. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واستدل الأخفش بقوله تعالى: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها (١) في قراءة من رفع دانية (٢).
والجواب عن ذلك ظاهر، والذي عليه الجمهور أنّ ذلك لا يجوز، قالوا: لأنّ اسم الفاعل لا يسوغ له العمل إلّا في موضع يسوغ فيه وقوع الفعل، قال ابن عصفور:
ولذلك منع النحويون أن يقال: هذان ضارب زيدا وتاركه، إذا أردت أن أحدهما يضربه والآخر يتركه؛ لأنّه لا يجوز أن يقع الفعل في موضعه، لا تقول: هذان يضرب زيدا ويتركه، وأنت تريد أنّ أحدهما يضربه، والآخر يتركه (٣) انتهى.
وإنما عمل اسم الفاعل في «أقائم الزيدان؟» لما تقدّم تقريره.
ومنها: أنك قد عرفت أنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي ولم يكن صلة للألف واللام لا يعمل إلّا إذا قصد به حكاية الحال لكنّ المصنف لم يذكر مثالا للعامل محكيّا به الحال، والشاهد لذلك قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ (٤) قال ابن عصفور: والدليل على أنّ اسم الفاعل إذا كان ماضيا وعمل دون ألف ولام كان المراد به حكاية الحال أنه لا يوجد عاملا إلّا في موضع يسوغ فيه الفعل المضارع، نحو قولنا: كان زيد ضاربا عمرا، فلا شكّ أنّ «ضاربا» معناه المضيّ، وأنت لو صرحت بالفعل فيه لقلت: كان زيد يضرب عمرا.
قال ابن عصفور: وقوع الماضي هنا قبيح، فلولا أنهم أرادوا حكاية الحال في هذا الموضع لما كان وجه لوقوع الماضي فيه، وكذلك قولك: جاء زيد واضعا يده على رأسه، فـ «واضعا يده على رأسه» في هذا الكلام ماض من جهة المعنى، واسم الفاعل قد عمل؛ لأنك لو أتيت بالفعل في موضعه لقلت: جاء زيد يضع يده على -
стр. 2697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رأسه قال: فدلّ ذلك على أنهم قصدوا حكاية الحال، وكذلك قول امرئ القيس:
٢١٧٨ - ومجر كغلّان الأنيعم بالغ ... ديار العدوّ ذي زهاء وأركان (١)
فـ «بالغ» - فيه - بمعنى الماضي، بدليل قوله بعده:
٢١٧٩ - سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم ... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (٢)
وهو - مع ذلك - قد عمل؛ لأنك لو أتيت في موضعه بفعل مضارع لساغ، قال: فلّما رأينا اسم الفاعل، إذا كان بمعنى المضي لا يعمل إلّا في موضع يقع فيه الفعل المضارع دلّ ذلك على أنّه إنما عمل لقصد حكاية الحال قال: «وإذا ثبت ما ذكرناه لم يكن في الآية الشريفة حجّة؛ لأنّ قوله سبحانه تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ (٣) جملة في موضع الحال (٤).
فقد وقع اسم الفاعل في موضع يقع فيه الفعل المضارع بدلا عنه، وإن كان من جهة المعنى ماضيا، ألا ترى أنك تقول: جاء زيد وأبوه يضحك، ولا يحسن أن -
стр. 2698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقول: جاء زيد وأبوه ضحك، وإنّما كان يثبت ما قال الكسائيّ: لو جاء من كلامهم: هذا ضارب زيد أمس، ولا يحسن أن تقول: هذا يضرب زيدا أمس، قال: ومما يبين فساد مذهب الكسائي أنّ اسم الفاعل بمعنى الماضي، لو كان عاملا لم يتعرف بالإضافة، ولكنه يتعرف بها ولذلك وصف بالمعرفة، في قول الشاعر:
٢١٨٠ - لئن كنت قد بلّغت عنّي وشاية ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب (١)
انتهى كلام ابن عصفور، ولا شكّ أن مذهب الكسائي في هذه المسألة باطل، لكن في إبطاله بما أنشده نظر، فإنّ الإضافة اللفظية يجوز فيها أن تصير معنوية إلا ما استثني، وحينئذ تعود الإضافة محضة فيحصل بها التعريف، وهو ذكر ذلك في كتبه.
بقي هنا أن يشار إلى مسألتين تتعلقان باسم الفاعل الذي معناه ماض:
إحداهما:
أنّ الخلاف المذكور في عمله إنما هو بالنسبة إلى المفعول به، أما رفعه الفاعل فالظاهر أنه لا بدّ منه، لكن من النحاة من منع رفعه [٣/ ١٤٢] الفاعل أيضا وبه قال ابن جنّي، واختاره الشلوبين (٢)، والمتأخرون من المغاربة خلا ابن عصفور، هذا إذا كان الفاعل ظاهرا، فإن كان الفاعل مضمرا؛ فحكى ابن عصفور الاتفاق على أنه يرفعه.
قال الشيخ: وليس كذلك بل ذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أنّه لا يرفع المضمر أيضا، قال: والذي تلقيناه أنّه لاشتقاقه يتحمل الضمير (٣). انتهى.
وأقول: لا يتوجه لي كون اسم الفاعل الماضي لا يرفع، وذلك أنّ المشتقّ بذاته من حيث هو مشتق يستلزم مرفوعا، فليس محله الرفع بمشابهة الفعل، بل العمل الذي يعمله لمشابهته الفعل إنما هو النصب، ومما يدل على ذلك أنّ اسم الفاعل الذي معناه ماض معنى الوصفية فيه باق، ولا يتصور وجود معنى الوصف دون من يقوم به ذلك، وإذا ثبت أنّه لا بدّ له من مرفوع يقتضيه لذاته؛ فلا فرق فيه بين أن يكون مضمرا أو ظاهرا. -
стр. 2699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسألة الثانية:
أنّ اسم الفاعل الذي معناه ماض إذا أضيف، واقتضى بعد الإضافة من جهة المعنى مفعولا به، بأن يكون من فعل يتعدّى إلى مفعولين، جيء بذلك الذي يقتضيه بعد الإضافة منصوبا، كقولك: هذا معطي زيد درهما أمس، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، في كلام المصنف رحمه الله تعالى، وقد عرفت أنّ مذهب الجمهور أنّه منصوب بفعل مقدّر مدلول عليه باسم الفاعل وأنّ السيرافيّ يرى نصبه باسم الفاعل وإن كان بمعنى الماضي (١)، وأنّ المصنف
اختار مذهب الجمهور (٢)، وقد تعرض الشيخ في شرحه (٣) لذكر المسألة فقال: ذهب الجمهور ومنهم الجرميّ (٤)، والفارسيّ (٥)، إلى أنّ الثاني منصوب بفعل مضمر يفسّره اسم الفاعل، ووقفوا في ذلك مع الأصل، وهو أنّ اسم الفاعل بغير «أل» لا يعمل إذا كان معناه ماضيا فالتقدير: أعطاه درهما، وذهب السيرافيّ والأعلم، وبعض المحققين، كالأستاذ أبي عليّ (٦)، وأصحابه إلى أنه منصوب باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي، قالوا:
لأنه قوّى شبهه بالفعل هنا، وذلك أنه يطلب ما بعده من جهة المعنى ولا يمكن إضافته -
стр. 2700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إليه؛ لأنه قد اشتمل بإضافته إلى الأول فأشبه الفعل بهذا؛ لأنّ الفعل يطلب ما بعده، ولا يمكن إضافته إليه، وصار في ذلك كالمعرّف بالألف واللام، واستدلّ لصحة هذا القول باسم الفاعل من باب «ظنّ» إذا قلت: هذا ظان زيدا قائما أمس، فإنّه يطلب اسمية، ولا يجوز حذف أحدهما اقتصارا ولو نصبت «قائما» بمضمر لزمك حذف الثّاني، الذي يطلب «ظان» ولا يجوز حذفه اقتصارا، فيبقى حذفه اختصارا، والمحذوف اختصارا بمنزلة الثابت، فيلزم أن يكون
اسم الفاعل عاملا فيه أو نقدر ذلك المحذوف عاملا فيلزم حذف الثّاني لاسم الفاعل ويرجع الكلام في ذلك إلى المحذوف الثّاني، ويتسلسل إلى ما لا نهاية له، وبهذا اعترض أبو الفتح (١) على أبي عليّ فسكت (٢)، وإذا لزم إعمال «ظان» بمعنى الماضي في الاسم الثّاني، وجب أن يعتقد أنّ الثاني منصوب بفعل مضمر، إلا أن يقول: إنّ العرب لا تقول: هذا ظانّ زيد قائما أمس، وإنها استغنت عنه بقولها: هذا ظنّ زيدا قائما أمس؛ لكن في هذا القول خروج عما عهد في الأفعال المتصرفة، من جواز بناء اسم الفاعل منها للحال والاستقبال، والمضي (٣).
