. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«لله درّ بني مجاشع، وروي: لله درّ بني سليم؛ ما أحسن في الهيجاء لقاءها، وأحسن في اللزبات عطاءها وروي: وأثبت في المكرمات بقاءها» (١).
ومن النظم قول بعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -:
٢٠٨٠ - وقال نبيّ المسلمين تقدّموا ... وأحبب إلينا أن يكون المقدّما (٢)
وقول الآخر:
٢٠٨١ - أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحوّلا (٣)
قول الآخر:
٢٠٨٢ - فصدّت وقالت بل تريد فضيحتي ... وأحبب إلى قلبي بها متغضّبا (٤)
وقول الآخر:
٢٠٨٣ - خليليّ ما أحرى بذي اللّبّ أن يرى ... صبورا ولكن لا سبيل إلى الصّبر (٥)
-
стр. 2592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنه قول الآخر:
٢٠٨٤ - حلمت وما أشفى لمن غيظ حلمه ... فآض الّذي عاداك خلّا مواليا (١)
وأمّا صحّة هذا الفصل قياسا فمن قيل أنّ الظرف والجارّ والمجرور يغتفر الفصل بهما بين المضاف والمضاف إليه مع أنهما كالشيء الواحد، فاغتفار الفصل بهما بين فعل التعجّب والمتعجّب منه كشيء واحد أحقّ وأولى.
وأيضا فإنّ «بئس» أضعف من فعل التعجّب، وقد فصل بينه وبين معموله بالجارّ والمجرور، في قوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٢) فأن يقع مثل ذلك بين التعجّب ومعموله أولى بالجواز، وهذا الدليل ذكره أبو عليّ الفارسيّ، وقد بين أنّه من الفصل المشار إليه (٣)، أما كون ذلك مذهب الجرمي فمشهور (٤)، واختار هذا المذهب ابن خروف في شرح كتاب سيبويه.
وقال الشيخ أبو عليّ الشلوبين: حكى الصيمريّ (٥) أنّ مذهب سيبويه منع الفصل بالظرف، بين فعل التعجب ومعموله، والصواب أنّ ذلك جائز، وهو -
стр. 2593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المشهور والمنصور (١)، هكذا قال الأستاذ أبو عليّ، وهو المنتهى إليه في هذا الفنّ (٢).
وقال السيرافيّ - في قول سيبويه: ولا نزيل شيئا عن موضعه (٣) -: إنّما أراد بذلك أن تقدّم «ما» وتوليها الفعل، ويكون الاسم المتعجّب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بين الفعل والمتعجب منه، وكثير من أصحابنا يجيز ذلك، منهم الجرميّ، وكثير منهم يأباه، منهم الأخفش والمبرّد (٤)، وقال الزمخشريّ - بعد أن حكم بمنع الفصل -: وقد أجاز الجرميّ، وغيره من أصحابنا الفصل وينصرهم قول القائل:
ما أحسن بالرجل أن يصدق، ومن العجب اعترافه بنصرهم، والتنبيه على بعض حججهم، بعد أن خالفهم بلا دليل (٥)، ولما كان فعل التعّجب مسلوب الدلالة على المضيّ، وكان المتعجب منه صالحا للمضيّ أجازوا زيادة «كان»
إشعارا بذلك عند قصده، نحو: ما كان أحسن زيدا (٦)، وكقول بعض مدّاح رسول الله ﷺ :
٢٠٨٥ - ما كان أسعد من أجابك آخذا ... بهداك مجتنبا هوى وعنادا (٧)
-
стр. 2594
[جرّ ما يتعلّق بصيغتي التعجّب]
قال ابن مالك: (ويجرّ ما تعلّق بهما من غير ما ذكر بـ «إلى إن كان فاعلا، وإلّا فبالباء إن كان من مفهم علما أو جهلا،
وباللّام إن كانا من متعدّ غيره، وإن كانا من متعدّ بحرف جرّ فبما كان يتعدّى به، ويقال في التّعجّب من «كسا زيد الفقراء الثّياب» و «ظنّ عمرو بشرا صديقا» و «ما أكسى زيدا الفقراء الثّياب» و «ما أظنّ عمرا لبشر صديقا» وينصب الآخر بمدلول عليه بأفعل لا به، خلافا للكوفيّين).
ــ
وأجاز ابن كيسان الفصل بين «أفعل» والمتعجّب منه، بـ «لولا» الامتناعية، ومصحوبها، كقولك: ما أحسن لولا بخله زيدا، ولا حجة على ذلك (١). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
ونظرت في شرح الشيخ بعد ذلك فلم أجده ذكر شيئا كبير الفائدة، يتعلق بهذا الفصل، مع أنه أطال الكلام، ولكن لم يتحصل لي فيه ما يتعين إثباته، وكلام المصنّف - إذا تأمله الناظر - كان فيه غنية عن كثير من التصانيف، فسبحان الملك الوهاب ولا مانع لما أعطى جلّ وعزّ وعلا.
قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): الإشارة بما ذكر إلى المتعجّب منه، والظرف والحال، والتمييز، فما ليس واحدا منها، وله تعلّق بفعل التعجّب، يجرّ بـ «إلى» إن كان فاعلا في المعنى، نحو: ما أحبّني إلى زيد، فـ «زيد» فاعل في المعنى، لأنّ المراد يحبّني زيد حبّا بليغا (٣)، وإن لم يكن فاعلا في المعنى جرّ بالباء إن كان فعل التعجّب مصوغا من فعل علم أو جهل، نحو: ما أعرفني بزيد، وما أجهله بي، وإن صيغ من غير ذلك، وكان فعل التعجّب متعدّيا عدّي في التعجّب باللّام، -
стр. 2595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو: ما أضربني لزيد، وما أنصرني لعمرو، فإن كان فعل التعجّب متعدّيا بحرف جرّ عدّي به حال التعجّب، نحو: ما أزهد زيدا في الدّنيا، وما أبعده عن الشرّ (١)، وما أصبره على الأذى، فإن كان فعل التعجّب متعديا إلى اثنين جررت الأول باللام، ونصبت الثاني عند البصريين (٢) بمضمر مجرّد مماثل لتالي «ما» نحو:
ما أكسى زيدا للفقراء الثياب، فالتقدير: يكسوهم الثياب، وكذا يفعلون في:
ما أظنّ عمرا لبشر صديقا، يقدرون: يظنّه صديقا، والكوفيّون لا يضمرون، بل ينصبون الثاني [٣/ ١١٧] بتالي «ما» بنفسه (٣)، ذكر هذه المسألة ابن كيسان في المهذّب (٤). انتهى. ويتعلق بهذا الموضوع بحثان:
الأول:
أنّ المصنف اقتصر في صورة المسألة على التمثيل لها بصيغة «ما أفعل» وأما الشيخ فإنّه مثل بالصيغتين معا، فمثّل - مع: ما أحبّ زيدا إلى عمرو - بقوله:
أحبب بزيد إلى عمرو، ومثّل - مع: ما أبصر زيدا بالشّعر وما أجهل عمرا بالفقه - بقوله: أبصر بزيد بالشعر، وأجهل بعمر بالفقه، ومثل - مع قوله: ما أضرب زيدا لعمرو - بقوله: أضرب بزيد لعمرو، ومثّل - مع ما أعزّ زيدا عليّ، وما أزهده في الدّنيا - بقوله: أعزز بزيد عليّ، وأزهد به في الدنيا (٥). وأقول: إنّ في استعمال -
стр. 2596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صيغة «أفعل» في بعض هذه الصّور نظرا، وذلك أنّ معنى: أحبب بزيد إلى عمرو:
أحبّ زيد، كما أن معنى: أحسن بزيد: أحسن زيد، و «زيد» هو الفاعل، والتقدير: صار زيد ذا حبّ إلى عمرو، فالحبّ قائم به كما أن الحسن قائم بزيد في قولنا: أحسن بزيد، وقد قرر أنّ المراد بقولنا: أحبب بزيد إلى عمرو، هو الذي أريد بقولنا: ما أحبّ زيدا إلى عمرو، و «عمرو» في هذا التركيب هو الفاعل، كما عرفت فكيف يكون «أحبب بزيد إلى عمرو» بمعناه وقد اختلف الفاعل فيهما؟
وقال الشيخ - بعد أن مثّل بـ: ما أضرب زيدا لعمرو -: أضرب بزيد لعمرو، وتعدية «أضرب» لـ «عمرو» باللّام مشكلة
لأن معناه: أضرب زيد، و «أضرب زيد»، لا يتعدّى، قال: ولا ينبغي أن يجوز هذا التركيب، ولا يقدم عليه إلا بعد سماعه من العرب (١) انتهى. وقوله: إنّ «أضرب زيد» لا يتعدّى صحيح، ولكونه لا يتعدّى احتيج إلى إدخال اللام على معموله، أو يقول: أضرب بزيد لعمرو، صار زيد ذا ضرب لعمرو، فالمجرور باللام إمّا معمول لذلك المصدر، والذي تضمنه معنى الكلام، إن جوز إعمال المصدر مقدرا، وإمّا نعت له، والتقدير: صار زيد ذا ضرب كائن لعمرو.
