. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«قومك» وحاصل الأمر: أن يقدر حذف اسمين بعد حذف الضّمير المجرور بـ «من».
ومنها: أنّا نستفيد من قول المصنف لمّا ذكر الحذف للاختصار في: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من عين زيد: ومن زيد أيضا، وأنّ التقدير فيه: من كحل عين زيد، أنه لما حذف المفضول وهو الضمير المجرور بـ «من» العائد على الظاهر المرفوع بـ «أفعل» أقيم الظاهر مقامه، ثم أضيف ذلك القائم مقام الضّمير إلى ما بعده، وبعد حذف حرف الجرّ الذي هو «من»، فالأصل: من كحل عين زيد، ثم: من عين زيد، ثمّ: من زيد، ومن ثمّ حكم بحذف مضافين في قولنا: من زيد.
والحاصل: أنّ «من» - بعد حذف الضمير المجرور بها - إمّا أن تباشر الظاهر الذي الضمير له وهو «الكحل»، وإمّا أن تباشر المحلّى الذي يحلّ فيه ذلك الظاهر، وهو العين، وإمّا أن تباشر صاحب ذلك المحلّ وهو زيد.
لكنّ المصنف - مع تقديره أنّ الأصل: من كحل عين زيد - لم يصرح بالظاهر لفظا، فقد يقال: إنّ التصريح به غير جائز والذي يظهر أنّ التصريح به غير ممتنع، وإنما قدّره المصنف ولم يصرح به؛ لأنه ذكر أنّ هذا المثال الذي هو: ما رأيت أحدا أحسن فيه الكحل منه في عين زيد، قد يختصر فيقال فيه: من عين زيد، ومن زيد، ومع التصريح بالظاهر لا يكون اختصار؛ لأنّ التصريح به كذكر الضمير، فينتفي الاختصار حينئذ كذكر الضمير ثمّ قد عرفت أنّ من كلامهم: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبة أمير على منبر وأنّ التقدير فيه: من شهود كذبة أمير؛ ففيه حذف مضاف واحد، كما أنّ قولنا: في عينه الكحل من عين زيد؛ فيه حذف مضاف واحد، على الوجه الذي ذكره المصنف، ومما حذف فيه مضاف واحد المثال الذي ذكره المصنف في الألفية وهو:
فلن ترى في النّاس من رفيق ... أولى به الفضل من الصديق (١)
الأصل فيه: أولى به الفضل منه بالصديق، ثمّ حذف الضمير وأقيم الظاهر مقامه، فصار: من الفضل بالصّديق، ثمّ أضيف «الفضل» إلى «الصديق» ثم -
стр. 2662
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حذف الباء، بملابسته إياه، فصار: من فضل الصديق، ثم حذف المضاف، فصار: من الصديق، وكذا يقال: ما أحد أحسن به الجميل من زيد، الأصل: منه بزيد، ثم: من الجميل بزيد، ثمّ: من جميل زيد، ثمّ: من زيد، واعلم أنّ بعض الفضلاء ممّن تكلم على الألفية جعل التقدير الأصليّ، في هذين المثالين قبل الحذف، من ولاية الفضل بالصديق
ومن حسن الجميل بزيد.
ولم يظهر لي ذلك، فإنّ «من» إنما تدخل على ضمير ذلك الاسم الظاهر الذي هو المرفوع، أو على ظاهر يقوم مقامه، والذي قدّر ذلك رجل معتبر، لكنني لم يتجه لي كلامه فليتأمل.
ومنها: أنّ المصنف قال - كما عرفت -: وقد يستغني عن تقدير مضاف، في نحو: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد؛ بأن يقال: إن تقديره:
ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، أدخلوا «من» على «زيد»، مع ارتفاع «الكحل» على حدّ إدخالها عليه مع جرّه لأنّ المعنى واحد، وهذا وجه حسن، لا تكلف فيه، وله نظائر يلحظ فيها المعنى ويترتب الحكم عليه مع تناسي اللفظ إلى آخر ما ذكره (١).
فقال الشيخ ما معناه: إن المعنى المستفاد من قولنا: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، غير المعنى المستفاد من قولنا: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد؛ لأن المحكوم له بالأحسنية في المثال الأول المكتحل، وفي المثال الثاني الكحل (٢)، وما قاله [٣/ ١٣٣] حق، وقد كان ظهر لي ذلك، قبل الوقوف على كلامه ولكن لما ذكره تعينت نسبته إليه.
ومنها: أن المصنف تضمن كلامه - في شرح الكافية - شرطا خامسا لهذه المسألة - أعني ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل - وهو: كون الظاهر المرفوع فاعلا بـ «أفعل» سببا لموصوف «أفعل» قال: كالصوم بالنسبة للأيام (٣) في قول -
стр. 2663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبي ﷺ : «ما من أيام أحبّ إلى الله فيها الصوم من أيام العشر» (١).
قال: «وإنّما اشترطوا كون الظاهر سببيّا؛ لأنّ ذلك يجعله صالحا للقيام مقام الضمير؛ فإن الاستغناء بالظاهر السببيّ عن الضمير كثير، ولأنّ كونه سببيّا على الوجه المستعمل يجعل أفعل واقعا موقع الفعل (٢)، هذا كلامه في شرح الكافية، وكأنّه يعني بالضمير الذي صلح الظاهر لقيامه مقام الضمير الذي يرفعه «أفعل» بالغا عليه وكلام
الإمام بدر الدّين في شرح الألفية، يخالف ظاهرا كلام والده، فإنه قال: لم يرفع «أفعل» التفضيل الظاهر عند أكثر العرب، إلا إذا ولي نفيا [أو استفهاما]، وكان مرفوعه أجنبيّا، مفضلا على نفسه باعتبارين، نحو قولهم:
ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد (٣).
وقول النبي ﷺ : «ما من أيام أحب إلى الله فيها الصّوم منه في عشر ذي الحجة» انتهى.
وما قاله المصنف هو الظاهر؛ لأنّ «الصّوم» إنما وقع في الأيام التي هي موصوف «أفعل»، فكأنه قيل: فصومها، وكذا «الكحل»، وإنما هو حاصل في عين الموصوف بـ «أفعل» فكأنه قيل: كحل عينه فإن قيل: فإذا كان كذلك فلم لم يتعرض إلى ذكر السببية وجعلها شرطا في التسهيل، فالجواب أنه لا يحتاج إلى ذكره؛ لأن الشروط التي ذكرها - متى وجدت - لا يكون الظّاهر المرفوع بـ «أفعل» إلا كذلك، فكان في الاقتصار عليها غنية، ثم لا يعتذر عن بدر الدين بأن يقال: لا شكّ أنّ نحو: ما رأيت رجلا أحسن منه أبوه، غير جائز؛ لأننا نقول: إنّ امتناع هذا التركيب ليس من جهة أنّ المرفوع سببي بل من جهة أنّه لا يصحّ أن يقع موقع «أفعل» فعل يفيد معنى التفضيل كما سيأتي ذكر ذلك.
واعلم أن ابن الحاجب لما تعرض إلى المسألة قال: ولا يعمل - يعني «أفعل» -
стр. 2664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التفضيل - في مظهر إلا إذا كان صفة لشيء وهو في المعنى لمسبّب مفضّل باعتبار الأول على نفسه باعتبار غيره (١).
وقال - في شرح المفصل -: «أفعل» التفضيل يعمل عمل الفعل في بعض المواضع وهو كل موضع كان فيه لمسبّب مفضل باعتبار من هو له على نفسه، باعتبار غيره، فعند ذلك يعمل عمل فعله في ذلك المسبّب، مثاله: قولهم: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشرّ منه إلى زيد، وما أشبه ذلك فـ «أبغض» ههنا في المعنى لمسبب - لرجل - وهو «الشرّ» مفضل باعتبار الرجل على نفسه باعتبار غيره وهو «زيد» انتهى (٢).
ومراده بقوله (٣): إلّا إذا كان صفة لشيء وهو في المعنى لمسبّب؛ أنّ «أفعل» التفضيل في المثال الذي ذكره هو الرجل في اللّفظ وهو في المعنى لسببه، وهو الشرّ يعني أنّ الشرّ مسبّب عن الرّجل، هكذا فهمت في هذا الموضع،
دون تحقق فإن «الكحل» في: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل، كيف يكون مسبّبا عن «رجل»؟.
ثمّ إنّ ابن الحاجب جعل هذا الظاهر المرفوع بـ «أفعل» مسبّبا وقد عرفت أنّ المصنف جعله سببيّا فإن كان مراد من قال: إنّه سبب غير مراد من قال: إنّه سببيّ - وهو الظاهر - فلا كلام وإلّا أشكل الأمر.
ومنها: أنك عرفت أنّ المصنّف ذكر لرفع «أفعل» التفضيل الظّاهر سببين:
أحدهما: معاقبة الفعل إياه.
