالمميّز والتمييز، وأشباه ذلك. الثّاني: كون الخبر فيه ملتزم الحذف دون شيء، يسدّ مسدّه، والمعتاد في الخبر، الملتزم الحذف، أن يسدّ مسدّه شيء، يحصل به استطالة كما كان بعد «لولا»، وفي نحو: لعمرك لأفعلنّ، فالحكم بموصوليّة «ما» وكون الخبر محذوفا، دون استطالة حكم بما لا نظير له؛ فلم يعول عليه ولا أجيب الدّاعي إليه، وأيضا يقال لمن ذهب هذا المذهب: أخبرني عن الخبر الذي ادّعيت حذفه، أمعلوم هو أم مجهول؟ فإن قال: هو معلوم؛ فقد أبطل الإبهام المقصود، وإن قال: هو مجهول؛ لزمه حذف ما لا يصحّ حذفه، فإنّ شرط صحة حذف الخبر ألا يكون مجهولا، وهذا كاف في بيان ضعف القول بأن «ما» التعجبية موصولة بفعل التعجّب، وأما كونها استفهامية وهو قول الكوفيين (٣) فليس بصحيح؛ لأنّ قائل -

стр. 2575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك إما أن يدّعي تجردها للاستفهام، وأما أن يدعي كونها للاستفهام والتعجّب معا، كما هي في قوله تعالى: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١). فالأول باطل بإجماع، ولأنّ اللفظ المجرد للاستفهام لا يتوجّه ممّن يعلم إلى من يعلم، و «ما أفعله» صالح لذلك، فلم يكن لمجرد الاستفهام، والثاني أيضا باطل؛ لأنّ الاستفهام المشوب بتعجّب لا يليه - غالبا - إلا الأسماء، نحو: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢)، وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٣)، الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٤)، الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٥)، ونحو قول الشاعر: ٢٠٦٤ - يا سيّدا ما أنت من سيّد ... موطّأ الأكناف رحب الذّراع (٦) ومثله: ٢٠٦٥ - يا جارتا ما أنت جارة (٧) و «ما» المشار إليها مخصوصة بالأفعال، فعلم أنّها غير المضمّنة استفهاما، وأيضا: لو كان فيها معنى استفهام لجاز أن تخلفها «أيّ» كما يجوز أن تخلفها في نحو: (... ما أنت من سيّد) لأنّ استعمال «أيّ» في الاستفهام المضمّن تعجّبا كثير، كقوله: ٢٠٦٦ - أيّ فتى هيجاء أنت وجارها (٨) -

стр. 2576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأيضا، فإنّ قصد التعجّب بـ «ما أفعله» مجمع عليه، وكونه مشوبا باستفهام، أو ملموحا فيه الاستفهام زيادة لا دليل عليها، فلا يلتفت إليها (١). وفي «أفعل» المتعجّب به، مع الإجماع (٢) على فاعليته قولان: أحدهما: أنّه في اللفظ أمر، وفي المعنى خبر إنشائي مسند إلى المتعجّب منه المجرور بالباء (٣). الثاني: أنّه أمر باستدعاء التعجّب من المخاطب، مسند إلى ضميره، وهو قول الفرّاء واستحسنه الزمخشريّ، وابن خروف (٤) والأول هو الصحيح، لسلامته ممّا يرد على الثاني من استشكالات: أحدها: أنّه لو كان الناطق بـ «أفعل» المذكور آمرا بالتعجّب لم يكن متعجّبا، كما لا يكون الآمر بالحلف، والنّداء، والتشبيه، حالفا، ولا مناديا، ولا مشبها، ولا خلاف في كون الناطق بـ «أفعل» المذكور متعجّبا، وإنما الخلاف في انفراد التعجّب، ومجامعة الأمريّة (٥). الثاني: أنّه لو كان أمرا مع الإجماع على فعليّته لزم إبراز ضميره في التأنيث، والتثنية والجمع، كما يلزم في كلّ فعل أمر، متصرفا كان أو غير متصرّف، -