قال الشيخ: وسألت شيخنا الأستاذ أبا الحسن ابن الضائع عن هذه المسألة، وذكرت له المذهبين، واعتراض ابن جني وسكوت أبي عليّ؛ فقال: سكوت أبي عليّ عنه استهزاء به، وتضعيف لاعتراضه لا قصور (٤)، والصحيح ما ذهب إليه أبو عليّ، ثم أملى عليّ ما نصّه: فإنّ قيل: هذا لا يتصور في باب الظن من قبيل أنّه لا يجوز فيه الاقتصار، وكذلك الاختصار؛ لأنّ المحذوف اختصارا كالمنطوق به، فإن قدرت عاملا لزم التسلسل، فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنّ قولهم: هذا ظان زيدا، إنما يكون على حد قولهم: ظننت بزيد، ثمّ جئت باسم الفاعل منه فقلت هذا ظانّ زيد وأصله ظان بزيد فلا يحتاج هذا إلى مفعولين ثمّ حذفت وأضفت فـ «زيد» في الموضعين ليس مذكورا على أنّه مفعول به بل على أنّه محل لوقوع الظن (٥). -
стр. 2701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوجه الثّاني: قال (١) وهو الذي انفصل به شيخنا أبو زكريا ابن ذي النّون (٢) عما ألزم به أبو عليّ أنّ حذف الاقتصار وإنما يمتنع حيث لا يذكر المفعول الثاني أما إذا كان الكلام قد اشتمل على المفعولين معا وإن لم يذكر الثاني على أنه مفعول بذلك الفعل فإنّه يجوز كقولهم: ظننت أنّ زيدا منطلق؛ لمّا اشتمل الكلام على ذكر المفعولين معا وإن لم يكن لظننت إلا مفعول واحد هنا جاز، فكذلك مسألتنا قد اشتمل الكلام فيها على ذكر المفعولين معا وكذلك في الاشتغال، إذا قلت: أزيدا ظننته منطلقا فلا يحتاج هنا إلى تقدير مفعول ثان لظننت المحذوفة؛ لأنّ المفعول
الثّاني قد ذكر مع المفسر (٣). انتهى.
قال الشيخ في الوجه الأول: هذا الوجه هو إحالة لصورة المسألة؛ لأنّ الخلاف إنما وقع في اسم الفاعل الماضي المضاف إلى المفعول الأول والجائي بعده المفعول الثاني منصوبا فهل ينسب العمل في الثاني إليه أو إلى فعل محذوف فلم يقع الخلاف [٣/ ١٤٣] في هذا التركيب إلّا على هذا التقدير، وأما إجازته على أنه اسم فاعل من قولهم: ظننت بزيد، (أي: جعلته محلّ ظنّي ولا يتعدّى ذلك إلى مفعولين) (٤)؛ فليس المتنازع فيه، بل تخريج هذا التركيب على هذا التأويل هو اعتراف بصحّة الإلزام فنقلت:
قال: وأما الوجه الثاني، الذي انفصل به أبو زكريّا فقد تقدمه إلى مثله الأستاذ أبو جعفر أحمد بن أبي الحسن بن الباذش نقلت من خطه ما يدلّ على أنّ (سكنا) من قوله تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً (٥) منصوب بإضمار فعل، على ما ذهب إليه أبو عليّ (٦) في قولهم: عبد الله أظنّه ذاهبا، ولولا قياس إحدى الجملتين بالأخرى ما جاز أن تقول: أظنّ عبد الله؛ لأنّ الاقتصار لا يجوز، ولكنّ الحذف لدلالة المفعول في الجملة الثانية (٧). انتهى ما نقله الشيخ. -
стр. 2702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأقول:
أما الوجه الأول من وجهي جواب ابن الضائع، وهو أنّ «ظأنّا» - من قولنا:
هذا ظان زيد أمس قائما - ليس له عمل، ولا يحتاج إلى مفعول، فقد قرره المصنف على وجه أولى من الوجه الذي قرره ابن الضائع عليه، وهو أنّ إضافته ليست على نية العمل، فيطلب مفعولا ثانيا، ولكنّ إضافته كإضافة اسم
جامد، وكاستعماله غير مضاف في نحو: هذا ظان أمس زيدا فاضلا، على نصب: «زيد، وفاضل» بـ «ظنّ» مدلولا عليه باسم الفاعل، ثمّ إنه لا يتوجه عليه ما اعترض به الشيخ على ابن الضائع (١)، من أنّ هذا تركيب آخر، وهب أنّ هذا الجواب يتمشّى له في: هذا ظان زيد أمس قائما، فكيف يتأتّى له جوابا على حذف المفعول الأول للفعل المقدر، الذي هو «ظنّ»؟ فانظر إلى هذا الرجل - أعني المصنف - كيف أتى بجواب شاف، فتضمّن أن اسم الفاعل، الذي هو «ظان»، لا مفعول له البتة، وأنّ المفعول الأول الذي هو معمول للفعل المقدّر حذف؛ للدلالة عليه بالمضاف إلى «ظان»، وهو «زيد»، وابن الضائع لم يتعرض إلى الجواب عن حذف أول مفعولي الفعل المقدّر أصلا.
وأمّا الوجه الثاني المنقول عن الشّيخ أبي زكريّا، وهو أنّ حذف الاقتصار إنما يمتنع حيث لا يذكر المفعول الثاني، أما إذا اشتمل الكلام على معمولين معا، وإن لم يذكر الثاني على أنه مفعول بذلك الفعل فإنه يجوز، كقولهم: ظننت أنّ زيدا منطلق، إلى آخره؛ ففيه بحث، وهو أن يقال: أما نحو: ظننت أنّ زيدا منطلق فالجملة المشتملة على المسند إليه والمسند واحدة، وما اشتملت عليه مفيد ما يفيده التصريح بذكر المفعولين، فاكتفى بذلك عن مفعول ثان، وأما المسألة التي الكلام فيها، وهي: هذا ظان زيدا أمس قائما، فقد قرر أنّ التقدير فيها: ظنّه أمس قائما، فـ «قائم» الذي هو المفعول الثاني للفعل المقدّر من جملة أخرى مستقلة، فكيف يكون مكتفى به عن ثاني مفعولي «ظانّ» من قولنا: هذا ظانّ زيد أمس، وهو من جملة أخرى لا تعلق لها بالثانية.
وحاصل الأمر: أنّه لا يلزم من الاكتفاء بالمسند إليه، والمسند، عن المفعول الثاني إذا حلّا محلّ المفعول الأول في جملة واحدة، أن يحصل الاكتفاء بهما عنه في جملتين. -
стр. 2703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن قيل: يدلّ على الاكتفاء بذلك في جملتين مسألة الاشتغال، وهي: أزيدا ظننته منطلقا، فإن التقدير: أظننت زيدا منطلقا ظننته منطلقا، فحذف المفعول الثاني من الجملة الأولى، لاشتمال الجملة الثانية عليه، فالجواب: أنّ الجملة الثانية في الاشتغال مفسرة للجملة الأولى، والمفسّرة في باب الاشتغال هي المفسّرة نفسها، ومن ثم لم يجز الجمع بينهما، وكان شرط العامل المقدّر أن يضمر عمله في الاسم السابق، لو سلّط عليه، وإذا كان كذلك فكأنّ الجملة الثانية هي الجملة الأولى، فالمذكور فيها كالمذكور في الجملة التي قبلها، ثمّ هذا البحث، على أنّ الحذف في مسألة اسم الفاعل حذف اقتصار، أمّا الحذف اختصارا فقد عرفت أنّهم أبطلوه، لما لزم من القول به التسلسل، كما مرّ، وفي النفس - من منع الحذف اختصارا - شيء، ولكنّ الأئمة قد قرروه، فلم يسغ إلا التسليم.
واعلم أنّ أبا الحسين (١) بن أبي الربيع أنكر مجيء نحو: هذا ظانّ زيد أمس شاخصا، قال: وإنما يقول العرب: هذا الظان زيدا أمس شاخصا؛ لأنك إن نصبت «شاخصا» بإضمار فعل كنت قد اقتصرت على واحد، ولا يجوز في باب «ظنّ»، وإن نصبته بـ «ظان» أعملت اسم الفاعل، بمعنى الماضي، وهذا لم يثبت.
قال (٢): وكان الأستاذ أبو عليّ يأخذ في الانفصال عنه (٣) بوجهين:
أحدهما: أنّ العرب لا تقول: هذا ظانّ زيد أمس شاخصا، وإنما تقول: هذا الظانّ زيدا أمس شاخصا (٤).
ثانيهما: أن يفرق بين باب «ظننت» فينصب باسم الفاعل؛ لعدم جواز -
стр. 2704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاقتصار، وبين باب «أعطيت» فينصب فيه بإضمار فعل؛ لجواز الاقتصار.
ومنها: أنّ الكوفيين منعوا إعمال أمثلة المبالغة، كما أشار المصنف إلى ذلك في متن الكتاب، ومستند الكوفيين في عدم إعمالها أنها ليست جارية على الفعل، وإنما هي جارية مجرى الأسماء التي يمدح بها ويذمّ، وعندهم أنّ ما يذكر بعدها يجرّ بإضافتها إليه، فإن نوّن شيء منها، ونصب ما بعده كان نصبه بإضمار فعل يدل على الصفة، ومن ثمّ لم يجيزوا تقديم المنصوب على الصفة؛ لأنّ الصفة دالة على الفعل الناصب له، وباب الدليل أن يكون متقدما على ما يدل عليه (١).
[٣/ ١٤٤] واستدلّ ابن عصفور على بطلان دعواهم بأنّها لو كانت عاملة النصب فيما بعدها لوجب أن تتعرف بالإضافة إلى معرفة؛ لأنها عندهم ليست من نصب، لكنها تضاف إلى المعرفة، ولا تتعرّف، قال الشاعر:
٢١٨١ - أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها ... وليس بولّاج الخوالف أعقلا (٢)
فوصف «ولّاج الخوالف» مع كونه مضافا إلى معرفة بـ «أعقل» وهو نكرة.