الثاني: ما يلزم من الفصل بينه وبين «من» بأجنبي لو لم نرفعه على الفاعلية، وجعلناه مبتدأ مخبرا عنه بما قبله، وقرر ذلك أحسن تقرير، فتبعه الإمام بدر الدين -
стр. 2665
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولده وذكر ما ذكره والده، وضمّ إلى ذلك بحثا، فأجببت إيراده، قال (١) رحمه الله تعالى: ويمكن أن يعلّل رفع «أفعل» التفضيل الظاهر معنى، في الأمثلة التي ذكرت بأمرين:
أحدهما: معاقبة الفعل إياه، فاستحقّ العمل، كما استحقّ اسم الفاعل معنى المعنى، إذا وقع صلة للألف واللام، وقرر ذلك إلى آخره، ثمّ قال: فإن قلت: فكان ينبغي أن يقضي جواز مثل هذا، بجواز رفع «أفعل» التفضيل للسببيّ المضاف إلى ضمير الموصوف نحو: ما رأيت رجلا أحسن منه أبوه، وفي الإثبات نحو: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ لأنّه يصحّ في ذلك كلّه وقوع الفعل موقع «أفعل» التفضيل.
قلت: المعتبر في اطراد رفع «أفعل» التفضيل الظاهر: جواز أن يقع موقعه الفعل الذي يبنى منه مفيدا فائدته، وما أوردته ليس كذلك، ألا ترى أنك لو قلت:
ما رأيت رجلا يحسن أبوه كحسنه؛ فأتيت موضع «أحسن» بمضارع «حسن» فاتت الدلالة على التفضيل، أو قلت: ما رأيت رجلا يحسنه أبوه؛ فأتيت موضع «أحسن» بمضارع «حسن» إذا فاقه في الحسن، كنت قد جئت بغير الفعل
الذي يبنى منه «أحسن»، وفاتت الدلالة على الغريزة المستفادة من «أفعل» التفضيل، ولو رمت أن توقع الفعل موقع «أحسن» على غير هذين الوجهين لم تستطع، وكذا القول في نحو: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فإنك لو جعلت فيه «يحسن» مكان «أحسن» فقلت: رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، أو: يحسن في عينه الكحل كحلا في عين زيد، فاتت الدلالة على التفضيل في الأول، وعلى [٣/ ١٣٤] الغريزة في الثاني (٢).
الأمر الثّاني: أنّ «أفعل» التفضيل متى ورد على الوجه المذكور وجب رفعه الظّاهر لئلّا يلزم الفصل بينه وبين «من» بأجنبي؛ فإنّ ما هو له في المعنى لو لم يجعل فاعلا لوجب كونه مبتدأ ولتعذّر الفصل به. -
стр. 2666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن قلت: وأيّ حاجة إلى ذلك ولم يجعل مبتدأ مؤخرا عن «من»، فيقال:
ما رأيت رجلا أحسن في عينه منه في عين زيد الكحل، أو مقدما على «أحسن»؛ فيقال: ما رأيت رجلا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد.
قلت (١): لم يؤخر تجنبا عن قبح اجتماع تقديم الضّمير على مفسره وإعمال الخبر في ضميرين لمسمى واحد، وليس هو من أفعال القلوب ولم يقدم كراهية أن يقدموا لغير ضرورة ما ليس بأهم؛ فإن الامتناع من رفع «أفعل» التفضيل الظاهر ليس لعلة موجبة إنما هو لأمر استحساني. فيجوز التخلف عن مقتضاه إذا زاحمه ما رعايته أولى وهو تقديم ما هو أهم وإيراده في الذكر أتم وذلك صفة ما يستلزم صدق الكلام تخصيصه، ألا ترى أنك لو قلت: ما رأيت رجلا؛ كان صدق الكلام موقوفا على تخصيص رجل بأمر يمكن أنّه لم يحصل لمن رأيته من الرجال؛ لأنه ما من راء إلا وقد رأى رجلا ما، فلمّا كان موقوف الصدق على المخصّص وهو الوصف؛ كان تقديمه مطلوبا فوق كل مطلوب فقدم، واغتفر ما ترتب على التقديم من الخروج عن الأصل، فإن قلت: فلم لم يجز على مقتضى ما ذكرتم أن يرفع «أفعل» التفضيل الظاهر في الإثبات فيقال: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؟
قلت: لأنّ مطلوبية المخصص في الإثبات دون مطلوبيته في النفي؛ لأنّه في الإثبات يزيد في الفائدة، وفي النفي يصون الكلام عن كونه كذبا فلما كان ذلك كذلك كان لهم عن تقديم الصفة ورفعها الظاهر مندوحة؛ بتقديم ما هي
له في المعنى، وجعله مبتدأ فيقال: رأيت رجلا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد، ثمّ قال:
ولكون المانع من رفع «أفعل» التفضيل الظاهر ليس أمرا موجبا؛ اطرد عند بعض العرب إجراؤه مجرى اسم الفاعل، فيقولون: مررت برجل أفضل منه أبوه (٢).
ومنها: ما ذكره الشيخ بحثا ومناقشة للمصنف. وذلك في مواضع:
الأول: قول المصنف: والسبب في رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في هذه الأمثلة تهيؤه بالقرائن التي قارنته لمعاقبة الفعل إياه وعلى وجه لا يكون بدونها، ألا ترى أنّ -
стр. 2667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، لو قلت بدله:
ما رأيت أحدا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد؛ لكان المعنى واحدا، بخلاف قولك في الإثبات: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فإنّ إيقاع الفعل فيه موقع «أفعل» يغير المعنى (١). انتهى.
فقال الشيخ - بعد نقله هذا الكلام -: وهذا خطابه وليس معنى «أحسن» «يحسن» بل معناه: يزيد حسن الكحل في عينه على حسنه في عين زيد، وعلى تقديره بـ «يحسن» لا يفيد المعنى إلا من حيث أنّ الإيجاب يغاير النفي، ولو جاء ذلك في الإثبات لكان صحيح المعنى وتقديره: رأيت رجلا يحسن الكحل في عينه كحسنه في عين زيد، وهذا معنى صحيح لا ينكره عاقل. انتهى (٢).
وأقول: أما قوله: وليس معنى «أحسن» «يحسن»؛ فالمصنف لم يقل: معنى «أحسن» «يحسن» مقتصرا على ذلك، بل قال: المعنى: يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، ولا شك أنّ هذا معناه يزيد حسن الكحل في عينه على حسنه في عين زيد. فمعنى «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد» و «ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد» واحد، فنحن نفهم من قولنا: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد؛ أنّ حسن الكحل في عين زيد زائد على حسنه في عين غيره، وإذا كان كذلك سقطت المناقشة التي ذكرها الشيخ.
وأمّا قوله: إنّ ذلك لو جاء في الإثبات لكان صحيح المعنى؛ فحق، لكن يكون المعنى المفهوم في صورة الإثبات غير المعنى المفهوم في صورة النّفي، وذلك أنّ المفهوم من قولنا: رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في
عين زيد؛ ثبوت المساواة بينهما في الحسن.
والمفهوم من قولنا: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد؛ ثبوت زيادة الحسن في أحد المحلين على الآخر (٣)، ولا شكّ أنّ هذا الثاني هو -
стр. 2668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مدلول «أفعل» التفضيل فلمّا كان كذلك صحّ رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في صورة المعنى؛ لأنّ الفعل يعاقبه ومعنى التفضيل باق، ولم يصحّ في صورة الإثبات لأنا إذا أوقعنا الفعل موقعه لا يبقى معنى التفضيل بل يصير لذلك التركيب معنى آخر.
الموضع الثاني: قول المصنف: فإن قيل: لا نسلم الالتجاء إليه - يعني إلى رفع «أفعل» التفضيل الاسم الظاهر فاعلا - بل نجعله مبتدأ، ونقدّمه على «أحسن»، وذلك بأن يقال: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد، فالجواب أنّ إمكان هذا اللفظ مسلم، ولكن ليس بمسلم إفادته ما يفيده اللفظ الآخر من اقتضاء المزية والمساواة معا.
وإنما مقتضى: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد؛ نفي رؤية الزائد حسنه لا نفي رؤية المساوي، وإذا لم يتوصل إلى ذلك المعنى إلا بالترتيب المنصوص عليه صحّ القول بالالتجاء إليه (١)، وكان قد تقدم له قبل [٣/ ١٣٥] هذا أن قال معللا رفع أفعل التفضيل الظاهر، في المثال المعروف، وهو: ما رأيت أحدا أحسن في عينيه الكحل منه في عين زيد، وذلك أنه حدث له - في الموقع المشار إليه - معنى زائد على التفضيل، وبيانه أنك إذا قلت: ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو، ولم يكن فيه تعرض لنفي المساواة، وإنّما تعرض فيه لنفي المزية، بخلاف قولك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فإنّ المقصود به نفي المساواة، ونفي المزيّة.
ولهذا قدّره سيبويه بـ: ما رأيت أحدا يعمل في عينه الكحل، كعمله في عين زيد (٢).