стр. 2577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يعتذر [٣/ ١١٣] عن ذلك بأنه مثل أو جار مجرى المثل (١)، لأنّ المثل يلزم لفظا واحدا دون تبديل، ولا تغيير، نحو: أطرّي فإنّك ناعلة (٢): ٢٠٦٧ - ... خلالك الجوّ فبيضي واصغري (٣) والجاري مجرى المثل يلزم لفظا واحدا مع اغتفار بعض التغيير، نحو: حبّذا ولله درّك، فالتزم لفظ «حبّذا»، و «لله» أن تختم الجملتان بما كان للناطق بهما غرض في الختم به، و «أفعل» المذكور لا يلزم لفظا واحدا، أصلا، فليس مثلا، ولا جاريا مجرى المثل، فلو كان فعل أمر مسند إلى المخاطب لبرز ضميره في التأنيث، والتثنية، والجمع، كما برز مع غيره، من أفعال الأمر العارية من المثلية، وقيدت أفعال الأمر بالعارية من المثلية احترازا من نحو: «خذ ما صفا، ودع ما كدر» (٤) و «زر غبّا تزدد حبّا» (٥) على أنّ قولهم: «اذهب بذي تسلم» أشبه بالأمثال، -

стр. 2578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأحق بأن يجرى مجراها، ولم يمنع ذلك من بروز فاعل الفعلين في التثنية والجمع، والتأنيث، فلو كان المذكور جاريا مجرى المثل لعومل معاملة: «اذهب» و «تسلم» (١). الثالث من الإشكالات: أن «أفعل» المذكور لو كان مسندا إلى المخاطب لم يجز أن يليه ضمير المخاطب، نحو: أحسن بك؛ لأنّ في ذلك إعمال فعل واحد في ضميري فاعل ومفعول، لمسمّى واحد (٢). الرابع من الإشكالات: أنّ «أفعل» المشار إليه لو كان بمعنى الأمر، لا بمعنى «أفعل» تالي «ما» لوجب له من الإعلال - إذا كانت عينه ياء، أو واوا - ما وجب لـ: أبن، وأقم، ونحوهما، ولم يقل: أبين، وأقوم، فيلزم مخالفة النظائر، فإذا جعل مخالفا لـ: أبن، وأقم، ونحوهما في الأمريّة، موافقا لأبين وأقوم، من: ما أبينه، وما أقومهّ في التعجّب، سلك به سبيل الاستدلال، وأمن الشذوذ من التصحيح والإعلال (٣)، وقد تبين بعد ما ذكرت فاعليته ما بعد «أفعل» من المجرور بالباء، وهو نظير المجرور بعد (كفى) في نحو: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً * (٤) إلا أنّ بينهما فرقا من وجهين: أحدهما: أنّ الباء في: كَفى بِاللَّهِ * ونحوه قد يحذف، ويرتفع مصحوبه كقول الشاعر: ٢٠٦٨ - عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا ... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا (٥) -

стр. 2579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والباء الجارّة ما بعد «أفعل» لا تحذف، إلّا إذا كان مصحوبها «أن» والفعل كقول الشاعر: ٢٠٦٩ - وقال نبيّ المسلمين تقدّموا ... وأحبب إلينا أن تكون المقدّما (١) ولو اضطرّ شاعر إلى حذف الباء المصاحبة غير أن بعد «أفعل»، لزمه أن يرفع، وعلى مذهب الفراء يلزم النصب (٢)، ولا حجة له في قول الشاعر: ٢٠٧٠ - ألا طرقت رجال القوم ليلى ... فأبعد دار مرتحل مزارا (٣) لإمكان جعل «أبعد» دعاء، على معنى: أبعد الله دار مرتحل عن مزار محبوبته، كأنّه يحرّض نفسه على الإقامة في منزل طروق ليلى، لأنه صار طروقها مزارا (٤)، ولا حجة له في قول الآخر: -

стр. 2580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٠٧١ - فأجدر مثل ذلك أن يكونا (١) لاحتمال أن يكون «أجدر» فعل أمر، عاريا من التعجّب بمعنى: اجعل مثل ذلك جديرا بأن يكون، أي: حقيقا بالكون (٢)، يقال: جدر بكذا جدارة، أي: صار به جديرا (٣)، وأجدرته به، أي: جعلته جديرا به، أي: حقيقا (٤)، ويحتمل أن يكون «أجدر» فعل تعجّب، مسندا إلى «مثل ذلك»، ثم حذفت الباء اضطرارا واستحقّ مصحوبها الرفع على الفاعلية لكنه بني، لإضافته إلى مبني، كما بني في قوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٥) على قراءة غير أبي بكر، وحمزة والكسائي (٦). والثاني من جهتي الفرق: أن «كفى» قد تسند إلى غير المجرور بالباء فيكون هو في موضع نصب، ولا يفعل ذلك بـ «أفعل»، أصلا، ومن المواضع التي أسند فيها «كفى» إلى غير المجرور بالباء قول الشاعر: ٢٠٧٢ - فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النّبيّ محمّد إيّانا (٧) ونظير ما جاء في التعجّب من لفظ الأمر مرادا به الخبر ما جاء من ذلك في جواب -