وقال الآخر:
٢١٨٢ - ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعل ... طبّاخ ساعات الكرى زاد الكسل (٣)
-
стр. 2705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فـ «طباخ» نكرة، بدليل وصف «ابن عمّ» به، مع كونه مضافا إلى معرفة، وهي:
إما «ساعات الكرى»، في رواية من نصب «زاد الكسل»، وإمّا «زاد الكسل» في رواية من خفضه، قال: وأما منعهم تقديم المفعول فباطل أيضا بدليل قول الشاعر:
٢١٨٣ - قلا دينه واهتاج للشّوق إنّها ... على الشّوق إخوان العزاء هيوج (١)
وقول الآخر:
٢١٨٤ - بكيت أخا لأواء يحمد يومه ... كريم رؤوس الدارعين ضروب (٢)
قال (٣): وأمّا البصريّون فاتفقوا على جواز إعمال: «فعول، وفعّال، ومفعال»؛ لكثرة ورودها في كلام العرب معملة، واختلفوا في إعمال: «فعل، وفعيل»، فمذهب سيبويه ومن تابعه الجواز، ومنع ذلك البغداديون، ونازعوا فيما استدلّ به سيبويه على الإعمال (٤)، أشار إلى ذلك ابن عصفور، وأطال، وقد تقدّم من كلام -
стр. 2706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المصنف في ذلك ما فيه غنية.
قال الشيخ: والإنصاف في هذه المسألة القياس على «فعول، وفعّال، ومفعال»، والاقتصار في «فعيل وفعل» على موارد السّماع (١).
ومن النحويين من أجاز هذه الأمثلة، وإن كان معناها ماضيا، قال: لما فيها من قوة معنى الفعل، بسبب المبالغة، وإلى ذلك ذهب ابن خروف (٢) من المتأخرين مستدلّا بقول الشاعر:
٢١٨٥ - كريم رؤوس الدّارعين ضروب
قال: لأنه يرثي رجلا شجاعا، فمدحه بما ثبت واستقرّ، والجواب أنّ هذا إنما هو على حكاية الحال (٣).
ومنها: أنّ الموجب لقول الأخفش: إنّ نصب ما بعد اسم الفاعل المقرون بـ «أل» إنما هو على التشبيه بالمفعول به؛ أنّه يرى أنّ «أل» التي باشرت اسم الفاعل إنما هي للتعريف، كما هي في «الرجل»، فخالف الجمهور في القول بأنها اسم موصول (٤)، وإذا كانت حرف تعريف كان دخولها على اسم الفاعل مبطلا لعمله كما يبطله التصغير والوصف؛ لأنّه يبعد عن الفعل بمباشرة ما هو من خواصّ الأسماء له: فلذلك احتاج أن يقول: إن النصب على التشبيه بالمفعول به، ولا شكّ أنّ هذا المذهب مرغوب عنه، وقد ذكرت الأدلة على بطلانه في غير هذا الموضع (٥).
стр. 2707
[إضافة اسم الفاعل المجرّد من «أل» إلى المفعول أو ما يشبه المفعول - إضافة المقرون بالألف واللام - حكم المعطوف على مجرور ذي الألف واللام]
قال ابن مالك: (يضاف اسم الفاعل المجرّد الصّالح للعمل إلى المفعول به جوازا، إن كان ظاهرا متّصلا، ووجوبا إن كان ضميرا متّصلا، خلافا للأخفش وهشام في كونه منصوب المحلّ، وشذّ فصل المضاف إلى ظاهر بمفعول، أو ظرف، ولا يضاف المقرون بالألف واللّام إلّا إذا كان مثنّى أو مجموعا على حدّه، أو كان المفعول به معرّفا بهما، أو مضافا إلى معرّف بهما، أو إلى ضميره، ولا يغني كون المفعول به معرّفا بغير ذلك، خلافا للفرّاء، ولا كونه ضميرا، خلافا للرّماني، والمبرّد، في أحد قوليه، ويجرّ المعطوف على مجرور ذي الألف واللّام إن كان مثله، أو مضافا إلى مثله، أو إلى ضمير مثله، لا إن كان غير ذلك، وفاقا لأبي العبّاس).
قال ناظر الجيش: لما أنهى المصنف الكلام على اسم الفاعل، بالنسبة إلى نصبه المفعول به، وعدم نصبه إياه، شرع الآن في بيان إضافة العامل منه إلى معموله، ولا شكّ أنّ إضافته بحسب مواقعه جائزة، وواجبة، وممتنعة (١)، فتجوز في صورتين:
إحداهما: أن يكون اسم الفاعل مجردا من الألف واللّام، ومعموله ظاهر متصل باسم الفاعل، أي: غير مفصول بينهما بشيء، نحو: زيد مكرم عمرو (٢).
الثانية: أن يكون اسم الفاعل مقرونا بالألف واللام، وهو مثنّى أو مجموع على -
стр. 2708
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حدّه، نحو: هذان الضاربا زيد، وهؤلاء المكرمو عمرو، أو يكون المعمول معرفا بالألف واللام، أو مضافا إلى
معرّف بهما، أو إلى ضمير معرّف بهما، نحو هذا الضارب الرجل، والمكرم غلام الرجل، والرجل أنت الضارب غلامه (١).
[٣/ ١٤٥] وتجب في صورة واحدة: وهي أن يكون اسم الفاعل مجردا من الألف واللام، والمعمول ضمير متصل بالعامل، أي لم يفصل بينهما بشيء، نحو:
زيد مكرمك، والزيدان مكرماك، والزيدون مكرموك (٢)، فلو فصل بينهما بمعمول آخر كانت الإضافة إلى ذلك المعمول، ووجب النصب في المعمول الثاني نحو:
الدّرهم أنا معطيكه (٣)، وتمتنع في صورتين:
إحداهما: أن يكون اسم الفاعل غير مثنّى، ولا مجموع على حده، وهو مقرون بالألف واللام، والمعمول ظاهر، ليس فيه ألف ولام، ولا مضافا إلى ما هما فيه، ولا إلى ضمير ما هما فيه، نحو: هذا الضارب زيدا والمكرم رجلا (٤).
الثانية: أن يكون اسم الفاعل غير مثنّى، ولا مجموع على حدّه، وهو مقرون بالألف واللام، والمعمول ضمير، نحو: هذا المكرمك (٥)، وهذه الصور في بعضها خلاف، كما أشار إليه المصنف في متن الكتاب، وستعرفه، ولكنّ الذي نشير إليه، -
стр. 2709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنما هو على أصحّ المذاهب فيها، كما سيبين، ثم إنّ المصنف أشار - مع ذكر هذه المسائل، في هذا الفصل - إلى أمرين آخرين:
أحدهما: الفصل بين اسم الفاعل، وما أضيف إليه، من معموله الظاهر.
ثانيهما: حكم المعطوف على مجرور اسم الفاعل المقرون بالألف واللّام بالنسبة إلى جواز جره، وعدم جوازه.
وبعد: فأنا أورد كلام المصنف ليعرف منه تفصيل ما وقعت الإشارة إليه إجمالا، ثم إن تعلق به شيء ذكرته بعد ذلك.
قال - رحمه الله تعالى - (١): اسم الفاعل المجرّد هو العاري من الألف واللّام، وذكره مخرج للمقرون، وذكر الصالح للعمل مخرج للمجرّد الذي أريد به المضي (٢)، ومدخل للمحوّل إلى أحد أبنية المبالغة؛ فإن اسم الفاعل واقع عليه بعد التحويل.
والحاصل: أنّ اسم الفاعل المشار إليه ذكر بعده مفعول به ظاهر متصل جاز نصبه بمقتضى المفعولية، وجرّه بمقتضى الإضافة، وإن كان المفعول به ضميرا متصلا وجب كونه مجرورا بالإضافة.
فمثال ذي الوجهين لكون المعمول ظاهرا متصلا قوله تعالى: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣)، وقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ (٤).
ومثال ذي الوجه الواحد - لكون المعمول ضميرا متصلا - قولك: هذا مكرمك، وهذان مكرماك، وهؤلاء مكرموك، فالكاف - في الأمثلة الثلاثة - وشبهها في موضع جرّ، على مذهب سيبويه، وأكثر المحققين (٥)، وهو الصحيح؛ لأن الظاهر هو الأصل، والمضمرات نائبة عنه، فلا ينسب إلى شيء منها إعراب؛ لا ينسب -
стр. 2710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إليه، إلا إذا كان المضمر بلفظ غير صالح لإعراب الظاهر، كالكاف والهاء من:
لولاك ولولاه؛ فإنّ الجرّ منسوب إليهما عند سيبويه مع أنّه إعراب غير صالح للظاهر، الذي وقع موقعه، وحمله على ذلك أنّ لفظ الكاف والهاء غير صالح للرفع، بل للنصب والجر، ولكنّ النصب ممتنع لامتناع لازمه، وهو أن يقال: لولاني دون لولاي، وإنما يقال: لولاي، دون لولاني، فتعين الحكم بالجر.
وزعم الأخفش، وهشام (١) الكوفي أنّ كاف «مكرمك» وشبهه في موضع نصب؛ لأنّ موجب النصب المفعولية، وهي محققة، وموجب الجر الإضافة، وهي غير محقّقة؛ إذ لا دليل عليها إلا حذف التنوين، ونوني التثنية والجمع، ولحذفهما سبب غير الإضافة، وهو صون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا (٢)، وهذه شبهة، تحسب قوية، وهي ضعيفة؛ لأنّ النصب الذي تقتضيه المفعولية لا يلزم كونه لفظيّا، بل يكتفى فيه بالتقدير، فلذلك جاز أن يراد بعض حروف الجر، مع بعض المفعولات، نحو: رَدِفَ لَكُمْ (٣)، وخشّنت بصدره (٤)، ولولا ذلك لامتنعت إضافة اسم الفاعل إلى المفعول به الظاهر، وأيضا؛ فإنّ عمل الأسماء النصب أقلّ من عملها الجرّ، فينبغي - عند احتمال النصب والجر في معمول اسم - أن يحكم بالجر، حملا على الأكثر.
