← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي: لكي تجزى جزاء أوفى من العمل الزّاكي. ومثله قول الآخر: ٢١٠٤ - تروّحي أجدر أن تقيلي ... غدا بجنّتي بارد ظليل (١) أي ترّوحي، وأتي مكانا أجدر مكانا بأن تقيليه، أي: تقيلي فيه، وهذا أغرب من الذي قبله، لكثرة الحذف فيه. ولا توجد «من» جارّة للمفضول، إلا و «أفعل» عار من الإضافة، والألف واللّام، وندر إيقاع «من» بعد مضاف إلى ما لا اعتداد بذكره، والإشارة بذلك إلى قول الشّاعر: ٢١٠٥ - نحن بغرس الوديّ أعلمنا ... منّا بركض الجياد في السّدف (٢) أراد: أعلم منّا، فأضاف، ناويا إطراح المضاف إليه كما تدخل الألف واللام في -

стр. 2627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعض الامكنة، وينوى سقوطها. وندر إيقاع «من» في قول الشاعر: ٢١٠٦ - ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنّما العزّة للكاثر (١) وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون من المعتاد وقوعها بعد العاري، والألف واللام زائدتان. والثّاني: أن تكون متعلّقة بـ «أكثر» مقدرا، مدلولا عليه بالموجود المصاحب للألف واللام، كأنه قال: ولست بالأكثر، وأكثر منهم حصى (٢)، وهذا التقدير شبيه بما يقال في قوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٣) أي: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين. والثالث: أن تكون «من» للتبيين، كأنّه قال: ولست بالأكثر من بينهم وإلى ما فيه من الأوجه أشرت بقولي: (ولا تصاحب «من» المذكورة غير العاري) (٤) إلى آخر الكلام، والله تعالى أعلم. هذا آخر كلام المصنف، ونتبعه الإشارة إلى أمور: الأول: ذكر شواهد على بعض المسائل المذكورة، ذكرها غير المصنف: منها: شاهد الفصل، بين «أفعل» وبين ما هو معمول لـ «أفعل»، قال الله تعالى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (٥). وقال الشاعر: -

стр. 2628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢١٠٧ - ألين مسّا في حوايا البطن ... من يثربيات قذاذ خشن (١) وقال آخر: ٢١٠٨ - وسبع الدّار أشجع حين يبلى ... لدى الهيجاء من ليث بغاب (٢) وليعلم أنّ الفصل قد حصل في الشواهد التي ذكرها المصنف، والتي ذكرها غيره بشيئين وبثلاثة أيضا، وكذا بأربعة أشياء في البيت الذي أنشده المصنّف وهو: ٢١٠٩ - ما زلت أبسط في غضن الزّمان يدا ... للنّاس بالخير من عمرو ومن هرم (٣) ومنها: شاهد سبق «من» ومجرورها «أفعل» قال الشاعر: ٢١١٠ - إذا سايرت أسماء يوما ظعينة ... فأسماء من تلك الظّعينة أملح (٤) وقال آخر: ٢١١١ - ولولا النّهى أنبأتك اليوم أنّني ... من الطّابن الطبّ المجرّب أعلم (٥) وقال آخر: -

стр. 2629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢١١٢ - فقلت لها: لا تجزعي وتصبّري ... فقالت بحقّ: إنّني منك أصبر فقلت لها: والله ما قلت باطلا ... وإنّي بما قد قلت لي منك أبصر (١) إلّا أنّ قوله: ٢١١٣ - بل ما زوّدت منه أطيب ليس فيه دليل على التقديم صريحا، لاحتمال أن يعلق «منه» بـ «زودت». ومنها: شاهد حذف المفضول، إذا وقع خبرا، قال الشاعر: ٢١١٤ - فخرت بنو أسد بمقتل مالك ... فخرت بنو أسد عتيبة أفضل (٢) أي: من الجماعة [٣/ ١٢٥] الذين قتلوا به، وقال آخر: ٢١١٥ - إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن ... سراج لنا إلّا ووجهك أنور (٣) وقال آخر: ٢١١٦ - وما مسّ كفّ من يد طاب ريحها ... من النّاس إلّا ريح كفّك أطيب (٤) -

стр. 2630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأمر الثّاني: ذكروا لوجوب الإفراد والتذكير في العاري عن اللام والإضافة عللا: إحداها: أنّ الغرض من قولنا: زيد أكرم من عمرو، إنّما هو تفضيل كرم زيد على عمرو فهو في المعنى إخبار عن المصدر والمصدر لا يؤنث ولا يثنّى ولا يجمع (١). ثانيها: أنّه يشبه «أفعل» المتعجّب به لفظا، ومعنى فلم يجز فيه ما لم يجز في ذلك. ثالثها: أنّ «من» المذكورة بعد «أفعل» هي من تمامه، فهي كجزء منه، والاسم لا يثنّى جزء منه ولا يجمع، ولا يؤنث، وأقول: إنّني لم أتحقّق من هذه العلل الثلاث شيئا. الأمر الثّالث: قد عرف أنّ تقديم «من» ومجرورها على «أفعل» واجب في نحو: ممّن أنت أفضل؟ وممّ قوامك أعدل؟ قال الشيخ (٢): وينبغي أن ينبه على سبقه أيضا ما كان «أفعل» خبرا عنه، نحو ما مثل به، ونحو: ممن كان زيد أفضل؟ وممّن ظننت زيدا أفضل؟ لئلا يتوهم أنه يجوز توسيطهما بين المخبر عنه والخبر، وهو لا يجوز فلا يقال: زيد ممن أفضل؟ ولا: كان زيد ممّن أفضل؟ ولا: ظننت زيدا ممّن أفضل؟ وقد عرفت أنّ الفصل بـ «لو» وما اتّصل بها قد وقع بين أفعل و «من». قال الشيخ (٣): وقد جاء الفصل بالمنادى قال جرير: ٢١١٧ - لم نلق أخبث يا فرزدق منكم ... ليلا وأخبث بالنّهار نهارا (٤) الأمر الرابع: ناقش الشيخ المصنف في قوله: ولا يقال: الخبز أغذى من الماء، -

стр. 2631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال: بل ذلك جائز، والماء في لغة العرب يغذو قال الشاعر: ٢١١٨ - كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلّل (١) وأقول: ما ذكره المصنف هو الحقّ، فإنهم نصّوا على أنّ الماء لبساطته لا يغذو، وأمّا قول الشّاعر: «غذاها نمير الماء» فمجاز، أطلق على الماء أنّه غاذ؛ للعلاقة التي بينه وبين الغاذي حقيقة، وهي التناول. ثمّ قد علمت أنّ المصنف وجه ما أجازه بعض العلماء من أن يقال: العسل أحلى من الخلّ بالثّلاثة الأوجه التي تقدم ذكرها، فلقائل أن يقول: إذا كان الأمر كما ذكره - من أنّ الخل أريد به العنب، أو أنّ «أحلى» أوقع موقع «أطيب»؛ لأنّ الخلّ يتأدّم به فله من الطيب نصيب - لم يخالف أحد في جوازه، نعم، إن كان هذا المثال ورد عن العرب أفاد فيه هذا التخريج. الأمر الخامس: قد عرف أنّ المصنف أشار بقوله: أو تقدير مشاركته إلى أنّ المشاركة تقدّر بوجه ما فيما لا مشاركة فيه، كقولهم في البغيضين: هذا أحبّ إليّ من هذا، إلى آخر ما ذكره. وأقول: إننّي لم يظهر لي في الأمثلة التي ذكرها أنّها من هذا القبيل، أعني من قبيل ما تقدّر فيه المشاركة بوجه ما؛ لأنّ من مدلول الوصف المذكور منها منتف عن المفضّل والمفضّل عليه، فلو وجد في أحدهما دون الآخر اتّجه أن يقال: تقدر المشاركة بينهما في مدلول الوصف المذكور، والأمر ليس كذلك وإنّما ارتكب المجاز في الأمثلة المذكورة فوصف كلّا من المفضّل والمفضّل عليه بنقيض ما هو لهما، على -