стр. 2581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشرط: كقوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا (١)، وكقول النبيّ ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» (٢)، وإلى هذا النوع أشرت بقولي: (واستفيد الخبر من الأمر هنا، وفي جواب الشرط). ثم قلت: (كما استفيد الأمر من مثبت الخبر، والنهي من منفيّه) فمثال الأوّل (٣): قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٤) ومثال الثاني: قوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها (٥) بضمّ الراء، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو (٦). ثم قلت: (وربما استفيد الأمر من الاستفهام) مشيرا إلى قوله تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ (٧)، وقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٨) ثمّ قلت: (ولا يتعجّب إلّا من مختصّ) (٩) فنبهت بذلك على أنّ المتعجّب منه مخبر عنه في المعنى، فلا يكون إلا معرفة، أو نكرة مختصة، فيقال: ما أحسنك وما أكرم زيدا، وما أسعد رجلا اتقى الله، ولا يقال: ما أحسن غلاما، ولا: ما أسعد رجلا من الناس؛ لأنه لا فائدة في ذلك (١٠)، ثمّ قلت: وإذا علم جاز حذفه، أي: إذا علم المتعجب منه، والمقصود به، جاز حذفه، معمول «أفعل» -

стр. 2582

كان، أو معمول «أفعل» (١)، فمثال حذف معمول «أفعل» قول الشاعر: ٢٠٧٣ - جزى الله عنّا بحتريّا ورهطه ... بني عبد عمرو، ما أعفّ وأمجدا (٢) أراد: ما أعفّهم، وأمجدهم، فحذف لكون المراد معلوما. ومثال حذف معمول «أفعل» قول الآخر: ٢٠٧٤ - فذلك إن يلق المنيّة يلقها ... حميدا، وإن يستغن يوما فأجدر (٣) أراد: فأجدر به، فحذف مع كونه فاعلا؛ لأن لزومه الجرّ كساه صورة الفضلة، ولأنه كمعمول «أفعل» في المعنى، وزعم قوم أنّه ليس محذوفا، لكن استتر في الفعل، حين حذفت الباء، كما يستتر ضمير «زيد»، إذا حذفت الباء من قولك: زيد كفى به فارسا (٤) فتقول: زيد كفى فارسا، وهذه [٣/ ١١٤] الدعوى لا تصحّ، لأنّ صحتها تستلزم أن يبرز الضمير في التثنية والجمع، كما يبرز في «كفى» إذا قيل في الزيدان كفى بهما فارسين، و: الزيدون كفى بهم فرسانا: الزيدان كفيا فارسين، والزيدون كفوا فرسانا (٥)، ومعلوم أنّه لا يبرز ضمير مع -

стр. 2583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «أفعل»، كقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ (١) فعلم بذلك عدم صحة الدعوى المذكورة، ومما يدلّ على عدم صحتها أنّ من الضمائر ما لا يقبل الاستتار، كـ «نا» من نحو: أكرم بنا، وأحلم بنا؛ لأنّ «نا» لا تقبل الاستتار، والمقبول إنّما هو: أكرم، وأحلم، ونحو ذلك (٢)، كما قال الراجز: ٢٠٧٥ - أعزز بنا واكف إن دعينا ... يوما إلى نصرة من يلينا (٣) وقد يتوهم أنّ «أفعل» خوطب به المصدر على سبيل المجاز، كأنّ من قال: أحسن به، قال: يا حسن به، فلهذا لزم الإفراد والتذكير، أشار إلى هذا أبو علي في البغداديات، منفرا منه، وناهيا عنه (٤)، ومما يبين فساده أنّ من الضمائر المصوغ منها «أفعل» ما لا يكون إلّا مؤنثا، كالسهولة والنجابة، فلو كان هذا الأمر على ما توهمه صاحب الرأي لقيل في أسهل به، وأنجب به: أسهلي، وأنجبي به، لكنّه لم يقل؛ فصحّ بذلك فساد ما أدّى إليه (٥)، ولشبه «أفعل» بفعل الأمر جاز أن يؤكد بالنون كقول الشاعر: ٢٠٧٦ - ومستبدل من بعد غضبى صريمة ... فأحر به من طول فقر وأحريا (٦) وهذا من إلحاق شيء لمجرد شبه لفظيّ، وهو نظير تركيب النكرة مع «لا» الزائدة، لشبهها بـ «لا» النافية للجنس، ونظيره زيادة «أن» بعد «ما» الموصولة، لشبهها بـ «ما» النافية (٧)، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك، ولما كان فعل -