البحث الثّاني:
ما ذكره المصنف، نقلا عن المهذّب، لابن كيسان أنّه قال: ما أكسى زيدا للفقراء الثياب، وما أظنّ عمرا لبشر صديقا، وأن البصريين يقدرون ناصبا للثاني، من مفعولي «كسا وظنّ»، وأن الكوفيين لا يقدّرون شيئا، بل ينصبونه (٢)، ذكر ابن عصفور خلافه، وهو أنّه قال: إذا تعجّب من فعل، من باب «أعطى»؛ لا يجوز أن يبقى متعدّيا إلى مفعوليه، بل لا بدّ إذ ذاك من الاقتصار على الفاعل وحده، أو على الفاعل وأحد المفعولين، بشرط أن تدخل عليه اللام، فيقول: ما أعطى زيدا، وما أعطى زيدا لعمرو، وما أعطى زيدا للثياب، قال: ولا يجوز أن يذكر المفعولين، فيقول: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم؛ لأنّ فعل التعجّب قبل دخول الهمزة لا يتعدّى، فإذا دخلت همزة النقل تعدّى إلى واحد فإن جاء من كلامهم مثل قولك: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم، فينبغي أن يحمل على أنّ -
стр. 2597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدراهم منصوبة بفعل مضمر، دلّ عليه فعل التعجّب، والتقدير: أعطاه الدراهم.
ولا يجوز أن تدخل اللام على المفعولين؛ لما يلزم من تعدّي فعل بحرفي جرّ من جنس واحد، على معنى واحد، وذلك لا يجوز، فإذا تعجبت من فعل من باب ظننت لم يجز التعجب منه إلّا بشرط أن يقتصر فيه على الفاعل؛ لأنّه قد ألحق بأفعال الغرائز، في أنّه لا يتعدّى ثم أدخلت عليه همزة النقل، فلا يتعدّى حينئذ إلا إلى مفعول واحد، لأنهما لو ذكرا فإمّا أن ينصبا، أو يدخل عليهما أو على أحدهما اللام، قال: ولا يجوز نصبهما، ولا نصب أحدهما لما ذكر، من أنّ «فعل» إذا نقل بالهمزة لا يتعدّى إلّا إلى منصوب واحد، ولا يجوز إدخال اللّام عليهما لما يؤدّي ذلك إليه من تعدّي فعل بحرفي جرّ من جنس واحد، على معنى واحد، وهو غير جائز، ثمّ قال: وهذا الذي ذكرته هو مذهب
البصريين أما الكوفيّون فيجيزون ذكرها، بشرط أن تدخل اللام على الأول، وينصب الثاني، نحو: ما أظنّ زيدا لعمرو قائما، هذا إن أمن اللّبس، فإن خيف اللّبس، أدخلت اللام على كل منهما، نحو: ما أظنّ زيدا لأخيك لأبيك قال: وما ذهبوا إليه باطل؛ للعلّة التي تقدم ذكرها (١). انتهى ما ذكره ابن عصفور.
والذي يظهر أنّ الذي ذكره طريق النّحاة، وما ذكره المصنّف عن ابن كيسان طريق آخر، ولا مصادمة بين النقلين، ولا شكّ أنّ الطريق الذي ذكره المصنّف أقرب إلى الحقّ، ويمكن ردّ ما ذكره ابن عصفور إليه، أمّا إذا كان الفعل من باب أعطى، فموافقة كلامه لكلام المصنف واضحة؛ لأنه أدخل على أحد المفعولين، كما فعل المصنّف إلا أنّه خالف في قوله: أنّه يقتصر على أحد الفعلين، إلّا أنّه قال: فإن جاء من كلامهم: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم، كانت الدراهم منصوبة بفعل مقدّر، وهذا الذي انتهى إليه كلام ابن عصفور آخرا هو الذي ذكره المصنّف أولا، وأمّا إذا كان الفعل من باب ظنّ فلم يظهر لي وجوب الاعتماد على الفاعل، إذا قصد -
стр. 2598
[شروط ما تبنى منه صيغتا التعجب، وكيفية بنائهما من غير المستوفي للشروط]
قال ابن مالك: (فصل: بناء هذين الفعلين من فعل ثلاثيّ مجرّد تامّ مثبت متصرّف قابل معناه للكثرة غير مبنيّ للمفعول، ولا معبّر عن فاعله بـ «أفعل فعلاء»، وقد يبنيان من المفعول: إن أمن اللّبس، ومن فعل «أفعل» مفهم عسر أو جهل، ومن مزيد فيه، فإن كان «أفعل» قيس عليه، وفاقا لسيبويه، وربّما بنيا من غير فعل، أو فعل غير متصرّف وقد يغني في التّعجّب فعل عن فعل مستوف للشّروط كما يغني في غيره، ويتوصّل إلى التّعجّب بفعل مثبت متصرّف، مصوغ للفاعل، ذي مصدر مشهور إن لم يستوف الشّروط بإعطاء المصدر ما للمتعجّب منه مضافا إليه، بعد ما أشدّ أو أشدد ونحوهما، وإن لم يعدم الفعل إلّا الصّوغ للفاعل جيء به صلة لما المصدريّة آخذة ما للمتعجّب منه بعد «ما أشدّ» أو «أشدد» ونحوهما).
ــ
التعجّب به؛ لأنّ المقاصد مختلفة، فقد يكون التعجب من كثرة ظنّ زيد، أو قوته، أو نحو ذلك من غير نظر إلى متعلّق، وحينئذ يقتصر على الفاعل فيقال: ما أظنّ زيدا ولا يحتاج مع هذا إلى شئ آخر، وقد يكون التعجّب من كثرة ظنّ زيد، بالنسبة إلى متعلّق الظنّ، وحينئذ يجب ذكر المتعلّق؛ إذ لو لم يذكر لم يحصل المعنى المقصود من
الكلام.
وعلى هذا نقول: ما أظنّ زيدا لبشر صديقا، فلم تدخل اللام إلا على أحد المفعولين، وأما المفعول الآخر فلم تنصبه بفعل التعجّب، إنّما نصبناه بفعل مقدّر، وإذا كان كذلك فما المانع له؟ ويصير قولنا: ما أظنّ زيدا لبشر صديقا؛ بمنزلة قولنا: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم، وهو قد أجاز الثانية؛ فيلزمه [٣/ ١١٨] إجازة الأولى، وإلا فما الفرق؟ وقد تبين مما ذكرته أن الطريق الذي ذكره المصنف هو الذي ينبغي التعويل عليه، والعمل به.
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): قيّد ما يبنى منه التعجّب بكونه فعلا تنبيها -
стр. 2599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على خطأ من يقول من «الكلب»: ما أكلبه، ومن «الحمار»: ما أحمره، ومن «الجلف» (١): ما أجلفه، وربما يكون من «الجلد»: ما أجلده. وقيد بكونه ثلاثيّا ليعلم امتناع بنائه من ذي أصول أربعة، مجردا كان كـ: «دحرج»، أو غير مجرّد كـ: «ابرنشق». وقيد كون الثلاثي مجردا، تنبيها على أنّ حقه ألّا يبنى من ثلاثيّ مزيد فيه كـ: «علّم» و «تعلّم»، و «قارب»، و «اقترب». وقيّد بكونه فعلا تامّا تنبيها على أنّه لا يبنى من فعل ناقص كـ: «كان»، و «ظلّ» و «كرب»، و «كاد» (٢). وقيّد بكونه مثبتا تنبيها على أنّه لا يبنى من فعل مقصود نفيه لزوما، كـ: «لم يعج»، وجوازا، كـ: «لم يعج» (٣). وقيد بالتصرف تنبيها على امتناع بنائه من «يذر» و «يدع» ونحوهما. وقيد بقبول معناه للكثرة تنبيها على امتناع بنائه من «حدث»، «وفني» ونحوهما (٤). وقيد بكونه غير مبنيّ للمفعول تنبيها على أنّ حقّه أن يبنى من فعل الفاعل لا من فعل المفعول، كـ: «علم» (٥). وقيد -
стр. 2600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بكونه لا يعبّر عن فاعله بـ «أفعل فعلاء» احترازا من «شنب (١)، ودعج (٢) ولمي (٣)» ونحوها من الأفعال التي بناء الوصف منها للمذكر «أفعل»، وللمؤنث «فعلاء»، ولا فرق في النوع بين ما هو من العيوب، كـ: «برص، وبرش (٤)، وحول، وعور» وبين ما هو من المحاسن كـ: «شهل (٥)، وكحل، وطهي، ولمي» وإنّما لم يبن من هذا النوع فعل تعجّب، لأنّ مبناه من الفعل حقه أن يكون ثلاثيّا محضا (٦)، وأصل الفعل في هذا النوع أن يكون على «أفعل» ولذلك صحت منه العين إذا كان ثلاثيّ اللفظ، كـ: «هيف، وحيد، وعور، وحول» ولم تقلب ألفا، كما فعل بـ «هاب ونال، وخاف، ونام» مع أنّ العين من جميعها حرف لين متحرك مفتوح ما قبله.