стр. 2632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سبيل المجاز، فصار الوصف ثابتا لهما مجازا، وإذا كان كذلك فليست المشاركة ثابتة بينهما تقديرا، والسّبب في العدول عن الحقيقة أنّ ارتكاب المجاز في هذه الأمثلة، فيه إشعار بميل المتكلم إلى أحد الأمرين، ولو أتى بحقيقة الكلام ما أشعر بذلك، بل ربّما يشعر بخلافه. الأمر السادس: قد أشعر قول المصنّف: وإن كان أفعل خبرا حذف للعلم به المفضول غالبا أنّ المفضول قد لا يحذف مع كون «أفعل» واقعا خبرا، والمفضول معلوم، لكنّه لم يمثل لذلك ومثاله قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ (١). وشمل قول المصنف: خبرا خبر المبتدأ وخبر «كان» وخبر «إنّ» وما في مفعولي «ظننت»، قال الشاعر: ٢١١٩ - سقيناهم كأسا شربنا بمثلها ... ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا (٢) أي: منا، وقال الله تعالى: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً (٣). قال الشيخ: فإن كان «أفعل» التفضيل في موضع الفاعل، أو في موضع اسم «إنّ» ففي ذلك خلاف؛ أجاز البصريون حذف المفضول للعلم، ومنعه الكوفيون، ومثال ذلك: جاءني أفضل، وإنّ أكبر الله (٤). قال: وزعم الرماني أنّه لا يجوز الحذف إلّا في الخبر، ولا يجوز في الصّفة، ولا شكّ أنّ السماع يردّ هذا القول. وقد تقدّم ذكر الشواهد على ذلك (٥). -

стр. 2633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأمر السابع: تقدّم ذكر الأوجه الثلاثة التي ذكرها المصنف في تخريج قول الشاعر: ٢١٢٠ - ولست بالأكثر منهم حصى وأنّ منها أن تكون «من» للتبيين. قال الشيخ: فيكون ذلك نظير قول الشاعر: ٢١٢١ - أعكرم إن كانت بعينك كمنة ... فعندي لعينيك الأمضّ من الكحل (١) قال الشيخ: وإذا كان «أفعل» التفضيل مصوغا ممّا يتعدى بـ «من» يعدّى بها، مجرّدا أو مضافا، ومع «أل» (٢)، قال الكميت: ٢١٢٢ - فهم الأقربون من كلّ خير ... وهم الأبعدون من كلّ ذام (٣) وأقول: هذا واضح، لا يحتاج إلى التنبيه عليه. ثمّ قال (٤): ويجمع بينها وبين «من» الداخلة على المفضول، إذا جرّد تقول: زيد أقرب من كلّ خير من عمرو، وإذا جمع بينهما فيجوز تقديم «من» الداخلة على المفضول، على «من» الذي يتعلق «أفعل» به، فتقول: زيد أقرب من عمرو -

стр. 2634

[أفعل المقترن بـ «أل»، أو المضاف إلى معرفة، وما يتعلق بهما] قال ابن مالك: (فصل: إن قرن «أفعل» التّفضيل بحرف التّعريف، أو أضيف إلى معرفة مطلقا له التّفضيل، أو مؤوّلا بما لا تفضيل فيه، طابق ما هو له في الإفراد والتّذكير وفروعهما، وإن قيّدت إضافته بتضمين معنى «من» جاز أن يطابق وأن يستعمل استعمال العاري، ولا يتعيّن الثّاني، خلافا لابن السّرّاج، ولا يكون حينئذ إلّا بعض ما أضيف إليه، وشذّ: أظلمي وأظلمه، واستعماله عاريا، دون «من» مجرّدا عن معنى التّفضيل مؤوّلا باسم فاعل أو صفة مشبّهة مطّرد عند أبي العبّاس، والأصحّ قصره على السّماع، ولزوم الإفراد والتّذكير فيما ورد كذلك أكثر من المطابقة). ــ من كلّ خير؛ لأنّ كلّا من الجارّين متعلق بـ «أفعل» قال: وكذلك لو كان حرف الجرّ غير «من» نحو: زيد أبصر من عمرو بالنّحو [٣/ ١٢٦] وبكر أضرب من عمرو لزيد، وبه جاء السماع، قال الله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١). وأقول: إنّ ما ذكره الشيخ أمر جليّ واضح، تقتضيه القواعد، ومستغنى عن أن ينبّه عليه. قال ناظر الجيش: قد تقدّم أنّ لـ «أفعل» التفضيل ثلاث استعمالات: أحدها: بـ «من» ويلزم معها الإفراد والتذكير، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك. ثانيها: أن تقرن بـ «أل» وتلزم معها مطابقته لما هو له، في الإفراد، والتثنية والجمع، والتذكير، والتأنيث. ثالثها: أن يكون مضافا، فإمّا إلى نكرة، وحكمه حكم المقرون بـ «من» وسيأتي الكلام عليه بعد، وإما إلى معرفة، وقد قسم ثلاثة أقسام: الأول: أن يقصد به مطلق التفضيل، أي: اتصاف المفضل بالمفضل الزائد، دون نظر إلى مفضّل عليه، فلا ينوى بعده «من». الثاني: أن يؤوّل بما لا تفضيل فيه البتّة، بل يكون معناه معنى اسم الفاعل، -

стр. 2635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والصفة المشبّهة، وأن يكون التفضيل به مقصودا، فتكون إضافته على معنى «من»؛ (فهذان القسمان) (١) يلزم فيهما المطابقة، ولا يلزم أن يكونا بعض المعرفة المضاف إليها هي (٢)، كما قالوا في: زيد أفضل القوم: إنه على تقدير من القوم، وأنه لا يتعرّف. وأما القسم الثالث، فيجوز فيه الوجهان، أعني المطابقة وعدمهما، وإذ قد أشير إلى المقصود إجمالا، فلنذكره تفصيلا. قال المصنف (٣): قد تقدّم التنبيه على أنّ «أفعل» التفضيل منع التأنيث، والتثنية، والجمع لشبهه بـ «أفعل» المتعجّب به، ولا يكمل شبهه به إلا بتنكيره؛ لأنه حينئذ يكون قد شابهه لفظا، ومعنى فإن قرن بالألف واللام نقص شبهه به نقصا بيّنا، فزال عنه ما كان له بمقتضى كمال الشبه من معنى التأنيث والتثنية والجمع، واستحقّ أن يطابق ما هو له، كغيره من الصفات المحضة فيقال: جاء الرجل الأكبر والمرأة الكبرى، وجاء الرجلان الأكبران والمرأتان الكبريان، وجاء الرجل الأكبرون أو الأكابر والنسوة الكبريات، أو الكبر. فإذا أضيف إلى معرفة، وأطلق له التفضيل، ولم ينو بعده معنى «من» أو أوّل بما لا تفضيل فيه، عومل من لزوم المطابقة بما عومل به المقرون بالألف واللّام؛ لشبهه به في إخلائه من لفظ «من» ومعناها، ولا يلزم حينئذ كونه بعض ما أضيف إليه. وإن أضيف منويّا بعده معنى «من» كان له شبه بذي الألف واللّام في التعريف، وعدم لفظ «من» لزوما وشبه بالعاري الذي حذفت بعده «من» وأريد معناها، فجاز استعماله مطابقا، لما هو، بمقتضى شبهه بذي الألف واللّام، وجاز استعماله غير مطابق بمقتضى شبهه بالعاري، ولا يكون حينئذ إلا بعض ما يضاف له فيقال -

стр. 2636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الإخلاء من معنى «من» -: يوسف أحسن من إخوته، أي: حسنهم أو الأحسن من بينهم، ويقال - على إرادة معنى «من» يوسف أحسن أبناء يعقوب. ويمتنع على هذا القصد أن يقال: يوسف أحسن من إخوته؛ والدليل على أنه مع قصد معنى «من» تجوز المطابقة وعدمها اجتماعهما في قول النبي ﷺ : «ألا أخبركم بأحبّكم إليّ، وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة؛ أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا، الذين يألفون يؤلفون» (١). فأفرد «أحبّ» و «أقرب» وجمع «أحسن» ومعنى «من» مراد في الثلاثة. وزعم ابن السرّاج أنّ المضاف إذا أريد به معنى «من» عومل معاملة العاري، والحديث الذي ذكرته حجة عليه لتضمّنه الاستعمالين، مع أنّ المضاف الذي في إضافته معنى «من» أشبه بذي الألف واللّام منه واللّام منه بالعاري، فإجراؤه مجرى ذي الألف واللام أولى من إجرائه مجرى العاري، فإذا لم يعط الاختصاص بجريانه مجراه، فلا أقلّ من أن يشارك، وإلّا لزم ترجيح أضعف الشبهين، أو ترجيح أحد المتساويين دون مرجّح، وقد يستعمل العاري الذي ليس معه «من» مجرّدا عن التفضيل، مؤوّلا باسم الفاعل كقوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (٢)، أو مؤولا بصفة مشبهة كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (٣)؛ فـ (أعلم) - هنا - بمعنى عالم؛ إذ لا مشارك لله تعالى، في علمه بذلك، و (أهون) بمعنى هيّن؛ إذ لا تفاوت في نسبة المقدورات إلى قدرته ﵎ (٤). ومن ورود «أفعل» مؤولا بما لا تفضيل فيه قول الشاعر: -