стр. 2584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التعجب دالّا على المبالغة والمزيّة استغني عن توكيده بالمصدر، وكذلك أفعل التفضيل، وعلى ذلك نبهت بقولي: (ولا يؤكد مصدر فعل تعجّب ولا أفعل تفضيل)، انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو كلام من زرق التوفيق وهدي في أداء مقاصده السنية إلى أحسن طريق ولنتبعه بذكر أمرين: أحدهما: أنّ ابن عصفور حدّ التعجب بأنه استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها، وخرج بها المتعجب منه عن نظائره، أو قلّ نظيره (١) فذكر الاستعظام تنبيها على أنّ التعجب لا يجوز من الله، والتعجب الوارد في القرآن الكريم مصروف إلى المخاطب (٢)، أما ذكر الزيادة، وكون الوصف لفاعل فسيأتي التعرض لها في كلام المصنف، وأما ذكر خفاء السبب فقال هو في شرحه: إنّ التعجّب لا يكون إلا من خفيّ السّبب؛ ألا ترى أنّ الإنسان لا يعجب إلا ممّا كان يعلمه ولا يقدر وقوعه، فيتعجب كيف وقع مثله، وأمّا ذكر خروج المتعجّب منه بالزيادة عن نظائره، وأن يقلّ نظيره، فقال في شرحه أيضا: الزيادة المستعظمة في وصف الفاعل لا يتعجب منها إلا إذا بلغت هذا المبلغ. الثّاني: أنّ ابن عصفور أيضا وهو يذكر الصيغتين اللتين هما: ما أفعل، وأفعل به قال: إلا أنّ فيها خلافا، منهم من ألحقها بباب التعجّب، كالأخفش ومن معه ومنهم من ألحقها بباب «نعم» ثم صحح أنها من صيغ التعجّب قال: بدليل أنّ العرب لا تبني الفعل الثلاثي على «فعل»، وتضمنه معنى المدح أو الذّمّ، إلّا بشرط أن يكون ذلك الفعل يمكن التعجب منه بقياس، قال: ولو لم يكن معناه التعجب لما لزم ذلك فيه، إلّا أنّ منهم من يجريه مجرى «نعم»، رعيا لما تضمنته من معنى المدح أو الذّم، ومن ذلك قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ (٣)، وهذه الآية الشريفة على حدّ: نعم رجلا زيد، ومنهم من لا يجريه مجرى «نعم»؛ -

стр. 2585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رعيا لما تضّمنته من معنى التعجّب، ولا يلزم إذا أن يكون فاعله كفاعل «نعم» قال: والدليل على ذلك قوله: ٢٠٧٧ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحبّ بها مقتولة حين تقتل (١) وقول الآخر: - ٢٠٧٨ - لم يمنع النّاس منّي ما أردت ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا (٢) ففاعل «حبّ» في البيت الأول ضمير عائد على ما تقدّم، وفاعل «حسن» في البيت الثاني اسم إشارة، والضمير العائد على ما قبله واسم الإشارة لا يكونان فاعلي «نعم» (٣). انتهى. وقد تقدم ذكر هذه المسألة في باب «نعم» وأشار المصنف إلى أنّ «فعل» يستعمل استعمال «نعم» و «بئس» متضمنا تعجبا، وذكر انجرار فاعله بالباء، واستغناءه، عن الألف واللّام، وإضماره، على وفق ما قبله، لكون الصيغة مضمنة معنى التعجب، مع أنّ المدح أو الذّمّ بها مقصود، ومقتضى كلام ابن عصفور أنّ إرادة التعجّب بها منفصلة عن إرادة المدح أو الذمّ، وأنّ أحد الاستعمالين لا يدخل في الآخر، بل قد تستعمل مرادا بها هذا المعنى، وقد تستعمل مرادا بها المعنى الآخر (٤)، واعلم أنّ الشيخ ذكر مسائل سبعا، عند شرحه قول المصنف: «ولا -