وأمّا جعل سبب حذف التنوين والنونين صون الضّمير المتّصل من وقوعه منفصلا فمستغنى عنه لوجهين:
أحدهما: أن حذفه للإضافة محصّل لذلك فلا حاجة إلى سبب آخر. -
стр. 2711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثّاني: أن مقتضى الدليل بقاء الاتصال بعد التنوين، ونوني التثنية والجمع؛ لأن نسبتها من الاسم كنسبة نون التوكيد من الفعل، واتصال الضمير لا يزول بنون التوكيد، فكذلك لا يزول بالتنوين، ونوني التثنية والجمع، لو قصد النصب، وقد نبّهوا على جواز ذلك باستعماله في الشعر، كقول الشاعر:
٢١٨٦ - هم الفاعلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما (١)
ومثله قول الآخر:
٢١٨٧ - ولم يرتفق والنّاس محتضرونه ... جميعا، وأيدي المعتفين رواهقه (٢)
ويتعين - غالبا - نصب معمول اسم الفاعل، إذا انفصل، ظاهرا كان، كقوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (٣)، أو مضمرا، كالهاء التي بعد الكاف في قول الشاعر:
٢١٨٨ - لا ترج أو تخش غير الله إنّ أذى ... واقيكه الله لا ينفكّ مأمونا (٤)
-
стр. 2712
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن هذين المثالين وأشباهما احتزرت بذكر (متصلا) بعد قولي: (إن كان ظاهرا)، وبعد قولي: (إن كان ضميرا)، ثمّ قلت: (وشذّ فصل المضاف إلى ظاهر، بمفعول أو ظرف) فنبّهت بذلك على قراءة بعض القراء: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله (١) وعلى قول الشّاعر:
٢١٨٩ - وكرّار خلف المحجرين جواده ... إذا لم يحام دون أنثى حليلها (٢)
وعلى قول الرّاجز [٣/ ١٤٦]:
٢١٩٠ - ربّ ابن عم لسليمى مشمعل ... طبّاخ ساعات الكرى زاد الكسل (٣)
ثمّ نبّهت على أنّ المقرون بالألف واللّام يجوز أن يضاف - إذا كان مثنّى أو مجموعا على حدّه - إلى المفعول به مطلقا، وإن لم يكن مثنّى، ولا مجموعا على حده لم يضف إلا إلى المعرف بالألف واللام، وإلى مضاف إلى مقرون بهما.
فالأول: كقول الشاعر:
٢١٩١ - إن يغنيا عنّي المستوطنا عدن ... فإنّني لست يوما عنهما بغني (٤)
-
стр. 2713
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثّاني: كقوله:
٢١٩٢ - ليس الأخلّاء بالمصغي مسامعهم ... إلى الوشاة، ولو كانوا ذوي رحم (١)
والثّالث: كقول الآخر:
٢١٩٣ - أبأنا بهم قتلى وما في دمائهم ... شفاء وهنّ الشّافيات الحوائم (٢)
والرّابع: كقول الآخر:
٢١٩٤ - لقد ظفر الزّوّار أبنية العدا ... بما جاوز الآمال بالقتل والأسر (٣)
والخامس: كقول الآخر:
٢١٩٥ - الودّ أنت المستحقّة صفوه ... منّي، وإن لم أرج منك نوالا (٤)
-
стр. 2714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأجرى الفراء العلم وغيره من المعارف مجرى ذي الألف واللام، في الإضافة إليه (١): فيقال - على مذهبه -: هذا الضارب زيد، والضارب عبده، والمكرم ذينك، والمعين اللذين نصراك، ولا مستند له في هذا من نثر ولا نظم، وله من النظر حظ، وذلك بأن تقدّر الإضافة قبل الألف واللّام، وهي إضافة كلا إضافة؛ إذ هي لمجرد التخفيف، فلم يمنع لحاق الألف واللّام، عند قصد التعريف، فإنّ مانع اجتماعهما مع الإضافة إنما هو توقّي اجتماع معرفين، وهو مأمون فيما نحن بصدده، فلم يضرّ جوازه، ولا يلزم من ذلك جواز: الحسن وجهه؛ لأنّ المضاف، والمضاف إليه - في ذلك، وفيما أشبهه - شيء واحد في المعنى، فحقّه أن يمنع هو وغيره، ممّا إضافته كإضافته، إلّا أنّ المستعمل مقبول، وإن خالف القياس، وما خالف القياس، ولم يستعمل تعين اجتنابه، كـ: الحسن وجهه، وزعم الزمخشريّ أنّ كاف «المكرمك» وشبهه في موضع جر، مع منعه الظاهر الواقع موقعه (٢)، وقد تقدّم في قولي: إنّ الظاهر أصل والمضمر نائب عنه، ولا ينسب إلى النائب ما لا ينسب إلى المنوب عنه (٣)، فمذهب الزمخشري - في هذا - ضعيف، وقد سبقه إلى ذلك الرمانيّ، والمبرد (٤)، إلّا أنّ المبرد رجع عن ذلك، كذا قال ابن السراج (٥).
والحاصل: أنّ الضمير المتصل باسم فاعل، مقرون بالألف واللام، غير مثنّى ولا مجموع على حدّه؛ منصوب على مذهب سيبويه والأخفش، مجرور على -
стр. 2715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مذهب الفراء، وعلى مذهب الرماني والزمخشري إلا أنّ في مذهبهما مخالفة النائب للمنوب عنه، ومذهب الفراء سالم من ذلك، وهما يلزمان الحكم بالجر، والفراء يجيز الجرّ والنصب، كما أجازهما في زيد، ونحوه من: هذا الضارب زيد (١)، وأمّا الضمير في نحو: جاء الزائراك والمكرموك، فجائز فيه الوجهان بإجماع، لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه (٢)، ويجوز جرّ المعطوف في نحو: جاء الضارب الغلام والجارية، والطالب العلم وأدب الأبرار، لأنه صالح للوقوع في موضع المعطوف عليه، وكذلك نحو: جاء المشتري الناقة وفصيلها، جائز أيضا؛ لأنّه بمنزلة: جاء المشتري الناقة، وفصيل الناقة؛ لأنّ الضمير عائد عليه، ومثله قول الشّاعر:
٢١٩٦ - الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجّي خلفها أطفالها (٣)
فجاز هذا؛ لأنه بمنزلة: الواهب المائة وعبد المائة، فالمسائل الثلاث جائزة بلا خلاف، فإن المعطوف كـ «زيد» مما لا يقرن بالألف واللّام، ولم يضف إلى مقرون بهما، ولا إلى ضمير المقرون بهما، فإنّ سيبويه يجيز جره أيضا، ومنع ذلك أبو العباس، وهو المختار عند أبي بكر بن السراج (٤). -
стр. 2716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو عندي أصح القولين؛ لأنّ العاطف كالقائم مقام العامل في المعطوف عليه، واسم الفاعل المقرون بالألف واللام على مذهب سيبويه وغيره من البصريين لا يجرّ «زيدا» ونحوه، فلا يصح أن نعطف على المجرور به، ولا حجّة في نحو: ربّ رجل وأخيه، ولا في:
٢١٩٧ - أيّ فتى هيجاء أنت وجارها
لأنّهما في تقدير: ربّ رجل وأخ له، وأيّ فتى أنت وجار لها (١)، ومثل هذا التقدير لا يتأتّى فيما نحن بسبيله، فلا يصحّ جوازه، والله تعالى أعلم (٢). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولنشر بعده إلى أمور:
منها: أنّ الشيخ ذكر أنّ ظاهر كلام سيبويه يدلّ على أن النصب باسم الفاعل أولى من الجر به، إذا أمكن الأمران، وأنّ الكسائيّ يسوي بينهما (٣)، قال: والذي يظهر أنّ الجرّ بالإضافة أولى؛ لأنّ الأصل في الأسماء - إذا تعلّق أحدها بالآخر - الإضافة، والعمل إنما كان لجهة النسبة للمضارع، فالحمل على الأصل أولى، وهو الإضافة (٤). انتهى.
وفيما قال الشيخ (نظر) (٥)؛ لأنّ اسم الفاعل إنما أضيف إلى معموله بعد استحقاقه العمل فيه، ولهذا كانت إضافته لفظية لا تفيد تعريفا، وإذا كانت إضافته إنما هي مقصودة بعد استحقاقه للعمل، بل إنما حصلت الإضافة لتفيد تحقيقا في اللفظ خاصة، فكيف يقال: إنها الأصل؟!
نعم، لو كانت إضافة اسم الفاعل إلى معموله معنوية، واستفيد بها ما يستفاد من العمل، لو لم يضف؛ حسن أن يقال - حينئذ -: إنّ الأصل في الأسماء، إذا تعلق أحدها بالإضافة جر. -
стр. 2717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنّ الأخفش وهشاما قد يستدلان على ما ذهبا إليه - من أن الضمير في نحو: زيد مكرمك في محل نصب [٣/ ١٤٧] بقوله تعالى: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ (١) وهو استدلال ظاهر (٢)، وقد أجيب عنه بأنّ (وأهلك) منصوب بفعل مقدّر، أو أنّه نصب عطفا على الموضع عند من يجوز ذلك دون مجوّز (٣).