стр. 2637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢١٢٣ - إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول (١) أي عزيزة، طويلة، ومنه قول الشنفرى: ٢١٢٤ - وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل (٢) أراد: لم أكن عجلا، ولم يرد: لم أكن أكثرهم عجلة؛ لأنّ قصده ذلك يستلزم عجلة غير فائقة، وليس غرضه إلا التمدح، ينفى العجلة قليلها، وكثيرها (٣)، واختار أبو العبّاس محمد بن يزيد المبرّد استعمال «أفعل» مؤولا بما لا تفضيل فيه، قياسا (٤) والأولى أن يمنع فيه القياس، ويقتصر فيه على ما سمع، والذي سمع منه كالمشهور فيه التزام الإفراد، والتذكير، إذا كان ما هو له مجموعا، -

стр. 2638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لفظا ومعنى، كقوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (١)، أو لفظا، لا معنى، كقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ (٢) ونَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ (٣) وقد يجمع، إذا كان ما هو له جمعا، كقول الشاعر [٣/ ١٢٧]: ٢١٢٥ - إذا غاب عنكم أسود العين كنتم ... كراما، وأنتم - ما أقام - ألائم (٤) أراد: وأنتم - ما أقام - لئام، فـ «ألائم» جمع «ألأم» بمعنى «لئيم» فكذلك جمعه، إلا أنّ ترك جمعه أجود؛ لأنّ اللفظ المستقرّ له حكم، إذا قصد به غير معناه على سبيل النيابة لا يغيّر حكمه، ولذا لم يغير حكم الاستفهام، في مثل: علمت أيّ القوم صديقك، ولا حكم النّفي في نحو: ٢١٢٦ - ألا طعان ألا فرسان عادية (٥) ... ... -

стр. 2639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا صحّ جمع «أفعل» العاري لتجّرده من معنى التّفضيل، إذا جرى على جمع جاز أن يؤنّث إذا جرى على مؤنّث، ويجوز أن يكون من هذا قول حنيف الحناتم (١) في صفات الإبل: سرعى، ونهيا، وعزرى (٢)، وكان الأجود أن يقول: أسرع، وأنهى وأعزر، إلّا أنّه لم يقصد التفضيل، فجاء بـ «فعلى» في موضع «فعيلة» كما جاء قائل ذلك البيت بـ «ألائم» في موضع لئام، وعلى هذا يكون قول ابن هانئ: ٢١٢٧ - كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها (٣) ... ... -

стр. 2640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صحيحا لأنّه مؤنث «أصغر» و «أكبر» المقصود بهما التفضيل وإنّما أنّث «أصغر» بمعنى صغير، و «أكبر» بمعنى كبير (١) انتهى كلام المصنف - رحمه الله تعالى -. ثم هنا أبحاث: الأول: أنّ الشيخ قال في القسمين اللّذين ذكرهما المصنّف - في المضاف إلى معرفة - وهما: أن يراد مطلق التفضيل، فلا ينوى بعده «من» نحو: يوسف أحسن إخوته، وأن يؤول بما لا تفضيل فيه، نحو: زيد أعلم المدينة؛ أنّ فيهما خلافا. قال: فأما الأول فمذهب البصريين، أنّ أفعل التفضيل متى أضيف إلى معرفة، فإنّه لا بدّ أن تكون ببعض ما أضيف إليه، ولا يجوز عندهم: يوسف أفضل إخوته، وأجاز ذلك الكوفيون؛ لأنه - عندهم - على معنى: من إخوته، كما قالوا في زيد أفضل القوم: إنّه على تقدير: من القوم، وإنه لا يتعرف (٢) وقد جاء قول القائل: ٢١٢٨ - يا خير إخوانه، وأعطفهم ... عليهم راضيا وغضبانا (٣) وقال جماعة منهم الزمخشريّ - هذا جائز، على أنّ أفعل - هنا - كقولك: -

стр. 2641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاعل، فيضاف لمجرّد التخصيص، كقولك: فاضل إخوته (١)، قال: وقد أثبت «أفعل» صفة، لا للتفضيل، والاشتراك في الصّفة، أبو العبّاس (٢)، ومنه عنده: الله أكبر إذ لا كبير معه، ومنه: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (٣) وقوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا (٤). قال: وأما القسم الثّاني - وهو أن يؤوّل بما لا تفضيل فيه البتة ويصير كاسم الفاعل، والصفة المشبّهة، فهذا شيء ذهب إليه المتأخرون، مستدلّين بقوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (٥)، وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ انتهى (٦). وأقول: أما قوله: إنّ مذهب البصريين أنّ «أفعل» التفضيل متى أضيف إلى معرفة لا بد أن يكون بعض ما أضيف إليه فلا يجوز عندهم يوسف أحسن إخوته (٧)، وهذا ليس فيه نقض لكلام المصنّف؛ لأنّه يوافق البصريين في أنّ أفعل التفضيل لا بدّ أن يكون بعض ما أضيف إليه. ويقول: إنّ قولنا: يوسف أحسن إخوته، ليس «أحسن» فيه للتفضيل، بل -

стр. 2642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لإثبات الحسن الزائد، من غير نظر إلى مفضل عليه (١)، وهذا واضح، وإنّما كان قصد الشيخ - في الردّ على المصنّف - أن يقول: مذهب البصريين أنه لا يجوز استعمال «أفعل» لإثبات الفضل الزائد، أما أن يقول: إنّهم لا يضيفون «أفعل» التفضيل إلّا إلى ما هو بعضه؛ فالمصنّف لا يخالف في ذلك وما أنشده الشيخ من قول الشاعر: ٢١٢٩ - يا خير إخوانه ... ... ... فهو مثبت ما ادّعاه المصنّف من جواز: يوسف أحسن إخوته، بالمعنى الذي قرره (٢). ثمّ، ليس مراد الزمخشري بقوله: إنّ «أفعل» هنا كقولك: فاعل؛ أنّه بمعنى فاعل؛ لأنّ «فاعلا» لا دلالة له على إثبات فضل زائد للموصوف، بل يراد بذلك أنّ إضافته تكون لمجرّد التخصيص كما أنّ «فاعلا» إذا أضيف كان لمجرد التخصيص، وأما قول الشيخ: إنّ تأويل «أفعل» بما لا تفضيل فيه البتة، وإنّه يصير كاسم الفاعل، والصفة المشبهة فشيء ذهب إليه المتأخرون (٣)، إلى آخر ما ذكره - فكلام عجيب؛ لأن المصنف كلامه الآن في «أفعل» المضاف إلى معرفة، لا في «أفعل» المجرّد، ثمّ لم ينتظم لي قوله هذا مع قوله قبل: وقد أثبت «أفعل» صفة، لا للتفضيل، والاشتراك في الصفة، أبو العبّاس - يعني المبرّد -، ولا شكّ أنّ المبرّد من كبار المتقدمين، فكيف ينسب هذا القول إليه ثم يقول: هذا شيء، ذهب إلى المتأخرون؟! وبعد فلم يتحقق لي في كلام الشيخ شيء في هذا الموضع، لما فيه من الاضطراب (٤). البحث الثاني: قد علمت أنّ «أفعل» المضاف إلى معرفة إذا أريد به معنى «من» يجوز فيه المطابقة لما قبله، كذي الألف واللّام، وعدم المطابقة كالعاري، قال الله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها (٥)، وقال تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ -

стр. 2643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ (١). وقد ورد في الحديث الشريف الذي تقدّم الاستشهاد به الجمع بين الأمرين، وتقدّمت الإشارة إلى ما زعمه ابن السرّاج، ولا شك أنّ القرآن العزيز، والحديث الشريف حجّة عليه. والظاهر أنّ الأمرين جائزان، على السّواء، لكن ذكر الشيخ عن بعضهم أنّ الأفصح من الوجهين المطابقة حتّى ردّ القائل بهذا على ثعلب قوله: اخترنا أفصحهنّ، فقال: كان الأولى أن يقول: فصحاهنّ؛ لأنه الأفصح، كما شرط في كتابه. وقال ابن الأنباري: الإفراد، والتذكير أفصح؛ معللا لذلك بأنّ تثنيته ما أضيف إليه وجمعه وتأنيثه، أغنى عن تثنيته «أفعل» وجمعه وتأنيثه (٢). وأقول: إذا اشتمل القرآن العزيز والحديث الشريف على الأمرين، فلا وجه لترجيح أحدهما على الآخر (٣) [٣/ ١٢٨]. البحث الثالث: فهم الشيخ من قول المصنف، وإن قيدت إضافته بتضمين معنى «من» أن تقدر بين «أفعل» وما أضيف إليه فقال: وكون إضافته بتضمين معنى «من» مبنيّ على أنّ إضافته غير محضة، وأنّها نوي بها الانفصال، قال: وإلى ذلك ذهب الكوفيون (٤). انتهى. والذي يظهر أنّ المصنف لم يقصد ما أشار إليه الشيخ أصلا، وإنّما أراد بقوله: تضمين معنى «من»؛ أنّ «أفعل» - حينئذ - قصد به التفضيل، لا مطلقا بل بالنسبة إلى مفضل عليه؛ فالمراد بقولك: زيد أفضل القوم - على هذا الذي قال -: زيد أفضل من القوم، ويؤيد ذلك قوله في الألفية: وتلو أل طبق، وما لمعرفه ... أضيف ذو وجهين عن ذي معرفه (٥) -

стр. 2644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا إذا نويت معنى «من» يعني إذا أردت بـ «أفعل» المضاف ما تريد بـ «أفعل به»، ويدلّ على ذلك أيضا أنّ إضافة «أفعل» التفضيل عند المصنف محضة، والشيخ جعل ذلك مبنيّا على أنّ إضافته غير محضة، ولا شكّ أنّ المصنف لا يرى ذلك. البحث الرابع: قد تقدّم ذكر الشّواهد، التي أوردها المصنف، مستدلّا بها على استعمال «أفعل» العاري من الألف واللّام، والإضافة دون «من»، مجرّدا عن معنى التفضيل، مؤولا باسم فاعل (١) أو صفة مشبهة (٢)، ومن الشواهد التي ذكرها غير دالة على ذلك قول الشاعر: ٢١٣٠ - لئن كنت قد بلّغت عنّى وشاية ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب (٣) أي: غاشّ كاذب، ولا يريد: أغشّ منّي، وقول حسّان رضي الله تعالى عنه: ٢١٣١ - أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء (٤) أي: خبيثكما لطيبكما، وقول الآخر: -

стр. 2645

[«أفعل» المضاف إلى نكرة وأحكامه] قال ابن مالك: (ونحو: هو أفضل رجل، وهي أفضل امرأة، وهما أفضل رجلين أو امرأتين، وهم أفضل رجال، وهنّ أفضل نسوة، معناه ثبوت المزيّة للأوّل على المتفاضلين واحدا واحدا، أو اثنين اثنين، أو جماعة جماعة. وإن كان المضاف إليه مشتقّا جاز إفراده مع كون الأول غير مفرد). ــ ٢١٣٢ - قسما إليك مع الصّدود لأميل (١) أي: مائل، وقال الله تعالى - حكاية -: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (٢) أي: طاهرات، وقال تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (٣) أي: الشقيّ، واعلم أنّ الشيخ - بعد إيراد هذه الشواهد - أعاد كلامه الأول، فقال: هو شيء ذهب إليه أبو عبيدة (٤)، قال: ولم يسلم النحاة له هذا الاختيار، وقالوا: لا يخلو أفعل من التفضيل، وتأولوا ما استدلّ به على ذلك (٥). انتهى. ولا أعرف كيف يذكر الشيخ هذا مع تقريره لقول المصنّف: إنّ هذا الاستعمال يطرد عند أبي العباس، فكيف يخصّ أبو عبيدة بالقول بهذه المسألة مع تقرير أنّ هذا الرجل الكبير الذي هو المبرّد، قائل بذلك، ثمّ إنّه ما كفاه القول به حتّى قال باطراده أيضا. ومع هذا يقول الشيخ: وهو شيء ذهب إليه أبو عبيدة، ثم إنّ القول بمنع صيغة «أفعل» لغير التفضيل إنما كان يتجه لو كان بناء هذه الصيغة ممتنعا، لغير التفضيل، ولا شكّ أنّ الأمر ليس كذلك. قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على المقرون بـ «من» والمعرّف باللّام، -

стр. 2646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمضاف إلى معرفة شرع في ذكر ما بقي من الأقسام، وهو المضاف إلى نكرة، وشرح ذلك بأن قال (١): إذا قيل زيد أفضل رجل، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال. فمعناه: زيد أفضل من كل رجل، قيس فضله بفضله، والزيدان أفضل من كل رجلين، قيس فضلهما بفضلهما، والزيدون أفضل من كلّ رجال، وقيس فضلهم بفضلهم، فحذفت «من كلّ» وأضيف «أفعل» إلى ما كان «كلّ» مضافا إليه (٢). والكلام في: أفضل امرأة، وأفضل امرأتين، وأفضل نسوة: كالكلام في: أفضل رجل، وأفضل رجلين، وأفضل رجال، ويلزم «أفعل» المستعمل هذا الاستعمال الإفراد، والتذكير، لشبهه بالعاري، في التنكير، وظهور «من» بعده، بأسهل تقدير ولا بدّ من كون المضاف إليه مطابقا لما قبل المضاف، ما لم يكن المضاف إليه مشتقّا فيجوز إفراده مع جمعيّة ما قبل المضاف، ومنه قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ (٣). وقد يضمن الإفراد والمطابقة، ما أنشد الفرّاء (٤) من قول الشاعر: ٢١٣٣ - فإذا هم طعموا فألأم طاعم ... فإذا هم جاعوا فشرّ جياع (٥) -

стр. 2647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإنّما جاز الوجهان مع المشتقّ؛ لأنّه و «أفعل» مقدّران بـ «من» والفعل، و «من» بها جمع يجوز في ضميرها الإفراد، باعتبار اللفظ، والجمع باعتبار المعنى (١). انتهى. ويتعلق بهذا الوضع التنبيه على أمرين: أحدهما: أنّ الفراء نقل عنه أنه يجيز تأنيث «أفعل» المضاف إلى نكرة، وتثنيته، إذا كانت النكرة موصوفة بفعل، فيقول: هند فضلى امرأة تقصدنا، ودعد حورى إنسانة تلمّ بنا، والهندان فضليا امرأتين تزوراننا، وأجاز أيضا - مع تأنيث المضاف إلى نكرة - تثنية المضاف إليه مع كون «أفعل» خبرا عن مفرد، فتقول: هند فضلى امرأتين تزوراننا، ذكر الشيخ في شرحه ذلك (٢)، ثم ذكر عن ابن الأنباريّ كلاما طويلا، يتعلق بجرّ ما بعد «أفعل» ونصبه، إذا كان نكرة (٣). ثمّ قال: وهذا شيء لا نعرفه (٤)، ولا شكّ أنّ هذه الأمور التي هي مخالفة للقواعد، تشوش الأذهان، وتوقع الواقف عليها في خبط، ولا يصحّ منها شيء، فالإضراب عن ذلك أولى من الاشتغال به. ثانيهما: أنّ المصنف قد ذكر وجوب مطابقة ما بعد «أفعل» المضاف إلى نكرة، لما قبله واستثنى من المضاف [٣/ ١٢٩] إليه ما كان مشتقّا، فأجاز إفراده، مع كون ما قبل «أفعل» جمعا، وعلل إجازة ذلك، بما تقدم ذكره، وما ذكره حسن، غير أنّ الجماعة يلزمون المطابقة مطلقا، ويجيبون عن هذه الآية الشريفة بأنّ ثمّ موصوفا -