وهذا الذي فعل بـ «فعل» من الصحيح حملا على: «فعل»، مقدرا أو موجودا، شبيه بما فعل بـ «اجتوروا» حملا على «تجاوروا» و «مخيط» حملا على «مخياط» ولولا ذلك لقيل في «اجتوروا»: «تجاوروا» كما قيل: «اجتازوا» و «اقتادوا» ولقيل في «مخيط»: «مخاط» كما قيل: «مثال» و «معاش»، فكان تصحيح «هيف» وأخواته، مع استحقاقه ما استحقه «هاب» وأخواته؛ دليلا على أنّ أصله «أفعل» و «أفعل» لا يبنى منه فعل تعجّب، فجرى مجراه ما هو بمعناه، وواقع موقعه، وهذا التعليل هو المشهور عند النحوييّن.
وعندي تعليل آخر، أسهل منه، وهو أن يقال: لما كان بناء الوصف من هذا النوع على «أفعل» (٧) لم يبن منه أفعل تفضيل؛ لئلّا يلتبس أحدهما بالآخر، فلمّا -
стр. 2601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
امتنع صوغ أفعل التفضيل، امتنع، صوغ فعل التعجّب، لتساويهما وزنا ومعنى، وجريانهما مجرى واحدا، في أمور كثيرة، وهذا الاعتبار هيّن بيّن، ورجحانه متعين.
وقد يبنى فعل التعجّب من فعل المفعول، إن أمن الالتباس بفعل الفاعل نحو:
ما أجنه وما أنجبه، وما أشغفه، وهذا الاستعمال في أفعل التفضيل أكثر منه في التعجّب، كـ: أزهى من ديك (١)، وأشغل من ذات النحيين (٢)، وأشهر من غيره، وأعذر، وألوم، وأعرف، وأنكر، وأخوف، وأرجى، من: شهر، وعذر، وليم وعرف، ونكر، وخيف، ورجي. وعندي أنّ صوغ فعل التعجّب، وأفعل التفضيل من فعل المفعول الثلاثيّ الذي لا يلتبس بفعل الفاعل، لا يقتصر فيه على المسموع، بل يحكم باطراده، لعدم الضائر، وكثرة النظائر، وقد يبنى فعل التعجب من فعل «أفعل» مفهم جهل، أو عسر، والإشارة بذلك إلى: حمق، ورعن، وهوج، ونوك (٣)، وألد، إذا كان عسر الخصومة، وبناء الوصف من هذه الأفعال على أفعل في التذكير، وفعلاء في التأنيث، لكنها ناسبت - في المعنى - «جهل وعسر» فجرت في التفضيل والتعجّب مجراهما، فقيل: ما أحمقه، وأرعنه، وأهوجه، وأنوكه، وألدّه! وهو أحمق منه، وأرعن، وأهوج، وأنوك، وألدّ (٤).
وقد يبنى فعل التعجّب من ثلاثيّ مزيد فيه، كقولهم من «اشتد»: ما أشدّه، -
стр. 2602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن «اشتاق»: ما أشوقه، ومن «اختال»: ما أخوله، ومن: «اختصر الشيء»:
ما أخصره وفي هذا شذوذ من وجهين: أحدهما: أنه من مزيد فيه، والآخر: أنّه من فعل المفعول، وأكثر النحويين يجعلون من شاذّ التعجّب: ما أفقره! وما أشهاه! وما أحياه! وما أمقته! لاعتقادهم أنّ ثلاثي: «افتقر، واشتهى، واستحيى» مهمل، وأنّ فعل الفاعل من «مقت» غير مستعمل، وليس الأمر كما اعتقدوه، بل استعملت العرب «فقر» بمعنى «افتقر»، و «شهي الشيء» بمعنى «اشتهاه»، و «حيي» بمعنى «استحيى»، وكذلك استعملت: مقت الرجل مقاتة، إذا صار مقيتا، أي: بغيضا [٣/ ١١٩] فليس قولهم: ما أفقره من افتقر؛ بل من فقر، أو فقر، ولا: ما أشهاه من اشتهى؛ بل من شهي، ولا ما أحياه، من استحيى، بل من حيي، ولا: ما أمقته من مقت؛ بل من مقت، وممّن خفي عليه استعمال «فقر، وفقر، ومقت» سيبويه (١)، ولا حجّة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره، بل الزيادة من الثّقة مقبولة.
وقد ذكر استعمال ما ادعيت استعماله جماعة من أئمة اللّغة وإن كان المزيد فيه على وزن «أفعل» لم يقتصر في صوغ فعلي التعجّب منه على المسموع، بل يحكم فيه بالاطراد، وقياس ما لم يسمع منه على ما سمع، ما لم يمنع مانع آخر، هذا هو مذهب سيبويه والمحقّقين من النّحاة (٢)، ولا فرق بين ما همزته للتعدية، كـ: «أعطى»، وبين ما همزته لغير التعدية، كـ: «أغفى»، ويشهد بأنّ هذا مذهب سيبويه قوله في الباب المترجم بهذا باب ما يعمل عمل الفعل، ولم يجر مجرى الفعل، ولم يتمكن تمكنه: وبناؤه أبدا من فعل، وفعل، وفعل، وأفعل. هذا نصّه؛ فسوّى بين «أفعل»، والثّلاثة الثلاثيّة، في صحة بناء فعل التعجب منها، وأطلق القول بـ «أفعل» فعلم أنّه لا يفرق بين ما همزته
للتعدية، وما همزته لغير التعدية (٣) -
стр. 2603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما فعل ابن عصفور (١)؛ إذ أجاز القياس على: ما أغفى زيدا؛ لأنّ همزته غير معدّية، ولم يقس على: «ما أعطاه»؛ لأنّ همزته معدية، وهو تحكم بلا دليل.
هذا مع أنّ سيبويه قال - بعد قوله: وبناؤه أبدا من فعل وفعل وفعل وأفعل فشبه هذا بما ليس من الفعل، نحو: «لات» -: وإن كان من: حسن وكرم وأعطى (٢)؛ فلم يفرق بين «أعطى»، و «كرم»، مع العلم بأنّ همزة «أعطى» معدّية، لأنّه يقال: عطوت الشيء، بمعنى: تناولته، وأعطيته فلانا؛ فيصير «عطوت» بالهمزة متعديا إلى اثنين، بعد أن كان دونها متعديا إلى واحد، ومن تصريح سيبويه باطراد:
ما أعطاه، وشبهه قوله - في الربع الأخير من كتابه -: هذا باب ما يستغنى فيه عن «ما أفعله» بـ «ما أفعل فعله»، ثم قال (٣): كما استغني بـ «تركت» عن «ودعت» وكما استغني بـ «نسوة» عن أن يجمعوا المرأة على لفظها، وكذلك في الجواب، ألا ترى أنك لا تقول: ما أجوبه!، إنّما تقول: ما أجود جوابه!».