ومنها: أنّ الشيخ قال (٤): وترد على قول المصنف: (ووجوبا إن كان ضميرا):
وقد فسّر هو - يعني المصنف - الاتصال بأن يكون الضمير متّصلا باسم الفاعل مسألة يكون فيها الضمير متّصلا باسم الفاعل ويجوز فيها الجرّ بالإضافة والنصب تقول: زيد كائن أخاك، وزيد كائن أخيك، أجروا اسم الفاعل من «كان» الناقصة وخبره مجرى اسم الفاعل من غيرها؛ فإذا أتيت بالضّمير بعد اسم الفاعل من «كان» الناقصة جاز فيه وجهان:
أحدهما: الجرّ بالإضافة، فتقول: المحسن زيد كائنه.
والثّاني: نصبه فينفصل، فتقول: المحسن زيد كائن إياه.
قال: فهذا ضمير قد اتصل باسم الفاعل ولم تجب فيه الإضافة ثمّ قال:
وللمصنف أن يقول: كلامنا إنما هو في اسم الفاعل الطالب مفعولا به، وهذا ليس بمفعول حقيقة، وإنما هو مشبّه بالمفعول.
ومنها: أنّهم ذكروا أنّ ترك الإضافة والنصب أفصح في ثلاث مسائل هي:
زيد الضارب الرجل (٥)، ومثله: -
стр. 2718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢١٩٨ - وهنّ الشّافيات الحوائم (١)
وزيد الضارب غلام المرأة (٢)، ومثله:
٢١٩٩ - لقد ظفر الزّوّار أبنية العدا (٣)
والمرأة أنت الضارب غلامها (٤)، ومثله:
٢٢٠٠ - الودّ أنت المستحقّة صفوه (٥)
ومنها: أنّ المصنف قد قال: وأمّا الضّمير في نحو: جاء الزائراك والمكرموك؛ فجائز فيه الوجهان بإجماع؛ لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه؛ وما قاله ظاهر، وإنما جاز الوجهان؛ لأنّ النون يمكن أنّها حذفت للإضافة، ويمكن أنّها حذفت لتقصير الصلة، فيجيء الجرّ على الأول، والنصب على الثاني. لكن قال الشيخ: دعوى الإجماع باطلة، بل في المسألة خلاف، فمذهب سيبويه ما ذكره من جواز الوجهين وخالفه الجرميّ والمازنيّ والمبرّد وجماعة فجعلوا الضمير في موضع جرّ فقط (٦).
قال: وكأنّ سقوط النّون أصله أن يكون للإضافة، واحتمل هنا أن يكون سقوطها للإضافة أو للطول فحملناه على الأصل؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك بخلاف الظاهر فإنّ ما ظهر فيه من النصب اضطرنا إلى تقدير سقوطها لغير الإضافة.
ومنها: أنّ المصنف - لما ذكر ثلاث المسائل، وهي: جاء الضارب الغلام والجارية، والطالب العلم وأدب الأبرار، والمشتري الناقة وفصيلها - قال: والمسائل الثلاث جائزة بلا خلاف.
فقال الشيخ (٧): إنّ في المسألة الثانية والثالثة خلافا، وهما: أن يكون المعطوف مضافا إلى ما فيه «أل» (٨)، وإلى ضمير ما فيه «أل» (٩) ونقل عن ابن عصفور أن المبرد (١٠) -
стр. 2719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خالف في المضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام، فلم يجز إلا النصب على الموضع ومنع الجر، كما خالف في مفعول اسم الفاعل إذا كان مضافا إلى ما فيه ضمير ذي الألف واللام (١)، قال: لكنّ الشلوبين حكى عن المبرّد جواز الجرّ فصار النقل عن المبرد مختلفا (٢).
وكلام ابن عصفور يقتضي خلاف ما نقله الشيخ عنه بالنسبة إلى المبرّد فإنّه قال:
لا يجوز في قولك: هذا الضارب الرجل وعمرا؛ إلا نصب المعطوف على موضع المخفوض بإضافة اسم الفاعل إليه، هذا مذهب أبي العباس المبرد (٣)، قال: وسبب ذلك أنّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بوساطة حرف العطف، واسم الفاعل المعرف بالألف واللّام - إذا لم يكن مثنّى ولا مجموعا بالواو والنّون - لا يجوز في معموله - إذا لم يكن معرفا بهما ولا بالإضافة إلى ما هما فيه ولا إلى ضميره - إلا النصب.
وأما سيبويه فأجاز في المعطوف على المخفوض - بإضافة اسم الفاعل إليه في المسألة المذكورة وأمثالها - الخفض على اللفظ والنصب على الموضع، واستدلّ على ذلك بقوله:
٢٢٠١ - الواهب المائة الهجان وعبدها (٤)
لأنه روي بخفض «عبدها» ونصبه ولا حجة في البيت عند أبي العبّاس المبرّد ومن -
стр. 2720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخذ بمذهبه؛ لأنّ «عبدها» مضاف إلى الضمير العائد على المائة والمضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام قد يجره به العرب مجرى ما أضيف إلى ما فيه الألف واللام.
كقول الشّاعر:
٢٢٠٢ - فنعم فتى الهيجا ونعم شبابها ... ... (١)
انتهى.
ودلّ هذا الكلام على أنّ المبرّد لا يمنع جرّ المعطوف، في نحو:
٢٢٠٣ - الواهب المائة الهجان وعبدها
لأنه علّل جواز جره بكونه مضافا ذي ألف ولام، وقد عرفت أنّ الشلوبين حكى عن المبرد جواز الجر أيضا، وعلى هذا لم يثبت الخلاف في المسألة الثالثة.
وأما المسألة الثانية فلم يتعرض الشيخ إلى ذكر من خالف فيها، ولا استدلّ بشيء، ولم يزد على قوله: إنّ فيها خلافا.
وإذا كان الأمر كما ذكرنا صحّ قول المصنف: (إنّ المسائل الثلاث جائزة بلا خلاف)؛ إذ خلاف المبرد في إحدى المسألتين لم يثبت، والمسألة الأخرى لم يتحقق المخالف فيها.
ومنها: أنّك قد عرفت [٣/ ١٤٨] أنّ المصنّف ذكر أنّ سيبويه يجيز: هذا الضارب الرجل وزيد (٢)، وأنّ المبرد يخالفه، وأنّ المصنف اختار قول المبرد، وتقدم بحث المصنف في المسألة، وهو ظاهر، وليس لما أجازه سيبويه مسوغ، إلّا أن يقال:
يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل، ومما يضعف جواز: هذا الضارب الرجل وزيد؛ أنّهم أوجبوا أن يكون «بشر» في قول الشاعر: -
стр. 2721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٢٠٤ - أنا ابن التارك البكريّ بشر (١)
عطفا، لا بدلا، وموجبه أنّ البدل في نية تكرار العامل، وقد قال المصنف: إنّ العاطف قام مقام العامل، فليكن الحكم مع مباشرة العطف كالحكم مع مباشرة العامل.
قال الشيخ (٢): الذي يدلّ عليه ظاهر كلام سيبويه أنّ مثل: هذا الضارب الرجل وزيد، سماع من العرب فإنّه قال: والذي قال: هو الضارب الرجل، قال:
هو الضارب الرجل وعبد الله (٣)، وكان قد تقدم قبل هذا قوله: ولا يكون:
الضارب عمرو، كما لا يكون: هو الحسن وجه، ثم ساق مسألة العطف، قال:
فظاهر قوله: الذي قال كذا ... إلى آخره؛ هو سماع من العرب، ورأي سيبويه أنّ حكم التابع بخلاف حكم المتبوع،
وأن الاسم بعينه يجوز فيه تابعا ما لا يجوز فيه لو لم يكن تابعا. انتهى.
وفي كون كلام سيبويه يدل على أنّ هذا سماع من العرب نظر، وبعد.
ومنها: أنّ المصنف اقتصر - من ذكر معمول اسم الفاعل - على المعطوف ثم لم يذكر حكمه إلا مع اسم الفاعل المقرون باللّام، وأما ابن عصفور فإنه استوفى الكلام؛ بالنسبة إلى التوابع الخمسة، وبالنسبة إلى كون اسم الفاعل مجرّدا من اللام، ومقرونا بها، وأنا أورد كلامه في المقرب (٤) برمته، قال رحمه الله تعالى:
وإذا أتبعت معمول اسم الفاعل المرفوع أو المنصوب؛ كان التابع على حسبه في الإعراب، وأمّا المخفوض: فإما أن يتبعه نعت، أو توكيد، أو عطف بيان، أو نسق، أو بدل، فإن أتبعت بنعت، أو تأكيد، أو عطف بيان، فالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، إلا أن يكون خفضه بإضافة اسم الفاعل، بمعنى المضي إليه [وليس فيه ألف ولا لام]؛ فإنه لا يجوز - إذ ذاك - إلا الخفض على اللفظ، نحو -
стр. 2722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولك: هذا ضارب زيد العاقل نفسه أمس، وإن اتبعته بعطف نسق أو بدل؛ فإمّا أن يكون في اسم الفاعل ألف ولام، أو لا يكون؛ فإن لم يكن فالخفض على اللفظ، والنصب بإضمار فعل، نحو قولك: هذا ضارب زيدا وعمرا، أي: وضرب عمرا أو ويضرب عمرا، وهذا ضارب زيد أخاك، أي: ضرب أخاك أو يضرب أخاك، وإن كان فيه ألف ولام فإنّه إن كان مثنّى، أو جمع سلامة، بالواو والنون، جاز الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، نحو قولك: هذان الضاربان زيد أخيك وعمرو، بخفض الأخ وعمرو ونصبهما، وإن لم يكن مثنى، ولا جمع سلامة بالواو والنون، فإما أن يكون التابع معرفا بالألف واللام، أو بالإضافة إلى ما فيه الألف واللام، أو إلى ضميره، أو غير ذلك، فإن كان معرفا بشيء مما ذكر؛ جاز الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع نحو قولك: هذا الضارب الرجل والغلام، وهذا الضارب الغلام وصاحب الدابّة، وهذا الضارب الرجل وغلامه، ومنه:
٢٢٠٥ - الواهب المائة الهجان وعبدها ... ...