стр. 2648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ محذوفا، هو جمع في المعنى، والمشتق الواقع بعد «أفعل» صفة له، والتقدير: ولا تكونوا أول فريق كافر به (١). وأما قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٢) فقد أتى ما بعد (أفعل) فيه جمعا، مع أنّ ما قبله مفرد، والمسوغ لذلك كون المفرد المذكور لم يكن المراد به مفردا، وهو قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٣)، ويحقق ذلك استثناء الَّذِينَ آمَنُوا (٤) منه، فقد روعي المعنى في الإنسان، دون اللفظ؛ فمن ثمّ جاء ما بعد «أفعل» التفضيل مجموعا لا مفردا، والمحسن لمراعاة المعنى كون المضاف إليه «أفعل» فاصلة، فناسب أَسْفَلَ سافِلِينَ ما قبله من الفواصل، وما بعده أيضا، ومنهم من قال: التقدير: أسفل قوم سافلين، ثم إنّهم قالوا في قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ (٥): لما لم تكن فاصلة اختير فيه الإفراد؛ لأنّه أخفّ، ويغني عن الجمع (٦). وأقول: إنّ هذا الذي ذكروه لا ينتظم لي، مع قولهم: إنّ التقدير في الآية الشريفة (٧): ولا تكونوا أول فريق كافر به؛ لأنهم قدّروا مقدّرا يسوغ معه الإفراد، ولكنّ ما ذكروه يناسب أن يكون علة على التخريج الذي خرّجه المصنف، فإنه إنّما أحوجه إلى أن يستثني المشتقّ وروده في الآية الشريفة، فقال: إنّ المضاف إليه «أفعل» إذا كان مشتقّا جاز الأمران، فيقال له: لم اختير الإفراد على الجمع؟ فيكون الجواب ما تقدم، وهو أن المفرد أخفّ من الجمع، مع أنّه ليس فيه مخالفة بين الفواصل.

стр. 2649

[حكم كلمة «أول» صفة لأفعل التفضيل أو مجردة عن الوصفية] قال ابن مالك: (وألحق بأسبق مطلقا «أوّل» صفة، وإن نويت إضافته بني على الضّمّ وربّما أعطي مع نيّتها ما له مع وجودها، وإن جرّد عن الوصفيّة جرى مجرى «أفكل» وألحق «آخر» بـ «أوّل» غير المجرّد فيما له مع الإفراد والتّذكير وفروعهما من الأوزان، إلّا (١) أنّ «آخر» يطابق في التّنكير والتّعريف ما هو له، ولا تليه «من» وتاليها، ولا يضاف بخلاف «أوّل»، وقد تنكّر «الدنيا» و «الجلّى» لشبههما بالجوامد، وأمّا «حسنى» و «سوءى» فمصدران). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): استعمل «أوّل» صفة جارية مجرى «أفعل» التفضيل في اللّفظ مطلقا، فألزمت في التنكير، والإفراد والتذكير، وأوليت «من» ومجرورا بها على حدّ ما وليا أسبق، وأضيف إلى نكرة، كقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ (٣). وإلى معرفة، كقوله تعالى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (٤)، وجعل له فروع مخصوصة بحال التعريف، كما فعل بـ «أفعل» التفضيل فقيل: الأولان، والأولون، والأوائل، والأولى، والأوليان، والأوليات، والأول. وحكى الفارسيّ: «أبدأ بهذا من أول» بالفتح على أنّه مجرور، وممنوع من الصرف، للوصفية والوزن، «ومن أول» بالضمّ؛ لنية الإضافة، وقطعه عنها، و «من أول» بالخفض، على تقدير الإضافة إلى مقدّر الثبوت، كما قال الراجز: ٢١٣٤ - خالط من سلمى خياشيم وفا (٥) -

стр. 2650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد وفاها، فحذف المضاف إليه، وقدّر ثبوته، فأعطى المضاف ما يكون له مع عدم الحذف واستعمل «أول» مجردا عن الوصفية، فجرى «أفعل» في الصّرف، نحو: ما له أول، ولا آخر، فلو جعل علما منع الصّرف، كقول الشاعر: ٢١٣٥ - أؤمّل أن أعيش وإنّ يومي ... بأوّل أو بأهون أو جبار (١) فـ «أول» - هنا - علم ليوم الأحد ممنوع الصّرف، فلو جعل الكلّ - وهو - علما، لمنع الصّرف، كما منع «أول» (٢) وأجرى العرب «آخر» مجرى «أفعل» التفضيل في الوصفية والتأنيث، والتصحيح والتكسير، فقالوا: الآخر والأخرى، والآخرون، والأواخر والأخريات، والأخر (٣)، كما قالوا: الأكبر والكبرى، والأكبرون، والكبريات، والكبر، إلا أنّه لا دلالة فيه على تفضيل بنفسه، ولا بتأويل؛ إذ لا يصلح في موضعه ما يدلّ على تفضيل، كصلاحية «أسبق» في موضع «أول» وكصلاحية «أمرّ» في موضع «أمقر»، وكصلاحية «أسرق» في موضع «ألصّ» فلذلك لم يله مجرور بـ «من» على حدّ ما يلي «أفعل» التفضيل، ولا بإضافة لكن مقتضى جعله من باب «أفعل» التفضيل أن يلازمه في التنكير لفظ الإفراد والتذكير، وألّا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع، إلّا معرّفا فمنع هذا المقتضي، وكان بذلك معدولا عمّا هو به أولى، فلذلك منع «آخر» من الصّرف، وأجري مجرى «ثلاث» وإخوته، ويأتي تتميم الكلام على ذلك في باب موانع الصّرف، -

стр. 2651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن شاء الله تعالى. و «الدنيا»، و «الجلّى» مؤنثا «الأدنى، الأجلّ» فكان حقهما أن لا ينكّرا إلا إذا ذكرا لكنّهما كثرا أن يستعملا استعمال الأسماء المختصّة فلذلك جاز تنكيرهما، كقوله: ٢١٣٦ - في سعي دنيا طالما قد مدّت (١) وكقول الآخر: ٢١٣٧ - وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام النّاس فادعينا (٢) وقراءة بعض الشّواذّ: (وقولوا للنّاس حسنى) (٣) وهو مصدر على فعلى، كالرّجعى فالحسن والحسنى، والعذر والعذرى، والسّوء والسّوءى من المصادر التي جاءت على «فعل» و «فعلى» بمعنى واحد.

стр. 2652

[متى يرفع «أفعل» التفضيل الظاهر، وعلة ذلك، وأحكامه ؟] قال ابن مالك: (لا يرفع أفعل التفضيل في الأعرف ظاهرا إلّا قبل مفضول هو مذكور أو مقدّر، وبعد ضمير مذكور أو مقدّر مفسّر بعد نفي أو شبهه يصاحب «أفعل» ولا ينصب مفعولا به، وقد يدلّ على ناصبه، وإن أوّل بما لا تفضيل فيه جاز على رأي أن ينصبه، وتتعلّق به حروف الجرّ على نحو تعلّقها بـ «أفعل» المتعجّب به). قال ناظر الجيش: قال المصنف: لأفعل التّفضيل شبه بـ «أفعل» المتعجّب به أوجبت له القصور عن الصّفة المشبّهة في اللفظ، وفي العمل، أما في اللفظ فللزومه [٣/ ١٣٠] في حال التنكير لفظا واحدا، وأما في العمل فلكونه لا يرفع فاعلا ظاهرا، إلّا على لغة ضعيفة، حكاها سيبويه (١) فيقال على تلك اللغة: مررت برجل أكرم منه أبوه؛ لأنه بمعنى: مررت برجل، فاقه في الكرم أبوه. ومن هذه اللغة احترزت بقولي: (لا يرفع «أفعل» التفضيل في الأعرف ظاهرا). ثم أشرت إلى قرائن تهيؤه لرفع الظاهر عند جميع العرب، وذلك أن يكون الظاهر مفضلا على ما هو هو في المعنى من مذكور بعده، أو مقدرا، وأن يكون الظاهر أيضا بعد ضمير، مذكور أو مقدر، وذلك الضمير مفسر بعد نفي، أو شبهه بـ «ما أفعل» صفة له أو خبرا (٢) وذلك كقول الشاعر: ٢١٣٨ - ما علمت امرأ أحبّ إليه ال ... بذل منه إليك يا ابن سنان (٣) -