стр. 2586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يتعجّب إلّا من مختصّ»: الأولى: إذا كان المتعجب منه معرفا بـ «ال» العهد، نحو: ما أحسن الابن، تعني به ابنا معهودا بينك وبين المخاطب، قال: الجمهور على الجواز، ومنها الفراء (١). الثانية: إذا كان «أيّا» الموصولة بفعل ماض، هو صلتها، نحو: ما أحسن أيّهم قال ذلك، منعها الكوفيّون والأخفش (٢) وأجازها غيرهم، فإن كانت صلتها مضارعا جاز عند الجميع، نحو: ما أحسن أيّهم يقول ذلك. الثالثة: ما أحسن ما كان زيد، أجازها هشام ومنعها غيره من الكوفيين، قال النحاس (٣): وهي على أصل البصريين جائزة (٤)، أي: ما أحسن ما كانت كينونة زيد، فالأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع. [٣/ ١١٥] الرابعة: ما أحسن ما كان زيد ضاحكا، إذا كانت «كان» ناقصة، أجاز ذلك الفراء وجماعة، ومنعها البصريّون، فإن جعلت «كان» تامة، ونصبت «ضاحكا» على الحال جاز ذلك عند الجميع. الخامسة: ما أحسن ما ظننت عبد الله قائما، قال الفراء: إن شئت لم تأت بقائم؛ لأنه -

стр. 2587

[همزة (أفعل) و (أفعل) وأحكام هاتين الصيغتين] قال ابن مالك: (فصل: همزة «أفعل» في التّعجّب لتعدية ما عدم التّعدّي في الأصل أو الحال، وهمزة «أفعل» للصّيرورة، ويجب تصحيح عينيهما، وفكّ «أفعل» المضعّف، وشذّ تصغير «أفعل» مقصورا على السّماع، خلافا لابن كيسان، في اطّراده، وقياس «أفعل» عليه، ولا يتصرّفان، ولا يليهما غير المتعجّب منه، إن لم يتعلّق بهما، وكذا إن تعلّق بهما، وكان غير ظرف أو حرف جرّ، وإن كان أحدهما فقد يلي، وفاقا للفرّاء والجرميّ والفارسي، وابن خروف، والشّلوبين، وقد يليهما عند ابن كيسان «لولا» الامتناعيّة). ــ نصب على الحال، لا غير، وهو عند البصريّين خبر، ولا يجوز حذفه. السادسة: ما أحسن أحدا يقول ذلك، أجازها الكسائي، ومنعها الفراء والبصريّون، وألزمه الفراء أن يقول: اضرب أحدا يقول ذلك، ولتضربنّ أحدا يقول ذلك، وعليك بأحد يقول ذلك، وهو إلزام صحيح لأنّ الكسائي شبه «أحدا» بـ «أيهم» من جهة الإبهام، وهو يجيز ما ألزمه في «أيهم»، فإن جعلت «أحدا» في معنى «واحد» صحت المسألة (١). المسألة السابعة: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد، أجازها بعضهم. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): يدلّ على كون همزة «أفعل» المتعجّب به معدية حدوث التعدّي بزيادتهما على ما لا يتعدّى له، كقولك في: حسن زيد، وجزع بكر، وصبر خالد: ما أحسن زيدا، وما أجزع بكرا، وما أصبر خالدا، وإلى هذه الأفعال الثلاثة أشرت بعدم التعدّي في الأصل. -