روي بخفض «عبد» ونصبه وإن لم يكن معرّفا بشيء ممّا ذكر، فالنصب على الموضع، ليس إلّا، نحو قولك: هذا الضارب الرجل وعمرا، بنصب «عمرا» لا غير، وكذلك البدل، على تقدير تكرار العامل، ولا تجتمع الإضافة، والألف واللام حتّى يكونا في الثاني. انتهى.
وهو تقسيم حسن جرى فيه على عادته، وكيف لا، وهو الأستاذ الذي انتهت إليه الرئاسة، وحاز قصب السبق، وبرز على الأقران في هذه الصناعة؟! وقد كان رحمه الله تعالى يقصد التقريب على الطالب، والتفهيم، وإيصال المعاني إلى المتعلمين، ويستدل على ذلك بما ضمنه تصانيفه البديعة، ومن وقف على كلامه، وتأمل مقاصده؛ علم ما أشرت إليه، وتحقق ما نبهت عليه، فرحمه الله تعالى.
ونشير إلى شيء من شرح ذلك، وذكر خلاف في بعضه، إن كان حسب ما ذكره هو في شرحه: فنقول في قوله: كان التابع على حسبه في الإعراب: ذهب البغداديّون وبعض الكوفيين إلى أنه يجوز في تابع المعمول - إذا كان المعمول منصوبا - الخفض أيضا على توهّم الإضافة (١)، واستدلّوا بقول الشاعر: -
стр. 2723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٢٠٦ - فظلّ طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجّل (١)
قالوا: فـ «قدير» معطوف على «صفيف» بتوهم الخفض فيه، بإضافة «منضج» إليه، ورد ذلك بأن «صفيفا» موضعه نصب كلفظه، وأقول: إنّ لقائل أن يقول: ليس العطف على الموضع إنّما هو باعتبار التوهّم، أي: توهم الجر، بإضافة ما قبله إليه، كما أنشده هو رحمه الله تعالى، وهو قول الشّاعر:
٢٢٠٧ - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلّا ببين غرابها (٢)
في رواية من خفض «ناعب» وقد طعن فيما استدلّوا به بأنه يلزم عنه أن يكون التقدير: من بين منضج أحد هذين، وذلك فاسد المعنى؛ لأنه إنما أراد أن يقسم الطهاة إلى صنفين، صنف يطبخ صفيفا، وصنف يطبخ قديرا، وإذا كان المعنى كذلك لم يكن بدّ في البيت من تقدير مضاف محذوف معطوف على «منضج» وكأنه قال: من بين منضج
صفيف شواء، أو طابخ قدير، ثمّ حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه (٣).
وقوله: فإن أتبعت بنعت [٣/ ١٤٩] إلى قوله: هذا ضارب زيد العاقل نفسه أمس؛ ظاهر، وعلم باستثنائه الذي هو بمعنى المضيّ وليس فيه ألف ولام أنّ اسم -
стр. 2724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفاعل الخافض ما بعده من معمولاته إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، أو بمعنى الماضي، ودخلته الألف واللّام يجوز في تابع معموله الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، إذا كان التابع نعتا أو توكيدا أو عطف بيان.
وقوله: وإن أتبعت بعطف نسق أو بدل، إلى قوله: ويضرب أخاك؛ لا خلاف بين النحويين أنّ مخفوض اسم الفاعل غير المعرّف باللام، إذا أتبع اسما على طريق البدل لا يجوز في تابعه إلا الخفض على اللفظ، وإن نصب كان النصب بفعل مضمر، وإنما امتنع البدل على الموضع؛ لأنّ اسم الفاعل إن كان بمعنى المضي لم يكن مخفوضه في موضع نصب، فينتصب على الموضع، وإن كان بمعنى الحال والاستقبال فالأمر كذلك، أي: لا يجوز إلا الخفض، ولا يجوز النصب حملا على الموضع؛ لأنّ البدل في نية تكرار العامل، فلو جعلت «أخاك» - من قولك: هذا ضارب زيد أخاك غدا أو الآن - بدلا من موضع زيد للزم أن يكون التقدير: هذا ضارب زيدا ضارب أخاك الآن أو غدا، وذلك غير
سائغ؛ لأنّ اسم الفاعل غير المعرّف باللام، إذا كان منويّا لا ينصب، فلم يبق إلّا أن يكون منصوبا بإضمار فعل، وحكم عطف النسق حكم البدل، إلا أن من النحاة من أجاز النصب على الموضع في العطف، إذا كان اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، فتقول: هذا ضارب زيد وعمرا، الآن أو غدا، والأصحّ أنّ ذلك لا يجوز؛ لأنّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، بوساطة حرف العطف، فلو جعل «عمرو» معطوفا على موضع «زيد» لزم منه أن يكون منصوبا بـ «ضارب» وهو غير منوّن، وهو لا ينصب إلا إذا كان منونا.
ثم سأل فقال: إن قلت: لم جاز في المخفوض بإضافة اسم الفاعل غير المعرف بالألف واللام إليه إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال أن ينعت ويؤكد ويعطف عليه عطف بيان بالنظر إلى موضعه، ولم يجز البدل وعطف النّسق إلّا بالنظر إلى اللفظ خاصّة؟
فالجواب: أنّ ذلك إنما امتنع في البدل، وعطف النسق، لما تقدم تقريره، من أنّ البدل في نية تكرار العامل وأنّ العامل في عطف النسق هو العامل في المعطوف عليه، بواسطة حرف العطف، وأما النعت والتوكيد وعطف البيان فليست كذلك، والعامل فيها إنما هو تبعيتها لما قبلها (١).
стр. 2725
[اسم المفعول: عمله عمل فعله الذي لم يسم فاعله وشروط عمله وبناؤه]
قال ابن مالك: (يعمل اسم المفعول عمل فعله مشروطا فيه ما شرط في اسم الفاعل، وبناؤه من الثّلاثيّ على زنة «مفعول»، ومن غيره على زنة اسم فاعله مفتوحا ما قبل آخره ما لم يستغن فيه بـ «مفعول» عن «مفعل» وينوب في الدّلالة لا العمل عن «مفعول»، بقلّة: «فعل، وفعل، وفعلة»، وبكثرة:
«فعيل»، وليس مقيسا، خلافا لبعضهم، وقد ينوب عن «مفعل»).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): الهاء من قولي: (يعمل عمل فعله) عائدة على المفعول، فكأنّه قيل: يعمل اسم المفعول عمل فعل المفعول، أي: عمل الفعل الذي لم يسمّ فاعله، فيقال: هذا مذهوب به، ومضروب عبده، ومعطى ابنه درهما، ومعلم أخوه زيدا صديقك (٢)، ويشترط في إعماله ما شرط في إعمال اسم الفاعل، من اعتماد على صاحب مذكور، أو منوي، أو على نفي صريح أو مؤول، أو على استفهام موجود أو مقدر، وغير ذلك.
ومن إعماله معتمدا على مقدر قول الشاعر:
٢٢٠٨ - فهنّ من بين متروك به رمق ... صرعى وآخر لم يترك به رمق (٣)
ومثله:
٢٢٠٩ - ونحن تركنا تغلب ابنة وائل ... كمضروبة رجلاه منقطع الظّهر (٤)
-
стр. 2726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبناؤه من الثلاثي على زنة «مفعول»، نحو: علم فهو معلوم، ومن الرباعي والخماسي والسداسي على زنة اسم فاعله، مفتوحا ما قبل آخره نحو: مدحرج ومجتذب، ومستفهم ما لم يستغن فيه بـ «مفعول» عن «مفعل»، كـ: مزكوم ومحموم ومحزون، ومنه: محبوب في الأكثر، وقد نبّهت على ذلك فيما مضى، ومثال «فعل» النائب عن «مفعول»: ذبح، وطرح، وطحن، بمعنى: مذبوح ومطروح، ومطحون، ومثال «فعل»: لفظ، ولقط، ونقض، وقبض، بمعنى:
ملفوظ، وملقوط، ومنقوض ومقبوض، ومثال «فعلة»: أكلة، ومضغة، ولقمة وغرفة وجرية، ومثال «فعيل»: جريح، وكليم، وصريع، وأخيذ، وقتيل، وأسير، ودهين، وخضيب، ولديغ، وغسيل، ودفين، ومقيل.
وهذا - مع كثرته - مقصور على السّماع، وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس له «فعيل» بمعنى فاعل، كـ «قتيل» لا فيما له فعيل بمعنى فاعل كـ «عليم»، وقد يصاغ فعيل بقصد المفعوليّة من «أفعل»، فمن ذلك قولهم: أعقدت العسل فهو عقيد، وأعلّ الله فلانا، فهو عليل. انتهى كلامه، ويتعلق به الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: أنه سيعرف في باب الصفة المشبهة أنّ اسم مفعول المتعدّي إلى واحد يجوز أن يعامل معاملة الصفة المشبهة في الاستعمال، فيقال: مررت برجل مضروب الظّهر (١)، وبرجل مجذوع الأنف، ولا شكّ أنّ الأصل في هذين المثالين: برجل مضروب الظّهر [٣/ ١٥٠] ومجذوع الأنف، بالرّفع، ثم بنصب الظّهر والأنف على التشبيه بالمفعول به، بعد إسناد اسمي المفعول إلى ضمير الاسم السابق، ثمّ جر الظّهر والأنف، بإضافة الصفة إليهما، كما في نحو: برجل حسن الوجه.