стр. 2653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثله: ٢١٣٩ - لا قول أبعد عنه نفع منه عن ... نهي الخلىّ عن الغرام متيّما (١) والمثال في ذلك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد. وقد تختصّ فيقال: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من عين زيد، و «من زيد» على تقدير: من كحل عين زيد، فمن قال: من عين زيد، حذف مضافا واحدا، ومن قال: من زيد؛ حذف مضافين، كما حذفا في قولهم: (لا فعل ذلك هبيرة بن سعد) (٢). ومن كلامهم المأثور: «ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد، من كذبة أمير على منبر»؛ فهذا فيه حذف مضاف واحد، والتقدير: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد، من شهود كذبة أمير على منبر (٣). وقد يستغنى عن المفضول، للعلم به، ولا يقام مقامه شيء كقولك: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ، والأصل: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ منه إليه؛ فحذف «منه» و «إليه» للعلم بهما (٤)، وأنشد سيبويه في مثل هذا: ٢١٤٠ - مررت على وادي السّباع ولا أرى ... كوادي السّباع حين يظلم واديا أقلّ به ركب أتوه تئية ... وأخوف إلّا ما وقى الله ساريا (٥) -

стр. 2654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فـ «ركب» مرفوع بـ «أقل» كارتفاع «الشرّ» بـ «أبغض». الأصل: ولا أرى واديا أقل به ركب منه بوادي السّباع؛ فحذف المفضول للعلم به ولم يقم مقامه شيئا، ومثله قول الآخر: ٢١٤١ - ما إن رأيت كعبد الله من أحد ... أولى به الحمد في وجد وإعدام (١) وقد يستغنى عن تقدير مضاف، في نحو: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد؛ فأدخلوا «من» على زيد، مع ارتفاع الكحل، على حدّ إدخالها عليه، مع جرّه؛ لأن المعنى واحد، وهذا وجه حسن، لا تكلف فيه، وله نظائر يلحظ فيها المعنى ويترتب الحكم عليه، مع تناسي اللفظ، ومن نظائره قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ (٢)؛ فدخلت الياء على خبر (أن) لتقدم (أولم) وجعلها الكلام بمعنى: أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر. ومن قدّر: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد بـ: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، يقدر: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبة أمير على منبر، ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهدا من كذبة أمير على منبر، وكذا يفعل بكلّ ما أشبه ذلك، حيثما ورد، وكلّ واحد من الأمثلة التي ذكرتها آنفا متضمنة لضمير مذكور بين «أفعل» والظاهر المرفوع، عائد على موصوف بـ «أفعل» مسبوق بنفي، وقد يحذف الضمير إذا كان معلوما، ومن المسموع في ذلك قول بعضهم: ما رأيت قوما أشبه بعض ببعض من قومك، كأنه قال: ما رأيت أبين فيهم شبه بعض ببعض، -

стр. 2655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن شبه بعض قومك ببعض قومك فجعل «أشبه» موضع «أبين»، واستغنى به عن ذكر الشبه المضاف إلى بعض، ثم كمل الاختصار؛ لوضوح المعنى. ومن قدّر: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد، بـ: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، يقدّر هذا بـ: ما رأيت قوما أشدّ تشابها من قومك، والسبب في رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في هذه الأمثلة ونحوها؛ تهيؤه بالقرائن التي قارنته لمعاقبة الفعل إياه، على وجه لا يكون بدونها، ألا ترى أنّ قولك: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، لو قلت بدله: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، لكان المعنى واحدا (١) بخلاف قولك - في الإثبات -: رأيت رجلا الكحل في عينه أحسن منه في عين زيد، فإنّ إيقاع الفعل فيه موقع «أفعل» يغير المعنى، فكان رفع «أفعل» للظاهر؛ لوقوعه موقعا صالحا للفعل على وجه لا يغير المعنى - بمنزلة إعمال اسم الفاعل الماضي معنى، إذا وصل بالألف واللّام، فإنّه كان ممنوع العمل لعدم شبهه بالفعل، الذي في معناه، فلمّا وقع صلة قدّر بفعل وفاعل، ليكون جملة، فإنّ المفرد لا يوصل به موصول، فانجبر بوقوعه موقع الفعل ما كان فائتا من الشبه، فأعطي العمل بعد أن منعه، فكذلك «أفعل» الواقع في الموقع المشار إليه، حدث له بالقرائن التي قارنته في معاقبة الفعل، على وجه لم يكن بدونها، فرفع الفاعل الظاهر بعد أن كان لا يرفعه وأيضا، فإنّه حدث له في الموقع المشار إليه معنى زائد عن التفضيل، وذلك أنك إذا قلت: ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو؛ لم يكن فيه تعرض لنفي المساواة. وإنّما تعرض نفيه لنفي المزية، بخلاف قولك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه -

стр. 2656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكحل منه في عين زيد، فإنّ المقصود به نفي المساواة ونفي المزية ولهذا قدّره سيبويه رحمه الله تعالى بـ: ما رأيت أحدا يعمل في عينه الكحل كعمله في عين زيد (١). فكان لأفعل في هذا الموضع ما للصفة المشبّهة من تناول المساواة والمزية، فاستحقّ بذلك التفضيل على «أفعل» المقصود على المزية، ففضل برفعه الظاهر (٢). وأيضا فإنّ قاصد المعنى المفهوم من: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ إمّا أن يجعل «أفعل» صفة [٣/ ١٣١] لما قبلها، رافعة لما بعدها. وإمّا أن يجعله خبرا للكحل، فهذا الوجه ممتنع بإجماع العرب لاستلزامه الفصل بالمبتدأ بين «أفعل» و «من» مع كونهما بمنزلة المضاف والمضاف إليه، والوجه الآخر لم يجمع العرب على منعه، بل هو جائز عند بعضهم، فلما ألجأت الحاجة إليه اتفق عليه اهـ. فإن قيل: لا نسلم الالتجاء إليه؛ لإمكان أن يقال: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينيه منه في عين زيد. فالجواب: أنّ إمكان هذا اللفظ مسلّم، ولكن ليس بمسلم إفادته ما يفيده اللفظ الآخر من اقتضاء المزية، والمساواة معا، وإنّما مقتضى: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد، نفي رؤية الزائد حسنه، لا نفي رؤية المساوي، وإذا لم يتوصل إلى ذلك المعنى إلّا بالترتيب المنصوص عليه صحّ القول بالالتجاء إليه، ولم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بـ «أفعل» التفضيل إلّا بعد نفي، ولا بأس باستعماله بعد نهي، أو استفهام فيه معنى النفي، كقولك: لا يكن عبدك أحبّ إليه الخير منه إليك، وهل في الناس رجل أحقّ به الحمد منه بمحسن لا يمنّ، ولا ينصب «أفعل» التفضيل مفعولا به (٣)، بل يعدّى إليه باللام، إن كان من متعدّ إلى واحد كقولك: زيد أوعى للعلم، وأبذل للمعروف، وإن كان من متعدّ إلى -

стр. 2657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اثنين عدّي إلى أحدهما باللّام، وأضمر ناصب الثاني، كقولك: هو أكسى للفقراء الثياب، أي: يكسوهم الثياب (١)، وإن ورد ما يوهم نصب مفعول به بـ «أفعل» نسب العمل لفعل محذوف وجعل «أفعل» دليلا عليه، فمن ذلك قول الشاعر: ٢١٤٢ - فلم أر مثل الحيّ حيّا مصبّحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا أكرّ وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا (٢) ومثله قول الآخر: ٢١٤٣ - فما ظفرت نفس امرئ يبغي المنى ... بأبذل من يحيى جزيل المواهب (٣) ومنه قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (٤) فـ (حيث) هنا ليس بظرف وإنما هو مفعول به، وناصبه فعل مدلول عليه بـ «أعلم»، والتقدير: الله أعلم مجردا عن التفضيل (٥)، ويكون هو العامل، وتتعلق حروف الجرّ بـ «أفعل» التفضيل، على نحو ما يتعلق بـ «أفعل» المتعجّب به، فيقال: زيد أرغب في الخير من عمرو، وعمرو أجمع للمال من زيد، ومحمد أرأف بنا من غيره، وكذلك ما أشبهه، والله -