فقال الشيخ - في قوله: إنّه حدث في الموقع المشار إليه معنى زائد على التفضيل إلخ -: هذا الكلام فيه تكثير لا طائل تحته، ودعوى أنّ قولك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ قصد به نفي المساواة ونفي المزية،
لا دليل على ذلك، بل لا فرق بين قولك: ما رأيت أحدا الكحل في عينه أحسن منه في -
стр. 2669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عين زيد، وبين المثال السابق؛ كلاهما فيه نفي المزية لا نفي المساواة، و «أفعل» التفضيل سواء أرفعت به المضمر أم المظهر، وإنما يدلّ على الزيادة في ذلك الوصف فإن كان الكلام مثبتا كانت تلك الزيادة ثابتة، وإن كان منفيّا كانت تلك الزيادة منفية، ولا يدلّ انتفاء تلك الزيادة على انتفاء المساواة بوجه.
قال: وأما قول المصنف: ولهذا قدره سيبويه ... إلخ؛ فليس على ما فهمه، وإنما أراد سيبويه أن يبين أنّ رفع «الكحل» بـ «أحسن» هو على طريق الفاعلية، وأنه جرى في ذلك مجرى الفعل فكما رفع الفعل الظاهر كذلك رفعه هنا «أفعل» التفضيل وأما أن يريد بذلك أنه انتفت المزية والمساواة فلا (١).
وقال (٢) أيضا - في قوله: فإن قيل: لا نسلم الالتجاء إليه؛ لإمكان أن يقال:
ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد، فالجواب أنّ إمكان هذا اللفظ مسلم، ولكن ليس بمسلم إفادته ما يفيده اللفظ الآخر، من اقتضاء المزية والمساواة معا ... إلى آخره قد بيّنّا أنّ ذلك دعوى لا تصحّ البتة ولا فرق بين تقدم الوصف ورفع الاسم به أو تأخره وجعله خبرا للاسم.
ألا ترى أنه لا فرق بين: ما رأيت رجلا قائما أبوه، ولا بين: ما رأيت رجلا أبوه قائم؟ (٣). هذا كلام الشيخ مع المصنف أولا وثانيا.
وأقول: أما قوله: إن «أفعل» التفضيل إنما يدلّ على الزيادة في ذلك الوصف فإن كان الكلام مثبتا كانت الزيادة ثابتة وإن كان منفيّا كانت الزيادة منفية ولا يدلّ انتفاء الزيادة على انتفاء المساواة - فكلام صحيح، ولكن إنما يكون ذلك إذا سبق الكلام للدلالة على الإثبات فقط، كقولك: زيد أفضل من عمرو، أو على الانتفاء فقط كقولك: ليس زيد أفضل من عمرو، وأما الكلام الذي قصد به نفي الزيادة عن شيء باعتبار، وإثباتها لذلك الشيء باعتبار آخر نحو: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فليس الأمر فيه كذلك. فإنّ إثبات الزيادة يلزم منه انتفاء المساواة؛ إذ لو حصلت المساواة لم تكن الزيادة ثابتة فانتفاء المزية عن المفضول دلّ عليه بالمنطوق، وانتفاء المساواة دلّ عليه باللزوم، وإذا كان كذلك ثمّ قول -
стр. 2670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المصنف: إنّ المقصود بهذا التركيب نفي المساواة ونفي المزية. ولا شكّ أنّ قولنا:
ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو؛ نفي محض لم يقصد فيه إلى إثبات شيء فهو إنما يدلّ على نفي الزيادة فتمّ أيضا قول المصنف فيه إن لم يكن فيه تعرض لنفي المساواة وإنّما تعرض فيه لنفي المزية، وإدراك الفرق بين هذين التركيبين - أعني: ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو، و: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين عمرو ظاهر، ولعلّه لا يخفى على من له أدنى تحصيل.
وإذا تبين أنّ قول المصنف تمّ فيما ذكره، تبين صحة قوله آخرا: فالجواب أنّ إمكان هذا اللفظ مسلم - يعني: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد - ولكن ليس بمسلّم إفادته ما يفيده اللفظ الآخر من اقتضاء المزية والمساواة معا، وإنّما مقتضى: ما رأيت أحدا الكحل في عينه منه في عين زيد؛ نفي رؤية الزائد حسنه لا نفي رؤية المساوي، واندفع كلام الشيخ حينئذ، واعلم أنّ الذي ذكره المصنف في هذا المثال - من أنّ سبب العدول عنه إلى المثال المشهور في هذه المسألة أنّ هذا المثال مقتضاه نفي رؤية الزائد حسنه لا نفي رؤية المساوي - أحسن من قول الإمام بدر الدين فيه: إنّ المانع منه كراهية أن يقدّموا لغير ضرورة ما ليس بأهمّ كما تقدم لنا نقل ذلك عنه (١).
الموضع الثالث: قول المصنّف: ولم يرد هذا الكلام، المتضمن ارتفاع الظّاهر بـ «أفعل» التفضيل إلا بعد نفي، ولا بأس باستعماله بعد نهي، أو استفهام، فيه معنى النفي كقولك: لا يكن غيرك أحبّ إليه الخير منه إليك، وهل في النّاس رجل أحقّ به الحمد منه بمحسن، لا يمنّ (٢)؛ فقال فيه الشيخ: وإذا كان لن يرد هذا الاستعمال إلا بعد نفي وجب اتباع السماع فيه، والاقتصار على ما قالته العرب (٣). انتهى.
ولا شكّ أنّ ما ذكره المصنف لا مانع منه من حيث الصناعة النحويّة، كيف ولا فرق في المعنى بين النّهي والاستفهام المراد به النفي، وبين النفي الحقيقي. -
стр. 2671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنّ المصنف - كما عرفت - قد حكم على (حيث) من قوله تعالى:
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (١) بأنها مفعول به [٣/ ١٣٦] وناصبه فعل مدلول عليه بـ (أعلم) وأن التقدير: الله أعلم، يعلم مكان جعل رسالته (٢).
وقال الشيخ: قد خرّجنا نحن الآية الشريفة، باقية فيها على بابها من الظرفيّة؛ لأنّ (حيث) من الظروف التي لم يتصرف فيها بابتدائية ولا فاعلية ولا مفعوليّة فنصبها على المفعولية بفعل محذوف مخرج لها عن بابها (٣).
ومنها: أنّه قال: في قول المصنّف: وإن أوّل بما لا تفضيل فيه جاز على رأي أن تنصبه (٤)، هذا الرأي ضعيف؛ لأنّه - وإن أوّل بما لا تفضيل فيه - فلا يلزم تعدّيه كتعديه، وللتركيب خصوصيات ألا ترى أنّ «فعولا» وأخواتها تعمل، و «فعيل» لا يعمل، نحو: شريب وطبيخ، لا يقال: هذا شريب الماء، ولا طبيخ الطعام، وإن كان يقال: هذا شرّاب الماء، وطبّاخ الطعام.
وناقش المصنف - في تمثيله، بقوله: وعمرو أجمع للمال من زيد (٥) للأفعال التي تتعدّى بحروف الجرّ - فقال: ليس «أجمع للمال» من هذا الفصل، بل من باب ما يتعدّى الفعل فيه إلى مفعول به تقول: جمع زيد المال، فـ «أجمع للمال» من فصل: أضرب لزيد، وأشرب للماء (٦) انتهى. وما ذكره في «أجمع» ظاهر وأما ما ذكره قبله فغير ظاهر، ولا يتوجّه إلى منع «فعيل» العمل، وقد قالت العرب: -
стр. 2672
الباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعل
[تعريفه - وزنه من الثلاثي المجرد - الاستغناء ببعض الأوزان عن بعض]
قال ابن مالك: (اسم الفاعل، هو الصّفة الدّالّة على فاعل جارية في التّذكير والتّأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه أو معنى الماضي، ويوازن في الثّلاثّي المجرّد «فاعلا» وفي غيره المضارع مكسور ما قبل الآخر، مبدوءا بميم مضمومة، وربّما كسرت في «مفعل» أو ضمّت عينه، وربّما ضمّت عين «منفعل» مرفوعا، وربّما استغني عن «فاعل» بـ «مفعل» وعن «مفعل» بـ «مفعول» فيما له ثلاثيّ وفيما لا ثلاثيّ له، وعن «مفعل» بـ «فاعل» ونحوه، أو بـ «مفعل»، وعن «فاعل» بـ «مفعل» أو «مفعل»، وربما خلف «فاعل» «مفعولا»، و «مفعول» «فاعلا»).