ثمّ قال: وكذلك لا تقول: أجوب به، وإنما تقول: أجود بجوابه، ولا يقولون في قال يقيل: «ما أقيله!» استغنوا بـ «ما أكثر قائلته»، و «ما أنومه في ساعة كذا»، كما قالوا: «تركت»، ولم يقولوا: «ودعت» هذا نصّه؛ فجعل استغناءهم عن: «ما أجوبه!» بـ «ما أجود جوابه!» مساويا لاستغنائهم عن «ودعت» ماضي «يدع» بـ «تركت»، وعن «ما أقيله» بـ «ما أكثر قائلته»، مع العلم بأنّ عدولهم عن «ودع» إلى «ترك»، وعن «ما أقيله» إلى ما أكثر قائلته!» على خلاف القياس وأنّ «ودع»، و «ما أقيله!» موافقان للقياس، فيلزم أن يكون ما أجوبه موافقا للقياس، وهذا بيّن، والاعتراف بصحته
متعين، وإنما استحق «أفعل» مساواة الثلاثيّ المحض، في هذا الاستعمال، دون غيره، من أمثلة المزيد فيه؛ لشبهه به لفظا، ولكثرة موافقته له معنى (٤). -
стр. 2604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأما الموافقة لفظا: فمن قبل أنّ مضارعه، واسم فاعله، واسم زمانه، واسم مكانه [لمضارع الثلاثي، واسم فاعله، وزمانه ومكانه] في عدّة الحروف، والحركات، وسكون الثاني، بخلاف غيره من المزيد فيه، وأما الموافقة في المعنى:
فكثيرة؛ فمن موافقته لـ «فعل»: سرى وأسرى، وطلع على القوم وأطلع، أي:
أشرف، وطفلت الشمس وأطفلت، أي: دنت للغروب، وعتم الليل وأعتم، أي:
أظلم، وعكل الأمر وأعكل، أي: أشكل، ومن موافقته لـ «فعل»: غطش الليل وأغطش، أي: أظلم، وعوز الشيء وأعوز، أي: تعذّر، وكذلك الرجل إذا افتقر، وعدم الشيء وأعدمه، أي: فقره، وعيست الإبل وأعيست، أي: دنّست أدبارها ومن موافقته لـ «فعل»: خلق الثوب وأخلق، أي: بلي، وبطؤ وأبطأ معلوم، وبؤس وأبأس، أي: ساءت حالته، ونظائر ذلك كثيرة، فلكون «أفعل» مختصّا من بين الأفعال المغايرة للثلاثيّ بمشابهته لفظا، وموافقته معنى، أجراه سيبويه مجراه في اطراد بناء فعلي التعجّب منه.
وقد يبنيان من غير فعل، كقولهم: ما أذرع فلانة! بمعنى: ما أخفّها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذراع، وهي الخفيفة اليد في الغزل، ولم يسمع منه فعل، مثله، في البناء من وصف لا فعل له، وأقمن به أي: أحقق، اشتقوه من قولهم:
هو قمن بكذا، أي: حقيق به، وهذان وما أشبههما شواذ، لبنائهما من غير فعل (١)، ومثلهما في الشذوذ: ما أعساه! وأعسى به! بمعنى: ما أحقه، وأحقق به، فبنوا فعلي التعجب من «عسى»، وهو فعل غير متصرف، وإلى هذا أشرت بقولي: (أو فعل غير متصرف) ومن الأفعال ما لم يصغ منه فعل تعجب، مع كونه ثلاثيّا، مجردا، تامّا، مثبتا،
متصرفا، قابلا للكثرة، مصوغا للفاعل، غير معبر عن فاعله عن بـ «أفعل فعلاء»، فمن ذلك: سكر، وقعد، وجلس ضد «أقام»، وقال، من القائلة، استغنت العرب فيهن بـ: ما أشد سكره، وما أكثر قعوده، -
стр. 2605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجلوسه، وقائلته! عن: ما أسكره، وأقعده، وأجلسه، وأقيله!.
وإليها أشرت بقولي: (وقد يغني في التعجب فعل عن فعل، مستوف للشروط، كما يغني في غيره) ثم قلت: (ويتوصل إلى التعجب بفعل مثبت متصرف، مصوغ للفاعل، ذي مصدر مشهور، إن لم يستوف الشروط بإعطاء المصدر ما للمتعجب منه، مضافا إليه، بعد «ما أشد»، أو «أشدد»، ونحوهما) ففهم من هذا أنه يقال - في دحرج، وانطلق -: ما أشد دحرجته، وانطلاقته، وفي كان زيد صديقك: ما أشد كون زيد صديقك، وفي مات زيد: ما أقطع موت زيد، وفي هيفت المرأة: ما أحسن هيفها، وكذا يقال: أشدد بدحرجته وانطلاقه، وبكونه صديقك [٣/ ١٢٠] وأفظع بموته، وأحسن بهيفها، ثم قلت: (فإن لم يعدم الفعل إلا الصوغ للفاعل جيء به صلة لـ «ما» المصدرية، آخذة ما للمتعجب منه، بعد «ما أشد»، أو «أشدد»، أو نحوهما) ففهم من هذا أنه يقال: ما أشد ما ضرب زيد، وأشدد بما ضرب زيد، ولم يغن ذكر المصدر؛ لأن كون المتعجب منه مفعولا، لا يعلم بذلك، وإنما يعلم بذكر «ما» موصولة بفعل مصوغ للمفعول (١). هذا آخر كلام المصنّف رحمه الله تعالى.
وملخص ما ذكره: أنّ شروط ما يبنى منه فعل التعجّب تسعة: وهى كونه فعلا، ثلاثيّا مجرّدا، تامّا، مثبتا، متصرفا، قابلا معناه للكثرة، غير مبني للمفعول، ولا معبرا عن فاعله بأفعل فعلاء (٢)، وأنّ الفعلين المذكورين قد يبنيان شذوذا، من غير فعل مزيد فيه، ومن فعل مزيد فيه أي: غير مجرّد من الزيادة، ومن فعل غير متصرف، ومن فعل مبني للمفعول، ومن فعل معبّر عن فاعله بأفعل فعلاء، وباقتصاره على ما ذكره، وسكوته عن الباقي علم أنهما لا يبنيان ولو شذوذا من فعل رباعيّ، ولا من فعل ناقص، ولا من فعل منفيّ، ولا من فعل غير قابل معناه للكثرة، أما الفعل الرباعيّ؛ فلكون بناء هذين الفعلين منه غير ممكن، وأما الفعل -
стр. 2606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناقص؛ فإنّ المصنف لم يصرح بالعلة المقتضية لعدم جواز بناء فعل التعجب منه، لكنّ العلة في ذلك تعرف من قوله: إنّ همزة أفعل في التعجب لتعدية ما عدم التعدي في الأصل أو الحال، والحاصل: أنّه لا بدّ أن يتصور اللزوم في الفعل الذي يبنى منه هذان الفعلان - أعني فعلي التعجّب - قبل أن يبنيا، وإذا كان كذلك امتنع التعجب من نحو: «كان»؛ لأنّك إذا قلت: ما أكون زيدا، أو افتقرت، لزم حذف الخبر، وإبقاء المخبر عنه في المعنى دون خبر غير جائز، وذكر الخبر ممتنع؛ لأنك إن ذكرته منصوبا لم يكن له ناصب؛ لأنّ «أفعل»، الذي هو «أكون» لا يتعدّى إلا إلى واحد، وقد استوفاه، وإن ذكرته مجرورا باللّام أدّى ذلك إلى إدخال اللام الجارة على ما هو خبر في الأصل، قال ابن عصفور: ولا نظير لذلك في كلامهم (١)، وأما ما ذكره الشيخ في شرحه، أنّ بعضهم أجاز التعجّب من «كان» فيقول: ما أكون عبد الله قائما (٢)، فيكون «قائما» منصوبا على أنّه خبر «كان»، فلا معوّل عليه، وقد قال هو: إن الذي ذكره المصنف، من عدم الجواز في «كان»، وأخواتها؛ هو مذهب الجمهور (٣)، وكفى بذلك، وأما الفعل المنفيّ، فلعدم إمكان البناء منه، مع مراعاة معنى النّفي، وأما الفعل غير القابل معناه للكثرة، فلمنافاة المعنى المقصود بالتعجّب، ثمّ إنّ الذي يتعذر التعجب منه من الأفعال لمانع من الموانع التي ذكرت؛ فإن كان المانع مصاحبة ناف الفعل، أو عدم تصرّف الفعل؛ فلا سبيل إلى التعجّب من الفعلين، وإن كان المانع غير هذين الأمرين أمكن التعجب، لكن بطريق، وهو أن يؤتى بمصدر ذلك الفعل، ويعطى ما للمتعجّب منه مضافا إليه (٤)، بعد «أشدّ»، أو «أشدد»، ونحوهما، بـ «ما» المصدرية، متلوة بالفعل الذي هو مصوغ للمفعول، فتقول: ما أشدّ ما ضرب زيد، وأشدد بما ضرب زيد، كما تقول فيما ذكر قبل: ما أشدّ انطلاق زيد، وأشدد بانطلاقه؛ فالإتيان بالمصدر لا بدّ منه إلا أنّه قد يؤتى به مؤولا، إنما وجب الإتيان به مؤولا، لأنّه لو أتي -
стр. 2607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به صريحا لما علم هل هو مصدر فعل فاعل، أو مصدر فعل مفعول كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام المصنف (١)، واعلم أنه إذا لم يكن للفعل مصدر مشهور، وتعذّر التعجب من ذلك الفعل، فالطريق في التوصل إلى التعجّب منه أن يجعل الفعل صلة لـ «ما» كما كان ذلك في الفعل المبني للمفعول، فيقال:
ما أكثر ما يذر زيد الشرّ، وأكثر بما يذر زيد الشرّ.