стр. 2658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى أعلم (١). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى. ولكن تتعين الإشارة إلى أمور: منها: أنّ الشروط التي ذكرها المصنف لرفع «أفعل» التفضيل الظاهر أربعة: - أن يكون ثمّ مفضول، بعد الظاهر المرفوع، وذلك المفضول هو نفس الظّاهر. - أن يكون قبل الظاهر ضمير. - أن يكون ذلك الضمير مفسّرا بما جرى عليه «أفعل». - أن يكون هذا كلّه بعد نفي، أو شبهه. والمثال المنطبق على هذه قولهم: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فالضمير المجرور بـ «من» هو المفضول، وهو بعد الظاهر المرفوع بـ «أفعل» وهو - أي: المفضول - هو الظاهر، فضّل على نفسه باعتبار المحل، والضمير الذي قبل الظاهر هو الذي في قولنا: «عينه» وهو المفسر لصاحب «أفعل» وهو «رجلا» أنّ الضمير عائد عليه، وقد حصل هذا كلّه بعد النّفي وهو قولنا: «ما رأيت». ثمّ إنّ المفضول قد لا يذكر، بل يكون مقدرا، وذلك إذا دلّ عليه دليل، وكذا الضمير الذي قبل الظاهر، قد يعرض له ذلك إذا دلّ عليه أيضا، أما إذا لم يذكر المفضول؛ فإمّا أن يقام شيء مقامه، وإمّا أن لا يقام هذا مع كونه معلوما. مثال الأوّل (٢) قولهم: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل من عين زيد، أو: من زيد، والأصل: منه في عين زيد؛ فحذف المفضول الذي هو مجرور «من»، وحرف الجر الذي هو «في» وأدخلت «من» على ما دخلت عليه «في»، ولكنك أقمت المضاف إليه مقام المضاف بعد حذفه (٣)، في قولك: من زيد، وإلى هذا أشار المصنف في الشرح بقوله: وقد يختصر بعد «من» مثل: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد. ومثال الثاني: وهو أن لا يقام شيء مقام المحذوف، يعني أن لا يذكر بعد المرفوع الذي هو الظاهر شيء، بل يدل على المحذوف بشيء متقدّم قولهم: ما رأيت رجلا -

стр. 2659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كزيد أبغض إليه الشرّ. الأصل: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشرّ منه إلى زيد، ثمّ: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ، وإلى هذا أشار المصنف في الشرح أيضا بقوله: «وقد يستغنى عن المفضول للعلم به، ونظير قولهم: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ؛ قول الشاعر: ٢١٤٤ - [مررت على وادي السباع] ولا أرى ... كوادي السّباع حين يظلم واديا أقلّ به ركب ... ... ... (١) فيكون الأصل: ولا أرى واديا أقلّ به ركب منه بوادي السباع، ثمّ صار: ولا أرى كوادي السباع واديا أقلّ ركب منه به، ثمّ صار: ولا أرى كوادي السّباع واديا أقلّ به ركب وقد جعل المصنّف - كما ترى - قول الشاعر: ... ولا أرى ... كوادي السّباع ... من صور ما لا يقام مقام المحذوف فيه شيء. ولمّا لم يتعرض ابن الحاجب إلى ذكر هذا القسم - يعني ما لا يقام مقام المحذوف فيه شيء - جعل قول الشاعر: ... ولا أرى ... كوادي السّباع ... وقولهم: أبغض إليه الشّرّ، من صور ما أقيم فيه شيء مقام المحذوف، وهو قولهم: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد، فإنّه لمّا ذكر المسألة من أصلها مثّل لها بقولهم: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشرّ منه كزيد (٢)، ثمّ قال: ولك أن تختصر فتقول: أبغض إليه الشرّ من زيد (٣)، ثمّ قال [٣/ ١٣٢]: ولك أن تقول: ما رأيت كزيد أبغض إليه الشرّ، ويفيد ذلك المعنى (٤)، وأنشد: مررت على وادي السّباع ... ... ... البيتين -

стр. 2660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثمّ قال: وإذا عبّرت بالعبارة الأولى قلت: ولا أرى واديا أقل به ركب منه بوادي السّباع، وعلى العبارة الثانية تقول: ولا أرى واديا أقلّ به ركب من وادي السباع، والثالثة هي عين ما ذكره في البيت (١). انتهى. وهذا التقدير أسهل [من] تقدير المصنف وأقرب إلى الخاطر، وتجري به صور هذه المسألة على سنن واحد، والذي ذكره المصنف أكثر عملا، وأعلى نظرا ولكن قد يقال: إنّ قولنا: ما رأيت كزيد أبغض إليه الشرّ، وإن لم يذكر بعد المرفوع الظاهر فيه شيء لفظا، فهو مقدّر فيه، ولا شك أنّ المقدر في حكم الملفوظ، وحينئذ يستوي القسمان، أعني ما لم يقم فيه شيء مقام المحذوف، وما أقيم؛ فيكون القسمان واحدا إلا أن يمنع المصنف التقدير، فيقول: لا أقدّر شيئا لعدم الحاجة إليه، فيتمّ إذ ذاك بقسميه، ويرجح تقديره على تقدير غيره. وأما عدم ذكر الضمير الذي قبل الظاهر لفظا استغناء بتقديره، فمثال قولهم: ما رأيت قوما أشبه بعض ببعض من قومك؛ قدّره المصنف كما عرفت بـ: ما رأيت قوما أبين فيهم شبه بعض ببعض من شبه بعض قومك ببعض قومك، قال: فجعل «أشبه» موضع «أبين» واستغنى به عن ذكر الشبه المضاف إلى «بعض» ثم أكمل الاختصار بوضوح المعنى (٢). قلت: وينبغي أن يكون التقدير في المثال المذكور: ما رأيت قوما أبين فيهم شبه بعض ببعض منه في قومك، ثم حذف الضمير المجرور بـ «من» العائد على الشبه وأدخلت «من» على «شبه»، فصار الكلام: من شبه بعض قومك ببعض، ثم حذف «شبه» و «بعض» وحذف متعلّق «شبه» أيضا وهو «ببعض» لحذف ما تعلق به، فباشرت «من» -

стр. 2661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «قومك» وحاصل الأمر: أن يقدر حذف اسمين بعد حذف الضّمير المجرور بـ «من». ومنها: أنّا نستفيد من قول المصنف لمّا ذكر الحذف للاختصار في: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من عين زيد: ومن زيد أيضا، وأنّ التقدير فيه: من كحل عين زيد، أنه لما حذف المفضول وهو الضمير المجرور بـ «من» العائد على الظاهر المرفوع بـ «أفعل» أقيم الظاهر مقامه، ثم أضيف ذلك القائم مقام الضّمير إلى ما بعده، وبعد حذف حرف الجرّ الذي هو «من»، فالأصل: من كحل عين زيد، ثم: من عين زيد، ثمّ: من زيد، ومن ثمّ حكم بحذف مضافين في قولنا: من زيد. والحاصل: أنّ «من» - بعد حذف الضمير المجرور بها - إمّا أن تباشر الظاهر الذي الضمير له وهو «الكحل»، وإمّا أن تباشر المحلّى الذي يحلّ فيه ذلك الظاهر، وهو العين، وإمّا أن تباشر صاحب ذلك المحلّ وهو زيد. لكنّ المصنف - مع تقديره أنّ الأصل: من كحل عين زيد - لم يصرح بالظاهر لفظا، فقد يقال: إنّ التصريح به غير جائز والذي يظهر أنّ التصريح به غير ممتنع، وإنما قدّره المصنف ولم يصرح به؛ لأنه ذكر أنّ هذا المثال الذي هو: ما رأيت أحدا أحسن فيه الكحل منه في عين زيد، قد يختصر فيقال فيه: من عين زيد، ومن زيد، ومع التصريح بالظاهر لا يكون اختصار؛ لأنّ التصريح به كذكر الضمير، فينتفي الاختصار حينئذ كذكر الضمير ثمّ قد عرفت أنّ من كلامهم: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبة أمير على منبر وأنّ التقدير فيه: من شهود كذبة أمير؛ ففيه حذف مضاف واحد، كما أنّ قولنا: في عينه الكحل من عين زيد؛ فيه حذف مضاف واحد، على الوجه الذي ذكره المصنف، ومما حذف فيه مضاف واحد المثال الذي ذكره المصنف في الألفية وهو: فلن ترى في النّاس من رفيق ... أولى به الفضل من الصديق (١) الأصل فيه: أولى به الفضل منه بالصديق، ثمّ حذف الضمير وأقيم الظاهر مقامه، فصار: من الفضل بالصّديق، ثمّ أضيف «الفضل» إلى «الصديق» ثم -