ــ
٢١٤٥ - فتاتان أما منهما فشبيهة ... هلالا والأخرى منهما تشبه البدرا (١)
قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): ذكر «الصّفة» مخرج للأسماء الجامدة (٣)، ومتناول لاسمي الفاعل والمفعول، وأمثلة المبالغة، والصفة المشبّهة، وغير المشبهة، وذكر (الدالة على الفاعل) مخرج لاسم المفعول، والمؤدّي معناه، وذكر (الجارية -
стр. 2673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على المضارع) مخرج للجارية على الماضي كـ: فرح، وحسن، ويقظ، ولغير الجارية كـ: سهل، وكريم، ومتناول لاسم الفاعل، ولنحو: ضامر الكشح (١)، ومنطلق اللسان، من الصفات الموافقة اسم الفاعل، لفظا، لا معنى ولنحو:
أهيف (٢)، وأعمى، من الصفات التي على «أفعل» وفعلها على «فعل» فالنوعان جاريان على المضارع من أفعالهما، أي: موافقان له، في عدّة الحروف، وتقابل الحركات، والسكون فخرج باب «ضامر» بقولي: (لمعناه أو معنى الماضي) فإنّ «ضامرا»، ونحوه لا يتعرّض به لاستقبال، ولا مضيّ، وإنّما يراد به معنى ثابت، ولذلك أضيف إلى ما هو فاعل في المعنى، كما تضاف الصفة التي لا تجاري المضارع؛ فيقال: ضامر الكشح، كما يقال: لطيف الكشح، فخالف باب «ضامر» الفعل معنى، وإن وافقه لفظا (٣).
وخرج باب «أهيف» بذكر التذكير والتأنيث، فإنّ مؤنثه على فعلاء، فلا مجاراة فيه، إلا في حال التذكير، بخلاف اسم الفاعل، فإنّ تأنيثه لا يغيّر بنيته فيعرى عن المجاراة، بل هو مستصحبها في حالة تذكيره وتأنيثه؛ لأنّ تأنيثه بالتاء، وهي في نية الانفصال، ولزم من تقييد اسم الفاعل بكونه (صفة جارية) خروج أمثلة المبالغة ولم يكن في ذلك ضمير؛ لأنّ اسم الفاعل غيرها، وجريانها في العمل مجراه سينبّه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولمّا كمل الكلام على حدّ اسم الفاعل نبهت على كيفية صوغه من الأفعال:
فأعلمت أنه من الثلاثي المجرّد (٤) على زنة «فاعل» كـ: ضارب، وشارب، ومن -
стр. 2674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيره على زنة المضارع، بكسر ما قبل الآخر، وزيادة ميم مضمومة، موضع حرف المضارعة، كـ: مكرم، ومعلّم، ومتعلّم، ومستخرج، ومدحرج، ومطمئن، ومحرنجم، قالوا: أنتن الشيء فهو منتن، على القياس، وقالوا - أيضا -: منتن؛ بإتباع الميم العين، ومنتن (١)؛ بإتباع العين الميم (٢)، وإليهما أشرت بقولي: (وربما كسرت في (مفعل) أو ضمّت عينه، ومثل «منتن» قولهم في «المغيرة» (٣):
«مغيرة» (٤)، ثمّ قلت: وربّما ضمّت عين «منفعل» مرفوعا، فأشرت بذلك إلى قولهم: هو منحدر، بضمّ الدال، إتباعا للراء، حكاه أبو الفتح بن جنّي وغيره (٥).
ثم قلت: وربّما استغنى عن «فاعل» بـ «مفعل» وعن «مفعل» بـ «مفعول» فيما له فعل ثلاثي، فأشرت بالأول إلى «حبّ» فهو محبّ، ولم يقولوا: حابّ، وأشرت بالثاني إلى قولهم: أحزنه الأمر، فهو محزون، فأغناهم عن محزن، وكذا: أحبّه، فهو محبوب، أغناهم عن محبّ، وندر قول عنترة:
٢١٤٦ - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره ... منّي بمنزلة المحبّ المكرم (٦)
وأشرت بقولي: (فيما له فعل ثلاثي) إلى قول الشّاعر:
٢١٤٧ - معي ردينيّ أقوام أذود به ... عن عرضهم وفريصي غير مرعود (٧)
-
стр. 2675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يقولوا: رعدت الفرائص، وإنّما قالوا أرعدت، ومثل «مرعود» بمعنى «مرعد» قولهم: مرقوق (١) بمعنى «مرقّ».
وأمّا قولي: وعن «مفعل» بـ «فاعل» ونحوه أو بـ «مفعل»، فأشرت [٣/ ١٣٧] به إلى قولهم: أيفع الغلام إذا شبّ؛ فهو يافع، وأورس الزمت - وهو شجر - إذا اصفرّ؛ فهو وارس، وأقرب القوم؛ فهم قاربون، إذا كانت إبلهم قوارب، ولا يقال: مقربون.
وأشرت بقولي: ونحوه إلى قولهم: أعقّت الفرس فهي عقوق، إذا حملت، وأحصرت الناقة إذا ضاق مجرى لبنها، فهي حصور، وأشرت بقولي: أو بـ «مفعل» إلى قولهم: أسهب الرجل في الكلام، إذا أكثر، فهو مسهب، كذا إذا ذهب عقله من لدغ الحية، وألفج الرجل إذا ذهب ماله، فهو ملفج (٢)، وقيل أيضا: يفع، ودرس، وعقت، وحصرت، وأسهب اللديغ، وألفج ذو المال (٣)، فاستغني باسم فاعل الثلاثي عن اسم فاعل الرباعي، وبالمبني على أسهب اللديغ، وألفج ذو المال عن المبني على أسهب وألفج، ولم يرد في «أسهب» إلا فعل الفاعل، هذا إذا كان بمعنى أكثر الكلام (٤)، فأمّا «أسهب» بمعنى فصح (٥) وبمعنى بلغ الرّجل في حفره، وبمعنى أكثر العطاء (٦)، وبمعنى تغيّر وجهه (٧)، وبمعنى نزل السهب، أي: المكان السهل (٨)، فاسم الفاعل الوصف منه بكسر الهاء على القياس، وكذا من: أسهب الفرس، إذا كان سابقا. -
стр. 2676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحكى ابن سيده (١) أنه يقال: عمّ الرجل بمعروفه، ولمّ متاع القوم فهو معمّ، وملمّ ولم يقل بهذا المعنى عامّ، ولا: لامّ، ولا نظير لهما (٢)، وإليهما أشرت بقولي: وعن «فاعل» بـ «مفعل» أو «مفعل»، ثم قلت: (وربما خلف «فاعل» «مفعولا»، و «مفعول» «فاعلا») فأشرت بالأول إلى نحو: كاس، بمعنى مكسو، وبالثاني إلى قولهم: قطّ السعر (٣) فهو مقطوط، إذا غلا، ولم يقولوا:
قاطّ، ذكره ابن سيده، وهو نادر بمعنى مكسوّ.
وممّا خلف فيه فاعل مفعولا قول الشّاعر:
٢١٤٨ - لقد عيّل الأيتام طعنة ناشره ... أناشر لا زالت يمينك آشره (٤)
أي: مأشورة، والمأشورة: المقطوعة بمئشار (٥)، والله تعالى أعلم.
هذا كلام المصنف (٦)، وقد استفيد من قوله - في حدّ اسم الفاعل -: لمعناه -
стр. 2677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو معنى الماضي ما أراده غيره بقوله: إنّ اسم الفاعل العامل هو المذهوب به مذهب الزّمان، فإنّ الذي لا يذهب به مذهبه يجري مجرى الأسماء الجامدة، فلا يعمل أصلا، نحو قول الحطيئة:
٢١٤٩ - ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر (١)
فلم يرد بـ «كاسبهم» أنه كسب لهم، ولا أنّه يكسب لهم في حال ولا استقبال؛ فصار «كاسب» في البيت بمنزلة «والد» (٢)، كأنّه قال: ألقيت والدهم، فـ «والد» لا يعمل، كما لا يعمل «أب» فكذلك «كاسبهم» إذا أريد به هذا المعنى، وكذا يستفاد من قولي: (جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها) أنّ اسم الفاعل إذا لم يكن بهذه الصفة لا يعمل، فلا يجوز أن يقال:
هذه امرأة مرضع ولدها؛ لأن اسم الفاعل - إذ ذاك - لا يذهب به مذهب الفعل، بل مذهب السبب، فمعنى «مرضع»: ذات إرضاع، ولو ذهب به مذهب الفعل لم يكن بدّ من التاء، كما قال:
٢١٥٠ - كمرضعة أولاد أخرى .. ... ... البيت (٣)
стр. 2678
[عمل اسم الفاعل غير المصغر والموصوف عمل فعله قد يحول «فاعل» للمبالغة إلى الأمثلة الخمسة]
قال ابن مالك: (فصل: يعمل اسم الفاعل غير المصغّر والموصوف خلافا للكسائي، مفردا وغير مفرد، عمل فعله مطلقا، وكذا إن حوّل للمبالغة من «فاعل» إلى «فعّال» أو «فعول» أو «مفعال» خلافا للكوفيّين، وربّما عمل محوّلا إلى «فعيل» أو «فعل» وربّما وربّما بني «فعّال» و «مفعال» و «فعيل» و «فعول» من «أفعل»، ولا يعمل غير المعتمد على صاحب مذكور أو منويّ، أو على نفي صريح أو مؤوّل، أو استفهام موجود أو مقدّر، ولا الماضي غير الموصول به «أل» أو محكيّ به الحال خلافا للكسائيّ، بل يدلّ على فعل ناصب لما يقع بعده من مفعول به يتوهّم أنّه معموله، وليس نصب ما بعد المقرون بـ «أل» مخصوصا بالمضيّ، خلافا للرّمّاني ومن وافقه، ولا على التّشبيه بالمفعول به، خلافا للأخفش، ولا بفعل مضمر خلافا لقوم).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): قد تقدم أنّ اسم الفاعل هو الصفة الدالة على «فاعل» جارية في التذكير والتأنيث على المضارع، وشرح ذلك ببيان (تامّ) (٢)، ثم أشير - بعد ذلك - إلى عمله، ليعلم أنّه يعمل عمل فعله، إن أريد به الحال والاستقبال واعتمد على صاحب مذكور، نحو: زيد مكرم رجلا طالبا العلم، محققا معناه (٣)، أو على صاحب منويّ كقول الشاعر:
٢١٥١ - وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب (٤)
-
стр. 2679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكقول الآخر:
٢١٥٢ - إنّي حلفت برافعين أكفّهم ... بين الحطيم وبين حوضي زمزم (١)
وكقول الآخر:
٢١٥٣ - وكم مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمي (٢)
ويروى: «ومن مالئ».