стр. 2588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأشرت بعدم التعدّي في الحال إلى نحو: ما أعرف زيدا بالحقّ، فإنّ «عرف» - قبل التعجّب - متعدّ بنفسه إلى الحقّ، فلما قصد به التعجّب ضمّن ما لا يتعدى من أفعال الغرائز، كقوي، وضعف، وكمل، ونقص؛ فقصر عن نصب ما كان منصوبا به وعدي إليه بالباء، كما تعدّى قصر ونحوه، مما هو في أصله غير متعدّ، وصار ما كان فاعلا - قبل - مفعولا، كما يصير فاعل «ظهر» من قولك: ظهر الحقّ، مفعولا، إذا أدخلت الهمزة، فقلت: أظهرت الحقّ، ولا يصحّ قول من قال: زعم أنّ «أفعل» المتعجب به لا يكون إلا من «فعل»، موضوعا، أو مردودا إليه، لوجهين: أحدهما: أنّ «فعل، وفعل» اللازمين، كجزع، وصبر، مساويان «فعل»، في عدم التعدّي، وقبول همزة التعدية، فتقدير ردّهما إلى الفعل لا حاجة إليه. الثاني: أنّ من الأفعال ما رفضت العرب صوغه على «فعل»: وهو المضاعف واليائيّ العين أو اللام، فإن قصد بالمضاعف معنى غريزي دلّوا عليه في غير شذوذ، بـ «فعل» نحو: جلّ يجلّ، وعزّ يعزّ، وخفّ يخفّ، وقلّ يقلّ، ونسب إلى الشذوذ نحو: لببت وبذلك استغنوا في اليائيّ العين عن «فعل بـ «فعل» نحو: طاب يطيب، ولان يلين، وضاق يضيق، أما اليائيّ اللام فاستغنوا فيه عن «فعل» بـ «فعل»، نحو: حيي، وعمي، وغني، فإذا قصد تعجب بشيء من هذه الأنواع أدخلت الهمزة عليها، ولم تردّها إلى «فعل»؛ لأنّ «فعل» فيها مرفوض (١)، وهمزة «أفعل». المتعجّب به للصيرورة، أي لتجعل فاعله ذا كذا، فأصل قولك: أحسن بزيد: أحسن زيد، أي: صار ذا حسن تام، وهو نظير: أثر الرجل: صار ذا أثرة، وأترب: صار ذا مال كالتراب، وأنجب وأظرف: صار ذا ولد نجيب وذا ولد ظريف وأخلأت الأرض وأكلأت وأكمأت، أي: صارت ذات خلأ وكلأ وكمأة، وأورقت الشجرة وأثمرت -

стр. 2589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأزهرت: صارت ذات ورق، وزهر، وثمر (١)، وإذا كانت عين «أفعل» المتعجّب به ياء، أو واوا، وجب تصحيحها نحو: ما أبين الحقّ، وأنوره، وأصله الإعلال لكن صحح؛ حملا على «أفعل» التفضيل، كما حمل هو على المتعجّب به في امتناع التأنيث والتثنية والجمع؛ فإنهما يتناسبان وزنا ومعنى، فأتبع أحدهما الآخر فيما هو أصل فيه كما أجري اسم الفاعل مجرى المضارع في العمل، وأجري المضارع، مجرى اسم الفاعل في الإعراب، وكما أجري: الحسن الوجه على: الضارب الرجل في النصب، والضارب الرجل على: الحسن الوجه في الجرّ، وحمل أفعل المتعجّب به، على أخيه، فقيل: أبين بالحقّ وأنور به، كما قيل: ما أبينه، وما أنوره. ولزم فكّ «أفعل» المضاعف نحو: أجلل به، وأعزز؛ لأنّ سبب الإدغام في هذا النوع إنّما هو تلاقي المثلين، متّصلين، متحركين، تحركا غير عارض، أو ساكنا أحدهما سكونا غير لازم، كسكون «أجلل» إذا لم يكن تعجبا؛ لأنه معرض للحركة في نحو: أجلل الله، وأجلّاه وأجلّوه، وأجلّيه؛ فلذلك لم يجب فكّ «أفعل» إذا لم يكن تعجبا، ووجب إذا كان إياه، ولشبه «أفعل» المتعجب به بـ «أفعل» التفضيل أقدم على تصغيره بعض العرب فقال: ٢٠٧٩ - يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا ... من هؤليّائكنّ الضّالّ والسمر (٢) -