стр. 2662

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حذف الباء، بملابسته إياه، فصار: من فضل الصديق، ثم حذف المضاف، فصار: من الصديق، وكذا يقال: ما أحد أحسن به الجميل من زيد، الأصل: منه بزيد، ثم: من الجميل بزيد، ثمّ: من جميل زيد، ثمّ: من زيد، واعلم أنّ بعض الفضلاء ممّن تكلم على الألفية جعل التقدير الأصليّ، في هذين المثالين قبل الحذف، من ولاية الفضل بالصديق ومن حسن الجميل بزيد. ولم يظهر لي ذلك، فإنّ «من» إنما تدخل على ضمير ذلك الاسم الظاهر الذي هو المرفوع، أو على ظاهر يقوم مقامه، والذي قدّر ذلك رجل معتبر، لكنني لم يتجه لي كلامه فليتأمل. ومنها: أنّ المصنف قال - كما عرفت -: وقد يستغني عن تقدير مضاف، في نحو: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد؛ بأن يقال: إن تقديره: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، أدخلوا «من» على «زيد»، مع ارتفاع «الكحل» على حدّ إدخالها عليه مع جرّه لأنّ المعنى واحد، وهذا وجه حسن، لا تكلف فيه، وله نظائر يلحظ فيها المعنى ويترتب الحكم عليه مع تناسي اللفظ إلى آخر ما ذكره (١). فقال الشيخ ما معناه: إن المعنى المستفاد من قولنا: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، غير المعنى المستفاد من قولنا: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد؛ لأن المحكوم له بالأحسنية في المثال الأول المكتحل، وفي المثال الثاني الكحل (٢)، وما قاله [٣/ ١٣٣] حق، وقد كان ظهر لي ذلك، قبل الوقوف على كلامه ولكن لما ذكره تعينت نسبته إليه. ومنها: أن المصنف تضمن كلامه - في شرح الكافية - شرطا خامسا لهذه المسألة - أعني ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل - وهو: كون الظاهر المرفوع فاعلا بـ «أفعل» سببا لموصوف «أفعل» قال: كالصوم بالنسبة للأيام (٣) في قول -

стр. 2663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبي ﷺ : «ما من أيام أحبّ إلى الله فيها الصوم من أيام العشر» (١). قال: «وإنّما اشترطوا كون الظاهر سببيّا؛ لأنّ ذلك يجعله صالحا للقيام مقام الضمير؛ فإن الاستغناء بالظاهر السببيّ عن الضمير كثير، ولأنّ كونه سببيّا على الوجه المستعمل يجعل أفعل واقعا موقع الفعل (٢)، هذا كلامه في شرح الكافية، وكأنّه يعني بالضمير الذي صلح الظاهر لقيامه مقام الضمير الذي يرفعه «أفعل» بالغا عليه وكلام الإمام بدر الدّين في شرح الألفية، يخالف ظاهرا كلام والده، فإنه قال: لم يرفع «أفعل» التفضيل الظاهر عند أكثر العرب، إلا إذا ولي نفيا [أو استفهاما]، وكان مرفوعه أجنبيّا، مفضلا على نفسه باعتبارين، نحو قولهم: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد (٣). وقول النبي ﷺ : «ما من أيام أحب إلى الله فيها الصّوم منه في عشر ذي الحجة» انتهى. وما قاله المصنف هو الظاهر؛ لأنّ «الصّوم» إنما وقع في الأيام التي هي موصوف «أفعل»، فكأنه قيل: فصومها، وكذا «الكحل»، وإنما هو حاصل في عين الموصوف بـ «أفعل» فكأنه قيل: كحل عينه فإن قيل: فإذا كان كذلك فلم لم يتعرض إلى ذكر السببية وجعلها شرطا في التسهيل، فالجواب أنه لا يحتاج إلى ذكره؛ لأن الشروط التي ذكرها - متى وجدت - لا يكون الظّاهر المرفوع بـ «أفعل» إلا كذلك، فكان في الاقتصار عليها غنية، ثم لا يعتذر عن بدر الدين بأن يقال: لا شكّ أنّ نحو: ما رأيت رجلا أحسن منه أبوه، غير جائز؛ لأننا نقول: إنّ امتناع هذا التركيب ليس من جهة أنّ المرفوع سببي بل من جهة أنّه لا يصحّ أن يقع موقع «أفعل» فعل يفيد معنى التفضيل كما سيأتي ذكر ذلك. واعلم أن ابن الحاجب لما تعرض إلى المسألة قال: ولا يعمل - يعني «أفعل» -

стр. 2664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التفضيل - في مظهر إلا إذا كان صفة لشيء وهو في المعنى لمسبّب مفضّل باعتبار الأول على نفسه باعتبار غيره (١). وقال - في شرح المفصل -: «أفعل» التفضيل يعمل عمل الفعل في بعض المواضع وهو كل موضع كان فيه لمسبّب مفضل باعتبار من هو له على نفسه، باعتبار غيره، فعند ذلك يعمل عمل فعله في ذلك المسبّب، مثاله: قولهم: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشرّ منه إلى زيد، وما أشبه ذلك فـ «أبغض» ههنا في المعنى لمسبب - لرجل - وهو «الشرّ» مفضل باعتبار الرجل على نفسه باعتبار غيره وهو «زيد» انتهى (٢). ومراده بقوله (٣): إلّا إذا كان صفة لشيء وهو في المعنى لمسبّب؛ أنّ «أفعل» التفضيل في المثال الذي ذكره هو الرجل في اللّفظ وهو في المعنى لسببه، وهو الشرّ يعني أنّ الشرّ مسبّب عن الرّجل، هكذا فهمت في هذا الموضع، دون تحقق فإن «الكحل» في: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل، كيف يكون مسبّبا عن «رجل»؟. ثمّ إنّ ابن الحاجب جعل هذا الظاهر المرفوع بـ «أفعل» مسبّبا وقد عرفت أنّ المصنف جعله سببيّا فإن كان مراد من قال: إنّه سبب غير مراد من قال: إنّه سببيّ - وهو الظاهر - فلا كلام وإلّا أشكل الأمر. ومنها: أنك عرفت أنّ المصنّف ذكر لرفع «أفعل» التفضيل الظّاهر سببين: أحدهما: معاقبة الفعل إياه. الثاني: ما يلزم من الفصل بينه وبين «من» بأجنبي لو لم نرفعه على الفاعلية، وجعلناه مبتدأ مخبرا عنه بما قبله، وقرر ذلك أحسن تقرير، فتبعه الإمام بدر الدين -

стр. 2665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولده وذكر ما ذكره والده، وضمّ إلى ذلك بحثا، فأجببت إيراده، قال (١) رحمه الله تعالى: ويمكن أن يعلّل رفع «أفعل» التفضيل الظاهر معنى، في الأمثلة التي ذكرت بأمرين: أحدهما: معاقبة الفعل إياه، فاستحقّ العمل، كما استحقّ اسم الفاعل معنى المعنى، إذا وقع صلة للألف واللام، وقرر ذلك إلى آخره، ثمّ قال: فإن قلت: فكان ينبغي أن يقضي جواز مثل هذا، بجواز رفع «أفعل» التفضيل للسببيّ المضاف إلى ضمير الموصوف نحو: ما رأيت رجلا أحسن منه أبوه، وفي الإثبات نحو: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ لأنّه يصحّ في ذلك كلّه وقوع الفعل موقع «أفعل» التفضيل. قلت: المعتبر في اطراد رفع «أفعل» التفضيل الظاهر: جواز أن يقع موقعه الفعل الذي يبنى منه مفيدا فائدته، وما أوردته ليس كذلك، ألا ترى أنك لو قلت: ما رأيت رجلا يحسن أبوه كحسنه؛ فأتيت موضع «أحسن» بمضارع «حسن» فاتت الدلالة على التفضيل، أو قلت: ما رأيت رجلا يحسنه أبوه؛ فأتيت موضع «أحسن» بمضارع «حسن» إذا فاقه في الحسن، كنت قد جئت بغير الفعل الذي يبنى منه «أحسن»، وفاتت الدلالة على الغريزة المستفادة من «أفعل» التفضيل، ولو رمت أن توقع الفعل موقع «أحسن» على غير هذين الوجهين لم تستطع، وكذا القول في نحو: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فإنك لو جعلت فيه «يحسن» مكان «أحسن» فقلت: رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، أو: يحسن في عينه الكحل كحلا في عين زيد، فاتت الدلالة على التفضيل في الأول، وعلى [٣/ ١٣٤] الغريزة في الثاني (٢). الأمر الثّاني: أنّ «أفعل» التفضيل متى ورد على الوجه المذكور وجب رفعه الظّاهر لئلّا يلزم الفصل بينه وبين «من» بأجنبي؛ فإنّ ما هو له في المعنى لو لم يجعل فاعلا لوجب كونه مبتدأ ولتعذّر الفصل به. -
следующие страницы →