وإذ قد عرف ذلك فلنشر إلى أمور:
منها: أنّ الشيخ نقل (٢) عن ابن القطاع (٣) أنّهم يقولون: ذرعت المرأة، إذا خفت يداها في العمل، فهي ذراع (٤)، قال (٥): وعلى هذا لا يكون قولهم:
ما أذرع فلانة شاذّا؛ لأنّه مصوغ من فعل، ثمّ قال: وأما يعج فإنّه قد استعمل مثبتا (٦)، وأنشد البيت الذي تقدم إنشاده له في باب «كان» وهو:
٢٠٨٦ - ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه ... ولا مشربا أروى به فأعيج (٧)
-
стр. 2608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأمر في ذلك أقرب (١)؛ لأنّ قولهم: ذرعت المرأة - إن ثبت - كان في غاية النّدور، فلا اعتداد به وكذا استعمال «يعيج» مثبتا لا عبرة به لندوره على أنّ لقائل أن يدّعي أنّ «أعيج» - في البيت - منفيّ؛ لأنّ الشاعر نفى الشرب الذي يحصل به الريّ، والانتفاع، فكأنّه قد نفى الريّ والانتفاع؛ إذ مراده أنه لا ريّ، ولا انتفاع، لانتفاء المشروب الذي من شأنه أن يحصل بسببه هذان الأمران.
ومنها: أنّ المصنف مثل لما لا يكون من الأفعال قابلا معناه للكثرة، نحو: مات، وفني، وحدث، كما تقدّم، وتبعه الشيخ في التمثيل بذلك، وأدرج معه في التمثيل قولهم: ما أحسنه! وما أقبحه! وما أطوله، وما أهوجه! وما أحمقه! وما أنوكه! (٢) وما أشنعه! (٣) فعدّ نحو هذه الأمثلة من الشاذّ، وتبع في ذلك ابن عصفور، فإنّه قال: العجب لا يكون إلا مما يزيد وينقص (٤).
وأمّا [٣/ ١٢١] الخلق الثابتة فلا يجوز أن تتعجب منها ثم قال: وكذلك الألوان وإنّما تتعجب من أوصافها ولا يتعجب منها إلا أن يشذّ من ذلك شيء فلا يقاس عليه، والذي شذّ من ذلك: ما أحسنه ... ، وسرد الأمثلة المتقدمة إلى آخرها، ولم يظهر لي كون الحسن، وما ذكر معه لا يزيد ولا ينقص؛ إذ المحسوس خلاف ذلك، ثم لم يظهر لي أيضا قول ابن عصفور، والظاهر أنه أراد بذلك الزيادة والنقص، لقوله: كالشدّة والضّعف، وإذا كان مراده ذلك فما المانع من التعجب؟، ويقوي ذلك قوله: ويتعجّب من أوصافها، والذي يظهر أنّ المصنف لا يرى شذوذ نحو:
ما أحسنه! وما أقبحه! لأنّه إنما اشترط في الفعل الذي يبنى منه صيغتا التعجّب أن يكون قابلا معناه للكثرة.
ولا شكّ أنّ «حسن» و «قبح» قابل معناه لها، وبعد أن كتبت هذا الذي -
стр. 2609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكرته، وقفت على كلام الشيخ فوجدته قد نحا إلى ما نحوت إليه، حتّى قال:
ولست أعلم أنّ أحدا من النحاة عدّد في الشواذّ ما عدّده ابن عصفور، ولم يسلم له مثال مما ذكر أنّه شاذ، فحصل لي اعتضاد بما ذكره رحمه الله تعالى، ومنها أنّ ابن عصفور ذكر ألفاظا، بنيت من الفعل المزيد فيه، مقصودا بها التعجّب (١)، غير ما ذكره المصنف، وهي: ما أتقاه! من «اتّقى»، وما أقومه! من «استقام»، وما أمكنه عند الأمير! من «تمكّن»، وما أملأ القربة! من «امتلأ»، وما آبل الرجل! أي: ما أكثر إبله، وإنّما يقال: يأبل إبلا، إذا اتخذها، وذكر غيره:
ما أرفقه! وما أحوجه! وقد قيل: إنّ لكلّ من هذه الصيغ فعلا ثلاثيّا، والحقّ أنّ ذلك غير ثابت.
ومنها: أنك قد عرفت ما ذكره المصنف، من الخلاف في بناء هذين الفعلين، من «أفعل»، والذي تلخّص أنّ في ذلك مذاهب ثلاثة، يفرق في الثالث بين ما همزته للنقل، وما همزته لغير النّقل، فلا يبنى من الأول، ويبنى من الثّاني (٢).
وقد عرفت ما ذكره المصنف من أنه لا فرق بينهما، وأنّه يجوز بناء فعلي التعجّب من كلّ من الفعلين - أعني: ما همزته للتعدية، وما همزته لغيرها - وقد قال المصنف: إنّه مذهب سيبويه والمحققين (٣)، ووافق المصنف على تصحيح هذا المذهب ابن هشام الخضراويّ، ومن المسموع مما الهمزة فيه للتعدية قولهم: ما آتاه للمعروف! وما أعطاه للدراهم! وما أولاه بالمعروف! وما أضيعه لكذا! ومن المسموع مما الهمزة فيه لغير التعدية قولهم: ما أنتنه! في لغة من قال: أنتن، وما أخطأه! وما أصوبه! وما أيسره! وما أعدمه! وما أسنّه! وما أوحش المكان الفلانيّ! وما أمتعه! وما أشرفه! وما أفرط جهله! وما أظلمه! وما أضوأه! (٤). -
стр. 2610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنّ صفات الله تعالى لا يتعجّب منها، فإنها لا تقبل الزيادة، إذ هي في أكمل الصفات، ولا يتصور فيها خلاف ذلك.
وأما قول العرب: ما أعظم الله! وما أجلّ الله! (١)، وقول الآخر:
٢٠٨٧ - ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممّن داره صول (٢)
فقالت الأئمة فيه: إنّ التعجب منهم غير مقصود، ولكنّ هذا كلام يجري مجرى الذكر والتعظيم لله تعالى (٣). -
стр. 2611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنّ المصنف جعل بناء هذين الفعلين من الفعل المبنيّ للمفعول؛ غير مقصور على السّماع، لكن قال الشيخ: قصر ذلك على السماع هو قول الجمهور.
ومنها: أنّه تقدم أنّ العرب تركت التعجّب من أفعال مستوفية للشروط، واستغنت عنها بغيرها، وذكر أنّ من جملتها: قام، وقعد، وجلس (١).
قال الشيخ: ومن عدّ «نام» فيها فليس قوله بصحيح؛ لأنّ سيبويه حكى:
ما أنومه (٢)! وقالت العرب: هو أنوم من فهد (٣).
وحكى الأخفش عن بعض العرب: ما أغضبه! (٤).
ومنها: أنّ الشيخ قال في قول المصنف: ويتوصّل إلى التعجّب إلى آخره: إنّ هذا الحكم لا يختض بما فقد فيه شرط من الشروط، بل يجوز هذا الحكم فيما استوفى الشروط، فتقول: ما أكثر ضرب زيد لعمرو، وأكثر بضرب زيد لعمرو، وما أكثر ما ضرب زيد عمرا، وأكثر بما ضرب زيد عمرا (٥) انتهى، وفيما ذكره نظر، فإنّ التعجب فيما مثّل به ليس من الضّرب، إنّما هو من كثرة الضّرب، و «أكثر» ليس نائبا عن شيء، إنما هو صيغة «أفعل» التفضيل، والفعل الذي بنى منه هو كثر، كما أنّ «أحسن» - مثلا - صيغة تفضيل، وهو من «حسن».
والحاصل: أنّ الفرق معقول بين قولنا: ما أضرب زيدا لعمرو، وقولنا: ما أكثر ضرب زيد لعمرو، ففي المثال الأول: التعجّب من الضرب، وفي المثال الثاني:
التعجّب من كثرته، لا منه.