وكقول الآخر:
٢١٥٤ - إنّ النّدى وأبا العبّاس فارتحلوا ... مثل الفرات إذا ما موجه زخرا
إن تبلغوه تكونوا مثل منتجع ... غيثا يمجّ ثراه الماء والزّهرا (٣)
أو على نفي صريح كقول الشّاعر:
٢١٥٥ - ما راع الخلّان ذمّة ناكث ... بل من وفى يجد الخليل خليلا (٤)
-
стр. 2680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو على نفي مؤوّل كقوله:
٢١٥٦ - وإنّ امرأ لم يعن إلّا بصالح ... لغير مهين نفسه بالمطامع (١)
وعلى استفهام موجود كقول الشّاعر:
٢١٥٧ - أناو رجالك قتل امرئ ... من العزّ في حبّك اعتاض ذلّا (٢)
أو على استفهام مقدّر كقوله:
٢١٥٨ - ليت شعري مقيم العذر قومي ... لي أم هم في الحبّ لي عاذلونا (٣)
ولا يعمل اسم الفاعل، إذا لم يقصد به معنى الفعل (٤) كـ «صاحب» في أكثر -
стр. 2681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاستعمال؛ لعدم الاعتماد على صاحب مذكور، أو منويّ، ولا إذا صغّر أو وصف، أو قصد به المضي، ولم يوصل به الألف واللام، ولا حكيت به حال [٣/ ١٣٨] فلا يقال: هذا ضويرب زيدا، ولا: هذا ضارب عنيف زيدا، ولا: هذا ضارب أمس زيدا، لا اليوم، وإنّما امتنع العمل بالتصغير والوصف؛ لأنّهما من خصائص الأسماء، فيزيلان شبه الفعل معنى ولفظا.
ولم ير الكسائيّ ذلك مانعا؛ لأنّه حكى عن بعض العرب: أظنّني مرتحلا وسويئرا فرسخا، وأجاز أن يقال: أنا زيدا ضارب، أي ضارب (١)، ولا حجة فيما حكاه، لأنّ فرسخا ظرف، والظرف يعمل فيه رائحة الفعل، وأما إجازته: أنا زيدا ضارب، أيّ ضارب؛ فلا حجة فيه؛ لأنّه لم يقل: سمعته عن العرب، بل ذكره تمثيلا، ولو رواه عن العرب لم يكن فيه حجّة؛ لأنّه كان يحمل على أنّ «زيدا» منصوب بـ «ضارب» و «ضارب» خبر «أنا»، وأي ضارب خبر ثان، وهذا توجيه سهل موافق للأصول المجمع عليها، فلا يعدل عنه، وقد احتجّ الكسائي بقول الشاعر:
٢١٥٩ - إذا فاقد خطباء فرخين رجّعت ... ذكرت سليمى في الخليط المزايل (٢)
ولا حجّة في هذا أيضا؛ لإمكان تخريجه على جعل «فرخين» منصوبا -
стр. 2682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بـ «رجّعت» على إسقاط حرف الجرّ، وأصله: رجّعت على فرخين، فحذف «على» وتعدّى الفعل بنفسه فنصب، ويجوز نصب «فرخين» بـ «فقدت» مقدرا (١)، مدلولا عليه باسم الفاعل الموصوف، فإنّ ما لا يعمل يجوز أن يدلّ على ما يعمل.
وقد يحتجّ الكسائيّ أيضا بقول الشاعر:
٢١٦٠ - وقائلة تخشى عليّ: أظنّه ... سيودي به ترحاله ومذاهبه (٢)
فإنّ «تخشى» صفة «قائلة» وقد وقعت قبل المقول، الذي هو «أظنّه» والجواب أن يقال: إنّ «أظنّه» محكيّ بـ «قالت» أو «تقول»، مقدرا، فبطل الاحتجاج (٣).
ووافق (٤) بعض أصحابنا الكسائيّ في إعمال الموصوف قبل الصفة؛ لأنّ ضعفه يحصل بعد ذكرها، لا قبله، فأجاز: أنا زيدا ضارب أيّ ضارب، ومنع: أنا ضارب، أي ضارب زيدا، واستدلّ صاحب هذا الرأي بقول الشاعر:
٢١٦١ - وولّى كشؤبوب العشيّ بوابل ... ويخرجن من جعد ثراه منصّب (٥)
فرفع «ثراه» بـ «جعد» ثم نعته بـ (منصّب) (٦). -
стр. 2683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأجاز الكسائيّ أيضا إعمال اسم الفاعل المقصود به المضي، مع كونه عاريا من الألف واللّام، ومذهبه في هذه المسألة ضعيف؛ لأنّ اسم الفاعل الذي يراد به المضيّ لا يشبه الفعل الماضي إلا من قبيل المعنى، فلا يعطى ما أعطي المشابه لفظا ومعنى، أعني الذي يراد به معنى المضارع، كما لم يعط الاسم من منع الصرف بعلة واحدة ما أعطي ذو العلتين، وأيضا فإنّ الفعل المضارع محمول على اسم الفاعل في الإعراب فحمل اسم الفاعل عليه في العمل، ولم يحمل الفعل الماضي على اسم الفاعل في إعراب فلم يحمل اسم الفاعل عليه في العمل (١).
قال سيبويه: وإذا أخبر أنّ الفعل قد وقع وانقطع، فهو بغير التنوين البتة؛ لأنه إنما أجري مجرى الفعل المضارع له، كما أشبهه الفعل المضارع في الإعراب، فكلّ واحد منهما داخل على صاحبه (٢)، هذا نصّه، قلت (٣): فالمسوي في العمل بين اسم الفاعل المقصود به معنى الماضي، وبين اسم الفاعل المقصود به معنى المضارع كالمسوي بين الفعل الماضي والفعل المضارع في الإعراب وهذا لا يصحّ، فلا يصحّ ما هو بمنزلته، فإن وقع الذي بمعنى الماضي صلة للألف واللام استوى هو والذي بمعنى المضارع في استحقاق العمل؛ لأنّه وقع موقعا يجب تأويله فيه بالفعل، كما يجل تأول الألف واللام بالذي، أو أحد فروعه، فقام تأويله بالفعل مقام ما فاته من الشبه اللفظي، كما قام لزوم التأنيث في المؤنث بالألف، وعدم التكسير (٤) في الجمع مقام سبب ثان، في منع الصّرف، وإذا كان في وقوع الذي بمعنى الماضي صلة تصحيح لعمله، بعد أن لم يكن عاملا؛ كان في وقوع الذي بمعنى المضارع صلة توكيد لاستحقاق ما كان له من العمل.
والحاصل: أنّ اسم الفاعل الموصول به الألف واللام يعمل في المضيّ، والحضور، والاستقبال، وقد ظنّ قوم منهم الرماني (٥) أنّه لا يعمل إلا في الماضي، وحملهم على -
стр. 2684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك أنّ سيبويه - حين ذكر إعمال اسم الفاعل المقرون بالألف واللام لم يقدره إلا بالذي فعل، فقال: هذا (١) باب من الاستفهام، يكون فيه الاسم رفعا -: وممّا لا يكون فيه إلا الرفع: أعبد الله أنت الضاربه؟ (٢) لأنك إنما تريد معنى: أنت الذي ضربه (٣).
وقال (٤) - بعد هذا الباب بأبواب يسيرة -: هذا باب صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فعل في المعنى (٥)، ثمّ قال بعد ذلك: قولك: هذا الضارب زيدا، فصار في معنى: هذا الذي ضرب زيدا، وعمل عمله (٦)، هذا نصّه، ثم تمادى على مثل هذا في جميع الباب، ولم يتعرّض للذي بمعنى المضارع؛ لأنّه قد صحّ له العمل دون الألف واللّام، فعمله عند اقترانه بهما، على معنى الذي أحقّ وأولى، للعلّة السابق ذكرها، ولو لم يكن إعمال الذي بمعنى المضارع مسموعا عند وصل الألف واللّام، لوجب الحكم بجوازه؛ للأولوية المشار إليها، فكيف وقد ثبت إعماله في القرآن العزيز وغيره؟.