قال الشيخ: فإن كان اسم المفعول (٢)، ممّا يتعدّى لاثنين فأكثر فقياس هذا أن -
стр. 2727
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نقول: مررت برجل مكسو الأب جبّة ومظنون الأخ قائما، ومعلم الغلام عمرا ضاحكا وقد منعوه، والسبب في منع ذلك أنّ الإضافة هي من نصب على الصحيح ورفضوا ذلك؛ لأنه من حيث انتصاب الثاني، أو الثاني والثالث، يكون حكمه حكم اسم مفعول الذي يتعدّى إلى المفعول به، ومن حيث انجرار ما يليه يكون حكمه حكم الصفة المشبهة، ويختلف إذ ذاك حكمه بالنظر إلى المنصوبات، ألا ترى أنه يجوز في ذلك تقديم المنصوب؛ لأنه مفعول به، ويلزم ألا يجوز تقديم ما يلي اسم المفعول لو نصب؛ لأنه معمول الصفة المشبّهة وكلّ ما يجر في باب الصفة يجوز أن ينصب؛ لأنّ الجرّ هو من النّصب.
ولا يوجد في كلامهم عامل ينصب اسمين أحدهما مفعول به، والآخر يشبه بالمفعول به فيتقدم المفعول به عليه ولا يتقدم المشبه بالمفعول به بل ما وجد من ذلك يجوز تقديمه على العامل فإذا قلت: هذا ضارب اليوم زيدا، واتسعت في اليوم فنصبته على التشبيه بالمفعول به فإنه يجوز تقديمه على «ضارب» كما تقدّم «زيدا» عليه، فلمّا كان ذلك مؤديا إلى المنع في باب اسم المفعول المضاف إلى ما بعده، وما بعده منصوب رفض جواز ذلك.
الأمر الثاني: قد فهم من قول المصنف: وينوب في الدلالة لا العمل إلى آخره أنّه لا يجوز بشيء من هذه الألفاظ
الثابتة أن يرفع فلا يقال: مررت برجل ذبح كبشه، ولا: طحن برّه، ولا: برجل كحيل عينه، ولا: برجل قتيل أبوه.
قال الشيخ: وفي كلام ابن عصفور ما يشعر بالجواز، ثم قال: ويحتاج ذلك إلى سماع عن العرب (١)، وقد عرف من قول المصنف: «وليس مقيسا، خلافا لبعضهم أنه لا يقال: ضريب في «مضروب» ولا: عكيم في «معكوم»، ولا: قويل في «مقول» ولا: بييع في «مبيع».
وقد استدرك الناس على الإمام بدر الدين ولد المصنف، ذكره الإجماع على أنه لا يقاس على نحو: جريح، وقتيل؛ بأنّ والده قد ذكر أنّ في ذلك خلافا (٢).
стр. 2728
الباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعل
[تعريفها وشرح التعريف]
قال ابن مالك: (وهي الملاقية فعلا لازما، ثابتا معناها تحقيقا أو تقديرا، قابلة للملابسة والتّجرّد، والتّعريف، والتّنكير بلا شرط).
قال ناظر الجيش: اعلم أنّ المشتقّ من الأسماء إذا أطلق في عرف النّحاة، إنّما يعنى به ما فيه معنى الفعل وحروفه، وهو أربعة أشياء: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل؛ وذلك أنّ المشتق إمّا أن يدلّ على حدث ومن قام به، أو على حدث ومن وقع عليه الثاني اسم المفعول، والأول إمّا أن يدلّ على حدث ومن قام به على جهة المشاركة لغيره والزيادة عليه في ذلك فهو أفعل التفضيل. أو لا على سبيل المشاركة، فإن أفاد الدلالة على حدوث ذلك المعنى وتجرّده لما هو له فهو اسم الفاعل، وإن لم يفد الدلالة على التجرّد بل أفاد الدلالة على ثبوت ذلك المعنى لصاحبه فهو الصفة المشبهة.
فقول المصنّف: وهي الملاقية فعلا جنس يشمل المشتقّات الأربعة المذكورة، والمراد أنّها تلاقي الفعل في الاشتقاق ومن المصدر، والملاقية كلمة مناسبة لطلب الاختصار.
قال المصنف (١): واحترز بالملاقية من نحو: قرشيّ وقتات؛ يعني أنّهما لا يلاقيان فعلا، وجرى في ذلك على عادته
في الحدود فإنه يحترز بالجنس، وقوله: لازما فصل يخرج به اسم المفعول واسم الفاعل الملاقي فعلا متعديا، كـ: عارف، وجاهل، وهكذا مثّل بهما المصنف، وهو تمثيل جيّد؛ فإنّ معناهما ثابت لصاحبهما، لكنّهما ملاقيان فعلا متعدّيا.
وقوله: ثابتا معناها فصل ثان، يخرج به اسم الفاعل، الملاقي فعلا لازما، وليس له دلالة على ثبوت معناه، بل على تجدّده، وحدوثه كقائم، وقاعد، وإنّما قال:
تحقيقا؛ توطئة لقوله: تقديرا يعني أنه قد يكون معنى الصفة غير ثابت، فيقدر ثبوته، -
стр. 2729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لـ: منقلب ونحوه (١)، وتقديره الثبوت - هنا - فيما هو غير ثابت في نفسه أحسن من قوله - في شرح الكافية -: ودلالتها على معنى ثابت غير لازمة لها، ولو كانت لازمة لم تبن من: عرض، وطرأ، ونحوهما (٢).
وقوله: قابلة للملابسة والتجرّد فصل ثالث، قال المصنف: احترز به من: أب، وأخ ونحوهما، ولا أدري ما يريد بالملابسة والتجرّد.
وقال الشيخ (٣): لا ينبغي أن يحترز منهما؛ لأنهما لم يدخلا في قوله: (الملاقية فعلا)؛ لأنهما لم يلاقيا فعلا بمعناهما، وإذا لم يدخلا فلا احتراز. انتهى. وهو كلام صحيح.
وقوله: والتعريف والتنكير بلا شرط. فصل رابع، يخرج به أفعل التفضيل؛ لأنّ الصفة المشبهة قابلة لهما مطلقا، ولا يقبلهما أفعل التفضيل إلا بشرط، وقد مرّ ذلك محكما في بابه.
قال الشيخ (٤) ولا ينبغي أن يحترز من أفعل التفضيل؛ لأنّه لم يدخل فيما قبله لأنه لا يلاقي فعلا، لا لازما ولا متعدّيا؛ لأنّه لم يوجد فعل يدلّ على معنى التفضيل حتّى يكون «أفعل» يلاقيه. انتهى.
وما قاله غير ظاهر. وحكمه بأنّ «أفعل» لا يلاقي فعلا ممنوع، بل هو ملاقي الفعل في الاشتقاق خاصّة، بمعنى أنّهما التقيا على الاشتقاق من المصدر، وهو مراد المصنّف، ثم معنى التفضيل إنّما أفاده المشتق نفسه، وهذا شأن المشتقات أنّها تفيد معنى المشتقّ منه ويزيد في الدلالة عليه معنى آخر، ثمّ ذلك المعنى الزائد يختلف بحسب اختلاف الصيغ المشتقة، وهذا آخر الكلام على الحدّ.
والمراد بكونها مشبهة: أنّها شبّهت باسم الفاعل المتعدّي فنصبت وهي بذاتها لا تقتضي منصوبا، وأنها شبهت دون أفعل التفضيل لأن كمال المشاركة الذي بينهما وبين اسم الفاعل لم يكن لـ «أفعل»، فاشترك الثلاثة في أنّ كلّا
منها صفة فتحمل الضمير طالبه لاسم بعده.
وفضلت الصفة بمشاركتها اسم الفاعل، في قبول التأنيث، والتثنية والجمع -
стр. 2730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنّها تكون معرفة ونكرة، بلا شرط، واتفق النحاة على أنّها مشبهة إذا خفضت أو نصبت، واختلفوا [٣/ ١٥١] إذا رفعت فمنهم من لا يجعلها مشبّهة إذ ذاك، وهو الذي نصّ عليه الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، في كتبه (١)، والقائلون بذلك يجعلون رفعها بالحمل على الفعل، ولا يبالي بعدم جريانها على الفعل في الحركات والسكنات؛ لأنهم إنّما يشترطون الجريان إذا عملت نصبا أو خفضا، ومنهم من يجعلها مشبهة إذا رفعت، كحالها إذا نصبت أو خفضت.
قال الشيخ (٢): وهو اختيار الأستاذ أبي عليّ، ويظهر من كلام ابن جني (٣) فعملها الرفع إنّما هو بالحمل على اسم الفعل، ولا على الفعل؛ لأنها ليست بجارية عليه، وعند هؤلاء لا يعمل الاسم رفعا، ولا نصبا، ولا خفضا، بالحمل على الفعل يكون جاريا عليه، وبنى الشيخ على القولين إعمال اسم الفاعل الماضي في مرفوع، فيجوز على القول الأول، ويمتنع على القول الثاني، وقد تقدم أنّ الصحيح أنّ اسم الفاعل الماضي يرفع، وهذا يرجح القول الأول.
والمصنف لم يصرح باختيار أحد المذهبين، وإنّما يظهر من كلامه في شرح الكافية أنّها إذا رفعت غير مشبهة (٤)، وهو الذي يقتضيه النظر.