ومنها: أنّ المانع من التعجّب، إن كان كون الفعل منفيّا، جعلت الفعل في صلة أن، نحو: ما أقبح أن لا يأمر بالمعروف، وأقبح بأن لا تأمر بالمعروف، قالوا: فلو كان الفعل من باب «كان» ممّا لزمه النّفي لكونه وضع له وهو «ليس»، أو لكونه -
стр. 2612
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يستعمل إلّا مقرونا بحرف أو بحرف النهي أو الدّعاء، نحو: ما زال؛ ففيه خلاف، أجاز البغداديون: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد، وما أحسن ما لا يزال يذكرك زيد، وتابعهم ابن السرّاج، يقول ابن السراج (١): كما جاز لك ذلك في «كان» ولكن يجوز: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد: وما أحسن ما لا يزال يذكرنا زيد، وهذا مذهب البغداديين (٢).
قال الشيخ: ويقوي ذلك في «ليس» أنها قد وقعت صلة لـ «ما» المصدريّة، قال:
٢٠٨٨ - ... بما لستما أهل الخيانة والغدر (٣)
ويقوّي ذلك في «لا يزال» أنّ صورته صورة النّفي، وهو موجب من حيث المعنى، فكأن «ما» المصدرية إنّما دخلت على موجب، لا على منفيّ، قال: فإن كان الفعل «نعم، وبئس»، وغيرهما، ممّا لا يتصرف فلا يقع صلة «ما» ولا لـ «أن» (٤).
ومنها: أنّ ما شذّوا فيه فقالوا: ما أفعله، نحو: ما أملأ هذه القربة! وما أمكنه عند الملك! لا يجوز أن يبنى منه «لفعل» مرادا به التعجب، فلا يقال: لملؤت القربة، ولا: لمكن زيد، وذلك أنّ «أفعل» في التعجّب، قليلة الاستعمال، فلم يجز استعمالها، إلا حيث يستعمل «ما أفعله» بقياس (٥). -
стр. 2613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنّ نحو: ما أحسن [٣/ ١٢٢] زيدا لا ما أشرفه! وما أحسن زيد لا أشرفه! منع من إجازتهما الكسائي، وقال النحاس: إنّهما جائزتان على مذهب البصريين؛ لأنّ حكم «لا» أن يكون بعد الإيجاب (١). انتهى.
وفي إجازة المسألة الأولى نظر، لأنّ «لا» إنّما يعطف بها المفرد، لا الجملة.
* * *
стр. 2614
الباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيل
[تعريفه وصياغته وشروط صياغته]
قال ابن مالك: (يصاغ للتّفضيل موازن «أفعل» اسما، ممّا صيغ منه في التّعجّب فعلا، على نحو ما سبق من اطّراد وشذوذ، ونيابة «أشدّ» وشبهه، وهو هنا اسم ناصب مصدر المحوج إليه تمييزا، وغلب حذف همزة «أخير، وأشر» في التّفضيل وندر في التعجّب).
قال ناظر الجيش: لم يحدّ المصنف «أفعل» التّفضيل، وحدّه غيره فقال: هو ما اشتقّ من فعل الموصوف بزيادة على غيره، قال: فيدخل في (ما اشتقّ من فعل):
اسم الفاعل، واسم الزمان والمكان، وقوله: (الموصوف) يخرج الزمان والمكان، وقوله: (بزيادة على غيره) يفصله عمّا عداه (١). انتهى، وهو حدّ جيد، إلّا أنّ قوله: (اشتقّ من فعل) فيه مناقشة؛ لأنّ الاشتقاق إنما هو من
المصدر، فالصفات كالأفعال في أنّها مشتقة مما اشتقّ الفعل منه، هذا هو المذهب الحقّ (٢).
ثمّ قال المصنف: قد تقدم أنّ «أفعل» المتعجّب به مناسب أفعل التفضيل وزنا ومعنى، وأنّ كلّ واحد منهما محمول على الآخر فيما هو أصل فيه، ومن أجل مناسبتهما سوّت العرب بينهما، في أن يصاغ كلّ منهما ممّا يصاغ منه الآخر، وألا يصاغ مما لا يصاغ منه؟
وقد تبين في التعجب أن فعله لا يبنى دون شذوذ إلا من فعل ثلاثيّ مجرّد، تامّ، مثبت، متصرّف، قابل معناه للكثرة غير مبنيّ للمفعول، ولا معبّر عن فاعله بأفعل فعلاء.
فكذلك أفعل التفضيل لا يبنى دون شذوذ إلّا من فعل مستوف القيود المذكورة (٣) -
стр. 2615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيقال في بنائه من كتب، وعلم، وظرف: هو أكتب منه، وأعلم، وأظرف، كما قيل في التعجّب: ما أكتبه، وأعلمه، وأظرفه، ويحكم في هذا ونحوه بالاطراد؛ لأنّه من فعل مستوف للقيود، ويحكم بالشذوذ فيما لا فعل له، وفيما له فعل لم يستوف القيود، كما فعل في التعجّب (١).
فمن أمثلة «أفعل» التفضيل الذي لا فعل له قولهم: هذا أمقر (٢) من هذا، أي:
أمرّ، وهو ألصّ من شظاظ (٣) أي: أعظم لصوصيّة.
وشظاظ اسم رجل من ضبة، ومن هذا النّوع (٤): أول وآخر.
ومن أمثلة سيبويه فيما لا فعل له: أحنك الشّاتين والبعيرين (٥)، أي: آكلهما، وآبل النّاس، أي: أرعاهم للإبل، ومن أمثلة غيره: هذا التمر أصفر من غيره، أي:
أكثر صفرا، وهذا المكان أشجر من هذا المكان، أي: أكثر شجرا، وفلان أضيع من غيره، أي: أكثر ضياعا (٦)،
والصحيح أنّ «أحنك» من قولهم: احتنك الجراد ما على الأرض أي: أكله، ولكنّه شاذّ لكونه من «افتعل» فهو نظير «أشدّ» من: -
стр. 2616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اشتد، ونظير قولهم: هو أسوأ من هذا، بمعنى: أشدّ استواء، وكذا الصّحيح أنّ «آبل» من قولهم: أبل الرجل أبالة، وأبل أبلا إذا درب بسياسة الإبل، والقيام عليها فلا شذوذ فيه أصلا.
وكذا الصحيح أن «أصفر» من: صفر الرطب، إذا صار ذا صفر، فلا شذوذ فيه وكذا «أشجر» من قولهم: أشجر المكان، أي: صار ذا شجر، ولا شذوذ فيه على مذهب سيبويه (١)؛ لأنّ «أفعل» - عنده - يساوي: فعل، فعل، فعل في بناء «أفعل» التفضيل، وقد تقدّم بيان ذلك، وكذا قولهم: فلان أضيع من غيره، هو من قولهم: أضاع الرجل، إذا كثرت ضياعه، ولا شذوذ فيه، على مذهب سيبويه ونظيره: هو أعطاهم للدّراهم، وأولاهم للمعروف، وأكرم لي من زيد، أي:
أشدّ إكراما، وهذا المكان أقفر من ذلك، والفعل من جميعها على وزن «أفعل» (٢) ومن المحكوم بشذوذه لكونه من مزيد فيه قول عمر ﵁: «إنّ أهمّ أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن
ضيّعها فهو لما سواها أضيع» (٣) فأوقع «أضيع» موقع: أشدّ تضييعا، ومن المحكوم بشذوذه من جهتين قولهم: هذا أخصر من هذا، فبنوه من «اختصر» وفيه مانعان: أحدهما: أنه من مزيد فيه، والثاني: أنه من فعل ما لم يسمّ فاعله (٤)، ومثله - على مذهب غير -
стр. 2617
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سيبويه - قولهم - فيمن أصيب بمكروه -: هو أصوب من غيره، وهو من «أصيب»، فعلى مذهب سيبويه ليس شاذّا، إلا من قبيل ما هو من فعل المفعول، وذلك لا يحكم بشذوذه إلا فيما يلتبس فيه قصد المفعول بقصد الفاعل (١) وذلك إذا كان الفعل مستعملا بالبناءين كثيرا، ولم يقارن أفعل ما يمنع من أن يراد به الفاعلية كقولك: هذا أضرب من ذاك، وأنت تريد أنّ الضرب الواقع فيه أشدّ من الواقع بغيره فإنّ هذا لا يجوز لأنّ المراد به لا دليل عليه، بل السابق إلى ذهن من يسمعه التفضيل في الفاعلية، فإن اقترن بما يمنع من قصد الفاعلية جاز وحسن.