стр. 2590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو في غاية الشذوذ، فلا يقاس عليه، فيقال - في: ما أجمله وما أظرفه: ما أجيمله، وما أظيرفه - لأنّ التصغير وصف في المعنى، والفعل لا يوصف، فلا يصغر وأجاز ابن كيسان اطراد تصغير «أفعل» (١) وضعف رأيه في ذلك بيّن، وخلافه متعيّن. ولا خلاف في عدم تصرّف فعلي التعجّب (٢)، ولا في منع إيلائهما ما لا يتعلق بهما كـ: عند الحاجة، و: معروف، من قولك: ما أنفع معطيك عند الحاجة، وما أصلح أمرك بمعروف، وأنفع بمعطيك عند الحاجة، وأصلح بأمرك بمعروف (٣)، وكذا لا خلاف في منع إيلائهما ما يتعلّق بهما، من غير ظرف، وجارّ ومجرور، نحو: ما أحسن زيدا مقبلا وأكرم به رجلا فلو قلت: ما أحسن [٣/ ١١٦] مقبلا زيدا، وأكرم رجلا به؛ لم يجز بإجماع (٤). وكذا لا يجوز بإجماع تقديم المتعجب منه، نحو: زيدا ما أحسن، وبه أكرم؛ لأنّ فعلي التعجّب أشبها الحروف في منع التصرّف، فجريا مجراها في منع تقديم معمولها، فلو فصل بينهما، وبين المتعجب منه بما يتعلق بهما من ظرف أو جارّ ومجرور، لم يمتنع ولم يضعف لثبوت ذلك نثرا، ونظما، وقياسا: فمن النثر قول عمرو بن معديكرب (٥): -

стр. 2591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «لله درّ بني مجاشع، وروي: لله درّ بني سليم؛ ما أحسن في الهيجاء لقاءها، وأحسن في اللزبات عطاءها وروي: وأثبت في المكرمات بقاءها» (١). ومن النظم قول بعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -: ٢٠٨٠ - وقال نبيّ المسلمين تقدّموا ... وأحبب إلينا أن يكون المقدّما (٢) وقول الآخر: ٢٠٨١ - أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحوّلا (٣) قول الآخر: ٢٠٨٢ - فصدّت وقالت بل تريد فضيحتي ... وأحبب إلى قلبي بها متغضّبا (٤) وقول الآخر: ٢٠٨٣ - خليليّ ما أحرى بذي اللّبّ أن يرى ... صبورا ولكن لا سبيل إلى الصّبر (٥) -

стр. 2592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه قول الآخر: ٢٠٨٤ - حلمت وما أشفى لمن غيظ حلمه ... فآض الّذي عاداك خلّا مواليا (١) وأمّا صحّة هذا الفصل قياسا فمن قيل أنّ الظرف والجارّ والمجرور يغتفر الفصل بهما بين المضاف والمضاف إليه مع أنهما كالشيء الواحد، فاغتفار الفصل بهما بين فعل التعجّب والمتعجّب منه كشيء واحد أحقّ وأولى. وأيضا فإنّ «بئس» أضعف من فعل التعجّب، وقد فصل بينه وبين معموله بالجارّ والمجرور، في قوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٢) فأن يقع مثل ذلك بين التعجّب ومعموله أولى بالجواز، وهذا الدليل ذكره أبو عليّ الفارسيّ، وقد بين أنّه من الفصل المشار إليه (٣)، أما كون ذلك مذهب الجرمي فمشهور (٤)، واختار هذا المذهب ابن خروف في شرح كتاب سيبويه. وقال الشيخ أبو عليّ الشلوبين: حكى الصيمريّ (٥) أنّ مذهب سيبويه منع الفصل بالظرف، بين فعل التعجب ومعموله، والصواب أنّ ذلك جائز، وهو -

стр. 2593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المشهور والمنصور (١)، هكذا قال الأستاذ أبو عليّ، وهو المنتهى إليه في هذا الفنّ (٢). وقال السيرافيّ - في قول سيبويه: ولا نزيل شيئا عن موضعه (٣) -: إنّما أراد بذلك أن تقدّم «ما» وتوليها الفعل، ويكون الاسم المتعجّب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بين الفعل والمتعجب منه، وكثير من أصحابنا يجيز ذلك، منهم الجرميّ، وكثير منهم يأباه، منهم الأخفش والمبرّد (٤)، وقال الزمخشريّ - بعد أن حكم بمنع الفصل -: وقد أجاز الجرميّ، وغيره من أصحابنا الفصل وينصرهم قول القائل: ما أحسن بالرجل أن يصدق، ومن العجب اعترافه بنصرهم، والتنبيه على بعض حججهم، بعد أن خالفهم بلا دليل (٥)، ولما كان فعل التعّجب مسلوب الدلالة على المضيّ، وكان المتعجب منه صالحا للمضيّ أجازوا زيادة «كان» إشعارا بذلك عند قصده، نحو: ما كان أحسن زيدا (٦)، وكقول بعض مدّاح رسول الله ﷺ : ٢٠٨٥ - ما كان أسعد من أجابك آخذا ... بهداك مجتنبا هوى وعنادا (٧) -