فمن إعماله في القرآن العزيز قوله تعالى: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ (٧)، ومن إعماله في غير القرآن قول الشاعر:
٢١٦٢ - فبتّ والهمّ تغشاني طوارقه ... منّ خوف رحلة بين الظّاعنين غدا (٨)
ومنه قول عمرو بن كلثوم [٣/ ١٣٩]:
٢١٦٣ - وأنّا المنعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا أتينا
وأنّا الشّاربون الماء صفوا ... ويشرب غيرنا كدرا وطينا (٩)
-
стр. 2685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنه قول الآخر:
٢١٦٤ - إذا كنت معنيّا بمجد وسؤدد ... فلا تك إلّا المجمل القول والفعلا
ولا تلف إن أوذيت يوما مكافئا ... فمن كافأ الباغين لم يكمل الفضلا (١)
ومذهب الأخفش أن النصب بعد مصحوب «أل»، على التشبيه بالمفعول به، وأصحابه يقولون: إن قصد بـ «أل» العهد، فالنصب على التشبيه بالمفعول، وإن قصد معنى الذي فالنصب باسم الفاعل (٢)، وقال قوم: النصب بفعل محذوف بعد ما قرن بـ «أل» من اسم فاعل، أو مصدر، وكلّ ذلك تكلف، لا حاجة إليه، وقد نبه على ذلك كله، في متن الكتاب، وإذا أضيف اسم الفاعل، الذي بمعنى الماضي، واقتضى بعد الإضافة - من جهة المعنى - مفعولا به، جيء
به منصوبا، كقولك: هذا معطي زيد (أمس) (٣) درهما، ونصبه عند الجمهور بفعل مقدر مدلول عليه باسم الفاعل؛ لأنّ الدلالة يكتفى فيها بالمعنى المجرّد فأن يكتفى فيها بمعنى ولفظ يتضمن حروف المدلول عليه أحقّ وأولى.
وأجاز السيرافي نصبه باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي (٤)؛ لأنّه اكتسب -
стр. 2686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالإضافة إلى الأول شبها بمصحوب الألف واللام، ولأنّ ارتباطه بما يقتضيه لا بدّ منه، والارتباط إما بالإضافة، وإما بنصبه إياه، امتنعت الإضافة؛ لأنّ شيئا واحدا لا يضاف إلى شيئين، فتعيّن الارتباط بنصبه إياه، ونزّل هذا منزلة رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في مسألة الكحل، ونظائرها، وإن كان أصله المنع، وقوى أبو علي الشلوبين (١) مذهب السيرافي بقولهم: هو ظانّ زيد أمس فاضلا، فإنّ «فاضلا» يتعين نصبه بـ «ظان»؛ لأنّه إن أضمر له ناصب لزم حذف أول مفعوليه، وثاني مفعولي «ظان»، وذلك لا يجوز؛ لامتناع الاقتصار على أحد مفعولي ظنّ، والصحيح قول الجمهور والتعليل بشبه المضاف بذي الألف واللّام ضعيف؛ لأنّ عمل ذي الألف واللّام إنما صحّ لوقوعه صلة، ووجوب تأويله لذلك بفعل، والمضاف بضد ذلك.
وأمّا الارتباط بزائد على المضاف إليه، فيكفي فيه شعور الذهن به، وأما: هو ظانّ زيدا أمس فاضلا، فليس إلا حذف أول مفعولي «ظنّ» المدلول عليه بـ «ظان»، وذلك شبيه بحذف ثاني مفعولي «ظنّ» المحذوف في: أزيدا ظننته فاضلا؟ (٢)، وأمّا «ظان» فليست إضافته على نية العمل، فيطلب مفعولا ثانيا، ولكن إضافته كإضافة اسم جامد، وكاستعماله غير مضاف في نحو، هذا ظانّ أمس زيدا فاضلا، على نصب زيد، وفاضل بـ «ظنّ» مدلولا عليه باسم الفاعل فهذا وأمثاله لا خلاف في جوازه، وبه يتخلص من إعمال اسم الفاعل الماضي، غير موصول به الألف واللام، ولا يمنع التثنية، ولا الجمع مطلقا إعمال اسم الفاعل، المستوفي شروط العمل، ولا فرق في ذلك بين جمع التكسير، وجمعي التصحيح، فإن قيل: -
стр. 2687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هلّا امتنع بجمع التكسير العمل، كما امتنع بالتصغير، لاستوائهما في تغيير نظم الواحد، فالجواب: أنّ التصغير لم يمنع العمل، لتغيير نظم الواحد فحسب، بلّ لكونه مغيرا نظم الواحد، ومحدثا فيه معنى غير لائق بالفعل وهو معنى الوصفية، فإنّ معنى قولك: ضويرب: ضارب صغير، والجمع - وإن غير نظم الواحد - ليس محدثا (١) في المجموع معنى لا يليق بالفعل؛ لأن الجمع بمعنى العطف، فإنّ معنى قولك: ضرّاب: ضارب، وضارب، وضارب والعطف لائق بالفعل، فلذلك امتنع عمل اسم الفاعل بالتصغير دون التكسير، وأما التثنية وجمع التصحيح فحقيقان بأن يبقى العمل معهما؛ لأنّهما يساويان جمع التكسير في تضمّن معنى العطف، ويفوقانه بأنهما لم يغيرا نظم الواحد، ويساوي اسم الفاعل - في العمل بالشروط المذكورة، في إفراده وغيره - ما قصد به المبالغة، من موازن: فعّال، ومفعال، وفعول، كقول من سمعه سيبويه: أما العسل فأنا شرّاب (٢)، وكقول الشاعر:
٢١٦٥ - أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها ... وليس بولّاج الخوالف أعقلا (٣)
وكقول رؤبة:
٢١٦٦ - كم رامنا من ذي عديد مبز ... حتّى وقفنا كيده بالرّجز
برأس دمّاغ رؤوس العزّ (٤)
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكقول بعض العرب: إنّه لمنحار بوائكها (١).
وكقول الشاعر:
٢١٦٩ - ثمّ زادوا أنّهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فجر (٢)
وكقول الآخر:
٢١٧٠ - شمّ مهاوين أبدان الجزور مخامي ... ص العشيّات لا خور ولا قزم (٣)
فـ «غفر» جمع غفور، و «مهاوين» جمع «مهوان»، وكان أصله «مهينا» فبني على «مفعال»؛ لقصد المبالغة، واستصحب العمل له مفردا أو مجموعا، وكذلك فعول إذا جمع على فعل، كما قال:
... ... غفر ذنبهم ...
ولو كسّر «فعّال» لاستصحب أيضا عمله، إلّا أن العرب استغنت بتصحيحه عن تكسيره، لاستثقال فكّ التضعيف، وألحق سيبويه بالثلاثة «فعيلا» و «فعلا»، -
стр. 2690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مقصودا بهما المبالغة (١)، ثمّ قال: و «فعل» أقل من «فعيل» بكثير (٢)، ثم قال:
(ومنه قول) ساعدة بن جؤية (٣):
٢١٧١ - حتّى شآها كليل موهنا عمل ... باتت طرابا، وبات اللّيل لم ينم (٤)
قال أبو الحجّاج يوسف بن سليمان الشنتمري (٥): قال النحويون: هذا غلط من سيبويه، وذلك [٣/ ١٤٠] أنّ الكليل هو البرق الضعيف، وفعله لا يتعدّى، والموهن الساعة من الليل، فهو منتصب على الظرف، واعتذر لسيبويه أن «كليلا» بمعنى «مكل»، كأنه قال: هذا البرق مكل الوقت بدوامه عليه، كما يقال: أتعبت يومك، وغير ذلك من المجاز، قال محمد بن مالك: وهذا عندي تكلف، لا حاجة إليه، وإنما ذكر سيبويه هذا البيت شاهدا على أنّ «فاعلا» قد يعدل به إلى «فعيل» و «فعل» على سبيل المبالغة، كما يعدل به إلى «فعول» و «فعّال» و «مفعال» فذكر هذا البيت لاشتماله على «كليل» للعدل عن «كالّ» وعلى «عمل»، للعدل به عن «عامل»، ولم يتعرض لوقوع الإعمال، وإنما يحتج له في ثبوت إعمال «فعيل» بقول بعض العرب: إنّ الله سميع دعاء من دعاه، رواه بعض الثقات (٦).