ومن هذا قولهم: أكسى من بصلة (٢)، وأشغل من ذات النّحيين (٣)، ويصحّ على هذا أن يقال: عبد الله بن أبيّ (٤) ألعن ممّن لعن على لسان داود، ولا أحرم ممن عدم الإنصاف، ولا أظلم من قتيل كربلاء (٥)، فلو كان مما لازم بناء ما لم يسمّ فاعله، أو غلبت قلّته؛ لم يتوقف في جوازه، لعدم اللبس وكثرة النظائر، كأزهى، وأغنى (٦)، وقد تقدم
من قولي: إن ورود هذا في التفضيل أكثر منه في التعجب، وأنّه لا ينبغي أن يقتصر فيه على المسموع، ومن المحكوم بشذوذه قولهم: هو أسود -
стр. 2618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من حنك الغراب (١)، وقول النّبي ﷺ في صفة الحوض -: «أبيض من اللّبن» (٢) وإنّما كان هذان شاذّين؛ لأنهما من باب: أفعل فعلاء، وليسا كألدّ وأخواته، ممّا يناسب عسرا أو جهلا، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وفي: «صيغ» - من قولي في أول هذا الباب: (مما صيغ منه التعجب) - ضمير يرجع إلى موازن الفعل والضمير في «منه» يرجع إلى «ما» أي: من اللفظ الذي صيغ منه موازن «أفعل» [٣/ ١٢٣] والتعجب، وأشرت بقولي: (ونيابة أشدّ ونحوه) إلى أنّ الفعل الذي يقصد أن يصاغ منه أفعل التفضيل إن لم يستوف القيود يتوصل إلى معنى التفضيل فيه بذكر «أشدّ» أو نحوه، ناصبا مصدر ذلك الفعل على التمييز، كقولك في «دحرج» و «علّم» و «اقترب»: هو أشدّ دحرجة، وأصحّ تعليما، وأكثر اقترابا، وكقولك: هو أفظع موتا، وفي «عور»: هو أقبح عورا، وفي «كحل» هو أحسن كحلا (٣).
ولما كثر استعمال صيغة التفضيل من الخير والشر اختصروها، فحذفوا الهمزة، وقالوا في المدح والذّم: هو خير من كذا، وشرّ من كذا، ورفض: أخير، وأشرّ، إلا فيما ندر كقول الراجز:
٢٠٨٩ - بلال خير النّاس وابن الأخير (٤)
-
стр. 2619
[أحكام أفعل التفضيل المجرد من «أل» والإضافة، وأحوال المفضول منه]
قال ابن مالك: (ويلزم «أفعل» التّفضيل عاريا الإفراد والتّذكير وأن يليه أو معموله المفضول مجرورا بـ «من» وقد يسبقانه ويلزم ذلك إن كان المفضول اسم استفهام أو مضافا إليه، وقد يفصل بين «أفعل» و «من» بـ «لو» وما اتّصل بها ولا يخلو المقرون بـ «من» في غير تهكّم من مشاركة المفضّل في المعنى، أو تقدير مشاركته وإن كان «أفعل» خبرا حذف للعلم به المفضول غالبا ويقلّ ذلك إن لم يكن خبرا ولا تصاحب «من» المذكورة غير العاري إلّا وهو مضاف إلى غير معتدّ به أو ذو ألف ولام زائدتين، أو دالّ على عار متعلّق به «من» أو شاذّ).
ــ
ومن النّادر قراءة الآية (١): سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (٢) وكما ندر ردّ الهمزة في التفضيل نذر سقوطها
في التعجّب، فقيل: ما خيره، بمعنى: ما أخيره، وما شرّه، بمعنى: ما أشرّه، وشذّ حذف همزة «أحبّ» في التفضيل، كقول الأحوص:
٢٠٩٠ - وزادني كلفا بالحبّ أن منعت ... وحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا (٣)
قال ناظر الجيش: اعلم أنّ لـ «أفعل» التّفضيل استعمالات ثلاثا لا يتجاوزها وهي أن تقرن به «من» ومجرورها، ويعبّر عنه بالعاري أي عن اللام والإضافة، وأن تباشره اللام، وأن يضاف.
وقد تكلم المصنف على المقرون بـ «من» هنا إلى آخر هذا الفصل وتكلم في الفصل الذي يليه على الاستعمالين الآخرين. والسبب في أنّ «أفعل» التفضيل لا يتجاوز ثلاثة الاستعمالات أنّ الغرض منه إفادة الزيادة في موصوفه على غيره -
стр. 2620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقصد إلى ذكر الغير ليوفر ما يقتضيه معناه وذلك لا يحصل إذا تجرد عن هذه الثلاثة؛ لأنك إذا قلت: زيد أشرف لم يفهم من هو الذي زاد عليه هو في الشرف، فإذا أتيت بـ «من» أو أضفته علم المفضل عليه، وإذا أتيت باللام كقولك: زيد الأشرف، فالتعريف هو تعريف العهد وهو لا يكون معهودا، إلا على الصفة المذكورة، فإذا عرفته بالعهد فهو المعهود الذي قد عرف من هم المفضل عليهم هو ولا يجمع بين «من» واللام أو الإضافة، فلا يقال: زيد الأفضل من عمرو، ولأنهم لم يأتوأ بـ «من» إلا لما ذكرناه، من بيان المفضّل عليه وقد علم أنّ اللام تفيد ذلك، فلم يكن للجمع بينهما معنى.
وأيضا فإنّ معنى التعريف باللام أن يجعله للمعهود المفضل على من عهد تفضيله عليه بمعنى «من» تفضيله على من ذكر بعدها دون من سواه فيصير المعنى - عند الاجتماع - تفضيله باعتبار المعهود ولا باعتبار المعهود وذلك
تناقض، وأيضا فإنّ «من» تشعر باحتياجه ونقصانه، واللام تشعر باستغنائه وكماله. فلو جمع بينهما لكان كالجمع بين النقيضين.
قال المصنف (١): ويلزم «أفعل» التفضيل الإفراد والتذكير إذا كان عاريا أي:
غير مضاف ولا مشفوع بحرف التعريف، فيقال: زيد أكرم من عمرو، وهما أكرم من بشر، وهم أشجع من غيرهم، وهند أجمل من دعد، وبنتاهما أصلح، والأمّهات أشفق من الأخوات (٢)، ويلزم العاري أيضا أن يذكر بعده المفضول، مقرونا بـ «من» متصلة به كما رأيته من الأمثلة المذكورة آنفا، أو مفصولا بين «من» وبينه بمتعلق به، فصاعدا، كقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ (٣).
وكقول الشّاعر: -
стр. 2621
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٠٩١ - فلأنت أسمح للعفاة بسؤلهم ... عند الشّصائب من أب لبنينا (١)
وكقوله:
٢٠٩٢ - ما زلت أبسط في غصن الزمان يدا ... للناس بالخير من عمرو ومن هرم (٢)
ويجب تقديم «من» والمفضول (٣) إن كان اسم استفهام، أو مضافا إليه، نحو:
ممّن أنت أحلم؟ ونحو: ممّن أنت أعلم؟ ومن أيّ الرّجال أنت أكرم؟ وممّ قدّك أعدل؟ ومن وجه من وجهك أجمل؟
ذكر أصل هذه المسألة أبو عليّ في التّذكرة (٤) وهي من المسائل المغفول عنها.
فإن كان المفضول غير ذلك لم يجز تقديمه إلّا في نادر من الكلام، كقول ذي الرّمّة:
٢٠٩٣ - ولا عيب فيها غير أنّ سريعها ... قطوف وأن لا شيء منهنّ أكسل (٥)
وكقول الآخر: -
стр. 2622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٠٩٤ - فقالت لنا أهلا وسهلا وزوّدت ... جنى النّحل بل ما زوّدت منه أطيب (١)
وقد يفصل «أفعل» و «من» بـ «لو» وما اتصل بها كقول الشّاعر:
٢٠٩٥ - ولفوك أطيب لو بذلت لنا ... من ماء موهبة على خمر (٢)
ولا بدّ من كون المفضول مشاركا للمفضّل فيما ثبت فيه التفضيل فيقال: الخبز أغذى من السويق، والعسل أحلى من التّمر، ولا يقال: الخبز أغذى من الماء، ولا:
الماء أروى من الخبز؛ فإن ورد لفظ تفضيل دون ظهور مشاركة قدّرت المشاركة بوجه ما، كقولهم في البغيضين: هذا أحبّ إليّ من هذا، وفي الشرّين: هذا خير من هذا، وفي الصّعبين: هذا أهون من هذا، وفي القبيحين: هذا أحسن من هذا، بمعنى: أقل بغضا، وأقل شرّا، وأقلّ صعوبة، وأقلّ قبحا ومنه قوله تعالى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (٣).