стр. 2594

[جرّ ما يتعلّق بصيغتي التعجّب] قال ابن مالك: (ويجرّ ما تعلّق بهما من غير ما ذكر بـ «إلى إن كان فاعلا، وإلّا فبالباء إن كان من مفهم علما أو جهلا، وباللّام إن كانا من متعدّ غيره، وإن كانا من متعدّ بحرف جرّ فبما كان يتعدّى به، ويقال في التّعجّب من «كسا زيد الفقراء الثّياب» و «ظنّ عمرو بشرا صديقا» و «ما أكسى زيدا الفقراء الثّياب» و «ما أظنّ عمرا لبشر صديقا» وينصب الآخر بمدلول عليه بأفعل لا به، خلافا للكوفيّين). ــ وأجاز ابن كيسان الفصل بين «أفعل» والمتعجّب منه، بـ «لولا» الامتناعية، ومصحوبها، كقولك: ما أحسن لولا بخله زيدا، ولا حجة على ذلك (١). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى. ونظرت في شرح الشيخ بعد ذلك فلم أجده ذكر شيئا كبير الفائدة، يتعلق بهذا الفصل، مع أنه أطال الكلام، ولكن لم يتحصل لي فيه ما يتعين إثباته، وكلام المصنّف - إذا تأمله الناظر - كان فيه غنية عن كثير من التصانيف، فسبحان الملك الوهاب ولا مانع لما أعطى جلّ وعزّ وعلا. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): الإشارة بما ذكر إلى المتعجّب منه، والظرف والحال، والتمييز، فما ليس واحدا منها، وله تعلّق بفعل التعجّب، يجرّ بـ «إلى» إن كان فاعلا في المعنى، نحو: ما أحبّني إلى زيد، فـ «زيد» فاعل في المعنى، لأنّ المراد يحبّني زيد حبّا بليغا (٣)، وإن لم يكن فاعلا في المعنى جرّ بالباء إن كان فعل التعجّب مصوغا من فعل علم أو جهل، نحو: ما أعرفني بزيد، وما أجهله بي، وإن صيغ من غير ذلك، وكان فعل التعجّب متعدّيا عدّي في التعجّب باللّام، -

стр. 2595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نحو: ما أضربني لزيد، وما أنصرني لعمرو، فإن كان فعل التعجّب متعدّيا بحرف جرّ عدّي به حال التعجّب، نحو: ما أزهد زيدا في الدّنيا، وما أبعده عن الشرّ (١)، وما أصبره على الأذى، فإن كان فعل التعجّب متعديا إلى اثنين جررت الأول باللام، ونصبت الثاني عند البصريين (٢) بمضمر مجرّد مماثل لتالي «ما» نحو: ما أكسى زيدا للفقراء الثياب، فالتقدير: يكسوهم الثياب، وكذا يفعلون في: ما أظنّ عمرا لبشر صديقا، يقدرون: يظنّه صديقا، والكوفيّون لا يضمرون، بل ينصبون الثاني [٣/ ١١٧] بتالي «ما» بنفسه (٣)، ذكر هذه المسألة ابن كيسان في المهذّب (٤). انتهى. ويتعلق بهذا الموضوع بحثان: الأول: أنّ المصنف اقتصر في صورة المسألة على التمثيل لها بصيغة «ما أفعل» وأما الشيخ فإنّه مثل بالصيغتين معا، فمثّل - مع: ما أحبّ زيدا إلى عمرو - بقوله: أحبب بزيد إلى عمرو، ومثّل - مع: ما أبصر زيدا بالشّعر وما أجهل عمرا بالفقه - بقوله: أبصر بزيد بالشعر، وأجهل بعمر بالفقه، ومثل - مع قوله: ما أضرب زيدا لعمرو - بقوله: أضرب بزيد لعمرو، ومثّل - مع ما أعزّ زيدا عليّ، وما أزهده في الدّنيا - بقوله: أعزز بزيد عليّ، وأزهد به في الدنيا (٥). وأقول: إنّ في استعمال -
следующие страницы →