وممّا يحتجّ له به قول الشاعر: -
стр. 2691
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢١٧٢ - فتاتان أمّا منهما فشبيهة ... هلالا والأخرى منهما تشبه البدرا (١)
فأعمل «شبيهة»، أنثى «شبيه»، مع كونه من «أشبه»، كـ «نذير» من «أنذر» (٢)، وإذا ثبت إعمال «فعيل» من «أفعل» مع قلة نظائره، كان إعمال «فعيل» من الثلاثي أولى لكثرته، وأنشد سيبويه - مستشهدا على إعمال «فعيل» (٣) - قول الشاعر:
٢١٧٣ - حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار (٤)
وروي عن المازني أنّ اللاحقيّ (٥) قال: سألني سيبويه عن شاهد في تعدّي «فعل» فعملت له هذا البيت. وينسب مثل هذا القول إلى ابن المقفّع (٦)، والاختلاف في تسمية هذا المدّعي يشعر بأنّها رواية موضوعة، ووقوع مثل هذا مستبعد، فإنّ سيبويه لم يكن ليحتج بشاهد، لا يثق بانتسابه إلى من يحتجّ بقوله:
وإنما يحمل القدح في البيت المذكور على أنّه من وضع الحاسدين، وتقوّل المتعنتين، وقد جاء إعمال فعل فيما لا سبيل إلى القدح فيه، وهو قول زيد الخيل: -
стр. 2692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢١٧٤ - أتاني أنّهم مزقون عرضي ... جحاش الكرملين لها فديد (١)
فأعمل «مزقا» وهو «فعل» عدل به للمبالغة عن «مازق».
ووافق الجرمي سيبويه في إعمال «فعل» وقال: إنّه على وزن الفعل، فجاز أن يجرى مجراه، وحقّ لـ «فعل» أن يكثر استعماله؛ لأنه مقصور «فاعل» (٢)، ومنه قول الشاعر:
٢١٧٥ - أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا
إلّا عوارا عردا ... أو صليانا بردا (٣)
أراد: عاردا، وباردا.
وكثر ذلك في المضاعف، كقولهم: برّ، وشرّ، بمعنى: بارّ، وشارّ (٤)، -
стр. 2693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمشهور بناء هذه الأمثلة من الثلاثي، وقد يبنى من «أفعل» «فعّال»، كأدرك؛ فهو درّاك، وأسأر، فهو سآر (١)، و «فعيل»، كأنذر؛ فهو نذير، وآلم؛ فهو أليم، وأسمع؛ فهو سميع، ومنه قول الشّاعر:
٢١٧٦ - أمن ريحانة الدّاعي السّميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع (٢)
أي: الدّاعي المسمع. وقد بني أيضا من «أفعل» «مفعال»، كمعطاء، ومهداء، ومعوان، ومهوان، وندر بناء فعول ذي المبالغة، من «أفعل»، في قول الشاعر يصف ناقة جهول:
٢١٧٧ - جهول، وكان الجهل منها سجيّة ... غشمشمة للقائدين زهوق (٣)
أي: كثيرة الإزهاق من يقودها، هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى وهو كلام شاف واف بالمقصود (٤)، ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أمور:
منها: أنك عرفت - من قول المصنف: يعمل اسم الفاعل غير المصغّر والموصوف دون تقييد بكون الوصف قبل العمل أو بعده، ومن قوله - في الشرح -: ووافق بعض أصحابنا الكسائيّ في إعمال الموصوف قبل الصفة - أنّ اسم الفاعل متى وصف لا يعمل، سواء أكان الوصف قبل العمل، أم بعده. -
стр. 2694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكنّ ابن عصفور يقول: إن المانع من عمل اسم الفاعل هو وصفه قبل العمل، وأما وصفه بعد العمل فسائغ؛ لأنه لم يوصف إلا بعد أن استحقّ العمل بشبه الفعل، ووصفه قبل العمل يبعد شبهه به، فلا يجوز: هذا ضارب ظريف، زيدا، ويجوز: هذا ضارب زيدا ظريف (١).
ومن ثمّ قال الشيخ في شرحه، عند ذكر هذه المسألة: هذا الذي ذكره - يعني المصنف - لا نعلم فيه خلافا، من أنّه إذا وصف بعد أخذه مفعوله، جاز ذلك، وليس وصفه، بعد أخذه معموله قادحا في عمله (٢) انتهى.
والذي اختاره المصنف هو الذي يقتضيه النظر، وذلك أنّ العلة المانعة من عمل الموصوف إنما هي كون الوصف من خصائص الأسماء، كما أنّ التصغير كذلك، ولا شكّ أنه إذا اقترن بالاسم المشبه الفعل، ما هو من خصائص الأسماء، أزال اقترانه به ذلك الشبه.
ومعلوم أنّ اتصال الصفة بالموصوف، أشدّ من اتصال العامل بالمعمول، وإذا كان كذلك فلا فرق، أن يذكر الوصف مقدما على المعمول، أو مؤخرا عنه (٣).
ومنها: أنّ من جملة شروط عمل اسم الفاعل الاعتماد - كما عرفت - إما على صاحب من مبتدأ، أو صاحب حال، أو موصوف، وإما على نفي، أو شبهه، من نهي، أو استفهام (٤)، وإنّما كان ذلك شرطا؛ لأنّ الاعتماد على النفي والاستفهام يقوّي في الاسم جانب الفعلية، وهذا ظاهر، وأما الاعتماد على صاحب فلأنّ الوصف لا يكون إلا بالمشتق، أو بما هو في حكمه وكذلك الحال أيضا لا يكون إلا بما هو كذلك، وأما الخبر فلأنّ المشتق منه يعامل معاملة الفعل، بدليل تحمّله للضمير.
ولا شكّ أن الخبر - إذا كان مشتقّا - هو المبتدأ في المعنى، فلولا أنّه جرى -
стр. 2695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مجرى الفعل، الذي هو غير المبتدأ في المعنى لما احتيج فيه إلى ذكر ضمير يعود إلى المبتدأ، أشار إلى هذا التعليل ابن عصفور (١)، ولم يظهره لي ما ذكره، أما قوله: إن الوصف لا يكون إلا بالمشتق، وكذلك الحال أيضا فهذا إنما كان يفيد لو كان اسم الفاعل غير مشتق، فيقال: إنما ساغ عمله؛ لأنه وقع موقعا هو المشتق، لكنّ اسم الفاعل الذي الكلام فيه مشتق، فكيف نعلل اشتراط اعتماده على موصوف، أو ذي حال، بأنّ الوصف والحال لا يكونان [٣/ ١٤١] إلا بالمشتق.
وأمّا قوله: إنّ المشتقّ إذا وقع خبرا يعامل معاملة الفعل؛ فهذا إنما كان يفيد أنّه لو كان صالحا لا يحتمل ضميرا، وإنما عمله تشبيها له بالفعل، وليس الأمر كذلك؛ لأنّ المشتقّ من حيث هو مشتق يجب عمله في الضمير مع قطع
النّظر عن الفعل؛ لأنّ المشتقّ في الاصطلاح هو الدالّ على ذات قام بها معنى وإذا كان كذلك لم يتوجه ذكره، والذي ذكره غيره وهو أولى أنّه إنما اشترط اعتماد اسم الفاعل حال العمل على صاحب له؛ لأنّ ذلك أصل وضعه؛ لأنّه صفة في المعنى ولا بدّ من محكوم عليه، والمحكوم عليه به قد يكون مبتدأ وقد يكون موصوفا، ولا شكّ أنّ صاحب الحال حكمه حكم المبتدأ، وحكم الموصوف، فإنما اكتفى بالاستفهام والنفي إذا قدما ولم يحتج إلى اعتماد على صاحب؛ لأنهم لم يستعملوا الصفة قائمة مقام الفعل إلا في هذين الموضعين.
والذي يدلّ على أنّه موضوع موضع الفعل لا موضع الأسماء والصفات أنه يستقل بفاعله كلاما في قولنا: أقائم الزيدان، ولولا أنّه بمثابة قولك: أيقوم الزيدان؟
لم يستقل كلاما؛ إذ الصفة لا يثبت استقلالها بفاعلها، ولو قيل: إنّما اشترط في عمل اسم الفاعل الاعتماد على صاحبه، ليحقق كونه وصفا، فيتبين أنه يستحقّ العمل؛ إذ لو لم يكن خبرا ولا صفة ولا حالا لم تحقق وصفيته واحتمل أن يكون قد استعمل استعمال الأسماء كـ «والد» لكان أقرب.
ومنها: أنّ الأخفش والكوفيين لا يشترطون في إعمال اسم الفاعل الاعتماد، ومن ثمّ أجازوا: قائم «الزيدان»، و: قائم الزيدون؛ على أنّ «قائما» مبتدأ، وما بعده فاعل به (٢)، -
стр. 2696
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واستدل الأخفش بقوله تعالى: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها (١) في قراءة من رفع دانية (٢).
والجواب عن ذلك ظاهر، والذي عليه الجمهور أنّ ذلك لا يجوز، قالوا: لأنّ اسم الفاعل لا يسوغ له العمل إلّا في موضع يسوغ فيه وقوع الفعل، قال ابن عصفور:
ولذلك منع النحويون أن يقال: هذان ضارب زيدا وتاركه، إذا أردت أن أحدهما يضربه والآخر يتركه؛ لأنّه لا يجوز أن يقع الفعل في موضعه، لا تقول: هذان يضرب زيدا ويتركه، وأنت تريد أنّ أحدهما يضربه، والآخر يتركه (٣) انتهى.
وإنما عمل اسم الفاعل في «أقائم الزيدان؟» لما تقدّم تقريره.