[٣/ ١٢٤] وقول الرّاجز:
٢٠٩٦ - أظلّ أرعى وأبيت أطحن ... الموت من بعض الحياة أهون (٤)
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وممّا تقدّر فيه المشاركة قول بعضهم: الصّيف أحرّ من الشّتاء، وله توجيهات:
أحدها: أن يكون من «أحرّ القتل» بمعنى: استحرّ، أي اشتدّ، فكأنّه قيل:
الصيف أشدّ احترارا من الشتاء؛ لأنّ حروبهم في الصّيف كانت أكثر من حروبهم في الشتاء (١)، ويمكن أن يشار بذلك إلى أنّ الشّتاء يتحيّل فيه على الحرّ بموقيات البرد وأنّ الصيف لا يحتاج فيه إلى تحيّل، فحرّه أشدّ من حرّ الشتاء (٢)، ويمكن أن يشار بذلك إلى «حرّ الأمر» جدّ، وأنّه في الصيف أشدّ منه في الشتاء (٣). وزعم بعض العلماء أنه يقال: العسل أحلى من الخلّ، وهذا موجه بثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون قائل هذا أسمى العنب خلّا، لمآله إليه، كما سمّي خمرا في قوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (٤).
الثاني: أن يكون «أحلى» من: حلي بعيني، إذا حسن منظره.
الثالث: أن يكون هذا قد وضع «أحلى» موضع «أطيب» لأنّ الخلّ يتأدّم به، فله من الطيب نصيب، لكنّه دون طيب العسل (٥).
ويكثر حذف المفضول إذا دلّ عليه دليل، وكان «أفعل» خبرا، كقوله تعالى:
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ (٦)، ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا (٧)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ (٨)، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (٩)، إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (١٠)، وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا (١١)، أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (١٢)، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (١٣).
وهو كثير، ومنه قول الشاعر: -
стр. 2625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢١٠٠ - إذا المرء علبي ثم أصبح جلده ... كرحض غسيل فالتّيمّن أروح (١)
أي: فدفنه على اليمين أروح له، وقد يحذف المفضول، وأفعل ليس بخبر، فمن ذلك قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٢).
ومن ذلك قول الشاعر:
٢١٠١ - دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا ... فظلّ فؤادي في هواك مضلّلا (٣)
أي: دنوت أجمل من البدر، وقد خلناك مثله.
ومثله:
٢١٠٢ - ليلقك من أرضاك قدما أجدّ في ... مراضيه فالمسبوق إن زاد سابق (٤)
ومثله قول رجل من طيئ:
٢١٠٣ - عملا زاكيا توخّ لكي تج ... زى جزاء أزكى وتلفى حميدا (٥)
-
стр. 2626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: لكي تجزى جزاء أوفى من العمل الزّاكي.
ومثله قول الآخر:
٢١٠٤ - تروّحي أجدر أن تقيلي ... غدا بجنّتي بارد ظليل (١)
أي ترّوحي، وأتي مكانا أجدر مكانا بأن تقيليه، أي: تقيلي فيه، وهذا أغرب من الذي قبله، لكثرة الحذف فيه.
ولا توجد «من» جارّة للمفضول، إلا و «أفعل» عار من الإضافة، والألف واللّام، وندر إيقاع «من» بعد مضاف إلى ما لا اعتداد بذكره، والإشارة بذلك إلى قول الشّاعر:
٢١٠٥ - نحن بغرس الوديّ أعلمنا ... منّا بركض الجياد في السّدف (٢)
أراد: أعلم منّا، فأضاف، ناويا إطراح المضاف إليه كما تدخل الألف واللام في -
стр. 2627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعض الامكنة، وينوى سقوطها.
وندر إيقاع «من» في قول الشاعر:
٢١٠٦ - ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنّما العزّة للكاثر (١)
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون من المعتاد وقوعها بعد العاري، والألف واللام زائدتان.
والثّاني: أن تكون متعلّقة بـ «أكثر» مقدرا، مدلولا عليه بالموجود المصاحب للألف واللام، كأنه قال: ولست بالأكثر، وأكثر منهم حصى (٢)، وهذا التقدير شبيه بما يقال في قوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٣) أي: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين.
والثالث: أن تكون «من» للتبيين، كأنّه قال: ولست بالأكثر من بينهم وإلى ما فيه من الأوجه أشرت بقولي: (ولا تصاحب «من» المذكورة غير العاري) (٤) إلى آخر الكلام، والله تعالى أعلم. هذا آخر كلام المصنف، ونتبعه الإشارة إلى أمور:
الأول: ذكر شواهد على بعض المسائل المذكورة، ذكرها غير المصنف:
منها: شاهد الفصل، بين «أفعل» وبين ما هو معمول لـ «أفعل»، قال الله تعالى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (٥).
وقال الشاعر: -
стр. 2628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢١٠٧ - ألين مسّا في حوايا البطن ... من يثربيات قذاذ خشن (١)
وقال آخر:
٢١٠٨ - وسبع الدّار أشجع حين يبلى ... لدى الهيجاء من ليث بغاب (٢)
وليعلم أنّ الفصل قد حصل في الشواهد التي ذكرها المصنف، والتي ذكرها غيره بشيئين وبثلاثة أيضا، وكذا بأربعة أشياء في البيت الذي أنشده المصنّف وهو:
٢١٠٩ - ما زلت أبسط في غضن الزّمان يدا ... للنّاس بالخير من عمرو ومن هرم (٣)
ومنها: شاهد سبق «من» ومجرورها «أفعل» قال الشاعر:
٢١١٠ - إذا سايرت أسماء يوما ظعينة ... فأسماء من تلك الظّعينة أملح (٤)
وقال آخر:
٢١١١ - ولولا النّهى أنبأتك اليوم أنّني ... من الطّابن الطبّ المجرّب أعلم (٥)
وقال آخر: -
стр. 2629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢١١٢ - فقلت لها: لا تجزعي وتصبّري ... فقالت بحقّ: إنّني منك أصبر
فقلت لها: والله ما قلت باطلا ... وإنّي بما قد قلت لي منك أبصر (١)
إلّا أنّ قوله:
٢١١٣ - بل ما زوّدت منه أطيب
ليس فيه دليل على التقديم صريحا، لاحتمال أن يعلق «منه» بـ «زودت».
ومنها: شاهد حذف المفضول، إذا وقع خبرا، قال الشاعر:
٢١١٤ - فخرت بنو أسد بمقتل مالك ... فخرت بنو أسد عتيبة أفضل (٢)
أي: من الجماعة [٣/ ١٢٥] الذين قتلوا به، وقال آخر:
٢١١٥ - إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن ... سراج لنا إلّا ووجهك أنور (٣)
وقال آخر:
٢١١٦ - وما مسّ كفّ من يد طاب ريحها ... من النّاس إلّا ريح كفّك أطيب (٤)
-
стр. 2630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمر الثّاني: ذكروا لوجوب الإفراد والتذكير في العاري عن اللام والإضافة عللا:
إحداها: أنّ الغرض من قولنا: زيد أكرم من عمرو، إنّما هو تفضيل كرم زيد على عمرو فهو في المعنى إخبار عن المصدر والمصدر لا يؤنث ولا يثنّى ولا يجمع (١).
ثانيها: أنّه يشبه «أفعل» المتعجّب به لفظا، ومعنى فلم يجز فيه ما لم يجز في ذلك.
ثالثها: أنّ «من» المذكورة بعد «أفعل» هي من تمامه، فهي كجزء منه، والاسم لا يثنّى جزء منه ولا يجمع، ولا يؤنث، وأقول: إنّني لم أتحقّق من هذه العلل الثلاث شيئا.
الأمر الثّالث: قد عرف أنّ تقديم «من» ومجرورها على «أفعل» واجب في نحو: ممّن أنت أفضل؟ وممّ قوامك أعدل؟
قال الشيخ (٢): وينبغي أن ينبه على سبقه أيضا ما كان «أفعل» خبرا عنه، نحو ما مثل به، ونحو: ممن كان زيد أفضل؟ وممّن ظننت زيدا أفضل؟ لئلا يتوهم أنه يجوز توسيطهما بين المخبر عنه والخبر، وهو لا يجوز فلا يقال: زيد ممن أفضل؟
ولا: كان زيد ممّن أفضل؟ ولا: ظننت زيدا ممّن أفضل؟ وقد عرفت أنّ الفصل بـ «لو» وما اتّصل بها قد وقع بين أفعل و «من».
قال الشيخ (٣): وقد جاء الفصل بالمنادى قال جرير:
٢١١٧ - لم نلق أخبث يا فرزدق منكم ... ليلا وأخبث بالنّهار نهارا (٤)
الأمر الرابع: ناقش الشيخ المصنف في قوله: ولا يقال: الخبز أغذى من الماء، -