ثم لا بدّ في عمل الصفة الشبهة من الاعتماد؛ إمّا على استفهام، أو نفي، أو صاحب خبر، أو حال، أو نعت، فهي في ذلك كاسم الفاعل، ولم يذكر ذلك المصنف هنا اكتفاء بما ذكره في باب اسم الفاعل؛ لأنّ الصفة فرع، فهي أحوج إلى -
стр. 2731
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاعتماد منه، ولم يذكر ابن عصفور - في حدّ الصفة المشبّهة - سوى أنّها المأخوذة من فعل غير متعدّ، فيدخل عنده نحو: قائم وجالس ونائم، وفيه نظر.
وقال ابن عصفور (١): الصفة المشبهة باسم الفاعل هي: كلّ صفة مأخوذة من فعل غير متعدّ؛ لأنّها إنما شبهت باسم الفاعل المأخوذ من الفعل المتعدي فعملت عمله، ووجه الشبه بينهما أنها صفة كما أنّ اسم الفاعل كذلك وأنّها متحملة للضمير كما أنّ اسم الفاعل متحمل ضميرا، وأنّها طالبة للاسم بعدها كما أنّ اسم الفاعل طالب للاسم بعده، وأنّها تذكر وتؤنث وتثنّى وتجمع، كما أنّ اسم الفاعل كذلك، فتقول:
مررت برجل حسن الوجه، كما تقول: مررت برجل ضارب زيدا، فلما أشبهته من هذه الوجوه عملت عمله، فإن نقص من هذه الوجوه شيء لم تعمل، مثال ذلك «أفعل من» هو صفة طالب ضميرا، طالب الاسم بعده تقول: زيد أفضل من عمرو أبا، ولا تقول: زيد أفضل من عمرو الأب؛ لأنّه قد نقص منه التثنية والجمع والتأنيث.
والصفة المشبهة تنقسم ثلاثة أقسام: قسم اتفق النحويون على أنّه يشبه عموما، وقسم اتفق النحويون على أنه يشبه خصوصا، وقسم فيه خلاف.
فالذي يشبه باسم الفاعل عموما: هي كلّ صفة لفظها ومعناها صالح للمذكّر والمؤنّث، ونعني بالعموم أن تجري صفة المؤنّث على المؤنّث، والمذكر على المذكر، والمذكر على المؤنث، والمؤنث على المذكر؛ مثال ذلك: مررت برجل حسن الوجه، والذي يشبه باسم الفاعل خصوصا: كلّ صفة لفظها ومعناها خاص بالمذكر أو بالمؤنث ونعني بالخصوص أن تجري صفة المذكر على المذكر والمؤنّث على المؤنث، مثال ذلك:
«عذراء» في المؤنث، و «ملتح» في المذكر، تقول: مررت برجل ملتح الابن، وبامرأة عذراء البنت، ولا يجوز أن
تقول: مررت برجل أعذر البنت، ولا بامرأة ملتحية الابن؛ لئلّا تحدث لفظا ليس من كلام العرب، والذي فيه خلاف كلّ صفة لفظها صالح للمذكر والمؤنث ومعناها خاصّ بأحدهما؛ مثال ذلك «حائض» في المؤنث و «خصيّ» في المذكر، فتقول: مررت برجل خصيّ الابن وبامرأة حائض البنت ... ثم قال ابن عصفور: الصفة لا تكون مشبهة حتّى تنصب أو تخفض؛ لأنّ الخفض لا يكون إلّا من النصب، ولا يجوز أن يكون من الرفع؛ لئلّا يؤدي إلى إضافة الشيء إلى نفسه (٢).
стр. 2732
[موازنتها للمضارع من الثلاثي وغيره]
قال ابن مالك: (موازنتها للمضارع قليلة إن كانت من ثلاثيّ ولازمة إن كانت من غيره ويميّزها من اسم فاعل الفعل اللّازم اطّراد إضافتها إلى الفاعل معنى).
قال ناظر الجيش: إذا كانت الصفة مصوغة من فعل ثلاثيّ فالغالب كونها غير موازنة للفعل المضارع، كـ: جميل الوجه، وليّن العريكة، وعظيم المقدار، وحسن السيرة، وخشن البشرة، ويقظان القلب، وألمى الشفة (١).
وقد توازن المضارع، كـ: ضامر البطن، وساهم الوجه، وخامل الذّكر، وحائل اللون، وظاهر الفاقة، وطاهر العرض، وإذا كانت مصوغة من غير ثلاثيّ فلا بدّ من موازنتها المضارع، كـ: منطلق اللّسان، ومطمئنّ القلب، ومستسلم النّفس، ومغدودن الشّعر، ومتناسب الشّمائل.
قال الشاعر:
٢٢١٠ - أهوى لها أسفع الخدّين مطّرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشّبك (٢)
وقول آخر:
٢٢١١ - ومن يك منحلّ العزائم تابعا ... هواه فإنّ الرّشد منه بعيد (٣)
-
стр. 2733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الصفار - في شرح كتاب سيبويه -: وزعم الزمخشري أنّ الصفة المشبهة هي التي لا تجري على فعلها، نحو: حسن، وشديد (١)، وهو ظاهر كلام أبي عليّ في الإيضاح (٢).
وهذا خلف ألا تراهم متفقين في قوله:
٢٢١٢ - من صديق أو أخي ثقة ... أو عدوّ شاحط دارا (٣)
على أنّ شاحطا صفة مشبّهة (٤) انتهى، وقال الشاعر:
٢٢١٣ - تباركت إنّي من عذابك خائف ... وإنّي إليك تائب النّفس ضارع (٥)
ويميز الصفة المشبّهة من اسم فاعل الفعل اللازم إمكان إضافتها إلى ما هو فاعل في المعنى، كما رأيت في الأمثلة المتقدمة آنفا، فكلّ اسم فاعل فعل لازم يعتبر بإضافته إلى ما هو فاعل في المعنى، فإن صحّ ذلك فيه كان صفة مشبهة، وإلا فليس أياها.
قال الشيخ بدر الدّين ابن المصنّف، رحمهما الله تعالى: لا تسوغ الإضافة في -
стр. 2734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسم الفاعل إلا إن أمن اللبس، فقد يجوز على ضعف، وقلّة الكلام نحو: زيد كاتب الأمير، كاتب الأب، تريد: كاتب أبوه (١) انتهى.
وهو غير ظاهر، فإنّنا لم نضعّفه حتّى جعلناه صفة مشبهة، ولهذا قال المصنف في آخر هذا الباب: وإن قصد ثبوت معنى اسم الفاعل عومل معاملة الصفة المشبّهة.
واعلم أنّه إذا أضيفت الصفة المشبهة إلى معمولها، فالأكثرون (٢) على أنّ الإضافة إنّما هي من نصب، لا من رفع، فإذا قلت: مررت برجل حسن الوجه؛ فأصله: حسن الوجه، بالنّصب، شبه اللازم بالمتعدّي؛ فنصب ثمّ جرّ المنصوب
كما يجرّ منصوب اسم الفاعل المنصوب وصار الفاعل ضميرا، مستكنّا في الصفة فالنصب على هذا ناشئ عن الرفع، والخفض ناشئ عن النصب وذهب بعضهم إلى أنّ الإضافة يمكن أن تكون من نصب وأن تكون من رفع (٣).
وعلّله بأنك إذا قلت: مررت برجل حسن وجهه، بالرفع وهو الأصل، أردت أن تنقل الضمير إلى الصفة مبالغة، فلمّا نقلت بقي الوجه دون إعراب فإما أن تنصبه ثم تخفضه، وإما أن تخفضه من أول وهلة.
قلت: ولا يلزم منه إضافة الشّيء إلى نفسه لأننا إنّما أضفنا بعد النقل، وحينئذ صار «الحسن» هو الضمير، لا «الوجه» فخفض «الوجه» بالإضافة، على ما يجب في الأسماء، من إضافة بعضها إلى بعض. انتهى. -
стр. 2735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأمر في ذلك قريب ولا يترتب على هذا الخلاف حكم والذي تقتضيه الصناعة أن تكون الإضافة من نصب، قال ابن عصفور: وهو مذهب سيبويه (١).
وقال الشيخ: ظاهر كلام المصنف يدلّ على أنّ الإضافة من رفع (٢) انتهى.
وظاهر كلام المصنف يدلّ على أنّ الإضافة ليست من رفع؛ لقوله: الفاعل معنى ولو أراد أنّها من رفع، لم يقيد الفاعل بالمعنى بل كان يطلق، وههنا تنبيهان:
الأول: يستفاد من قول المصنف في الحدّ: (ثابتا معناها) أنّها للزّمان الدائم، فلا تختصّ بزمان، دون زمان، وقال ولده رحمه الله تعالى - في شرح الألفيّة -:
لا تكون للماضي المنقطع ولا للمستقبل الذي لم يقع، وإنّما تكون للحال الدائم، وهو الأصل في باب الوصف (٣). انتهى.
وما استفيد من كلام المصنّف، وصرّح به ولده هو الحقّ.
ونقل [٣/ ١٥٢] الشيخ عن النّحاة في زمان هذه الصفة أقوالا مختلفة ظاهرها التدافع (٤)، وذكر عن بعضهم الجمع بين قولين منها ظاهري التناقض، على أنّه يمكن رد الأقوال كلّها إلى ما يراه المصنف، لأنّ مقاصد قائليها يمكن أن تكون واحدة، وإن اختلفت عباراتهم، والذي ذكره الشيخ هو أنّ أكثرهم ذهب إلى أنّه لا يشترط أن يكون بمعنى الحال، وأنّ ابن طاهر ذهب إلى أنها تكون للأزمنة الثلاثة، وأنّ السيرافي ذهب إلى أنّها أبدا بمعنى الماضي، وأنّ ابن السراج والفارسي ذهبا إلى أنّها لا تكون بمعنى الماضي (٥)، وذكر أنّ صاحب البسيط ذكر عن بعضهم أنّها -