ومنها: أنك قد عرفت أنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي ولم يكن صلة للألف واللام لا يعمل إلّا إذا قصد به حكاية الحال لكنّ المصنف لم يذكر مثالا للعامل محكيّا به الحال، والشاهد لذلك قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ (٤) قال ابن عصفور: والدليل على أنّ اسم الفاعل إذا كان ماضيا وعمل دون ألف ولام كان المراد به حكاية الحال أنه لا يوجد عاملا إلّا في موضع يسوغ فيه الفعل المضارع، نحو قولنا: كان زيد ضاربا عمرا، فلا شكّ أنّ «ضاربا» معناه المضيّ، وأنت لو صرحت بالفعل فيه لقلت: كان زيد يضرب عمرا.
قال ابن عصفور: وقوع الماضي هنا قبيح، فلولا أنهم أرادوا حكاية الحال في هذا الموضع لما كان وجه لوقوع الماضي فيه، وكذلك قولك: جاء زيد واضعا يده على رأسه، فـ «واضعا يده على رأسه» في هذا الكلام ماض من جهة المعنى، واسم الفاعل قد عمل؛ لأنك لو أتيت بالفعل في موضعه لقلت: جاء زيد يضع يده على -
стр. 2697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رأسه قال: فدلّ ذلك على أنهم قصدوا حكاية الحال، وكذلك قول امرئ القيس:
٢١٧٨ - ومجر كغلّان الأنيعم بالغ ... ديار العدوّ ذي زهاء وأركان (١)
فـ «بالغ» - فيه - بمعنى الماضي، بدليل قوله بعده:
٢١٧٩ - سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم ... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (٢)
وهو - مع ذلك - قد عمل؛ لأنك لو أتيت في موضعه بفعل مضارع لساغ، قال: فلّما رأينا اسم الفاعل، إذا كان بمعنى المضي لا يعمل إلّا في موضع يقع فيه الفعل المضارع دلّ ذلك على أنّه إنما عمل لقصد حكاية الحال قال: «وإذا ثبت ما ذكرناه لم يكن في الآية الشريفة حجّة؛ لأنّ قوله سبحانه تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ (٣) جملة في موضع الحال (٤).
فقد وقع اسم الفاعل في موضع يقع فيه الفعل المضارع بدلا عنه، وإن كان من جهة المعنى ماضيا، ألا ترى أنك تقول: جاء زيد وأبوه يضحك، ولا يحسن أن -
стр. 2698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقول: جاء زيد وأبوه ضحك، وإنّما كان يثبت ما قال الكسائيّ: لو جاء من كلامهم: هذا ضارب زيد أمس، ولا يحسن أن تقول: هذا يضرب زيدا أمس، قال: ومما يبين فساد مذهب الكسائي أنّ اسم الفاعل بمعنى الماضي، لو كان عاملا لم يتعرف بالإضافة، ولكنه يتعرف بها ولذلك وصف بالمعرفة، في قول الشاعر:
٢١٨٠ - لئن كنت قد بلّغت عنّي وشاية ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب (١)
انتهى كلام ابن عصفور، ولا شكّ أن مذهب الكسائي في هذه المسألة باطل، لكن في إبطاله بما أنشده نظر، فإنّ الإضافة اللفظية يجوز فيها أن تصير معنوية إلا ما استثني، وحينئذ تعود الإضافة محضة فيحصل بها التعريف، وهو ذكر ذلك في كتبه.
بقي هنا أن يشار إلى مسألتين تتعلقان باسم الفاعل الذي معناه ماض:
إحداهما:
أنّ الخلاف المذكور في عمله إنما هو بالنسبة إلى المفعول به، أما رفعه الفاعل فالظاهر أنه لا بدّ منه، لكن من النحاة من منع رفعه [٣/ ١٤٢] الفاعل أيضا وبه قال ابن جنّي، واختاره الشلوبين (٢)، والمتأخرون من المغاربة خلا ابن عصفور، هذا إذا كان الفاعل ظاهرا، فإن كان الفاعل مضمرا؛ فحكى ابن عصفور الاتفاق على أنه يرفعه.
قال الشيخ: وليس كذلك بل ذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أنّه لا يرفع المضمر أيضا، قال: والذي تلقيناه أنّه لاشتقاقه يتحمل الضمير (٣). انتهى.
وأقول: لا يتوجه لي كون اسم الفاعل الماضي لا يرفع، وذلك أنّ المشتقّ بذاته من حيث هو مشتق يستلزم مرفوعا، فليس محله الرفع بمشابهة الفعل، بل العمل الذي يعمله لمشابهته الفعل إنما هو النصب، ومما يدل على ذلك أنّ اسم الفاعل الذي معناه ماض معنى الوصفية فيه باق، ولا يتصور وجود معنى الوصف دون من يقوم به ذلك، وإذا ثبت أنّه لا بدّ له من مرفوع يقتضيه لذاته؛ فلا فرق فيه بين أن يكون مضمرا أو ظاهرا. -
стр. 2699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسألة الثانية:
أنّ اسم الفاعل الذي معناه ماض إذا أضيف، واقتضى بعد الإضافة من جهة المعنى مفعولا به، بأن يكون من فعل يتعدّى إلى مفعولين، جيء بذلك الذي يقتضيه بعد الإضافة منصوبا، كقولك: هذا معطي زيد درهما أمس، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، في كلام المصنف رحمه الله تعالى، وقد عرفت أنّ مذهب الجمهور أنّه منصوب بفعل مقدّر مدلول عليه باسم الفاعل وأنّ السيرافيّ يرى نصبه باسم الفاعل وإن كان بمعنى الماضي (١)، وأنّ المصنف
اختار مذهب الجمهور (٢)، وقد تعرض الشيخ في شرحه (٣) لذكر المسألة فقال: ذهب الجمهور ومنهم الجرميّ (٤)، والفارسيّ (٥)، إلى أنّ الثاني منصوب بفعل مضمر يفسّره اسم الفاعل، ووقفوا في ذلك مع الأصل، وهو أنّ اسم الفاعل بغير «أل» لا يعمل إذا كان معناه ماضيا فالتقدير: أعطاه درهما، وذهب السيرافيّ والأعلم، وبعض المحققين، كالأستاذ أبي عليّ (٦)، وأصحابه إلى أنه منصوب باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي، قالوا:
لأنه قوّى شبهه بالفعل هنا، وذلك أنه يطلب ما بعده من جهة المعنى ولا يمكن إضافته -
стр. 2700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إليه؛ لأنه قد اشتمل بإضافته إلى الأول فأشبه الفعل بهذا؛ لأنّ الفعل يطلب ما بعده، ولا يمكن إضافته إليه، وصار في ذلك كالمعرّف بالألف واللام، واستدلّ لصحة هذا القول باسم الفاعل من باب «ظنّ» إذا قلت: هذا ظان زيدا قائما أمس، فإنّه يطلب اسمية، ولا يجوز حذف أحدهما اقتصارا ولو نصبت «قائما» بمضمر لزمك حذف الثّاني، الذي يطلب «ظان» ولا يجوز حذفه اقتصارا، فيبقى حذفه اختصارا، والمحذوف اختصارا بمنزلة الثابت، فيلزم أن يكون
اسم الفاعل عاملا فيه أو نقدر ذلك المحذوف عاملا فيلزم حذف الثّاني لاسم الفاعل ويرجع الكلام في ذلك إلى المحذوف الثّاني، ويتسلسل إلى ما لا نهاية له، وبهذا اعترض أبو الفتح (١) على أبي عليّ فسكت (٢)، وإذا لزم إعمال «ظان» بمعنى الماضي في الاسم الثّاني، وجب أن يعتقد أنّ الثاني منصوب بفعل مضمر، إلا أن يقول: إنّ العرب لا تقول: هذا ظانّ زيد قائما أمس، وإنها استغنت عنه بقولها: هذا ظنّ زيدا قائما أمس؛ لكن في هذا القول خروج عما عهد في الأفعال المتصرفة، من جواز بناء اسم الفاعل منها للحال والاستقبال، والمضي (٣).
قال الشيخ: وسألت شيخنا الأستاذ أبا الحسن ابن الضائع عن هذه المسألة، وذكرت له المذهبين، واعتراض ابن جني وسكوت أبي عليّ؛ فقال: سكوت أبي عليّ عنه استهزاء به، وتضعيف لاعتراضه لا قصور (٤)، والصحيح ما ذهب إليه أبو عليّ، ثم أملى عليّ ما نصّه: فإنّ قيل: هذا لا يتصور في باب الظن من قبيل أنّه لا يجوز فيه الاقتصار، وكذلك الاختصار؛ لأنّ المحذوف اختصارا كالمنطوق به، فإن قدرت عاملا لزم التسلسل، فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنّ قولهم: هذا ظان زيدا، إنما يكون على حد قولهم: ظننت بزيد، ثمّ جئت باسم الفاعل منه فقلت هذا ظانّ زيد وأصله ظان بزيد فلا يحتاج هذا إلى مفعولين ثمّ حذفت وأضفت فـ «زيد» في الموضعين ليس مذكورا على أنّه مفعول به بل على أنّه محل لوقوع الظن (٥). -